Полный текст (203 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
جامع ومساجد وفنادق وأسواق، وقد أحاط بها الوادي. والمدخل إليها في الشتاء على المراكب، وفي الصيف على مخاضة.
وفي إحاطة الوادي بها يقول ابن خفاجة في شعرٍ يتشوق فيه إلى معاهده، ويندب ماضي زمانه " خفيف ":
بين شقرٍ وملتقى نهريها ... حيث ألقت بنا الأماني عصاها
ويغنى المكاء في شاطئيها ... يستخف النهى فحلت حباها
عيشة أقبلت يشهى جناها ... وارف ظلها لذيذ كراها
لعبت بالعقول إلا قليلاً ... بين تأويبها وبين سراها
فانثنينا مع الغصون غصوناً ... مرحاً في بطاحها ورباها
ثم ولت كأنها لم تكن تل؟ ... بث إلا عشيةً أو ضحاها
فاندب المرج فالكنيسة فالش؟ ... ط وقل آه يا معيد هواها
آه من غربةٍ ترقرق بثا ... آه من رحلةٍ تطول نواها
آه من فرقةٍ لغير تلاقٍ ... آه من دارٍ لا يجيب صداها
لست أدري ومدمع المرز رطب ... أبكاها صبابةً أم سفاها
فتعالى يا عين نبك عليها ... من حياة إن كان يغنى بكاها
وشباب قد فات إلا تناس؟ ... يه ونفسٍ لم يب إلا شجاها
ما لعيني تبكي عليها وقلبي ... شمنى سواده لو فداها
وفي جزيرة شقر يقول الكاتب أبو المطرف بن عميرة طويل:
стр. 107
فقد حازنا نأى عن الأهل بعدما ... نأينا عن الأ وطان فهي بلاقع
نرى غربةً حتى تنزل غربة ... لقد صنع البين الذي هو صانع
وكيف بشقرٍ أو بزرقة مائه ... وفيه لشقرٍ أو لزرقٍ شوارع
وقال من قصيدة يمدح فيها صاحب إفريقية الأمير الأجل أبا زكرياء " منسرح ":
وعاد قلبي من شوق أندلسٍ ... عبداً شرفته وما فتر
فأين منا منازل عصفت ... ريح عليها من العدى صرصر
ودون شقرٍ ودون زرقته ... أزرق يحكى قناه وأشقر
شقندة
قرية بعدوة نهر قرطبة، قبالة قصرها، فيها اجتمع وجوه العجم يتشاورون في حرب العرب، ويحذرونهم من العقود عنهم، ويحضون بعضهم بعضاً على أن يكونوا يداً واحدة، وقدموا على لذريق بقرطبة بسبب ذلك، فنزلوا أكناف شقندة هذه، ولم يطمئنوا إلى الدخول على لذريق أخذاً بالحزم.
شقوبية
بالأندلس، ليست بمدينة، إنما هي قرى كثيرة متجاورة متقاربة متلاصقة، متداخلة العمارات، فيها بشر كثير، وجم غفير، وهم في نظر صاحب طليطلة، وهم أنجاد أجلاد، ومنها إلى طليطلة مائة ميلٍ.
стр. 108
شقورة
مدينة من أعمال جيان بالأندلس، قالوا: وجبل شقورة ينبت الورد الذكي المعطر، والسنبل الرومي الطيب، وفي غيران شنت مرتين من جبل شقوره أشقاقل كبير قوى الفعل، يفوق غيره، وإذا نزل بتلك الغيران أحد كثر منه الاحتلام، وربما نزل المنى منه بغير إرادة ولا تذكر؛ ويقال إن في قريةٍ هنالك ماء يفعل مثل ذلك. وفي جبل شقورة شجر الطخش الذي يتخذ منه القسى، وعصير ورقه سم قتال وحي. وفي تلك الناحية ماء صعيدة في حجر قد رما تدخل الدابة رأسها فيه، فتشرب ويتتابع على ذلك العدد الكثير من الدواب فتصدر رواءً، فإذ استقى في إناء لم يكن يروى الرجل.
ولعلى بن أبي جعفر بن همشك، وكتب على قبره بشقورة وافر:
لعمرك ما أردت بقاء قبري ... وجسمي فيه ليس له بقاء
ولكن رجوت وقوف من على ... قبر مر فينفعني الدعاء
سبيل الموت غاية كل حيٍ ... فكل سوف يلحقه بالفناء
ومن شقورة أبو بكر بن مجبر الشاعر المفلق المجيد، شاعر دولة بني عبد المؤمن.
стр. 109
شلب
من بلاد الأندلس، وهي قاعدة كورة أكشونبة، وهي مدينة بقبلي مدينة ياجة، ولها بسائط فسيحة، وبطائح عريضة؛ ولها جبل عظيم منيف، كثير المسارح والمياه، واكثر ما ينبت فيه شجر التفاح العجيب، يتضوع منه روائح المود.
وعليها سور حصين، ولها غلات وجنات، وشرب أهلها من واديها الجاري إليها من جهة جنوبها، وعليه أرحاء البلد، والبحر منها في الغرب على ثلاثة أميالٍ، ولها مرسىً في الوادي وبها الإنشاء، والعود بجبالها كثير، يحمل منها إلى كل الجهات؛ والمدينة في ذاتها حسنة الهيئة، بديعة البناء، مرتبة الأسواق، وأهلها وسكان قراها عرب من اليمن وغيرها، وكلامهم بالعربية الصريحة، وهم فصحاء يقولون الشعر، وهم نبلاء خاصتهم وعامتهم؛ وأهل بوادي هذه البلدة في غاية الكرم، لا يجاريهم فيه أحد. ومن شلب إلى بطليوس ثلاث مراحل، ومن شلب إلى مارتلة أربعة أيام.
وفي سنة ٥٨٥ في ربيع الآخر منها، نازل ابن الرنق صاحب قلمرية وما يليها من غرب الأندلس مدينة شلب هذه، فلم يزل محاصراً لها إلى أن ضاق أهلها بالحصار، فخافوا الغلية عليهم، فصالحوهم على أن يخرجوا سالمين في أنفسهم، ويتركوا البلد بجميع ما فيه من أموالهم وأثاثهم، فأجابهم على ذلك، ووفي لهم بما صالحهم عليه، ودخلها في الموفى عشرين من رجب هذه السنة، وبلغ أمر شلب إلى صاحب المغرب والأندلس، المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، فامتعض من ذلك
стр. 110
وأنف منه، وكبر عليه، فاعترض جنوده، واستنفر حشوده، واستعد الأسلحة، وفرق الأموال، وخرج من مراكش قاصداً الأندلس في وسط ذي الحجة من هذه السنة، واستمر سيره إلى أن وصل إلى رباط الفتح من مدينة سلا، فأقام بها نحواً من ثلاثين يوماً إلى أن توافقت الحشود، وتكاملت القبائل، وورد عليه في أثناء مقامه برباط الفتح فتح فتح عليه في المغرب، وهنى به؛ وفيه يقول أبو بكر بن مجبر " طويل ":
قلائد فتح كان يذخرها الدهر ... فلما أردت الغزو أبرزها النصر
القصيدة بطولها.
وتحرك المنصور من رباط الفتح في أخريات المحرم عام ٥٨٦، وركب البحر من قصر مصمودة في الثاني والعشرين من ربيع الأول، فأقام بطريف إلى أن تحرك منها في غرة ربيع الآخر، وسار إلى قرطبة، وعقدت له الرايات بجامعها الأكبر؛ وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر قصيدته المشهورة التي أولها " بسيط ":
بشراى هذا لواء قل ما عقدا ... إلا وقد مده الروح الأمين بدا
وأقبل النصر لا يعدو بناحيةٍ ... فحيما قصدت راياته قصدا
واستقبلته بتبشير الفتوح فقد ... كادت تكون على أكتافه لبدا
إلى آخر القصيدة، وهي طويلة. ثم تحرك من إشبيلية إلى قصر أبي دانس من غرب الأندلس، فنزلوا على حكمه، فاحتملهم إلى مراكش، ورحل من قصر أبي دانس إلى حصن بلمالة، فاست سلموا ورغبوا في الأمان على أن يتركوا الحصن، ويسلموا في أنفسهم، وينصرفوا إلى بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك، وخلى سبيلهم، فنهضوا إلى بلادهم؛
стр. 111
وانتهب جميع ما كان في الحصن ثم هدم قصد إلى حصن المعدن، فافتتح وهدم.
وبعد الفراغ من ذلك كان النهوض إلى شلب، فوصلها في ثاني جمادى الأخيرة سنة ٥٨٧، فأحدقت الجيوش بها، وأخذت بمخنقها، ونصب عليها المجانيق وآلات الحرب، وجدوا في قتالها، وبالغوا في نكاية أهلها، فطلبوا الأمان في أنفسهم على أن يسلموا المدينة ويخرجوا إلى بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك، وخرجوا منها في السادس والعشرين من جمادى الأخيرة، وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر قصيدته المشهورة، التي أولها طويل:
دعا الشوق قلبي والركائب والركبا ... فلبوا جميعاً وهو أول من لبى
وظلنا نشاوى للذي بقلوبنا ... نخال الهوى كأسا ويحسبنا شرابا
إذا القضب هزتها الرياح تذكروا ... قدود الحسان البيض فاعتنقوا القضبا
القصيدة. ثم أخذ المنصور في الرحيل إلى مراكش.
شلبطرة
بالأندلس، من بلاد الإذفونش، وهو حصن من حصون الأندلس من عمل قلعة رباح؛ كان الملك الناصر أبو عبد الله محمد بن المنصور بعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب نزل عليها وحاصرها بالمجانيق الفخام، والآلات الحربية، حتى قهر أهلها وملأها، وذكل في أوائل سنة٦٠٨؛ وكان نزل أولاً على حصن الثلج فتملكه، ثم رجع الحصار كله على حصن شلبطرة، فنصب عليها المجانيق، ورميت بالحجارة الصم الكبار، وطال حصارها إلى أن ضاق أهلها وأعياهم المر، فطلبوا
стр. 112
أجلاً يستجلبون فيه ملكهم صاحب طليطلة وقشتيلة الإذفونش بن شانجه، فأعطوا ما طلبوا؛ فأخرجوا قوماً من ثقاتهم إلى طليطلة والتقوا مع ملكهم إذفونش بها أو بغيرها من بلاده، وأعلموه بما انتهوا إليه من الشدة، وما بلغوا من الجهد والمشقة، وحملوا إليه بعض أحجار المجانيق التي يرمون بها؛ فعذرهم، ولم تكن عنده قدرة لدفع ما نزل بهم، ولا استطاع الدفاع عنهم، فأذن لهم في الخروج عنها، فرجعت ثقاتهم بذلك، فطلبوا الخروج مسلمين في أنفسهم، فوفى لهم بذلك، ومكنوه من الحصن، وانفصل الناس عنها في صدر ربيع الأول من سنة٦٠٨. وكان الحصار فيها إحدى وخمسين ليلة. وزعيمهم الإذفونش بن شانجه لم يقدر في ذلك الوقت على شئ حتى استغاث بأهل ملته، وكاتب من قرب وبعد منهم، وشكا إليهم ما دهاه من المسلمين، وحثهم على حماية دينهم ونصر ملتهم، فاستجابوا له وجاؤوه من كل جهة وانثالوا عليه، فكان من وقيعة العقاب على الملك الناصر في عام ٦٠٩ما هو مذكور في موضعه.
ولما ملك الناصر حصن شلبطرة نفذت عنه المخاطبات بهذا الفتح. فمن فضل من ذلك ما خاطب به صاحب إفريقية حينئذٍ الشيخ المعظم أبا محمد عبد الواحد: وهذا كتابنا إليكم من منزل الموحدين بمنزل أندوجر، ولما كان صاحب قشتالة أقرب من تعينت حربه دارا، وأكثرهم عما استطاع أحرارا كان أول من نوينا، ووجب تقديم غزوه علينا؛ وكان المعقل المعروف بشلبطرة قد علقت به حبائل الصلبان، وضجر من ناقوسه ما في جهاته الأربع من التكبير والأذان مرقب الدو، وعقاب الجو؛ العلم المطل على الأعلام، والنكتة السوداء التي هبت بسائط الإسلام؛ والخباة الطلعة الذي لا حال للمسلمين معه قد جعلته النصرانية إلى كل غاية جناحا، وأعدته إلى أبواب
стр. 113
العاقل والمدائن مفتاحا؛ فاستخرنا الله تعالى على منازلته وقلنا: هو يمين صاحب قشتالة إن قطعت قعد مقعد الذليل، ونظنه عبرة إن لم يتحرك لها فقد قام على ضعفه أوضح دليل؛ ونحن في ذلك برءاء من القوة والحول، ونتوكل على الله ذي الفضل والطول؛ فقبل النزول من السروج، ووضع الهند والوشيج؛ حباهم الله بكل ضرب وجيع، وموت حي سريع؛ وملكوا عليهم أرباضهم وكانت من الذروة إلى البطحاء، فأضرموها ناراً من جميع الأنحاء؛ ونسخوا فيا آية النهار بالظلماء؛ فألقوا يد الاستسلام، وذلوا لعزة الإسلام؛ ورغبوا في أمد يقيمون فيه الحجة على صاحبهم فأذنا لرسلهم في التوجه إليه، لعلنا أن ذلك أشد من وقع السيوف عليه؛ فحينئذ وافته رسلهم اعترف لهم بالصغار، وقلة القوة على الانتصار، وفارقوه على تسليم الدار، لمن له عقبى الدار؛ فنبذنا إليهم بأنفسهم احتقارا، وساروا إلى قومهم يحملون هموماً طوالاً وآمالاً قصارا؛ وعلى أثرهم طهر الله تعالى المعقل من الأدران، ورقيت أعاليه ألوية الإيمان، وبدل الله فيه الناقوس بالأذان، وحولنا كنيسةً مسجداً ومنبراً على تقوى من الله ورضوان.
شلطيش
بالأندلس، بقرب مدينة لبلة، وهي جزيرة، لا سور لها ولا حظيرة، إنما هي بنيان متصل بعضه ببعض، وبها دار صناعة الحديد الذي يعجز عن صنعه أهل البلاد لجفائه، وهي صنعة المراسى التي ترسوبها السفن، وقد تغلب عليها المجوس مرات، ويحيط بجزيرة شلطيش البحر من كل ناحية، إلا مقدار نصف رمية حجرٍ هناك
стр. 114
يجوزون لاستقاء الماء لشربهم؛ وطول الجزيرة نحو ميل أو أزيد، والمدينة منها في جهة الجنوب. وهذه المدينة بإزاء مدينة أو نبة، ومقدار المجاز بينهما أربعة أميالٍ.
وفي صفة استدارة البحر بهذه الجزيرة يقول عبد الجليل بن وهبون من قصيدةٍ يمدح بها المعتمد بن عباد وافر:
ألم تر للجزيرة كيف أوفى ... عليها مثل ما انعطف السوار
أعد بها على شاطيه رسياً ... ومد يداً إليك بها يسار
فإن يقبل تحيته فأحذر ... فربتما تواصلت البحار
يحيط كما يحيط بها ولكن ... لسمط الدر في العنق افتخار
وكان بهذه الجزيرة بيع للأول، واتخذت في الفتنة مدينةً، ولها أرباض واسعة، وبها آبار عذبة قريبة الأرشية، وبساتين حسنة، وفيها أطيب الصنوبر، ولها مراعٍ خصيبة لا تتصوح، وعيون ماء عذبٍ تصلح بها الألبان والقطانى، ومن خاصتها الثريد النفيس. ومدينة شلطيش مرفا للسفن وركاب البحر، ومرساها كن بكل ريح، وهي كثيرة السفن، وبها دار صناعةٍ لإنشائها، ويسكنها جماعة من النصارى؛ ويكون طولها نحو أربعة أميال في عرضٍ يسيرٍ.
شلوبينية
قرية مسكونة على ضفة البحر، بينها وبين المنكب عشرة أميال، ويجود فيها الموز وقصب السكر، ولعل الأستاذ أبا علي الشلوبين منسوب إليها؛ ويقال إن شلوبينية تقابل من العدوة الأخرى مرسى مليلة، ويقطع البحر بينهما في مجريين.
стр. 115
شلير
هو جبل الثلج المشهور بالأندلس، وهو بإزاء جبل إلبيرة، وهو متصل بالبحر المتوسط، مقتطع بجبل ريه، ويذكر ساكنوه أنهم لا يزالون يرون الثلج نازلاً فيه شتاء وصيفاً. وهذا الجبل يرى من اكثر بلاد الأندلس ويرى من عدوة البحر ببلاد البربر، وفي هذا الجبل أصناف الفواكه العجيبة، وفي قراه المتصلة به يكون أفضل الحرير والكتان الذي يفضل كتان الفيوم. وطوله يومان، وهو في غاية الارتفاع، والثلج به دائماً في الشتاء والصيف. ووادي آش وغرناطة في شمال هذا الجبل، ووجه الجبل الجنوبي مطل على البحر، يرى من البحر على مجرى أو نحوه. وفيه يقول ابن صارة، وأستغفر الله من كتب هذا الاستخفاف " طويل ":
يحل لنا ترك الصلاة بأرضكم ... وشرب الحميا وهو شئ محرم
فراراً إلى أرض الجحيم فإنها ... أحن علينا من شليرٍ وأرحم
فإن كنت ربي مدخلي في جهنمٍ ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
شنتجالة
في طرف كورة تدمير بالأندلس مما بلى الجوف، ويقال لها أيضاً جنجالة، وإليها ينسب الوطاء الجنجالي لعمله بها.
شنترة
من مدائن الأشبونة بالأندلس على مقربة من البحرن ويغشاها ضباب دائم لا ينقطع، وهي صحيحة الهوى، تطول أعمار أهلها، ولها حصنان في غاية المنعة،
стр. 116
وبينها والبحر قدر ميل، وهناك نهر ماؤه يصب في البحر، ومنه شرب جناتهم؛ وهي أكثر البلاد تفاحا، ويجل عندهم حتى يبلغ دورها أربعة أشبار، وكذلك الكمترى، وبجبل شنترة ينبت البنفسج بطبعه، ويخرج من شنترة عنبر جيد، ويخرج أيضاً في شذونة من بلاد الأندلس.
شنترلانة
مدينة أو قرية بالأندلس، على طريق قلشانة، وهي عن يمين الطريق، وناقوسها ملقى في الأرض لا حارس له ولا رقبة عليه، ويزعم أهلها أنه معقود ممنوع من جميع الناس، وأن من اخذه لا يمكنه الخروج به من القرية، وأن خصيتى من أخذه تنتفخان ويشتد وجعهما حتى يصرفه إلى موضعه؛ هذا عندهم صحيح لا يشكون فيه.
شنترين
بالأندلس، مدينة معدودة في كور باجة.
وهي مدينة على جبل عالٍ كثير العلو جداً، ولها من جهة القبلة حافة عظيمة ولا سور لهان وبأسفلها ربض على طول النهر، وشرب أهلها من العيون ومن ماء النهر، ولها بساتين كثيرة وفواكه ومباقل، وبينها وبين بطليوس أربع مراحل.
وهي من أكرم الأرضبين، ونهرها يفيض على بطحائها كفيض نيل مصر، فتزدرع أهلها على ثراه عند انقطاع الزريعة في البلاد وذهاب أوانها، فلا يقصر عن نمائه الطيب ولا يتأخر إناه وإدراكه.
стр. 117
ومن أقاليمها صقلب، وهي أطيب بقاع الأرض، يرفع في أرضه عند توسط الرباح للحبة مائة، وعند كماله اللحبة مائتان. ولشنترين جزائر في البحر مسكونة، وكانت جباية شنترين ألفين وتسعمائة دينار، وأحوازها متصلة بأحواز باجة.
وكان يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب اجتاز عليها في حركته الأندلسية بعسكره، وهو أربعون ألفاً من أنجاد العرب الفرسان ومن الموحدين والجنود والمطوعة وفرسان الأندلس، واجتازها ما ينيف على مائة ألف فارس، وبرز أسطوله على الأشبونة، وحاصرها عشرين يوماً، ونزل على أعظم قواعد ابن الرنق عدو المغرب، وكان مؤذياً للمسلمين من قاعدته، وهي شنترين هذه، فبرز إليها في أمم لا تحصى، وهناك عرض له المرض الذي توفى فيه، أقام الرحل به على مطيةٍ مضطجعاً على فراشه، وضعفه يتزايد، إلى أن تفقد في بعض أميالٍ فوجد ميتاً، وذلك في سنة ٥٨٠ فتقدم بالأمر ولده يعقوب المنصورز فقفل بالناس إلى إشبيلية. فبويع بها ورجع إلى مراكش.
شنتمرية
مدينة في الأندلس من مدن أكشونبة.
وهي أول الحصون التي تعد لبنبلونة، وهي أتقن حصون بنبلونة بنياناً، وأعلاها سموكاً، مبتناه على نهر أرغون، على مسافة ثلاثة أميال منه.
وبناحية شنتمرية أعجوبة عاينها كل من دخل على تلك الناحية من المسلمين، وذلك عين ينفجر بماء كثير، ينظر الناس ذلك عياناً، فإذا قربوا منها، ووقفوا عليها انقطع جريانها، فلا تنبض بقطرةٍ، فإذا تباعد الناس عنها عادت إلى حالها، وهذا
стр. 118
مستفيض لا يجهد له أحد ممن صاقب تلك الناحية.
وشنتمرية على معظم البحر الأعظم، سورها يصعد ماء البحر فيه إذا كان فيه آلمد، وهي مدينة متوسطة القدر، حسنة التربة بها مسجد جامع ومنبر وجماعة، وبها المراكب واردة وصادرة، وهي كثيرة الأعناب والتين، وبينها وبين شلب ثمانية وعشرون ميلاً.
وإليها ينسب الأستاذ أبو الحجاج يوسف بن سليمان الشنتمرى الأعلم ذو التصانيف المشهورة.
وهي مدينة أولية، وبها دار صناعةٍ للأساطيل، وبإزائها جزائر في البحر ينبت فيها شجر الصنوبر. ومن الغرائب ما ظهر بشنتمرية هذه في عشر الستين والخمسمائة، وذلك صبى يتواصف المحققون ممن عاين أمره أن سنه خمسة أعوامٍ أو نحوها، بلغ مبلغ الرجال وأشعر، وهذا مستفيض عندهم.
شنت ياقوب
كنيسة عظيمة عندهم، وهي في ثغور ماردة، وهذه الكنيسة مبنية على جسد يعقوب الحواري، يذكرون أنه قتل في بيت المقدس، وأدخله تلامذته في مركب، فجرى به المركب في البحر الشأمي، ألى أن خرج به إلى البحر المحيط، حتى انتهى به إلى موضع الكنيسة بساحلٍ فيه، فبنيت الكنيسة ليومٍ معروفٍ جعل عيداً لها.
وغز اشنت يا قوب عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر سنة٣٨٧، وأوسع أهلها قتلاً وأسراً، وقراها وأسوارها هدماً وإحراقاً، ومن إنشاء القسطلى رسالة إلى الخليفة هشام بن
стр. 119
الحكم بن عبد الرحمن يخبره بالفتح، ويصف الكنيسة وأرضها، وله فيها قصيدة مشهورة.
شنفيرة
حصن على أربع مراحل من مرسية بالأندلس في شرقيها، مشهور بالمنحة، ظفر به في الصلح محمد بن هود سنة ٦١٤، ومعه خمسمائة من أجناد الرجال، فغدر به؛ لأن أبا سعيد بن الشيخ أبي حفص الهنتاتى، لما طاف على حصون الأندلس يتفقدها في أيام الهدنة، نظر إلى هذا المعقل وهو بارز إلى السماء مع وثاقة بنائه فأعجبه وقال: كيف أخذ الروم هذا الحصن من المسلمين؟ فقيل: غدروا به في زمان الصلح! فقال: أما في أجناد المسلمين من يجازيهم بفعلهم؟ فسمعه ابن هود فأسرها في نفسه، إلى أن تمت له الحيلة، فطلع في سلمٍ من حبالٍ فذبح السامر الذي يحرس بالليل، ولم يزل يطلع رجاله واحداً وأحداً إلى أن حصلوا بجملتهم في الحصن، وفر الروم الذين خلصوا من القتل إلى برج مانع. فقال ابن هود: إن أصبح هؤلاء في هذا البرج جاءهم المدد من كل مكان! فالرأي أن نطلق النيران في بابه! فلما رأوا الدخان، وأبصروا اشتعال النار طلبوا الصلح على أن يخرجوا بأنفسهم، فكان ذلك واستولى المسلمون على الحصن؛ وكان الروم قد أرسلوا في الليل شخصاً دلوه من البرج، فأصبحت الخيل والرجال على الحصن، وقد أحكم المسلمون أمره، فانصرفوا في خجلةٍ وخيبةٍ، وترددت في شأنه المخاطيات إلى مراكش، فقال الوزير ابن جامع لابن الفخار: أخذناه في الصلح، كما أخذ عنا في الصلح! ومن هذه الوقيعة اشتهر أبن هود عند أهل شرق الأندلس، وصاروا يقولون: هو الذي استرجع شنفيره!
стр. 120
شوذر
بالأندلس، من كور جيان، وهي قرية تعرف بغدير الزيت، لكثرة زيوتها، وهي كثيرة المياه والبساتين، بها جامع من ثلاث بلاطات على أعمدة من رخام، وسوق حافلة يوم الثلاثاء.
стр. 121
حرف الصاد
الصخور
حصن صغير على نهر مرسية من الأندلس.
فيه دعا لفنسه محمد بن هود سنة٦٢٥، وأبو العلى إدريس المأمون إشبيلية، وقد صفت له؛ وكان عازماً على التحريك إلى بر العدوة، فبينما هو يروم ذلك إذ وصله الخبر بقيام ابن هود هذا، وكان من الجند، ولم يكن إذ ذاك أحد من أكابر الأندلسيين يطمع في ثيارة، ولا يحدث بها نفسه؛ فبنو مردنيش في بلنسية، وبنو عيسى في مرسية، وبنو صناديد في جيان، وبنو ... في غرناطة، وبنو فارس في قرطبة، وبنو وزير في إشبيلية، لا نتظام البرين على طاعة الدولة الممهدة القواعد، ورجوع أمورها إلى إمام واحد، حتى اتفقت ثيارة العادل بمرسية، ثم ثيارة البياسى ونكبته، ثم مبايعة أبي العلى بإشبيلية، ففتحوا على دولتهم باباً رحله منه غيرهم، فأوقع الله تعالى في خاطر ابن هود هذا أنه بملك الأندلس، وتحدث بذلك مع من يثق به، وذكر أنه محمد بن يوسف بن محمد بن عبد العليم بن أحمد المستنصر بن هود، واحتقره السيد الذي كان في مسرية من قبل أبي العلى، فجمع أصحابه وخرج بهم إلى الحصن المعروف بالصخور، فدعا لنفسه، واجتمع له جمع من القطاع، وذعار الشعارى والضياع؛ وقال لهم: أنا صاحب الزمان، وأنا الذي أرد الخطبة عباسية! وخاطب بذلك أبا الحسن القسطلى قاضي مرسية يومئذ، وأعلمه أنه إن تمكن من هذا العرض فإن الدولة تكون
стр. 122
في يده، فأصغى الشيخ إليه إصغاء أذهله عن حتفه الذي بحث عنه، ثم حضر القاضي القسطلى عند السيد الملقب بأبي الأمان، وقد لاحت عليه دلائل الخذلان؛ فقال: يا سيدي! هذا الرجل الذي كان في الصخور ما زال خديمكم، فكتبنا له نرغبه في الطاعة ونعده بما يكون له من الخير في إثر ذلك، حتى أذعن، وها هو قد وصل ليقبل به كم الكريمة، وسيدنا يرتب له ولأصحابه ما يكفهم عن الثيارة، ويرجى أن ينتفع بهم في قطع الفساد، عن جهات هذه البلاد! فابتهج السيد، وأنفذ إليه بالمبادرة، فلم يمر إلا القليل حتى دخل ابن هود وأصحابه مرسية في السلاح، فبعد ما مالوا لتقبيل يده قبضوا عليه، ثم حبسوه وأجلسوا ابن هود في مكانه. وخطب في أول جمعة للمستنصر العباسي، ثم لنفسه بالمتوكل على الله أمير المؤمنين؛ وعندما وصل الخبر بذلك إلى أبي العلى، وكان عزم على جواز البحر، تمثل كامل:
إن الطبيب إذا تعارض عنده ... مرضان مختلفان داوى الأخطرا
وصرف وجهه إلى مرسية؛ ففي أول منزلة نزل بها، قام الأستاذا أبو على الشلوبين فابتده، فخطب وقال: ثلمك الله ونثرك يريد: سلمك ونصرك. وكان يرد السين والصاد ثاء. وقام بعده أبو الحسن بن أبي الفضل، فأنشده قصيدةً أولها " خفيف ":
خدمتك السيوف والأقلام ... وأناخت لأمرك الأيام
وقام الكاتب البلوى فأنشد قصيدةً منها " سريع ":
أرتك مرسية وقد عصت ... لنا قديماً طائعاً أكثر
منابر يالك قد أصبحت ... مناظراً إن قد عصى منبر
стр. 123
فكره أبو العلى ما أتوا به، واسود وجهه، فتطير الحاضرون بذلك، وامتنع أبو العلى بعد هذا المجلس من كلام الخطباء، وإنشاد الشعراء، في هذه القضية؛ وأقام محاصراً لابن هود حتى رحل في السنة الثانية، وعلم أهلها أنهم لا ينفعهم معه إلا التحريك على ساعد الجد، وعلم هو أنه لا تجوز عليهم حيلة ولا تنفع فيهم موعظة، وكان الأمر على ما نطق به القدر على ألسنة أولئك.
صدينة
من كور شذونة ببلاد الأندلس، أزلية قائمة الأسوار، باقية الآثار، تطرد المياه داخلها من عين ثرة تطحن على جنوبها الأرحاء، وهي في غاية الحصانة، لا ينفذ جيش إليها، ولا يتوصل عسكر للنزول عليها، وهذه العين عنصر نهر بوصة.
стр. 124
حرف الطاء
طارق
جبل فيه خرج طارق بن زياد ومنه افتتح الأندلس، وهو عند الجزيرة الخضراء، وبجبل طارق مرسى مكن من كل ريح، وبه غريبة، وهو غار هناك يعرف بغار الأقدام، يرى من البطحاء التي تلي الغار أثر قدمٍ أبداً وليس هناك طريق ولا منفذ إلى غير الغار، وقد مسحت تلك البطحاء وسويت، ثم أتوها من الغد، فوجدوها فيها أثر القدم، جرب ذلك مراراً.
وكان أحد خلفاء بني عبد المؤمن أمر ببناء مدينةٍ على جبل طارق، فندب إليها البنائين والنجارين وقطاع الحجر للبنيان والجيار من كل بلدة، وخطت فيه المدينة وقدم إليها من المال ما يعجز كثرةً، واتخذ فيها الجامع وقصراً له، وقصوراً تجاروه للسادة بنيه، وتولى العمل في ذلك، وأقطع أعيان وجوه البلاد فيه منازل، نظروا في بنائها، بعد إن حفروا في سفح الجبل مواضع نبع فيها الماء، وجمع بعضها إلى بعض حتى سال منها جدول عم المدينة لأنفسهم ومواشيهم، من أعذب الماء وأطيبه، يصب في صحنٍ عظيمٍ اتخذ له، وأجرى إلى الجنات المغترسة بها عن أمره، فللحين ما جاءت مدينة تفوت المدن حسناً وحصانةً، لا يدخل إليها إلا من موضع واحدٍ، قد حصن بسور منيع من البنيان الرفيع، وسميت بمدينة الفتح، وقالت الشعراء فيها، ثم جاز إليها في سنة ٥٥٦، وورد الوفود عليه هناك، فتلقاهم بالتكرمة، وفت ذلك في عضد العدو.
стр. 125
طالقة
مدينة بالأندلس، بقرب إشبيلية، وهي من المدن القديمة، وكانت دار مملكة الأفارقة بالأندلس، وكانت من مدن إشبيلية المتصلة بها في سالف الدهر وهي خراب، إذ كان إشبان بن طيطش غزا طالقة وحاصر ملكهم بها حتى فتحها وتغلب على مملكتهم، فهدم طالقة ونقل رخامها وآلاتها إلى إشبيلية وبه سميت، واتخذها دار ملكه وكثرت جموعه، فعلا في الأرض وغزا من إشبيلية وبه سميت، واتخذها دار ملكه، وكثرت جموعه، فعلا في الأرض وغزا من إشبيلية إيلياء بعد سنتين من ملكه؛ خرج إليها في السفن فغنمها وهدمها، وقتل من اليهود مائة ألفٍ، واسترق مائه ألفٍ، وفرق في البلاد مائة ألف، وانتقل رخام إيلياء وآلاتها إلى الأندلس، والغرائب التي أصيبت من مغانم الأندلس كمائدة سليمان التي ألفاها طارق بن زياد بكنيسة طليطلة، وقليلة الدر التي ألفاها موسى بن نصير بكنيسة ماردة وغيرها من الذخائر، إنما كانت مما صلوا لصاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس إذ حضر فتحها مع بخت نصر.
وحكوا أن الخضر وقف بإشبان هذا وهو يحرث الأرض في حداثة فقال له: يا إشبان، إنك لذو شأن، وسوف يحظيك زمان، ويعليك سلطان؛ فإذا أنت غلبت على إيلياء، فارفق بذرية الأنبياء! فقال له إشيان: أساحر أنت رحمك الله؟ أني يكون هذا وأنا ضعيف مهين؟ فقال: قدر ذلك من قدر في عصاك اليابسة ما تراه! فنظر إشبان إلى عصاه فرآها قد أورقت، فريع لما رأى، وذهب الخضر عنه وقد وقر ذلك الكلام في نفسه، والثقة بكونه؛ فترك الامتهان، وداخل الناس، وصحب أجل الناس، وسما به جده، فارتقى في طلب السلطان حتى نال منه عظيماً؛ وكان ملكه عشرين سنة.
стр. 126
واتصلت مملكة الإشبانيين بعده إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكاً.
وكانت بطالقة آثار وعجائب غريبة؛ فمن ذلك صورة جاريةٍ من مرمر لم تسمع في الأخبار، ولا روى في الآثار، صورة أبدع منها في قالب جارية، كاملة القد، حسنة الجسم، جميلة الوجه، صور كل عضوٍ من أعضائها، وكل جاريةٍ، كاملة القد، حسنة الجسم، جميلة الوجه، صور كل عضوٍ من أعضائها، وكل جارحةٍ من جوارحها على أتم ما يكون، وأفضل ما يستحسن في جوارح المرأة حضنها صورة صبيٍ على مثلٍ من الحكمة والإتقان، وقد صورت حية تصعد من قدمها كأنها تريد نهش الصبي، فنظرها بين مصعد الحية ومكان الطفل كالمشفقة الحذرة يتبين ذلك في التقائها، ولو وقف الناظر لتأملها عامة نهاره لم يسأم ذلك ولا مله، لدقيق صنعتها وغريب حكمتها؛ وهذه الصورة موضوعة في بعض حمامات إشبيلية، وقد تعشقها جماعة من العوام، وشغف بها أناس من الطغام؛ فتعطلت أشغالهم، وانقطعت متاجرهم بالنظر إليها.
طبيرة
لا أدري أهي طلبيرة بزيادة لام أو غيرها، فإن كانت هي فهي مذكورة بعد.
طرسونة
بالأندلس، كانت مستقر العمال والقواد بالثغور، وكان أبو عثمان عبيد الله بن عثمان المعروف بصاحب الأرض اختارها محلاً، وآثرها على مدن الثغور منزلاً؛ وكانت ترد عليه عشر مدينة أربونة وبرشلونة، ثم عادت طرسونة من بنات تطلية عند تكاثر الناس بتطيلة، وإيثارهم لها، لفضل بقعتها، واتساع خطتها، وبينهما اثنا عشر ميلاً.
стр. 127
طرطوشة
من بلنسية إلى طرطوشة مائة ميل وعشرون أميال، مسيرة أربعة أيام.
وهي في سفح جبل، ولها سور حصين، وبها أسواق وعمارات وضياع وفعلة، وإنشاء للمراكب الكبار من خشب جبالها، وبجبالها خشب الصنوبر الذي لا يوجد له نظير في الطول والغلظ، ومنه تتخذ الصوارى والقرى، وهو خشب أحمر صافي البشرية بعيد التغير، لا يفعل فيه السوس ما يفعله في غيره من الخشب، ومنها إلى طر كونة خمسون ميلاً، وبينها وبين البحر الشأمى عشرون ميلاً.
وقصبة طرطوشة على صخرةٍ عظيمةٍ سهلة الأعلى، وفي الشرق من القصبة جبل الكهف وهو جبل أجرد والمصلى؛ والمدينة في غربي القصبة وجوفيها؛ وعلى المدينة سور صخرٍ من بناء بني أمية، على رسم أولى قديم؛ ولها أربعة أبواب، وأبوابها كلها ملبسة بالحديد، ولها أرباض من حومة الجوف والقبلة ودار الصناعة قد أحدق على ذلك كله سور صخرٍ حصين، بناه عبد الرحمن بن النظام، وبها جامع من خمس بلاطات، وله رحبة واسعة، بنى سنة٣٤٥؛ وبها أربعة حمامات، وسوقها في الربض القبلي جامعة لكل صناعة ومتجر، وهي باب من أبواب البحر، ومرقى من مراقيه، تحلها التجار من كل ناحية، وهي كثيرة شجر البقس، ومنا يفترق إلى النواحي، وخشبها الصنوبر له خاصية في الجودة تفوق جميع خشب الأمصار. وقصبة طرطوشة في المنعة والسمو
стр. 128
إلى حدٍ لم يستوفه بالصفة إلا عبد الملك بن إدريس الكاتب المعروف بالجزيرى، حين سجنه بها المنصور بن أبي عامر، فقال يصف حاله هناك من قصيدةٍ طويلةٍ مشهورةٍ كامل:
في رأس أجرد شاهقٍ عالي الذرى ... ما بعده لمؤملٍ من ممصر
يهوى إليه كل أعور ناعق ... وتهب فيه كل ريحٍ صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرةً ... من دهره يشكو انقطاع الأبهر
وأول هذا الشعر:
ألوى بعزم تجلدى وتصبرى ... نأى الأحبة واعتماد تذكر
شحط المزار فلا مزار ونافرت ... عينى الهجوع فلا خيال يعترى
وقصرت عنهم فاقتصرت على جوى ... لم يدع بالواني ولا بالمقصر
ومن أهل طرطوشة، الفقيه الإمام الزاهد، أبو الوليد الطرطوشى الفهرى؛ نزل الإسكندرية، صاحب التعلقة في الخلاف، وكتاب الحوادث والبدع وغير ذلك؛ سكن بغداد، وتفقه على أبي بكر الشاشى، وسمع بها الحديث وهو مالكى المذهب.
قالوا: وزهده أكثر من علمه، وانتفع به جماعة، وانجلب إليه أكثر من مائتي فقيهٍ مفتٍ؛ ومن كبار أصحابه أبو الطاهر بن عوف، وسند بن عنان الأزدى؛ وعاصر الغزالي، وله في إحيائه كلام، وكان منحرفاً عنه، سيئ الاعتقاد فيه وكانت وفاته بعد العشر والخمسمائة.
طركونة
بالأندلس، بينها وبين لاردة خمسون ميلاً. وطر كونة مدينة أزلية، قاعدة من
стр. 129
قواعد العمالقة، وجعلها قسطنطين في القسم الثالث من الأندلس، وأضاف إليها مدن ذلك القسم.
وهي مبنية على ساحل البحر الشأمى، ومعالمها باقية لم تتغير، وأكثر سورها باقٍ لم يتهدم، وهي أكثر البلاد رخاماً محكاً، وسورها من رخام أسود وأبيض، وقليلاً ما يوجد منثله؛ ومن الغرائب بطركونة أرحاء نصبها الأول، وتطحن عند هبوب الريح وتسكن بكسونها؛ وذكر أهل العلم باللسان اللطينى أن معنى طر كونه الأرض المشبهة بالمجنة وكانت في قديم الزمان خاليةً، لأنها كانت فيما بين حد المسلمين والروم؛ والأخياس بها كثيرة، ومبانيها كبيرة، وبها أساطين رفيعة، مما تضل الأوهام في حكمته، ويعجز المتكلفون اليوم عن صنعته. وذكر شيخ ثقة من أهل شبرانة، يقال له ابن زيدان، أنه كان يخرج في السرايا إلى تلك الناحية، فنزل في بعض خرجاته مع جماعة من أصحابه في البنيان الذي تحت مدينة طركونة، فأرادوا التحول منه فضلوا ولم يهتدوا منه لمخرج، وترددوا كذلك ثلاثة أيامن حتى هدوا في آخر اليوم الثالث لما أراد الله تعالى من إبقائهم. وزعم قوم أنهم وجدوا هناك بيوتاً مملوءةً قمحاً وشعيراً من الزمان السالفة، قد اسود حبه، وتغير لونه؛ وفي هذه المدينة يكمن المسلمون عند طلب الفرصة في الغزو، وفيها يكمن العدو أيضاً للمسلمين.
طريانة
من كور إشبيلية بالأندلس، كان بها الفنش بن فرذلند الطاغية واعد قواد
стр. 130
جيوشه للاجتماع فيها عام الزلاقة لمحاصرة ابن عباد بإشبيلية في سنة ٤٧٩، فأخلف الله ظنه، وعكس عليه أمله؛ وكان ما كان في الزلاقة من نصر الله تعالى للمسلمين والفتح لهم، فله الحمد؛ وقد مر ذلك في
رسم الزلاقة. ومن كلام عامة إشبيلية لفتكٍ وطريانة تؤدى الجعل! طريف اسم بلد جزيرة طريف، على البحر الشأمى، في أول المجاز المسمى بالزقاق، ويتصل غربها ببحر الظلمة؛ وهي مدينة صغيرة عليها سور ترابٍ؛ ويشقها نهر صغير، وبها أسواق وفنادق وحمامات؛ ومن جزيرة طريف إلى الخضراء ثمانية عشر ميلاً.
وكتب موسى بن نصير إلى الوليد يستأذنه في اقتحام الأندلس؛ فراجعه: خضها بالسرايا، ولا تغرر بالمسلمين في بحرٍ شديد الأهوال! فراجعه: ليس ببحرٍ زخارٍ إنما هو خليج يتبين للناظر ما خلفه! فجاوبه: وإن كان فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه! فبعث موسى رجلاً من وإليه من البربر اسمه طريف، كينى أبا زرعة، في أربعمائة رجل، معهم مائة فرس، في أربعة مراكب؛ فنزل بالخضراء التي هي معبر سفائهم؛ وهي التي يقال لها اليوم جزيرة طريف لنزوله بها؛ فأغار عليها، فأصاب سبياً، لم ير موسى ولا أصحابه مثله حسناً، ومالاً جسيماً، وأمتعة؛ وذلك سنة٩١.
طلبيرة
بالأندلس أيضاً، بينها وبين وادي الرمل خمسة وثلاثون ميلاً؛ وهي أقصى ثغور
стр. 131
المسلمين؛ وباب من الأبواب التي يدخل منها إلى أرض المشركين، وهي قديمة أزلية على نهر تاجه. وهي في الجزء الثالث من قسمة قسطنطين.
وهي مدينة كبيرة، وقلعتها أرفع القلاع حصناً، ومدينتها أشرف البلاد حسناً، وهو بلد واسع الساحة، كثير المنافع، به أسواق وديار حسنة؛ ولها على نهر تاجه أرحاء كثيرة، ولها عمل واسع، ومزارعها زاكية؛ وبينها وبين
طليطلة سبعون ميلا.
طلمنكة
مدينة بثغر الأندلس، بناها الأمير محمد بن عبد الرحمن؛ منها أحمد بن محمد بن عبد الله بن لب بن يحيى المعافرى الطلمنكى المقرى؛ وبينها وبين وادي الحجارة عشرون ميلاً.
طلياطة
بالأندلس، بينها وبين إشبيلية محلة من عشرين ميلاً، ومن طلياطة إلى لبلة محلة مثلها.
وفي جمادى الأولى من سنة ٦٢٢كانت الوقيعة على أهل إشبيلية بفحص طلياطة، فأغار الروم الغربيون على تلك الجهة، وغنموا ما وجدوا، وساقوا ما أصابوا، والعادل صاحب المغرب يومئذٍ بإشبيلية، ووزيره أبو زيد بن وجان، ومعهما أهل الدولة وأشياخ الأمر، ولا غناء لديهم، ولا مدفع عندهم، إذ كان الأمر قد أدبر ورونق الدولة قد
стр. 132
تغير. ومن نزلت به من الناس مصيبة أو أغير له على سرحٍ لم يرج مغيثاً ولا يجد نصيراً؛ وكان خبر هؤلاء الروم بلغ إشبيلية قبل ذلك بأيام، واجتمع جمع كثير من العامة في المسجد الجامع، فلما فرغ من صلاة الجمعة قاموا فصاحوا بالسلطان يحملونه على الخروج؛ فلما كان يوم السبت خرج المنادي ينادي الناس بالخروج، فأخذوا في ذلك وتجهزوا، وخرج بعضهم في ذلك اليوم، ولما كان يوم الأحد جد بالناس، فخرجوا على كل صعب وذلول، كبارهم وصغارهم، بسلاح وبغير سلاح كما يخرخون إلى نزههم في البساتين والجنات، فتكامل بعضهم في جهة طلياطة يوم الأحد، ولم يخرج معهم من الخيل إلا دون المائة؛ والروم في عددٍ ضخمٍ، عليهم الدروع، وبأيديهم السلحة، وأكثر جميع المسلمين بغير سلاح إلا ما لا قدرة له، وإنما هم أهل الأسواق والباعة؛ وكان في من خرج من الجند أبو محمد عبد الله بن أبي بكر بن يزيد، وهو أعلم بالحرب من هؤلاء الرعاع والغوغاء الذين لا يعقلون، فصاحوا به أن يسير إلى لقاء العدو، فأبى عليهم ونهاهم وحذرهم؛ فأبوا عليه إلا اللقاء، وسبوه، وآذوه بالقول؛ فزهمهم وانصرف عنهم، هو ومن كان معه من الخيل، إذ رأوا ما لم يروه، وعاينوا ما لم يعاينوه، وأبصروا ما لا طاقة لهم به؛ فلما رأى الروم ذلك مالوا على أولئك العامة، فلما رأوهم مستقبلين لهم أخذوا في الفرار، فوقع القتل بهم، فأفنى منهم بالقتل وأسر منهم كثير، وأفلت كثير؛ وكان الناس بعد يختلفون في مقدار من أتى القتل عليه من أهل إشبيلية والأسر، فمقلل ومكثر، فالمكثر يقول بلغوا عشرين ألفاً، وقيل دون ذلك، فالله أعلم. وخرج العادل من إشبيلية متوجهاً إلى حضرة مراكش في ذي القعدة من هذه السنة، وهي سنة ٦٢٢.
стр. 133
طليطلة
بالأندلس، بينها وبين البرج المعروف بوادي الحجارة خمسة وستون ميلاً، وهي مركز لجميع بلاد الأندلس، لأن منها إلى قرطبة تسع مراحل، ومنها إلى بلنسية تسع مراحل أيضاً، ومنها إلى المرية في البحر الشأمى تسع مراحل أيضاً.
وطليطلة عظيمة القطر، كثيرة البشر، وهي كانت دار الملك بالأندلس حين دخلها طارق؛ وهي حصينة، لها أسوار حسنة، وقصبة حصينة، وهي أزلية من بناء العمالقة، وهي على ضفة النهر الكبير، وقل ما يرى مثلها إتقاناً وشماخة بنيانٍ، وهي عالية الذرى، حسنة البقعة، ولها قنطرة من عجائب البنيان، وهي قوس واحدة، والماء يدخل تحتها بعنفٍ وشدة جرىٍ، ومع آخر القنطرة ناعورة، وارتفاعها في الجو تسعون ذراعاً، وهي تصعد الماء إلى أعلى القنطرة، ويجري الماء على ظهرها فيدخل المدينة.
وكانت طليطلة دار مملكة الروم، وكان بطليطلة بيت مغلق متحامى الفتح على الأيام، عليه عدة من الأقفال، يلزمه قوم من ثقات القوط قد وكلوا به لئلا يفتح، قد عهد الأول في ذلك إلى الآخر، فلما قعد لذريق ملكاً أتاه أولئك الموكلون بالبيت يسألونه أن يقفل على الباب فقال: لا أفعل حتى أعلم ما فيه ولا بد لي من فتحه! فقالوا: أيها الملك إنه لم يفعل هذا أحد قبلك! فلم يلتفت إليهم ومضى إلى البيت، فأعظمت ذلك العجم، وضرع إليه أكابرهم، فلم يفعل وظن أنه بيت مالٍ قد احترمته الملوك؛
стр. 134
ففض الأقفال عنه، ودخل، فأصابه فارغاً لا شيء فيه إلا تابوتاً عليه قفل، فأمر بفتحه فألفاه أيضاً فارغاً ليس فيه إلا شقة مدرجة صورت فيها العرب، عليهم العمائم وتحتهم الخيل العراب، متقلدى السيوف، متنكبى القسى، رافعي الرايات على الرماح، وفي أعلاها أسطر مكتوبة بالعجمية فقرئت فإذا فيها: إذ كسرت الأقفال عن هذا البيت، وفتح هذا التابوت، وظهر ما فيه من هذه الصور، فإن هذه الأمة المصورة في هذه الشقة تدخل الأندلس فتغلب عليها وتملكها! فوجم لذريق وندم على ما فعل، وعظم غمه وغم العجم بذلك، وأمر برد الأقفال، وإقرار الحراس، وأخذ في تدبير ملكه، وذهل عما أنذر به، إلى أن كان من أمر يليان عامل لذريق على سبتة وأمر ابنته في الخبر المشهور ما سبب إثارة عزمه على إدخاله العرب إلى الأندلس، إلى أن كان ذلك وسبب الل فتحها بسبب ذلك، وما بعد ذلك يذكر في غير هذا المكان.
ووجد أهل الإسلام فيها ذخائر عند افتتاح الأندلس، كادت تفوق الوصف كثرةً؛ فمنها مائة وسبعون تاجاً مرصعة بالدر، وأصناف الحجارة الثمينة، ووجد فيها ألف سيف مجوهر ملوكى، ووجد بها من الدر والياقوت أكيالاً وأوساقاً، ومن آنية الذهب والفضة وأنواعها مالا يحيط به وصف، ووجد بها مائدة سليمان بن داوود، وكانت فيما يذكر من زمردة، وهذه المائدة اليوم في مدينة رومية.
وزعم رواة العجم أنها لم تكن لسليمان، وإنما أصلها أن العجم، في أيام ملكهم، كان أهل الحسبة في دينهم، إذا مات أحدهم أوصى بمالٍ للكنائس، فإذا اجتمع عندهم ذلك
стр. 135
المال صاغوا منه آلات من الموائد والكراسي وغيرها، من الذهب والفضة، يحمل الشمامعة والقسوس فوقها مصاحف الأناجيل إذا أبرزت في أيام المناسك، ويضعونها على المذابح في الأعياد للمباهاة بزينتها، فكانت تلك المائدة بطليطلة مما ضيع في هذه السبيل، وبالغت الأملاك في تحسينها، يزيد الآخر منهم فيها على الأول، حتى برزت على جميع ما اتخذ من تلك الآلات؛ وطار الذكر بها كل مطار. وكانت مصوغةً من خالص الذهب، مرصعةً بفاخر الدر والياقوت والزبرجد، لم تر الأعين مثلها، فولع في تحسينها من أحل دار المملكة. وأنه لا ينبغي أن يكون بموضع آلة جمالٍ أو متاع مباهاةٍ إلا دون ما يكون فيها؛ وكانت توضع على مذبح كنيسة طليطلة فأصابها المسلمون هناك. وقصة اتصالها إلى سليمان بن عبد الملك ومنازعة موسى بن نصير وطارق مولاه في رحلتهما مشهورة.
قال ابن حيان: ومضى طارق خلف فرار أهل طليطلة، فسلك إلى وادي الحجارة، ثم استقبل الجبل فقطعه، فبلغ مدينة المائدة؛ والمائدة خضراء من زبرجدة، حافاتها منها، وأرجلها؛ وكان لها ثلاثمائة وخمسة وستون رجلاً، فأحرزها عنده.
وبطليطلة بساتين محدقة، وأنهار مخترقة، ودواليب دائرة، وجنات يانعة، وفواكه عديمة المثل؛ ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة، وقلاع منيعة؛ وعلى بعد منها في جهة الشمال، الجبل العظيم المعروف بالشارات، فيه من البقر والغنم الشئ الكثير، الذي يتجهز به الجلابون إلى سائر البلاد؛ ولا يوجد شئ من أبقاره وأغنامه إلا في
стр. 136
غاية من السمن، ولا يوجد مهزولاً ألبتة، ويضرب به المثل في ذلك في جميع الأقطار بالأندلس؛ وعلى مقربة من طليطلة قرية تسمى بمغام، وجبالها وترابها الطين المأكول يتجهز به منها إلى مصر والشأم والعراق. وليس على قرار الأرض مثله في لذة أكله، وتنظيف غسل الشعر به؛ وفي جبل طليطلة معادن الحديد والنحاس.
وزعموا أن اسم طليطلة باللطينى تولاظو معناه فرح ساكنوها، يريدون لحصانتها ومنعتها؛ وفي كتاب الحدثان كان يقال: طليطلة الأطلال، بنيت على الهرج والقتال؛ إذا وادعوا الشرك، لم يقم لهم سوقة ولا ملك؛ على يدي أهلها يظهر الفساد، ويخرج الناس من تلك البلاد.
ومدينة طليطلة قاعدة القوط ودار مملكتهم، منها كانوا يغزون عدوهم، وإليها كان يجتمع جيوشهم، وهي إحدى القواعد الأربع، إلا أنها أقدمهن؛ ألفتها القياصرة مبنيةً، وهي أول الإقليم الخامس من السبعة الأقاليم التي هي ربع معمور الأرض، وإليها ينتهي حد الأندلس، ويبتدئ بعدها الذكر للأندلس الأقصى، أوفت على نهر تاجه، وبها كانت القنطرة التي يعجز الواصفوان عن وصفها، وكان خرابها أيام الإمام محمد.
ومن خواص طليطلة أن حنطها لا تسوس على مر السنين، يتوارثها الخلف عن السلف، وزعفران طليطلة هو الذي يعم البلاد، ويتجهز به إلى الآفاق؛ وكذلك الصبغ السماوي.
وأول من نزل طليطلة من ملوك الأندلس لوبيان، وهو الذي بنى مدينة رقابل،
стр. 137
وهي على مقربة من طليطلة، وسماها باسم ولده؛ ومنها ولى الأساقفة على الكور، وبها مجتمعهم للمشورة، وكان عددهم ثمانين أسقفاً لثمانين مدينة من حوز الأندلس، كجليقية وطر كونه وقرطباجنة، وكانت قبل ولايته فرقاً، فائتلف أمر الناس وانقطع الخلاف، وأحبه الخاص والعام؛ وهو الذي بنى الكنائس الجليلة، والمعالم الرفيعة، وبنى الكنيسة المعروفة بالمردقة، واسمه مزبور على بابها، وهي بين حاضره إلبيرة ووادي آش.
وبطليطلة ألفيت ذخائر الملوك، وعلى مقربة من طليطلة قرية قنيشرة، وهي حارتان فيهما عينا ماء، إذ نضبت أحداهما جرت الأخرى، هذا دأبهاما كل عامٍ، وهما يتعاقبان لا يجريان في زمانٍ واحدٍ، وغربيها على نحو عشرين ميلاً منها تمثالان عظيمان على صورة طورين قد نحتا من حجرٍ صلدٍ. وذكر بعض المؤرخين أن طارقاً لما غزا طليطلة اعترض جنده وهو راكب أحدهما. قالوا: لمامضى طارق بن زياد إلى طليطلة دار مملكة القوط ألفاها خاليةً، وقد فر أهلها عنها، فضم إليها اليهود وخلى بها رجالاً من أصحابه، ومضى خلف فرار أهل طليطلة، فسلك إلى وادي الحجارة، ومنه اقتحم ارض جليقية فخر بها ودوخ الجهة، ثم انصرف إلى طليطلة، وذلك في سنة ٩٣ من الهجرة.
وفي سنة ٤٥٠ نتجت بغلة بطليطلة فلواً في صور مهرٍ، وكانت بغلة كميتا لبعض السقائين، فتشاءم به النصارى، ولم يزالوا يختلونه حتى عقروه؛ وبقلة العهن من جوفي طليطلة على خمسة وعشرين ميلاً منها بئر لا يعرف فيها قط علق، فنبشت في بعض السنين ليكثر ماؤها، فكثر العلق فيها كثرةً مفرطةً، فنظروا فيما
стр. 138
استخرجوه من نبشها فإذا فيه علقة نحاسٍ، فردت في البئر فانقطع العلق منها. وقيل إنما ذلك في حصن وقش في عينٍ نحو الحصن. وفي قريةٍ على عشرة أميالٍ من طليطلة في طريق مجريط بئر معروفة، إذا شرب من مائها المعلوق أسقطت العلق، إنساناً كان أو دابةً أو غير ذلك.
وكان أخذ النصارى لطليطلة في منتصف محرم سنة ٤٧٨.
طيلاقة
بينها وبين إشبيلية ميلان.
стр. 139
حرف العين
عفص
بالأندلس، بقرب مرسية، فيها كانت وقيعة للروم على أهل مرسية في رجبها، ذهب فيها من أهل مرسية بين قتيل وأسير نحو أربعة آلاف رجل؛ وكان الروم أغاروا على تلك الجهة، فخرج إليهم أهل مرسية، وكانوا عاثوا على أهل إشبيلية مثلهان حين وقعت عليهم الهزيمة بفحص طلياطة، ونسبوهم إلى الضعف والخور وقلة الدربة بالحروب، فلم تمض الأيام حتى امتحنهم الله بهذه الوقيعة؛ وكان صاحب جيش هذا اليوم أبو علي بن أشرقى.
قال صاحب الملتمس: كائنة عفص هي أخت كائنة طلياطة المتقدمة في سنة ٦٢١، كانت هذه في غرب الأندلس وهذه في شرقها، وكان عباد الصليب قد وصلوا إلى عفص من عمل مرسية، فخرج عسكر مرسية ومعهم العامة، فقتل منهم كثير وأسر منهم كثير. وفيها يقول أحد المرسيين متقارب:
موقعة عفص وطلياطة ... تكامل إقبال أيامنا
فبالغرب تلك وبالشرق ذى ... أناخا على شم أعلامنا
وفي وسط الأرض قيجاطة ... ولوشة قما بأحلامنا
стр. 140
وليس الصليب يرى جائعاً ... تواتر أعدا ... منا
وسيدنا ناظر في الجواز ... يروم النجاة بإسلامنا
العقاب
بكسر العين بالأندلس بين جيان وقلعة رباح، كانت في هذا الموضع موقعة عظيمة، وهزيمة على المسلمين شنيعة؛ في منتصف صفر من سنة ٦٠٩. وذلك أن الملك الناصر أمير المؤمنين، محمد بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب، كان تحرك من مراكش إلى الأندلس، فأحل بإشبيلية، ثم تحرك منها إلى قرطبة، ثم نزل على حصنى شلبطرة واللج فحاصرهما، وضيق عليهما. فملك حصن اللج أولاً، ثم حصن شلبطرة، ونصب عليها المجانيق الضخام، ورمبت بالحجارة الضخمة حتى ملكها على رغم الإذفونش صاحب طليطلة وقشتيلة، ولم يكن له يومئذٍ قدرة على دفاعه. وكان ذلك في سنة٦٠٨، حتى انتصف في العام الذي يليه في هذه الوقيعة. وكان الملك الناصر أعجب بفتح شلبطرة وكتب بذلك إلى الآفاق، وخفى عنه ما فرط الغيوب من خبر العقاب، ورجع إلى إشبيلية ظافراً غانماً، ثم استغاث الإذفونش بأهل ملته، وحثهم على حماية دينهم، فاستجابوا وانثالوا عليه من كل مكان.
وخرج إليه الناصر من إشبيلية في العشرين من محرم سنة٦٠٩ بحشود لا غرض لهم في الغزو، وقد أمسكت أرزاقهم، وقتر عليهم، مع ما كان من قتله لابن قادس صاحب قلعة رباح، بسبب إسلامه القلعة للنصارى، من غير أن يسمع حجته،
стр. 141
وإخراجه من مجلسه الحشود الأندلسية غضباً عليهم، ومخادعة النضارى لباقي الأجناد باشتهار الصلح والعمل على ضده، حتى خالطوهم على غفلة، فأخذ المسلمون في فرارٍ ما سمع بمثله، وكان ذلك في العقاب بين بجيان وقلعة رباح، في منتصف صفر من سنة٦٠٩ كما ذكرناه، وكانت شنيعةً؛ وفر الناصر لا يلوى على شئ حتى وصله إشبيلية، وتبعهم العدو حتى حال بينهم الليل، وأخذوا خباء الساقة، وماتت تحتهم الخيل، فمشى ودافع بكل طريق سلكوه، ومنهاج وردوه، وأتى القتل على خلقٍ كثيرٍ من المسلمين، وقتل فيها من الأعيان والطلبة جملة، منهم على بن الغانى الميورقى وابن عاتٍ الفقيه وغيرهما؛ وكان فرس الملك الناصر بادناً فلم يطق الحركة، فنزل له بعض العرب عن فرسه وقال له: اركبه فهو خير لك من هذا! وكان أمر أبا بكر بن عبدب الله بن أبي حفص بالوقوف تحت الراية، وحملت الروم فقصدت الراية ظنا منها أن الناصر عندها، فوضعت السيف فيمن واجهها، فقتلت خلقاً، وقتل أبو بكر هذا، وانهزم الناس، واستولى العدو على جميع المحلة وأكثر مضاربها.
ثم استولى الروم بعد ذلك على مدينتي بسطة وباغو، وما جاورهما من القرى والحصون، وقتلوا الرجال وسبوا الذرية، وكانت هذه الوقيعة أول وهنٍ دخل على الموحدين. فلم تقم بعد ذلك لأهل المغرب قائمة؛ ولما انتهى الناصر إلى إشبيلية آنس البلاد بخطاب كتبه إليهم بزخرفه الكاذب، ثم جاز البحر إلى مراكش فتوفى في قصره من مراكش سنة٦١٠؛ قيل عضه كلب وقيل غير ذلك.
стр. 142
حرف الغين
غافق
بالأندلس بقرب حصن بطروش.
وهو حصن حصين، ومعقل جليل، في أهله نجدة وحزم، وجلادة وعزم؛ وكثيراً ما تسرى إليهم سرايا الروم، فيستنقذون منهم غنائمهم، ويخرجونهم من أرضهم، والروم تعلم بأسهم وبسالتهم فيجتنبونهم.
стр. 143
حرف الفاء
فحص البلوط
الترجمة في حرف الباء
بالأندلس من ناحية قرطبة، منه القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي. كان متفنناً في ضروب من العلوم، وكانت له رحلة لقى فيها جماعةً من العلماء في الفقه واللغة، وكان كثير المناقب والخصال الحميدة غير مدافع، مع ثبات الجنان وجهارة الصوت وحسن الترتيل؛ وله تفسير على الكتاب العزيز.
ومما جرى له مع عبد الرحمن الناصر أمير المؤمنين أنه بنى قبةً واتخذ قراميد القبة من فضة، وبعضها مغشى بالذهب. وجعل سقفها نوعين صفراء فاقعة، وبيضاء ناصعة؛ يستلب الأبصار شعاعها؛ فجلس فيها إثر تمامها لأهل مملكته، وقال لقرابته ووزرائه مفتخراً عليهم: أرأيتم أم سمعتم ملكاً كان قبلى صنع مثل ما صنعت؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنك لأوحد في شأنك! فبينما هم على ذلك، إذ دخل منذر بن سعيد واجماً ناكساً رأسه؛ فلما أخذ مجلسه قال له ما قال لقرابته، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته وقال له: والله! يا أمير المؤمنين! ما ظننت أن الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله تعالى وفضلك به على المسلمين، حتى ينزلك منازل الكافرين! فاقشعر عبد الرحمن من قوله، وقال له: انظر ما تقول! كيف أنزلني منازلهم؟ قال: نعم! أليس الله تعالى
стр. 144
يقول: " ولولا أن يكون الناس أمةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضةٍ ومعارج عليهم يظهرون الآيات. فوجم الخليفة عبد الرحمن ونكس رأسه ملياً، ودموعه تنحدر على لحيته خشوعاً وتذمما لما جرى، ثم أقبل على منذر بن سعيدٍ، وقال له: جزاك الله عنا وعن الدين خيراً، وكثر في الناس أمثالك! فالذي قلت، والله! والله هو الحق! وقام من مجلسه ذلك يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سقف القبة، وأعاده قرمداً على صفةٍ غيرها.
ومن أخباره أن الناصر لدين الله أمره بالخروج للاستقاء، فخرج واجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة، بارزين إلى الله تعالى، في جمع عظيمٍ، ثم قام منذر بن سعيدٍ باكياً، خاشعاً لله تعالى، فخطب فقال: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثم تاب من بعده واصلح فأنه غفور رحيم! ثم قال: " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً "، قال: فضج الناس بالبكاء، وارتفعت أصواتهم بالاستغفار، والتضرع إلى الله تعالى بالسؤال، فما تم النهار حتى أرسل الله السماء بماءٍ منهمرٍ.
وكان ﵀، على متانة دينه، وجزالته في أحكامه، حسن الخلق، كثير الدعابة، ربما ارتاب بباطنه من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيب من دينه ثار به ثورة الليث العادي، قيل له: إن قوماً من جيران أحد المتحاكمين من أهل ربض الرصافة، قد تألبوا معه على خصمه، وأعانوه بشهادةٍ مدخولةٍ، وهم غادرون بها عليك! وكان كثيراً
стр. 145
ما تأتيه عيونه بمثل ذلك، فغدوا عليه بمجلس نظره، وكانت أسماء جميعهم متفقةً في الوزن على مثال فعلون، فأخذوا مواضعهم، وقام الذين يشهدون له؛ فلما رأى القاضي أسماءهم قال رافعاً صوته: يا ابن صيفون، ويا ابن زيدون، ويا ابن سحنون، من الربض الملعون، ألقوا ما أنتم ملقون! فلما سمعوا قوله لاذوا عن الشهادة، وخرجوا متسللين؛ فكفى شأنهم.
وكان نظاراً لا يقنع بالتقليد؛ ومن قوله في استقصار هذه الفرقة طويل:
عذيرى من قومٍ إذا ما سألتهم ... دليلاً يقولوا هكذا قال مالك
فإن زدت قالوا قال سحنون مثله ... وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن قتلت قال الله ضجوا وأعولوا ... على وقالوا أنت خصم مماحك
ونوادره كثيره.
الترجمة في حرف الفاء
بالأندلس، بينه وبين قرطبة مرحلتان أو ثلاث، ومن هذا الفحص جبل البرانس وفيه معدن الزئبق، ومن هناك يحمل إلى الآفاق؛ وبهذا الجبل الزيتون المتناهى في الجودة؛ وبموضع بقرب من معدن الزئبق جبل يعرف بجبل المعز، في شعراء هنالك حجر يسمى حجر العابد، في وسطه قلة، وهي حفرة على قدر الصحفة بمقدار ما يدخل الإنسان فيها يديه، ويملؤهما من ماء هناك، فيشرب أو يصنع به ما احتاج إليه، فيأتي إيه البقر الكثير فيكفيهم، ويرجع إلى حجه لا يغيض ولا يغور؛ وذكر من رآه أنه جاءه في نيفٍ وثلاثين رجلاً أو نحو ذلك، وهذا معروف هناك.
следующие страницы →