Полный текст (601 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
والقريب بين الغرباء شاعر
أجل ما يبتغي يوماً ويكتسب ... ويجتنى من حلا الدنيا وينتخب
علم شريف عميم النفع قد رفعت ... لحامليه بآفاق العلا رتب
إن عاش عاش جميلاً سامياً أبداً ... لا يستضام ولا ينسى فيجتنب
وإن تمت فثناء شائع حسن ... وبعده رحمة ترجى وترتقب
آخر
العلم أعلى من الأموال منزلة ... لأنه حافظ والمال محفوظ
وقالوا العلم عز لا يبلى جديده وكنز لا يفنى مزيده وقال ابن المقفع تعلموا العلم فإن كنتم ملوكاً فقتم وإن كنتم أوساطاً سدتم وإن كنتم سوقة عشتم وقالوا لو لم يكن من شرف العلم إلا أن الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك لكفى بذلك شرفاً وقال بعضهم
العلم فيه جلالة ومهابة ... والعلم أنفع من كنوز الجوهر
تفنى الكنوز على الزمان وصرفه ... والعلم يبقى باقيات الأعصر
ويحتاج طالب العلم إلى ستة أشياء فراغ وجده وجد واستاذ وطول عمر ومعونة من الله تعالى وهذا ملاكها الذي لا بد منه ولا غناء لأحد عنه نظم ذلك الشاعر فقال
أصخ لي فليس العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وارشاد استاذ وطول زمان
وقالوا العلم ميت يحييه الطلب فإذا حيى فهو ضعيف يقويه الدرس فإذا قوي بالدرس فهو محتجب تظهره المناظرة فإذا ظهر فهو عقيم نتاجه العمل
стр. 107
شاعر
العلم من شرطه لمن خدمه ... أن يجعل الناس كلهم خدمه
وواجب حفظه عليه كما ... يحفظ ما عاش ماله ودمه
ومن حوى العلم ثم أودعه ... غير محب له فقد ظلمه
وكان كالمبتنى البناء إذا ... تمّ له ما أراده هدمه
الفصل الثاني من الباب الثالث
في ذكر الفعل الرشيد
في ذكر الفعل الرشيد ... الدال على العقل المشيد
قالوا العقل أصل لكل محمود من الأخلاق فإذا عدم الأصل فلا بقاء للفرع مع عدم الأصل وقيل للحسن بن علي ﵄ متى يكون العاقل عاقلاً قال إذا عقله عقله عما لا ينبغي فهو عاقل وقال علي بن عبيدة الزنجاني العقل ملك والخصال الحسنة رعيته فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها وقال بعض الحكماء الملائكة روح وعقل والبهائم نفس وهوى والإنسان يجمع الكل ابتلاء فإن غلب الروح والعقل على النفس والهوى فضل الملائكة وإن غلبت النفس والهوى على الروح والعقل فضلت البهائم فالعاقل من ذاد عن مراتع الهوى نفسه وكفها عن شهوات تقرب إليه رمسه قال رسول الله ﷺ حبك الشيء يعمى ويصم وقالوا الهوى خادع للألباب صارف عن الصواب صاحبه أعمى مبصر أصم سميع وقالوا الهوى أشأم دليل وألأم خليل وأغشم وال وأغش موال يكذب العيان ويقلب الأعيان ويجلب الهوان وقال أبو بكر بن دريد
وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا
стр. 108
وقال بعض الصالحين الهوى مركب ذميم يسير بك في مضلات الفتن ومرتع وخيم يقعدك في مواطن المحن ويعلقك في حبائل الأحن ويقال من كان لعنان هواه أملك كان لطرق الرشاد أسلك ويقال بغلبة سلطان العقل على الهوى ينال السودد وقال شاعر
واعلم بأنك لن تسود ولن ترى ... طرق الرشاد إذا اتبعت هواكا
آخر
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى كلّ ما فيه عليك مقال
ويقال عبد الهوى أذل من عبد الرق وقالوا أعقل الناس من عصى مراده ولم يعط الهوى قياده شاعر
إنّ الردى تبع الهوى ... ومن الهوى حلو ومرّ
اقنع بعيشك ترضه ... واملك هواك وأنت حر
وقال علي بن الحسين المغربي
ما للمطيع هواه ... من الملام ملاذ
فاختر لنفسك إمّا ... عرض وإمّا التذاذ
وقال حكيم لولده اعص هواك وأطع من شئت قال بعضهم
إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى ... فقد ثكلته عند ذاك ثواكله
وقد أشمت الأعداء حقاً بنفسه ... وقد وجدت فيه مقالاً عواذله
стр. 109
آخر وأجاد
إذا ما دعتك النفس يوماً لشهوة ... وكان عليها للحرام طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدوّ والخلاف صديق
وقالوا كم من عقل أسير عند هوى أمير شاعر
وعاص الهوى المردى فكم من محلق ... إلى النجم لما أن أطاع الهوى هوى
ولبعضهم
وما يزع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس الأحازم الرأي كامله
وقالوا أعدل الناس من أنصف عقله من هواه ومنع نفسه مما يكون سبباً لبلواه ولحظ الأشياء بعين فكره واضماره فعلم من ورود الأمور عاقبة إيراده وإصداره فيحسن بأفعاله حمد الأوداء ويأمن في ماله كيد الأعداء كما حكى أن نصيباً دخل على عبد الملك بن مروان فتغدى معه فلما رأى عبد الملك ظرفه وأدبه قال له هل لك فيما نتنادم عليه قال يا أمير المؤمنين لوني حائل وشعري مغلغل وخلقي مشوه ووجهي قبيح ولم أبلغ ما بلغت من اكرامك إياي لا لشرب أب ولا كرم أم وإنما بلغته بعقلي ولساني فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تحول ببني وبين ما بلغت به هذه المنزلة عندك فأعفاه وما أحسن قوتذ الحيرارزي مشيراً إلى قول نصيب
أرى الكأس تذهب عقل الفتى ... فيذهل عن كل مستمتع
ولولا ابتهاجي بكم لم أكن ... لأشرب أكثر من أربع
وقالوا سرور فقلت السرور ... بأن تتركوني وعقلي معي
وقال آخر
رطلان لا أزداد فوقهما ... في الشرب إن حضروا وإن وحدي
فليغتفر لي من ينادمني ... إني أحث عواقب الرشد
وأريد ما يقوى به بدني ... وأجانب الأمر الذي يردي
стр. 110
وعلى ذكر ما ينتج من شرب الخمر من زوال الذهن وذهاب العقل فحسن قول من قال الخمر مصباح السرور ولكنها مفتاح الشرور وقول أبي الفضل المنكالي
عيرتني ترك المدام وقالت ... هل جفاها من الرجال لبيب
هي تحت الظلام نور وفي الأك ... باد برد وفي الخدود لهيب
قلت يا هذه عدلت عن النص ... ح وما للرشاد فيك نصيب
إنها للستور هتك وفي الأل ... باب فتك وفي المعاد ذنوب
وقال رجل لابنه وهو يتعاطى الشراب احذره فإنه قئ في شدقك أو سلح على عقبك أو حد في ظهرك وقال الحصنكي ذاكراً لهذه العيوب
ونديم بت أعذله ... ويرى عذلي من العبث
قلت إنّ الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث
قلت منها القئ قال نعم ... شرفت عن مخرج الخبث
قلت للأزمات تشربها ... قال طيب العيش في الرفث
وقريب من هذا ما حكى إن الحجاج وفد على الوليد بن عبد الملك فلما كان بعد أيام وقد أخذا يتجاذبان أذيال المذاكرة فقال له الوليد هل لك في الشراب قال يا أمير المؤمنين ليس محظوراً مداخلة أمير المؤمنين ولكني أمنع أهل عملي منه وأكره أن أخالف قول العبد الصالح لقومه وما أريد أن أخالفكم إلى ما انهاكم عنه فاستحسن ذلك منه وأعفاه وقال إسحق ابن إبراهيم الموصلي دخلت على الهادي فقال غنني صوتاً أطرب منه ولك حكمك فغنيته
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
стр. 111
فقال أحسنت والله وضرب بيده إلى دراعته فشق منها ذراعاً فقال زدني فغنيته
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر
فقال أحسنت ثم ضرب بيده إلى دراعته فشق منها ذراعاً آخر فقال له زدني فغنيته
هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
فقال أحسنت وشق باقي دراعته من شدة الطرب ثم رفع طرفه إلي وقال لي تمن واحتكم فقلت أتمنى عين مروان قال إسحق فرأيته وقد دارت عيناه في رأسه حتى خلتهما جمرتين ثم قال يا ابن اللخناء أتريد أن تشهرني بهذا المجلس وتجعلني سمراً وحديثاً يقول الناس أطربه فوهبه عين مروان أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحة عقلك لألحقتك بمن غبر من أهلك ثم أطرق اطراق الافعوان فرأيت ملك الملك بيني وبينه ينتظر أمره في ثم رفع رأسه ودعا بابراهيم بن ذكوان وقال له خذ بيد هذا الجاهل وأدخله بيت المال فإن أخذ ما فيه فدعه وإياه قال إسحق فدخلت وأخذت ما يساوي عين مروان أضعافاً وما أحسن ما قال بعض البلغاء يصف إنساناً بصيراً بالعواقب فلان يعرف من مبادئ الأحوال خواتيم الأعمال ومن صدور الأمور إعجاز ما في الصدور وقال آخر فلان يرى العواقب في مرآة فكره فلا يشتبه عليه نفعه بطمره نادرة قيل لبعض المجانين هل لك في الشراب فقال إن العاقل يشرب الخمر حتى يتشبه بي فأنا إذا شربته فبمن ذا أتشبه وأحسن منها ما يحكى إن أعرابياً راود امرأة عن نفسها فأنعمت له فلما قعد بين شعبتيها قام عنها ولم يقض وطرا ولا عفى من غرضه أثراً فقالت له يا هناه ما الذي عراك وقد بلغت مناك فقال إن رجلاً يبيع جنة عرضها السموات والأرض باصبعين بين فخذيك لقليل الخبرة بالمساحة والعاقل من اهتدى بمشورة نصحائه وكشف لهم عن مستور أغراضه وانحائه قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله فهذا الخطاب لمحمد ﷺ ليعلم
стр. 112
أصحابه ما في المشورة من البركة لا لحاجة منه لرأيهم إذ هو للؤيد في حركاته وسكناته بالوحي من ربه والمستغني بما يلقي في روعه من الرأي المصيب عن آراء صحبه قال الحسن البصري إن الله لم يأمر نبيه ﷺ بمشورة أصحابه لحاجة به إلى رأيهم وإنما أراد أن يعرفهم ما بالمشورة من البركة وقال ﵊ المشورة حصن من الندامة وأمن من الملامة وقال عمر بن الخطاب ﵁ الرجال ثلاثة رجل ينظر في الأمور قبل أن تقع فيصدرها مصادرها ورجل متوكل لا يتأمل فاذا نزلت به نازلة شاور أصحاب الرأي وقبل قولهم ورجل حائر بائر لا يأتم رشداً ولا يطيع مرشداً وقالوا مادة العقل من العقول كمادة الأنهار من السيول وقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه نعم الموازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد وقال حكيم لولده يا بني إن رأيك إن احتجت إليه وجدته نائماً ووجدت هواك يقظان فإياك أن تستبد برأيك فيغلبك حينئذ هواك وقالوا الخطأ مع الاستشارة أحمد من الاصابة مع الاستبداد ويقال إذا استخار العبد ربه واستشار صديقه واجتهد رأيه فقد قضى ما عليه ويقضي الله في أمره ما أحب وقالوا من استغنى برأيه فقد خاطر بنفسه وقالوا عليك بالمشورة فانها تأمر بالتي هي أحسن وتهدي للتي هي أقوم وقالوا لا تستبد بتدبيرك ولا تستخف بأميرك فمن استبد بتدبيره زل ومن استخف بأميره ذل وقالوا من شاور الأخلاء أمن من كيد الأعداء ومن أمثالهم زاحم بعود أودع وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر من أبيات
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه
وإن ناصح منك يوماً دنا ... فلا تنأ عنه ولا تقصه
ولآلمعر
إنّ اللبيب إذا تفرّق أمره ... فتق الأمور مناظراً ومشاوراً
وأخو التكبر يستبدّ برأيه ... وتراه يعتسف الأمور مخاطراً
стр. 113
بشار بن برد
إذا بلغ الرأي المشورة فاستنر ... برأي نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوّة للقوادم
وما خير كف أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم
آخر
لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا بدا من ناقص
فالدرّ وهو أجلّ شيء يقتنى ... ما حط رتبته هوان الغائص
آخر
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تلقى كفاحاً ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة
آخر
تأنّ وشاور فإنّ الأمو ... ر منها مضئ ومستغمض
فرأيان أفضل من واحد ... ورأي الثلاثة لا ينقض
قال بزرجمهر أفره الدواب لا غنى له عن السوط وأعقل النساء لا غنى لها عن الزوج وأدهى الرجال لا غنى له عن المشورة
فمن يعتمد عليه في المشورة ... من تكون النفس بآرائه مسرورة
قالوا لا تدخل في مشورتك بخيلاً في عطاء فيقصر بك ولا جباناً في حرب فيخوفك ولا حريصاً في بذل فيصدك فان البخل والجبن والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن بالله قيل استشار زياد رجلاً فقال حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر واختبار متظاهر ولا أراني كذلك
стр. 114
قال الشاعر
خصائص من تشاوره ثلاث ... فخذ منها جميعاً بالوثيقه
وداد خالص ووفور عقل ... ومعرفة بحالك في الحقيقه
فمن حصلت له هذي المعاني ... فتابع رأيه والزم طريقه
وقال آخر
إذا الأمر أشكل انفاذه ... ولم تر منه سبيلاً نجيحا
فشاور لأمرك في ستره ... أخاك اللبيب الشفيق النصيحا
آخر
وإذا الأمور عليك يوماً اشكلت ... فاعمد لرأي أخ نصيح مرشد
واحفظ نصيحة من بدا لك ودّه ... وبرأي أهل الخير جهدك فاهتد
آخر
فما كل ذي ودّ بموليك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب
وقال الأحنف بن قيس لا تشاور المعزول فإن رأيه مغلول وقالوا لا تشاور الجائع حتى يشبع ولا العطشان حتى يروى ولا الأسير حتى يطلق ولا المقل حتى يجد ولا الراغب حتى ينجح وقال أفلاطون إذا استشارك عدوك فجرد له النصيحة لأنه قد خرج بالاستشارة من عداوتك إلى موالاتك ولما نوى ابن أبي مريم قاضي مرو أن يزوج ابنه استشار جاراً له مجوسياً فقال سبحان الله يستفتونك وأنت تستفتيني قال لا بد أن تشير علي فقال إن كسرى رئيس
стр. 115
الفرس كان يختار المال وقيصر رئيس الروم كان يختار الجمال ورئيس العرب كان يختار النسب ومحمداً نبيكم كان يختار الدين فانظر بمن تقتدي وقالوا لا تشاور بخيلاً في صلة ولا جباناً في حرب ولا شاباً في جارية وقال بعض الحكماء عليكم بمشورة من حلب ضرع دهره ومرت عليه صروف خيره وشره وبلغ من العمر أشده ومن التجربة أورى زنده ولذلك كانت العرب تقتدي برأي الشيوخ وتعتمد في النوازل على مشورة الكهول لما يوجد فيهم من أصالة الرأي واصابة الحدس وصحة النظر مع ما منحوا من حسن الاختبار وسمت الوقار، وقد عدل قوم عن هذا المرتع ونزعوا غير هذا المنزع فجعلوا للشباب أيسر الأقسام من توقد الفطنة وأوفر السهام من نشاط النفس وقوة المنة فربما قصرت عن مقاومتهم الكهول ولجأت إليهم في كثير من تنقيح الفروع والأصول لتوفر غريزة العقل فيهم وحدة الخاطر التي ترشدهم إلى الصواب وتهديهم ولهذا قال الشاعر
رأيت العقل لم يكن انتهابا ... ولا يقسم على عدد السنينا
ولو أن السنين تقسمته ... حوى الآباء أنصبة البنينا
وكان بعض الحكماء يقول عليكم بآراء الأحداث ومشورة الشبان لان لهم اذهاناً تقد القواصل وتحطم الذوابل وقالوا آراء الشبان خضرة نضرة لم يهصر غصنها هرم ولا أذوى زهرها قدم ولا خبا من ذكائها بطول المدة ضرم وقال الشاعر
عليكم بآراء الشباب فانها ... نتائج ما لم يبله قدم العهد
فروع ذكاء تستمد من النهى ... بأنور في الآراء من قمر السعد
ومن أحسن ما قيل في مدح شاب غزير العقل كثير الفضل طاهر الفعل قول الشاعر
أدركت ما فات الكهول من الحجا ... في عنفوان شبابك المستقبل
وإذا أمرت فلا يقال لك اتئد ... وإذا قضيت فلا يقال لك اعدل
стр. 116
وقيل بل العاقل من أخذ بالاستبداد في الأمور وأجراها مختاراً على حكم القضاء المقدور قال المهلب بن أبي صفرة لو لم يكن في الاستبداد بالرأي الا صون السر وتوفير العقل لوجب التمسك به وقال بزرجمهر أردت نصيحاً أثق به فما وجدت غير فكري واستضأت بنور الشمس والقمر فلم أستضئ بشيء أضوأ من نور قلبي وقال علي بن الحسين ﵄ الفكر مرآة ترى المؤمن سيآته فيقلع عنها وحسناته فيكثر منها فلا تقع مقرعة التقريع عليه ولا تنظر عين العواقب شزراً إليه وقال عبد الملك ابن صالح ما استشرت أحداً قط إلا تكبر علي وتصاغرت له ودخلته العزة ودخلتني الذلة فعليك بالاستبداد فان صاحبه جليل في العيون مهيب في الصدور وإنك متى استشرت تضعضع شأنك ورجفت بك أركانك وما عز سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصحائه فإياك والمشورة وإن ضاقت عليك المذاهب واشتبهت لديك المسالك وأنشد
فما كل ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب
وقال عبد الله بن طاهر ما حك ظهري مثل ظفري ولان أخطئ مع الاستبداد ألف خطا أحب إلي من أن أستشير فالحظ بعين النقص والتقصير وما أصدق قول القائل
ليس احتيال ولا عقل ولا أدب ... يجدي عليك إذا لم يسعد القدر
ولا توان ولا عجز يضرّ إذا ... جاء القضاء بما فيه لك الخير
وعلى المستبد أن يتروى في رأيه فإن أفضل الرأي ما أجادت الفكرة نقده وأحكمت التروية عقده وقالوا كل رأي لم تتمخض به الفكرة ليلة كاملة فهو مولود لغير تمام شاعر
إذا كنت ذا رأي فكن ذا اناءة ... فإنّ فساد الرأي أن تتعجلا
وما العجز إلا أن تشاور عاجزاً ... وما الحزم إلا أن تهم فتفعلا
стр. 117
وقال شاعر في مستبد
ذهب الصواب برأيه فكأنما ... آراؤه خلقت من التأييد
وإذا دجا خطب تبلج رأيه ... صبحا من التوفيق والتسديد
وقالوا فلان الخير معقود في نواصي آرأيه واليمن منقاد في نواحي أنحائه فلان إذا أذكى سراج الفكر أضاء ظلام الأمر وقال ابن العميد العاقل من استنتج في كل أمر خاتمته وعلم من كل بدء عاقبته وطالع بقلبه من كل غصن ما يخفى منه ومن كل زرع ما يحصد عنه ولله من قال مادحاً اصابة الرأي
وذو يقظات مستمرّ مريرها ... إذا الدهر لاقاها اضمحلت نوائبه
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه
وأين يفرّ الحزم منه وإنما ... مرائي الأمور المشكلات تجاربه
وقال أبو عبادة البحتري في سليمان بن عبد الله
يريك بالظنّ ما فاق اليقين به ... إذا تلبس دون الظن ايقان
كأن آراءه والحزم يتبعها ... تريه كل خفيّ وهو اعلان
ما غاب عن عينه فالقلب يكلؤه ... وإن تنم عينه فالقلب يقظان
ومنها
يرى العواقب في أثناء فكرته ... كأنّ أفكاره بالغيب كهان
لا فكرة منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دورة ألا لهاشان
وله
يريك بالظنّ ما قلّ اليقين به ... والشاهدان عليه العين والأثر
كأنه وزمام الدهر في يده ... يرى عواقب ما يأتي وما يذر
стр. 118
آخر
بديهته وفكرته سواء ... إذا ما نابه الحطب الخطير
واحزم ما يكون الدهر يوما ... إذا عجز المشاور والمشير
والعاقل من نصب من تحيله الحبائل واقتنص بها شوارد المطالب والوسائل
قالوا بالحيلة يستنزل الطير من جو السماء ويستخرج الحوت من جوف الماء فمن المحي في ذلك ما ذكر إن رجلين وثبا على أحد مرازبة كسرى أنوشروان فقتلاه ولم يعرفا فخشى إن هو لم يقتلهما به كان ذلك عاراً عليه وعجزا ينسب إليه فقال في مجمع من الناس إن من قتل المرزبان لعظيم القدرة شديد البأس ولو ظهر لجازيناه بما يستحق ورفعناه على الناس فلما بلغهما كلامه ظهرا وأقرا فقال أنوشروان إني مجازيكما بما تستحقان فإنه لا يكون جزاء من قتل سيده وغدر به إلا القتل وأما رفعكما على الناس فإني أصلبكما على أطول جذع أجده ثم أمر ففعل بهما ذلك وأحسن منها حيلة عملت على الاسكندر فخفي عليه الصواب في التخلص منها وهي ما حكى عنه أنه كان لا يدخل مدينة عنوة إلا هدمها وقتل من فيها فقدم على مدينة كان فيها مؤدب له فخرج إليه فأعظمه وأكرمه وأكبره ثم قال له ما جاء بك قال أيها الملك إن أحق من زين لك أمرك وأعانك عليه لأنا وإن أهل هذه المدينة أبو اطاعتك وطمعوا فيك لمكاني منك وأحب أن لا تشفعني فيهم وأن تخالفني في كل ما أسألك فيه من أمرهم فلما سمع الاسكندر مقالته ظن ذلك نصحاً له وإن غرض المعلم وافق غرضه وسر بذلك فلما رأى المعلم سروره طلب منه العهد على ذلك فعاهده فلما استوثق منه ذلك قال أيها الملك إني أرى من الرأي أن تهدم هذه المدينة وتقتل أهلها فقال الاسكندر لا سبيل إلى ذلك ولا بد من مخالفتك قال فارتحل عنها إذاً فارتحل
стр. 119
أمر عمر بن الخطاب بقتل الهرمزان فشكا العطش فأتى بإناء فيه ماء فلما تناوله أظهر رعشة في يده يوهم أنها من خوف فقال عمر لا بأس عليك حتى تشرب فرمى الإناء من يده فكسره فأمر عمر بقتله قال أوليس قد أعطيتني الأمان قال متى قال ألست قلت لا بأس عليك حتى تشرب ولم أشرب فقال عمر قاتله الله أخذ منا الأمان ولم نشعر ومن ظريف الحيل ما حكى إن سلمان الفارسي خطب بنتاً لعمر بن الخطاب ﵁ فأجابه إلى تزويجه فشق ذلك على ولده عبد الله وشكاه إلى عمرو بن العاص فقال له أنا أرده عنك فقال إن رددته بما يكره غضب أمير المؤمنين فقال لك علي أن أرده راضيا ثم أتى سلمان فضرب بين كتفيه وقال هنيأً لك أبا عبد الله هذا أمير المؤمنين يتواضع بتزويجك بنته فالتفت إليه مغضباً وقال إني متواضع والله لا أتزوجها وأسر معاوية عمرو بن أوس الأودي وكان من أصحاب علي يوم صفين فقدمه للقتل فقال لا تقتلني فانك خالي فقال من أين أنا خالك ولم يكن بيننا وبين أود صهارة فقال إن أخبرتك يكن نافعي عندك قال نعم قال أليست أختك أم حبيبة زوجة النبي ﷺ أم المؤمنين قال بلى قال فأنا ابنها وأنت أخوها فاستظرف قوله وخلى سبيله وحاصر سعد بن أبي وقاص حصن تيماء فطلب من فيه الأمان فأجابهم إلى ذلك فلما تسلمه قتل كل من فيه الأرجلا واحداً وعزم معن بن زائدة على قتل جماعة من الاسراء فلما مثلوا بين يديه قام أصغر القوم وقال أيها الأمير أتقتل أسراك وقد جاعوا وعطشوا فأمر لهم بطعام وشراب فلما أكلوا وشربوا قام إليه وقال أيها الأمير أتقتل أضيافك فحلم عليهم وخلى سبيلهم ولما قبض على ابن المقنع وكل به رجل يعذبه في مال طلب منه فلما طال عليه ذلك وخشى على نفسه التلف اقترض من صاحب العذاب مائة ألف درهم فكان بعد ذلك يرفق به خوفاً على ماله واقتحم رجل على الأحنف بن قيس مجلسه فلطمه فقال له ما حملك على ما فعلت فقال لطمني رجل من تميم فأقسمت أن أقتص من سيدهم فقال له الأحنف لم تبر في يمينك ولست بسيد تميم وإنما سيدهم حارثة بن قدامة فذهب الرجل إليه فوجده بين قومه فلطمه فأمر بقطع يده فقطعت فيقال ما قطع يده إلا الأحنف الذي جرأه على غيره ولم يؤدبه على فعله وإن كانت هذه الحكاية
стр. 120
ليست جارية على المعهود من حلم الأحنف فإن النفوس الشريفة تأتي الاسترسال في الاحتمال لما يحصل في حقها من إهمال واجهال كما قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي معتذراً عمن أحوجه الذب عن سيأدته إلى الخروج عن عادته
إذا أحوجت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أخلاق اللئام
وما خرق اللئيم وإن تعدّى ... بأبلغ فيك من حقد الكرام
ولى عبد الملك بن مروان أخاه بشراً العراق وضم إليه روح بن زنباغ فلما دخل العراق أغرى بالشراب وثقل عليه ابن زنباغ فقال يوماً من يحتال لي فيه فقال ثمامة الباهلي أنا ثم صار إلى دهليز روح وكتب على حائطه
يا روح من لزنابير محرّشة ... إذا يقال لأهل المغرب الباغي
إنّ الخليفة قد شالت نعامته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباغ
فلما قرأه ما ظن إلا أن بعض الجن كتبهما فعدا إلى بشر فاستأذنه في الرجوع إلى الشام فامتنع بشر من الاذن له وجعل يسأله أن يقيم فأبى فأذن له فلما دخل على عبد الملك قال الحمد لله على سلامتك يا أمير المؤمنين قال وما ذاك فأخبره الخبر فقال له سخرك بشر وأهل العراق لما نقلت عليهم فاحتالوا للراحة منك وقدم قوم غريماً لهم إلى قاض وادعوا عليه بمال فصدقهم فأمره القاضي أن يدفع لكل ذي حق حقه فقال إن لي ريعاً وقد حان استغلاله فإن رأوا أن يؤجلوني أياماً حتى أستغله وأؤدي إليهم حقوقهم فلا بأس فسألهم القاضي ذلك فقالوا والله ما نعلم له سبداً ولا لبداً فقال له القاضي اذهب فقد فلسك غرماؤك وحكى أن رجلاً أراد الحج فأودع عند رجل مالاً فلما رجع طلبه منه فجحده إياه فأتى إياساً القاضي فأخبره فقال له لا تعلم أحداً أنك جئتني وعد إلي بعد يومين ثم دعا اياس ذلك الرجل المودع عنده وقال له إنه قد تحصل عندنا مال لأيتام وأريد دفعه إليك ليكون وديعة في حرزك فحصن بيتك
стр. 121
وانتخب أقواماً ثقات يحملونه معك فرجع الرجل وأصلح منزله ثم دعا اياس صاحب المال وقال له انطلق إلى صاحبك واطلب منه مالك وقل له إن أنت لم ترده علي شكوتك للقاضي فذهب الرجل إليه وطلب منه المال فرده عليه فأخبر الرجل اياساً بذلك فقال ربما كانت الحيلة وسيلة إلى درك المطلوب ولم يعاود اياساً ذلك الرجل المودع عنده فيما وعده به
والحازم من أضاف إلى تاج رياسته ... عقوداً من جواهر سياسته
فانهم قالوا من طلب الرياسة فليصبر على مضض السياسية ويقال إذا صحت السياسة ثبتت الرياسة وصف أنوشروان سياسته فقال لم أهزل في أمر ولا نهي ولم أخلف في وعيد ولا وعد وأعاقب للأدب لا للغضب وأثيب للغنى لا للهوى فأودعت قلوب الرعية هيبة لا يشينها منهم هلع ومحبة لا يشوبها فيهم طمع وعممت بالقول وحذفت الفضول وقال أردشير لأصحابه وقد سعى عنده بانسان إنما أملك الظواهر لا النيات وأحكم بالعدل لا بالرضا وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر ومن كلامه لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وقالت الحكماء أسوس الملوك لرعيته من قاد أبدانها بقلوبها وقلوبها بخواطرها وخواطرها بأسبابها من الرغبة والرهبة وقالوا قلوب الرعيه خزائن ملكها فما أودعها من شيء فليعلم أنه فيها وقال بزرجمهر العقل حديقة سياجها الشريعة والشريعة سلطان يجب لها الطاعة والطاعة سياسة يقوم بها الملك والملك راع يعضده الجيش والجيش أعوان يكفلهم المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية سواد يستعبدهم العدل والعدل أساس به قوام العالم وقالوا ينبغي للملك أن يتفقد أمر رعيته في كل شهر وأمر خاصته في كل يوم وأمر نفسه في كل ساعة وقال أبو منصور الثعالبي إذا كان الملك واضح ميسم العدل فارش مهاد الفضل باسط جناح البر منبت نور المحبة ممتد ظل الهيبة مالك عنان السياسة فقد أرخ الزمان بحسن آثاره وشق على الملوك شق غباره ومن كلام بعض البلغاء خير الملوك من كفى وكف وعفا وعف وقال الشاعر في بعض ولاة بني مروان
إذا ما قضيتم ليلكم بمنامكم ... وأفنيتم أيامكم بمدام
стр. 122
فمن ذا الذي يغشاكم في ملمة ... ومن ذا الذي يلقاكم بسلام
رضيتم من الدنيا بأيسر بلغة ... بلثم غلام أو بشرب مدام
ألم تعلموا أن اللسان موكل ... بمدح كرام أو بذم لئام
ويقال ينبغي للملك أن يعمل بخصال ثلاثة تأخير عقوبة المسئ وتعجيل ثواب المحسن والعمل بالأناة فيما حدث له فإن في تأخير العقوبة امكان العفو وفي تعجيل ثواب المحسن المسارعة بالطاعة وفي الأناة انفساح الرأي واتضاح الصواب وسأل المأمون رسول الروم لما قدم عليه عن سيرة ملكهم فقال بذل عرفه وسل سيفه فاجتمعت عليه القلوب رغبة ولجأت إليه رهبة سهل النوال حزن النكال فالرجاء والخوف معقودان في يده قال له فكيف حكمه قال يردع الظالم ويحنو على المظلوم فالرعية اثنان راض ومغتبط قال فكيف هيبته فيهم قال يتصور في القلوب فتخشع له الأبصار فقال له المأمون لله أبوك لقد أحسنت فيما وصفت وما أحسن قول معاوية المسلم بن زياد لما ولاه خراسان إن أباك كفاك أخاه عظيماً وقد استكفيتك صغيراً فلا تتكلن على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك وإياك مني قبل أن أقول إياي منك فإن الظن إذا أخلف مني فيك أخلف منك في وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه وقد أتعبك أبوك فلا ترين نفسك وقال أنوشروان الناس ثلاث طبقات نسوسهم ثلاث سياسات طبقة هم خاصة الأبرار نسوسهم بالعطف واللين والاحسان وطبقة هم خاصة الأشرار نسوسهم بالغلظة والعنف وطبقة هم العامة نسوسهم بالشدة واللين كيلا تخرجهم الشدة ولا يبطرهم اللين وقال عبد الله بن طاهر
إذا كنتم للناس أهل سياسة ... فسوسوا كرام الناس بالرفق والبذل
وسوسوا لئام الناس بالذل يصلحوا ... على الذل إن الذل أوفق للنذل
وقال معاوية بن أبي سفيان إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ولو أن بيني وبين العامة شعرة لما انقطعت قيل له وكيف ذاك قال إن جذبوها أرخيتها وإن أرخوها مددتها وكان زياد إذا ولى رجلاً عملاً قال خذ عهدك وسر إلى بلدك واعلم بأنك مصروف رأس سنتك وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك إن وجدناك أميناً ضعيفاً
стр. 123
استبدلنا بك لضعفك وسلمتك من معرتنا أمانتك وإن وجدناك قوياً خائناً استعنا بقوتك وأحسنا على خيانتك أدبك وإن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرتين وإن وجدناك قوياً أميناً زدنا في عملك ورفعنا ذكرك وأوطأنا عقبك وقالوا إذا كان للمحسن من الحق ما لا يقنعه وللمسئ من أليم العذاب ما بقمعه يذل المحسن النصح رغبة وانقاد المسئ إلى الحق رهبة ولا ينبغي لأحد من الملوك أن يعدل عن قول أردشير بن بابك المستفاد منه والمستفاض عنه وهو قوله لبعض موابذته اعلم أن الملك والدين أخوان توأمان لأقوام لأحدهما إلا بالآخر لان لدين هو أمن الملك وعماده والملك هو قائم سيف الدين ونجاده ولا بد للملك من أس ولا بد للدين من حارس فإن من لا حارس له ضائع ومن لا أس له مهدوم واعلم أنه يجب على الملك وعلى الرعية أن لا يكون للفراغ عندهم موضع فإن التضييع في فراغ الملك وفساد الملك من فراغ الرعية وقال شيآن إن صلح أحدهما صلح الآخر السلطان والرعية وقال المأمون أسوس الملوك من ساس نفسه لرعيته فأسقط عنه مواقع حجتها وقطع مواقع حجته عنها كان الرشيد في بعض غزواته فالح عليه الثلج ليلة فقال له بعض أصحابه يا أمير المؤمنين أما ترى ما نحن فيه من الجهد والنصب ووعثاء السفر والرعية قارة وادعة نائمة فقال اسكت فللرعية المنام وعلينا القيام ولا بد للراعي من حراسة الرعية وتحمل الأذية وإليه أشار بعض مداحه
غضبت لغضبتك الصوارم والقنا ... لما نهضت لنصرة الاسلام
ناموا إلى كنف بعد لك واسع ... وسهرت تحرس غفلة النوّام
العاقل من شغله عيبه عن عيب من سواه
ولم يطع في جواب السفيه أمير هواه
قال رسول الله ﷺ طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله ورحم أهل الذلة والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة وقال عليه
стр. 124
الصلاة والسلام لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يوشك أن يفضحه ولو في رحله وقال أكثم بن صيفي استر عيب أخيك لما تعلم من نفسك وقالوا أحمق الناس من أنكر من غيره ما هو مقيم عليه قيل للربيع بن خيثم مالك لا تعيب أحداً قال لست عن نفسي راضياً فاتفرغ لعيوب الناس ومذامهم وقالوا من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون ومن تتبع مساوئ العباد فقد نحلهم عرضه قال الشاعر
لا تكشفن من مساوئ الناس ما ستروا ... فيكشف الله ستراً من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحداً منهم بما فيكا
وما أحسن قول القائل
إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذى ... ودينك موفور وعرضك صين
فلا ينتطق منك اللسان بسوأة ... فللناس سوآت وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك مساوياً ... لقوم فقل يا عين للناس أعين
فعاشر بانصاف وكن متودّداً ... ولا تلق إلا بالتي هي أحسن
وقالوا فلان يصم أذنه عن الفحشاء ويخرس لسانه عن التكلم بها وقال الشاعر يمدح
غنيّ عن الفحشاء أمّا لسانه ... فعف وأمّا طرفه فكليل
آخر
كريم له عينان عين عن الخنا ... تنام وأخرى في المكارم تسهر
стр. 125
آخر
وإذا تواخاك امرؤ بقبيحه ... فأجبه بالاحسان والاجمال
حكى أن رجلاً عاب رجلاً عند المأمون فقال له المأمون قد استدللنا على كثرة عيوبك بما تذكر من عيوب الناس لأن طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما هي فيه لا بقدر ما فيه منها وقال الشاعر
أرى كل إنسان يرى عيب غيره ... ويعمى عن العيب الذي هو فيه
وما خير من تخفى عليه عيوبه ... ويبدله بالعيب عيب أخيه
وقالت رابعة العدوية الانسان إذا نصح لله في نفسه أطلعه الجبار على مساوئ عمله فيتشاغل بها عن خلقه
والعاقل من جعل اغضاءه عن المساوئ ... حصناً إليه من ذم اللئام يأوي
يقال ربما سخط العاقل فيبدي الرضا ويغضي مثل جمر الغضا وقيل لبزرجمهر من أعقل الناس قال من لم يجعل سمعه غرضاً لسماع الفحشاء وكان الغالب عليه التغافل وقال أبو بكر الصديق ﵁ من امتطى زمام التغافل ملك زمام المروأة وقالوا أشرف الكرم تغافلك عما تعلم ويقال التغافل من الكرام يمنحهم الاجلال والاكرام أنشد الباخرزي في الدمية لأبي الفضل عبد الله بن محمد الحيري رحمه الله تعالى
يا من يعرّض بالخنا متوهماً ... جهلي به مهلاً فإنك جاهل
كم مرّة أغضيت منك على قذى ... لولا النهى لرأيت ما أنا فاعل
стр. 126
آخر
ويشتمني النذل اللئيم فلا أرى ... كفؤاً لعرضي عرضه فأجامله
أجرّ له ذيلي كأني غافل ... أضاحكه طوراً وطوراً أخاتله
وقيل لبعضهم من العاقل قال الفطن المتغافل قال الشاعر
أعرض عن العوراء إن أسمعتها ... وأسكت كأنك غافل لم تسمع
ولبعضهم معرباً بكرمه ومعرّفاً بشيمه
وإني لأغضى عن أمور كثيره ... ومن دونها قطع الحبيب المواصل
وأعرض حتى يحسب الناس أنني ... جهلت الذي آتى ولست بجاهل
آخر
وأغضى عن العوراء حتى يقال لي ... بأذنيه وقر عندها حين ينطق
حياء وإكراماً لعرض أصونه ... ولا خير في عرض يظلّ يمزق
آخر
دعى ملاحاة من هجاني ... يا نفس إن تغفلي تصاني
إذا حكيت البذا عليه ... فما هجاني سوى لساني
وأمّا ما قبل في التغاضي والاحتمال ... والكف عن جواب قبيح المقال
قالوا أعقل الناس من لم يتجاوز الصمت في عقوبة السفيه وقال بعض الحكماء السكوت عن السفيه جواب والاعراض عنه عقاب قال الشاعر
стр. 127
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من اجابته السكوت
فإن جاوبته فرجت عنه ... وإن خليته كمداً يموت
وقال بعضهم
لا ترجعنّ إلى السفيه حكاية ... إلا جواب تحية حياكها
فمتى تحركه تحرك جيفة ... تزداد نتناً ما أردت حراكها
وآخر
أرى الكف عن شتم السفيه تكرّماً ... أضرّ به من شتمه حين يشتم
وقالوا إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جواباً وأوجعته عذاباً ويقال ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حليم من أحمق وبر من فاجر وشريف من دنئ شاعر
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليماً أو أصابك جاهل
فأصبحت أمّا نال عرضك جاهل ... سفيه وأمّا نلت ما لا تحاول
وقال بعض الأعراب يمدح قومه
تخالهمو صماً وعمياً عن الخنا ... وخرساً عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفة ... وعند الحفاظ كالليوث الجواذر
стр. 128
لهم دل انصاف ولين تواضع ... وعفو عن المولى وحسن تصابر
تخال بهم داء يخافون عاره ... وما وصمهم إلا اتقاء المعاذر
والعاقل من قنع من الدنيا باليسير ... وحصل فيها من التقوى زاداً للمسير
وصف رسول الله ﷺ الدنيا فقال من صح فيها سقم ومن سقم فيها برم ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن حلآلها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب من طلبها فاتته ومن قعد عنها أتته ومن بصر بها بصرته ومن نظر إليها أعمته ووصف ابن السماك الدنيا فقال من نال منها مات فيها ومن لم ينل منها مات عليها ووصف محمد بن تومر الدنيا فقال لحظة بين عدمين فيها شركاء متشاكسون وقال حكيم الدنيا تطلب لثلاثة أشياء للغنى وللعز وللراحة فمن قنع استعنى ومن زهد فيها عز ومن قل سعيه استراح وقال عيسى ﵇ أنا الذي كبيت الدنيا على وجهها وجلست على ظهرها فليس لي زوج تموت ولا دار تخرب وقال ابن السماك من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها وقال علي ﵁ الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب أبصرت من أحدهما بعدت عن الآخر ويروى عنه أنه قال الدنيا والآخرة ضرتان متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ثم قال لا بل أختان ولا يمكن الجمع بين الاختين وقال ﵊ لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق جروفي يد مجذوم ويقال عين الدهر تطرف بالمساوئ والخلائق نيام بين أجفانها وقال بعض المستقيلين منها وأحسن
أف لدنيا ليست تواتيني ... إلا بنقضي لها عرى ديني
عيني لجنبي تدير مقلتها ... تريد ما ساءها لترديني
مر محمد بن واسع على قوم فسأل عنهم فقيل له هؤلاء الزهاد قال وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها وقال علي ﵁ الدنيا جيفة فمن أرادها
стр. 129
فليصبر على مخالطة الكلاب وقال منصور بن عمار الدنيا أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء وقال لقمان لابنه يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً وقال الفضيل بن عياض لو عرضت علي الدنيا بحذافيرها حلالاً أحاسب عليها في الآخرة لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه وقال جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا وقال يوسف بن أسباط إن الدنيا لم تخلق لينظر إليها إنما خلقت لينظر بها إلى الآخرة وقال إبراهيم بن أدهم مساكين الأغنياء طلبوا الراحة فعدموها ووجدها الزهاد فلزموها ومن المنظوم في ذلك
تباً لطالب دنيا لا بقاء لها ... كأنما هي في تصريفها حلم
صفاؤها كدر سرّاؤها ضرر ... أمانها غدر أنوارها ظلم
شبابها هرم راحاتها سقم ... لذاتها ندم وجدانها عدم
لا يستفيق من الانكاد صاحبها ... لو كان ما منحت ما ضمنت ارم
فخلّ عنها ولا تركن لزهرتها ... فإنها نعم في طيها نقم
واعمل لدار نعيم لا نفاد له ... ولا يخاف به موت ولا هرم
وقال بعض الزهاد وأحسن
ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه ... فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها
آخر
يا خاطب الدنيا إلى نفسه ... لنته عن خطبتها تسلم
إنّ التي تخطب غرّارة ... قريبة العرس من المأتم
стр. 130
وقال أحمد بن عبد ربه صاحب العقد
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضرّ منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها وما اللذات إلا مصائب
فكم سخنت بالأمس عين قريرة ... وقرّت عيون دمعها الآن ساكب
فلا تكتحل عيناك منها بعبرة ... على ذاهب منها فانك ذاهب
وذكرت الدنيا عند الحسن البصري فقال
ألا إنما الدنيا كأحلام نائم ... وما خير عيش لا يكون بدائم
تأمّل إذا حاولت بالأمس لذة ... فأفنيتها هل أنت إلا كحالم
آخر
إنما الدنيا كظل زائل ... طلعت شمس عليه فاضمحل
كان في دار سواها داره ... عللته بالمنى ثم ارتحل
آخر
لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... ولكنها دار انتقال لمن عقل
إذا رفعت حطت وإن هي أحسنت ... أساءت وإن أعطت فأيامها دول
آخر
مزمومة بالهمّ مخطومة ... سمّ زعاق سمّ أخلافها
ولم تزل تقتل ألافها ... أفّ لقتالة ألافها
стр. 131
ويقال ليس الزاهد في الدنيا من زهد فيها وقد أعرضت عنه وانبثت منه ولم تمكنه من متاعها وضاقت عليه مع اتساعها وهو مضطر إلى ذلك لظهور عسرته ونفود يسرته وإنما الزاد في الدنيا من أقبلت عليه وحشدت فوائدها إليه وحسنت له في ذاتها وأمكنته من لذتها فأعرض عنها وزهد فيها شاعر
إذا المرء لم يزهد وقد جمعت له ... ضروب من الدنيا فليس بزاهد
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال إنما الزاهد في الدنيا من يكون بما في يد الله أغنى منك بما في يدك وما أكثر انصاف من قال
نراع بذكر الموت في حال ذكره ... ونعترض الدنيا فنلهو ونلعب
ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ... وما كان منها فهو شيء محبب
وقال بعض البلغاء صاحب الدنيا ساكن راحل وأيامه مراحل وأنفاسه رواحل صاحب الدنيا بين فرحة وترحة وحبرة وعبرة صاحب الدنيا بين العسل والصاب والصحة والأوصاب حكى أن سليما بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز وقد أعجبه سلطانه كيف ترى ما نحن فيه فقال عمر سرور لولا أنه غرور وحرم لولا أنه عدم وملك لولا أنه هلك وحياة لولا أنه موت ونعيم لولا أنه عذاب أليم فظهر في وجه سليمان الكآبة من كلام عمر ولم ينتفع بنفسه بعد ذلك وتوفي سنة ثمان وتسعين وهو ابن خمس وأربعين سنة وكانت ولايته سنة ست وتسعين
стр. 132
الفصل الثالث من الباب الثالث
في هفوات العقال
في أنّ هفوات العقال ... لا يغضى عنها ولا تقال
كما قيل
لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة ... للسهو فيها للوضيع معاذر
ذو العلم يعسر أن تقال عثاره ... وتقال عثرته الجهول العاثر
ولسليمان بن عبد الملك فيما قصدناه كلام هو النور اللائح والهادي إلى الطريق الواضح وهو قوله السكوت عما يعنيك خير من الكلام فيما يضرك والسكوت عما لا يضرك خير من الكلام فيما لا يعنيك وقال عمر ابن الخطاب ﵁ زلة الرجل تجبر وزلة اللسان لا تبقى ولا تذر قال بعضهم
يموت الفتى من عثرة من لسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل
وقالوا طعن اللسان أنفذ من طعن السنان وجرح الكلام أصعب من وقع السهام وقالوا رب لسان أتى على انسان
ذكر من أرسل سهماً من فيه ... فأصاب مقتله ولم يكد يخطيه
حكى أن رجلاً من الفرس وقف إلى شيرويه لما قتل ابرويز فقال الحمد لله الذي قتل ابرويز على يدك وملكك ما كنت أحق به منه وأراحنا من عتوه وكبره وتجبره وبخله وجهله فإنه كان يأخذ بالأحنة ويقتل بالظنة ويخيف البري ويذل السري فلما سمع شيرويه كلامه قال للحاجب احمله إلي فلما مثله بين يديه قال كم كان رزقك قال ألفين قال والآن قال ما زيد شيأً قال فما دعاك إلى الوقوع فيه وإنما ابتداء نعمتك من عنده ولم ترع له ذلك وأمر بنزع لسانه من قفاه ولما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن حسين بالمدينة في أيام أبي جعفر المنصور دخل عليه سديف بن ميمون فأنشده أبياتاً يحرضه فيها على
стр. 133
اظهار الدعوة ويطعن في دولة بني العباس يقول فيها
إنا لنأمل أن ترتدّ الفتنا ... بعد التبعد والشحناء والأحن
وتنقضي دولة أحكام قادتها ... فينا كأحكام قوم عابدي وثن
فانهض ببيعتكم ننهض ببيعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني حسن
فبلغت المنصور الأبيات فكتب فيه إلى عبد الصمد بن علي وكان عامله على مكة فأخذه وقطع يديه ورجليه وجدع أنفه فلم يمت فدفنه حياً وكان دعبل الخزاعي هجاء للملوك جسوراً على أعراضهم متحاملاً لا يبالي ما صنع حتى عرف بذلك واشتهر فصنع على لسانه بكر بن حماد الباهري ممن كان دعبل يؤذيه ويهاجيه أبياتاً يهجو فيها المعتصم وذكر قوم أنها له وهي
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ... ولم يأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... كرام إذا عدوا وثامنهم كلب
وما أنت عندي في الوفاء ككلبهم ... لأنك ذو ذنب وما أذنب الكلب
فبلغت المعتصم الأبيات فأمر بطلبه فهرب إلى زويلة بلد السودان بناحية المغرب فمات بها وقيل بالأهواز وقيل لدعبل أنت القائل هذه الأبيات قال لا والله ولكن من حشا الله قبره ناراً يعثى إبراهيم بن المهدي اشاط بدمي لما هجوته بقولي فيه وهو خليفة
يا معشر الأعراب لا تقنطوا ... خذوا عطاياكم ولا تسخطوا
فسوف نعطيكم شريجية ... لا تدخل الكيس ولا تربط
والمعبديات لقوّاد كم ... وما بهذا أحد يغبط
وهكذا يرزق أصحابه ... خليفة مصحفه البربط
وكان المعتصم يلقب بالثماني لأنه اتفق له عدد الثمانية في كثير من أموره ولد في شهر شعبان وهو الثامن من شهور السنة وهي سنة ثمان وسبعين ومائة وهو ثامن بني العباس مولداً وثامنهم ولاية وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية
стр. 134
أشهر وعمر ثماناً وأربعين وغزواته وفتوحاته ثمان وقتل ثمانية أعداء وخلف ثمان بنين وثمان بنات وترك ثمانمائة ألف دينار ومثلها دراهم إلى غير ذلك من عدد الثمانية رجع ما انقطع ذكر أبو القاسم الأيادي أن جماعة من بني أمية دخلوا على أبي العباس السفاح وفيهم الغمر بن هشام بن عبد الملك فألح إليه أبو العباس بالنظر فلما رأى الغمر ذلك منه أنشده
عبد شمس أبوك وهو أبونا ... لا نناديك من مكان سحيق
والقرابات بيننا واشجات ... محكمات العرى بعقد وثيق
فأعجبه ذلك منه وأجلسه معه على السرير وأقعد أصحابه يميناً وشمالاً وقال لهم إني أريد أن أخلطكم بنفسي واستخلصكم لها فشكروه على ذلك فبينما هم يتحدثون إذ دخل عليهم سديف فأنشد السفاح القصيدة التي أولها عمر الدين فاستبان ملياً حتى أتى على آخرها فقال السفاح يا ابن هشام كيف ترى شاعرنا فقال قولاً معجلاً لحينه وأرباب بني أمية إن شاعرنا لا شعر من شاعركم وأكثر بياناً وأفصح لساناً فقال السفاح وما قال شاعركم فقال
لو تحمل البخت والأفيال مثقلة ... أحلامهم تركت عقري الأباهير
لا يعبثون إذا سجت جحافلهم ... زين المجالس فرسان المنابير
فاحمرت عينا السفاح وهاجت به حمة كانت فيه قد سكنت ثم ضرب على فخذ الغمر وقال
طمعت أمية أن تجاوزها شما ... عنها ويذهب زيدها وحسينها
كلا وربّ محمد ومليكه ... حتى يبيد كفورها وحرونها
стр. 135
ثم قال قوموا إلى مقصورتكم ثم دعا بثلاثة وسبعين رجلاً من أهل خراسان فأعطاهم الخشب وقال اشدخوهم فشدخوهم عن آخرهم قال سديف والله ما خرجت من الأنبار حتى رأيتهم معلقين بعراقيبهم قد نهشت الكلاب رؤسهم ولما بنى زياد بيضاء البصرة وهي أول بناء بني بالجص والآجر بالبصرة أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس ما يقولون فيها ويبلغوه ويأتوه بالقائل فأتى بانسان قيل إنه لما رآها تلا قوله تعالى أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون فقال زياد ما حملك على هذا قال لم يكن أيها الأمير هذا عن قصد وإنما خطرت على قلبي فتلاها لساني فقال والله لاعملن فيك بباقي الآية وإذا بطشتم بطشتم جبارين وأمر به فبنى عليه ركن من أركانها وكان أحمد بن يوسف الكاتب كثير السقطات وكان يجالس المأمون وكان المأمون إذا تبخر لا يستقصي البخور وتخرج المجمرة بما يبقى فيها فتوضع تحت الرجل والرجل من الجلساء اكراماً لهم واعتناء بهم فجاءت النوبة يوماً لأحمد بن يوسف فقال هاتوا المردود فسمعه المأمون فقال ألنا يقال هذا ونحن نجيز رجلاً واحداً من خدمنا بعشرة آلاف درهم وأكثر ويحك إنما قصدنا اكرامك أن أكون أنلو أنت اقتسمنا بخوراً واحداً ولا يأبى الكرامة إلا لئيم ثم أمر المأمون أن يطرح في المجمرة ثلاث مثاقيل من العنبر ويبخر بها أحمد ويدخل رأسه في طوقه حتى ينفذ ريحها ففعل به ذلك وهو يستغيث فلا يغاث حتى احترق دماغه وقام من المجلس إلى منزله فمات من ليلته
وممن أسقط من العقلاء في كلامه ... فكان سبباً مؤكداً للومه وإيلامه
ذو الرمة فإنه وصف لعبد الملك بن مروان ذكاؤه وجودة شعره فأحب أن يراه فأمر باحضاره فلما دخل عليه استنشده فأنشده قصيدته المذهبة وافتتحها بقوله
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلا مقريه ينسرب
стр. 136
واتفق إن كانت عينا عبد الملك يسيلان دائماً فظن أنه عرض به فغضب فقال له مالك يا ابن اللخناء ولهذا السؤال ثم قطع انشاده وأمر باخراجه فأقام حتى أذن للشعراء مرة ثانية فدخل معهم وقد غير ما قال أولاً وأنشده
ما بال عيني منها الماء ينسكب ... حتى انتهى إلى قوله
كحلاء في برج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
فأجازه وأكرمه وقال له لو أنها قيلت في الجاهلية لسجدت لها العرب ودخل أبو النجم الشاعر على هشام بن عبد الملك مع الشعراء فأنشده أرجوزته التي أولها الحمد لله الوهوب المجزل حتى انتهى إلى قوله يصف الشمس وهي على الأفق كعين الأحول ولم يقل الأحول وقطع انشاده وارتج عليه وعلم أنها زلة عاقل فخشى أن تكون غفلة جاهل لان هشاماً كان أحول فقال له هشام ويلك أتمم البيت وأمر بوجء عنقه واخراجه من الرصافة ولما مات عبد الملك بن مروان وذلك في النصف من شوال سنة ست وثمانين وكان عمره يومئذ ستين سنة وأياماً وقيل اثنين وستين وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة وأياماً سجاه ابنه الوليد فأنشده هشام أخوه
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
فلطمه الوليد على فمه وقال اسكت يا ابن الأشجعية فانك أحول أكشف تنطق بلسان شيطان
стр. 137
ودخل جرير بن عطية الخطفي على عبد الملك بن مروان بعد ما منعه من الدخول عليه كراهة فيه وفي شعره فأنشد
أتصحو أم فؤادك غير صاحي ... عشية همّ قومك بالرواح
فقال له بل فؤادك يا ابن اللخناء فحصر جرير وخرج خائباً وفي هذه القصيدة يقول مادحاً بما لم يأت أحد بمثله
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
خاصم رجلاً خالد بن أبي صفوان وكان قد كف بصره فترافعا إلى بلال ابن أبي بردة وكان أمير الكوفة وقاضيها فقضى على خالد ثم مر به مركب بلال فسأل من هذا قالوا بلال فقام خالد وهو يقول
سحابة صيف عن قليل تقشع فسمعه بلال فقال له والله لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد ثم أمر به فضرب مائتي سوط وأمر بحبسه فقال له خالد علام تفعل بي هذا ولم أجن جنابة فقال بلال يخبرك بذلك باب مصمت واقياد ثقال وقيم يقال له حفص ثم ضرب الدهر ضرباته فنكب بلال بعد ذلك واحضره يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام في قيوده وكان خالد جالساً عنده فقال له أيها الأمير إن بلالاً عد والله ضربني وحبسني ولم أفارق جماعة ولا خلعت يداً من طاعة ثم التفت إلى بلال وقال الحمد لله الذي أذل سلطانك وهد أركانك وأزال جمالك وغير حالك فوالله لقد كنت شديد الحجاب مستخفاً بالشريف مظهراً للمعصية فقال بلال يا خالد إنما استطلت علي بثلاث الأمير عليك مقبل وعني معرض وأنت طليق وأنا عان وأنت في وطنك وأنا غريب فأفحمه
стр. 138
ومن الهفوات الجارية مجرى التطير ... المؤذن لفظها بالزوال والتغير
قال علوية كنت مع المأمون لما خرج إلى الشأم فدخلنا دمشق وجعلنا نطوف فيها على قصور بني أمية فدخلنا قصراً من قصورها فوجدناه مفروشاً بالرخام الأخضر كله وفيه بركة يدخلها الماء ويخرج منها فيسقى روضة قد جمعت فيها أنواع الأشجار وفي القصر من أجناس الأطيار وما يغني صوتها عن العود والمزمار فاستحسن المأمون ما رأى وعزم على الصبوح ندعى بالطعام والشراب فأكلنا وشربنا ثم قال غنني بأطيب صوت وألذه فلم يمر بخاطري غير هذا الصوت
لو كان حولي بنو أمية لم ... ينطق رجال أراهم نطقوا
فنظر إلي مغضباً وقال عليك وعلى بني أمية لعنة الله فعلمت أني قد أخطأت فأخذت اعتذر من هفوتي وقلت يا أمير المؤمنين أتلومني أن أذكر بني أمية وزرياب عبدهم كان يركب في مائتي غلام ومملوك له وملك ثلثمائة ألف دينار إلى غير ذلك من الضياع والأثاث وأنا عبدكم أموت جوعاً فقال ما وجدت شيأً تذكرني به نفسك غير هذا ثم سكت ساعة وقال اعدل عن هذا وغنني بما اقترحت عليك فلم يحضرني غير هذا الصوت
الحين ساق إلى دمشق ولم ... أرضى دمشق لأهلها وطنا
فرماني بالقدح فأخطأني وقال قم إلى لعنة الله وحر سقره ثم قام وركب فكان آخر عهدي به حتى مات ومات المأمون لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين وكانت خلافته منذ قتل الأمين محمد عشرين سنة وأشهراً وله من العمر ثمان وأربعون سنة ومات المعتصم أيضاً في هذا العمر وكانت ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر وكذلك عمر عبد الله بن طاهر وتوفي في ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين وكانت مدة امارته بخراسان تسع عشرة سنة ولما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه مع جمع من أعيان جلسائه وندمائه
стр. 139
سروراً به فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم فقام إسحق بن إبراهيم الموصلي وأنشده قصيدة يهنئه فيها أولها
يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم وتغامز الناس وعجبوا من بادرته وهفوته مع علمه وفهمه وطول خدمته للملوك وقام المعتصم من ذلك المجلس متطيراً فذكر أنه لم يعد إليه بعد ومن قبيح ما وقع لأبي نواس الذي أساء فيه أدبه وخالف به مذهبه ما حكى أن جعفر بن يحيى البرمكي بنى داراً وتأنق فيها وانتقل إليها فدخل عليه أبو نواس مع من دخل إليه من الشعراء لهنائها فأنشده
أدار البلى إن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي
فمعذرة مني إليك بأن ترى ... رهينة أرواح وصوت غوادي
ولا أدرأ الضراء عنك بحيله ... فما أنا منها قائل بسعادي
فإن كنت مهجور القناة فما رمت ... يد الهجر عن قوس المنون فؤادي
فإن كنت قد بدلت بؤساً بنعمة ... فقد بدلت عيني قدي برقاد
وختمها بقوله
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد
فتطير جعفر لها وأظهر الوجوم ثم قال نعيت إلينا أنفسنا يا أبا نواس فلم تكن إلا مدة يسيرة حتى أوقع بهم الرشيد وزعم بعض أهل التاريخ إن أبا نواس قصد التشاؤم لهم لشيء كان في صدره من الممدوح وسبب ذلك أن أبا نواس دخل عليه يوماً فلم يهش له ولم يدن مجلسه وكلح في وجهه ثم دخل مسلم بن الوليد فهش له وأدنى مجلسه وأقبل عليه فحمل أبا نواس وأغراه الحسد فعمل
стр. 140
هذه القصيدة على طريق التطير وقال المبرد في الروضة إن أبا نواس عملها في الفضل بن يحيى وحكى الصابي في كتاب الهفوات أن شرف الملك أبا سعيد الوزير جلس يوم عيد والناس يدخلون عليه يهنؤنه ويمدحونه فأنشده أحد الشعراء من قصيدة يعاتبه
وأنت حصني الذي ألوذ به ... فماله قد تهدّمت شرفه
فتطير من ذلك لمناسبة شرفه بشرف الملك في لقبه ثم أنشد آخر قصيدة أولها
عقد الصيام بيوم الفطر محلول ... فقدّم الكاس فالقنديل معزول
فازداد تطيره وعجب الحاضرون من سوء ما اتفق فلما كان السابع من شوال قبض عليه
من استدرك هفوة لسانه من العقلاء ... ورد بالاعتذار عنه ما نزل به من البلاء
يحكى أن المنصور قال حججت سنة إحدى وأربعين ومائة وأبا خليفة ماشياً لنذر لزمني فانفردت عن الناس فإذا أنا بأعمى كنت أعرفه يتردد إلى مروان بن محمد فسلمت عليه وأخذت بيده فقال من أنت قلت رفيقك إلى الشأم وأنت تريد مروان بن محمد فرد علي السلام وأنشد
آمت نساء بني أمية منهم ... وبناتهم بمضيعة أيتام
نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود نيام
خلت المنابر والاسرّة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
فقلت له والغضب مستول علي والرفق به مشير إلي كم كان مروان أعطاك قال أغناني حتى لا أسأل أحداً بعده أبداً ملكني الغلمان والجواري
стр. 141
والمال والعقار قلت وأين ذاك قال بالبصرة قال المنصور فلولا أن حق الصحبة منعني عنه كنت هممت به وشفيت نفسي منه فقلت له أتعرفني قال ما أثبتك معرفة ولا أنكرك من سوء قلت أنا المنصور فأسقط في يده ووقعت عليه الرعدة ثم قال يا أمير المؤمنين أقلني جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فأقلته وانصرفت ثم طلبته بعد ذلك ليسامرني فلم أجده فكان البيداء أبادته قال أبو الفرج الأصفهاني وهذا الأعمى هو أبو العباس بن السائب بن فروخ من بني الليث وقيل من بني الديل بن بكر له في بني أمية مدائح أجزلوا له بها المنائح فمنها قوله
وكل خليفة ووليّ عهد ... لكم يا آل مروان الفداء
امارتكم شفاء حيث كنتم ... وبعض امارة الأمراء داء
وكنتم تحسنون إذا ملكتم ... وغيركم إذا ملكوا أساؤا
هم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأيديهم وأعينهم سماء
ولي عمر ﵁ رجلاً من قريش عملاً فبلغه عنه أنه قال
اسقني شربة ألذ لديها ... واسق بالله مثلها ابن هشام
فعزله فلما قدم عليه قال له أنت القائل وأنشده البيت قال نعم والقائل بعده
عسلاً بارداً بماء سحاب ... إنني لا أحب شرب المدام
فقال له عمر قاتلك الله كذا قلت ورده إلى عمله وأتى عبد الملك بمصلفة بن هبيرة الشيباني وكان ممن أخذ مع الخوارج فأمر بقتله وقال ألست القائل
ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
стр. 142
فقال يا أمير المؤمنين إنما قلت أمير وفتح الراء فاستحسن ذلك منه وأطلقه فانظر إلى حذق هذا الرجل سكن جأشاً بحركة أمد عمره من أجلها بالبركة وذلك بفتح الراء من كلمة وجعل الهمزة حرف النداء والمنادى المضاف منصوب أبداً وقبل هذا البيت
ألا أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح ما ترعاه منك قريب
فإنك ألا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا سويد البيت وقال الحجاج لعبد الرحمن بن أبي بكرة ما مالك قال لقد ختمت على ألف ألف درهم ثم إن عبد الرحمن بن أبي بكرة شعر بزلة لسانه وخاف عائلة الحجاج فتداركها مسرعاً وقال ولقد أصبحت وما أملك إلا خاتمي وأتى المأمون برجل ادعى النبوة فقال له ما اسمك قال أنا أحمد النبي فقال له لقد ادعيت زوراً ثم أمر به ليضرب فلما رأى الرجل الأعوان قد أحاطت به قال يا أمير المؤمنين أنا أحمد النبي فهل تذمه أنت فتدارك المأمون ما بقي من رمق المنة بالمنة وأورى له زند المحبة بالمحنة وهذا الفن كثير لا يحصى ولا يعز وجوده عند الاستقصا.
стр. 143
الباب الرابع
في الحمق
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول من هذا الباب
في ذم الجهالة
في ذمّ الجهالة والجنون ... وما اشتملا عليه من الفنون
قال رسول الله ﷺ لا تزوجوا الحمقاء فإن صحبتها بلاء وفي ولدها ضياع وفي حديث آخر لا تسترضعوا الحمقاء فإن لبنها يغير الطباع وقال عمر ﵁ لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر إلا خرج الولد مائقاً حد الحمق قالوا هو قلة الاصابة ووضع الشيء في غير الموضع الذي وضع له وقيل هو فقدان ما يحمد من العاقل وقيل لعمرو بن هبيرة ما حد الحمق قال لا حد له كالعقل وقال أبو يوسف الناس ثلاثة مجنون ونصف مجنون وعاقل فأما المجنون فأنت منه في راحة لتركك الاختلاط به وأما نصف المجنون فأنت معه في تعب لضرورتك إليه وأما العاقل فقد كفيت مؤنته
فمن قولهم في ذم الحمق واظهار خافيه ... وأنه داء عضال لا يمكن تلافيه
إن رسول الله ﷺ قال الأحمق أبغض الخلق إلى الله تعالى إذ حرمه أعز الأشياء عليه وهو العقل وقيل أوحى الله تعالى إلى موسى ﵊ أتدري لم رزقت الأحمق قال لا يا رب قال ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاجتهاد وقيل من لا عقل له لا دين له ومن لا دين له لا آخرة
стр. 144
له وقال الشعبي إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمته فإن أول ما يغير منه عقله وقالوا الحمق داء دواؤه الموت وقال الشاعر
لكل داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
وقال بعض الحكماء لو جاز لوم الأحمق على أن يعقل جاز لوم الأعمى على أن يبصر وروى أن عيسى ﵇ أتى بأحمق ليداويه فقال أعياني دواء الأحمق ولم يعيني مداواة الأكمه والأبرص وقال الشاعر
وعلاج الأبدان أيسر خطباً ... حين تعتل من علاج العقول
وقال معلم موسى الهادي له في معرض التقريع له يا أحمق فهشم أنفه فسأله أبوه المهدي عن السبب فقال قال لي يا أحمق ولو قال لي يا مجنون لاحتملته وقال الشعبي خطب الحجاج يوم جمعة فأطال فقام إليه رجل أعرابي وقال إن الوقت لا ينتظرك وإن الرب لا يعذرك فأمر به فحبس فأتاه أهله وقالوا إنه مجنون فقال الحجاج إن أقر بالجنون خليت سبيله فجاء إلى الرجل أهله وسألوه أن يقر لهم بالجنون فقال لا والله ولا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني فبلغ الحجاج كلامه فعظم في نفسه وأطلقه وقال الأصمعي قلت لغلام من أبناء العرب أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنت أحمق قال لا والله قلت ولم قال أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب مالي ويبقى حمقي وقال سعيد بن عمار مكتوب في التوراة إن من صنع لأحمق معروفاً فهو خطيئة مكتوبة عليه وقيل إذا قيل لك إن فقيراً استغنى أو غنياً افتقر أو حياً مات أو ميتاً عاش فصدق وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق وقالوا الأحمق تتمنى أمه لو ثكلته وتتمنى زوجته أنها عدمته ويتمنى جاره منه الوحدة ويريد جليسه منه الوحشة
ومما اخترناه من حكم أولي التجارب ... في ذم التعرف بمن هو للنهي محارب
قول عبد الله بن عباس ﵁ مجامعة العاقل في الغل والوثاق خير من مجامعة الجاهل على السندس والاستبرق وقال الأحنف بن قيس إني
стр. 145
لأجالس الأحمق ساعة فأتبين ذلك في عقلي وقال لقمان لابنه لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال فإنه كالسيف حسن مخبره قبيح أثره وقال الجاحظ لا تجالس الحمقى فإنه يعلق بك من مجالستهم يوماً من الفساد ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهراً من الصلاح فإن الفساد أشد التحاماً بالطبائع وقال بزرجمهر مقاساة الأحمق عذاب الروح وقال مسلم بن قتيبة لا تطلب حاجتك إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك فسكوته خير من نطقه وبعده خير من قربه وموته خير من حياته وقالوا العاقل مرجو خيره على كل حال والأحمق مخوف شره على كل حال وقالوا صحبة العاقل في لجج البحار وأهوال القفار ألذ من صحبة الجاهل بين جنات وأنهار وألوان أطعمة وثمار وقالوا صحبة الأحمق غدر ومجاورته خطر والبعد عنه ظفر وقال الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى وقال ابن المعتز إن الأحمق ضال مضل إن أونس تكبر وإن أوحش تكدر وإن استنطق تجلف وإن ترك تكلف مجالسته تضر وموالاته تغر ومقارنته شقاء ومفارقته شفاء وقال علي بن بسام
لا تيأسنّ من اللبيب وإن جفا ... واقطع حبالك من حبال الأحمق
فعداوة من عاقل متجمل ... أولى وأسلم من صداقة أخرق
وقالت الحكماء العاقل يضل عقله عند مجاورة الأحمق وقالوا مثل الأحمق كالثوب الخلق إن رفأته من موضع تخرق من موضع آخر وقال مسكين الدارمي
اتق الأحمق لا تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعت منه جانباً ... حركته الريح وهنا فانخرق
أو كصدع في زجاج فاسد ... هل ترى صدع زجاج يرتتق
وإذا عاتبته كي يرعوي ... زاد جهلاً وتمادى في الحمق
وقالوا الأحمق كالرمل المنهار كلما قومت منه جانباً إنهار عليك جانب آخر
следующие страницы →