← Адаб

Адаб · id 1349

غرر الخصائص الواضحة

الوطواط

Полный текст (601 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمال والعقار قلت وأين ذاك قال بالبصرة قال المنصور فلولا أن حق الصحبة منعني عنه كنت هممت به وشفيت نفسي منه فقلت له أتعرفني قال ما أثبتك معرفة ولا أنكرك من سوء قلت أنا المنصور فأسقط في يده ووقعت عليه الرعدة ثم قال يا أمير المؤمنين أقلني جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فأقلته وانصرفت ثم طلبته بعد ذلك ليسامرني فلم أجده فكان البيداء أبادته قال أبو الفرج الأصفهاني وهذا الأعمى هو أبو العباس بن السائب بن فروخ من بني الليث وقيل من بني الديل بن بكر له في بني أمية مدائح أجزلوا له بها المنائح فمنها قوله وكل خليفة ووليّ عهد ... لكم يا آل مروان الفداء امارتكم شفاء حيث كنتم ... وبعض امارة الأمراء داء وكنتم تحسنون إذا ملكتم ... وغيركم إذا ملكوا أساؤا هم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأيديهم وأعينهم سماء ولي عمر ﵁ رجلاً من قريش عملاً فبلغه عنه أنه قال اسقني شربة ألذ لديها ... واسق بالله مثلها ابن هشام فعزله فلما قدم عليه قال له أنت القائل وأنشده البيت قال نعم والقائل بعده عسلاً بارداً بماء سحاب ... إنني لا أحب شرب المدام فقال له عمر قاتلك الله كذا قلت ورده إلى عمله وأتى عبد الملك بمصلفة بن هبيرة الشيباني وكان ممن أخذ مع الخوارج فأمر بقتله وقال ألست القائل ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب

стр. 142

فقال يا أمير المؤمنين إنما قلت أمير وفتح الراء فاستحسن ذلك منه وأطلقه فانظر إلى حذق هذا الرجل سكن جأشاً بحركة أمد عمره من أجلها بالبركة وذلك بفتح الراء من كلمة وجعل الهمزة حرف النداء والمنادى المضاف منصوب أبداً وقبل هذا البيت ألا أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح ما ترعاه منك قريب فإنك ألا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب فمنا سويد البيت وقال الحجاج لعبد الرحمن بن أبي بكرة ما مالك قال لقد ختمت على ألف ألف درهم ثم إن عبد الرحمن بن أبي بكرة شعر بزلة لسانه وخاف عائلة الحجاج فتداركها مسرعاً وقال ولقد أصبحت وما أملك إلا خاتمي وأتى المأمون برجل ادعى النبوة فقال له ما اسمك قال أنا أحمد النبي فقال له لقد ادعيت زوراً ثم أمر به ليضرب فلما رأى الرجل الأعوان قد أحاطت به قال يا أمير المؤمنين أنا أحمد النبي فهل تذمه أنت فتدارك المأمون ما بقي من رمق المنة بالمنة وأورى له زند المحبة بالمحنة وهذا الفن كثير لا يحصى ولا يعز وجوده عند الاستقصا.

стр. 143

الباب الرابع في الحمق وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من هذا الباب في ذم الجهالة في ذمّ الجهالة والجنون ... وما اشتملا عليه من الفنون قال رسول الله ﷺ لا تزوجوا الحمقاء فإن صحبتها بلاء وفي ولدها ضياع وفي حديث آخر لا تسترضعوا الحمقاء فإن لبنها يغير الطباع وقال عمر ﵁ لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر إلا خرج الولد مائقاً حد الحمق قالوا هو قلة الاصابة ووضع الشيء في غير الموضع الذي وضع له وقيل هو فقدان ما يحمد من العاقل وقيل لعمرو بن هبيرة ما حد الحمق قال لا حد له كالعقل وقال أبو يوسف الناس ثلاثة مجنون ونصف مجنون وعاقل فأما المجنون فأنت منه في راحة لتركك الاختلاط به وأما نصف المجنون فأنت معه في تعب لضرورتك إليه وأما العاقل فقد كفيت مؤنته فمن قولهم في ذم الحمق واظهار خافيه ... وأنه داء عضال لا يمكن تلافيه إن رسول الله ﷺ قال الأحمق أبغض الخلق إلى الله تعالى إذ حرمه أعز الأشياء عليه وهو العقل وقيل أوحى الله تعالى إلى موسى ﵊ أتدري لم رزقت الأحمق قال لا يا رب قال ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاجتهاد وقيل من لا عقل له لا دين له ومن لا دين له لا آخرة

стр. 144

له وقال الشعبي إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمته فإن أول ما يغير منه عقله وقالوا الحمق داء دواؤه الموت وقال الشاعر لكل داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها وقال بعض الحكماء لو جاز لوم الأحمق على أن يعقل جاز لوم الأعمى على أن يبصر وروى أن عيسى ﵇ أتى بأحمق ليداويه فقال أعياني دواء الأحمق ولم يعيني مداواة الأكمه والأبرص وقال الشاعر وعلاج الأبدان أيسر خطباً ... حين تعتل من علاج العقول وقال معلم موسى الهادي له في معرض التقريع له يا أحمق فهشم أنفه فسأله أبوه المهدي عن السبب فقال قال لي يا أحمق ولو قال لي يا مجنون لاحتملته وقال الشعبي خطب الحجاج يوم جمعة فأطال فقام إليه رجل أعرابي وقال إن الوقت لا ينتظرك وإن الرب لا يعذرك فأمر به فحبس فأتاه أهله وقالوا إنه مجنون فقال الحجاج إن أقر بالجنون خليت سبيله فجاء إلى الرجل أهله وسألوه أن يقر لهم بالجنون فقال لا والله ولا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني فبلغ الحجاج كلامه فعظم في نفسه وأطلقه وقال الأصمعي قلت لغلام من أبناء العرب أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنت أحمق قال لا والله قلت ولم قال أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب مالي ويبقى حمقي وقال سعيد بن عمار مكتوب في التوراة إن من صنع لأحمق معروفاً فهو خطيئة مكتوبة عليه وقيل إذا قيل لك إن فقيراً استغنى أو غنياً افتقر أو حياً مات أو ميتاً عاش فصدق وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق وقالوا الأحمق تتمنى أمه لو ثكلته وتتمنى زوجته أنها عدمته ويتمنى جاره منه الوحدة ويريد جليسه منه الوحشة ومما اخترناه من حكم أولي التجارب ... في ذم التعرف بمن هو للنهي محارب قول عبد الله بن عباس ﵁ مجامعة العاقل في الغل والوثاق خير من مجامعة الجاهل على السندس والاستبرق وقال الأحنف بن قيس إني

стр. 145

لأجالس الأحمق ساعة فأتبين ذلك في عقلي وقال لقمان لابنه لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال فإنه كالسيف حسن مخبره قبيح أثره وقال الجاحظ لا تجالس الحمقى فإنه يعلق بك من مجالستهم يوماً من الفساد ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهراً من الصلاح فإن الفساد أشد التحاماً بالطبائع وقال بزرجمهر مقاساة الأحمق عذاب الروح وقال مسلم بن قتيبة لا تطلب حاجتك إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك فسكوته خير من نطقه وبعده خير من قربه وموته خير من حياته وقالوا العاقل مرجو خيره على كل حال والأحمق مخوف شره على كل حال وقالوا صحبة العاقل في لجج البحار وأهوال القفار ألذ من صحبة الجاهل بين جنات وأنهار وألوان أطعمة وثمار وقالوا صحبة الأحمق غدر ومجاورته خطر والبعد عنه ظفر وقال الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى وقال ابن المعتز إن الأحمق ضال مضل إن أونس تكبر وإن أوحش تكدر وإن استنطق تجلف وإن ترك تكلف مجالسته تضر وموالاته تغر ومقارنته شقاء ومفارقته شفاء وقال علي بن بسام لا تيأسنّ من اللبيب وإن جفا ... واقطع حبالك من حبال الأحمق فعداوة من عاقل متجمل ... أولى وأسلم من صداقة أخرق وقالت الحكماء العاقل يضل عقله عند مجاورة الأحمق وقالوا مثل الأحمق كالثوب الخلق إن رفأته من موضع تخرق من موضع آخر وقال مسكين الدارمي اتق الأحمق لا تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق كلما رقعت منه جانباً ... حركته الريح وهنا فانخرق أو كصدع في زجاج فاسد ... هل ترى صدع زجاج يرتتق وإذا عاتبته كي يرعوي ... زاد جهلاً وتمادى في الحمق وقالوا الأحمق كالرمل المنهار كلما قومت منه جانباً إنهار عليك جانب آخر

стр. 146

ما يستدلّ به من ذميم الخلائق ... على خافي حمق الأهوج والمائق قالوا مما حكمت به التجربة أن من طالت قامته وصغرت هامته وانسدلت لحيته كان حقيقاً على من يراه أن يقرئه عن عقله السلام ابن الرومي يهجو اللحي إن تطل لحية عليك وتعرض ... فالمخالي مخلوقة للحمير علق الله في عذاريك مخلا ... ة ولكنها بغير شعير لو رأى مثلها النبيّ لا جرى ... في الحي الناس سنة التقصير وقال آخر صاحبنا الخياط ذو لحية ... كأنها في عرضها والكمال ملحفة للهو مضروبة ... ووجهه من فوقها كالخيال في التوراة إن اللحية مخرجها من الدماغ فمن أفرط عليه طولها قل دماغه ومن قل دماغه قل عقله ومن قل عقله فهو أحمق وقالت أعرابية لقاض قضى عليها صغر رأسك فبعد فهمك وانسدلت لحيتك فانشمر عقلك وما رأيت ميتاً يقضي بين حيين غيرك وقال المأمون إذا طالت اللحية تكوسج العقل وقال مسلمة بن عبد الملك يوماً لجلسائه يعرف حمق الرجل في أربع طول لحيته وبشاعة كنيته وإفراط شهوته ونقش خاتمه فدخل عليهم رجل طويل اللحية فقال لهم أما هذا فقد أتاكم بواحدة فانظروا أين هو من الثلاث فقيل له ما كنيتك قال أبو الياقوت قيل فما نقش خاتمك قال وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين قيل فأي الطعام أحب إليك قال الجلنجبين وهو الورد المربى فأنشد مسلمة ما بعد كنيته وطول لحيته ... ونقش خاتمه شك لمعتبر

стр. 147

وممن شهر بالعقل النافر ... وعرف بالحمق الوافر المعلمون قال الجاحظ قسم الله الحمق مائه جزء فجعل منه تسعة وتسعين جزأ في المعلمين والجزء الآخر في سائر الناس وقال الشاعر كفى المرء نقصاً أن يقال بأنه ... معلم صبيان وإن كان فاضلا آخر وإن أحمق خلق الله كلهم ... من كان بالفصل والتعليم مشتغلا الله صاغهم حمقى وكوّنهم ... نوكي وأوجدهم بين الورى سفلا ذاعت حماقتهم في الناس واشتهرت ... بين البرية حتى أصبحوا مثلا وحكى الجاحظ قال مررت بمعلم شاب حسن الهيئة فجعلت أصعد نظري ففهم عني وأنشدني ما طار تحت الخافقي ... ن أقلّ عقلاً من معلم ولقد جلسنا في الصنا ... عة من قريب رب سلم فكأنما ألقم فمي حجراً فانصرفت وتركته وكان الجاحظ كثيراً ما ينشد وكيف يرجى العقل والرأي عند من ... يروح على أنثى ويغدو على طفل ومن أمثالهم أحمق من معلم ومن راعي ضان قال المتنبي يموت راعي الضان في جهله ... ميتة جالينوس في طبه والنساء قالوا لا تدع أم صبيك تؤدبه فإنه أعقل منها وإن كانت أسن منه بل أدبه بزجرك وهذبه بهجرك ويقال عقل مائة صبي بعقل معلم وعقل مائة

стр. 148

معلم بعقل خصي وعقل مائة خصي بعقل امرأة ويكفي في ذمهن قول رسول الله ﷺ النساء ناقصات عقل ودين وقوله لما بلغه أن الفرس ملكوا عليهم بوران لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة والخصيان قال الجاحظ في الخصي عشر خصال متضادة لم يخرج من ظهر مؤمن ولا يخرج من ظهره مؤمن وهو أكثر الناس غيرة وأشدهم قادة وهو أضعف الناس معدة وأشرههم على الطعام وهو أسوأ الناس أدباً ويعلمهم الأدب وهو أغزر الناس دمعة وأقساهم قلباً ما خلا مع رجل إلا حدثته نفسه أنه امرأة ولا خلا مع امرأة إلا حدثته نفسه أنه رجل بعض الشعراء يذم الخصيان ليس حمد الخصيان في الناس إلا ... شدّة الصبر عند سدّ الفقاح معشر اشبهوا القرود ولكن ... خالفوها في خلقة الأرواح وقد بالغ المتنبي في هجو كافور الأخشيدي وتعداد معايبه وأوصافه فلا حاجة إلى ذكرها في هذا المختصر ولا بد من إيراد شيء منها فمن ذلك قوله من أيّة الطرق يأتي نحوك الكرم ... أين المحاجم يا كافور والجلم جار الأولى ملكت كفاك قدرهم ... فعرفوا بك أنّ الكلب فوقهم لا شيء أقبح من حرّ له ذكر ... تقوده أمة ليست لها رحم وقوله العبد ليس لحرّ صالح بأخ ... لو أنه في ثياب الحرّ مولود

стр. 149

لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إنّ العيد لأنحاس مناكيد من علم الأسود المخصيّ مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد أم أذنه في يد النخاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود أولي اللئام كفا بغير مقدرة ... فلا جميل ولا عفو ولا جود وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود قبح الله الشعراء ما أقل حفاظهم وأكثر ما تتفاوت بالكذب في المدح والذم ألفاظهم يقول هذا بعد أن قال فيه وقد وصف خيلاً أركبها إليه فجاءت بنا انسان عين زمانه ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السواقيا لقد باع من الوفاء علقاً خطيراً واعتاض من الطمع شيأً يسيراً وحال بينه وبين العهد الوفاء وكان يضايق نفسه في اختيار المتاع ويسامحها في اختيار المبتاع ويخلع خلعة تساوي بدرة على عرض يساوي نقرة ويرف كريمة من كرائم شعره إلى من لم تقم عنه كريمة ولم يعرف له قيمة لو رأى الطمع في بحر النار لدخله ولو أتاه الدرهم من دبر كلب لأخذه وما غسله فلا جرم إن الناس كما استحسنوا قوله استقبحوا فعله وكما أعجبوا بشعره تعجبوا من غدره يشكر ثم يشكو ويمدح ثم يهجو ويشهد ثم يجرح شهادته ويعطي ثم يسترجع عطيته فكم حر سلبه لخاءه وكم عرض جرد عنه كساءه ومن صحفة أكل منها ثم شرق فيها ومن طوية زهدها ثم عكف عليها وصف بعضهم الخصيان مادحاً لهم فقال هم الأمناء على الحرم البعداء عن التهم ولهم التظرف والتلطف والوقار وقلة الضحك وهم طراز الملك وجمال الدول وعنوان النعم وكثيراً ما أدبوا أولاد الملوك وهذبوهم وعرفوهم طريق السياسات ودربوهم والحاكة يقال الحمق عشرة أجزاء تسعة منها في الحاكة وواحد في سائر الناس وقالوا لو أن للحائك قرناً لنطح به وسأل رجل الأعمش عن

стр. 150

الصلاة خلف الحائك فقال لا بأس بها على غير وضوء قيل فما تقول في شهادته قال تقبل مع شاهدين عدلين وقال الحسن البصري من نظر في طراز حائك لم يرجع إليه عقله أربعين يوماً والسبب في زوال عقولهم ما ذكر أن مريم ﵍ ذهبت تطلب عيسى وكان قد ضل منها فلقيت حائكاً فسألته كيف أخذ فدلها على غير الطريق التي سلك فقالت اللهم توهه فلا يوجد إلا تائهاً وفي رواية أنها قالت اللهم اجعلهم سفلة الناس وأقلهم عقلاً قيل لرجل من الحاكة هل في بلدكم حائك قال لا قيل فمن ينسج ثيابكم قال كل منا ينسج ثوبه لنفسه قيل له فإذا كلكم حاكة قالوا فلان مجنون وأجن منه لا يكون فلان إذا رأيته نسيت مجنون بني عامر طرف مما ذمّ به أهل الجهالة ... المتمسكون بعرى الغواية والضلالة يحكى أن أبا الأسود الدؤلي قال إذا أردت أن تقهر عالماً فأحضره جاهلاً وقالوا لا معيبة أعظم من الجهل ولا صاحب أخذل منه وقالوا لا مصيبة أعظم من الجهل وقالوا الجهل في القلب كالأكلة في الجسد وقال بزرجمهر العالم كبير وإن كان صغيراً والجاهل صغير وإن كان كبيراً وقال جعفر بن محمد الصادق ﵄ الأدب عند الجاهل كالماء في أصول الحنظل كلما ازداد رياً ازداد مرارة وقال وهب بن منبه يقال إن الجاهل إذا تكلم فضحه عيبه وإذا سكت فضحه جهله لا علم نفسه يغنيه ولا علم غيره ينفعه إن قال لم يحسن وإن قيل له لم يفقه وذم أعرابي رجلاً فقال فلان إن أعرضت عنه اغتم وإن أقبلت عليه اعتز وإن حلمت عليه جهل عليك وإن جهلت عليه حلم عنك البشامى يهجو جاهلاً لنا جليس تارك للأدب ... جليسه من نوكه في تعب مخالف يغضب في حال الرضا ... عمداً ويرضى عند حال الغضب كأنه من سوء تأديباته ... أسلم في مكتب سوء الأدب وقال بزرجمهر الجاهل عد ونفسه فكيف يكون صديق غيره وسئل أبو العيناء عن مالك بن طوق فقال لو كان في بني إسرائيل ووقعت قصة البقرة ما

стр. 151

ذبح غيره شاعر يهجو جاهلاً ليس يدري من الجهالة من ذا ... دوّر البعر في بطون الجمال آخر يظنّ بأنّ الخمل في القطف نابت ... وأنّ الذي في باطن التين خردل وقالوا فلان لا يعرف اليمين من الشمال ولا الجنوب من الشمال ولا السماء من الأرض ولا الطول من العرض ينظر إلى العلم نظر المغشي عليه من الموت إن أصاب أحجم وإن أخطأ صمم وقالوا فلان خطؤه بعد اجتهاد وصوابه عن غير اعتماد وقال الشاعر يصيب ولا يدري ويخطي وما درى ... وكيف يكون النوك إلا كذلكا وقالوا الجهل رأس الفضائح ومعدن القبائح ومضمار العثار وهو الدليل على غلظ الطبع وجمود الخاطر وفساد التركيب واعتلال الذهن وكذب النفيل وخبث الطوية ويقال أشد حوادث الدنيا عالم يجري عليه حكم جاهل وكانت ملوك الفرس إذا غضبت على عالم وأرادت عقوبته حبسته مع جاهل شاعر وإذا بليت بجاهل متهكم ... يجد المحال من الأمور صوابا أوليته مني السكوت وربما ... كان السكوت عن الجواب جوابا وفي منثور الحكم من عرف بالجهل فهو لكل قبيحة أهل وقالوا لا يرى الجاهل إلا مفرطاً أو مفرطا يسئ عمداً ويحسن غلطاً وقيل لبزرجمهر مالكم لا تعاقبون الجهال على أن يعقلوا فقال إنا لا نكلف العمي بأن يبصروا ولا الصم بأن يسمعوا وقال بعض الحكماء عمي الجهل أشد من عمي العين لأن الأعمى يتوقع أن يعثر فيما ارتفع من الأرض أو يسقط فيما انخفض منها

стр. 152

والجاهل ربما عثر فيما لا يستقيل منه ووقع فيما لا مخرج له عنه ابن الرومي كالثور عقلاً ومثل التيس معرفة ... فلا يفرّق بين الحق والفند الجهل شخصٍ ينادي فوق هامته ... لا تسأل الربع ما في الربع من أحد وقالوا الجاهل يجني على نفسه وليس شيء أحب إليه منها استأذن رجل من ثقيف على الوليد وعنده عبد الله بن جعفر الصادق وهما يلعبان بالشطرنج فستر عبد الله الشطرنج فلما دخل الرجل وسلم سأله الوليد عن حاله فأخبره ثم قال له أقرأت القرآن قال لا والله يا أمير المؤمنين شغلني عنه أمور وهنات قال أرويت من الحديث شيأً قال لا والله يا أمير المؤمنين قال أتعرف الفقه قال لا والله يا أمير المؤمنين فكشف عن الشطرنج وقال شاهك يا أبا جعفر فقال عبد الله لو رفعت فقال العب فما عندك أحد ومن صفات من عدم خلال النهى ... واعتراه في عقله اختلال فوهى إن تكلم عجل وإن حدث وهل وإن استنزل عن رأي نزل وإن حمل على باطل فعل ومن علاماته الغضب في غير شيء والكلام في غير نفع وإفشاء السر والثقة بكل أحد وأن لا يعرف صديقه من عدوه ومن علاماته العجلة والخفة والتواني والضياع والتفريط والغفلة والسهو ومن علاماته إن استغنى بطر وإن افتقر قنط وإن فرح أشروان بكى خار وإن ضحك نهق وإن أعطيته كفرك وإن أعطاك من عليك وقالوا من علامات المائق كثرة الالتفات وسرعة الجواب وتحريك الرأس إذا مشى وإذا اعتبرنا هذه الخلال الرذلة وجدناها في كثير من الناس فلا نكاد نعرف العاقل من كثرة الالتباس كما قال ﵊ ليس من أحد إلا وفيه حمقة فبها يعيش وقال وهب بن منبه خلق ابن آدم أحمق ولولا ذلك لما هنأه العيش

стр. 153

نادرة قيل لبهلول عد لنا المجانين فقال هذا يطول ولكني أعد العقلاء نظر إلى هذا المعنى بعض الشعراء فقال وأجاد وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الرجال ذوي العقول وقد كانوا إذا ذكروا قليلاً ... فقد صاروا أقل من القليل الفصل الثاني من الباب الرابع في ذكر النوادر في ذكر النوادر الصادرة ... عن مجانين البادية والحاضرة فمن شهر منهم بالملح وعرف ... واستحسن كلامه النادر واستظرف جعيفران واسمه جعفر وإنما صغر للتحبيب وهو القائل في نفسه ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه أضحى لقوم كثير ... فكلهم يدّعيه هذا يقول بني ... وذا يخاصم فيه وإلامّ تضحك منهم ... لعلمها بأبيه ويقال إن هذه الأبيات وضعها في دعبل فيكون قوله ما دعبل لأبيه والرواية الأولى هي التي رواها أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني وكان جعيفران متشيعاً قيل له يوماً اشتم فاطمة وخذ درهماً قال لا بل أشم عائشة وآخذ نصف درهم واستقبلته امرأة صبيحة فبدر إليها وقبلها فأكب الناس عليه يضربونه فأنشد علقوا اللحم للبزا ... ة على ذروتي عدن

стр. 154

ثم لاموا المحب في ... هـ على خلعه الرسن لو أرادوا عفافه ... نقبوا وجهها الحسن ووقف على علي بن إسمعيل الهاشمي فقال له أعطني درهماً فأمر الغلمان بطرده فطردوه فولى وهو ينشد قد زعم الناس ولم يكذبوا ... أنك من غير بني هاشم فقال لغلمانه ردوه وأعطوه درهمين فأخذهما وانصرف وهو ينشد قد كذب الله أحاديثهم ... يا هاشميّ الأصل من آدم وحكى الجاحظ قال كان جعيفران يماشي رجلاً فدفعه الرجل على كلب فقال له ما هذا قال أردت إن أقرنك به قال فمع من أنا منذ الغداة وتشاجر رجلان في رجل ادعياه فقال أحدهما هو من طفاوة وقال الآخر هو من بني راسب وتحاكما إلى جعيفران فقال ألقوه في الماء فإن طفا فهو من طفاوة وإن رسب فهو من بني راسب قال الصابون راسب بن سدعان بطن من الأزد وطفاوة من ولد أعصر وهو منبه بن سعد بن قيس عيلان وهذه الحكاية نسبها الميداني في كتاب الأمثال لهبنقة الليثي المضروب به المثل في التغفل والحمق ومن مشاهير مجانين الكوفة البهلول ... ذو العقل السقيم والذهن المفلول ولد لإسحق بن محمد الصباح بنت فساءه ذلك وامتنع من الطعام والشراب فدخل عليه بهلول وقال أيها الأمير ما هذا الجزع والحزن جزعت لخلق سوى وهبه الملك العلي أيسرك أن يكون مكانها ابن وأنه مثلي فضحك الأمير ودعا بالطعام والشراب وأذن للناس بالدخول عليه للهناء ومر بهلول بقوم في أصل شجرة يستظلون بفيئها فقال بعضهم لبعض تعالوا حتى نسخر من بهلول فلما اجتمعوا إليه قال أحدهم يا بهلول تصعد هذه الشجرة وتأخذ من الدراهم عشرة قال نعم فأعطوه الدراهم فصرها في كمه ثم قال هاتوا سلماً

стр. 155

فقالوا لم يكن في شرطنا سلم قال كان في شرطي دون شرطكم وسئل عن مسئلة من الفرائض وهي رجل مات وخلف ابناً وبنتاً وزوجة ولم يترك من المال شيأً فقال للابن اليتيم وللبنت الثكل وللزوجة خراب البيت وما بقي من الهم فللعصبة وحمل عليه الصبيان يوماً فألجؤه إلى دار مفتوحة فولجها فوجد فيها قوماً وبين أيديهم مائدة فيها من أنواع الأطعمة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فرجع وغلق الباب ودخل وهو يقرأ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وتبعه الصبيان يوماً آخر فالتجأ إلى دار بعض العلويين فرأى رجلاً ضخماً بضفيرتين فقال يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سداً فخرج الرجل وأغلق الباب وحماه من الصبيان وحمل عليه الصبيان يوماً فالجؤه إلى مضيق فشد عليهم بالقصبة وهو يقول إذا تضايق أمر فانتظر فرجاً ... فأضيق الأمر أدناه من الفرج وسمع البهلول مجنوناً يقول يوم عيد يا أيها الناس إني رسول الله إليكم فلطم وجهه وقال ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقال له الرشيد يوماً من أحب إليك قال من أشبع بطني قال إني أشبعك فهل تحبني قال له الحب لا يكون بالنسيئة وأحضره يوماً وأجلسه في صحن الدار وجلست أم جعفر حيث لا يراها وعيسى بن جعفر جالس مع الرشيد فقال له الرشيد عدلنا المجانين فقال أولهم أنا والثاني هذه وأشار إلى أم جعفر فقال له عيسى يا ابن اللخناء تقول هذا لأختي قال بهلول وأنت الثالث يا صاحب العربدة فقال الرشيد أخرجوه فقال بهلول وأنت الرابع وقال رجل لبهلول قد أمر الأمير لكل مجنون بدرهمين فقال له امض وخذ نصيبك لئلا يفوتك وقيل أيما أفضل أبو بكر أو علي فقال أما وأنا في كندة فعلي وإذا كنت في بني ضبة فأبو بكر وكندة في الكوفة من غلاة الشيعة وبنو ضبة أهل نصب وهم أصحاب الجمل

стр. 156

نبذ مما يجلب التسلي لقلب المحزون ... من الفكاهات المحكية عن عليان المجنون ذكر أنه وصف للمأمون فأمر باحضاره فلما مثل بين يديه ازدراه وأمر به أن يجلس في مجالس العامة ثم قال له ما اسمك قال عليان فضحك منه فقال عليان إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون فهابه المأمون وعظم في عينه بها ومر به رجل وهو يأكل تمراً والصبيان يؤذونه فقال للرجل انظر إلى هذا التمر من رحمة الله وهؤلاء الصبيان من عذاب الله وتولع الصبيان به يوماً فقال له رجل هل لك في طردهم عنك قال نعم وأنت معهم ورآه رجل وهو يأكل تمراً في السوق فقال له يا عليان أتأكل في السوق قال من جاع في السوق أكل في السوق ورآه من لا يعرفه فقال له أنت مجنون فقال كل الناس مجانين ولكن حظي أوفر وقال له رجل ما الذي صيرك إلى ما أرى قال محتوم القضا وقال له من لا يعرفه أغريب أنت قال أما عن العقل فنعم وأما عن البلد فلا وأدخل بهلول على الرشيد وعنده عليان فكلمهما فأغلظا له في القول وأمر بالنطع والسيف فقال عليان كنا مجنونين فصرنا ثلاثه فضحك الرشيد وعفا عنهما ومات أبوه وخلف ستمائة درهم فأخذها القاضي وحجر عليه ليختبر عقله فجاءه بعد مدة فقال له إنك حجرت علي لما علمت أني مصاب في عقلي وأنا جائع فادفع لي مائتي درهم حتى أقعد بها في أصحاب الخلقان أبيع وأشتري فإن رأيت مني رشداً جنحت إلى الباقي وإن أتلفتها كان الذي أتلفت أقل مما بقي فأعطاه مائتي درهم فأخذها ولزم الحيرة حتى أنفدها ورأى القاضي بعد ذلك فقال يا عليان ما صنعت بالدراهم قال أنفقتها فليزن القاضي أعزه الله من ماله مائتي درهم ويردها إلى الكيس حتى يرجع المال إلى ما كان عليه طرف من لطائف أخبارهم الأنيقة ... ونتف من لطائف نوادرهم الرشيقة حكى أن ثمامة بن أشرس قال بعثني الرشيد إلى دار المجانين لأصلح ما فسد من حالهم فرأيت فيهم شاباً حسن الزي كأنه صحيح العقل فقال لي يا ثمامة إنك تقول إن العبد لا ينفك من نعمة يجب الشكر عليها وبلية يجب الصبرر

стр. 157

لديها وأنت تبيح المطبوخ أرأيت لو سكرت ونمت وقام إليك غلامك وأولج فيك مثل ذراع البكر فقل لي أهذه نعمة يجب الشكر عليها أو بلية يجب الصبر لديها قال ثمامة فلم أدر بماذا أجيبه فقال مسئلة قلت ما هي قال متى يجد النائم لذة النوم إن قلت في حال نومه فمحال وإن قلت إذا استيقظ فبعيد أن يجد لذة شيء انقضى ومضى فبهت لا أحير جواباً فقال مسئلة أخرى قلت وما هي قال إنك تزعم أن لكل أمة نذيراً فما نذير الكلاب قلت لا أدري فقال أما الجواب عن المسئلة الأولى فيجب أن تقول النعم ثلاثة نعمة يجب الشكر عليها وبلية يجب الصب لديها وبلية يجب الصبر عنها فهذه من القسم الثالث وهي البلية التي يجب الصبر عنها وأما المسئلة الثانية فالجواب عنها إنها محال لأن النوم داء ولا لذة مع وجود الداء وأما المسئلة الثالثة وأخرج من كمه حجراً وقال إذا عدا عليك كلب فهذا نذيره ورماني بالحجر فأخطأني وأصاب الاسطوانة فلما رآه قد أخطأني قال فاتك النذير يا أيها الكلب الحقير فعلمت أنه مجنون وأن عقله مصاب فتركته وانصرفت وقنعت من الغنيمة بالاياب وكان في بني أسد مجنون يسمى لغدان فمر بقوم من بني تيم الله بن ثعلبة فعبثوا به فقال يا بني تيم الله ما أعلم في الدنيا خيراً منكم قالوا وكيف ذلك قال لأن بني أسد ليس فيهم مجنون غيري وقد قيدوني وسلسلوني وكلكم مجانين وليس فيكم مقيد وكتب بعض المجانين إلى قساوة كتابي إليك لثلاث ساعات من ليلة الميلاد التي صبحها يوم المهرجان ودجلة تطفح بالماء هياهيا والحجارة لا تزداد إلا كثرة والصبيان قللهم الله وبدد شملهم لا يزدادون إلا وقاحة فإن قدرت أن لا تبيت إلا وحولك حجارة فافعل واستعمل قول الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وركب بختيشوع المتطبب مع المأمون فتعلق به مجنون وقال أيها الطبيب جس نبضي فجسه وقال له ما تشتكي قال الشبق فقال له خذ مسواك أراك وأدخله من وراك فإنه صالح لذاك فرفع المجنون فخذه وضرط وقال خذ هذا جزاك حتى نجرب ذواك فإن كان صالحاً لذاك شكرناك وزدناك ولا يكون لنا طبيب سواك فجعل بختيشوع وضحك المأمون من كلام المجنون ووقف صباح

стр. 158

الموسوس على قوم فسألهم شيأً فردوه فولى وهو ينشد أسأت إذ أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظنّ بالناس وقال بعضهم رأيت مجنونين يتنازعان رغيفاً يؤثر كل واحد منهما صاحبه به وهما يتقاسمان عليه فقلت لهما وأنا أظن أني أربح عليهما أنا آكله إن لم تأكلاه فقال أحدهما يا أحمق إن معه ادما لا يسوغ إلا به قلت وما هو قال ضيق الخنق ووجء العنق فوليت عنهما فقالا يا مجنون لولا غضاضة الأدم لأكلناه منذ حين وسمع أبو الصقر المجنون سقاء يصيح في يوم حر هذا يوم يسقى فيه الماء فقال وأي يوم يطعم فيه الخبز وحكى علي بن الجهم الشاعر قال مررت بمجنون والناس مجتمعون عليه يعبثون به فلما رآني قصدني دونهم وأخذ بعنان بغلتي ثم أنشد لا تحفلنّ بمعشر ال ... همج الذين تراهم فوحق من أبلى بهم ... نفسي ومن عافاهم لو قيس موتاهم بهم ... كانوا همو موتاهم ثم جال بطرفه في الحلقة فرأى فيها شاباً مليح الوجه حسن الهيئة فوثب إليه ومزق ما كان عليه ثم نظر إلي وأنشد هذا السعيد لديهم ... قد صار بي أشقاهم ووقف بعض المجانين على باب مسجد فبال فأرادت العامة ضربه فقال لهم أرأيتم لو بال ههنا حمار أكنتم ضاربية قالوا لا قال فهبوني حماراً فإنه لا عقل لي فرقوا له وأطلقوه وقال المبرد دخلت دار المجانين فوقفت تجاه مجنون وأخرجت لساني فحول وجهه عني فجئت إلى الناحية التي حول وجهه إليها وأخرجت لساني فحول وجهه إلى ناحية أخرى فجئت إليه وفعلت مثل ذلك فلما أضجرته رفع رأسه إلى السماء وقال انظر يا رب من حلوا ومن ربطوا

стр. 159

ما اختير من شعرهم الرقيق الجزل ... المنظوم في سلكه جواهر الجدّ والهزل حدث ابن حبيب في كتابه الذي صنفه في أخبار عقلاء المجانين باسناده إلى أبي إسحق إبراهيم الايلي قال رأيت غورثا المجنون يوماً خارجاً من الحمام والصبيان قيام يضربونه ويؤذونه وهو يبكي فقلت له ما خبرك يا أبا محمد قال اذاني هؤلاء الصبيان أما يكفيني ما أنا فيه من العشق والجنون قلت ما أظنك مجنوناً قال بلى والله وعاشق قلت وهل قلت في عشقك شيأً قال نعم ثم أنشد جنون وعشق ذا يروح وذا يغدو ... فهذا له حدّ وهذا له حدّ وقد سكنا تحت الحشى وتحالفا ... على مهجتي أن لا يفارقها الجهد وأيّ طبيب يستطيع بحيلة ... يعالج من داءين ما منهما بدّ قال الايلي فوليت عنه فقال قف واسمع ما أقول فإن شرح غرامي على الخلي يطول فوقفت فأنشد جنون ليس يضبطه الحديد ... وحبّ لا يزول ولا يبيد فجسمي بين ذاك وذا نحيل ... وقلبي بين ذاك وذا عميد ثم قال لي انصرف ما سمعته يكفيك وأخذ يوماً بيد المتهم بعشقه فقال له المعشوق رجاء الخلاص منه كيف أصبحت فقال أصبحت منك على شفا جرف ... متعرّضاً لموارد التلف وأراك نحوي غير ملتفت ... منحرفاً عن غير منحرف يا من أطال بهجره أسفي ... أسفي عليك أشد من تلفي وحكى أيضاً أن هرون الرشيد مر بدير في ظاهر الرقة فلما أقبلت مواكبه أشرف أهل الدير ينظرون إليه وفيهم مجنون مسلسل فلما رأى هرون رمى بنفسه بين يديه وقال يا أمير المؤمنين قد قلت فيك أربعة أبيات أفأنشدك إياها قال

стр. 160

نعم فأنشده لحظات طرفك في العدا ... تغنيك عن سلّ السيوف وغريم رأيك في النهى ... يكفيك عاقبة الصروف وسيول كفك بالندى ... بحر يفيض على الضعيف وضياء وجهك في الدجى ... أبهى من البدر المنيف ثم قال يا أمير المؤمنين هات أربعة آلاف درهم اشترى بها كبيساً وتمراً فقال هرون تدفع له فحملت إلى أهله وحكى أيضاً قال ادريس بن إبراهيم اللخمي سمعني مجنون أنشد في يوم غيم أرى اليوم يوماً قد تكاثف غيمه ... واقتامه فاليوم لا شك ماطر فقال بديهاً من غير روية وقد حجبت فيه السحائب شمسه ... كما حجبت ورد الخدود المعاجر ومر إبراهيم بن المدبر بالأهواز وقد صرف عنها فتعرض له مالي الموسوس واسمه محمد بن القاسم فأخذ بلجام بغلته وقال ليت شعري أيّ قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من طول العجف نظر الله إليهم دوننا ... وحرمناك لذنب قد سلف يا أبا إسحق سر في دعة ... وامض محموداً فما عنك خلف إنما أنت سحاب هاطل ... حيثما صرّفه الله انصرف فأمر له بستمائة درهم ونظر إليه انسان وهو يأكل تمراً ويبلع نواه فقال له لم لا ترمي نواه قال هكذا وزن علي وقيل له في كم يصير الانسان مجنوناً فقال على قدر الصبيان ومن شعره زعموا أنّ من تشاغل باللذات ... يوماً عن حبه يتسلى

стр. 161

كذبوا والذي تساق له البد ... ن ومن دار بالطواف وصلى إن نار الهوى أحرّ من الجم ... ر على قلب عاشق يتصلى وأخبار ماني أحلى من مسامرة الأماني لكن استيفاؤها ربما يخرج عن الغرض ويبدل جوهر ما شرطناه بالعرض وحكى المبرد قال خرجنا من بغداد إلى واسط فملنا إلى دير هرقل ننظر إلى المجانين فنظرنا إلى فتى منهم ناحية عنهم فملنا إليه وسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام فقلنا له ما تجد فقال الله يعلم أنني كمد ... لا أستطيع أبثّ ما أحد روحان لي روح تضمنها ... بلد وأخرى حازها بلد وأرى المقيمة ليس ينفعها ... صبر وليس يفوتها جلد وأظن غائبتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد فقلنا له أحسنت فأومأ بيده إلى شيء ليرمينا به فولينا هاربين فقال سألتكم بالله إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت قلتم أحتلت وإن أسأت قلتم أسأت قال فرجعنا فقلنا له قل فأنشدنا لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ... ورحلوها وسارت بالدعى الابل وقلبت من خلال السجف ناظرها ... ترنو إليّ ودمع العين ينهمل وودعت ببنان زانها عنم ... ناديت لاحملت رجلاك يا جمل ويلي من البين ويل حلّ بي وبها ... من نازل البين جدّ البين وارتحلوا يا حادي العيس عرّج كي نودّعهم ... يا راحل العيس في ترحالك الأجل إني على العهد لم أنقض مودّتهم ... يا ليت شعري لطول الدهر ما فعلوا قال فقلنا له ماتو افصاح وقال وأنا والله أموت واستلقى على ظهره وتمدد فمات فما برحنا حتى دفناه رحمة الله عليه

стр. 162

الفصل الثالث من الباب الرابع في احتجاج الأريب المتحامق في احتجاج الأريب المتحامق ... على أنّ الحمق أزكى الخلائق قال الله تعالى فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء عبر بالأفئدة وهي القلوب عن العقول لأنها مقرها وقال النبي ﷺ يحاسب الله الناس على قدر عقولهم وفي طريق آخر إن الله يحاسب كل امرئ على مقدار عقله وفي بعض الآثار ما جعل الله لرجل عقلاً وافراً إلا احتسبه عليه من رزقه وقيل من زيد في عقله نقص من رزقه ما قيل في إنّ لذاذة العيش ... لا تحصل إلا بالجهالة والطيش ذكر إن بعض الحكماء سئل من أقر الناس عيناً وأحسنهم حالاً وأطيبهم عيشاً وأنعمهم بالاً فقال من كفى أمر دنياه ولو لم يهم لآخرته أخذه المتنبي فقال تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها ولا يتوقع ولمن يغالط في الحقيقة نفسه ... ويسومها طلب المحال فيطمع ولأبي بكر الكاتب من رزق الحمق فذ ونعمة ... آثارها واضحة ظاهره يحط ثقل الهمّ عن نفسه ... والفكر في الدنيا وفي الآخره وقال حكيم ثمرة الدنيا السرور ولا سرور للعقلاء وقال الشاعر الروح والراحة في الحمق ... وفي زوال العقل والخرق فمن أراد العيش في راحة ... فليلزم الجهل مع الحمق

стр. 163

ومن أمثالهم ما سر عاقل قط وقولهم الهم والعقل لا يفترقان وقولهم استراح من لا عقل له وقال بعض الحكماء العاقل في ربقة من عقله تحجبه عن اللذات وتصده عن الشهوات فمتى جرى على حكم البشرية فأطاع هواه واتبع غرضه ومناه قيل زلة عاقل وهفوة ذاكر فنعوذ بالله من شرها ونرغب إلى الله في الكفاية منها وقال الشاعر أرى العقل بؤساً في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلا ما حباك به الجهل وقالوا الجاهل ينال أغراضه ويظفر بآرابه ويطيع قلبه ويجري في عنان هواه وهو برئ من اللوم سليم من العيب تغفر زلاته وتتعمد هفواته وقال آخر الجاهل رخي الذرع خالي البال عازب الهم حسن الظن لا يخطر خوف الموت بفكره ولا يجري ألم الاشفاق على ذكره وقالوا الجهل مطية المسرة والمراح ومسرح الفكاهة والمزاح وحليف الهوى والتصابي صاحبه في زمام من عهدة اللوم والعتب وأمان من قوارص الذم والسب وقال الشاعر ورأيت الهموم في صحة العق ... ل فداويتها بأمراض عقلي وقال المغيرة بن شعبة ما العيش إلا في القاء الحشمة ومن احتجاج من أطلق نفسه من عقال العقل وألقى عصاه عامداً في بيداء الجهل قول بعضهم لما كان العقل في المعنى ذائداً عن الآراب وحائلاً دون الاعراض جعل اسمه مأخوذاً من لفظة العقال فكم بين الطليق والعاني ولين المعقود من الشارد وهل من يتصرف على اختياره ويجيب داعي أهوائه كمن يقسر ويحصر ويكره ويجبر وقالوا لو لم تكن فضيلة الجهل غير الاقدام وورود الحمام إذ هما عين الشجاعة والبسالة وسببان لتحصيل الرفعة والجلالة وقال

стр. 164

شاعرهم ما لي وللعقل لا استصحبته أبدا ... فالعقل ينزل دار الذل والهون لقد تعاقلت دهراً لا أرى فرجا ... ومذ تحامقت صار الناس يدنوني وقال يحيى بن أكثم ما رأيت العقل قط إلا خادماً للجهل وقالوا كم عاقل أخره عقله وجاهل صدره جهله وقال الشريف أبو يعلى بن الهبارية تجاهلت لما لم أر العقل شافعا ... وأنكرت لما كنت بالعلم ضائعا وما نافعي عقلي وفصي وفطنتي ... إذا بت صفر الكف والبطن جائعا وما أحسن قول عبد الله بن المعتر في هذا المعنى مع زيادة للمصنف العقل كالمرآة المصقولة يرى صاحبها فيها مساوئ الدنيا فلا يزال في صحوه مهموماً متعذر السرور حتى يشرب الخمر فإن أكثر منها غشيه الصدأ كله حتى لا تظهر تلك المساوئ فيفرح ويمرح والجهل كالمرآة الصدية لا يرى صاحبها إلا مسروراً أبداً قبل الشرب وبعده من هنا للمصنف فالعاقل يستدعي حالة الجهل إلى نفسه لترادف الهموم عليه في العواقب والغرض في اكتساب المحامد والمناقب فإذا ضاق بها ذرعاً ولم يستطع لردائها نزء احتال على ذهابها بالشراب لينحل عنه عقال الهموم والأتراح بأيدي المسرات والأفراح ومن مستطرف ما نظم في هذا المعنى قول أبي معاذ بشار بن برد: لما رأيت الحظ حظ الجاهل ... والعيش في الدنيا لغير العاقل رحلت عيساً من كرائم بابل ... فغدوت من عقلي ببعد مراحل

стр. 165

من أحاسن أقوالهم في أنّ العقل طريق إلى العنا وسدّ يمنع صاحبه من الوصول للغنى روى عن الامام محمد بن الحنفية ﵁ أنه قال وكل الله الجهل بالغنى والعقل بالحرمان ليعتبر العاقل وليعلم أن ليس له من الأمر شيء وفي مثل هذا يقول نصر بن أحمد المعروف بالخبزأرزي سبحان من قدّر الأشياء منزلها ... وصير الناس مرفوضاً ومرموقا فعاقل فطن أعيت مذاهبه ... وأحمق جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا قال رجل لبزرجمهر تعال نتناظر في القدر قال وما أصنع بالمناظرة رأيت الظاهر فاستدللت به على الباطن رأيت الأحمق مرزوقاً والعاقل محروماً فعلمت إن التدبير ليس من العباد وقيل أعجب الأشياء نجح الجاهل واكداء العاقل حتى قيل لو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم قال حبيب بن أوس الطائي ينال الفتى من عيشه وهو جاله ... ويكدي التي في دهره وهو عالم فلو كانت الأرزاق تجري على الحجي ... هلكن إذا من جهلهنّ البهائم المتنبي ذو العقل يشقى في النعيم بفضله ... وأخو الحماقة في الشقاء ينعم

стр. 166

آخر العقل ليس بمسعد خلقاً إذا ... ما عال حتى يسعد المقدور وحكومة الأيام يسعد جاهل ... فيها ويشقى العالم النحرير آخر لو كانت الأرزاق يدركها الفتى ... بجلادة أو قوّة وشراس لأخذت أفضلها ببارع همتي ... وبمنطقي وبحيلتي ومراسي لكنها قسم وليس بمدرك ... ما لم يقدّره إله الناس حدث ابن حبيب في كتابه عقلاء المجانين قال حدث سعيد بن علي بن عطاف قال كان عندنا رجل عاقل ظريف أديب يسمى عامراً وكان مع كثرة أدبه محروماً فقيل لي إنه قد تحامق فجعلت أتطلبه حتى ظفرت به في بعض الطرق والصبيان حوله يضحكون منه فقلت يا عامر ما هذه الحالة فانشد عجلاً ومرتجلاً يا عاذلي لا تلم أخا حمق ... يضحك منه فالحمق ألوان جقت نفسي لكي أنال غنى ... فالعقل في ذا الزمان حرمان وكان الحمدوني الشاعر يتحامق فعذله بعض أصحابه على ذلك فقال جماقة تعولني خير من عقل أعوله ثم أنشد عذلوني على الحماقة جهلا ... وهي من عقلهم ألذ وأحلى حمقى اليوم قائم بعيالي ... ويموتون أن تعاقلت دلا ومن المنظوم في أنّ من أفعال الزمان ... الباس العقلاء أسمال الحرمان أبو يعلى بن الهبارية الجهل أروح للفتى من عقله ... يمسي ويصبح آمناً مسرورا

стр. 167

ترك العواقب جانباً عن فكره ... وسعى رواحاً في الهوى وبكورا والعقل يعقله على حسراته ... ويصدّه فيردّه محسورا وتراه مهتماً كثيراً غمه ... يحيا أسيراً أو يموت فقيرا لما علا الجهال في أيامنا ... ورقوا ونالوا منزلاً وسريرا أخفيت علمي وأطرحت فضائلي ... على أكون إذا جهلت أميرا آخر دع عنك عقلي فالعقول مخارق ... لا ينفع الانسان إلا جهله كم عاقل أمسى عقالاً عقله ... دون المنى وغدا فضولاً فضله آخر ولما رأيت الدهر أحمق جاهلاً ... يصيب ولا يدري ويخطي ولا يدري ينيل ويعطي الأحمق الغمر سؤله ... ويقصد أبناء الفضائل بالعسر فيمنعهم منّ القرى ويذودهم ... إذا ورد النوكي تحامقت للدهر عبد القاهر الجرجاني كبر على العقل يا خليلي ... ومل إلى الجهل ميل هائم وكن حماراً تعش بخير ... فالسعد في طالع البهائم آخر طاب عيش الرفيع في ذا الزمان ... والجهول الغفول والسفعان فاغتنم حقك الذي أنت فيه ... تحظ بالمكرمات والاحسان

стр. 168

آخر إذا كان الزمان زمان حمق ... فإنّ العقل حرمان وشوم فكن حمقاً مع الحمقى فإني ... أرى الدنيا بدولتهم تدوم آخر إنّ عاماً فيه تسربلت خزاً ... وترديت في الرجال البرودا لزمان أبدى النحوس إلى النا ... س وأخفى عن العيون السعودا آخر قد كسد العقل وأصحابه ... وفتحت للجهل أبوابه فاستعمل الحمق تكن ذا غنى ... فقد مضى العقل وأربابه آخر تحامق مع النوكي إذا ما لقيتهم ... ولا تلقهم بالعقل إن كنت ذا عقل وخلط إذا لاقيت يوماً مخلطاً ... يخلط في قول صحيح وفي فعل فإني رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل آخر أرى زمناً نوكاه أسعد أهله ... ولكنما يشقى به كل عاقل مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكب الأعالي بارتفاع الأسافل وقال بعض ظرفاء الأدباء وهو أبو الحسن المائق طلبت الرزق بالحذق ... من الغرب إلى الشرق فلم يكسبني العقل ... سوى البعد من الخلق

стр. 169

فأدبرت عن العقل ... وأقبلت على الحمق فخاف الناس اشعاري ... وقالوا أحمق الخلق وجاؤ الأبي الجحش ... بما شاء من الرزق فمن لام على الحمق ... فقد حاد عن الحق مما ذكر إنّ الحظ أجدى لصاحب الحجا وأهدى في طرق مآربه من نجوم الدجى ما حكى أهل التجارب فإنهم قالوا العقل وسوء الحظ كالعله والمعلول لا مفصل لأحدهما عن الآخر وقالوا افراط العقل مضر بالجد وقيل استأذن العقل على الجد فحجبه فقال إذهب أنت بي لا أنا بك قال شاعر عش بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود آخر لا تنظرن إلى عقل ولا أدب ... إن الجدود حديقات الحماقات آخر الجد أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجدك في الحوادث أوذر ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر آخر متى ما ترى الناس الغنيّ وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد وليس الغني والله من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود

стр. 170

آخر لا تنظرنّ إلى الجهالة والحجا ... وانظر إلى الادبار والاقبال كم من صحيح العقل أخطأه الغنى ... وعديم عقل فاز بالأموال ودعت أم الاسكندر لولدها فقالت رزقك الله حظاً يخدمك به ذوو العقول ولا رزقك عقلاً تخدم به ذوي الحظوظ وخير رجل بين أمرين فأبى أن يختار وقال أنا بجدي أوثق مني بعقلي ومن أمثالهم أن تجد فلا تكد قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري لا تطلبنّ بغير حظ رتبة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل وقال بعضهم قالوا أقمت وما رزقت وإنما ... بالسير يكتسب اللبيب ويرزق فأجبتهم ما كل سير نافع ... الحظ ينفع لا الرحيل المقلق كم سيرة نفعت وأخرى مثلها ... ضرّت ويكتئب الحريص ويخنق كالبدر يكتسب الجمال بسيره ... وبه إذا حرم السعادة يمحق آخر لا يوجد الرزق بالامعان في الطلب ... ولا بكدّ ولا حرص ولا تعب بل الحظوظ التي تعلو بصاحبها ... لا بالخطوط التي في سائر الكتب كم من غلام أديب فيصل ذكر ... شهم مهيب كحدّ السيف ذي الشطب يمسي ويضحي من الافلاس في تعب ... يقلب الكف بالنيران واللهب وآخر جلف طبع لأخلاق له ... مذبذب العقل ثوراً منتن الذنب لا يعرف الميم من واو إذا كتبا ... ولا يميز بين التين والعنب قد أقبلت نحوه الأيام ضاحكة ... وأخدمته الليالي كل ذي حسب

стр. 171

وللشافعي ﵁: بالجدّيد نوكل أمر شاسع ... والجدّ يفتح كل باب مغلق فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى ... عوداً وأثمر في يديه فحقق وإذا سمعت بأنّ محروماً أتى ... ماء ليشربه فغاض فصدق لو كان بالحيل الغني لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدّان مفترقان أيّ تفرّق ومن الدليل على القضاء وحكمه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وأحق خلق الله بالهمّ امرو ... ذو همة يبلى برزق ضيق فلربما مرّت بقلبي ضجرة ... فأودّ منها أنني لم أخلق ويقال إذا أقبل جد المرء فالأقدار تسعده والأوطار تساعده وإذا أدبر فالأيام تعاديه والنحوس تراوحه وتغاديه ويروى عن النبي ﷺ إنه قال إن السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربا وإلى هذا أشار حبيب بن أوس في قوله وإذا تأملت الجبال وجدتها ... تثرى كما تثرى الرجال وتعدم وقال آخر وهو أبدع ما قيل في هذا الباب وإذا السعادة لاحظتك بعينها ... نم فالمخاوف كلهنّ أمان واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان وقال ابن نباتة الأفاخش ما يرجى وجدّك هابط ... ولا تخش من شيء وجدّك رافع فلا نافع إلا مع النحس ضائر ... ولا ضائر إلا مع السعد نافع

стр. 172

آخر إذا كنت مرموقاً بعين سعادة ... فلا تخش يوماً من رجوع الكواكب فإنّ الذي قد قرّب الله سعده ... بعيد لعمري من صروف النواقب ومن الظريف المطبوع في هذا الباب قول محمد بن شرف القيرواني إذا صحب الفتى جدّ وسعد ... تحامته المكاره والخطوب ووافاه الحبيب بغير وعد ... طفيلياً وقاد له الرقيب

стр. 173

الباب الخامس في الفصاحة وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من هذا الباب في إنّ الفصاحة والبيان ... أزين ما تحلت بهما الأعيان قال الله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان وقال ﵊ إن من البيان لسحراً حد البيان قال الجاحظ في كتابه الذي سماه البيان والتبيين البيان اسم جامع لكل كلام كشف لك عن قناع المعنى وهتك الحجاب عن الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقة اللفظ ويهجم على محصوله كائناً ما كان وقيل لجعفر بن يحيى بن خالد البرمكي ما البيان فقال أن يكون الاسم محيطاً بمعناك كاشفاً عن معزاك وقال آخر خير البيان ما كان مصرحاً عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقنه وموجزاً ليخف على اللسان تعاهده فما ورد عن جهابذة هذا العقيان ... مدح موهبتي الفصاحة والبيان قول ابن المعتز البيان ترجمان القلوب وصيقل العقول وقال سهل بن هرون البيان ترجمان اللسان وروض القلوب وقال بعض الأعراب لولده عليك بالفصاحة في منطقك فإنها مع صواب لفظك كالريش البهي في حسن الصورة ويقال من عرف بفصاحة اللسان لحظته العيون بالوقار وقال هشام بن

стр. 174

عروة ما أحدث الناس مروأة أعجب إلي من الفصاحة وقال بعض البلغاء الفصاحة أوثق شاهد عدل على اجتماع شمل الفضل وأقوى دليل على استكمال الذكاء والنبل لم تزل تشيد لأهلها في ربوع المجد فخراً وترفع لهم في مراتب العلوم ذكراً وربما سودت غير مسود ورفعت من الحضيض الأوهد إلى محل النسر والفرقد ويقال بالفصاحة والبيان استولى يوسف ﵇ على مصر وملك زمام الأمور وأطلعه ملكها على الجلي من أمره والمستور فإن العزيز لما رأى فصاحة لسانه وحسن بيانه أعلى مكانه وأعظم شأنه ومما يتميز به نوع الانسان ... فصاحة المنطق وذلاقة اللسان قال بعض الحكماء الكلام حد الانسان الحي الناطق وقالوا الصمت منام والكلام يقظة وقال عبد الملك بن مروان إن الكلام قاض يحكم بين الخصوم وضياء يجلو الظلم حاجة الناس إلى مواده كحاجتهم إلى مواد الأغذية ويقال حد الانسان إنه ناطق فمن كانت رتبته في النطق أبلغ كان بالانسانية أخلق وقال أبو الفرج الببغا في رسالة له مدح فيها الكلام الحيوان كله متساو بنعت الحركة والنمو فالانسان والبهيمة باشتمال هذا الوصف عليهما سيان وإنما فضل العالم الأنسي بالنطق المترجم عن مراد العقل المظهر للحكمة من القلب إلى العقل فإذا صحت بهذه القاعدة أن الانسان بفضيلة النطق أشرف مصنوع وأفضل مطبوع فقد وجب أن يكون أكمل هذا الجنس فضلاً وأحمد هذا العالم فعلاً ومن كان قسطه بفضيلة النطق موفوراً فمحله من ربع البلاغة معموراً وقال أيضاً من زعم أن الصمت أشرف مرتبة وأرفع منزلة من الكلام فقد حكم على الكلام بالنقصان وأحل العي محل البيان ولو كان الصمت أفضل من الكلام لتعبدنا الله به فيما انتدبنا له بالالهام وكان توحيد الله بحجج العقول في غنى عن واسطة أو رسول وقيل لبعض الحكماء أيما أفضل الصمت أو النطق فقال إن الله تعالى بعث أنبياءه بالنطق لبيان الحجة وإنك تمدح الصمت بالنطق ولا تمدح النطق بالصمت وما عبرت به عن شيء فهو أفضل منه ويقال من فضل الناطق على الصامت إن الناطق يهدي ضالاً ويرشد غاوياً ويعلم جاهلاً وقيل لزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ الصمت خير أم الكلام فقال لعن الله المساكتة فما أفسدها للسان وأجلبها للعي والله للماراة أسرع في

стр. 175

هدم العي من السنان في نبش العرفج وقال آخر الصمت مفتاح السلامة ولكنه قفل الهم وقال الشاعر خلق اللسان لنطقه وكلامه ... لا للسكوت وذاك حظ الأخرس فإذا نطقت فكن مجيباً سائلاً ... إنّ الكلام يزين رب المجلس وقالوا اللسان عضو إن مرنته مرن وإن تركته حرن وقالوا اللسان إذا كثرت حركته رقت عذبته كالرجل إذا عودت المشي سعت وقال خالد ابن صفوان ما الانسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مرسلة أو حالة مهملة وقال أيضاً لسان الفتى أوجه شفعائه وأنفذ سلاحه على أعدائه به يتصل الود وينحسم الحقد شاعر لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم وقال بعض البلغاء مغرس الكلام القلب وزارعه الفكر وقيمه العقل وزهره الاعراب وثمره الصواب وجانيه اللسان ومما شرف به اللسان ... من خصائص الاحسان قالوا اللسان جوهر الانسان من خصائصه إن الله رفع قدره على سائر الأعضاء فأنطقه بتوحيده والهمه لتمجيده ومن خصائصه أنه أداة يظهر بها البيان وظاهر يخبر عما بطن في الجنان وحاكم يفصل بالخطاب وناطق يرد الجواب وواصف تعرف به الأشياء وواعظ ينهى عن الفحشاء وشاهد يسأل به عن الغائب وشافع تدرك به المطالب ومونق يلهى الخاطر ومؤنس يزيل وحشة النافر ومعز تسكن به غلة الخليل ومزين يدعو إلى الجميل وزارع ينبت الوداد وحاصد يذهب الضغائن والأحقاد

стр. 176

ومما ينال به الخامل أعلى الرتب ... التحلي بأنواع جواهر الأدب الأدب نوعان نفسي وكسبي فالنفسي بتوفيق الله يهبه الله لمن يريد وهو ما كان من محاسن الأفعال الدالة على كرم الطباع والكسبي ما استفادته الأنفس من أحاسن الأقوال الآخذة بأعنة القلوب او الأسماع وهو الذي ترجمت عليه في هذا الموضع ليقع ذكره في النفوس أحسن موقع لترمقه لأجله العيون بالاجلال وتتجمل النفوس به لميلها إليه بتتابع الأدلال وهو الظرف في اللسان الكائن عن الاشتغال بفنون علوم الآداب الحسان كالنحو واللغة ونظم الشعر وإنشاء النثر وما يتعلق بذلك من علم البديع والمعاني والبيان وما ذكرناه فهو الذي نال به حماد الراوية والأصمعي وإسحق الموصلي العلا من الخلفاء والجوائز من الوزراء وسموا تشريفاً لهم بالجلساء والندماء قال أكثم بن صيفي الرجل بلا أدب شخص بغير آلة وجسد بلا روح وقال بزرجمهر الدب شريف لا ينطبع إلا في مثله وقال الأحنف لكل شيء ذؤابة وذؤابة الشرف الأدب وقال أنوشروان عجبت لمن يشهره الأدب كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة وقال بعض الأعراب لولده عليك بالأدب فإنه يرفع العبد المملوك حتى يجلسه في مجالس الملوك وقال عبد الملك لبنيه تأدبوا فإن كنتم ملوكاً بررتم وإن كنتم أوساطاً فقتم وإن أعوزكم المعاش عشتم استفيدوا من الأدب ولو كلمة واحدة وقال بعض الأعراب تعلموا الأدب فإنه زيادة في الفضل ودليل على العقل وصاحب في الغربة وأنيس في الوحدة وجمال في المحافل وسبب إلى درك الحاجة وقال المأمون والله لان أموت طالباً للأدب خير من أن أموت قانعاً بالجهل ويقال ذك قلبك بالأدب كما تذكي النار بالحطب وقال الخليل بن أحمد من لم يكتسب بالأدب مالاً اكتسب به جمالاً وقال آخر الأدب أكرم الجواهر طبيعة يرفع الأحساب الوضيعة ويفيد الرغائب الجليلة وينجح القصد والوسيلة فالبسوه حلة وتزينوه حلية فإنه أنفق معاش وأجمل رياش وقال الشعبي الأدب للفقير مال وللغني جمال وللحكيم كمال ومما ذكر أنّ التحلي بالآداب ... يلحق الدنئ بذوي الأحساب قالوا من قعد به نسبه نهض به حسبه وقالوا من تأدب وليس له حسب الحقه الأدب بأهل الرتب وقد يستغني الأدب عن الحسب كما حكى عن سيبويه

стр. 177

قال تكلم رجل بين يدي المأمون فأحسن فقال له المأمون ابن من أنت قال ابن الأدب يا أمير المؤمنين فقال نعم الحسب الذي انتسبت إليه ولهذا قيل المرء من حيث يثبت لا من حيث ينبت ومن حيث يوجد لا من حيث يولد وبآدابه لا بثيابه وبفضيلته لا بفصيلته وبعقله لا بعقائله وبأنبائه لا بآبائه وبكماله لا بجماله قال الشاعر كن ابن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك محموده عن النسب إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي وقال بزرجمهر من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعاً وبعد صيته وإن كان خاملاً وساد وإن كان غريباً وكثرت حوائج الناس إليه وإن كان فقيراً وقالوا من دأب في طريق الأدب أدرك حاجته وملك ناصيته ونبل قدره ونبه ذكره قال الشاعر لكل شيء زينة في الورى ... وزينة المرء تمام الأدب قد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان وضيع الحسب وما أحسن قول بعض الأعاجم يفتخر ويعتذر مالي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي وإذا انتمى منتم إلى أحد ... فإنني منتم إلى أدبي ويقال حسن الأدب يستر قبيح النسب وقالوا الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب ويقال الأدب ينوب عن الحسب ولا ينفع حسب بلا أدب شاعر كم من خسيس وضيع القدر ليس له ... في العز بيت ولا ينمى إلى نسب قد صار بالأدب المحمود ذا شرف ... عال وذا حسب محض وذا نشب يعلى التأدب أقواماً ويرفعهم ... حتى يساووا ذوي العلياء في الرتب

стр. 178

ذكر من دأب في طلب الأدب ... فنال به أعلى المناصب والرتب يكفي دليلاً على ما ذكرناه وانموذجاً لما وصفناه حال أحمد بن أبي دواد في ترقيه إلى بقاع المجد من الحضيض الوهد يحكي أنه كان يختلف إلى ملجس بشر المريسي في حالة رثة وهيئة رديئة وينصرف عنه في قائم الظهيرة معلقاً محبرته متأبطاً دفتره فيقيل عند أخل له فلما وجه المأمون المعتصم إلى مصر التمس من بشر رجلاً من أصحابه يكون في صحبة المعتصم يوليه على المظالم ويكتب إليه أخباره فقال يا أمير المؤمنين معنا قوم لهم فقه ولكن لم يجمعوا إليه الأدب ومعرفة أمور السلطان ثم وصف له أحمد ابن أبي دواد قال إنه جمع إلى فقه أدباً وبياناً وعقلاً فأرسل إليه وقلده المظالم ففعل ثم حل من المعتصم محلاً عظيماً لاختياره له أيام مقامه بمصر معه ومنهم الفضل بن سهل ذو الرياستين كان أهل بيته مجوساً وتجاراً وصناعاً فيهم الدهقان وبائع الخمر فبلغ به الأدب إلى أرفع الرتب ذكر عنه إنه كان يتقلد بسيفين أحدهما أحمر الجفر مكتوب عليه رياسة الحرب والآخر أسود الجفر مكتوب عليه رياسة التدبير ولهذا سمى ذو الرياستين وصحب الفضل المأمون في حداثته أيام أبيه الرشيد وهو مجوسي فغلب عليه وحمله على إيثار الأدب وطلب الحكمة وكان الفضل يعلم أحكام النجوم فأخبره إنه يرى في طالعه أنه يلي الخلافة سلباً وإن تدبيره يبعد عنه شرقاً وغرباً فبلغ الرشيد شأنه وخبره فهدر دمه فاستتر حيناً ثم بدا له أن يظهر فأتى الرشيد وهو في الحلبة فمثل بين يديه وهو يقول أعوذ يا أمير المؤمنين برضاك من سخطك واعترف بالذنب وأسلم لله على يدك فقال الرشيد من هذا قالوا المجوسي الذي هدرت دمه فقال قد وهبناك دمك إذا سلمت له فغياك ومعاودة ما بلغنا عنك ومنهم محمد بن عبد الملك الزيات قال له العلاء ابن أيوب يوماً وقد دارت بينهما محاورة في مناظرة ليس هذا كيل الزيت ولا عد الجوز قال له أبا التجارة تعيرني قد كنت تاجراً وكنت متأخراً فقدمني الله بالأدب وأصارني بعد التجارة إلى الوزارة وليس المعيب من كان خسيساً فارتفع وإنما هو من كان شريفاً فاتضع ولو كنت عاملتك معاملة الفضل ابن سهل وأذللتك كما أذلك لم تقدم علي بمثل هذا القول الذي لم ينفعك فقد كنت تدخل دار الخلافة تلوذ بالجدران

стр. 179

وتتبع الأفياء ناكس الرأس غضيض الطرف خوفاً منه لكني رفعتك في المجلس فوق من هو أرفع منك وقدمتك على من هو متقدم عليك فقال له العلاء مهلاً إنما قلت كلمة مقولة وتمثلت بمثل مضروب لم اعتمدك به فأما قولك إني كنت ألوذ بالجدران وأتبع الأفياء خوفاً من الفضل فقد كان ذلك ولكني لم أكن أراك هناك وإن أولى الناس أن لا يعير أحداً باستخفاف الفضل لانت فقال ابن الزيات هذا شر من ذلك ونهض من مجلسه وقال احجبوه عني فكان العلاء يأتي بابه كل يوم فيقف حتى ينصرف الناس ثم يمضي فلما رأى ابن الزيات صبره وأدبه صالحه وخالصه وأراد العلاء بقوله فإن أولى الناس أن لا يعير أحداً باستخفاف الفضل لانت إن الفضل رأى على ابن الزيات سواداً فأمر بتمزيقه عليه وقال لا تتشبه بأصحاب السلطان وأرباب المراتب ثم لم تطل مدة الأيام والليالي حتى قلد ابن الزيات الوزارة وجلس الفضل بن سهل بين يديه وكان ابن الزيات ملياً بعلم الأدب كاتباً شاعراً لا يشق في شيء منها غباره ولا تدرك آثاره يحكي في سبب تقدمه بعد أن كان يتولى قهرمة الدار ويسرف على المطبخ إنه ورد على المعتصم كتاب البريد يخبر فيه إن بلاد الجبل نزل بها مطر عظيم كثر منه الكلا فقال المعتصم لأحمد بن عمارة وكان متقلد العرض عليه ما الكلا قال لا أدري فقال المعتصم إنا لله وإنا إليه راجعون أخليفة أمي وكاتب عامي ثم قال من يقرأ لنا الكتاب فعرف بمكان محمد بن عبد الملك الزيات فطلبه فلما مثل بين يديه قال له ما الكلا قال النبات كله رطبه ويابسه فالرطب خاصة يقال له العشب واليابس خاصة يقال له الحشيش ثم اندفع في وصف النبات من ابتدائه إلى انتهائه فهذا هو السبب لما ذكرناه ومن ممادح أهل هذه الصناعة ... الآخذين بأعنة الفصاحة والبراعة وصف مسلم بن بلال بني العباس وقد سئل عنهم فقال أولئك قوم بنور الخلافة يشرقون وبلسان النبوة ينطقون ومدح خالد بن صفوان رجلاً ببراعة المنطق فقال كان والله جزل الألفاظ عزيز مقال اللسان فصيح ما خذ البيان رقيق حواشي الكلام بليل الريق قليل الحركات ساكن الاشارات ومدح أعرابي رجلاً فقال فلان أخذ بزمام الكلام فقاده أسهل مقاد وسافه أجمل مساق

стр. 180

فاسترجع به القلوب الجامحة واستصرف به الأبصار الطامحة ووصف ابن المقنع بليغاً فقال ما زالت ينابيع حكمه تترقرق في مغابن الآذان حتى أعشبت بها القلوب عقولاً وقد ألم بهذا المعنى المتنبي في قوله نطق إذا ما القول حط لئامه ... أعطى بمنطقه القلوب عقولا ولأبي إسحق الصابي في الوزير أبي محمد المهلبي رحمه الله تعالى قل للوزير أبي محمد الذي ... قد أعجزت كل الورى أوصافه لك في المحافل منطق يشفي الجوى ... ويسوغ في أدب الأريب سلافه فكانّ لفظك لؤلؤ متنحل ... وكأنما آذاننا أصدافه قيل فلان إذا أنشأ وشى وإذا عبر حبر فلان إذا أنشأ انتثرت زهرات الآداب من عذوبة لسانه وإذا أنشد حرك ذا الوقار طرباً باحسانه لله در فلان ما أسبط لسانه وأطول عنانه وأفصح بيانه وأجود افتنانه أبو عبادة البحتري يصف بليغاً حكم فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليبها في قلبه كالروض مؤتلفاً بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه وكأنها في السمع معقود بها ... شخص الحبيب بد العين محبه ولبعض شعراء العصر مقال تفدّيه أوائل وائل ... وتفديه أحقاباً أعارب يعرب هو الزهر الغض الذي في كمامه ... أو اللؤلؤ الرطب الذي لم يثقب
следующие страницы →