Полный текст (1 361 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
سورة النحل
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون* وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون* وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون) النحل: ١١ - ١٣.
للسائل أن يسأل عن توحيد الآية أولا وآخرا وجمعها في المتوسط، ولم كان ذلك الاختار؟ وفي كل ذلك آيات كثيرة، ولم عبر عنها بآية واحدة؟
والجواب أن يقال: إنما وحد في الأولى، لأن جميع ما أخبر عنه خلقه إنما هو في جنس من
صنعه، ونوع من خلقه، وهو كل ما نجم من الأرض مما فيه قوت
стр. 807
الخلق.
والذي فيه ذكر الآيات الليل والنهار وهو إظلام الجو لغروب الشمس والقمر النيران اللذان في كل واحد منهما من ميسرة ف فلك، ثم ما أجرى العادة به من إحداث ريح أو مطر عند انتهاء أحدها إلى بعض المجاري، فكان ذكر الآيات هنا أولى، وذكر الآية في الأولى أحق، لأن الأولى فيما يطلع من الأرض بالماء، فكأنه يجمع جميعها شيء واحد، والثانية بخلافها فلذلك
стр. 808
وأما الثالثة فهي: (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه) المعنى والله أعلم جميع جواهر الأرض كالذهب والفضة والحديد وغيرها من النعم التي تبعث على الفكر والتنبيه على ما جعل فيها من المنافع للخلائق، وهي كلها كالشيء الواحد في أنها عروق جارية مختلفة في شيء واحد، هو أمها
стр. 809
، وهي الأرض، ولذلك قدم الإنعام بالزرع والثمار لعلم الخاصة والعامة بما فيها من قرب النفع وإمساك الخلق، ثم عقب ذلك بما هو أصله من الهواء وماء السماء والكواكب التي جعلها الله قواما لتربية ما به ثبات البرية، فلما صرف العقول إلى ما نص من الأمارات في أصناف ما سببه في البر أتبعه بما سخر في البحر.
стр. 810
مسألة ثانية في هذه الآيات: فإن قال قائل: فلم قال في الأولى (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) وقال في الثانية: (لقوم يعقلون) وفي الثالثة: (لقوم يذكرون) ؟
فالجواب: إن التفكر إعمال النظر لتطلب فائدة، وهذه المخلوقات التي تنجم من الأرض إذا أفكر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل، وأن الأكل به قوام ذي روح، وأن المنعم عليه يحتاج أن يعرف المنعم به ليقصده شكر إحسانه، فهذا موضع تفكر بعث الناس ليفضي بهم إلى المطلوب منهم.
وأما تعقيب ذكر الليل والنهار وما سخر في الهواء من الأنوار بقوله: (لقوم يعقلون) فلأن متدبر ذلك أعلى رتبة من متدبر متقدما، إذ كانت
стр. 811
المنافع المجعولة فيها أخفى، وأغمض، فمن استدرك الآيات فيها استحق الوصف بما هو أعلى من رتبة المتفكر المتدبر، لأنه المنزلة الثانية التي تؤدي إليها الفكرة، وهو أن يعقل مطلوبه منها، ويدرك فائدته منها.
وأما الثالثة، وهي (لآية لقوم يذكرون) فلأنه لما نبه في الأوليين على إثبات الصانع نبه في الثالثة على أنه لا شبه له مما صنع، لأن من رأى المخلوقات أصنافا مزدوجة مؤتلفة أو مختلفة نفى عنه صفاتها، وعلم أن خالقها يخالفها، لا يشبهها ولا تشبهه، وقال في سورة ق ٧ - ٨: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج* تبصرة وذكرى لكل عبد منيب)
стр. 812
أي فعلنا ذلك لنبصركم ونريكم آياتنا ولنذكركم بازدواجها مخالفة صانعها، كما قال: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات: ٥١ فيعلم بعد العلم بما تقدم أنه لا صاحبة له ولا ولد، ولا مشبه له فيما أنشأ وبرأ، إذا تذكر حاله فيها اتفق منه واختلف.
стр. 813
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) النحل: ١٤
وقال في سورة الملائكة ١٢: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) .
للسائل أن يسأل فيقول: أية فائدة خصت في الآية الأولى أن تقدم فيها (مواخر) على قوله (فيه) ، وأن تدخل الواو على (ولتبتغوا) ؟ وأية فائدة خصت في الآية الثانية من سورة الملائكة أن تقدم فيها قوله (فيه) على (مواخر) ، وأن تحذف الواو من قوله (لتبتغوا) ؟
стр. 814
والجواب أن يقال: لما ذكر الله تعالى في سورة النحل النعم التي سخرها البحر من أجلها فقال: (وهو الذي سخر البحر) لكذا وكذا، فعد جملا ثلاثة من نيل سمكة، واستخراج حلية، وطلب فضله بركوبه، كان وجه، فعد جملا ثلاثة من نيل سمكة، واستخراج حلية، وطلب فضله بركوبه، كان وجه الكلام أن يعطف الثالثة على ما قبلها بالواو، لأن نعمة التسخير نظمها مع تقدمها، والمشتركات في فعل حقها أن يعطف بعضها على بعض لتستوي في تعلقها به، واجتماعها فيه، فلما ذكر النعمتين في قوله: (لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) احتاج ذكر النعمة الثالثة في عطفها عل ما تقدم إلى وصف ما عليه البحر مما وطأه الله تعالى منه ليتمكن به من الثالثة، وهي ما يطلب من فضل الله تعالى بأنواع التجارات
стр. 815
في البحر، ونقل الأمتعة فيه من مصر إلى مصر، وإلى سائر ما علق به مصالح الخلق من الأودية المتفرقة على وجه الأرض فقال: (وترى الفلك مواخر فيه) لأن الابتغاء من فضل الله تعالى يتسهل بالسير فيه، ولا سبيل إليه بالفلك وسيرها بشق الماء يمينا وشمالا لتجري إلى الجهة المقصودة.
وليس قوله: (وترى الفلك) عطفا على (وتستخرجوا منه) لأنه خطاب واحد، وما قبله وما بعده خطاب جمع، فهو مباين لهما في ذلك، وفي العامل والإعراب ولهذه اللفظة اختصاص إذا استعملت يقصد بها كون الشيء على
стр. 816
تلك الصفة حتى إذا طلبه طالب رآه عليها، وليس الضمير لواحد مخصوص معين دون غيره، لكنه كقوله: يا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، وكما: ترى العراقي أرق طبعا من الجبلي، وترى البصري أفصح من الواسطي، وكما قال الشاعر:
ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد مزير
стр. 817
وعلى هذا الوجه قوله تعالى: (ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم) الشورى: ٢٢ وكقوله تعالى: (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل من مرد من سبيل* وتراهم يعرضون عليها خاشعين من ذل ينظرون من طرف خفي) الشورى: ٤٤ - ٤٥، وقوله تعالى: (وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها) الجاثية: ٢٨ وكقوله تعالى: (كمثل غيث أعجب الكفار نبته ثم يهيج فتراه مصفرا) في سورتي الزمر والحديد، وكقوله: (وترى الملائكة حافين من حول العرش) الزمر: ٧٥.
والدليل على ما ذكرنا من الآية ان قبل قوله: (وترى الفلك) فعل جماعة، وهو (لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) وبعدها أيضا فعل جماعة، وهو: (ولتبتغوا من فضله) والمعنى في ذلك كله أنه على هذا الوصف، فمن رآه، رآه عليه وإذا كان الأمر في موضع في هذه الجملة من الجملتين المتقدمة والمتأخرة على
стр. 818
ما بينا صار ما بعدها محمولا على ما قبلها، فوجب عطف الثالثة عليه بالواو، لأن حجزه لا يعتد به، ولأن الفعل الذي هو: (سخر البحر) يقتضي إشراكه فيما دخل فيه ما قبله، ولأن (مواخر قد فصل قوله (فيه) بينها وبين قوله: (ولتبتغوا من فضله) فاجتماع هذه الأشياء أوجب اختيار الواو في هذا المكان في قوله: (ولتبتغوا) .
وأما تقديم: (مواخر) في هذا المكان على قوله: (فيه) فلقوة حكم الفعل الذي اعتد الله تعالى بذكره على عباده في هذه الآية، لأنها مصدرة بقوله: (وهو الذي سخر البحر)
стр. 819
وإذا قوي حكم الفعل في مكان وجب أن يترتب ما يتعدى إليه على ما يقتضيه في الأصل، وهو أن يقدم في الفعل المتعدي إلى مفعولين: مفعوله الأول الذي أصله أن يكون معرفة، ثم مفعوله الثاني الذي أصله أن يكون نكره، ثم الظرف الذي هو كالفضة فجاء على هذا الأصل.
وأما تقديم (فيه) في الآية الأخرى على (مواخر) فلأن الفعل الذي قدم فيها، وعطف هذا عليه بولغ في تقديم الجار والمجرور فيه مبالغة لا مرمى وراءها، ولا زيادة عليها، ألا تراهما قدما على الفعل نفسه، وهو: (ومن كل تأكلون لحما طريا) ، فلما عرض قوله: (وترى الفلك) بعد فعل هذه صفته، وقد حصل فيه مفعولان، وجار ومجرور قوي تقديم الجار والمجرور (فيه) على أحد معوليه ليعلم أنه من جملة كلام بني الفعل فيه على تقديم الجار والمجرور عليه.
стр. 820
وأما حذف الواو من قوله: (لتبتغوا) لأنه لما لم تبن الآية على الفعل يقتضي استيعاب ما يتعلق به كما كان في قوله تعالى (وهو الذي سخر البحر) لكذا وكذا، وذكر بعضه إثر بعض، ثم صارت (مواخر) يليها قوله (لتبتغوا) وصح تعلق الكلام بمعنى المواخر، لأن معناها: التي تشق الماء وتسير بأهلها، والله سخرها على هذه الصفة لتبتغوا من فضله فيما جعل الطريق إليه من المنافع التي لا تنال إلا بها، وقد ذكرنا نبذا منها.
فلما اتصلت (مواخر) بقوله (لتبتغوا) ولم يحجز بينهما ظرف استغنى عن الواو لذلك، ولأنه لم يتقدم فعل بنيت عليه الآية دال على تعلقه بنعم يجب أن
стр. 821
ينسق بعضها على بعض كما كان في قوله: (وهو الذي سخر البحر) إذ أول هذه الآية: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) فبان الفرق بين الموضعين فيما يختار له إثبات الواو وتركها.
стр. 822
١٢٦ الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبس مثوى المتكبرين) النحل: ٢٩.
وقال في سورة الزمر ٧٢: (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) .
وقال في سورة المؤمن ٧٦: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) .
للسائل أن يسأل فيقول: ما بال الآية في سورة النحل خصت وحدها بدخول اللام على قوله (لبئس) فيها وإخلاء الآيتين من السورتين منها؟
والجواب أن يقال: إن الآية من هذه السورة في ذكر قوم قد ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم، وهم الذين أخبر الله تعالى عن أتباعهم أنهم أنهم سألوهم عن
стр. 823
القرآن فقالوا: ليس من عند الله، وإنما هو أساطير الأولين، قال الله تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين* ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلون بغير علم ألا ساء ما يزرون) النحل: ٢٤ - ٢٥ وهؤلاء أكثر الناس وأشدهم آثاما، وأشدهم عقابا ومن هذه صفته احتيج عند تغليظ العقاب له إلى المبالغة في تأكيد لفظه، فاختيرت اللام هنا لذلك، ولأن بعدها في ذكر أهل الجنة قوله: (ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) النحل: ٣٠ فاللام في (ولنعم) بإزاء اللام في لبئس.
стр. 824
وليس كذلك الآيتان في سورتي الزمر والمؤمن، لأنهما في ذكر جملة الكفار، قال الله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) الزمر: ٧١ وقال في سورة قوله: ٧٠، (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون) . إلى قوله: (ادخلوا أبواب جهنم) .
فلما كان المذكورون في سورة النحل ممن لزمهم وزران عن ذنوبهم التي أتوها وعن ذنوب غيرهم التي حملوا عليها، ولم يذكر من سواهم في الآيتين الأخريين بحمل أثقالهم حسن التوكيد هناك فضل حسن، فلذلك خص باللام.
стр. 825
الآية الرابعة منها
قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) .
وقال في سورة الروم: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) .
وقال قبلها في سورة العنكبوت: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)
للسائل أن يسأل فيقول: ما بال الآية في سورة العنكبوت وحدها خصّت
стр. 826
بقوله: (وليتمتعوا) وجاءت الآيتان الأخريان بلفظ الأمر على معنى التهديد، وهو (فتمتعوا) ؟
والجواب أن يقال: إن الآية الأولى افتتحت بخطاب الشاهد فأجرى قوله: (فتمتعوا) على هذا اللفظ، والآية الأخيرة افتتحت بالإخبار عن الغائب، وهو قوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ... ) ومرّ سائر الأفعال في هذه الآية على ذلك ولم يكن لها نظير في لفظها تردّ إليه فأجرى قوله (وليتمتعوا) عليه.
والآية التي في سورة الروم وإن افتتحت بلفظ الإخبار عن الغائب فإن لها في لفظها نظيرة رُدّت إليها وصارت كالفرع عليها، وهي قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)
стр. 827
فهذه الآية مفتتحة بمثل ما افتتحت به تلك، إلا أنّ هذه الآية لواحد من الناس، وتلك للجمع، فصارت كالفرع على الأولى. فكان حملها في هذه اللفظة عليها أولى.
стр. 828
الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ... ) .
وقال في سووة الملائكة: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)
للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى (بظلمهم) وقوله (ما ترك عليها) وعن
قوله في الثانية (بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا) .
والجواب أن يقال: قد تقدّم في العشر التي تليها: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) الخبرُ عن الذين نهوا عن أن يتخذوا إلهين اتنين وأن يشركوا
стр. 829
الأصنام في عبادته، وأن يجعلوا لها نصيبا من أموالهم، ويدعوا الملائكة بنات ربّهم، وأن يَئدُوا بناتهم خوفَ إملاقهم. وكل ذلك من أفعالهم ظلم منهم لأنفسهم مع ظلمهم لغيرهم، فقال تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس) بما ظلموا به غيرهم وأنفسهم، وأجرى حكمه على معاجلة المذنبين بعقوباتهم لأنه دالّ على نفس كل إنسان، إذ لا أحد يعدّ أباءه إلا ويجد فيهم من عصى ربه، فلو اختُرم عند خطيئته لانقطع نسله، ولا سبيل إلى ولدٍ لا يصح أصله، فذكر في هذه الآية التابعة لمِا أخبر الله به عن القوم الظالمين بأنواع الظلم التي نسقها
стр. 830
في العشر التي تقدمتها، ثم قال: (ما ترك عليها) يريد: على الأرض، وذلك من الإيجاز الذي يقوم مقام الإكثار والإظهار، تقول العرب: ما فوقها أصدق من فلان ولا تحتها أكذب من فلان، يعنون فوق الأرض وتحت السماء، وقوي إضمار هذا الاسم لشهرة الاستعمال فيه، ولأن المذكور مشاهَد لكل متكلّم يقدر على الإشارة إليه، فجرى مجرى "أنا" و (أنت) ، في صحة العلم به، والأمن من لبسه بغيره.
وأما قوله في السورة الأخرى: (رلو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ... )
فالمراد: بما كسبوا من الآثام، وإن كان "كسب " يستعمل في الخير والشرّ كقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) ، فإنما حذّر الإنسان بهذه اللفظة ما تَجْنيه يداه،
стр. 831
فيكون هو المؤاخذ به دون من عداه.
وجاء بعده: (ما ترل على ظهرها) والمراد: ظهر الأرض.
ولم يذكر ((الظّهر)) في الآية الأولى لتقدّم "الظاء" في المبتدأ بعد "لو"، والظاء
تعزُّ في كلام العرب. ألا ترى أنها ليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلما اختصّت بلغتها وتُجُنِّبَت إلاّ فيها استعملت في الآية الأولى في الابتداء بعد "لو"، واستعملت في الآية الثانية في جواب ما بعد "لو" لهذا.
стр. 832
ولم تجئ في هذه السورة إلا في سبعة أحرف تكرّرت، نحو. الظلم،
والنظر، والظل، و (ظلّ وجهه) والظعن والعظم والوعظ، وأجريت مُجرى ما استثقل من الحروف فلم يجمع بينهما في جملتين معقودتين عقد
كلامٍ واحد، وهما ما بعد "لو" وجوابها. وحسن التأليف وقصد الحروف مراعى في الفصاحة لا يخفى على أهل البلاغة.
стр. 833
الآية السادسة منها
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) .
للسائل أن يساًل في هذه الآى عن ثلاث مسائل:
إحداها عن توحيد، "الآية" في جميعها، ومنها ما فيه آيات.
والثانية عن قوله: "يسمعون" في الأولى،. و "يعقلون" في الثانية،
و"يتفكرون" في الثالثة.
والثالثة عن قوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ... )
وقال في سورة المؤمنين ٢١١،: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا ... ) فأعاد
стр. 834
في أحد الموضعين ذكر المذكر، وفي الآخر ذكر المؤنث، واللفظان سواء، فهل كان يجوز أن يكون حيث عاد المذكر مذكراً يكون مؤنثاً، وحيث عاد مؤنثاً يعود مذكراً؟
المسألة الأولى يجاب عنها فيقال: لماّ كان المذكور في كل آية صنفاً واحداً جعل ما دلّ منه على الصانع آية واحدة.
فإن قال قائل: إنّ الأنعام وثمرات النخيل والأعناب قد جُمعت، وليس جمعها صنفاً واحداً، وكان على قضيتك يجب في الاختيار أن يقال هنا: إن في ذلك لآيات؟
قيل له: إن قوله: (إن في ذلك) إشارة إلى ثمرات النخيل والأعناب دون
стр. 835
الأنعام، وذلك صنف واحد، فلذلك قال: آية، وأما "الأنعام " فقد استند بذكر الآية فيها قوله في ابتداء آيتها: (وإن لكم في الأنعام لَعبرة) فكأنه قال: لكم فيها آية، إذ الاعتبار يؤدي إليها، فخلصت (إن في ذلك) للصنف الواحد من ثمر الشجر.
وأما الثالثة فمقصود بها النحل خاصة، فلذلك قال: (إن في ذلك لآية) . والمسألة الثانية يجاب عنها فيقال: إنما ذكر (يسمعون) في الأولى توبيخاً لمن أنكر البعث واستبعد الحياة الثانية، فكأنه قيل له: إن ذلك قبل التدبر مقرر في
стр. 836
أول العقل حتى إن من يسمعه يعترف به، وهو أن الأرض الميتة يحييها الله تعالى بماء السماء فتعود حيّة بنباتها، فكذلك لايستنكر أن يحى الخليقة بعد موتها.
وأما اختصاص الثانية بقوله: (يعقلون) فلأنه قال: ( ... نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦))
، وقد علمنا أن الفرث والدم لا ينعصر منه ما يسوغ للشارب، وأن الدم أحمر فيحول بقدرة الله تعالىَ لبناً أبيض طيباً بعد بُعده ممّا استحال عنه في اللون والطيب، ففيه عبرة لمن اعتبر، ولماّ قرن إليه ثمرات النخيل والأعناب وما يتحوّل من عصيرهما إلى ما يستلذ ويجلب ما يسرّ سوى طيب رطبها ويابسها احتاج ذلك إلا تدبّر يعقل به صنع صانع لا يقدر غيره عليه، فلذلك قال في الثانية: (يعقلون) .
وأما اختصاص الثالثة بقوله: (يتفكرون) فلأن التفكر استعمال الفكر حالا بعد حال، وفي النحل عجائب من صنع الله تعالى تتبع كل أعجوبة أعجوبة من طاعتها
стр. 837
لرئيسها، ثم أشكال ما تبنى من بيوتها التي لو حاول الإنسان مثلها بأمثلة يحتذيها وتقديرات يقدّمها لتعذّر عليه، ثم إنها تجى من أزاهير النبات والأشجار ما هداها إليه إلهام الله تعالى لها وأرشدها إليه، ثم تَقْلِس ما يجتمع في جوفها عسلاً، فهذه أشياء تقتضى فكراً بعد فكر، ونظراً بعد نظر، فلذلك عقبت بقوله: (يتفكرون) .
والمسألة الثانية يجاب عنها بأن يقال: "الأنعام" في سورة النحل وإن أطلق لفظ جمعها فإن المراد به بعضها ألا ترى أن الدَّر لا يكون لجميعها، وأن اللبن لبعض إناثها، فكأنه قال: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم ممّا في بطونه، ولهذا ذهب من ذهب إلى أنه رُدّ على النعم، لأنه يؤدي ما يؤديه الأنعام من
стр. 838
المعنى، والمراد - والله أعلم - ما ذكرنا للدلالة التي بيننا.
وليس كذلك ذكرها في سورة المؤمنين، لأنه قال: ( ... نسقيكم ممّا في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون)
فأخبر عن النِّعم التي في أصناف النعم إناثها وذكورها، فلم يحتمل أن يراد بها البعض كما كان في الأول ذلك.
стр. 839
الآية السابعة منها
قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا) .
وقال في سورة الحج: ( ... ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)
للسائل أن يسأل فيقول: ما الفرق بين قوله (لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)
إذ لم يكن فيه ((مِن)) وبين قوله: (لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا)
ولِم اختصت الآية التي في سورة الحج بـ "من" وخلت منها الآية في سورة النحل؟
والجواب أن يقال: ذكر في سورة النحل الجملة التي فصّلت في سورة الحج، وكانت لفظة "بعد" لجملة الزمان المتأخر عن الشيء، قال: (والله خلقكم)
стр. 840
فأجمل ما فصّله في السورة الأخرى، وبعده: (تم يتوفّاكم ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئاً) أي: يعزب عنه في حال الهرم ما كان يعلمه قبل من الحكم ويستدركه من الآراء المصيبة، ويرتكبه من المذاهب القويمة، فكان هذا موضع جمل لا تفصيل معها ولاتحديد، ولم يكن كذلك الأمر في سورة الحج، لأنه قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ... )
، يعنى أصلكم، وهو آدم ﵇، (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) أولاده (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ... )
فذكر تفصيل الأحوال ومباديئها فقال: من كذا وكذا لابتداء كل حال
стр. 841
ينتقل منه إلى غيره، فبنى ذكر الحال التي ينتقل فيها من العلم إلى فقده على الأحوال الى تقدم ذكرها، فكما حدّد أوائلها بـ "مِن" كذلك حدّد الحال الأخيرة المتنقلة عمّا قبلها بـ "مِن" فقال: (من بعد علم) أي فقد العلم من بعد أن كان عالما، فباين الموضعَ الأولَ لذلك.
стр. 842
الآية الثامنة منها
قوله : ( ... أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)
، وقال في سورة العنكبوت: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) .
للسائل أن يسأل فيقول: ما بال الآية من سورة النحل زيد فيها (هم)
وخلت منها الآية من سورة العنكبوت؟
والجواب أن يقال: إن الكلام في سورة النحل قد نقل عن الخطاب الذي
يصلح لغير الكفار إلى الإخبار عنهم، وهو قوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ... )
، ثم انتقل الكلام عن الخطاب العام إلى الإخبار الخاص فقال: ( ... أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)
فأكدّ الكلام بقوله: (هم) لئلا يتوهّم أن هذا الإخبار خطاب، وهو بالتاء دون الياء، إذ لا فرق في الخطّ بينهما، ولم يكن كذلك
стр. 843
الأمر في سورة العنكبوت، لأن الإخبار المستمر في الآية التي قبل هذه أغنى عمّا يحصره للخبر دون غيره، وهو قوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)
، فترادُف الإخبار عن الغيب أغنى عن توكيده بما يحصره على الخبر، وذلك واضح لمن تدبّره.
انقضت سورة النحل عن ثماني آيات وإحدى عشرة مسألة، والله الموفق للصواب.
стр. 844
سورة بني إسرائيل
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) .
ْوقال في هذه السورة: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) .
وقال في سورة الكهف: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) .
للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات في قلّة لفظ الأولى، والتقديم والتأخير في الثانية والثالثة.
والجواب أن يقال: إن الأولى جاءت بعد إخبار المتمرّدين من الكفار وعما
آل إليه أمرهم من الدّمار من مبتدأ السورة، ثم عمّا أقامه من الدلائل النيِّرة، والآيات البينة، وعما علّقه من الحساب بالأهلّة، وآية النهار المبصرة، إلى ما حذّر
стр. 845
من حال الآخرة، واشتمال الكتاب على ما قدّم من الحسنة والسيئة، وما بعد ذلك من الأوامر والنواهي، فجاء بعد ذلك كله قوله تعالى: (ولقد صرّفنا في هذا القرآن ليذّكروا) فأبهم القول ليحيط بأنواع تصاريف الكلام من الخبر والعبر وضرب المثل والأمر والنهي والوعظ والزجر إذ كان فيما قبله: (كل ذلك.
وأما الآية الثانية فإنها جاءت بعد الأولى، وبعد أمثال ضربت، نحو: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً) ، وبعد تخويف النبي ﷺ وتحذيره كتحذير الناس كلهم، إذ يقول تعالى: (وإنْ كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ... إلى قوله: (إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضِعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً)
، فقال بعده، وقدّم الناس: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) تنبيها للناس، وليهتمّوا بتفهّمه، ويعنوا بتدبّره، ويقفوا عند أوامره، وينتهوا عن زواحره،
следующие страницы →