Полный текст (1 361 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وامتناع وقوعه خصه الله تعالى بالمكان الذي لا يقع ذلك منه أبدا، ولم يقع منه قط، وهو أنه لم يكن فيما مضى يهلك القرى ظالما لها مع صلاح أهلها ولا يفعله، ولا يليق بعدله، وهو منزه عنه تعالى الله عن ذلك.
وأما قوله تعالى: (ىوما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتننا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) القصص: ٥٩ فإنه لم يكن فيها صريح ظلم ينسب إليه، ولم يكن ملفوظا به، فيؤتى باللفظ الأبلغ في نفيه، كما كان في قوله: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم) .
فإن قال: فلم ادعيت أن هذا أبلغ في الانتفاء من الظلم؟
قلت: إن أول ما يستدل به أن من عرف كلام العرب يعقل من
стр. 772
قول القائل: ما كنت لأظلمك، وما كنت لأشتمك، وما كنت لأذيك، ما لا يعقله من قوله: ما كنت ظالما لك، وماكنت شاتما لك، لأن ذلك نفي الظلم والشتم في وقت دون وقت.
وإذا قال: ما كنت لأشتمك، فكأنه قال: ما كنت بضام كوني شتيمة لك، فجعل كونه منافيا لشتمه.
فإن قال: ما كنت لأشتمك، فكأنه قال: ما كنت بضام كوني شتيمة لك، فجعل كونه منافيا لشتمه.
فإن قال: فلماذا ألزم لفظة الاستقبال والنصب؟
قلت: لأن التقدير: ما كنت في شيء من الأوقات بمستقبل شتمك، وما كان كوني بضام شتمك، وهذا مستمر أبدا بيني وبينك، فكلما لم أشتمك لكوني كذلك لا أشتمك لكوني كذلك.
فإن قال: فلأي معنى لم يجز إظهار أن كما جاز في لام كي؟
стр. 773
قلت: لأنها لو ظهرت لوجب أن يصح الاسم مكانها، فلما ألزمت لفظة كنت وأكون وجب أن يكون النفي الداخل عليها خبرا، أن كوني ينافي أن أفعل كذا، وإني كما لم أحصل في حال وجودي على استئناف شتمك، كذلك لا أحصل على هذه الصفة، وهي الشروع في شتمك إذ كان وجودي هو الذي ينافيه، وجب أن يحفظ لفظ المستقبل المنصوب، فلم يكن بد من إصمار أن.
فإن قال: فهلا جوزت حذف اللام كما كان ذلك في لا كي؟
قلت: لأن اللام ثباتها يسد عن الفعل المنصوب طرق العوامل، فكأنها أقيمت مقام أن لأن اللام لا
تدخل إلا على الاسم في المعنى، وهذا موضع خبر كان فحفظ لفظ الفعل لما ذكرنا، وألزم الحرف المختص بالاسم ليدل به على أن الموضع موضع الاسم فافهمه.
فإن قال: فهذا الفعل الذي حفظت له لفظ الاستقبال والنصب، كيف جاز أن يراد به الأزمنة، وهو مختص بزمان واحد؟
стр. 774
وكان يصلي، تريد في الحال، وتقول: قصدته وكان يركب، تريد المستقبل، وتقول: قصدته وكان قد ركب، ولو قلت: قصدته فكان ركب لم يحسن حسنه مع قد التي تقرب من معنى المستقبل، وعلى هذا حمل قوله تعالى: (أو جاءوهم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم) النساء: ٩٠ في بعض الأقاويل، فكان ذلك عائدا إلى لفظ المستقبل، وما يجوز لقربه منه في المعنى، فلذلك صلح النفي في الأول واستمراره في المستقبل وبالله التوفيق.
стр. 775
١١٥ الآية الحادية عشرة منها
قد تأخرت عن مكانها من السورة، لأنها سئل عنها بعدما أمليت ما تقدم منها، فذكرناها في آخرها لئلا تغير تراجم المسائل، وترتيب الآي فيها.
فإن قال قائل: قوله تعالى في سورة هود ٥٨ (ولما جاء أمرنا نجينا هودا) وفي آخر السورة في قصة شعيب: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا) هود: ٩٤ فعطف لما على ما قبلها بالواو، وقال في قصتي صالح ولوط ﵍: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا) هود: ٦٦ وقال: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) هود: ٨٢ نعطف لما بالفاء دون الواو، وما الفرق الذي أوجب اختلاف حرفي العطف في المواضع الأربعة من هذه السورة؟
والجواب أن يقال: إن هذا الحرف في قصة هود بعد خروج من خبر عنه، هو حكاية لقوله إلى ما هو إخبار من الله تعالى عما كان من فعله ألا تراه قال تعالى: (قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون) هود: ٥٤ إلى قوله: (فإن تولوا فقد أبلغتكم مأرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا) هود: ٥٧ أي: يهلككم ويقيم غيركم مقامكم فينزل بكم أكبر
стр. 776
الضرر، ولا تضرونه شيئا بعبادتكم غيره، ثم قال: (ولما جاء امرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ) هود: ٥٨ فلم يتقدم تخويف بقرب ما أوعدوا به ليدل على اتصال الثاني بالأول واقتضاء العطف بالفاء، مكان العطف بالواو، وكان الموضع موضع الواو، لأن المراد الجمع بين الخبرين من دون ذكر ما يقلل الزمان بين الفعلين.
وكذلك قصة شيب لم يدل فيها على أنهم أوعدوا بعذاب قد أظلهم، وقرب منهم، وإنما أخبر عز
وجل عن شعيب ﵇ أنه قال لهم (اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب) هود: ٩٣ فلم يتوعدهم بالاقتراب، بل دعاهم إلى الارتقاب، فالتخويف قارنه التسويف لقوله تعالى (سوف تعلمون) فكان الموضع موضع الواو لخروج ما قبله عما يقتضي اتصال الثاني به.
стр. 777
وليست كذلك الموضعان اللذان نسقا على الأول بالفاء، وهما قوله تعالى في قصة صالح: (فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب * فلما جاء أرنا نجينا صالحا) هود: ٦٥-٦٦ وقوله في قصة لوط: (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم احد إلا امرأته إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب* فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) هود ٨١-٨٢ فكان ذلك بعقبه غير متراخ فاقتضى الفاء التي تدل على التعقيب واتصال ما بعدها بما قبلها من غير مهلة بينهما.
وكذلك جاء في سورة العنكبوت في قصة لوط في موضعين بالواو، وهما على هذا السبيل:
فالأول قوله بعد قصة لوط وقوله لقومه: (أئنكم لتأتون الفاحشة) العنكبوت: ٢٨ إلى قوله: (رب انصرني على القوم المفسدين) العنكبوت:
стр. 778
٣٠ فاستنصر الله تعالى عليهم، ولم يتوعدهم بقرب عذاب منهم، وجاء بعده: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) العنكبوت: ٣١ فخرج عما كان بين لوط وبين قومه إلى قصة هي بين إبراهيم ﵇ والملائكة ﵈ لما أتوه بالبشرى، وبإهلاك من في قرية لوط، فنزل لوط فيما كان من محاورتهم لإبراهيم منزلة الغائب عنهم، فكان الموضع موضع الواو لاختلاف القصتين وخلو الأولى عما قرب ما بين الحالين.
وكذلك قوله تعالى بعده: (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ... ) العنكبوت: ٣٣ خبر عن مجيء رسل الله من الملائكة إلى لوط، وارتياعه لهم وفزعه لمجيئهم، وكان مجيئهم إلى ابراهيم ﵇ مجيء البشرى لما قالوا (سلاما قال سلام) الذاريات: ٢٥ فعطف هذه القصة على الأولى بالواو لاختلاف مورديهما، وأنه لم يكن في الأولى منهما ما يقتضي التصاق الثانية بها فتعطف عليها بالفاء.
стр. 779
انقضت سورة هود ﵇ عن احدى عشرة آية واثنتي عشرة مسألة، فكملت مائة وإحدى وخمسين مسألة والله الموفق.
стр. 780
سورة يوسف ﵇
١١٦ الآية الأولى منها
قوله تعالى: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) يوسف: ٢٢.
وقال في سورة القصص ١٤ في ذكر موسى ﵇: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) .
للسائل أن يسأل عن الفائدة في تخصيصي موسى ﵇ بذكر الاستواء، واخلاء يوسف ﵇ من ذلك، وهل كان يصلح أحدهما مكان الآخر، أم قصد الحكمة يمنع منه؟
والجواب أن يقال: إن بلوغ الأشد مختلف فيه: قيل: هو أن يبلغ ثلاثا وثلاثين سنة، وقيل: خمسا وعشرين سنة، وقيل: عشرين سنة وإحدى عشرين، لأنه
стр. 781
يقال: إن الصبي يثغر لسبع سنين، ويبلغ لسبع بعدها، ويتناهى طوله لسبع بعدها، وحجه من قال ذلك: أنه قال: (آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) فإيتاء الحكم والعلم مجازاة على إحسان كان منه، وذلك بعد بلوغ، وقيل: إن بلوغ الأشد هو أن يحتلم والأشد جمع شد،
стр. 782
وهو قوى من العقل، تحتمل التكليف، ويجوز أن يكون البلوغ سمي الأشد، لأن الغلام إ\ابلغ شدت أعماله وكتبت حسناته وسيآته بعد أن كانت محلولة عنه غير مشدودة عليه وقد يأتي قبل البلوغ بحسنات يجازيه الله تعالى عليها.
وقيل في قوله: بلغ أشده واستوى أي أدرك واستوت لحيته. وقيل: الاستواء أن يبلغ أربعين سنة، وهو معنى بين في الآية الأخرى: (حتى إذا بلغ
стр. 783
أشده وبلغ أربعين سنة) الأحقاف: ١٥.
وال\ي يفرق بين المكانين حتى لم ينتظر بيوسف ﵇ الاستواء بعد بلوغ الأشد هو أن يوسف ﵇ أخبر الله تعالى أنه أوحى إليه لما طرحه إخوته في الجب حيث قال: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) يوسف: ١٥ وأراه الرؤيا التي قصها على أبيه، موسى ﵇ لم يفعل به شيء من ذلك إلى أن بلغ الأشد واستوى، لأنه لم يعلم ما أريد به إلا بعد أن استأجره شعيب ﵇، ومضت سنو 'إجازته وسار بأهله، فهناك آتاه ما آتاه من كرامة الله تعالى وقيل: إنه بعد الأربعين، فلم ينتظر بيوسف في إيتاء الحكم والعلم والتشريف بالوحي ما انتظر به موسى، والحكم هو الفصل بين المتحاكمين المبنى على العلم، لأنه يكون بحسب ما يدعو إليه وقيل: معنى استوى: كمل جسمه وتم طوله وعرضه وخرج عن جملة الأحداث.
стр. 784
١١٧ الآية الثانية
قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) يوسف: ١٠٩.
وقال في سورة النحل ٤٣: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .
وقال في سورة الأنبياء ٧-٨: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون*وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام) .
للسائل أن يسأل فيقول: هل بين قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك: ٥وما أرسلنا قبلك - فرق؟ ولأي معنى خص موضع ب من وموضع بحذفها.
والجواب أن يقال: إن من لابتداء الغاية، وقبل اسم للزمان الذي تقدم زمانك، فإذا قال: (وما أرسلناك من قبلك) فكأنه قال: وما أرسلنا من ابتداء.
стр. 785
الزمان الذي تقدم زمانك، فيخص الزمان الذي يقع عليه قبل حدوثه، ويستوعب بذكر طرفيه ابتدائه وانتهائه.
وإذا قال: (وما أرسلنا قبلك) فمعناه: ما فعلنا في الزمان ال\ي تقدم زمانك، فهو في الاستيعاب كالأول إلا أن الأول أوكد للحصر بين الحدين، وضبطه بذكر الطرفين، والزمان قد يقع على بعض ما تقدم فيستعمل فيه اتساعا.
فأكثر ما في القرآن: (وما أرسلنا من قبلك) ولم يجيء بحذف من إلا في موضعين: أحدهما: هذا، والآخر: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام) الفرقان: ٢٠.
فأمل الأول فغنه حذفت منه من بناء على الآية المتقدمة وهي: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون) الأنبياء: ٦ فلما كان الزمان الذي تقدمهم هو الزمان الذي تقدم النبي المذكور في قوله: (وما أرسلنا قبلك) وكانت قبل إذا
стр. 786
عريت من من موضوعة للزمان المتقدم كله، صار بناءه على ما قبل مذكورا كالتوكيد الواقع ب من في سائر المواضع.
فأما قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين) فإنما لم يؤكد ب من، لان المعتمد بالخبر إنما هو الحال التي للمرسلين، وهي أنهم يأكلون الطعام وليسوا من الملائكة الذين طلب الكفار أن يبعثوا إليهم، وأخبر الله تعالى به عنهم في قوله: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة) الفرقان: ٢١
فإن قال: فقد جيء ب من في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) الحج: ٥٢ فالقصد ذكر حال الرسول والنبي، وهو المعتمد بالخبر، فأكد مع
ذلك ب من.
قلت: القصد ب من في هذا الموضع توكيد ذكر الرسول وذكر حاله. ألا تراه قال: (من رسولي ولا نبي) فجمعهما في نفي ما نفى عنهما إلا ما أثبته لهما بعد
стр. 787
قوله: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) فلما كان المكانان معتمدين بالخبر صح التوكيد وكان المقصود والله أعلم.
стр. 788
١١٨ الآية الثالثة منها
قوله : (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من فبقلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا) يوسف: ١٠٩
وقال في سورة الروم ٩: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ال\ين من قبلهم كانوا أشد كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض)
للسائل أن يسأل عما جاء من هذا في القرآن بالفاء، وما جاء منه بالواو، والمعنى المقتضى لكل واحد من الحرفيين؟
والجواب أن يقال: كل موضع تقدم قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض) فإنه في موضع يقتضي الأول وقوع ما بعد الفاء.
وكل موضع تقدم: أولم يسيروا في الأرض فإنه في المواضع التي لا تقتضي الدعاء إلى السير والبعث على الاعتبار، فيكون ذلك مؤديا إليه، وإنما يكون بالواو عطف جملة على جملة، وإن كانت الثانية أجنبية من الأولى.
стр. 789
فقوله في سورة يوسف: (أفلم يسيروا في الأرض) قبله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) معناه: كان الرسل من القرى التي بعثوا إليها، فلما طغوا نزل بهم العذاب ما بقي أثره في ديارهم من الخسف والانقلاب، فصار معنى قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) أي لم يكونوا إلا رجالا أرسلوا إليهم فخالفوهم، فاعتبروا أنت بآثارهم ومشاهدة ديارهم لتجنبوا ما يجلب عليكم مثل حالهم.
وكذلك قوله تعالى في سورة الحج ٤٦: (أفلم يسيروا في أرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها) هو بعد قوله: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد) الحج: ٤٥ فكأنه قال: إذا كان كذا فسيروا في الأرض واعتبروا.
стр. 790
وأما قوله في سورة الروم ٩: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة وأثاروا الأرض) فإنه لم يتقدمه ما يصير هذا كالجواب عنه، إذ لم يجر ذكر
حال أمة من الأمم خالفت نبيها فعوقبت على فعلها، بل الآية التي قبلها قوله: (أولم يتفكروا في
أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) الروم: ٨ فكان الموضع موضع الواو، وهذا مع أنه معطوف على قوله: (أولم يتفكروا) وهو بالواو، فكان حملة على ذلك مع اقتضاء المعنى للواو، وهو الواجب.
وقوله في سورة الملائكة ٤٤: (اولم يسيرو في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان لله ليعجزه من شيء) .
لم يتقدمه الذين من قبلهم ما يكون هذا كالجواب عنه فلم يحسن إلا الواو، لأن الآية التي قبله
стр. 791
ليست في وصف قوم عوقبوا على مخالفة نبيهم، وبقيت آثار بهم من العذاب في منازلهم وديارهم.
وكذا قوله في سورة المؤمن ٢٠-٢١: (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقتضون بشيء إن الله هو السميع البصير * اولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض) فالآيات التي تقدمت هذه الآية ليس ما يقتضي أن يكون هذا كالجواب له، فلذلك جاء بالواو.
فأما الآية التي في آخر هذه السورة وهي: (أفلم يسيروا في الأرض) المؤمن: ٨٢ فإن ما قبلها يقتضي الفاء، ألا ترى قوله: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون) المؤمن: ٧٨
стр. 792
فإنه في وصف من بعث من الأنبياء ومجيء أمرا لله فيمن فالفهم وكيف خسر مبطلهم.
فإن قال قائل: فقوله في سورة محمد ١٠: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم الكافرين أمثالها) لمخ يتقدمه ما يقتضي الفاء
قلت: قوله (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينضركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا لهم وأضل أعمالهم* ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) سورة محمد: ٧-٩ معناه: أن أولياء الله منصورون، وأن الكفار مخذولون فليعتبروا بمن تقدمهم في الكفر ليعلموا أنهم صائرون إلى مثل حالهم.
стр. 793
١١٩ الآية الرابعة منها
قوله تعالى: (ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون) يوسف: ١٠٩.
وقال تعالى في سورة الأعراف ١٦٩: (والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) وكان حق
هذه الآية أن تذكر هناك، إلا أنا ذكرناها لما انتهينا إلى هذا المكان، وقد تقدمت نظيرتها، وهي قوله تعالى: (وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) الأنعام: ٣٢.
للسائل أن يسأل في الآيتين عن موضعين:
أحدهما: قوله تعالى في سورة الأعراف: (والدار الآخرة) فوصف الدار بالآخرة، وفي الآية التي في سورة يوسف أضاف الدار إلى الآخرة؟
والثاني: قوله: (خير للذين يتقون) هناك، وفي هذا المكان: (خير للذين اتقوا) .
والجواب عن الأول أن قبله: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون
стр. 794
عرض هذا الأدنى) الاعراف: ١٦٩، فقوله: (هذه الأدنى) إنما يعني هذا المنزل الأدنى وهو والدار الدنيا بمعنى واحد فلما جعل الأدنى وصفا للمنزل ذكر الدار الآخرة بعده فجعل الدار موصوفة والآخرة صفة لها، وكل يؤدي معنى واحد، إلا أنه يختص ببعض اللفظ دون بعض لمشاكلة ما قبله وموافقته له.
وأما قوله: (ولدار الآخرة) في يوسف فإن قبله: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة) يوسف: ١٠٧ والساعة هي الساعة الآخرة، وهي القيامة، فلما ذكرت الدار أضيفت إليها، فكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة خير فتقدم كل آية ما كان المذكور بعده أليق به.
стр. 795
والجواب عن المسألة الثانية وهي قوله تعالى (للذين يتقون) في سورة الأعراف، وقوله: (للذين اتقوا) في سورة يوسف هو أن القوم دعوا إلى الاعتبار بأحوال الأمم الذين أهلكوا في أزمنة أنبيائهم بالنظر إلى منازلهم، وهي خاوية على عروشها ليعلموا أن الدار الآخرة خير لمن اتقى منهم.
وقوله في سورة الأعراف ترهيب لليهود الذين في عصر النبي، وارتشائهم على كتمان أمر النبي د، وترغيب لهم فيها عند الله إذا صدقوا ما في كتاب الله ، والترغيب والترهيب لا يتعلقان إلا بالآنف المستقبل، فلذلك قال: ط (للذين يتقون أفلا تعقلون) .
وفي هاتين الآيتين مسألة ثالثة، وهي إدخال اللام على دار الآخرة في سورة يوسف، وإخلاؤها منها في سورة الأعراف في قوله: (والدار الآخرة)
والجواب عن ذلك: أن قوله: (ولدار الآخرة) جاء بعد قوله: (فينظروا
стр. 796
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) يوسف:: ١٠٩، ومعناه: فيعلموا كيف كان حال من قبلهم، وأن الدار الآخرة خير لهم، فالام هي التي تدخل على المبتدأ فتعلق الفعل، والفعل هو فيعلموا الدار خير، كما تقول: علمت
لزيد أفضل من عمرو.
وأما قوله: (الدار الآخرة) في سورة الأعراف فلم يتقدمه اللام، بل قوله: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير) الأعراف: ١٦٩ من غير أن يتقدمه ما يجري مجرى التوكيد والقسم الذي يتلقى باللام.
انقضت سورة يوسف عن أربع آيات وخمس مسائل.
стр. 797
سورة الرعد
١٢٠ الآية الأولى منها
قوله : (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الرعد: ٣.
وقال في الآية التي بعدها: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) إلى قوله: (إن في ذلك لآيات قوم يعقلون) الرعد: ٤
للسائل أن يسأل عن قوله تعالى (يتفكرون) في هذه الآية وقوله في الآية التي بعدها (يعقلون) ، هل كان يصح أحدهما مكان الآخرة؟
والجواب أن يقال: إن التفكر هو المؤدي إلى معرفة الشيء، والعلم بالآيات التي تدل على وحدانية الله تعالى، فهو قبل، فإذا استعمل على وجه عقل ما جعلت هذه
стр. 798
الأشياء أمارة له ودلالة عليه.
فبدئ في الأول بما يحتاج إليه أولا من التفكر والتدبر المفضيين بصاحبهما إلى إدراك المطلوب، وخص الآخر بما يستقر عليه آخر التفكر من سكون النفس إلى عرفان ما دلت الآيات عليه، فكان في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر إشارة إليه.
стр. 799
سورة إبراهيم ﵇
قد تقدمت نظائر آيات فيها قبلها فذكرت معها.
١٢١ الآية الأولى منها
قوله : (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من
стр. 800
الثمرات رزقا لكم) إبراهيم: ٣٢.
وقال في سورة النمل ٦٠: (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنتبوا شجرها) .
للسائل أن يسأل فيقول: قال في هذه الآية الأولى (وأنزل من السماء) وقال في الثانية: (وأنزل لكم من السماء) فما الذي أوجب لكم في الثانية، ولم يوجبها في الأولى؟
والجواب إن لكم في آخر الآية الأولى مذكورة، لأنه قال: (فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) فأغنى ذكرها هناك عن ذكرها أولا، والآية الثانية لما لم يكن في آخرها ذكر أنه فعل لهم ذكر في أولها لكم لأن بعدها: (فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) وليست لكم في قوله: (ما كان لكم أن تنتبوا شجرها) تكفي من ذكرها في أولها، لأنها في معنى غير معنى: خلق لكم أصناف النعم.
стр. 801
سورة الحجر
١٢٢ الآية الأولى منها
قوله : (فاخرج منها فإنك رجيم* وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) الحجر: ٣٤-٣٥.
وقال في سورة ص ٧٨: (عليك لعنتي إلى يوم الدين) .
للسائل أن يسأل فيقول: إ كان المراد ب اللعنة ولعنتي شيئا واحدا، فما بال اللفظين اختلفا فجاء في سورة الحجر بالألف واللام، وفي سورة ص مضافا، وهل يصح في الاختيار أحدهما مكان الآخر؟
والجواب أن يقال: إن القصة في سورة الحجر ابتدءت في المعتمد بالذكر، وهو خلق الانس والجن باسم الجنس المعرف بالألف واللام بقوله: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون* والجان خلقناه من قبل من نار السموم) الحجر: ٢٦-٢٧ ثم قال: (ما لك ألا تكون من الساجدين) الحجر: ٣٢ فكان ما استحقه إبليس بترك السجود من الجزاء ما أطلق عليه اللفظ الذي ابتدءت بمثله القصة، وهو اسم الجنس المعرف واللام.
стр. 802
وكان الأمر في سورة ص بخلاف ذلك، لأن أول الآية: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين* فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين* قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنا من العالين) سورة ص: ٧١-٧٥ فلم تفتتح الآية بذكر الصنفين من الإنس والجن باللفظ المعرف بالألف واللام كما أن في سورة الحجر.
ولما كان موضع (ما لك ألا تكون مع الساجدين) الحجر: ٣٢ جاء بدله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت) سورة ص: ٧٥ فجعل بدل الساجدين أن تسجد ثم قال: (لما خلقت بيدي) فخصصه بالإضافة إليه دون واسطة يأمره بقلعه، أجري لفظ ما استحقه من العقاب على لفظ
الإضافة، كما قال: (بيدي) فقال: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) فكان الإختيار في التوفقة بين الألفاظ التي افتتحت بها الآية واستمرت إلى آخرها هذا.
стр. 803
١٢٣ الآية الثانية منها
قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) الحجر: ٧٥.
وقال في الآية التي بعدها: (وإنها للبسبيل مقيم* إن في ذلك لآية للمؤمنين) الحجر: ٧٦-٧٧.
للسائل أن يسأل عن جمع الآيات أولا، وتوحيدها آخرا فيقول: لم اختصت الأولى ب الآية على التوحيد، وهل كانت الآيات لو ذكرت في الثانية، والآية لو ذكرت في الأولى، فما يكون في اختيار الكلام؟
والجواب أن يقال: ذلك في قوله: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) إشارة إلى ما قص من حديث لوط وضيف إبراهيم، وتعرض قوم لهم طمعا فيهم، وما كان من أمرهم آخرا من إهلاك الكفار وقلب المدينة على من فيها وإمطار الحجارة على من غاب عنها.
стр. 804
وهذه أشياء كثيرة، في كل واحدة منها آية، وفي جميعها آيات لمن يتوسم، أي يتدبر السمة، وهي ما وسم الله تعالى به العاصين من عباده ليستدلوا بها على حال من عند عن عبادته فيتجنبها، فكان ذكر الآيات ها هنا أولى وأشبه بالمعنى.
стр. 805
وأما قوله: (لآية للمؤمنين) فلأن قبلها: (وإنها لبسبيل مقيم) أي تلك المدينة المقلوبة ثابتة الآثار، مقيمة للنظار، فكأنها بمرأى العيون لبقاء آثارها، وهذه واحدة من تلك الآيات، فلذلك جاء عقيبها: (إن في ذلك لآية للمؤمنين) .
стр. 806
سورة النحل
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون* وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون* وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون) النحل: ١١ - ١٣.
للسائل أن يسأل عن توحيد الآية أولا وآخرا وجمعها في المتوسط، ولم كان ذلك الاختار؟ وفي كل ذلك آيات كثيرة، ولم عبر عنها بآية واحدة؟
والجواب أن يقال: إنما وحد في الأولى، لأن جميع ما أخبر عنه خلقه إنما هو في جنس من
صنعه، ونوع من خلقه، وهو كل ما نجم من الأرض مما فيه قوت
стр. 807
الخلق.
والذي فيه ذكر الآيات الليل والنهار وهو إظلام الجو لغروب الشمس والقمر النيران اللذان في كل واحد منهما من ميسرة ف فلك، ثم ما أجرى العادة به من إحداث ريح أو مطر عند انتهاء أحدها إلى بعض المجاري، فكان ذكر الآيات هنا أولى، وذكر الآية في الأولى أحق، لأن الأولى فيما يطلع من الأرض بالماء، فكأنه يجمع جميعها شيء واحد، والثانية بخلافها فلذلك
стр. 808
وأما الثالثة فهي: (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه) المعنى والله أعلم جميع جواهر الأرض كالذهب والفضة والحديد وغيرها من النعم التي تبعث على الفكر والتنبيه على ما جعل فيها من المنافع للخلائق، وهي كلها كالشيء الواحد في أنها عروق جارية مختلفة في شيء واحد، هو أمها
стр. 809
، وهي الأرض، ولذلك قدم الإنعام بالزرع والثمار لعلم الخاصة والعامة بما فيها من قرب النفع وإمساك الخلق، ثم عقب ذلك بما هو أصله من الهواء وماء السماء والكواكب التي جعلها الله قواما لتربية ما به ثبات البرية، فلما صرف العقول إلى ما نص من الأمارات في أصناف ما سببه في البر أتبعه بما سخر في البحر.
стр. 810
مسألة ثانية في هذه الآيات: فإن قال قائل: فلم قال في الأولى (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) وقال في الثانية: (لقوم يعقلون) وفي الثالثة: (لقوم يذكرون) ؟
فالجواب: إن التفكر إعمال النظر لتطلب فائدة، وهذه المخلوقات التي تنجم من الأرض إذا أفكر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل، وأن الأكل به قوام ذي روح، وأن المنعم عليه يحتاج أن يعرف المنعم به ليقصده شكر إحسانه، فهذا موضع تفكر بعث الناس ليفضي بهم إلى المطلوب منهم.
وأما تعقيب ذكر الليل والنهار وما سخر في الهواء من الأنوار بقوله: (لقوم يعقلون) فلأن متدبر ذلك أعلى رتبة من متدبر متقدما، إذ كانت
следующие страницы →