← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

جملة تضمنت معناه، والجملة ابتداء وخبر، وهي في موضع مفرد منصوب، كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا مغفرة. ومثله قول الشاعر: وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعينا سلسبيلا

стр. 422

كأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء وجنات وعينا، فاللام في لهم داخلة على ضمير الصالحين فكأنها داخلة عليهم، وكأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء، وعطف على موضع الجملة التي هي جزاء منصوبا، إذ كان موضع الجملة موضع نصب. وأما الآية الأخرى فإن (منهم) فيها متعلقة ب (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ومن تمامها، ولم يكن هناك ما ترتفع (مغفرة) به، فتعدى إليها الفعل الذي هو (وعد) فجرى على الأصل في نصب المفعول به. فإن قيل: كيف يحتمل أن يبعض، والقوم الذين أخبر الله عنهم بقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) الفتح: ٢٩ مع سائر ما وصفهم الله تعالى به، وأثنى عليهم بذكره، كلهم وعدوا مغفرة وأجرا عظيما؟

стр. 423

والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن يقال: إن من في هذا المكان ليست للتبغيض، وإنما هي لتبيين الجنس، كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين هم هم، كما قال: (..فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الحج: ٣٠، أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والجواب الثاني أن يكون التقييد للتحذير، لأنهم وإن علم الله تعالى منهم الثبات على ما هم عليه من العمل الصالح فإنه لا يخليهم من الأمر والنهي والوعد والوعيد، على معنى: دوموا على ما أنتم عليه: فإن من داوم منكم عليه فقد وعده الله تعالى مغفرة وأجرا عظيما.

стр. 424

فإن قال قائل: فلماذا خصت الآية بأن جعل مفعولها الثاني جملة، والآية الثانية مفعولها مفردا. قلت: لأن الأولى خطاب لقوم حثهم على توخي العدل فيما يحكمون به، وهو أعم من حث الصحابة الذين ذكرهم في آخر سورة الفتح، وأثنى عليهم بالشدة على الكفار، والرحمة للمؤمنين وملازمة الركوع والسجود وابتغاء رضوان الله، وأن مثلهم (كزرع أخرج شطأه) إلى آخر الآية، فخص هؤلاء بصريح المغفرة وذكر أنه وعدهم ذلك.

стр. 425

وقال في الآية الأولى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكان إخبارا عن وعده إياهم، ثم أتى بخبر ثان فقال: لهم مفغرة على معنى: إن وافوا بذلك ولم يحبطوه بالسيئات، فجوز منهم هذا، ولم يعلق المغفرة بوعد فيعد به إليها. وفي الآية الثانية حقق المغفرة لهم، وعدى الفعل إليها، وكان كالحكم بأنهم يوافون الآخرة بأعمالهم الصالحة، وقد وعدهم الله تعالى عنها المغفرة والأجر العظيم فلاق بكل آية ما خصت به فاعرفه إن شاء الله تعالى.

стр. 426

٣٧ الآية الثانية منها قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) المائدة: ١٣ وقال تعالى بعده في هذه السورة: (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه) المائدة: ٤١. للسائل أن يسأل فيقول: لم قال في الآية الأولى: (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال في الثانية: (من بعد مواضعه) ؟ وما الفرق بين الموضعين وبين اللفظين حتى اختص كل واحد منهما باللفظ الذي خص به؟ والجواب أن يقال: إن الآية الأولى في اليهود الذين حرفوا ما أنزل الله تعالى من كلامه عما علموه تأويلا له، فيكون هذا تحريفا من جهة التأويل، وحرفوا

стр. 427

أيضا من جهة التنزيل كما قال: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعملون) آل عمران: ٧٨. فقولك: عن في كلام العرب موضوع لما عدا الشيء، تقول: أطعمه عن جوع وكساه عن عري، فكانوا يعدون بالكلم تأويله الذي له، وتنزيله الذي جاء عليه إلى غيره مما هو باطل.

стр. 428

وعن في هذا الموضع تقرب من معنى بعد، لأنك تقول: أطعمه بعد جوع وكساه بعد عري، / إلا أن الأصل في هذا المكان أن تستعمل عن، لأن بعد قد تكون لما تأخر زمان غيره بأزمنة كثيرة وبزمن واحد، وعن لما جاوز الشيء إلى غيره وملاصقا زمنه، والمراد: إذا قال: أطعمه عن جوع، وسقاه عن عطش، وليسش يراد به إلا أنه لما عطش سقاه، ولما جاع أطعمه. وأما الآية الثانية فهي في قوم من اليهود أخبر الله تعالى عنهم أنهم سماعون لما تقوم ليكذبوا عليك، ويخبروا بخلاف ما تقول عنك، وينقلوا كلامك إلى قوم آخرين لم يأتوك.

стр. 429

ومعنى (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) يحتمل أن يكون المراد من بعد موت النبي ليجعلوه على خلاف ما سمعوه منه، وهذا موضع بعد لا موضع عن، لأنه ليس يعدوه إلى المحرف إليه فينفصل عنا جاء عليه إلى الكذب مقارنا له، وإنما ذلك بعده بأزمنة كثيرة يتوقعون مضيها ليسهل كذبهم بعدها، ويكون التقدير: (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه) أي: ناوين تحريفه من بعد وقوعه مواقعه، وحصلوه مواضعه، فمحرفين بمعنى ناوين التحريف كقوله تعالى: (وخروا له سجدا) يوسف: ١٠٠ أي ناوين السجود، وكذلك: (فادخلوها خالدين) الزمر: ٧٣أي: ناوين الخلود، ومقدرين له وهذا ظاهر في هذا المكان، لا يصلح فيه إلا ما نطق القرآن به.

стр. 430

ويحتمل أن يكون المراد ما ذهب إليه أكثر أهل التفسير، وهو أن قوما أرسلوا هؤلاء إلى النبي في قصة زان محصن فقالوا لهم: إن أفتاكم محمد بالجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوه وقال قتادة: كان هذا في قتيل منهم فقالوا: إن أفتاكم محمد بالدية فأقبلوه، وإن أفتاكم بالقود فاحذروه. وكانوا حرفوا في القولين حكم الله تعالى الذي في التوراة من بعد أن عمل به فس مواضعه ولم يحرفوه ساعة نزوله ووجوب العمل به، وهذا معنى قوله تعالى: (.. يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤته فاحذرهم..) المائدة: ٤١.

стр. 431

وقيل: إن هذا إشارة إلى دين اليهود، أي: إذ جاءكم محمد بدينكم فاقبلوه، وإن لم يأتكم به فاحذروه. فقد بان الفرق بين الموضعين بما

стр. 432

بيناه والله أعلم.

стр. 433

الآية الثالثة منها: قوله تعالى: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير. [المائدة: ١٥] . وقال بعده: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. [المائدة: ١٩] . للسائل أن يسأل فيقول: نبه أهل الكتاب بمجيء الرسول في الآية الأوللا، وأخبر أنه يبين لهم كثيرا مما يخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، وقال في الآية الثانية: إنه قد جاء يبين لهم على فترة، من الرسل أن يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا

стр. 434

نذير، فعل ما ذكر من التبين في الآية الثانية كان يجوز أن يقترن بالتبين في الأولى/ أم وجب لكل ما تبعه من الكلام؟ فالجواب يقال: إن قوله تعالى في الآية الأولى: يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون معناه، يبين لكم كثيرا مما في التوراة والإنجيل من وصف الرسول وسائر ما يدعوا إلى الدخول في الإسلام، ويترك كثيرا مما حرفتموه، فلا يبينه، لأنه ليس في ذكره ما يلزمكم حجة ويجدد لكم ملة، فهذا التبيين حقه التقديم للاحتجاج به، ولذلك ردفه، قوله: قد

стр. 435

جاءكم من الله نور، [المائدة: ١٥] ، يعني النبي ﷺ ، أي يهديكم إلى منافع دينكم كمما تهتدون بالنور إلى منافع دنياكم. وأما الآية الثانية التي بعدها فمعناها: جاءكم رسولنا يبين لكم على حين دروس، مما كانت الرسل أتو به مما، يلزمكم في دينكم احتجاجا عليكم، وقطعا بعذركم لئلا تحتجوا بأنه لم يجئكم من يبشركم بالثواب ويخوفكم من العقاب، فالأول احتجاج لنبوة النبي ﷺ ، تبين الداعي إلى بعثته، وهو ما ذكر في الآية الثانية.

стр. 436

الآية الرابعة منعا: قوله تعالى: (قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير) . المائدة: ١٧. وقال بعدها: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لكم لمن يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير. المائدة: ١٨ للسائل أن يسأل عن شيئين في هاتين المتصلة إحداهما بالأخرى، أحدهما: عن تكرار قوله: ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما: والثاني: صلة الأول بقوله: يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير، وصلة الثاني بقوله: وإليه المصير، وله أن يسأل عن قوله: قل فمن يملك لكم، في سورة الفتح بزيادة لكم هناك، وحذفها هنا. والجواب أن يقال: إن الآية في سورة الفتح نزلت في قوم تخلفوا عن رسول الله من غير عذر، وتأخروا عن الجهاد، وقالوا، شغلتنا أموالنا وأهلونا، ثم سألوه ﵇ أن يستغفر لهم، يكتمون بذلك نفقاتهم ويظهرون وفاقهم، وقصدهم استمالته،

стр. 437

كيلا تضركم عداوته، فقال ، قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد بكم ضرا، الفتح: ١١، ومن يملك لك ضرا إن أراد بكم نفعا، فلما كان في قوم مخصوصين احتيج إلى لكم، للتبيين فأما في هذه السورة فإنها لم تنزل لفريق مخصوص دون فريق بل عم بها دليله، إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا، المائدة: ١٧، فلما كانت الآية للعموم لم تحتج إلى لكم التي للخصوص. والجواب عن التكرار أن يقال: إن الآية الأولى في النصارى خاصة، وهم الذين لما قالوا في عيسى ﵇، إنه إله، والإله واحد صاروا كأنهم قالوا: الله هو المسيح ابن مريم، فرد لله تعالى ذلك، عليهم بما دل به على أن عيسى

стр. 438

عبد مخلوق مملوك لله، ليس بابن له، ولا بإله، لأن أحدا لا يملك أن يدفع عن المسيح وأمه وسائر من في الأرض من الخلق ما يريد/ الله تعالى إيقاعه بهم من موت أو هلاك، ولا المسيح يملك ذلك، فدل هذا على أنه مخلوق وأن الله تعالى له ملك السماوات والأرض وما بينهما، والمسيح من جملته مملوك مدبر، ولو كان إلها لكان شريكا تته تعالى، ولم يكن لله تعالى ملك السماوات والأرض. فالقصد بذكر ملك السماوات والأرض وما بينهما في الآية الأولى: أن يبين أن المسيح مخلوق ومملوك ليس بإله ولا بابن الله، إذ لو كان إلها كما زعموا لما كان الله ملكا لجميع السموات والأرض وما بينهما، ولما تهيأ إهلاك المسيح، وكان هذا احتجاجا عليهم خاصة بأنه مخلوق وأن الله يخلق ما يشاء من أمثاله

стр. 439

بدلالة أنه قادر على إهلاكه، وفي ذلك جواب عن المسألة الثانية، وهي صلة الاولى بقوله: (يخلق ما يشاء) . وأما الآية الثانية وهي قوله: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) فروي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود حين حذرهم النبي نقمات الله وعقوبته قالوا: لا تخوفنا، فإنا أبناء الله وأحباؤه. وقيل: إن اليهود تزعم ان الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد وقال الحسن: وإنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد والنصارى تألوا ما في الإنجيل من قوله: أذهب إلى أبي وأبيكم.

стр. 440

وقيل: بل لما قالوا المسيح ابن الله أجري على القائلين بذلك مثل ما تجري العرب على الواحد من هذيل، إذ قالوا: نحن الشعراء، والمراد: منا، وكما يجري رهط مسيلمة هذا الإطلاق على قبيلتهم فيقولون: نحن الأنبياء، لما قال واحد منهم ذلك وتابعه الباقون عليه.

стр. 441

فلما كان هذا مقال الفريقين رد الله تعالى عليهم قولهم مع اعترافهم بأنهم يعذبون بذنوبهم، إذ لو لم يقولوا ذلك لأباحوا ارتكاب الفواحش، فقال: (فلم يعذبكم بذنوبكم) والأب المشفق على ولده لا يعذبه، وكذلك الحبي لا يذب حبيبه، فكان هذا احتجاجا عليهم بما يعتقدون صحته من عذاب الآخرة، فإنكم لستم لله تعالى بأبناء ولا أحباء. ثم قال: وهو المتفرد بملك السموات والأرض وما بينهما، وأنه لا ولد له ولا نظير ولا شريك له، إذ لو ثبت له ذلك تعالى الله عنه لما كان ملكا لجميعه.

стр. 442

فلما احتج على إبطال قولهم بما يعتقدون صحته من عذاب المذنب منهم وذلك من أحوال الآخرة ثم احتج بملكه السموات والأرض على ذلك قرن إليه قوله: (إليه المصير) أي: مآل الخلق إلى أن لا يملك أحد لهم نفعا ولا ضرا غيره تعالى. وفي جواب المسألة الثانية من اقتران ما اقترن بذكره ملك السموات والأرض وما بينهما في الآيتين.

стр. 443

٤٠ الآية الخامسة منها قوله : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وأتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين. المائدة: ٢٠. وقال في سورة إبراهيم ٦: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون. للسائل أن يسأل فيقول: هل للتنبيه في الآية الأولى من سورة المائدة بقوله: يا قوم، فائدة لم يكن مثلها في الخطاب الواقع في سورة إبراهيم لما لم يقل فيه يا قوم: والجواب أن يقال: إن تسمية المخاطب بندائه مع إقبال عليه يفيد مبالغه في التنبيه له.

стр. 444

فإذا قال القائل: افعل كذا يا فلان، فكأنه قال: أعينك بخطابي لا غيرك، ممن يصح ألأن ينصرف الخطاب إليه، ألا ترى أنه إذا عزي من النداء صلح لكل مخاطب، فإذا قارن النداء الأمر كان مقصورا على صاحب الاسم الذي دخله حرف النداء والمبالغة في التنبيه حقها أن لا تكون في الأهم الأعم نفعا. وقوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه اقوم اذكروا يصح أن يجاب عنه بجوابين. أحدهما: أن يقال لما نبههم على ما خصهم به من الإكرام ليشكروا على هذه النعم العظام بأن جعل فيهم أنبياء مقيمين بين ظهرانيهم، يدعونه إلى طاعة ربهم ويثنون *** عن المحظور من شهواتهم، وأن جعلهم ملوكا

стр. 445

حيث أغناهم بما أنزل عليهم من المن والسلوى، عن الحاجة إلى الناس في التماس الرزق من أمثالهم، وتكلف خدمتهم وأعمالهم، وبما ملكهم من المال والعبيد والإماء الذين كانوا يخدمونه ويكفونهم ما يحتاجون إلى مباشرته بأنفسهم. والمنبه عليه في هذا المكان أشرف ما يخوله الإنسان من النبوة التي لها أشرف منازل الثواب، والملك الذي هو غاية ما تسمو الهمم في دار التكليف فنبهوا،

стр. 446

بأبلغ الألفاظ ليقوموا بشكر ما عليهم من الأنعام، والآية التي في سورة إبراهيم تنبيه على ما صرف عنهم من البلاء، وليس عو كالتنبيه على تخويل أشرف العطاء مع صرف البلاء. وجواب ثان وهو أن المن والسلوى مما لم ينعم به على أحد قبلهم ولا بعدهم، فلذلك قال: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين، فإذا نبهوا على شكر نعمة خصوا بها دون الناس كلهم كانت المبالغة في ذلك أولى. وجواب ثالث وهو أن يقال: لما جعل الخطاب بعد قوله: يا أهل الكتاب في آيتين، وصدر المخاطبات نبه فيها المخاطبين بمناداتهم فيما حكى من أقوالهم، كقوله تعالى بعده، يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، المائدة: ٢١، وقوله: قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين، المائدة،: ٢٢ وبعده: قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، المائدة: ٢٤، وبعده

стр. 447

قوله: قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، المائدة: ٢٥، كان الاختيار أن يجري مجرى نظائره المتقدمة والمتأخرة ولم يكن شيء من ذلك في الآية التي في سورة إبراهيم، فلم يذكر هناك، يا قوم، لهذا.

стр. 448

وقد اختلف الناس فيمن يسمى ملكا، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد ابن أسلم، والحسن أقل الحال التي إذا كانت كان الإنسان بها ملكا الدار، والمرأة والخادم.

стр. 449

وقال غيرهم: الملك: الذي له ما يستغني به عن تكلف الأعمال وتحمل المشاق للمعاش. وبنو إسرائيل سموا ملوكا لما من الله تعالى عليهم به من المن والسلوى والحجر، والغعمام، عن ابن عباس وغيره.

стр. 450

وقال الحسن، لأنهم ملوك، أنفسهم بالتخلص من القبط، الذين كانوا يستعبدونه. وقال السدي: ملك كل واحد منهم، نفسه وأهله وماله، وقال قتاده، كانوا أول من ملك الخدم.

стр. 451

فأما قوله: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد من عالمي زمانكم، كما قال تعالى: وأني فضلتكم على العالمين، البقرة، ٤٧، ١٢٢، أي على عالمي زمانكم. ويحتمل أن يراد هاهنا: أتاكم المن والسلوى، وهما مما لم يؤت أحدا من العالمين وقد ذكرته قبل.

стр. 452

٤١ الآية السادسة منها قوله : ومن لم يحكم بنما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، المائدة: ٤٤. وبعده: فأولئك هم الظالمون، المائدة: ٤٥ وبعده: فأولئك هم الفاسقون، المائدة: ٤٧ للسائل أن يسأل فيقول: الموضع الذي وصف فيه من لم يحكم بكتاب الله بالكفر هل باين الموضع الذي وصف فيه تارك حكم الله بالظلم والفسق. والجواب أن يقال: إن الآية الأولى قوله تعالى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار استحفظوا من كتاب الله وكانوا عله شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. المائدة: ٤٤ قال فيها بعض أهل النظر: إن من فيها ليست كـ من في المجازاة، وإنما هي بمعنى الذي ويصح دخول الفاء في جوابها كما تدخل في جواب الشرط

стр. 453

لتضمنها ذلك المعنى وإن كان لا يجازى بها، وهو كقولك، الذي يزورني فله درهم، إذا أوجبت له بالزيارة، إن لم ترد: من يزرني فله درهم. فقوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله في هذه الآية، المراد به اليهود الذين كانوا يبيعون حكم الله بما يشترونه من ثمن قليل يرتشونه فيبدلون حكم الله باليسير الذي يأخذون، فهم يكفرون بذلك. وأما أن يكون الحكم بخلاف ما أنزل الله كفرا فهو مذهب الخوارج، يذهبون بـ من هنا إلى الشياع الذي في المجازاة، وهذا مخصوص به اليهود الذين تقدم ذكرهم وتبديلهم حكم الله تعالى ليكذبوا رسول الله وذلك كفر.

стр. 454

وأما الآية الثانية فهي فيهم أيضا لقوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس،، المائدة: ٤٥، ومعناه: كتبنا على هؤلاء في التوراة، فرد الذكر، إلى الذين هادوا، وهم الذين كفرهم لتركهم دين الله، والحكم بما أنزل، ثم

стр. 455

وصفهم بعد خروجهم عن حكم الله في القصاص بين عباده في قتل النفس وقطع أعضائها بأنهم، مع كفرهم الذي تقدم ذكره، ظالمون، وكل كافر ظالم لنفسه إلا أنه قد يكون كافر غير ظالم لغيره، فكأنه وصف في هذه الآية بصفة زائدة على صفة الكفر بالله، وهي ظلمه لعباد الله تعالى بخروجه في القصاص عن حكم الله ومن لم يحكم في هذه الآية، المراد بهم، الذين لا يحكمون من اليهود. وأما الآية الثالثة فإنها بعد قوله: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومعناه، قيل لهم في ذلك الزمان وأمروا أن يحكموا به، ومن لم يحكم

стр. 456

بما أنزل الله، قال فيه من حكيت عنه قوله من المتقدمين أنه بمعنى الذي. والذي أذهب إليه أنا: أن من هاهنا بمعنى المجازماة، لا بمعنى الذي كما تقول فيمن لم يحكم/ بما أنزل لله منا، إنه لا يبلغ منزلة الكفر، وإنما يوصف بالفسق، فلذلك قال: فأولئك هم الفاسقون. فقد بان أن كل موضع من الآيات الثلاث أخبر فيه عن المذكورين قبل: بالكفر والظلم والفسق، إنما وجب فيه

стр. 457

النصارى، وعلى ضوء ذلك ذكر مناسبة ختم الأولى بالكافرين، وختم الثانية بالظالمين ولم يذكر مناسبة ختم الآية الثالثة بالفاسقين لوضوحها والله أعلم لأنه تقدم قوله تعالى: وليحكم وهو أمر، فناسب ذكر الفسق لأن من يخرج عن أمر الله تعالى يكون فاسقا كما قال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، الكهف: ٥٠، أي خرج عن طاعة أمره تعالى، ينظر البحر المحيط لأبي حيان. وما ذهب إليه المؤلف ﵀ من أن هذه الآيات الثلاث في أهل الكتاب هو رأي جمع من المفسرين كأبي صالح والضحاك وعكرمة، وهو اختيار الطبري في تفسيره، والنحاس في كتابه إعراب القرآن، وهناك أقوال أخرى ذكرها المفسرون، والراجح، وإن كان السياق في أهل الكتاب أن ظاهر هذه الآيات: العموم، وإلى ذلك ذهب ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحسن، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من استحل الحكم بغير ما أنزل الله جاحدا به فهو كافر. وأما من لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر تارك الظالم الفاسق. قال الطبري في تفسيره: فإن قائل الله تعالى ذكره قد عم بالخير بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟ قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه، كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي. قال الآلوسي ﵀ في تفسيره ولعل الله تعالى وصفهم بالأوصاف الثلاث باعتبارات مختلفة، فالانكارهم ذلك وصفوا بالكافرين، ولوضعهم الحكم في غير موضعه وصفوا بالظالمين، ولخروجهم عن الحق وصفوا بالفاسقين، وهو أي الآلوسي يرى أيضا أن الخطاب يشمل اليهود وغيرهم فيقول: والوجه أن هذا كالخطاب عام لليهود وغيرهم، وهو مخرج مخرج التغليظ

стр. 458

ذاك، ولم يحسن فيه غيره هناك، فاعلمه.

стр. 459

٤٢، الآية السابعة منها قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم، المائدة ١١٩ وقال في سورة براءة ٨٨-٨٩ (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) . وقال بعده: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم، التوبة: ١٠٠ وقال في سورة النساء: ١٣، (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) ، وكان حقها أن تذكر في موضعها، لكي لم تحضرني هناك فذكرتها مع أخواتها، وإن كان ذكرها مقدما في القرآن. وقال في سورة الحديد ١٢، (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم) .

стр. 460

وفي المجادلة ٢٢: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) . وقال في سورة الطلاق١١: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا) . للسائل أن يسأل عن مسائل فيقول: لم لم يذكر في سورة براءة في الآية الثانية في قوله: (تحتها الأنهار) لفظة من في قراءة الأكثرين، وقد ذكر في الآي الأخرى؟
следующие страницы →