← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1340

درة التنزيل وغرة التأويل

الخطيب الإسكافي

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

سورة الشعراء الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) . وقال في سورة الأنبياء وهو ما وجب ذكره هناك: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) للسائل أن يسأل ما الذي خصّ ذكر (الرحمن) بسورة الشعراء وذكر (ربهم) بسورة الأنبياء؟ والجواب أنه إنما خصّ هذين الوصفين من صفات الله تعالى في هذين الموضعين، لأن "الرب" هو القائم بمصالح الخلق من ابتداء التربية إلى أخر العمر، والرحمن هو المنعم عليهم في الدنيا بما خلق فيها، والمعرّض للنعيم الدائم بعدها.

стр. 947

وإتيانهم بالذكر من عنده، وهو القرآن مما يصلحهم فوق ما تصلحهم الأغذيةُ المخلوقة لهم، فذكر أن الرب الذي أصلح بأنواع ما خلق أجسادَهم أصلح بما صرفهم عليه من طاعة الله أديانَهم، فهو ما يقتضيه الوصف بالربّ والوصف بالرحمن. فأما اختصاص سورة الشعراء بـ (الرحمن) فلأن السورة مقصود بها ذكر الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء ﵈، وختم على كل قصة من قصصهم بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) .

стр. 948

وأولاها قصة موسى ﵇: (وإذ نادى ربُّك موسى) ، فاتصف تعالى بـ (العزيز الرحيم) لما يوجبانه من الخوف والرجاء اللذين بهما لزوم الطاعات، والرغبة فيما علا من الدرجات، وأراد بالرحمة أن هذه الأمم أمهلت لتُقلع عن تمرّدها، وتعود إلى ربها، وتتوب من ذنبها، فلما لم تفعل عوقبت في الدنيا سوى ما أعدّ لها في الأخرى. وقال في أول هذه السورة: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) ، لأنه أراد أن لايكونوا كالْمُلْجَئِين في دينهم إلا اعتقاد ما يعتقدونه، فأمهلهم رحمة منه بهم فقال: (وما يأتيهم مِن ذِكرٍ من الرحمن محدَثٍ ... ) فاختص هذا الوصف هنا لذلك. وأما قوله في سورة الأنبياء (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدَثٍ ... ) فلأنه عدّ إصلاح أديانهم من جملة إصلاح أبدانهم، والربُّ: القائم بما يصلح العبد، والدين أبلغ

стр. 949

في إصلاحه ممّا يغذوه من طعامه، وخص هذا الموضع بذكر (ربهم) لأنه قال: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) ، ولا يغفلون إلا إذا كانوا في رغَدٍ من عيشهم، ولا سبيل إليه إلا بمظاهرة النعمة من الله تعالى، وفعلُه هذا بهم يقتضي وصفه ب (ربهم) .

стр. 950

الآية الثانية منها قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) . وقال في سورة الصافات: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) . للسائل أن يسأل عن زيادة "ذا" في قوله في الصافات: (ماذا تعبدون) وإخلاء (ما) في الشعراء منها؟ والجواب أن يقال: إن قوله: (ما تعبدون) معناه: أيّ شيء تعبدون، وقوله: "ماذا" في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن تكون "ما" وحدها اسما، و" ذا" بمعنى الذي، والمعنى: ما الذي تعبدون، و (تعبدون) صلة لها. والآخر: أن تكون " ما" مع " ذا" اسما واحداً بمعنى: أيّ شىءٍ، وهو في الحالين أبلغ من "ما" وحدها، إذا قيل: ما تفعل؟ فـ (ما تعبدون) في سورة الشعراء إخبار عن تنبيهه لهم، لأنهم أجروا مقاله مجرى مقال المستفهم فأجابوه وقالوا: (نعبد أصناماً فنظلُّ لها عاكفين) ، فنبّه ثانياً بقوله: ( ... هل يسمعونكم إذ تدعون)

стр. 951

وأما: (ماذا تعبدون) في سورة الصافات فإنها تقريع، وهو حال بعد التنبيه، ولعلّهم إذا علموا بأنه يقصد توبيخهم وتبكيتهم لا يجيبون بإجابتهم في الأول، ثم أضاف تبكيتا إلى تبكيت، ولم يستدع منهم جواباً فقال: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) . فلما قصد في الأول التنبيه كانت "ما" كافية، ولماّ بالغ وقرّع استعمل اللفظ الأبلغ، وهو "ماذا" التي إن جعلت "ذا" منها بمعنى " الذي" فهو أبلغ من "ما" وحدها. وإنْ جُعلا اسما كان أيضاً أبلغ وأوكد من "ما" إذا خلت من "ذا.

стр. 952

الآية الثالثة منها قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) . للسائل أن يسأل فيقول ما الذي أوجب إدخال " هو" في قوله: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) ، وقوله: (فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) ، وإخلاء قوله: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) منها، ولم يقل: والذي هو يميتني، كما قال: والذي هو يطعمني؟ والجواب أن يقال: لو جاء: والذي يطعمني ويسقين، وإذا مرضت يشفين، لَكان معلوماً أن مراده الله تعالى. وذكر "هو" توكيداً لمعنى الكلام، وتخصيص الفعل به دون غيره، واحتاج ذكر الإطعام والشفاء إلى هذا التوكيد، لأنهما ممّا يدّعي الخلقُ فِعله، فيقال: فلان يطعم فلانا، والطبيب يداوي، ويسبّب الشفاء، فكانت إضافة هذين الفعلين إلى الله تعالى محتاجة إلى لفظ التوكيد- لما يتوهم من إضافته إلى المخلوق- إلى ما لا يحتاج إليه

стр. 953

إضافة الموت والحياة، لأن أحداً لا يدّعي فعلهما كما يدّعى الأوّلين. فافترقا لهذا الشأن.

стр. 954

الآية الرابعة منها قوله تعالى في قصة صالح ﵇: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) . وقال في قصة شعيب ﵇: (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) . للسائل أن يسأل عن إثبات الواو في قصة شعيب في قوله: (وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وحذفها من مثله في قصة صالح ﵇. والجواب أن يقال: إن قوم صالح في حال هذا الخطاب لم يدفعوا أمره، كما دفع أمر شعيب قومه كما حكى الله تعالى من قولهم لصالح ﵇. (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) ثم لم يطلبوا منه ما ليس لهم طلبه، لأنهم قالوا: (فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) وهذا لا شطط فيه، ولا في قولهم:

стр. 955

(أنت من المسحّرين) وقولهم: (ما أنت إلا بشر مثلنا) لأن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إليّ ... ) ،. والمسحّرون فيهم أقوال: أحدها: أنهم الذين لهم سَحْرٌ ورِئَة، وقيل: المعلّلون بالطعام والشراب كما قال امرؤ القيس: أَراَناَ مُوضِعِينَ لأَمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بالطّعام وبالشّرابِ

стр. 956

وقال لبيد: فإنْ تَسْأَلِيناَ فِيمَ نحن فإنّناَ عَصاَفِيُر مِن هذا الأَناَمِ المسَحرِ وقيل: المسحّرون: المسحورون، كأنه سحر مرارا حتى خبل وفسد عقله واضطرب رأيه، عن مجاهد وقتادة. وقيل: المسحّرون: المخلوقون، عن ابن عباس.

стр. 957

فالموضع الذي لا واو فيه هو بدل من الجملة التي قبله، ثم قال: (فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) ولهم أن يقولوا ذلك. فأما قوم شعيب فإنهم في خطابهم المحكى عنهم مُشِطُّون ومبالغون في ردّه وتكذيبه، فقالوا: (إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ... ) فدلّ على خبرين عُطف أحدهما على الآخر، وقالوا بعده: (وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)) على معنى: وإنا لنّظنك كاذباً، أي الغالب في أمرك عندنا أنك كاذب، فلم يجعلوا الخبر خبراً واحداً، بل جعلوه أخباراً ثلاثة:

стр. 958

قولهم: أنت من المسحّرين، أي: لست من الملائكة الذين هم رسل الله إلى خلقه، فلا يطعمون ولا يشربون، بل أنت من المتغَذّين بالطعام والشراب؟ وقولهم: (وما أنت إلا بشر مثلنا) أي لا فضل لك علينا، فهو خبر ثان؟ وقولهم: (وإن نظك لمن الكاذبين) خبر ثالث. ثم طلبُهم إسقاط كسفا من السماء عليهم يكون أمارة لصدقه خلاف ما طلبته ثمود حين قالت: ((فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)) ، ولم تقترح، والحالة التي كانت فيها عند مخاطبة نبيّها لها، لم يقارنها من التمرّد ما قارن حال قوم شعيب حين ردّوا عليه في خبر بعد خبر، فكان موضع الواو في قصتهم لذلك، ولم يكن لها موضع في الأولى لما بينا من إبدالهم الجملة الثانية من

стр. 959

الأولى، واقتصارهم على بعض ما انبسط فيه غيرهم.

стр. 960

سورة النمل الآية الأولى منها قوله تعالى: (.. فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) . وقال في سورة القصص: (.. فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ... ) . للسائل أن يسأل فيقول: في سورة النمل ما ليس في سورة القصص، والمحكي شىء واحد، والزيادة قوله: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ... ) الآية وفي سورة القصص: (أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ... ) الجواب أن يقال: إنّ المحكيات ليس يشترط فيها إذا أدّيت معانيها دون

стр. 961

ألفاظها استيعاب جميعها في مكان واحد، بل يجوز أن تفرق في أماكن كثيرة، فهذا وجه، ويكون معنى: (إنك من الآمنين) أي من المرسلين الذين لا يخافون، ويجوز أن يكون: (إلا من ظلم) خارجا عن الحكاية، ويكون خبراً من الله تعالى يخبر به نبيّنا، (فيعترض بين جُمل ما يحكى، كما قال الله تعالى فيما حكى من كلام صاحبة سبأ: (.. إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)) ، فيكون: (وكذلك يفعلون) غير محكىّ، وإنما يكون خبراً من الله تعالى معترضاً بين ما حكى تصديقا لها، ثم قال عائداً إلى حكاية قولها: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ... ) ، ويجوز في هذا المكان أن يكون معنى: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) على الحكاية على معنى أن الملوك تأثيرهم في

стр. 962

القرى التى يدخلونها تخريبها، وكذلك يفعل هؤلاء، تعنى سليمان ﵇ وخيله. ومعنى قوله في الآية الأولى: (إلاّ من ظلم) محمول على وجهين: أحدهما: أن يكون استثناء من متصل لا مِنْ منقطع، فيكون مستثنى ممّا يدلّ عليه: (.. لا يخاف لدىّ المرسلون) وهذا يدل على أن غيرهم يخافون فترك ذِكرهم، لقوّة الدلالة عليه كما قال: (.. وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر..) ، فحذف البرد لعلم المخاطبين به، وإذا كان: لكن غير المرسلين يخافون: مقدّراً إثباته كان الاستثناء منهم، أى: أنهم يخافون إلا مَن محا ظلمه بتوبته. والوجه الثاني أن يكون استثناء منقطعا تقديره: لكن مَن ظلم من

стр. 963

غير المرسلين، ثم بدّل سيئةً بحسنة ومحا خطيئةً بتوبةٍ فإن الله غفور رحيم.

стр. 964

الآية الثانية منها قوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) . للسائل أن يسأل عما ختمت به هذه الآيات بعد قوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) وهل تقدم ما يوجب اختصاص ذلك به دون غيره؟. والجواب أن يقال: إنّ قوله: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) بنيت عليه هذه الآيات.

стр. 965

وتكلم أهل النظر في قولك: هذا أفضل من هذا، وهذا خير من هذا، فقال بعضهم: يقال في الخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لاخير فيه، إذا كان يتوهم بعض الجهال الأمر على خلاف ما هو به، هذا الخير خير من الشرّ، وأنكر على من خالف هذا، وعلم هذا عند أهل الإعراب، وهو أن الأصل في باب " أفعل من كذا" للتفضيل، فإذا قيل: هذه الاسطوانة أطول من تلك، فقد وصفها بالطول، إلاّ أنه يزيد طول إحداهما على الأخرى، وألزم "أفعلُ مِن" لابتداء الغاية، كان المعنى ابتداء زيادة طولها منتهى الاسطوانة الأخرى، فلا يقال: أفضل

стр. 966

من كذا، إلاّ والمفضّلُ عليه فيه ذلك المعنى الذى زاد به المفضّلَ عليه. فأمّا قوله تعالى بعد وصف النار: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) ... إلى قوله: (.. وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ... ) ، ولا خير في الأول، فإنّما المعنى أن هؤلاء الكفار يحرصون على ما يكسبهم النار، كأنهم يرونها يراً لهم، ثم وصف ما يختارونه بصفته، وأتبعه الخيرَ الذي لا شر معه، فقال: فِعلكم فعل من يرى النار خيراً له من الجنة، فانظروا هل هي كذلك أم لا؟ وكذلك قوله: (فما أصبرهم على النار) ، أي: يتعرضون لها ويكسبونها، ففعلهم فعل من يصبر

стр. 967

عليها، وكذلك قوله،: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)) أى: هم مشغولون بعبادة الأوثان عن عبادة الرحمن، ففعلهم ينبئ أنها تنفعهم فوق ما ينفعهم خالقهم، فكأنهم قالوا: إن تلك أنفع لهم منه ﵎، ثم قرّرهم فقال: آلله أنفع لكم أم الأوثان؟. وفصّل (٢٦) عِظم المنافع التى أنعم الله تعالى بها ولم يشاركه غيره فيها فقال: (أمّن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً ... ) أى: إذا اعترفتم بأن الله تعالى سنى لكم المصالح، ويسّر لكم المنافع، وخلق السموات والأرض اللتين بهما أمسك الخلق، وأنزل المطر من فوق، وأنبت به ما به قوام الناس من تحت، من بساتين ذوات المناظر الحسنة سوى المآكل الطيبة،

стр. 968

ثم قال: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) أى: أيحتاج من يفعل هذا إلى عضد ومعين؟ بل الكفار قوم يعدلون عن الحق، وقيل: يعدلون بمن يفعل هذا غيره، تعالى الله عن ذلك، فهذا موضع: (بل هم قوم يعدلون) لأن أوّل الذنوب: العدول عن الحق وقبوله، وأن يثبت مع الله إلها آخر، فيعدله به. وقوله: (أمّن جعل الأرض قراراً) وصف ما أظهر الله تعالى من قدرته في البَر والبحر مما به مِساك الأرض، ثم قال: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) أى: أمع الله من يفعل مثل فعله. (بل أكثرهم لا يعلمون) ما لهم في عبادة الله تعالى، وإخلاصها،

стр. 969

وما عليهم في إشراك غيره فيها أى: لو علموا ما تنتهى إليه عواقب هذين لمَاَ عدلوا عمّا هو لهم أنفع إلى ما هو لهم أضر، وهذا مكانه بعد قوله: (بل هم قوم يعدلون) . وقوله: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) ذكّرهم بما لا يكاد ينفك منه أحد إذا دُفع إلى شدة، واضطر إلى الانقطاع إلى الله تعالى، فدعاه فكشف شدته، وقوله: (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) أى: يقيم المظلوم مقام الظالم في أرضه، ويجعل من في العصر الثانى خلفا ممّن في العصر قبله، وهذا موضع يَنْسى فيه الإنسان سالفَ شدّته بِراهن نعمته، فقال: قليلٌ يذكِّركم ما مرّ في دهرهم من بلائهم وشرهم، وهذا موضع يليق به ما جاء فيه، وهو: (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) .

стр. 970

وقوله: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) . قوله: يهديكم في ظلمات البر والبحر) معناه: ينجيكم منها بهدايته، وما نصب لكم من آياته بالنجوم التى تعوّلون عليها في البحر وفي البر إذا لم تهتدوا في الظلمات وهو مثل قوله: (قل من ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر تدعونه تضرّعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكوننّ من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كلّ كَرْبٍ ثم أنتم تشركون) ، فلما كانت هدايته في البحر وتسييره جواري الفلك بالريح ضمّ إليه الريح الأخرى المبشرة بالقطر فلما ختم الآية التى هى في معناها بقوله: (ثم أنتم تشركون) ختم هذه بقوله: (تعالى الله عمّا يشركون) لأن المذكورين في هذه الآية هم المذكورون في تلك.

стр. 971

وأما قوله: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) أي: مَن لابتداء كونكم وهو خلقُكم، ومَن لانتهائه وهو بعثُكم لمجازاتكم، ومَن لِلحال المتوسطة بين هذين، وهى حفظُ حياتكم بأقواتكم وأرزاقكم من السماء والأرض، أإله مع الله هاهنا؟ مَن يعدل ربّ العالمين؟ هاتوا برهانكم، وما يظهر في النفوس أنّ ما تقولونه حق، وأنّ ماعداه باطل، فإنكم لا تقدرون إلاّ على ضده، ممّا يدل على أنّ " ما تقولونه باطل، وماعداه ممّا تخالفونه حق. فقد بان ووضح أن كل خاتمة لائقة بمكانه. والله أعلم.

стр. 972

سورة القصص الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) . وقال في حم عسق: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) . للسائل أن يساًل في هذا المكان عن مسألتين: إحداهما: (وما أوتيتم) فِى الأولى بالواو، وفي الثانية بالفاء، وما الذى خصص "كلّ مكان بما جاء فيه؟. والثانية: قوله تعالى في الأولى: (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) فذكر (الزينة) في الأولى ولم يذكرها في الأخرى؟. والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذه الآية جاءت بعد قوله: ... وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلُها ظالمون) ، ثم خاطب الذين أوعدهم بمثل ما

стр. 973

أهلك به مَن قبلهم، وأنه ليس لكم فيما تؤتونه في الدنيا عوض ممّا يفوتكم في الأخرى لأن جميع ذلك لا ينفكّ ممّا تنتفعون به انتفاعا منقطعا وإن تطاول أمده، وتتزيّنون به، فجميع أعراض الدنيا مستوعبة بهذين اللفظين: إما مالا يستغني عنه الحى من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح، ويرى العاقل المتعة بها قليلة وإن كانت طويلة لانقطاعها بالموت وإنهائها إلى حسرة الموت؟ وإمّا ما لاحاجة به إليه من فضول العيش مما يتزيَّن به من الملابس الفاخرة والآلات الحسنة، والدور المزوَّقة المنجَّدة، والخيل والبغال والحمير ما ركب منها للحاجة إليها، وما اتخذ زينة يتجمل به عند الأكفاء، فما كان محتاحاً إليه فهو متاع أيام قليلة، وما فضل عن ذلك فهو ممّا يقتنى لعبا وزينة. والدليل على أن الخطاب

стр. 974

خارج على هؤلاء، وإن صلح عظة لجميع الناس، التفصيلُ الذي جاء بعده في قوله تعالى: (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) أي: يحضرون للعقاب لتقدّم ذكر مَن يعطَى الثوابَ، فلم يكن لعطف هذه الجملة على الجملة المتقدمة غير الواو، إذ لا معنى ها هنا من معاني الفاء. وأمّا ذكر (زينتها) فلاستيعاب جميع ما بُسط فيه الرزق للكفار. والآية الثانية قبلها: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) ، ولفظ ذلك" عام ومعناه خاص، إذ كانت المصائب تصيب مَن لم يذنب ولا عقاب عليه، فالمراد به بعض المصابين وبعض المصائب، ثم تبعه قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) .

стр. 975

أي: إن شاء أنجى أهلها، وإن شاء أهلكهم بذنوبهم، وقد لا يهلكهم ويعفو عمّن يسئحق العفو، ويمهل من علم منه الصلاح، والذين يجادلون في آياتنا - وهم الكفار - يعلمون وهم في السفن أنْ لا منجى لهم إلا بالله ولطفه، ثم خاطبهم فقال: وإن أوتيتم السلامة، ورزقتم بعدها العافية، فذلك قليل البقاء وإن أمتدّ أياماً، فليس القصد في هذا المكان استيعاب جميع ما يؤتيهم في دنياهم، بل هو مطلوبهم في تلك الحال من النجاة والأمن في الحياة، فلم يحتج إلى ذكر "الزينة" ولم يكن إلاّ موضع الفا لأنّ تعلّق ما بعدها بقوله: (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص) ، أي: يغلب على ظنونهم ذلك، فإن أنجاهم الله تعالى وأعطاهم مرادهم في تلك الحال، فإن ذلك سريع الزوال عنهم، قليل البقاء معهم، والذي أعدّه الله تعالى للمؤمنين خير وأبقى.

стр. 976

ثم وصف المؤمنين بصفات يرغّبهم في الكون عليها في قوله: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) ، إلا آخر القصة، كما زهّدهم في التمسك بالدنيا الفانية، فالمراد بما يؤتونه إنما هو مطلوبهم عن السلامة والنجاة من تلك الهلكة، والأمن من أمثالها من الورَطات، وذلك عقيب ما أشرفوا عليه من الغرق، ولا موضع لهذا الكلام يحسن غير العطف على ما قبله بالفاء، لأنه عقّب مالهم من المخافة بما أوتوه من الأمنة وحال السلامة إلى سائر ما لله تعالى من النعمة، فقد تضم ما ذكرنا الجواب عن المسألتين.

стр. 977

صفحة فارغة

стр. 978

الآية الثانية منها قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) . للسائل أن يسأل عن تقديم الليل على النهار، وأنه لو قدّم النهار، هل كان على مقتضى الحكمة؟ وقوله عقيب هذا: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) وعقيب الآخر: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن نسخ الليل بالنير الأعظم أبلغ في المنافع وأضمن للمصالح من نسخ النهار بالليل ألا ترى أن الجنة نهارها دائم لا ليل معه، لأن الليل في دار التكليف للاستراحة والاستعانة بالجَمام والراحة على ما يلزم من الكلَف المتعِبة والمشاق المُنصبة. ودار النعيم يستغنَى فيها عن ذلك، لأنها مقصورة على نيل المشتهى وعلى ما تلتذّ به النفس وتهوى، فتقديم ذكر الليل لانكشافه عن النهار

стр. 979

الذي يمكّن من التصرف في المعايش والسعي في المصالح إلى ما لا يحصى كثرةً من المنافع المتعلقة بالشمس أحقُّ وأولى. وقوله: (أفلا تسمعون) أي: أفلا تسمعون سماع من يتدبّر المسموع ليستدرك منه قصد القائل، ويحيط بأكثر ما جعل الله تعالى في النهار من المنافع أم أنتم صمّ عن سماع ما ينفعكم؟ وقوله: (يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) أى: أفلا تستدركون من ذلك ما يجب استدراكه، فإنّ عقيب السماع استدراك المراد بالمسموع، إذا كان هناك تدبّرٌ له وتفكر فيه ولم يجعله السامع دبر أذنه.

стр. 980

سورة العنكبوت الآية الأولى منها قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وقال في سورة لقمان: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) . وقال في سورهَ الأحقاف: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) .

стр. 981

للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات الواردة في الوصاة بالإحسان إلى الوالدين والبر بهما إلا إذا دَعَوا إلى الشرك وبعثا على الكفر، وعن مواقعها وهل كان يصلح إحداها مكان الأخرى؟. والجواب أن يقال: أما موقع هذه الآية من سورة العنكبوت فمشبه مواقع الآيات التى قبلها والتى بعدها، وذلك أنه أجملت فيها الأخبار كقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) اشتمل هذا على جميع معاملة المؤمنين له الدنيا والآخرة، وهى في الدنيا إيمانهم وصالحات أعمالهم التى تكفر بها السيئآت، فلا يؤاخذ بها مَن ضمن جزاؤه على أحسن عمله، وهو طاعهَ الله تعالى التى أخلصها له ولم يقصد أن يعلمها خلقُه، ثم قال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) أي ألزمناه حسنا في أمر والديه، وقياما بحقوقهما عليه ثم قال: وإن أراداك على الشرك فلا طاعة عليك

стр. 982

لهما. فهذه جملة تتضمن ذكر السبب فيما أكّد الحق، بل اقتصر فيها على مالا غنى عن علمه، ولا يعذر أحد في جهله. وأما الآية في سورة لقمان فإنها ذكرت بعدما حكى الله تعالى عن لقمان - ﵇ من وصيته ابنَه إذ يقول: (.. يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) ، فذكر الله تعالى عقيب ذلك وصية الإنسان بهما ونبّه على السبب الذي له عظم حقهما فقال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) ، أى: ضعف حمل مضافا إلى ضعف المرأة، وقيل: ضعفا يتزايد على ضعف كما يتزايد ثقل الجنين، وأرضعته عامين، وهذان وإن انفردت بهما الأم فإنّ الأب

стр. 983

يتحمّل الشدائد في القيام بأمر الولد، والأمّ حتى تقدر على تربيته، وربما ضيّق على نفسه فيما يصرف إليهما من نفقته فقال: (أن اشكر لي ولوالديك) ، والمعنى: ووصيناه بأن اشكر لي ولوالديك، و"أن" بمعنى "أي" وهو تفسير للوصية، والتنبيه على عظم النعمة ووجوب شكر اللهِ المنعِم على قدر ما أولاه، إذ كان هو خلَقَه وسوّى أعضاءه، ونفخ فيه الروح، وأنعم عليه قبل استحقاقه ثم عرّضه للنعمة الشريفة والدرجة العلية وشكرُ بعض

стр. 984

ذلك يستغرق الجهد ويُفني الطوْقَ وأما شكر الوالدين فهو أن يحسن إليهما ويبرّهما ويكرمهما ويطعهما إلاّ إذا أمراه بمعصية الله تعالى فتسقط عنه طاعتهما، لأنه مع إسقاط حق الخالق لا يثبت حق الوالدين، لأن الله تعالى عقد شكرهما بشكره، فإذا دعواه إلى معصيته فقد أبطلا به شكره فانحل شكرهما المعقود معه. وقيل: إن هذه الآية نزلت في سعد بن مالك وهو سعد بن أبى وقاص وروى عنه أنه قال: كنت برّا بأمى، فلما أسلمت قالت لي: يا سعد: ما هذا

стр. 985

الذي أراك قد أحدثت، والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلا ماكنت عليه أو أموت فتعيّر بي فيقال: قاتل أمه، فلم تأكل ولم تشرب يوما وليلة فأصبحت وقد جهدت، فلما كانت الليلة القابلة لم تأكل ولم تشرب ثم أصبحت وقد اشتد بها الجهد، فقلت لها: يا أمّه: تعلمين واللهِ لو كان لك سبعون نفسا فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشىء فلما رأت ذلك أكلت وشربت فأنزل الله تعالى هذه الآية في.
следующие страницы →