← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ليس إلا من عند الله، لأنه العزيز الذي لا يمنع عما يريد فعله، الحكيم الذي يضع النصر في موضعه، ففصل ذلك في خبرين على الأصل الواجب في توفية كل معنى حقه من البيان. والآية التي في سورة آل عمران هي في قصة يوم الأحد، وهي بعد يوم بدر. وكان هذا البيان قد جعل خبرا عن النصر في اليوم الأول، فاقتصر اليوم الأول، فاقتصر من ذكر مثله في اليوم الثاني على خبر واحد، يجري عليه معنى الخبر الثاني مجرى الوصف، لاختصار المعنى عن البسط، اعتمادا على ما فصل في الخبر الأول،

стр. 387

فكان الاختصار بالثاني أليق، وكان الثاني له أجمل، فخص كل موضع بما رأيت لما ذكرت والله أعلم.

стр. 388

٢٩ الآية السادسة منها قوله تعالى: (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) آل عمران: ١٣٦. وقال في سورة العنكبوت الآية: ٥٨: (..خالدين فيها نعم أجر العاملين) . للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في السورة بالواو من قوله: (ونعم) وإخلائها في سورة العنكبوت منها؟ والجواب: أن الآية من هذه السورة مبنية على تداخل الأخبار، لأن أولها: (جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) . ف (أولئك) مبتدأ، و (جزائهم) مبتدأ ثان، و (مغفرة) خبر المبتدأ الثاني، وهو مع خبره خبر عن المبتدأ الأول، والجزاء هو الأجر، فكأنه قال: أولئك

стр. 389

أجرهم على أعمالهم محو ذنوبهم، وإدامة نعمهم، وهذا الأجر مفضل على كل أجر يعطاه عامل عمله، فنسقت الأخبار بعضها على بعض للتنبيه على النعم التي هيئت لرجاء الراجلين، وأكملت بها منية المتهمين. والخبر إذا جاء بعد خبر في هذا المكان الذي تفصل فيه المواهب المرغب فيها، فحقه أن يعطف على ما قبله بالواو، وكقولك: هذا جزاء كذا وكذا، أي: هو ترك المؤاخذة بالذنب والتنعم في جنة الخلد، وتفضيله على كل جزاء جوزي به عامل، وذلك تشريف وكرامة.

стр. 390

وأما الآية التي في سورة العنكبوت فإن ما قبلها مبني على أن يدرج الكلام فيه على جملة واحدة، وهي: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا..) العنكبوت/ ٥٨. فقوله: (والذين آمنوا) مبتدأ، وقوله: (لنبوئنهم) في موضع خبره، وهذا الخبر يتصل به مفعولان، الأول: (هم) والثاني (غرفا) . و (غرفا) نكرة موصوفة بقوله: (تجري من تحتها الأنهار) وقوله: (خالدين فيها) حال من التبوئة. فلما جعلت هذه الأشياء كلها في درج كلام واحد، وهي جملة ابتداء وخبر، واحتمل (نعم أجر العاملين) أن تجيء بالواو وأن يجيء من دونها، اختير مجيئها بغير واو ليشبه ما تقدم من صفة الخبر، لا على سبيل عطف ونسق بها.

стр. 391

ويحتمل أن يكون في موضع خبر ومبتدأ، كأنه قال: ذلك نعم أجر العاملين، ويكون قوله: (ذلك) إشارة إلى ما ذكر الله من إسكانهم الجنة، فيجري بلا واو مجرى ما هو من تمام الكلام كقوله تعالى: (..والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجناب لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير) الشورى: ٢٢.

стр. 392

فقوله: (ذلك) وإن انقطع عن الأول في اللفظ فإنه متصل به من طريق المعنى، فكأنه قال: (لهم ما يشاؤون عند ربهم) مشار إليه بأنه الفضل الكبير. وقوله: (نعم أجر العاملين) أي: ذلك نعم أجر العاملين، والمعنى مشار إليه بتفضيل على أجور العاملين وإذا كان الأمر على ما ذكرت في الآيتين لم يلق بكل واحدة منهما إلا ما جاءت به والله أعلم.

стр. 393

٣٠ الآية السابعة منها قوله تعالى: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير) آل عمران: ١٨٤. وقال في سورة الملائكة ٢٥: (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير) . للسائل أن يسأل عن اختلاف الآيتين في إدخال الباء في: قوله: (وبالزبر وبالكتاب المنير) في موضع، وحذفها منه في موضع في قراءة الأكثرين؟ والجواب أن يقال: إن الزبر والكتاب المنير في سورة آل عمران وقعا في كلام بني على الاختصار والاكتفاء بالقليل عن الكثير مع وضوح المعنى.

стр. 394

وكان أول ذلك قوله: (فإن كذبوك) والتقدير: فإن يكذبوك، فوضع الماضي الذي هو أخف موضع المستقبل الذي هو أثقل بدلالة إنالتي للشرط وحصول الخفة في اللفظ، ثم إن الفعل الذي جاء في جواب الشرط بني للمفعول، ولم يسم فاعله، فكان الاختيار أن يجعل آخر الكلام كأوله بالاكتفاء بما قل عما كثر منه مع وضوح المعنى. والآية التي في سورة الملائكة صدرت بما يخالف ذلك في الموضعين، لأن الشرط جاء فيها على الأصل بلفظ المستقبل، وهو: (وإن يكذبوك) وجاء الجزاء أيضا مبنيا للفاعل، ولم يحذف منه ما حذف من الأول. فلما قصد توفيه اللفظ حقه أتبع آخر الكلام أوله في توفية كل معمول في عامله، وهي حروف الجر التي استوفتها المجرورات، فلذلك اختلفت الآيتان والله أعلم.

стр. 395

مضت سورة آل عمران عن سبع آيات وثلاثة عشر مسألة.

стр. 396

حيث لا يحتاج إلى ذكر الفاعل، وأيراد فعل الشرط ماضيا وأصله المستقبل، ولفظ الماضي أخف من المضارع. كذلك حذف الجار في قوله: (والزبر والكتاب المنير) تخفيفا لمناسبة ما تقدم في الاختصار. وأما آية سورة فاطر فسياقها البسط بدليل وقوع فعل الشرط فيه بلفظ المستقبل، وإظهار فاعل ومفعول في قوله تعالى: (جاءتكم رسلكم) فناسب هذا البسط ذكر الجار" الباء" في الثلاثة (بالبينات وبالزابور وبالكتاب المنير) ليكون كله على نسق واحد. (ينظر: البرهان للكرماني: ١٥٢، كشف المعاني لابن جماعة: ١٣٤، حيث أفدت منهما في هذا التوضيح) . (١٧) في (ك) : عن ست آيات وإحدى عشر مسألة، وذلك خطأ حيث ذكرت فيها آيات سبعة كما في (أ، ب) . وأما النسخ الأخري (ح، خ، ر، س) لم يأت فيها ذكر الآية السادسة من هذه السورة. (١٨) بعد التتبع نجد أن المؤلف ﵀ تناول في هذه السورة خمس عشر مسألة، ومسألتان في الرابعة، وثلاث مسائل في الخامسة، ومسألة في السادسة ومسألة في السابعة، وبذلك يكون عدد المسائل خمسة عشر مسألة. ولعل ذلك يرجع إلى ظهور مسائل جديدة للمؤلف وهو يملي، كما قال في صفحة٢٤١: " وفي هذه الآية مسألة أخرى، وهي أن يقال ... " وقد تتكر مثل هذه الحالات أثناء الإملاء، ولعل هذا يفسر لنا الاختلاف الموجود في ذكر عدد المسائل في آخر بعض السور كما سنرى ذلك إن شاء الله. سورة النساء "٣١" الآية الأولى منها: قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) " سورة النساء: ٤٨". وقال في هذه السورة أيضا: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) " النساء: ١١٦" للسائل أن يسأل عن فائدة تكرار هذه الآية، وله أن يسأل فيقول: لم كان جواب (من يشرك بالله) في الآية الأولى: (فقد افترى إثما عظيما) وجوابه في الآية الثانية: (فقد ضل ضلالا بعيدا) ؟ فأما الجواب عن التكرار فلأن هذه السورة لما اشتمل صدرها على ذكر الأحكام، وانتهى إلى ذكر التيمم، ثم انقطع ذلك بقوله: (ألم تر الذين أوتوا

стр. 397

نصيبا من الكتاب..) " النساء: ٤٤" وهم اليهود الذين أوتوا التوراة فحرفوا ما فيه دلالة على صحة نبوة محمد- (- إلى ما يدعوا إلى ترك الإيمان به، ثم توعدهم إن أقاموا على ذلك الكفر بقوله: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها..) " النساء: ٤٧" أتبع ذلك بما دل به على عظم الكفر الذي هو الشرك، وذلك في أمر اليهود، ويحتمل أن يقال: إنما سماهم مشركين لما قالوا عزير ابن الله، ومن ادعى لله ابنا فهو مشرك.

стр. 398

والموضع الثاني تقدمت فيه آية هي قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) " النساء: ١١٥"، ومعناه من عادى الرسول ﷺ بعد ما ظهرت آياته وتظاهرت دلالاته، وتبع سبيل الكفار فإن الله تعالى يوليه ما تولى من الأصنام التي عبدها بأن يكله إليها ليستظهر بها، ولا نصر عندها، وهؤلاء مشركو العرب، فدل على أن من تقدم ذكرهم وإن كانوا أوتوا الكتاب كهؤلاء

стр. 399

المشركين الذين لا كتاب لهم، كفرهم ككفرهم، وسبيلهم كسبيلهم، فأعاد تقدم ذكرهم ليعلم أنهم وإن خالفوهم دينا فقد وافقوهم كفرا، فهذه فائدة التكرار. وأما إتباع الأول (فقد افترى إثما عظيما) فلأن من أريد بالآية الأولى قوم عرفوا صحة نبوة النبي من الكتاب الذي معهم، فكذبوا وافتروا ما لم يكن عندهم، فكان كفرهم من هذا الوجه الذي أضلوا به أتباعهم

стр. 400

وأما اتباع الثاني (فقد ضل ضلالا بعيدا) من أريد بهم المشركون العرب، وهم لم يتعلقوا بما يهديهم، ولا كتاب في أيديهم فيرجعوا إليه فيما يتشككون فيه فقد بعدوا عن الرشد وضلوا أتم الضلالات، فاقتضى المعنيون بالأول ما ذكره الله تعال والمعنيون بالثاني ما أتبعه إياه، وإن كان الفريقان مفترين إثما عظيما، وضالين ضلالا بعيدا والله أعلم.

стр. 401

٣٢ الآية الثانية منها قوله تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعلمون خبيرا) النساء: ١٢٨. وقال بعده: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما) النساء: ١٢٩. للسائل أن يسأل عن مسألتين في ذلك: إحداهما قوله تعالى في الآية الأولى: (وإن تحسنوا وتتقوا) وفي الثانية (وإن تصلحوا وتتقوا) ؟ والمسألة الثانية ختم الآية الأولى بقوله: (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) والثانية بقوله: (فإن الله كان غفورا رحيما) . والجواب عن الأولى: أن معناها: إن خافت امرأة من زوجها ترفعا ونبوا

стр. 402

لملل أو إعراضا موجدة أو بدل فلا إثم في إثم في أن يتصالحا على أن تترك له من مهرها، أو بعض أياما ما يتراضيان به، والصلح خير من أن يقيما على التباعد، أو يصيرا إلى القطيعة ونفس كل واحد منهما تشح بما لها قبل صاحبها وقيل: المراد: شحهن على النقصان من أموالهن وأنصبائهن من

стр. 403

أزواجهن وهذا يقتضي مخاطبة الأزواج بمجانبة القبيح وإيثار الحسنى في معاملتهم، فبعث الله تعالى في هذا المكان على فعل الإحسان. وأما الثانية فجاءت بعد قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) في محبتهن والشهوة لهن، لأن ذلك ليس إليكم، وإن حرصتم على التسوية بينهن (فلا تميلوا كل الميل) بأن تجعلوا كل مبيتكم وخلوتكم وجميل عشرتكم وسعة نفقتكم عند التي تشتهونها دون الأخرى، فتبقى تلك معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة، فاقتضى هذا الموضع أن يحث الأزواج على إصلاح ما كان منهم من الأنصاب إلى

стр. 404

الواحدة دون ضراتها بالتوبة مما سلف، واستئناف ما يقدرون عليه من التسوية، ويملكونه من الخلوة، وسعة النفقة، وحسن العشرة، فقال: (وإن تصحوا وتتقوا) . وأما جواب المسألة الثانية فقد بان ووضح بما ذكرت وبينت أنه لما قال: (وإن جانبتم القبيح وآثرتم الإحسان فإن الله به عالم، وعليه مجاز، وهو قوله: (فإن الله كان بما تعلمون خبيرا) . ولما عذر الأزواج في بعض الميل، وهو الذي لا يملكون خلافه، حثهم على ***** يطيقون/ فعله بما ذكرت، وعلى إصلاح ما سلف منهم بما بينت، فإن الله تعالى يغفر

стр. 405

لمن يقلع عن قبائحه ويؤثر بعدها الحسنى من أفعاله، وهذا معنى قوله: (فإن الله غفورا رحيما) .

стр. 406

" ٣٣" الآية الثالثة منها: قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما* ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن الله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا* ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) " النساء: ١٣٠-١٣٢". للسائل أن يسأل في هذه الآيات عن مسألتين: إحداهما: عن تكرار قوله: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) ثلاث مرات؟ والثانية: عما تبع المكرر في قوله في آية: (وكان الله غنيا حميدا) وفي أخرى: (وكفى بالله وكيلا) والأولى لم يتبعها مثل ما تبع الوسطى والآخرة؟

стр. 407

والجواب عن المسألة الأولى- وهي التكرار- أنه: إذا أعيد الكلام لأسباب مختلفة لم يسم تكرارا، فالأول بعد الإذن للرجل وامرأته في أن يتفرقا بطلاق، وتسليتهما عن الوصلة بأنه هو الذي يغني المحتاج منهما، وإن كان قبل ذلك أغنى كل واحد منهما بصاحبه، فإنهما بعد الفرقة يرجوان الغنى من عنده، لأنه واسع الرزق وواسع المقدرة، فإن الله ما في السموات وما في الأرض، وأرزاق العباد من جملتها. وأما الثاني فإنه بعد قوله: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) " النساء: ١٣١" أي اتقوا الله، فإنه واسع النعمة والفضل والرحمة، وقد أوسعكم منها، ووصاكم ومن قبلكم بتقواه والاستجارة بطاعته من عقوبته،

стр. 408

فإنكم إن عصيتم وكفرتم لم يكن لله حاجة إلى طاعتكم، وإنما أنتم تحتاجون إليها، والله غني حميد، فوجب عليكم طاعته، لأن له ما في السموات وما في الأرض، وهو غني بنفسه، حميد، لأنه جاد بما استحمد به إلى خلقه من الإحسان إليهم، والإنعام عليهم، فالمقتضى لذكر (لله ما في السموات وما في الأرض) وفي الثاني غير المقتضي له في الأول. وأما الثالث فلأنه لما ذكر أنه أوجب طاعته على من قبلهم وعليهم، لأنه ملك ما في السموات وما في الأرض، وأنعم عليهم من ذلك ما حققت به العبادة، اقتضى ذلك أن يخبرهم عن دوام هذه القدرة له، فكأنه قال: وله ذلك دائما، وكفى به له حافظا، أي لا زيادة على كفايته في حفظ ما هو موكول إلى

стр. 409

تدبيره والوكيل: القيم بمصالح الشيء، وقيل: هو الحافظ، وما قام الله تعالى بمصالحه فهو حافظه فقد بان أن ذلك ليس بتكرار. وأما الجواب عن المسألة الثانية من اتبعه قوله: (وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا) فقد تضمنه الجواب عما ذكرت من التكرار، وهو كقوله: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) الزمر: ٧ أي أنتم محتاجون إلى طاعته، ولم يقتض ما تقدم غير هذا الوصف ولما اتصف

стр. 410

تعالى بالغني، وكان الغني إذا لم يجد من غناه مذموما، والله تعالى قد غمر بعطائه المستحق وغيره من الكفار كان الغني الحميد. وأما قوله بعد الثالث (وكفى بالله وكيلا) فلأنه لما كان المعنى أنه دائم القدرة أخبر أن ما يحفظه مما في السموات وما في الأرض يكتفي به حافظا، إذ ملكه عليه دائم وتدبيره فيه قائم.

стр. 411

٣٤ الآية الرابعة قوله : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) النساء: ١٣٥. وقال في سورة المائدة ٨: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) . للسائل أن يسأل فيقول: ما الفائدة في تقديم قوله (بالقسط) على قوله (شهداء) في الآية الأولى، وتأخيره عنه في الآية الثانية؟ والجواب أن يقال: إن الآية الأولى في الشهادة أمر الله من عنده شهادة أن يقوم بالحق فيها، ويشهد لله تعالى على كل من عنده حق لغيره يمنعه

стр. 412

إياه حتى يصل إليه فقال: قوموا (بالقسط) أي بالعدل في حال شهادتكم لله على كل ظالم حتى يؤخذ الحق منه، فقدم (بالقسط) لأنه من تمام (قوامين) إذ فعله يتعدى إلى مفعوله بالباء. وأما (شهداء) فإنها إذا كانت حالا من الضمير في (قوامين) فإن حقها أن تجيء بعد تمام (قوامين) ، وكذلك إن كانت خبرا ثانيا، إن كانت صفة ل (قوامين) فإن حقها أن تجيء بعدها. وأما قوله (لله) بعد (شهداء) فلتعلقه بالشهادة، كأنه قال: كونوا شهداء لله، لا للهو والميل إلى ذوي القربى، والدليل على أنه: (ولو على أنفسكم) وشهادة الإنسان على نفسه أن يقر بالحق لخصمه، أي افعلوا ذلك لله وإن كان عليكم أو على الوالدين وذوي القربى منكم. وقوله : (إن يكن غنيا أو فقيرا) أي إن يكن من عليه الحق على أحد هذين الوصفين فانتهوا في أمره إلى أمر ما أمر الله تعالى به، ولا يحملنكم

стр. 413

الإشفاق من فقره على محاباته ولا يدعونكم غني الغني إلى مداراته، فإن الله تعالى أولى بالنظر لهما، ولجميع عباده منهم لأنفسهم ولغيرهم. وقوله (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) أي كراهة أن تعدلوا (وإن تلووا) ألسنتهكم بالشهادة ولم تفصحوا بها ولم تقوموا بما يجب عليكم فيها، أو تتركوا ما يلزمكم منها، فإن الله عليم بعملكم/ وهو مجازيكم على فعلكم. وقيل: تلووا بمعنى تمطلوا، من لويت الغريم إذا دفعته، كأنه قال: إن تدفعوا الشهادة ولم تؤدوها وقت الحاجة إليها.

стр. 414

ومن قرأ تلوا بضم اللام وواو واحدة فالمعنى: إن تلوا أمر الناس، من الولاية، أو تتركوه. ويجوز أيضا أن يكون الأصل تلووا فأبدلت من الواو المضمومة همزة، ثم خففت بإلقاء حركتها على اللام، وحذفها وإن كان هذا مستضعفا في الهمزة العارضة. وأما الآية التي في سورة المائدة فإن فحواها يدل على أنها للولاة، فقال: (كونوا قوامين لله) لا لنفع، ويكون (بالقسط) متعلقا ب (قوامين) أي:

стр. 415

كونوا قوامين لأجل طاعة الله بالعدل والحكم به في حال كونكم (شهداء) أي: وسائط بين الخالق والخلق، أو بين النبي وأمته كما قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) البقرة: ١٤٣، فالقائم بتنفيذ أحكام الله تعالى بين خلقه إذا وفى ما عليه من حقه، فهو شهيد على من وليه، والرسول شهيد عليه بما نقله إليه، والدليل على أن الخطاب لولاة الأحكام قوله بعده: (ولا يجرمنك شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب لتتقوى) المائدة: ٨، وذلك عام في المخالفين من أهل الأديان والموافقين ممن حصلت لهم بغضة وعداوة، أي: اعدلوا على الولي

стр. 416

والعدو عدلا واحدا. وقيل في هذه الآية: إنها أيضا في الشهادة في الحقوق وقيل: في الشهادة لأمر الله تعالى بأنه حق وقيل معناه قوموا في كل ما يلزمكم القيام فيه من الأمر بالمعروف والعمل به، والنهي عن المنكر وتحنبه.

стр. 417

٣٥ الآية الخامسة منها قوله : (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا) النساء: ١٤٩. وقال في سورة الأحزاب ٥٤: (إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما) . للسائل أن يسأل عن الآية الأولى لم خص فيها خير، ولم عم في الثانية بلفظ شيء؟ والجواب أن يقال: إنما خص في هذا الموضع الخير بالإبداء لأنه بإزاء السوء الذي قال فيه: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) النساء: ١٤٨، والمعنى: لا يحب الله أن يجهر بالقول السيء غير المظلوم، وهو أن يدعوا على من ظلمه، أو أن بخبر بظلمه له، أو أن ينتصر منه بسوء مقاله فيه فقال: إن

стр. 418

أبديتم ثناء وذكرا جميلا لمن يستحقهما أو أخفيتموهما أو سكتم عمن أساء إليكم بالعفو عنه فإن الله مع قدرته كثير العفو عن خليقته، فاقتضت في هذه الآية المقابلة أن يجعل بإزاء السوء الخير. وأما في الآية التي في الأحزاب فلأن قبلها تحذيرا من إضمار ما لا يحسن إضماره في قوله : (والله يعلم ما في قلوبكم..) الأحزاب: ٥١، وقوله: (..وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) ... وقيل معناه قوموا في كل ما يلزمكم القيام فيه من الأمر بالمعروف والعمل به، والنهي عن المنكر وتحبه. ٣٥ الآية الخامسة منها قوله : (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا) النساء: ١٤٩. وقال في سورة الأحزاب ٥٤: (إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما) . للسائل أن يسأل عن الآية الأولى لم خص فيها خير، ولم عم في الثانية بلفظ شيء؟ والجواب أن يقال: إنما خص في هذا الموضع الخير بالإبداء لأنه بإزاء السوء الذي قال فيه: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) النساء: ١٤٨، والمعنى: لا يحب الله أن يجهر بالقول السيء غير المظلوم، وهو أن يدعوا على من ظلمه، أو أن بخبر بظلمه له، أو أن ينتصر منه بسوء مقاله فيه فقال: إن أبديتم ثناء وذكرا جميلا لمن يستحقهما أو أخفيتموهما أو سكتم عمن أساء إليكم بالعفو عنه فإن الله مع قدرته كثير العفو عن خليقته، فاقتضت في هذه الآية المقابلة أن يجعل بإزاء السوء الخير. وأما في الآية التي في الأحزاب فلأن قبلها تحذيرا من إضمار ما لا يحسن إضماره في قوله : (والله يعلم ما في قلوبكم..) الأحزاب: ٥١، وقوله: (..وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم

стр. 419

وقلوبهن) الأحزاب: ٥٣، فاقتضى هذا المكان العموم، فقال تعالى: إن تبدوا مما حذركم الله شيئا أو تخفوه (فإن الله كان بكل شيء عليما) لم يزل عليما بما يكون كعلمه بما كان. انقضت سورة النساء عن خمس آيات، وسبع مسائل.

стр. 420

سورة المائدة ٣٦ الآية الأولى منها قوله : (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم) المائدة: ٩. وقال في آخر سورة الفتح ٢٩: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) . للسائل أن يسأل فيقول: لم رفع قوله (مغفرة وأجر عظيما) . في الآية الأولى، ونصب في الثانية؟ والجواب أن يقال: لقوله تعالى: (لهم) في الأولى، وقوله: (منهم) في الثانية فائدة، وذلك أنه لما قال في الأولى، وقوله (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات) علم أنهم وعدوا بما هو حق لهم فعدل عن ذكر المفعول إلى

стр. 421

جملة تضمنت معناه، والجملة ابتداء وخبر، وهي في موضع مفرد منصوب، كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا مغفرة. ومثله قول الشاعر: وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعينا سلسبيلا

стр. 422

كأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء وجنات وعينا، فاللام في لهم داخلة على ضمير الصالحين فكأنها داخلة عليهم، وكأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء، وعطف على موضع الجملة التي هي جزاء منصوبا، إذ كان موضع الجملة موضع نصب. وأما الآية الأخرى فإن (منهم) فيها متعلقة ب (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ومن تمامها، ولم يكن هناك ما ترتفع (مغفرة) به، فتعدى إليها الفعل الذي هو (وعد) فجرى على الأصل في نصب المفعول به. فإن قيل: كيف يحتمل أن يبعض، والقوم الذين أخبر الله عنهم بقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) الفتح: ٢٩ مع سائر ما وصفهم الله تعالى به، وأثنى عليهم بذكره، كلهم وعدوا مغفرة وأجرا عظيما؟

стр. 423

والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن يقال: إن من في هذا المكان ليست للتبغيض، وإنما هي لتبيين الجنس، كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين هم هم، كما قال: (..فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الحج: ٣٠، أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والجواب الثاني أن يكون التقييد للتحذير، لأنهم وإن علم الله تعالى منهم الثبات على ما هم عليه من العمل الصالح فإنه لا يخليهم من الأمر والنهي والوعد والوعيد، على معنى: دوموا على ما أنتم عليه: فإن من داوم منكم عليه فقد وعده الله تعالى مغفرة وأجرا عظيما.

стр. 424

فإن قال قائل: فلماذا خصت الآية بأن جعل مفعولها الثاني جملة، والآية الثانية مفعولها مفردا. قلت: لأن الأولى خطاب لقوم حثهم على توخي العدل فيما يحكمون به، وهو أعم من حث الصحابة الذين ذكرهم في آخر سورة الفتح، وأثنى عليهم بالشدة على الكفار، والرحمة للمؤمنين وملازمة الركوع والسجود وابتغاء رضوان الله، وأن مثلهم (كزرع أخرج شطأه) إلى آخر الآية، فخص هؤلاء بصريح المغفرة وذكر أنه وعدهم ذلك.

стр. 425

وقال في الآية الأولى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكان إخبارا عن وعده إياهم، ثم أتى بخبر ثان فقال: لهم مفغرة على معنى: إن وافوا بذلك ولم يحبطوه بالسيئات، فجوز منهم هذا، ولم يعلق المغفرة بوعد فيعد به إليها. وفي الآية الثانية حقق المغفرة لهم، وعدى الفعل إليها، وكان كالحكم بأنهم يوافون الآخرة بأعمالهم الصالحة، وقد وعدهم الله تعالى عنها المغفرة والأجر العظيم فلاق بكل آية ما خصت به فاعرفه إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →