Полный текст (1 361 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) .
وقال بعده بآيات: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) .
للسائل أن يسأل عن قوله. في الأولى: (أهلكناها) وقوله في الثانية: (أمليت لها) ، وهل لكل من اللفظين ما يوجب اختصاصه. بمكانه دون الآخر؟ والجواب أن يقال: إن قوله: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ... ) جاء بعد قوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... ) ، إلى قوله: ( ... وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)
فلما جاء عقيب ما وصف من إهلاكهم وصفهم بذلك.
والثانية بعد قوله: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإنّ يوماً عند ربك كألفِ سنةٍ مما تعدّون) ، فذكر عقيب استعجالهم العذاب:
стр. 912
والله يريد غيره من الإملاء لهم، وتأكيد الحجة عليهم، فكل لفظة في مكانها الذي تليق به.
стр. 913
الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) .
وقال بعده بآيات: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) .
للسائل أن يسأل فيقول: هل كان يجوز في الأول: (في جنّات النعيم) وفي الثاني: (لهم مغفرة ورزق كريم) وما المعنى الذي خصّ كلاّ من اللفظين بمكانه؟.
والجواب: أن الأول خبر عن حال القوم في الدنيا: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) ، ثم قال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وُعدوا بالغفران والرزق الكريم، ولم يجز هنا أن يقال: هم. في جنات النعيم، إلا على ضرب من المجاز أنهم مستحقون لها، فكأنهم فيها.
стр. 914
وليس كذلك الآية الأخيرة لأنها خبر عن الحال في الآخرة لقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)
أي يوم القيامة يكونون في دار الثواب، فلما اختلف المقتضِيان اختلف المقتضَيان فذكر كل واحد في المكان الذي لاق به.
стр. 915
الآية الرابعة منها
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) .
وقال في سورة لقمان: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) .
للسائل أن يسأل عن تخصيص الآية من سورة الحج بالتوكيد في قوله: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) وإخلائه منه في سورة لقمان.
والجواب أن يقال: إن الأولى وقعت في مكان تقدمت فيه توكيدات مترادفة في ستة مواضع، وهي: قوله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ... ) ، فاللام والنون مؤكدتان، وبعده: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)) ، واللام مع "هو" مؤكّدتان، وبعده: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) ، واللام والنون سبيلهما تلك السبيل، وبعده: (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)
стр. 916
، واللام التي في خبر "إن" كذلك. وبعده (لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)) .
فلما ترادفت التوكيدات في هذا الموضع، وجاء بعده خبر بين خبرين أكّدا، وهو: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)
اقتضت إشباهه مثله فجاء الخبر الثاني الواقع بين الخبرين، وبعد الأخبار المؤكّدة مؤكداً بقوله: "هو" فقال: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) وليس كذلك ما جاء في سورة لقمان، لأنه لم يتقدمه التوكيدات التي تستتبع أمثالها كما تقدمت في الأولى.
стр. 917
الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)
وقال في سورة لقمان،: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) .
للسائل أن يسأل عن إعادة "ما" في الآية الأولى في قوله: (له ما في السموات وما في الأرض) وإخلاء الثانية منها لقوله: (لله ما في السموات والأرض) وعن قوله في الآية الأولى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فأدخل اللام على قوله "هو" ولم يدخلها في التي في سورة لقمان.
والجواب عن ذلك نحو الجواب الأول، وهو شاهد يحقّق ما أجبنا به من اختيار التوكيد، حيث يقصد بناؤه على الكلام المتقدم له، لأن هذه الآية تالية
стр. 918
لتلك لا يحجزها عنها إلاّ قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) ،
فحُملت على نظائرها المذكورة قبلها، وخالفت التي في سورة لقمان تلك. بموقعها، فلم تؤكد كما وُكدّت الأولى لذلك.
стр. 919
سورة المؤمنين
الآية الأول منها
قوله تعالى في قصة نوح ﵇: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ... ) .
وقال بعد هذه القصة: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ.
للسائل أن يسأل عن تقديم: (مِنْ قَوْمِهِ) في الآية الأخيرة وتأخيره في الآية الأولى، وهل كان يصلح أحدهما مكان الآخر؟.
стр. 920
والجواب أن يقال: لما انقطعت صفة الملأ في الآية الأولى إلى المحكي من قولهم
قرن الوصف بـ "الذين " إلى الموصوف، ثم جىء بالجار والمجرور فكانا منتهى بيان فاعل "قال" ولم تكن كذلك القصة في الآية الأخيرة، لأنه عدّدت فيها أفعال عُطفت على الفعل الذي هو صلة "الذين" فقدم الجار والمجرور لئلا يحال بين الصلة وما عطف عليها، فقال (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..) ،
فكان كل ذلك ما أتبع قوله: "كفروا" ولو قال: وقال الملأ الذين كفروا من قومه وكذبوا بلقاء الآخرة لم يكن على النظم المرتضى فيما يستفصَح من الكلام وإن كان جائزاً، فلذلك
стр. 921
قدّم الجار والمجرور في الأخيرة وأخّر في الأولى.
стр. 922
الآية الثانية منها
قوله : ( ... فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... ) .
وقال في سورة هود، وكان حقّ ذلك أن يذكر هناك: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... ) .
للسائل أن يسأل فيقول: لِم اختلف في الآيتين قوله: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا) وقوله: (فَاسْلُكْ فِيهَا) وهل كان يصلح واحد منهما مكان الآخر أم هناك معنىً يخصص كلاًّ بمكانه؟
والجواب أن يقال: إن قوله: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا) إخبارٌ عمّا كان من الله تعالى
إلى نوح ﵇ من الأمر بحمل ما يحمله في السفينة، ومَن يحمله من المؤمنين، وتقدّم إليه بإعدادهم للركوب معه ومنع مَن حُظر عليه استصحابه، ثم بعد
стр. 923
ذلك أمره بقوله: (اركبوا فيها) ، فالأول أمر بتهيئته ما يستبقى من الحيوان، ومَن يستبقى من المؤمنين. والثاني أمر بركوب السفينة، والثالث أمر بالهبوط منها بقوله: (قيل يا نوح اهبط بسلام منّا وبركاتٍ عليك)
فالذي جاء في سورة هود جاء على مقتضى أوامر الله تعالى المفصّلة من إعداد مَن يركب معه، ومن الركوب ومن النزول.
وأما قوله في سورة المؤمنين: (فاسلك فيها) فإنه مجمل ما فصل في الآية الأولى، إذ كان الشرح والبيان مقصورين عليها، وكانت الثانية مشملة على بعض ما اشتملت عليه الأولى، وفي قوله: "اسلك " ما يتضمن: "احمل "
стр. 924
و "اركب " و "اعبر" ومن ذلك سمي الطريق مسلكاً، (وسلكه ينابيعَ في الأرض) ، أى أجراه، وسلك الطريق: نفذ فيه، فكان موضع الاختصار أولى بالمجمل من الكلام، وموضعُ البيان أولى بالبسط، فقصة نوح في سورة هود قد شغلت بها خمس وعشرون آية، وهي في سورة المؤمنين واقعة في ثمان آيات، فاقترن بكل من المكانين ما اقتضاه القصد من زيادة بيان أو اختصارِ كلامٍ.
стр. 925
الآية الثالثة منها
قوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) .
وقال بعده في ذكر القرون: ... (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤) .
للسائل أن يسأل ما الذي أوجب في الأولى: (للقوم الظالمين) وفي الثانية: (لقوم لا يؤمنون) ؟.
والجواب أن يقال: إن القصة الأولى وإن خرجت على لفظ التنكير فقال: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ... ) ، فإنه معلوم مَن المراد بالرسول، وبالمرسَل إليهم، ودلّ على ذلك بأن قال: أهلكتهم بالصيحة، وهم قوم صالح ﵇، فلمّا كان في أقوام معلومين أتى بذكرهم معرفة فقال: (فبعداً للقوم الظالمين) وخصّ وصفهم بالظلم، لأنه شيء عاملوا به غيرهم، وعاملوا به أنفسهم لتكذيبهم الرسل، وظلمهم لهم بنسبتهم إلى ما
стр. 926
هم منزّهون عنه، ثم هم ظالمون لأنفسهم بأن منعوها ما عرضوا له من النعيم الأبد والثواب السرمد.
وأماّ قوله: (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
فإنه جاء بعد خاتمة قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)
، فلم يبيَّن بالمعنى مَن المراد كما بُيّن في الأولى، وكانوا منكورين للمسلمين، فلمّا أمرهم بلفظ الدعاء عليهم استعمل فيهم ما يستعمل فيمن لم يتعيّن ولم يشتهر، فنكّر اللفظ فقال: (لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
أي: أهلك الله كلّ قوم لا يؤمنون عند ظهور آيات الله لهم، ووجوب حججه عليهم. والمعنى: بُعداً لكل قومٍ، ليليق بقوله: ( ... كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ... )
стр. 927
، فأخبر خبراً عاماً وأمر بأن يُدْعَى عليهم دعاء عاماً فوجب في كل موضع ما جاء فيه دون الآخر.
стр. 928
الآية الرابعة منها
قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) .
وقال في سورة النمل: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) .
للسائل أن يسأل عن تقديم توكيد المضمر المرفوع بقوله (نحن) وتأخير
المفعول، وهو (هذا) في الآية الأولى وعكس ذلك في الآية الثانية، وهل لذلك فائدة تقتضى لكل مكانٍ ما خصّ به؟.
والجواب أن يقال: لما كان الأول في حكاية تظاهرت فيها أفعال أسندت إلى
فاعليها متصلة بها، وهي: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)
فهذان فعلان تعلّق بهما هذا المحكي، وكل واحد منهما جاء بعده فاعله مواصلا له غير منفصل عنه، ثم بعده: (قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا) فكل هذه الأفعال قُصد بها حكاية ما جاء بعدها، فلمّا
стр. 929
كان: (لقد وعدنا) وجب في البناء على الأفعال المتقدمة أن يتمّم حكم الفاعل، وهو توكيده، والعطف عليه، فقدّم (نحن وآباؤنا) على المفعول الثاني، وهو (هذا) لذلك، ولأن الأصل إذا أجرى عليه الشيء أولى من غيره.
وأما الآية الثانية من سورة النمل فإن الذي تقدمها: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا)
فأخّر المعطوف على اسم (كان) الذي هو كالفاعل لها، وهو قوله: (وآباؤنا) عن المنصوب الذي هو كالمفعول لها، وهو قوله: (ترابا) فصار ما هو كالمفعول مقدّما على ما هو معطوف على الفاعل، فاقتضى البناء عليه تقديم المفعول ثم العطف على الفاعل المضمر فجاء: (لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا
стр. 930
مِنْ قَبْلُ ... ) لذلك.
стр. 931
الآية الخامسة منها
قوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
للسائل أن يسأل عن خاتمة الآية الأولى بقوله: (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)
وخاتمة الثانية بقوله: (أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)
وخاتمة الثالثة بقوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
وما الذي خصّ كلاًّ بمكانه؟.
والجواب أن يقال: إنّ هذه الآي جاءت بعدما أخبر الله تعالى عن الكفار من إنكار البعث، وهو في الآية التى تكلمّنا فيها، واتصلت هذه بها، فأمر نبيّه ﷺ بأن يسألهم لمِن الأرض ومن فيها؟ أي: مَن يملكها، ويملك الناس الذين فيها؟ فإنهم يقرّون أن جميع ذلك لخالقها، وهو الله تعالى، فإذا أقرّوا بذلك فقل لهم: (أفلا تذكّرون) إذا قلنا لكم إنه ينشئ نشأة ثانية ما كان من النشأة الأولى كما قال:
стр. 932
(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ... ) أي: عندكم، وفي تقديركم الفاعلين منكم، فخصّت بالتذكّر، لأنهم إذا أثبتوا الخلق الأول لزمهم الخلق الثاني.
وأما قوله تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) فإنّما معناه: من الذي به قوام السموات السبع والعرش العظيم، ولايستغنى عنه، وهذه الأشياء من أكبر ما يرى من خلق الله تعالى، وما ثبت بالصدق من الخبر عندنا، فمن يملك هذه الأشياء من السموات السبع والأرض والعرش العظيم،
стр. 933
وأقررتم له بذلك، فلِم لا تجتنبون معصيته، ولا تتقون عقوبته إذ كانت هذه الأجرام العظيمة لا تستغنى عنه ساعة، فأنتم أحوج إلى أن يرُبَّكم، وأن تقوموا بحقّ ربانيته لكم، فتمتنعوا بطاعته من موجب عقابه، فهذه لائقة بمكانها، حالّة في موضعها.
وأما الثالثة وهي: (فأنّى تُسحَرون) فإنها جاءت بعد تقرير ثالث، وهو: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ)
أي: مَن الذي مُلكه على الأشياء أتمّ ملك فهو يَمنع ولا يُمنع منه، أي يمنع من المكروه مَن شاء، ولا يملك أحد منع من أراده بسوءٍ، وهذا أعظم ملك وأبلغه، فإذا أقرّوا بذلك فقال لهم: كيف تخدعون عن عقولكم حتى تتخذوا الأوثان والأصنام آلهة، وهي لا تسمع ولا تبصر مع القادر العليم الذي قد أقررتم له بأتمّ الملك، وبكلّ الخلق الذي يشهدكم، والذي يغيب عنكم. وقوله: (فأنى تسحَرون) أي: من أين يأتيكم ما يغلب على
стр. 934
عقولكم فيخيِّل الباطلَ إليها حقّا، والقبيح عندها حسنا أَمِنْ علمكم بأن الله تعالى مالك الأرض ومَن فيها، أم من علمكم بأنه ربّ السموات السبع وربّ
العرش العظيم، أَم مِن علمكم بأن له الملك الأغلب والعزّ الأغلب، وأنه يَمنع ولا يُمنع منه، ويحمِي عقابه، ولايحمَى منه، وليس في شىء من ذلك ما يُري
الفاسد صحيحاً، والمِعوجَّ قويماً. فهذا الذي ختم به الثالثة ناظم معناه بخواتيم ما قبله. وكلّ في مكانه اللائق به. والله أعلم.
стр. 935
سورة النور
الآية الأولى منها
قوله تعالى في أخر العشر من أول السورة: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) .
وقال في آخر العشرين من أول السورة: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) .
للسائل أن يسأل عن خاتمتي العشرين واختلافهما بقوله في الأولى: (تواب حكيم) وفي الثانية: (رؤوف رحيم) مع حذف جواب "لولا" في الآيتين. والجواب أن يقال: لما ذكر في أول السورة حدّ الزنا والقذف وختم ذلك بقذف الرجل امرأته، والحكم فيه اعتدّ عليهم بأن أمهلهم ليتوبوا ولم يعاجلهم
стр. 936
بالعقوبة على ما قارفوا، فقال: (ولولا فضل الله ... ) فإنّه يرجع به لمن رجع إليه، وأن من تاب تاب الله عليه، لعجّل إهلاككم، ورمى بكم إلى العقاب الدائم، والعذاب الواصب.
وهذا الجواب قد ذكر في الآية التى في أهل الإفك، وهي: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤))
، فهذا معنى قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
ومعنى (حكيم) : أن أفعاله مبنية على الحكمة، ومن الحكمة أن لا يعاجل كلّ مذنب بعقوبته عند وقوع خطيئته.
стр. 937
وأما خاتمة العشرين بقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) فإن معناه: لولا
أن الله أنعم عليكم، ورَحِمَكم، وقد أجرى حكمه بأن يرحم أمثالكم ويرؤفَ بكم عند هذا الذنب الكبير والإفك العظيم، فهذا موضع الرحمة لما تخوّلهم بالموعظة فقال: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)
،. والأول مطلق غير محصور على قوم بأعيانهم، وإنّما المراد مَن فعل ذلك منكم فحكمه كذا، وحدّه كذا في الدنيا، وعذاب دائم في الأخرى. ومخاطبة أهل الإفك لأقوام معيّنين أكبر لعظم ذنبهم، وأنهم لم يهلكوا لرأفته
стр. 938
بهم، فكان كل موضع من الموضعين مقتضيا لما اختصّ به من الآيتين.
стр. 939
الآية الثانية منها
قوله تعالى: ( ... كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) .
للسائل أن يساًل فيقول: لِم قال في الأولى: (الآيات) وفي الثانية (آياته) ؟ والجواب أن يقال: إن الأولى إشارة إلى ما تقدم ذكره فيما أوّله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ... ) إلى قوله: (ثلاث عورات ... ) ، وجعل الأوقات الثلاثة آيات لهم، وعلامات للمنع من دخول المماليك والأطفال على النساء
стр. 940
وجوازه فيما سواها، وعبر عنها بـ (الآيات) لما لم يكن الدخول في تلك الأوقات من الأفعال التي تختصّ بقدرته.
ولما كان بلوغ الحلم مما يختصّ بفعله، ولم يقدر فاعل على مثله أضافه إلى
نفسه فقال: (كذلك يبيّن الله لكم آياته) . ويبيّن ذلك قوله تعالى في العشر الأخير بعد قوله: (ليس على الأعمى حرج ... إلى قوله: (أن تأكلوا من بيوتكم ... ) ، فعدّ القرابات التى أجاز تناول طعامها: (.. كذلك يبيّن
الله لكم الآيات لعلّكم تعقلون) ، فلم يضفها إلى نفسه، لأنها آيات مثل
الأول التي تقدمت أنها لا تختصّ بقدرته، أى يبيّن لكم العلامات التى نصبها
على ما يبيح وما يحظر، وما يضيّق فيه وما يوسّع، ومثله قوله تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)
стр. 941
، لما أشار إلى حدّ الزانى والقاذف. والفرق بين المكانين واضح، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
стр. 942
سورة الفرقان
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) .
وقال قبله في سورة الرعد، وكان حكم هذه الآية أن تذكر هناك: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ... )
للسائل أن يسأل عن تقديم "نفع" على "ضر" في سورة الرعد، وعكس ذلك في سورة الفرقان، وما الذي أوجب هذا الاختلاف؟.
والجواب أن يقال: أما في سورة الرعد فإنه قدّم فيها الأفضل على الأنقص،
لأن اجتلاب النفع أشرف من استدفاع الضر، وهو رتبة فوقه، فمن فاته ذلك
стр. 943
طلب دفع الضر فهو على وجهه في الترتيب.
وأما في سورة الفرقان فإنه بني على ما قبله، وهو: (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) ، وقوله: (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا) نفى، وقوله: (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) إثبات، فقدّم النفي على الإثبات، وكان الضرّ نفياً، والنفع إثباتا، إذ النفع إثبات المصالح وإيجادها، والضرُّ نفيها، فكما قدّم فيما قبله ما نفى على ما أثبت حمل المعطوف عليه ليكون مشاكلا له.
стр. 944
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) .
وقال في سورة يونس - وكان هذا يجب أن يذكر فيها -: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ.
للسائل أن يسأل في هاتين الآيتين عن مثل ما سأل عنه في الأوليين؟.
والجواب أن يقال: أمّا في سورة يونس فإنه بدأ بما هو أبلغ إذا ابتدئ به، لأن امتلاك الضر أسهل من امتلاك النفع، فالواحد منّا يقدر لغيره من الضرّ على ما لايقدر عليه من النفع، ويتسهّل عليه ضرّه ما لايتسهّل عليه نفعه، أي يعبدون
стр. 945
أصناماً لا تقدر على ما يتسهل على الفاعلين، فكيف ما يتعذر؟ ثم ذكر بعده: (ولا ينفعهم) لاستيعاب مافي الباب.
وأما في سورة الفرقان فإنه تبع على ما قدّم فيه الأفضل على الأنقص لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ... ) ، وقوله بعده: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ... ) ، فقدم خِلطة النسب على خلطة السبب، وهى المصاهرة، ثم جاء بعد ذلك: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ) فقدّم النفع على الضرّ اتباعاً لما تقدم.
стр. 946
سورة الشعراء
الآية الأولى منها
قوله تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) .
وقال في سورة الأنبياء وهو ما وجب ذكره هناك: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)
للسائل أن يسأل ما الذي خصّ ذكر (الرحمن) بسورة الشعراء وذكر
(ربهم) بسورة الأنبياء؟
والجواب أنه إنما خصّ هذين الوصفين من صفات الله تعالى في هذين
الموضعين، لأن "الرب" هو القائم بمصالح الخلق من ابتداء التربية إلى أخر العمر، والرحمن هو المنعم عليهم في الدنيا بما خلق فيها، والمعرّض للنعيم الدائم بعدها.
стр. 947
وإتيانهم بالذكر من عنده، وهو القرآن مما يصلحهم فوق ما تصلحهم الأغذيةُ المخلوقة لهم، فذكر أن الرب الذي أصلح بأنواع ما خلق أجسادَهم أصلح بما صرفهم عليه من طاعة الله أديانَهم، فهو ما يقتضيه الوصف بالربّ والوصف بالرحمن.
فأما اختصاص سورة الشعراء بـ (الرحمن) فلأن السورة مقصود بها ذكر الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء ﵈، وختم على كل قصة من قصصهم بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) .
стр. 948
وأولاها قصة موسى ﵇: (وإذ نادى ربُّك موسى)
، فاتصف تعالى بـ (العزيز الرحيم) لما يوجبانه من الخوف والرجاء اللذين بهما لزوم الطاعات، والرغبة فيما علا من الدرجات، وأراد بالرحمة أن هذه الأمم أمهلت لتُقلع عن تمرّدها، وتعود إلى ربها، وتتوب من ذنبها، فلما لم تفعل عوقبت في الدنيا سوى ما أعدّ لها في الأخرى. وقال في أول هذه السورة: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) ، لأنه أراد أن لايكونوا كالْمُلْجَئِين في دينهم إلا اعتقاد ما يعتقدونه، فأمهلهم رحمة منه بهم فقال: (وما يأتيهم مِن ذِكرٍ من الرحمن محدَثٍ ... ) فاختص هذا الوصف هنا لذلك.
وأما قوله في سورة الأنبياء (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدَثٍ ... ) فلأنه عدّ إصلاح أديانهم من جملة إصلاح أبدانهم، والربُّ: القائم بما يصلح العبد، والدين أبلغ
стр. 949
في إصلاحه ممّا يغذوه من طعامه، وخص هذا الموضع بذكر (ربهم) لأنه قال: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) ، ولا يغفلون إلا إذا كانوا في رغَدٍ من عيشهم، ولا سبيل إليه إلا بمظاهرة النعمة من الله تعالى، وفعلُه هذا بهم يقتضي وصفه ب (ربهم) .
стр. 950
الآية الثانية منها
قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) .
وقال في سورة الصافات: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) .
للسائل أن يسأل عن زيادة "ذا" في قوله في الصافات: (ماذا تعبدون) وإخلاء (ما) في الشعراء منها؟
والجواب أن يقال: إن قوله: (ما تعبدون) معناه: أيّ شيء تعبدون، وقوله: "ماذا" في كلام العرب على وجهين:
أحدهما: أن تكون "ما" وحدها اسما، و" ذا" بمعنى الذي، والمعنى: ما الذي تعبدون، و (تعبدون) صلة لها.
والآخر: أن تكون " ما" مع " ذا" اسما واحداً بمعنى: أيّ شىءٍ، وهو في الحالين أبلغ من "ما" وحدها، إذا قيل: ما تفعل؟
فـ (ما تعبدون) في سورة الشعراء إخبار عن تنبيهه لهم، لأنهم أجروا مقاله
مجرى مقال المستفهم فأجابوه وقالوا: (نعبد أصناماً فنظلُّ لها عاكفين) ، فنبّه ثانياً بقوله: ( ... هل يسمعونكم إذ تدعون)
следующие страницы →