فيه، بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة، وأنه تعالى أخبر في بعض السور ببعض ما جرى، وفي الأخرى بأكثر ممّا أخبر به في التي قبلها، وليس يدفع بعضها بعضا.
فأما قوله تعالى: ( ... لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)
، فهو معنى قوله: ( ... سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبسٍ ... )
، لأن الخبر الذي يأتيهم به هو أن يجد على النار من يهديه ويخبره أن الطريق ما هو عليه، أو غيره، ووجود الهدى وأن يخبر بخبر اهتدائه في طريقه أو غيره شيء واحد لا اختلافَ فيه.
وأما قوله : (فلما أتاها نودى يا موسي إنى أنا ربك فاخلع
نعليك ... ) ، فهو ممّا جرى، ولم يخبر الله تعالى به في سائر السور، فأخبر به في هذه.
وكذلك القول في العصا وسؤاله وتقريره على ما وصف من حالها، حيث يقول: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ... )
стр. 877
، إلى قوله:، ( ... سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى، هو من ذلك.
للسائل أن يسأل عما حكى الله تعالى من قول موسى ﵇ لما بعثه إلى فرعون واختلافه في السور الثلاثة لأنّ ما في سورة طه سوى ما في سورة الشعراء وما في سورة القصص.
والجواب عن ذلك أن قوله: (ربّ اشرح لي صدري) طلب أمانٍ له من أن يقتَل بمن قتله، وهذا معنى قوله: ( ... أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ... )
، لأنهم لو صدّقوه لما خاف أن يقتلوه.
وكذلك قوله في السورة الثالثة: (قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون) ، وقوله: (ويسّر لي أمري) ، أي: سهّله حتى أؤدّي رسالتك، وإذا أمن من القتل فقد فعل به ما طلبه.
وأما قوله: (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) ، فهو معنى قوله: (ولا ينطلق لساني فأرسل إلي هارون) .
وكذلك في سورة القصص: (وأخى هارون هو أفصح منى لساناً فأرسله
معي رِدا يُصَدِّقُنِى إنى أخاف أن يكذّبون) فطلب أن يحلّ عقدة من عقد لسانه،
стр. 880
وأن يؤيَّد بأخيه، فأجيب إليهما، ولم يطلب حلّ كل عقد لسانه لما حكاه الله تعالى عن فرعون: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)
، وسائر ما ذكر في سورة ولم يذكر في أخرى ليس من الاختلاف الذي يعاب.
وأما قوله: (اذهب إلى فرعون إنه طغى) ، وقوله في الشعراء: (أن ائت القوم الظالمين قومَ فرعون ألا يتقون) وقوله في القصص: (إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين) .
ففي " الآية الأولى ذُكر فرعون وحده، لأن قومه تبع له، وكأنهم مذكورون
معه، وفي الآية الثانية ذكر قوم فرعون من دونه، ومعلوم أنه منهم ومخاطب بمثل خطابهم، فإذا اتقوا وآمنوا كان فرعون وحده لا يقدر على مخالفتهم، فترك ذكره، لأنه في هذه الحالة في حكم التابع لهم وخطابهم خطابه.
стр. 881
وأما الموضع الثالث فإنّ الحكاية أتت على فرعون وملئه فبيّنت ما انطوت عليه الآيات قبل من ذكر بعض والاكتفاء به عن بعض، وهذا كما قال في موضع لموسى وحده: (اذهب إلى فرعون) ، وفي موضع: ( ... أن ائت القوم الظالمين) ، لأنّ هارون تابع له، وداخل في حكمه، وأبان ذلك في موضع فقال: (فأتيا فرعونَ فقولا إنّا رسول ربّ العالمين) ، وقال بعده: (فأتياه فقولا إنّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ... ) .
стр. 882
الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) .
وقال في سورة السجدة: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) .
للسائل أن يسأل في هذه الآية عن موضعين:
أحدهما: اختصاص الأولى بالفاء، والثانية بالواو.
والثاني: أنه قال في السجدة: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ) فأدخل ((من)) على (قبلهم) هنا ولم يدخلها هناك مع تساوى المكانين والمعنيين.
فيقال للسائل عن ذلك: لمّا كائت هذه الآية مفتتحة بقوله: (أفلم) ، وتلك مفتتحة بقوله: (أو لم) اختلفتا من هذه الجهة، فكان ما دخلته الفاء، لأنه يتعلّق بما قبله تعلّق الجواب بالمبتدأ، والجزاء بالشرط، فتكون جملة تمامها بجملةٍ قبلها تثقل فيختار لها التخفيف. وما دخلته الواو لا يقتضي ما تقتضيه الفاء بنفسها، بل
стр. 883
حقه الانقطاع عما قبله، ولذلك يجوز أن يكون المؤخر بعدها في اللفظ مقدّما في المعنى
وأما دخول "مِن " وحذفها فقد بيّنّاه في قوله: (.. ولئن اتبعت أهوائَهم من
بعد ماجاءك من العلم..) ، وفي موضع.. بعدما جاءك..) ، وهو أن القائل إذا قال: (كم أهلكنا قبلهم) فكأنه قال: في الزمن المتقدم على زمانهم، وإذا قال: (من قبلهم) فكأنه قال: من مبتدأ الزمان الذي قبل زمانهم، والزمان من أوله إلى أخره ظرف للإهلاك، لا يختص به بعضه دون بعض.
فإن قال قائل: فلم جاء في سورة طه: (أفلم) بالفاء؟
قلت: لأنه تقدم قوله: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)
стр. 884
قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ... ) ، ومعناه: فتركت الاهتداء بها، ثم قرّرهم على نصبه لهدايتهم واحتجّ عليهم بتركهم الاهتداء به فقال: (أفلم يهد لهم) والتقدير: مَن تأته آياتنا فعليه الاهتداء بها، وأنتم أتتكم آياتنا فلم توفوها حقّها، فهلاّ فعلتم ما لزمامكم منها؟ فالذي أوجب الفاء في هذا المكان هذا المعنى، ولم يكن مثله في سورة السجدة من تعلّق مابعد (أوَ لم) بما قبله تعلُّق هذه الآية بما تقدمها، لأن هناك: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... ) .
فلمّا انفصل جاء بالواو، ولمّا جاء بالواو ولم يكن من شرطها تركيب جملة
مع جملة تكونان كلاماً واحداً فخفّ، وأدخلت عليه "من" التي حذفت من
стр. 885
الآية الأولى لِيُحَدّ ابتداء الزمان فيكون أبلغ في الاستيعاب.
انقضت سورة طه عن ثلاث آيات.
стр. 886
سورة الأنبياء ﵈
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ... ) .
وقال في سورة الفرقان: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ... ) .
للسائل أن يسأل عن إظهار الفاعلين في: (رآك الذين كفروا) من سورة الأنبياء، وإضمارهم من سورة الفرقان.
والجواب أن يقال: إنّ ماقبل الآية في سورة الأنبياء: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)
فلم يجر للكفار ذِكر في الآية التي قبل هذه، فكان الاختيار الإظهار.
وأمّا في سورة الفرقان فإن قبل الآية: ( ... أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)
أي: ألم ير الكفار في زمانك القرية التي أمطرت
стр. 887
مطر السّوْء، فيحذروا، فلما كان الذكر متقدّماً في أقرب الكلام إليها كان الاختيار الإضمار.
стр. 888
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) .
وقال في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) .
للسائل أن يسأل عن اختصاص هذا المكان بقوله: (بل) وخلوّ المكان الأول منها.
والجواب أن يقال: إن الآية الأولى وقع السؤال فيها على وجه لا يقتضى "بل" في الجواب، لأنه قال: ما هذه الأصنام التي نحتّموها تماثيل وعكفتم عليها، فكأنه سفّه آراءهم وقال لهم: لم تفعلون ذلك، وتعبدون ما تنحتون فقالوا: وجدنا
стр. 889
آباءنا لها عابدين فاقتدينا بهم.
وفي سورة الشعراء تقدم سؤال أضربوا عنه، ونفوا ما تضمّنه، لأنه: (قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون) فقالوا مضربين عن هذه الأشياء التي وبّخوا عليها من عبادتهم ما لايسمع ولا ينفع ولا يضر وما يعلمون أنه جماد لاحياة فيه ولا نفع ولا ضرر عنده، وكأنهم قالوا: لا، بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فلأنّ السؤال هنا يقتضى في جوابهم أن ينفوا ما نفاه إبراهيم ﵇ أضربوا عنه إضراب من بنفى الأول، ويثبت الثاني، فاختصاص المكان بـ "بل" لهذا.
стр. 890
الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) .
وقال في سورة الصافات ٩٧١،: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) .
للسائل أن يسأل فيقول: هذا في قصة واحدة، فجاء في موضع: (الأخسرين)
وفي موضع (الأسفلين) فهل في كلٍ من المكانين ما يختص باللفظ الذي خصّ به؟.
والجواب أن يقال: أمّا في سورة الأنبياء فإن الله تعالى أخبر فيها عن إبراهيم ﵇ أنه قال: (وتالله لأكيدنّ أصنامكم..) ، ثم أخبر عن الكفار لمّا ألقوه في النار وأرادوا به كيداً: (فجعلناهم الأخسرين) والكيد: سعي في مضرة لتورد على غفلة، فذكر مكايدة بينهم وبين إبراهيم ﵇، فكادهم ولم يكيدوه فخسرت تجهارتهم وعادت عليهم مكايدتهم، لأنه كسّر أصنامهم ولم يبلغوا من إحراقه مرادهم، فذكر الأخسرين لأنهم خسروا فيما عاملهم به وعاملوه من المكايدة التي أضيفت إليهما.
стр. 891
وأما الآية التي في سورة الصافات فإن الله تعالى أخبر عن الكفار فيها بما اقتضى من الأسفلين، وهو أنه قال: (قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم) ، فبنوا له بناء عاليا ورفعوه فوقه ليرموا به من هناك إلى النار التي أجّجوها، فلما علوا ذلك البناءَ وحطّوه منه إلى أسفل، عادوا هم الأسفلين، لأنهم أهلكوا في الدنيا وسفل أمرهم في الأخرى، والله تعالى نجّى نبيّه ﵇ وأعلاه عليهم، فانقلب عاليّ أمرهم في صعود البناء وسافل أمر إبراهيم ﵇. د
فلمّا حُطّ إلا النار صار ذلك سافلا، وأمر النبي ﵇ عاليا، فلذلك اختصت هذه الآية بقوله: (فجعلناهم الأسفلين) .
стр. 892
الآية الرابعة منها
قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) .
وقال في سورة "ص ": (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) .
للسائل أن يسأل عن الفرق بين موضعي قوله (رحمة من عندنا) و (رحمة منا)
وقوله (وذكرى للعابدين) وقوله: (وذكرى لأولى الألباب) وهل في كل مكانٍ من المكانين ما يختص بذلك دون غيره؟.
والجواب أن يقال: أخبر الله تعالى في سورة الأنبياء عن أيوب ﵇ بأنه نادى ربّه وشكا إليه ما مسّه من الضرّ وسوء الحال بالمرض الذي طالت به أياّمه حتى تآكّل جسمه وتساقط لحمه، ثم بالفقر الذي ناله
стр. 893
واجتاح مالَه، وكان الله تعالى ابتلاه بجميع ذلك وأحدث فيه المرض الذي أضعفه عن تعهّد حاله حتى زال جميع ماله ليعطيه على صبره الثوابَ العظيم، وليعوِّضه من نعيم الجنّة ما هو خير له ممّا سلبه من ماله وصحة بدنه، فكأنه لما قال: (مسّنيَ الضرّ) قال: مسنى من عندك يا ربِّ ما تعلم، وأنت الأكرم الأرحم، فقال: (وآتيناه أهلَه ومثلهم معهم رحمة من عندنا) أي: كما كان الضر من عندنا كان كشفه والرحمة مكانه من عندنا، ومعنى (من عندنا)
أي من حيث
стр. 894
لا تناله قدر العباد، فكل مكان اختص بقدرة الله تعالى وحده يطلق عليه "عند الله ".
وأما قوله: (وذكرى للعابدين) فالمعنى: فعلنا به ما فعلناه رحمة له منا، وتذكرةً لمن عبد الله بعده بإخلاص منه، فلا يحُول عن حمده وطاعته مع ما يُصَبّ عليه من شدائد الدنيا ومصائبها التي ينزلها الله به، بل يثبت معها على إدامة العبادة، وإمدادها بالزيادة كما فعله أيوب ﵇.
وأما في سورة ص فإن الله تعالى لما أخبر فيها عنه أنه قال: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربَّه أني مسّني الشيطان بنُصْبٍ وعذاب) ، وشكا إلى الله تعالى ما يلحقه من أذى الشيطان بوسوسته إليه، وفنون احتياله عليه ليضيّق
стр. 895
صدره وينقص حمدَه وشكرَه، فهان عليه المرض الذي ينقص من الأبدان في جنب ما يؤثّر في الأديان، ويُخلّ بالطاعات، ويشغل من الزمان في مدافعة الوسواس، فلمّا كان هذا له أعمّ وخاف من جهته الضررَ الأشدّ أغاثه الله برحمة منه مضافة إليه مختصة بإرادته، إذ كانت أفعال الله تعالى منها ما يختصّ به، ويضيفها إلى نفسه كقوله تعالى: (.. أن تسجُد لما خلقتُ بيدّي..)
، ومنها ما يأمر به بعض ملائكته وإن أخبر أنه من فعله، ومختصّ به كقوله: (.. فنفخنا فيها من روحنا ... ) ، يقال: أنه أمر جبريل ﵇ فنفخ الروح في فرجها وخلق الله عيسى في رحمها، فلما كانت شكوى أيوب ﵇ فيما أخبر الله تعالى به في سورة ((ص) أعظم والبلوى به أكبر، أخبر أنه رحمه
стр. 896
رحمةً، وأنعم عليه نعمةً لا يُجري أمثالها على أيدي خلقه، بل هي ممّا يختص بفعله، ولا يولّيه مقرَّباً من ملائكته، وإن كان ما يقدّرهم عليه من مثل ذلك مضافا إلى قدرته تعالى، فهذا فرق ما بين قوله: (رحمة من عندنا) و (رحمة منّا) ، وأما قوله: (وذكرى لأولي الألباب) فلأنّ أولي الألباب أعمّ من العابدين، واستدفاعُ وساوس الشيطان أعمّ من الاستشفاء للأبدان، فخص كلّ آية بما اقتضاه صدر الكلام وتعريض أيوب ﵇ بالسؤال.
стр. 897
الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) .
وقال في سورة التحريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢) .
للسائل أن يسأل فيقول: هل كان مختاراً أن يعود ضمير المذكّر في الآية من سورة الأنبياء فيجيء "فنفخنا فيه" كما جاء في الآية الأخيرة؟ أم لكلّ مكان ما يختص باللفظ الذي جاء عليه؟.
والجواب أن يقال: لما كان القصد في سورة الأنبياء إلى الإخبار عن حال مريم وابنها، وأنهما جُعلا آية للناس، وكان النفخ فيها ممّا جعلها حاملا، والحامل صفة للجملة، فكأنه قال: (والتي أحصنت فرجها) فصيّرها النفخُ حاملا حتى ولدت، والعادة جارية أن لاتحمل المرأة إلا من فحل، ولايولد الولد من غير أب، فلما كان
стр. 898
القصد التعجب من حاليهما، وأنها بالنفخ صارت حاملا ردّ الضمير إلى جملتها، إذ كان النفخ في فرجها نفخاً فيها أوجب القصد إلى وصفها بعد النفخ بصفةٍ ترجع إلى جملتها دون بعضها، كان قوله: (فنفخنا فيها) أولى من قوله: (فنفخنا فيه) .
وأما قوله في سورة التحريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)
فلما لم يكن القصد فيه إلى التعجّب من حالها بالحمل عن النفخ، وولادتها لا عن اقتراب فحل لم يكن ثَمّ من القصد إلى وصف جملتها بغير الصفة التي كانت عليها قبلها ما كان في الآية الأولى، فجاء اللفظ على أصله، والمعنى: نفخنا في فرجها، ولم يُسَقِ الكلامُ إلى ما سيق إليه في سورة الأنبياء من وصف حالها بعد النفخ، فاختلفا لذلك.
стр. 899
الآية السادسة منها
قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) .
وقال في سورة المؤمنين: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) .
للسائل أن يسأل عن اختلاف قوله: (فاعبدون) وقوله (فاتقون) في الآيتين، وعن الواو والفاء في قوله: (فتقطعوا) (وتقطعوا) .
والجواب أن يقال: في قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة) ثلاثة أقوال:
أحدها: أن تكون الإشارة بـ "هذه " إلى أمم الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - ويكون المعنى: أمتكم في حال كونهم جماعة واحدة، وعلى دين واحد في أصول الشرع، كالتوحيد وصفات الله ، وإثبات النبوات، والمقام على طاعة الله، فمتى تفرّقوا في طرق الباطل لم تكن بينكم وبينهم نسبة.
стр. 900
والثانى: أن يكون المعنى: (إن هذه أمتكم أمةً واحدة) مقصوداً بها دين
واحد، والأمة كل جماعة يسلَك بها مقصد واحد، والأمة، من أمّ إذا قصد، أي: أممكم وإن تفرّقت أزمنتها فإنها يقصَد بها دين واحد فهي أمتكم، مقصود بها التوحيد، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة والإخلاص له فيها.
والثالث: أن تكون الأمة: الملّة، وهي الدين، أي: هذه ملتكم ملة واحدة، لأنها الإسلام
وقوله: (وأنا ربكم فاعبدون) أي: وربكم القائم بمصالحكم من ابتداء
كونكم إلى انتهاء أحوالكم هو أنا فأخلصوا لي العبادةَ وحدي.
стр. 901
وقوله: (وتقطّعوا أمرهم) جاء بالواو، لأنه لم يكن ما بعد الواو كالجواب
لما قبلها، كما كان ذلك في الفاء، لأنه يجوز أن يكونْ تقطّعهم أمرهم قبل أن خوطبوا بقوله: (فاعبدونِ) فلا تصلح الفاء، ألا ترى أن تفرّقهم فِرقا وتقطّعهم أمرهم قطعاً، فصار بعضهم يعبد الله وحده، وبعضهم يعبد معه غيره، وبعضهم لا يعبده، كان قبل إخبار الله تعالى جميع الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أن هذه الأممَ أممهم جماعة واحدة غير متفرقة، وهو الذي دعا إلى أن نبّههم فقال: خالقكم واحد، والذي يربّيكم هو، فاقصدوه بالعبادة دون من سواه، وإذا كان كذلك كان قوله: (وتقطعوا أمرهم بينهم) أي: تقطعوا أمر دينهم قطعا وافترقوا فيه فِرقاً، خبراً غير متعلق بما قبله تعلّق الجواب بالابتداء، بل ذلك هو ما بعد الفاء في عقب هذه الآية: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) أي: تفرقوا فرقا، فمن كان من فرقهم يعمل الصالحات،
стр. 902
وهو مؤمن فإنّ سعيه مقبول، وهو على عمله مثاب، ومن عمل صالحا ولا إيمان معه مثل معونة الضعيف، وإغاثة اللهيف (١) ، وصلة الرحم، وإفاضة النعم، والكف عن الظلم لم يقبَل سعيُه، وهو في ضمن قوله: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) .
وأما قوله في الآية الأولى: (وأنا ربكم فاعبدون) واختصاصها دون قوله: (فاتقون) فلأنه خطاب للفرق التي تفرقت في طرق الباطل، ولم تخلص العبادة لله فنبّأهم إلى أن يعبدوه.
والتي في سورة المؤمنين إنما هي خطاب للرسل ﵈ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)) .
وقد جاء في خطاب الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه والمؤمنين والصالحات بعدهم: اتقوا الله، قال الله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ... ) ، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)
، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) .
стр. 903
ْفلمّا كان أكثر مَن خوطب في السورة الأخيرة الأنبياء والمؤمنون، وهم يعبدون الله جل ذكره، وضمّ إليهم غيرهم من الفرق غُلِّبوا عليهم فخوطبوا بما يخاطَب به المؤمنون، وهو: (اتقوا الله) إذ كان أكثرهم له عابدين، ومعنى "اتقوا)) : احترزوا بطاعته ممّا أعدّه لأهل معصيته، وامتنعوا بموجبات الثواب عن موجبات العقاب، فكان هذا موضع (فاتقون) وفي الأولى موضع (فاعبدون) .
وأما الفاء في سورة المؤمنين في قولهْ (فتقطّعوا) فلأنه لما ذكر الزبر صار قوله: (فتقطّعوا) كالجواب لما قبله، لأنهم قطّعوا أمر دينهم كتباً منزلة من الله
стр. 904
عزّ اسمه، فمنهم من دان بالتوراة وكفر بما سواها من الانجيل والقرآن، ومنهم مَن دان بالإنجيل وكفر بالتوراة والقرآن.
فلمّا كان ما قبل الفاء خطابا للرسل وأممهم، وقال: كونوا جماعة واحدة ذات
دين واحد، صار كأنه قال: أمرتهم بالائتلاف والاتفاق في الدين فتقطعوا أمرهم فيه قِطعا، وافترقوا فِرقا، وكلٌّ يقدّر أنه على الصواب، وممتثل بما في الكتاب، فهو فرح بما لديه، ومعوّل عليه، فكان ما بعد الفاء هنا في تعلّقه بالأول تعلّق الجواب بالمبتدأ، كما بعد الفاء في قوله في الآية الأولى، وهو:
стр. 905
(فمن يعمل من الصاحات وهو مؤمن ... ) ، في أنه متعلّق بما قبله تعلّق الجواب دون قوله: (وتقطّعوا) . والله أعلم.
стр. 906
سورة الحج
الآية الأولى منها
قوله : (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) .
وقال في سورة السجدة: ( ... كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) .
للسائل أن يسأل عن قوله: (مِنْ غَمٍّ) في سورة الحج، وخلوّ الآية التي في سورة السجدة منه؟
والجواب أن يقال: إنه تعالى لماّ وصف من أحوال أهل النار في هذه السورة
في الآية المتضمنة لهذه اللفظة بقوله: ( ... فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) ،
فأخبر أن النار تشتمل عليهم من جوانبهم كاشتمال الثياب. وقيل: هي ثياب نحاس من نار، وهي النهاية في
стр. 907
الإحماء والإحراق، ثم خصص الرؤوس بصبّ الماء المغليّ عليها. وقيل في التفسير: إنه ينفد إلى أجوافهم فيَسْلت ما فيها، ويذوب ما في بطونهم من الشحوم ويتساقط ما عليهم من الجلود، مع زبانية بأيديهم عُمُدٌ من حديد يضربون بها رؤوسهم إذا حاولوا الخروج من النار.
стр. 908
فلما وصفهم بأن العذاب من جميع الجوانب اكتنفهم صاروا بإحاطة ذلك بهم، وبسدّ أنفاسهم عليهم بمنزلة البعير المغموم بالغمامة التي تسدّ متنفّسه فلا يجد فرجة، والطبق (١) المغموم المستور.
وقال القطامي:
إذا رأسٌ رأيتَ به طِماحاً شَدَدْتَ له الغمائمَ والصِّقاَعا
وليس الغم هاهنا الحزن، وإن كان أصله من ذلك، لكنه تغطية بالعذاب،
стр. 909
وأخذ بكظمهم، فلماّ تقدّمه وصف ما أحاط بهم ذكر هذا الغم، أي كلّما أرادوا من الكرب الذي يأخذ بكظمهم أن يخرحوا من النار التي جلبت عليهم كلّ ذلك أقبلت الزبانية نحوهم بما يدقّ رؤوسهم.
والآية التي في سورة السجدة لم تشتمل من إحاطة العذاب من ذكر الثياب
من النار، وصبّ الحميم، وإذابة الشحوم على ما ذكر في هذه الآية، لأنه قال: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا)
فلما لم يتقدم ذكر ما يُطيف بهم ويغمهم ويصير كما يسدّ مخارج أنفاسهم لم يذكر أنهم يحاولون الخروج من أجل الغم الذي اقتضت الآية في
стр. 910
الحج ذكره، ولم يقع مثله في سورة السجدة من مقتض، فلم يقع المقتضى كذلك.
стр. 911
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) .
وقال بعده بآيات: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) .
للسائل أن يسأل عن قوله. في الأولى: (أهلكناها) وقوله في الثانية: (أمليت لها) ، وهل لكل من اللفظين ما يوجب اختصاصه. بمكانه دون الآخر؟ والجواب أن يقال: إن قوله: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ... ) جاء بعد قوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... ) ، إلى قوله: ( ... وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)
فلما جاء عقيب ما وصف من إهلاكهم وصفهم بذلك.
والثانية بعد قوله: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإنّ يوماً عند ربك كألفِ سنةٍ مما تعدّون) ، فذكر عقيب استعجالهم العذاب:
стр. 912
والله يريد غيره من الإملاء لهم، وتأكيد الحجة عليهم، فكل لفظة في مكانها الذي تليق به.
стр. 913
الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) .
وقال بعده بآيات: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) .
للسائل أن يسأل فيقول: هل كان يجوز في الأول: (في جنّات النعيم) وفي الثاني: (لهم مغفرة ورزق كريم) وما المعنى الذي خصّ كلاّ من اللفظين بمكانه؟.
والجواب: أن الأول خبر عن حال القوم في الدنيا: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) ، ثم قال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وُعدوا بالغفران والرزق الكريم، ولم يجز هنا أن يقال: هم. في جنات النعيم، إلا على ضرب من المجاز أنهم مستحقون لها، فكأنهم فيها.
стр. 914
وليس كذلك الآية الأخيرة لأنها خبر عن الحال في الآخرة لقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)
أي يوم القيامة يكونون في دار الثواب، فلما اختلف المقتضِيان اختلف المقتضَيان فذكر كل واحد في المكان الذي لاق به.
стр. 915
الآية الرابعة منها
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) .
وقال في سورة لقمان: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) .
للسائل أن يسأل عن تخصيص الآية من سورة الحج بالتوكيد في قوله: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) وإخلائه منه في سورة لقمان.
والجواب أن يقال: إن الأولى وقعت في مكان تقدمت فيه توكيدات مترادفة في ستة مواضع، وهي: قوله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ... ) ، فاللام والنون مؤكدتان، وبعده: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)) ، واللام مع "هو" مؤكّدتان، وبعده: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) ، واللام والنون سبيلهما تلك السبيل، وبعده: (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)