← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ينتقل منه إلى غيره، فبنى ذكر الحال التي ينتقل فيها من العلم إلى فقده على الأحوال الى تقدم ذكرها، فكما حدّد أوائلها بـ "مِن" كذلك حدّد الحال الأخيرة المتنقلة عمّا قبلها بـ "مِن" فقال: (من بعد علم) أي فقد العلم من بعد أن كان عالما، فباين الموضعَ الأولَ لذلك.

стр. 842

الآية الثامنة منها قوله : ( ... أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) ، وقال في سورة العنكبوت: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) . للسائل أن يسأل فيقول: ما بال الآية من سورة النحل زيد فيها (هم) وخلت منها الآية من سورة العنكبوت؟ والجواب أن يقال: إن الكلام في سورة النحل قد نقل عن الخطاب الذي يصلح لغير الكفار إلى الإخبار عنهم، وهو قوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ... ) ، ثم انتقل الكلام عن الخطاب العام إلى الإخبار الخاص فقال: ( ... أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) فأكدّ الكلام بقوله: (هم) لئلا يتوهّم أن هذا الإخبار خطاب، وهو بالتاء دون الياء، إذ لا فرق في الخطّ بينهما، ولم يكن كذلك

стр. 843

الأمر في سورة العنكبوت، لأن الإخبار المستمر في الآية التي قبل هذه أغنى عمّا يحصره للخبر دون غيره، وهو قوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) ، فترادُف الإخبار عن الغيب أغنى عن توكيده بما يحصره على الخبر، وذلك واضح لمن تدبّره. انقضت سورة النحل عن ثماني آيات وإحدى عشرة مسألة، والله الموفق للصواب.

стр. 844

سورة بني إسرائيل الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) . ْوقال في هذه السورة: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) . وقال في سورة الكهف: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) . للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات في قلّة لفظ الأولى، والتقديم والتأخير في الثانية والثالثة. والجواب أن يقال: إن الأولى جاءت بعد إخبار المتمرّدين من الكفار وعما آل إليه أمرهم من الدّمار من مبتدأ السورة، ثم عمّا أقامه من الدلائل النيِّرة، والآيات البينة، وعما علّقه من الحساب بالأهلّة، وآية النهار المبصرة، إلى ما حذّر

стр. 845

من حال الآخرة، واشتمال الكتاب على ما قدّم من الحسنة والسيئة، وما بعد ذلك من الأوامر والنواهي، فجاء بعد ذلك كله قوله تعالى: (ولقد صرّفنا في هذا القرآن ليذّكروا) فأبهم القول ليحيط بأنواع تصاريف الكلام من الخبر والعبر وضرب المثل والأمر والنهي والوعظ والزجر إذ كان فيما قبله: (كل ذلك. وأما الآية الثانية فإنها جاءت بعد الأولى، وبعد أمثال ضربت، نحو: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً) ، وبعد تخويف النبي ﷺ وتحذيره كتحذير الناس كلهم، إذ يقول تعالى: (وإنْ كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ... إلى قوله: (إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضِعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً) ، فقال بعده، وقدّم الناس: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) تنبيها للناس، وليهتمّوا بتفهّمه، ويعنوا بتدبّره، ويقفوا عند أوامره، وينتهوا عن زواحره،

стр. 846

فكان موضع الآية يقتضي تقديم "الناس" على عادة العرب في تقديم ما عنايتُهم به أتم. وأما الثالثة فإنها وقعت في السورة التي تقدم فيها ذكر أصحاب الكهف، وما سئل النبي ﷺ (عن الإخبار به ممّا لم يقدر عليه إلاّ بأن يوحى إليه، وكان جميع ذلك من خبر موسى ﵇، مع مَن وُعد لقاءَه، وقصة ذي القرنين بعدهما ممّا أودع القرآن وتضمّنه الكتاب، فقال في هذا المكان: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) للدلالة على ماطلبوه من النبي ﷺ وما قد أوحى الله تعالى به إليه في كتابه، فكان تقديم ذلك في هذا المكان أولى. والله أعلم.

стр. 847

الآية الثانية منها قوله تعالى: (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) . وقال بعد ذلك بآيات: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) . ثم قال بعده: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) . للسائل أن يسأل عن اختصاص خواتم هذه الآيات الأربع: (ثم لاتجدوا) (ثم لا تجد) بما خصّت به، وهل كان يجوز أن تكون هذه مكان تلك، وتلك مكان هذه؟. والجواب أن يقال: إن الأولى بعد قوله: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر) وهو خطاب لمن ينجيهم من ضرّ البحر ويُسلمهم إلى البرّ فيعوضون عن ذكر ما

стр. 848

كانوا فيه من المخافة عند الأمن، ويكفرون بما أنعم به عليهم من النجاة، فقال: الذي خفتموه من عذاب الله تعالى في البحر لا تأمنوا مثله في البر، لأن الغرق الذي خفتموه هناك بإزائه الخسفُ وإرسالُ الرياح الحاملة للحصباء، فلا يعجزه الآن ما أمكنه إذ ذاك، ثم لا تجدوا مَن يقوم مقامكم ويعصمكم مما يريد إنزاله بكم، وهذا أول ما يطلبه مَن يشرف على هلكةٍ لينقله إلى نجاة. وأما قوله: (أم أمنتم أن يعيدكم فيه) يعنى في البحر، فيُغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا مَن يتبعنا إذا أهلكناكم بمطالبةٍ بدمائكم، أو بإنكار ما أنزلناه بكم، فالذي يلجأ إليه إذا لم يغن الوكيل في دفع الضرر ووقوع الهلَكة مَن يتبع ذلك بإنكار أوانتصار، وهذا أيضاً مما لا تجدونه.

стр. 849

وأما قوله تعالى للنبي ﷺ : (إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) أي: لأنزلنا بك عند قليل الركون إلى الكفار ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، ثم لا تجد لك عِزّاً تمتنع به ممّا نريد إحلاله بك، وهذا هو النصير. وكذلك قوله : (ولئن شئنا لَنذهبنّ بالذي أوحينا إليك) أي: لأنسيناكه ولَمحونا من القلوب والكتب ذكره، ثم لا تجد مَن يتوكّل لك بردّ شيء منه إليك، لكني دبّرتك بالرحمة لك، فأوليتك من النعم والألطاف ما ثبتَّ به على الإيمان، وسلمت به من الركون إلى ما دعاك إليه أهل الشرك، وكانوا قالوا له: لا نتركك تستلم الحجر حتى تُلمّ بآلهتنا، فقال في نفسه: ما عليّ أن أفعل ذلك، والله يعلم ما في نفسى فأتمكّن من استلام الحجر. وقيل: إنهم قالوا له:

стр. 850

اطرُدْ عنك سُقّاط الناس ومواليهم، والذين رائحتهم رائحة الضأن، لأنهم كانوا يلبسون الصوف إنْ كنتَ قد أرسلت إلينا لتجلس معنا، ونسمع منك، فهمّ أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم فنزل هذا الوعيد، لأن الله تعالى أمره بغير ذلك في قوله: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه) ، وقال: (ولا تدع مع الله إلها آخر) ، ولذلك قال: (وإن كادوا لَيفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفترى علينا غيره)

стр. 851

وهذان البابان اللذان همّ بأحدهما من غير عزم منه عليه، هما غير ما أوحى الله إليه، فقد تبيّن أن خاتمة كل آية واقعة موقعها لا يصلح سواها مكانها. والله أعلم.

стр. 852

سورة الكهف الآية الأولى منها قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ... ) . للسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله: (ثلاثة رابعهم) و (خمسة سادسهم) بلا واو، وبيّن قوله (سبعةٌ وثامنهم) بالواو؟. وقد سوىّ النحويّون بين الجملة التي تجري صفة للنكرة، أو حالاً للمعرفة إذا كان فيها ذكر الأول في أنّ دخول الواو عليها وحذفها منها جائزان. قال الزجاج: دخول الواو ها هنا وإخراجها من الأول واحد.

стр. 853

فإن قال السائل هل في اختصاص السبعة وعطف الجملة عليها فائدة تخصّها ليست فيما قبلها؟ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن يقال: إن الفرقة التي قالت: كانوا ثلاثة كانت بعدها فرقتان أخريان، وكذلك الثانية التي قالت: خمسة سادسهم كلبهم، وأما السبعة فانتهت عندها العدة، وانقطعت بها القصة، ولم تكن هناك فرقة رابعة تذكر قولا رابعا، والشيء إذا تمّ وانتهى وكانت الجملة فيما لم ينته تتصل بالأول اتصال الشيء منه كانت الواو فيها دليلا على انقضائها، والآخر في كلامٍ في حكم المنقطع منها في اللفظ وإن كان اتصاله بها في المعنى كاتصال الأوّلين.

стр. 854

والثاني: أن السبعة لمّا كانت أصلا للنهاية في تركيب العدد، لأن أصل الجمع واحد، والواحد فرد، والتركيب بعده بأن يضمّ فرد إلى فرد فيصيران زوجا، فيحصل بضمّهما إلى الواحد السابق ثلاثة فرد لم يضمّ إليه شىء، وفرد ضمّ إليه فرد، ثم ضمّا إلى فرد فحصل به ضمّ زوج إلى فرد، وبلغت عدة المركّبات ثلاثة، وبقي أن يضم زوج إلى زوج، وهو اثنان يضمّان إلى اثنين فيصير أربعة، فإذا ضمّت الأربعة إلى الثلاثة تكاملت التركيبات، فلا ترى بعدها تركيبا خارجا عن ذلك، فصارت السبعة أصلا للمبالغة في العدد، ولذا خصّت السموات بسبع من العدد، والأرضون مثلها، والكواكب والأسبوع، وقال تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ..) ، وقال: (.. فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) .

стр. 855

وللمفسرين في ذلك جواب ثالث، وهو: أن العرب تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، فإذا بلغت الثمانية لم تُجرها مجرى الأخوات التي لا يعطَف بعضها على بعض كما يقال في الحروف المقطعة: ألف، باء، تاء، ثاء، واحتجوا بآيات من القرآن كقوله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... ) ، فعطف الثامن على ما قبله، ولم يدخل واو العطف على ما قبله، وكذلك قالوا في قوله: (.. حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) لأن

стр. 856

أبواب جهنم سبعة، وقال: (.. حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ... ) ، لأن أبواب الجنة ثمانية، وقالوا مثل ذلك في قوله: (.. مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) ، وإن كان هذا مخالفا لما تقدّم، إذ الثيّبات لا توصف بالأبكار، فكانت الواو هنا من جهة أخرى، لا يجوز تركها. قلت: ويمكن أن ينصر هذا القول، ويعضد بطريق من القياس، تختص بثمانية، وهو أن الياء في ((ثمانية)) و ((ثماني)) ، ياءُ النسب التي في قولك: يمانٍ وشامٍ وتهام ورَباَع في الفرس الرباعى، وكان الأصل يمنىّ، وشآميّ، وتهامي وربعي وثمني

стр. 857

فقلبت إحدى اليائين ألفاً، وقدّمت على لام الاسم، وبقيت الياء الأخيرة ساكنة. وياء النسب من خصائص الأسماء التي لا تكون في غيرها، وهي إذا دخلت على ما خرج من الاسم عن بابه كمدين وطلحة إلى باب ما لا ينصرف أعادته إلى باب الاسم وأبطلت عنه شبه غيره الموجب لمنع الصرف، فتقول: مدائنى وطَلحي، فتصرفه وإن صار بالياء أثقل ممّا كان، فلما دخل على "ثمانية" ما يخصصها بباب الاسم أجريت على حكم الاسم، وأزيل عنها حكم الحروف فعطفت على ما قبلها بالواو. فإن قال قائل: فإن هذا يلزمك في ثلاثة، لأن التأنيث من خصائص الاسم؟ قلت: هذه العلامة - أعنى أمارة التأتيث - تتصل بالفعل في نحو: قامت

стр. 858

وقعدت، وتتصل بالحرف في نحو: رُبَّتَ وثَمَّتَ، فيزول عنها الاختصاص. " فإن قال قائل: فالتثنية لا تكون إلاّ في الاسم فوجب في قولك: اثنان أن تقول: واحد واثنان. قيل: لا يختلف البصريون في أنّ الكاف من "ذلك " ليست اسما وهى تثنى وتجمع في قولك: ذاكما و (ذلكما ممّا علّمني ربّي) ، و (ذلكم يوعظ به) ، فيزول بما ذكرنا اختصاص ما عارض به من المختص بالاسم دون غيره.

стр. 859

الآية الثانية منها قوله تعالى: (قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) . وقال في سورة حم السجدة: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) . للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى: (رددت) وقوله في الثانية: (رجعت) وهل كان يجوز أحد اللفظين مكان الآخر في الاختيار؟ والجواب أن يقال: إن الأولى بقوله: (رُددت إلى ربّى) أولى، وذلك لما تقدّم من وصف الجنتين اللتين حوتا مراده، واشتملتا على ما أراده، وتقديره فيها أنهما يدومان له. والردّ عن الشيء يتضمن معنى كراهية للمردود تقول: قصد فلان

стр. 860

فلاناً فرُدّ عنه، وقصد فلاناً فرجع عنه، فلما كان الأول ينقل عن جنته وهو خلاف محبّته كان استعمال اللفظ الذي يدل على الكراهية فيه أولى والثانية لم يتقدمها مثل ما تقدم هذه، لأن قبلها: (لايسأم الإنسان من دعاء الخير وإنْ مسّه الشر فيئوس قنوط) ، إلى قوله: (لَلحسنى) وليس في ((رُجع)) " ما في ((رُدّ)) من كراهة وهوانٍ يلحقان المردود ولا يلحقان المرجوع، فافترقا لذلك.

стр. 861

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. وقال في سورة السجدة: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) . للسائل أن يسأل عن استعمال الفاء في سورة الكهف في قوله: (فأعرض عنها) واستعمال ((ثم)) في سورة السجدة؟ والجواب أن يقال: إن ((الفاء)) و ((ثم)) مشتركان في أنّ ما بعدهما في اللفظ متأخر عمّا قبلها في المعنى، ومختلفان في أنّ "الفاء" قرُب ما بعدها ممّا قبلها، وفي "ثم " تراخ عنه وبُعْد، فكان استعمال الفاء في سورة الكهف أولى، واستعمال ((ثم)) هناك أحق وأحرى، وذلك أنّ ما في سورة الكهف في ذكر قومٍ يُستدعَون إلى الإيمان، ولم تختم أعمالهم بالكفر لقوله تعالى: ( ... وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) . وليس كذلك قوله: (ثم أعرض عنها) الآية، في وصف الكفار بعد موافاتهم القيامة لقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... ) إلى

стр. 862

قوله: (ثم أعرض عنها) ، أي: ذكّر مدّة عمره بآيات ربّه، وتطاول الأمر بزجره ووعظه، ثم ختم ذلك بترك القبول وبالإعراض، فكان هذا قولاً يقال فيهم عند الانتقام منهم كما حكى قولهم: (.. رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) ، فقد بان بما ذكرنا أن ((ثم)) هنا مكانها، والفاء هناك مكانها. والله أعلم.

стр. 863

الآية الرابعة منها قوله تعالى في الحكاية عن موسى ﵇ لماّ خرق الخضر ﵇ السفينة: ... (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) . ولما قتل الغلام: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)) . للسائل أن يسأل عن "الإمر" و "النُّكر" وهل كان أحدهما يصلح في موضع الآخر، أم لكل واحد معنى يخصصه بمكانه؟. والجواب أن يقال: قيل: الإمر: إنه الداهية، وقيل: إنه العجب.

стр. 864

والنُّكر: ما تنكره العقول ولا تعرفه ولا تجوّزه. ويروى عن قتادة أنه قال: النّكر أعظم من الإمر، لأن الإمر إن حُمل على الداهية فهي التي تدْهى الإنسان ممّا لم يخشه فيحترز من وقوعه. والعجب قد يكون غير منكر، والنّكر لا يستعمل إلا في المذموم الذي يخرج عن المعروف في العقل أو الدين، فاختص الأول بالإمر، لأن خرق السفينة التي لم يغرق فيها أحد أهون من قتل الغلام الذي قد هلك. وقيل: "الإمر" أعظم من النكر، لأن تغريق مَن في السفينة أنكر من قتل

стр. 865

نفس واحدة، وليس كذلك لأن الغرق لم يقع، والقتل قد حصل. هذا القول قول الزجاج في معاني القرآن.

стр. 866

الآية الخامسة منها قوله تعالى في الحكاية عن الخضر ﵇ بعد قوله: ( ... لقد جئت شيئاً إمراً) : ( ... ألم أقل إنك لن تستطع معي صبراً) . وبعد قوله تعالى: (.. لقد جئت شيئاً نكراً: (.. ألم أقل لك إنك لن تستطع معي صبراً) . للسائل أن يسأل عن زيادة (لك) في الثانية وإخلاء الأولى منها. والجواب أن يقال: إنه في الأولى لماّ قرّر موسى وذكر ما كان قدّم القول فيه من أن الصبر على ما يشاهده منه يثقل عليه فقال: ( ... ألم أقل إنك لن تستطع معي صبراً) معناه في غالب ظني: إنك تعجز عن احتمال ما ترى حتى تبادر إلى الإنكار، فلما رأى قتل الغلام وعاد إلى الإنكار أكد التقرير الثاني بقوله: (لك) كما يقول القائل: لك أقول، وإياك أعنى، فيقدم (لك)) و"إياك " ولو قال: أقول لك، وأعنيك بكلامي لاستويا في المعنى إلا أنّ في (لك) تأكيد

стр. 867

الخطاب بالتقديم، فكأنه قال: ألم يكن خطابي لك دون مَن سواك، وهذا وجب في الثانى لا في الأول الذي لم تتأكد حجة الخضر ﵇ كتأكّدها في الثاني.

стр. 868

الآية الصادسة منها قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)) للسائل أن يسأل عن (اسْطَاعُوا) في الأولى، فلم خصّت بحذف التاء، دون الثانية في جلّ القراءات. والجواب أن يقال: إن الثانية تعدّت إلى اسم، وهو قوله : (نقباً) فخفّ متعلقُها فاحتملت بأن يتمّ لفظها، فأمّا الأولى فإنها تعلّق مكانُ مفعولها بـ "أن " والفعل بعدها، وهي أربعة أشياء: أنْ، والفعل، والفاعل، والمفعول الذي هو الهاء، فثقل لفظ "استطاعوا" وكان يجوز تحقيقه حيث لا يقارنه ما يزيده ثقلاً، فلما اجتمع الثقلان، واحتمل الأول التخفيف ألزم في الأول دون

стр. 869

الثاني الذي خف متعلّقه. انقضت سورة الكهف عن ست آيات وست مسائل. والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين.

стр. 870

سورة مريم الآية الأولى منها قوله عزوجل: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) . وقال في سورة الزخرف: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) . للسائل أن يسأل فيقول: هل في اختلاف لفظي (كفروا) و (ظلموا) في الآيتين ما يخص أحدهما بمكانه، والآخر بالموضع الذي جاء فيه. والجواب أن يقال: كلتا الآيتين في قصّة عيسى ﵇ وتوعّد من أثبت لله تعالى ولداً لقوله تعالى في سورة مريم: (ما كان لله أن يتخذ من ولدٍ سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) ، وقال في سورة الزخرف: (ولماّ جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبيِّن لكم بعض الذي تختلفون فيه..) إلى قوله: (. فويل للذين ظلموا..) والكفر أعظم من

стр. 871

الظلم وإن كان كل كافر ظالماً لنفسه، فلماّ قالوا في عيسى ﵇ إنه ابن الله كفروا. بذلك وظلموا أنفسهم فأخبر الله تعالى عنهم في القصة التي شرح فيها ابتداء أمره بالوصف الذي يتضمن لفظ أكبر الذنوب، وهو الكفر. ولماّ أجمل في السورة الثانية ما فصّله في الأولى وصفهم بالوصف الذي يدل على أنهم حرّموا أنفسهم ما عُرضوا له من الثواب، وأوجبوا عليها أليم العذاب، فبذلك ظلموها، أعني بالكفر الذي كان منهم لماّ دعوا للرحمن ولداً، تقدس الله تعالى عنه.

стр. 872

الآية الثانية منها قوله تعالى: ( ... فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) . وقال في سورة الفرقان: ( ... وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..... للسائل أن يسأل فيقول:. ما بال الفعل في الآية الأخيرة أكد بذكر المصدر معه من دون الفعل في الآية الأولى. والجواب أن يقال: أما الأول فإنه بعد قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ... ) ، فكان موضع إيجاز لذكر المعاصي فبُنى الكلام عند ذكر التوبة على ما بنى عليه ذكر المعصية. ولم يكن كذلك الموضع الثاني، لأنه بدئ بقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ... )

стр. 873

، فلما ذكر الكبائر، وأنّ أولياء الله يجتنبونها، وأن من أتاها ضوعف له العذاب إلاّ أن يتوب ويعمل عملا صالحاً، كان الموضع موضع تأكيد لأنه لمن يعمل العمل الصالح بعد ارتكاب الكبائر التي عدّدها. فلمّا أكّد الكلام هناك وجب تأكيده هنا، أعني عند محو السيئات المتقدمة بالحسنات المستأنفة، فاختلاف الآيتين في التوكيد لما ذكرنا.

стр. 874

سورة طه الآية الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ... ) ، إلى قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ) . وقال في سورة النمل: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ ... ) . للسائل أن يسأل فيقول: قال الله تعالى: ( ... وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) ، وهل الاختلاف إلا هذا الذي جاء في سوره في الإخبار عن قصة واحدة، مرة أنه قال لأهله: (.. لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) .

стр. 875

، وفي أيةٍ: ( ... سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ... ) ، وقال في القصص،: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ....) ثم قوله تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ... ) ، إلى قوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)) . وفي السورة الثانية: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ ... ) . وكذلك جاء في سووة القصص: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا..) . والجواب أن يقال: إن الله تعالى لم يخبر أنه خاطب موسى ﵇ باللغة العربية بألفاظ إذا عدل عنها إلى غيرها ممّا يخالف معناها كان اختلافا في القرآن قادحاً

стр. 876

فيه، بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة، وأنه تعالى أخبر في بعض السور ببعض ما جرى، وفي الأخرى بأكثر ممّا أخبر به في التي قبلها، وليس يدفع بعضها بعضا. فأما قوله تعالى: ( ... لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) ، فهو معنى قوله: ( ... سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبسٍ ... ) ، لأن الخبر الذي يأتيهم به هو أن يجد على النار من يهديه ويخبره أن الطريق ما هو عليه، أو غيره، ووجود الهدى وأن يخبر بخبر اهتدائه في طريقه أو غيره شيء واحد لا اختلافَ فيه. وأما قوله : (فلما أتاها نودى يا موسي إنى أنا ربك فاخلع نعليك ... ) ، فهو ممّا جرى، ولم يخبر الله تعالى به في سائر السور، فأخبر به في هذه. وكذلك القول في العصا وسؤاله وتقريره على ما وصف من حالها، حيث يقول: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ... )

стр. 877

، إلى قوله:، ( ... سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى، هو من ذلك.

стр. 878

الآية الثانية منها قوله تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) ، إلى قوله: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) . وقال في سورة الشعراء: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) . وقال في سورة القصص: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) .

стр. 879

للسائل أن يسأل عما حكى الله تعالى من قول موسى ﵇ لما بعثه إلى فرعون واختلافه في السور الثلاثة لأنّ ما في سورة طه سوى ما في سورة الشعراء وما في سورة القصص. والجواب عن ذلك أن قوله: (ربّ اشرح لي صدري) طلب أمانٍ له من أن يقتَل بمن قتله، وهذا معنى قوله: ( ... أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ... ) ، لأنهم لو صدّقوه لما خاف أن يقتلوه. وكذلك قوله في السورة الثالثة: (قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون) ، وقوله: (ويسّر لي أمري) ، أي: سهّله حتى أؤدّي رسالتك، وإذا أمن من القتل فقد فعل به ما طلبه. وأما قوله: (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) ، فهو معنى قوله: (ولا ينطلق لساني فأرسل إلي هارون) . وكذلك في سورة القصص: (وأخى هارون هو أفصح منى لساناً فأرسله معي رِدا يُصَدِّقُنِى إنى أخاف أن يكذّبون) فطلب أن يحلّ عقدة من عقد لسانه،

стр. 880

وأن يؤيَّد بأخيه، فأجيب إليهما، ولم يطلب حلّ كل عقد لسانه لما حكاه الله تعالى عن فرعون: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) ، وسائر ما ذكر في سورة ولم يذكر في أخرى ليس من الاختلاف الذي يعاب. وأما قوله: (اذهب إلى فرعون إنه طغى) ، وقوله في الشعراء: (أن ائت القوم الظالمين قومَ فرعون ألا يتقون) وقوله في القصص: (إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين) . ففي " الآية الأولى ذُكر فرعون وحده، لأن قومه تبع له، وكأنهم مذكورون معه، وفي الآية الثانية ذكر قوم فرعون من دونه، ومعلوم أنه منهم ومخاطب بمثل خطابهم، فإذا اتقوا وآمنوا كان فرعون وحده لا يقدر على مخالفتهم، فترك ذكره، لأنه في هذه الحالة في حكم التابع لهم وخطابهم خطابه.
следующие страницы →