Полный текст (1 361 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وأما في الآية الثانية في آخر سورة النمل فإنها عدل بها عند ذكر الضلال عما حملت عليه في الآية التي في آخر سورة يونس لتحمل على الفواصل التي قبلها وهي مختومة بالواو والنون، أو الياء والنون، فقال تعالى (ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) أي: ممن يعلمكم ما يلزمكم أن تحذروه ويخوفكم ما يجب عليكم أن تجتنبوه فاشتمل هذا على معنى: (ومن ظل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل) لأن في قوله تعالى: (فإنما يضل عليها) أي: لست ممن يكره على ما يحميكم من النار، ويقيكم حر العقاب كالوكيل الذي يحامي على/ ما وكل به أن يناله ضرر، مثل (وما أنا عليكم بوكيل) فجاء على لفظ (إنما أنا من المنذرين) لتكون
стр. 737
الفاصلة مشاكلة للفواصل التي قبلها مع تأدية مثل المعنى الذي أدته الآية التي شابهتها.
انقطعت سورة يونس عن خمس آيات فيها تسع مسائل.
стр. 738
سورة هود ﵇
(١٠٥) الآية الأولى منها:
قوله تعالى: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون) (هود: ٢٢) .
وقال في سورة النحل (١٠٩) : (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) .
للسائل أن يسأل عما خصص كل واحد من اللفظين بمكانه دون الآخر؟
والجواب أن يقال: إن الآية التي في سورة هود قد تقدمها قوله: ( ... وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) (هود٢٠) وإنما قال: (يضاعف لهم العذاب) لأنه خبر عن قوم أخبر عنهم بالفعل الذي استحقوا به مضاعفة العذاب في قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم الكافرون) (هود١٩) فإذا صدوا هم عن الدين صدودا، وصدوا غيرهم عنه صدا استحقوا تضعيف العذاب، لأنهم ضلوا وأضلوا، فهذا ل (الأخسرين) دون (الخاسرين) من طريق
стр. 739
المعنى، وهاهنا ما يضامه من طريق اللفظ، وهو أن ما قبله من الفواصل (يبصرون) (هود: ٢٠) (وضل عنهم ما كانوا يفترون) (هود: ٢١) قبل نونه وواوه متحركان، مستندان إلى ما قبلهما، فاجتماع
المعنى الذي ذكرناه، والتوفقة بين الفواصل التي بينا أوجبا اختيار (الأخسرين) في هذا الموضع على (الخاسرين) .
وأما التي في سورة النحل فإنها في آية لم يخبر فيها عن الكفار بأنهم مع ضلالهم أضلوا من سواهم، وإنما قال فيهم: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله يهدي القوم الكافرين) (النحل: ١٠٧) فلم يذكر ما يوجب
стр. 740
مضاعفة العذاب، ثم كانت الفواصل التي حملت هذه عليها وزان (الكافرين) و (الغافلين) فاقتضى هذان الشيئان أن يقال: (هم الخاسرون) كما اقتضى السببان في الأولى المخالفان للسببين هنا أن قال: (الأخسرون) .
стр. 741
(١٠٦) الآية الثانية منها:
قوله تعالى في قصة نوح: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده ... ) (هود: ٢٨) .
وقال في قصة صالح ﵇ في هذه السورة: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ... ) (هود: ٢٣) .
للسائل أن يسأل عن مخاطبة النبيين نوح وصالح على نبينا وعليهما السلام.
قوميهما باللفظين تساويا إلا فيما اختلفا فيه من تقديم المفعول الثاني في الآية الأولى على الجار والمجرور، وتأخيره عنهما في الآية الثانية؟
والجواب أن يقال: إن المعنيين واحد في الموضعين، وقول النبيين سواء لأمتيهما، وإنما اختلفا بإخبار الله تعالى في موضع خبر قدم فيه المفعول الثاني على الجار والمجرور، لإجراء هذا الفعل ومفعوليه على ما جرى عليه الفعل الذي قبله، وهو: ( ... ما نراك إلا بشرا مثلنا ... ) (هود: ٢٧) ف (بشرا) مفعول ثاني من/ (نراك) ، وقوله: (وما نراك اتبعك) (هود: ٢٧) ، فـ (اتبعك) في موضع
стр. 742
المفعول الثاني من (نراك) ثم بعده:: (بل نظنكم كاذبين) هود: ٢٧ فلما تقدمت أفعال ثلاثة كل واحد منها يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الثاني منهما لا يحجزه عن الأول معمول فيه، كان إجراء هذا الفعل الذي هو: (وآتاني رحمة من عنده) مجرى تلك الأفعال التي وقعت (آتاني) في جوابها، وجاءت من كلام نوح ﵇ في مقابلتها أولى.
وأما في قصة صالح ﵇ فإنه بإزاء قول قومه له: (..يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا..) هود: ٦٢ فوقع خبر كان الذي هو كالمفعول لها، وقد تقدمه الجار والمجرور، فجرى
جواب صالح عليه السلام
стр. 743
فيما صار عبارة عنه من العربية مجرى الإبتداء في هذا المعنى، فترجح في هذا المكان تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: (وآتاني منه رحمة) على المفعول الثاني، كما ترجح هناك تقديم المفعول الثاني على الجار والمجرور وكل جائز إلا أن كلامنا في الترجيح في الموضعين وفي هذا القدر كفاية والله أعلم.
стр. 744
١٠٧ الآية الثالثة منها
قوله تعالى في قصة سورة هود ﵇ وذكر قومه: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود) هود: ٦٠.
وقال في قصة موسى ﵇ في هذه السورة وإرساله إلى فرعون وملئه: (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) هود: ٩٩.
للسائل أن يسأل عن حذف (الدنيا) من الآية الثانية وإثباتها في الأولى، وهل كان يجوز في الاختيار عكس ذلك؟
والجواب أن الاولى أتى فيها بالموصوف والصفة جميعا، وهو الأصل الأول، ثم الاكتفاء بالصفة عن الموصوف بعده لقيام الدلالة على الموصوف، فيجوز لذلك حذفه، وإقامة الصفة مقامه.
ولما جاءت الآيتان في سورة واحدة وفيت الأولى ما هو بها أولى من الإجراء على الأصل، والإتيان بالموصوف والوصف فقال تعالى: (في هذه الدنيا) واكتفى في الثانية لما قامت الدلالة على الموصوف بالصفة وحدها فقال: (وأتبعوا في هذه لعنة) .
стр. 745
١٠٨ الآية الرابعة منها
قوله تعالى في قصة صالح ﵇: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) هود: ٦٢.
وقال في سورة إبراهيم ﵇ ٩: (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) .
للسائل أن يسأل فيقول: لم قال في الأولى: (وإننا لفي شك) على الأصل و (مما تدعونا) بنون واحدة، وقال في الثانية: ((وإنا لفي شك) على التخفيف، بحذف إحدى النونات وهي المتوسطة، ثم جاء بعده: (تدعوننا) بنونين؟
والجواب أن يقال: أما (تدعونا) في الأولى و (تدعوننا) في الثانية، فلا يصح مكانهما غيرهما، فلا يجوز في الأولى إلا نون واحدة ولا يجوز في الثانية إلا
стр. 746
نونان اثنتان، لأن الأولى خطاب
لصالح ﵇، والنون مع الألف ضمير المتكلم، وتدعو فعل واحد، لا نون فيه، وليس كذلك تدعوننا الثانية، لأنه خطاب للرسل، وهم جماعة، ولا يقال لهم في حال الجمع إلا تدعوننا عند الرفع، ولا تسقط النون إلا لناصب أو جازم، نحو لن تدعونا ولم تدعونا فأما إذا رفعت خطاب الجماعة لم تكن إلا تدعوننا وهذا من مبادئ هذا العلم.
وأما (إننا) في الأولى، و (إنا) في الثانية مع جواز اللفظين في كل مكان، فلأن الضمير الذي دخلت عليه إن في هذا المكان هو على لفظ ضمير
стр. 747
المنصوب المتصل بالفعل في قوله تعالى: (أتنهانا) وضمير المنصوب إذا اتصل بالفعل لم يغير له آخره كما يغير إذا اتصل به ضمير المرفوع، نحو ضربنا تسكن
لصالح ﵇، والنون مع الألف ضمير المتكلم، وتدعو فعل واحد، لا نون فيه، وليس كذلك تدعوننا الثانية، لأنه خطاب للرسل، وهم جماعة، ولا يقال لهم في حال الجمع إلا تدعوننا عند الرفع، ولا تسقط النون إلا لناصب أو جازم، نحو لن تدعونا ولم تدعونا فأما إذا رفعت خطاب الجماعة لم تكن إلا تدعوننا وهذا من مبادئ هذا العلم.
وأما (إننا) في الأولى، و (إنا) في الثانية مع جواز اللفظين في كل مكان، فلأن الضمير الذي دخلت عليه إن في هذا المكان هو على لفظ ضمير المنصوب المتصل بالفعل في قوله تعالى: (أتنهانا) وضمير المنصوب إذا اتصل بالفعل لم يغير له آخره كما يغير إذا اتصل به ضمير المرفوع، نحو ضربنا تسكن الباء لاتصالها ضمير الفاعلين بها، ولا تسكنها لاتصال ضمير المفعولين بها، إذا قلت: ضربنا فلما أشبه المنصوب ب إن المنصوب في ضربنا، ولم ينازعه شبه الفاعل، سلم لفظ إن عند اتصالها به، ولم يلحقه حذف.
ولما كانت إنا في سورة إبراهيم وإن كانت منصوبة مشبهة للفظ الفاعل، إذا قلت ضربنا بكونها على لفظها، وبوقوعها موقع المرفوع المبتدأ، وبأن هذا اللفظ المتقدم عليها في الآية التي قبلها هو ضمير المرفوع خلاف ما تقدم في الآية في سورة هود، وهو قوله (كفرنا بما أرسلتم به) إبراهيم: ٩،
стр. 748
وقبل ذلك ضمير مرفوع على غير هذا اللفظ للذين لهم هذا اللفظ، وهو الواو في قوله تعالى (فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) ثم قوله تعالى: (إنا كفرنا) حذفت منها النون تشبيها للضمير بعدها بالضمير المرفوع بعد الفعل، وكما أن الفعل يلحقه حذف حركة عند اتصال هذا الضمير به، وكان الضمير الذي يحذف من إن النون، حذفت لينقص لفظها عند اتصاله بما هو كالضمير المرفوع لفظا ومعنى، وموقعا، حملا على ما تقدم، عما يكون عليه إذا لم يواصله، وجاءت تدعوننا على مقتضى الإعراب الواجب لها بنونين. فهذا فرق ما بين الموضعين.
стр. 749
١٠٩ الآية الخامسة منها
قوله تعالى في قصة صالح ﵇: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا ف ديارهم جاثمين) هود: ٦٧.
وقال في هذه السورة في قصة شعيب ﵇: (..وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) هود: ٩٤.
للسائل أن يسأل عن اختلاف الفعلين في اتصال علامة التأنيث بأحدهما، وسقوطها من الآخر، مع
أن الفاعل فى الموضعين شيء واحد وهو (الصيحة) مع أن الحاجز بين الفعل والفاعل في المكانين حاجز واحد، وهو (الذين ظلموا) ؟
والجواب أن يقال: إن مثل هذا إذا جاء في كلام العرب سهل الكلام فيه، لأنه يقال: حمل على المعنى، والصيحة بمعنى الصياح، كما أن قول الشاعر:
يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت
стр. 750
حمل على المعنى إذ الصوت بمعنى الصيحة.
غير أن السؤال الذي بنيت الآيات لازم، وهو أن يقال: فهل كان يجوز مكان أخذت أخذ في القرآن؟ وهل لتخصيص قصة شعيب ب أخذت فائدة ليست لها قصة صالح ﵇.
والجواب عن هذا الموضع هو أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن العذاب الذي أهلك به قوم شعيب ﵇ بثلاثة ألفاظ:
منها (الرجفة) في سورة الأعراف فيقوله: (وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون* فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين* الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها) الأعراف: ٩٠-٣٢ وذكر ذلك قبله في مكان آخر.
стр. 751
ومنها (الصيحة) في سورة هود في قوله تعالى: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين) هود: ٩٤.
ومنها (الظلة) في سورة الشعراء ٨٩ في قوله تعالى: (فأخذهم عذاب يوم الظلة) .
وفي التفسير أن هذه الثلاث جمعت لإهلاكهم واحدة بعد أخرى، لأن الرجفة بدأت بهم فانزعجوا لها عن الكن إلى البراح، فلما أصروا نال منهم حر الشمس وظهرت لهم ظلة تبادروا إليها، وهي سحابة سكنوا إلى
стр. 752
روح ظل تحتها فجاءت الصيحة فهمدوا لها.
فلما اجتمعت ثلاث أشياء مؤنثة الألفاظ في العبارة عن العذاب الذي أهلكوا به غلب التأنيث في هذا المكان على المكان الذي لم تتوال فيه هذه المؤنثات، فلذلك جاء في قصة شعب: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة) .
стр. 753
١١٠ الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) هود: ٦٨.
للسائل أن يسأل عن صرف ثمود في قوله تعالى: (ألا إن ثمودا) ، ومنه الصرف بعد قوله تعالى: (ألا بعدا لثمود) وهل كان يجوز أن يمنع الصرف في اللفظ الأول ويصرف اللفظ الثاني؟
والجواب أن يقال: الأول بالصرف أولى، والثاني بالامتناع منه أحق، لأنه في الأول ينحي به نحو الأب والأقربين من أولادهم في الكفر، وإذا قصد هذا القصد انصرف هذا الاسم.
стр. 754
وفي الثاني قصد ذكر الإهلاك وكان للقبيلة بأسرها لما أصرت عليه من كفرها، فنحى نحو القبيلة، فمنع الصرف للتعريف والتأنيث الحاصلين فيما خرج عن أخف الأصلين، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) هود: ٩٥ فالكفر من أولهم، والإهلاك قصد به ذكر كلهم، فكان معنى القبيلة به أولى. وبالله التوفيق.
стр. 755
١١١ الآية السابعة منها
قوله تعالى: قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) هود: ٨١.
وقال في سورة الحجر ٦٥: (فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون) .
للسائل أن يسأل عن شيئين في هذا المكان:
أحدهما: أن يقول: إنه استثنى في سورة هود من قوله تعالى (فأسر بأهلك بقطع من الليل) قوله: (إلا امرأتك) ولم يستثن ذلك في سورة الحجر؟
والثاني: قوله تعالى في سورة الحجر: (.. واتبع أدبارهم) وتركه في سورة هود؟
والجواب عن المسألة الأولى: أن الاستثناء في سورة الحجر أغنى منه قوله تعالى فيما حكى عن الرسل: (..إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين* إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين* إلا امرأته إنها لمن الغابرين) الحجر: ٥٨-٦٠، فهذا
стр. 756
الاستثناء الذي لم يقع مثله في سورة هود أغنى عن الاستثناء في قوله: (فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) .
والجواب عن المسألة الثانية أن يقال: إنه لما اقتص في هذه السورة بعض ما اقتص في الأحرى، فذكر أن الرسل قالوا له: (إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) هود: ٨١ والمعنى: لن يصلوا إليك وإلى المؤمنين من أهلك، قيد ذلك في قوله: (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) هود: ٨١. بأن أمروه بإخراج أهله من بين أظهرهم ليلا من غير أن يعرج أحد منهم على شيء خلفه يعوقه عن المضي إلى حيث ما أمر به.
ولما قال في سورة الحجر: (إنا لمنجوهم أجمعين* إلا امرأته) اخبارا عن الرسل أنهم خاطبوا إبراهيم ﵇ به، ثم أخبر عن مخاطبتهم لوطا في هذه
стр. 757
السورة بما يضاهي قولهم لإبراهيم
﵇، أردفوا قولهم له: (فأسر بأهلك) بقولهم: (واتبع أدبارهم) لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم كان تحقيقا لخبرهم أنهم منجوهم أجمعين، فزيد: (واتبع أدبارهم) لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم كان من ورائهم كان تحقيقا لخبرهم أنهم منجوهم أجمعين، فزيد: (واتبع أدبارهم) لتجاوب مخاطبتهم له مخاطبتهم لإبراهيم ﵇ بسببه.
стр. 758
١١٢ الآية الثامنة منها
حكم هذه الآية يكون ذكرها في سورة الأعراف، ثم لما تأخرت وجب أن تذكر في سورة العنكبوت، إلا أنا رأيناها تتعلق بهذه السورة فذكرناها فيها، وهي:
قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله) الأعراف: ٨٥، هود: ٨٤.
ومثله في سورة العنكبوت، يخالفه بزيادة الفاء، وهو قوله: (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله) العنكبوت: ٣٦.
ففي كل القرآن: (وإلى مدين أخاهم شعبيا قال يا قوم اعبدوا الله) وفي سورة العنكبوت خصوصا فقال.
للسائل أن يسأل عن اختصاص هذا المكان بالفاء، وخلو المكانين قبله منها؟
والجواب أن يقال: إن مفتتح قصص الأنبياء ﵈ في سورة الأعراف قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه) الأعراف: ٥٩ وبعده: (وإلى عاد
стр. 759
أخاهم هودا) الأعراف: ٦٥ وبعده: (وإلى ثمود أخاهم صالحا) الأعراف: ٧٣، وبعده: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) الأعراف: ٨٥ وكذلك في سورة هود على هذا النسق، وإلا أن قصة نوح ﵇ مفتتحة بالواو: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) هود: ٢٥ وهي في سورة الأعراف بلا واو، وقد ذكرنا السبب في ذلك.
فلما تساوت هذه المعطوفات على المعطوف عليها الأول، فكان الفعل المضمر للمعطوف مثل المظهر أولا في التعلق بالمرسل والمرسل إليهم، كعاد المرسل إليهم هود، وكثمود المرسل إليهم صالح، وكمدين المرسل إليهم شعيب ﵇ جرى الجمع مجرى واحدا، فكان التقدير: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، وأرسلنا إلى مدين شعيبا، ولم يعترض
стр. 760
بين القصص ما أضمر فيه، خلاف ما أظهر قبل، وهو: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) هود: ٢٥.
وكان الأمر في ذلك في سورة العنكبوت مخالفا بعض المخالفة، لأن هـ افتتحت القصة بقوله: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) العنكبوت: ١٤ وجاءت بعدها قصة
إبراهيم ولوط ﵉، فلم تجريا على الفعل الأول في التعلق بالمرسل والمرسل إليهم كما كان ذلك في قصة هود وصالح ﵉ في السورتين، بل جاء بعد قوله: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) قوله: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه) العنكبوت: ١٦ وقوله: (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) العنكبوت: ٢٨، فلم يكن المعطوف على قصة نوح في هذه السورة كالمعطوف عليها فيما تقدم من سورتي الأعراف وهود، ولم يتعد الفعل المضمر تعدي الفعل المظهر، وكان جائزا أن يكون المعنى: واذكر إبراهيم إذ قال
стр. 761
لقومه، واذكر لوطا إذ قال لقومه، ثم جاءت قصة شعيب ﵇ فأجريت مجرى القصة الأولى التي هي قصة نوح ﵇ في تعدي الفعل فيها إلى المرسل وإلى المرسل إليهم وقد تخلل ذلك ما ليس مثله من الأفعال المضمرة، فجاء: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) العنكبوت: ٣٦ فأقيمت فيها دلالة على أن هذه القصة مجراه مجرى القصة البعيدة عنها دون القريبة منها وكانت الأولى يتساوى عطفها على ما قرب منها، وبعد عنها لاستواء الفعل المظهر والمضمر، فكانت تلك الدلالة التي تدل على أنها مردودة إلى القصة الأولى أن تتلقى بما تلقيت به تلك من الفاء مع صحة المعنى، فلما كان: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة) العنكبوت: ١٤ قبل (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله) العنكبوت: ٣٦ تعلق ما بعدها بالفاء، كما كانت الفاء في قوله: (فلبث
стр. 762
فيهم) لما ذكرنا.
стр. 763
١١٣الآية التاسعة منها
قوله : (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين* إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) هود: ٩٦ -٩٧.
وقال في سورة المؤمن ٢٣-٢٤: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين* إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) .
وقال في سورة الزخرف ٤٦: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين) .
للسائل أن يسأل فيقول: السلطان المبين من آيات الله، فلم جاء في الآيتين المتقدمتين مع ذكر السلطان المبين ولم يجيء في الآية الأخيرة، إلا الآيات وحدها؟
والجواب أن يقال: إن الآيات: الأمارات التي يكتفي بها في صدق الرسل ﵈، وبها تقوم الحجة على من تبعث إليهم، والسلطان
стр. 764
المبين هو الحجج القاهرة التي تقهر القوم، كأنواع العذاب
التي أنزلت على قوم موسى ﵇، وكانت عند قوله.
فلما كان القصد في الآيتين المتقدمتين ذكر جملة أمرهم إلى منتهى حالهم من هلاك الأبد انطوت تلك الجملة على جميع ما احتج به عليهم إلى أن زال التكليف عنهم، وأخبر عن مستقرهم من العقاب الدائم عليهم ألا ترى الكلام في الآية الأولى في سورة هود ينساق إلى قوله: (وما أمر فرعون برشيد*يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) هود: ٩٧-٩٨، وكذلك في الآية الثانية ينساق الكلام فيها إلى قوله: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب* النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر: ٤٥- ٤٦ فذكر في الآيتين جميع ما احتج به عليهم من الآيات التي سخروا بها عند رؤيتها، والآيات التي فزعوا إلى مسألته عند مشاهدتها في كشفها لقوله تعالى: (ولما وقع
стр. 765
لك) الأعراف: ١٣٤.
وأما الآية الثالثة التي اقتصر فيها على ذكر آياتنا دون السلطان المبين وهي التي في سورة الزخرف ٤٦-٤٧: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين* فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون) فلم يكن القصد إلى ذكر جملة مما عوملوا به في الدنيا وانتهائه بهم إلى عذاب الأخرى، بل كان بعده: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون) الزخرف: ٤٨ فاقتص ما عوملوا به حالا بعد حال إلى أن أهلكوا في الدنيا، حيث قال: (فأغرقناهم أجمعين* فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين) الزخرف: ٥٥-٥٦.
стр. 766
فإن قيل: فقد قال تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين) المؤمنون: ٤٥-٤٦ ولم يذكر في هذه القصة أحوالهم المنتهية إلى عقاب الأبد.
قلت: أولا ليست الآية على سنن الآي التي ذكرنا مما افتتح بقوله: (ولقد أرسلنا) هود: ٩٦، المؤمنون: ٢٣ وهي إن افتتحت بقوله: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون) المؤمنون: ٤٥ فإنها مثل الآيتين المتقدمتين في تضمنها ذكر الجملة من أحوالهم إلى ما كان من هلاكهم لقوله: (فكذبوهما فكانوا من المهلكين) المؤمنون: ٤٨ والمهلكون في الحقيقة هم المعاقبون بالنار والخلود فيها، نعوذ بالله منها.
فقد صار كل ما ذكر فيه مع آياتنا وسلطان مبين هو ما اشتمل على جملة ما عوملوا به إلى أن استقروا مقرهم من عذاب الله الدائم عليهم.
وحقيقة السلطان من السليط، وهو الزيت الذي يضيء به السراج،
стр. 767
والسلطان: الحجة، لأنها تضيء فتبين الحق من الباطل، والسلطان الذي يملك الناس ضياء يدفع ظلام الظلم عنهم، إذ كانوا لولا هو لصاروا من التغاور والتناهب في ظلام يتزايد ولا يتناقص، كأنه ضياء يجلو ظلام الدنيا، والآيات التي جاءت بعد التوراة والعصا واليد جاءت وقد أنارت وأوضحت عندهم الحق حتى سألوا أن يمهلوا ليؤمنوا إذا كشف عنهم ما أظلم، فإن عادوا بعد كشفه جللهم.
стр. 768
١١٤ الآية العاشرة منها
قوله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلكها مصلحون) هود ١١٧.
وقال في سورة القصص ٥٩: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) .
للسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله: (وما كان ربك ليهلك القرى) وبين قوله: (وما كنا مهلكي القرى) وكيف اختصت الآية التي في سورة هود بلفظ الفعل في خبر كان، والأخريان بالاسم وهو مهلك؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذه اللام تسمى لام الجحود، ولا تخلوا منه، وهي تخالف لام كي بأشياء.
منها: إن لام كي يصلح إظهار أن بعدها، إذا قلت: جئت لتكرمني، وهذه
стр. 769
لا يصلح فيها ذلك، لا تقول: ما كنت لأن أفعل.
ومنها: أن المصدر الواقع موقع أن مع الفعل يصح اللفظ به، فتقول جئت للاكرام، ولا يصح: ما كنت للاكرام.
ومنها أن اللام يصح حذفها والاتيان بأن لام كي تدخل على ما هو عذر في إنشاء الفعل، فهذا وإن كان لفظه المستقبل فإنه مقارنة كان قد صار بمعنى الماضي، كما تقول كان زيد يركب، على حكاية الحال التي يستأنف فيها الركوب ويقول القائل: جئتك اليوم لتكرمني غدا، فمتى
стр. 770
علق بزمان لم يصح فيه الزمان الآخر. وكذلك: كان زيد فاعلا، يصلح للماضي والحال، وعلى معنى أنه كان على أن يفعل في أقرب الأوقات التي يستقبلها.
وليس كذلك معنى ما كنت لأفعل لأنه مبالغة في نفي هذا الفعل في أزمنة كلها،، والمعنى: كون هذا الفعل مناف لكوني، فإذا جعلت السبب في نفي هذا الحدث كون المحدث، والمحدث كونه فيما مضى ككونه فيما يستقبل، وفيما هو للحال، فالمعنى: لم يكن فيما مضى يقع مني هذا الفعل ولا
يقع فيما يستقبل ولا في الحال لسبب ينافي وجوده وهو كون الفاعل، ولذلك لا يصح من الأفعال في هذا المكان غير ما يتصرف لفظه من كان.
وإذا كان كذلك وكان هذا نهاية ما يخاطب بع العرب في نفي الفعل،
стр. 771
وامتناع وقوعه خصه الله تعالى بالمكان الذي لا يقع ذلك منه أبدا، ولم يقع منه قط، وهو أنه لم يكن فيما مضى يهلك القرى ظالما لها مع صلاح أهلها ولا يفعله، ولا يليق بعدله، وهو منزه عنه تعالى الله عن ذلك.
وأما قوله تعالى: (ىوما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتننا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) القصص: ٥٩ فإنه لم يكن فيها صريح ظلم ينسب إليه، ولم يكن ملفوظا به، فيؤتى باللفظ الأبلغ في نفيه، كما كان في قوله: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم) .
فإن قال: فلم ادعيت أن هذا أبلغ في الانتفاء من الظلم؟
قلت: إن أول ما يستدل به أن من عرف كلام العرب يعقل من
стр. 772
قول القائل: ما كنت لأظلمك، وما كنت لأشتمك، وما كنت لأذيك، ما لا يعقله من قوله: ما كنت ظالما لك، وماكنت شاتما لك، لأن ذلك نفي الظلم والشتم في وقت دون وقت.
وإذا قال: ما كنت لأشتمك، فكأنه قال: ما كنت بضام كوني شتيمة لك، فجعل كونه منافيا لشتمه.
فإن قال: ما كنت لأشتمك، فكأنه قال: ما كنت بضام كوني شتيمة لك، فجعل كونه منافيا لشتمه.
فإن قال: فلماذا ألزم لفظة الاستقبال والنصب؟
قلت: لأن التقدير: ما كنت في شيء من الأوقات بمستقبل شتمك، وما كان كوني بضام شتمك، وهذا مستمر أبدا بيني وبينك، فكلما لم أشتمك لكوني كذلك لا أشتمك لكوني كذلك.
فإن قال: فلأي معنى لم يجز إظهار أن كما جاز في لام كي؟
стр. 773
قلت: لأنها لو ظهرت لوجب أن يصح الاسم مكانها، فلما ألزمت لفظة كنت وأكون وجب أن يكون النفي الداخل عليها خبرا، أن كوني ينافي أن أفعل كذا، وإني كما لم أحصل في حال وجودي على استئناف شتمك، كذلك لا أحصل على هذه الصفة، وهي الشروع في شتمك إذ كان وجودي هو الذي ينافيه، وجب أن يحفظ لفظ المستقبل المنصوب، فلم يكن بد من إصمار أن.
فإن قال: فهلا جوزت حذف اللام كما كان ذلك في لا كي؟
قلت: لأن اللام ثباتها يسد عن الفعل المنصوب طرق العوامل، فكأنها أقيمت مقام أن لأن اللام لا
تدخل إلا على الاسم في المعنى، وهذا موضع خبر كان فحفظ لفظ الفعل لما ذكرنا، وألزم الحرف المختص بالاسم ليدل به على أن الموضع موضع الاسم فافهمه.
فإن قال: فهذا الفعل الذي حفظت له لفظ الاستقبال والنصب، كيف جاز أن يراد به الأزمنة، وهو مختص بزمان واحد؟
стр. 774
وكان يصلي، تريد في الحال، وتقول: قصدته وكان يركب، تريد المستقبل، وتقول: قصدته وكان قد ركب، ولو قلت: قصدته فكان ركب لم يحسن حسنه مع قد التي تقرب من معنى المستقبل، وعلى هذا حمل قوله تعالى: (أو جاءوهم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم) النساء: ٩٠ في بعض الأقاويل، فكان ذلك عائدا إلى لفظ المستقبل، وما يجوز لقربه منه في المعنى، فلذلك صلح النفي في الأول واستمراره في المستقبل وبالله التوفيق.
стр. 775
١١٥ الآية الحادية عشرة منها
قد تأخرت عن مكانها من السورة، لأنها سئل عنها بعدما أمليت ما تقدم منها، فذكرناها في آخرها لئلا تغير تراجم المسائل، وترتيب الآي فيها.
فإن قال قائل: قوله تعالى في سورة هود ٥٨ (ولما جاء أمرنا نجينا هودا) وفي آخر السورة في قصة شعيب: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا) هود: ٩٤ فعطف لما على ما قبلها بالواو، وقال في قصتي صالح ولوط ﵍: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا) هود: ٦٦ وقال: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) هود: ٨٢ نعطف لما بالفاء دون الواو، وما الفرق الذي أوجب اختلاف حرفي العطف في المواضع الأربعة من هذه السورة؟
والجواب أن يقال: إن هذا الحرف في قصة هود بعد خروج من خبر عنه، هو حكاية لقوله إلى ما هو إخبار من الله تعالى عما كان من فعله ألا تراه قال تعالى: (قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون) هود: ٥٤ إلى قوله: (فإن تولوا فقد أبلغتكم مأرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا) هود: ٥٧ أي: يهلككم ويقيم غيركم مقامكم فينزل بكم أكبر
следующие страницы →