← Адаб

Адаб · id 1349

غرر الخصائص الواضحة

الوطواط

Полный текст (601 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الباب العاشر في البخل وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول من هذا الباب في ذم الإمساك والشح وما فيهما من الشين والقبح فرقوا بين الشح والنحل فقالوا الشح أن تكون النفس كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر يمارس نفساً بين جنبيه كزة ... إذا هم بالمعروف قالت له مهلا وهو اللؤم وأما البخل فهو المنع نفسه فمما جاء في البخل قول الله تعالى ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير الهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وقوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون قال بعض أهل المعاني إنما خص هذه الأعضاء دون غيرها بالذكر لأن السائل إذا سأل البخيل زوى عنه وجهه فإن أصلح عليه ازور عنه بشق جنبه الذي يليه فإن الحف ولاه ظهره وروى الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت باسناده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لما خلق الله جنة عدن قال لها تزيني فتزينت ثم قال لها أظهري أنهارك فأظهرت عين السلسبيل وعين الكافور وعين التسنيم ونهر اللبن ونهر العسل ونهر الخمر ثم قال لها أظهري حورك وحليك وحللك وسررك وحجالك ثم قال لها تكلمي فقالت طوبى لمن دخلني فقال الله عز

стр. 352

وجل أنت حرام على كل بخيل أورده في كتاب البخلاء له وقال رسول الله ﷺ لقوم من الأنصار من سيدكم قالوا الجد بن قيس على بخل فيه فقال ﵊ وأي داء أدوأ من البخل وقال ﵊ إياكم والشح فإنه دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم ودعاهم فاستحلوا محارمهم ودعاهم فقطعوا أرحامهم وعنه ﵊ قال اقسم الله بعزته وعظمته وجلاله لا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل وقال علي بن أبي طالب البخيل يتعجل الفقر لنفسه يعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء وقال حكيم لو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضير بخلهم ومذمة الناس لهم وأطباق القلوب على بغضهم الأسوء الظن بربهم في الخلف لكان عظيماً فإن الله تعالى يقول وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وكفى بالبخيل معرة أن يمنع نفسه اكتساب الحسنات مع افتقاره إليها ويحرمها مباح الشهوات مع اقتداره عليها وربما ترك التداوي وإن أجحفت به العلة وأهمل دفع المكاره عن نفسه وقد نيطت به المذلة لكثرة الاشفاق على الانفاق فهو لا يلقى في الدنيا شكوراً ولا يلقى في الآخرة أجراً مدخوراً وقالوا البخل من سوء الظن وخمول الهمة وضعف الروية وسوء الاختيار والزهد في الخيرات وقال الحسن بن علي ﵄ البخل جامع المساوي والعيوب وقاطع المودات من القلوب وقال سقراط الأغنياء البخلاء بمنزلة البغال والحمير تحمل الذهب والفضة وتعتلف التبن والشعير وحده قالوا هو منع المسترفد مع القدرة على رفده وكان أبو حنيفة لا يرى قبول شهادة البخيل ويقول بخله يحمله على أن يأخذ فوق حقه مخافة أن يغبن فمن هذه حالة لا يكون مأموناً وقال بشر بن الحرث الحافي لا غيبة لبخيل ولشرطي سخي أحب إلي من عابد بخيل وقالوا صديق البخيل من أطعمه وسقاه وعدوه من تركه وقلاه وقبل النظر إلى البخيل يقسي القلب

стр. 353

وقالوا البخل يهدم مباني الشرف ويسوق النفس إلى التلف وقالوا اتق الشح فإنه أدنس شعار وأوحش دثار وقالوا البخيل يملأ بطنه والجار جائع ويحفظ ماله والعرض ضائع شاعر ومن الجهلة بالمكارم أن ترى ... جاراً يجوع وجاره شبعان ويقال من جعل عرضه دون ماله استهدف للذم وقال الراجز من يجمع المال فلم يجد به ويجمع المال لعام جد به يهن على الناس هوان كلبه وقال إسحق بن إبراهيم الموصلي أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل وقالوا البخيل لا يستحق اسم الحرية فإنه يملكه ماله وقالوا أيضاً البخيل لا مال له إنما هو لما له وقال قيس بن معد يكرب لبنيه يا بني إياكم والبخل فإنه من اكتسب مالاً فلم يصن به عرضاً بحث الناس عن أصله فإن كان مدخولاً هرتوه وإن لم يكن مدخولاً ألزموه ذنباً رموه به ومقتوه وأكسبوه عرفاً هجينا حتى يهجنوه والبخل داء ونعم الدواء السخاء وقال الحسن البصري لم أر أشقى بماله من البخيل لأنه في الدنيا مهتم بجمعه وفي الآخرة محاسب على منعه غير آمن في الدنيا من همه ولا ناج في الآخرة من إثمه عيشه في الدنيا عيش الفقراء وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء أخذه من كلام أمير المؤمنين علي ﵁ ودخل ﵁ على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه فرآه يصعد بصره ويصوبه إلى صندوق في زاوية من بيته ثم التفت إليه وقال يا أبا سعيد ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أود منها زكاة ولم أصل منها رحماً قال ثكلتك أمك ولمن كنت

стр. 354

تجمعها قال لروعة الزمان وجفوة السلطان ومكاثرة العشية ثم مات فشهد الحسن جنازته فلما فرغ من دفنه ضرب بيده على القبر ثم قال انظروا إلى هذا أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه وجفوة سلطانه بما استودعه الله إياه انظروا إليه كيف خرج منها مذموماً مدحوراً ثم التفت إلى وارثه وقال أيها الوارث لا تخدعن كما خدع صويحبك بالأمس أتاك هذا المال حلالاً فلا يكونن عليك وبالاً أتاك عفواً صفواً ممن كان جموعاً منوعاً من باطل جمعه ومن حق منعه قطع فيه لجج البحار ومفاوز القفار لم تكدح لك فيه يمين ولم يعرق لك فيه جبين إن يوم القيامة ذو حسرات وإن من أعظم الحسرات غداً أن ترى مالك في ميزان غيرك يالها حسرة لا تقال وتوبة لا تنال ما اخترت من محاسن كلام الفصحاء ... وتأنقهم في ذم اللئام الأشحاء كتب بعض الأدباء إلى صديق له يستشيره في قصد بعض الرؤساء تأميلاً لنائله وكان معروفاً بالبخل فأجابه كتبت إلي تسألني عن فلان وذكرت أنك هممت بزيارته وحدثتك نفسك بالقدوم عليه فلا تفعل أمتع الله بك فإن حسن الظن به لا يقع إلا بخذلان من الله وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا من سوء التوكل على الله والرجاء لما في يديه لا يبتغي إلا بعد اليأس من روح الله لأنه رجل يرى التقتير الذي نهى الله عنه هو التبذير الذي يعاقب عليه وإن الاقتصاد الذي أمر الله به هو الاسراف وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا المن بالعدس والسلوى بالبصل إلا لفضل حلومهم وقديم علم توارتوه عن آبائهم وإن الضيافة مرفوضية والهبة مكروهة والصدفة منسوخة وإن التوسع ضلالة والجود فسق وجهالة والسخاء من همزات الشياطين كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الأولى التي نسخ الله جميل أخبارها ونهى عن اتباع آثارها وكأن الرجنة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء نسب إليهم ولا أهلكت الريح العقيم عاد إلا لأفضال كان فيهم وهل يخشى العقاب إلا على الانفاق ويرجو العفو لا بالامساك ويعد نفسه بالفقر ويأمرها بالبخل خيفة أن ينزل به قوارع الظالمين أو يصيبه ما أصاب الأولين فأقم رحمك الله بمكانك واصبر على خطب زمانك وامض على عسرتك فعسى أن يبدلك الله خيراً منه زكاة وأقرب رحماً

стр. 355

وكان محمد بن يحيى بن خالد مبخلاً بالنسبه لأبيه وأخو به جعفر والفضل فسئل الجماز عن مائدته فقال فتر في فتر وصحافها منقورة من خشب الخشخاش وبين الرغيف والرغيف مضرب كرة وبين اللون واللون فترة نبي قيل فمن يحضره قال خير خلق الله وشرهم قيل من هم قال الملائكة والذباب قيل له أنت به خاص وثوبك مخرق فقال والله لو ملك بيتاً من بغداد إلى النوبة مملوأ ابراً ثم جاءه يعقوب النبي ومعه الأنبياء شفعاء والملائكة ضمناء يسألونه إعارة إبرة يخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ما فعل أخذه الشاعر ونظمه في قوله لو أن قصرك يا ابن أغلب ممتل ... إبراً يضيق بها رحاب المنزل وأناك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قد قميصه لم تفعل آخر يهجو بخيلاً لو أن دارك أمطرت عرصاتها ... إبراً يضيق لها رحاب المنزل وأتاك يوسف يوم قدّ قميصه ... يرجو نوالك في إبرة لم تفعل وقيل لأبي القاسم خمين تغديت عند فلان قال لا ولكني مررت ببابه وهو يتغدى قيل له وقد عرفت ذلك قال رايت غلمانه بأيديهم قسي البندق يرمون بها الطير في الهواء وذم أعرابي قوماً فقال لهم بيوت ندخلها حبواً إلى غير نمارق ولا وسائد فصح الألسن برد لسائل جعداً لا كف عن النائل وذم أعرابي قوماً فقال ما كانت النعمة فيهم إلا طيفاً فلما انتبهوا لها ذهبت عنهم فقال شاعر وكأنه ألم بهذا المعنى في قوله خنازير نامّوا عن المكرمات ... فأيقظهم قدر لم ينم فيا قبحهم في الذي خولوا ... ويا حسنهم في زوال النعم نزل أعرابي برجل فقال له بعض قومه لقد نزلت بواد غير ممطور ورجل بقدومك غير مسرور فأقم بندم أو ارتحل بعدم وقال التوكل لأبي العيناء من

стр. 356

أبخل من رأيت قال موسى بن عبد الملك بن صالح قال وما رأيت من بخله قال رأيته يحرم القريب كما يحرم البعيد ويعتذر من الاحسان كما يعتذر من الاساءة وقال بشار من استضاف فلاناً استغنى عن الكنيف وأمن من التخمة وذم آخر بخيلاً فقال ضن بفلسه وجاد بنفسه وذم أعرابي بخيلاً فقال جعد البنان شحيح الكف مقفل اليد لا يسقط من كفه الخردل وإن استولى على أصابعه الجندل قال الشاعر تحلى بأسماء الشهور فكفه ... جمادي وما ضمت عليه المحرم وقالوا فلان ما هو رطب فيعتصر ولا يابس فيكسر مانع للموجد سيئ الظن بالمعبود فلان منعوت على الجمع والمنع لا يعد العيش إلا ما جمعه والحزم إلا ما منعه فلان بن لبون لا در فيحلب ولا ظهر فيركب وذم أعرابي رجلاً بالبخل فقال لقد صغر فلاناً في عيني كبر الدنيا في عينه وكأنما يرى السائل إذا رآه ملك الموت إذا أتاه بشار بن برد إذا سلم المسكين طار فؤاده ... مخافة سؤل واعتراه جنون ومن منظوم نفسات الصدور المحنقة في ذم من سلبه السخاء رونق قول منصور بن ربيعة يهجو بخلاء قوم غدوا والطعام عندهم ... وزن لجين ووزن ياقوت إن كان قوتي إليهم وبهم ... برئت منهم ومنك ياقوتي الأخطل ما زال فينا رباط الخيل معلمة ... وفي كليب رباط الخزي والعار قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لامهم بولي على النار

стр. 357

ولقد أحسن أبو الشمقمق في قوله ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى نزلت على أوفى بن منصور الحابس الروث في أعفاج بغلته ... خوفاً على الحب من لقط العصافير آخر عد الأرغفه شنف وقرط ... واكليلان من خرز ودر إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر وجاء بكل نائحة عليه ... كما بكت الرّباب لفقد عمرو ودون رغيفه دق الثنايا ... وحرب مثل وقعة يوم بدر وقال أبو نواس يهجو سعيد بن سلم بن قتيبة رغيف سعيد عنده عدل نفسه ... يقلبه طوراً وطوراً يداعبه ويأخذه في حضنه ويشمه ... ويلثمه حيناً وحيناً يلاعبه وإن قام مسكين على باب داره ... إذا ثكلته أمّه وأقاربه يسب عليه البول من كل جانب ... ويخضب ساقاه وينتف شاربه ابن طباطبا أجاع بطني حتى ... شممت ريح المنيه وجاءني برغيف ... قد أدرك الجاهليه فقمت بالفأس حتى ... أدق منه شظيه تثلم الفأس وانصا ... ع مثل سهم الرمية فشج رأسي ثلاثاً ... ودق مني الثنيه

стр. 358

آخر ربي وربك بعد الجوع أشبعني ... ورزق ربك آت غير مدفوع ولو عليك اتكالي في الطعام إذا ... لكنت أول مدفون من الجوع آخر وقائلة ما دهى ناظريك ... فقلت لا مر به قد منيت أكلت دجاجة بعض الملوك ... فما زلت أصفع حتى عميت آخر نوالك دونه خرط القتاد ... وخبزك كالثريا في البعاد ترى الاصلاح صومك لا لأجر ... وكسرك للرغيف من الفساد ولو أبصرت ضيفاً في المنام ... لحرّمت المنام إلى التناد ولم أهجوك أنك كفؤ شعر ... ولكني هجوتك للكساد آخر ودعوتني فأكلت عند قرصة ... وشربت شرب من استتم خروفا وسألتني في اثر ذلك حاجة ... أودت بمالي تالداً وطريفا فجعلت أفكر فيك باقي ليلتي ... ما كنت تسأل لو أكلت رغيفا آخر أتيت ابن يحيى وهو يأكل فانثنى ... إليّ قطوباً إذ رآني وهمهما وقال لماذا جئت قلت مسلماً ... فقال لقد سلمت فارجع مثل ما

стр. 359

وقال ابن الخياط الصقلي لا تكونن مبرماً ومسوفاً ... سله دمه وخل عنك الرغيفا أكرم الخبز بالصيانة حتى ... جعل الكعب للبنات شنوفا آخر يخاطب بخيلا لك نفس إذا أضر بها الجو ... ع تلافيتها بشم الرغيف من يكن عيشه كعيشك هذا ... فلتكن داره بغير كنيف آخر رأيتك عند حضور الخوان ... قليل النشاط كثير الصياح تلاحظ عيناك كف الاكيل ... وترمقه من جميع النواحي فعال امرئ بخلت نفسه ... بشيء يول إلى المستراح آخر يهجو بخيلا أصبح لا يعرف الجميل ولا ... يفرق بين القبيح والحسن إن الذي يرتجى نداه كمن ... يحلب تيساً من عزة اللبن آخر يزداد شحاً وبخلاً كل من كثرت ... أمواله ثم لا ترجى مواهبه كالبحر كل مياه الأرض قاطبة ... تأوى إليه ويظا فيه راكبه ومما يكون متمماً لما ذكرناه ... خلف الشحيح لسائله بما مناه قالوا خلف الوعد من خلق الوغد والمثل المضروب قولهم اخلف من عرقوب واخلف من شرب الكمون فإن الكمون يمنى بالسقي ولا يسقى

стр. 360

قال الشاعر سقيتموني كؤوس المطل مترعة ... حتى ثملت والسكران عربيد لا تتركوني ككمون بمزرعة ... إن خانه الغيث أحيته المواعيد وقال بعض كرماء الأعراب لان أموت عطشاً أحب إلي من أن أخلف موعداً وقال بعض البلغاء يذم بخيلاً فلان ملأ سمعي روحاً وكفي ريحا وقال آخر فلان يفتح مواعيد بالأطماع ويختمها بالخيبة والامتناع وقال آخر فلان سخي قولاً وبخيل فعلاً وسريع وعداً وبطئ رفداً وقال آخر فلان أول وعده طمع وآخره يأس وما هو إلا كالسراب يغر من رآه ويخلف من رجاه وقال الشاعر لسانك أحلى من جني النحل موعدا ... وكفك بالمعروف أضيق من قفل آخر لسانك معسول وقلبك علقم ... ودون الثريا من صديقك مالكا دعبل يا جواد اللسان من غير فعل ... ليت في راحتيك جود اللسان وقالوا من وعد وأخلف لزمته ثلاث مذمات ذم اللؤم وذم الخلف وذم الكذب وقال الشاعر ألا إنما الانسان غمد لقلبه ... ولا خير في غمد إذا لم يكن نصل ولا خير في وعد إذا كان كاذباً ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل فإن تجمع الآفات فالبخل شرّها ... وشر من البخل المواعيد والمطل

стр. 361

وقال الثعالبي أول من أخلف المواعيد وكذبها ولم يف بشيء منها إسمعيل بن صبيح كاتب الرشيد وما كانت الرؤسا قبل ذلك يعرفون المواعيد الكاذبة وما أحلى قول بعض الشعراء يخاطب من أخلف عدة وعده إياها من أبيات ووعدتني عدة ظننتك صادقاً ... فجعلت من طمعي أروح وأذهب فإذا حضرت أنا وأنت بمجلس ... قالوا مسيلمة وهذا أشعب وقال بعض البلغاء يذم مخلف وعده فلان وعده في الخلاف كشجر الخلاف يريك نضارة المنظر ثم لا يجنيك شيأً من الثمر نظمه ابن الرومي فقال ليس من حل بالمحل الذي أن ... ت به من سماحة ووفاء بذل الوعد للاخلاء طوعاً ... وأتى بعد ذاك بذل العطاء فغدا كالخلاف يحسن للعين ... ويأبى الأثمار كل الاباء آخر على الدنيا وما فيها السلام ... إذا ملكت خزائنها اللئام راضيت من الأمور بكل شيء ... قضاه الله وانقطع الكلام الفصل الثاني من الباب العاشر في ذكر نوادر المبخلين من الأراذل والمبجلين يجب علينا أن نذكر أولاً ما صدر عن الأمجاد العقلاء في التحذير من سؤال الأجواد والبخلاء ثقة بما ضمنه الله من رزقه الدار على سائر خلقه قالوا مكتوب في التوراة ابن آدم لا تسأل الناس فإن كنت فاعلاً فاسأل معادن الخير ترجع مغبوطاً محسوداً وفي كتاب كليلة ودمنه ينبغي للعاقل أن يرى إن ادخال

стр. 362

يده في فم التنين وابتلاعه سمه أهون عليه من سؤال الناس وقال إبراهيم بن حفصة لابنه يا بني صن شكرك عمن لا يستحقه واطلب المعروف ممن يحسن طلبك إليه واستر ماء وجهك بقناع قناعتك وتسل عن الدنيا بتجافيها عن الكرام وأنشده هي القناعة فالزمه تكن ملكاً ... لو لم يكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن وقال لقمان لابنه يا بني لا تخلق وجهك بطلب الحوائج إلى من هو دونك فإنه إن ردك ساق إليك محنة وإن قضى حاجتك أتخذها عليك منة واسأل الله فإن الله يحب من يسأله ويبغض من لا يسأله شاعر الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبنيّ آدم حين يسئل يغضب وقد روى عن سفيان الثوري دعاء ككلام لقمان كان يدعو به إذا احتاج يقول اللهم يا من يحب أن يسئل ويغضب على من لا يسأل وأحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله وليس أحد كذلك غيرك يا كريم أعطني كذا ويسأل حاجته وقال محمد بن الحنفية ﵁ ما كرمت على عبد نفسه إلا هانت عليه الدنيا شاعر الحرّ حرّ عزيز النفس حيث ثوى ... كالشمس في أيّ برج ذات أنوار آخر ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضاً ولو نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كلّ نوال

стр. 363

آخر لا أستعين باخواني على الزمن ... ولا أرى حسناً ما ليس بالحسن إني كليل إذا استعطفت ذائقة ... بما حوت كفه قد كان أغفلني ذل السؤال وذل الشكر ما اجتمعا ... إلا أضرّا بماء الوجه والبدن لا ابتدى بسؤال لي أخاً أبداً ... لو شاء قبل سؤالي منه أكرمني له الثراء ولي عرض أوفره ... عنه ويقنعني قوت يبلغني محمد بن حازم أضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإنّ العز في الياس فالرزق عن قدر يجري إلى أجل ... في كف لا غافل عني ولا ناسي فكيف ابتاع فقراً حاضراً بغنى ... وكيف أطلب حاجاتي من الناس ولقد أحسن ابن شهيد كل الاحسان في قوله يصف من صان وجهه عن السؤال بقناع قناعته وكف وصبر على مضض الاحتياج بقدر استطاعته فعف إنّ الكريم إذا نالته مخمصة ... أبدى إلى الناس رياً وهو ظمآن يطوى الضلوع على مثل اللظى حرقاً ... والوجه طلق بماء البشر ريان آخر وكم قد رأينا من فتى متجمل ... يروح ويغدو ليس يملك درهما يبيت يراعي النجم من سوء حاله ... ويصبح يلقى ضاحكاً متبسما

стр. 364

ذكر من كان يدين بالبخل من الملوك واتصف بما لا يحسن بالفقير الصعلوك عبد الله بن الزبير ويكنى أبا حبيب وإنما لم يعد من البخلاء لجلالة رتبته وأصالة أبوته فمما يحكى عنه أنه نظر إلى رجل من جنده قد دق في صدور أصحاب الحجاج في قتاله على مكة ثلاثة أرماح فقال له يا هذا اعتزل عن نصرتنا فإن بيت المال لا يقوم بهذا وفي هذه الحرب يقول معاتباً جنده أكلتم تمري وعصيتم أمري سلاحكم رث وكلامكم غث عيال في الجدب أعداء في الخصب وقال لرجل كان يتعاطى التجارة ما صناعتك قال أتجر في الرقيق فقال ما أشد اقدامك على الغرر وإضاعة المال قال بماذا قال ببضاعتك الملعونة التي هي ضمان نفس ومؤنة ضرس وأتاه عبد الله بن فضالة مستجدياً فأخذ يشكو إليه شدة فاقته وحفا ناقته ووعورة طريقه وبعد مسافته فقال له اخصفها بهلب وارقعها بسبت وانجدها ببرد خفها فقال ابن فضاله إنما جئتك مستجدياً لا مستوصفاً فلا بقيت ناقة حملتني إليك قال إن وصاحبها قوله إن بمعنى نعم قال أبو عبيدة معمر بن المثنى لو تكلف الحرث بن كلدة طبيب العرب من وصف علاج ناقة هذا ما تكلفه هذا الخليفة لعسر عليه ويقال إنه كان يأكل في كل سبعة أيام أكلة واحدة ويقول إنما بطني شبر في شبر وما عسى يكفيني ومن بخلاء الخلفاء عبد الملك بن مروان وكان يسمى رشح الحجر ولبن الطير أيضاً لبخله وهشام ولده كان ينظر في القليل من المال ويمنع السائل وإن ألحف في السؤال ويبيع ما يهدي إليه ويجعل السب صلة من يقرظه ويثني عليه من حكاياته إنه وفد عليه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ فقال له مالك عندي شيء ثم قال إياك أن يغرك أحد فيقول لك لم يعرفك أمير المؤمنين أنت فلان بن فلان فلا تقيمن فتنفق ما معك فليس لك عندي صلة فبادر وألحق بأهلك وكان معاوية يبخل في طعامه مع كثرة جوده بالمال قال لرجل وأكله أرفق بيدك فقال له الرجل وأنت فاغضض من طرفك وبلغه أن الناس يبخلونه فقام على المنبر وقال إن الله تعالى يقول وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم

стр. 365

فلأي شيء نلام نحن فقام إليه الأحنف بن قيس وقال نحن ما نلومك على ما في خزائن الله ولكن نلومك على ما في خزائنك إذا اغتلقت بابك دونه والمنصور وكان يلقب أبا الدوانيق ولقب بذلك لأنه لما بنى بغداد كان ينظر في العمارة بنفسه فيحاسب الصناع والأجراء فيقول لهذا أنت نمت القائلة ولهذا أنت لم تبكر إلى عملك ولهذا أنت انصرفت لم تكمل اليوم فيعطي كل واحد منهم بحسب ما عمل في يومه فلا يكاد يعطي أجرة يوم كامل ويحكي عنه أنه قال لطباخيه لكم ثلاث وعليكم اثنان لكم الرؤس والأكارع والجلود وعليكم الحطب والتوابل ومن حكاياته الدالة على شدة بخله أن الربيع بن يونس حاجبه قال له يوماً يا أمير المؤمنين إن الشعراء ببابك وهم كثيرون وقد طالت أيام إقامتهم ونفدت نفقاتهم فقال اخرج إليهم واقرأ ﵈ وقل لهم من مدحنا منكم فلا يصفنا بالأسد فإنما هو كلب من الكلاب ولا بالحية فإنما هي دويبة ميتة تأكل التراب ولا بالحلي فإنما حجر أصم ولا بالبحر فإنه ذو غطامط فمن ليس في شعره شيء من هذا فليدخل ومن كان في شعره شيء من هذا فلينصرف فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم ابن هرمة فإنه قال أدخلني فأدخله فلما مثل بين يديه قال يا ربيع قد علمت أنه لا يجيبك أحد غيره هات يا إبراهيم فأنشده القصيدة التي أولها سرى نومه عني الصبا المتحامل ... واذن بالبين الحبيب المزايل حتى انتهى إلى قوله له لحظات في حفا في سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل فأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي خوّفت بالثكل ثاكل فرفع له الستر وأقبل عليه مصغياً إليه حتى فرغ من إنشادها ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وقال له يا إبراهيم لا تتلفها طمعاً في نيل مثلها فما في كل وقت تصل إلينا وتنال مثلها منا فقال إبراهيم ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم العرض

стр. 366

وعليها خاتم الجهبذ ودخل المؤمل بن أميل على المهدي بالري وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه المنصور فامتدحه بأبيات يقول فيها هو المهدي إلا أنّ فيه ... تشابه صورة القمر المثير تشابه ذا وذا فهماً إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير فهذا في الضياء سراج عدل ... وهذا في الظلام سراج نور ولكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير ونقص الشهر يخمد ذا وهذا ... منير عند نقصان الشهور ومنها فإن سبق الكبير فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير وإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير فأعطاه عشرين ألف درهم فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام بغداد فكتب إليه المهدي يلومه على هذا العطاء ويقول له إنما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر إذا أقام ببابك سنة أربعة آلاف درهم وأمر كاتبه أن يوجه إليه بالشاعر فطلب فلم يوجد وذكر أنه توجه إلى بغداد فكتب الكاتب إلى المنصور بذلك فأمر بعض القواد بارصاد المؤمل على باب بغداد فجعل القائد يتصفح وجوه الناس القادمين عليها ويسألهم عن أسمائهم وأسماء آبائهم حتى وقع على المؤمل فسأل عن اسمه فأخبره فقال أنت بغية أمير المؤمنين وطلبته قال المؤمل فكاد والله قلبي ينصدع خوفاً وفزعاً ثم أخذ بيدي فسارني إلى الربيع فأدخلني على المنصور فقال يا أمير المؤمنين هذا المؤمل بن أيمل قد ظفرت به فسلمت فرد السلام فسكن جأشي وزال استيحاشي عند ذلك واطمأن قلبي وزال روعي ثم قال لي أتيت غلاماً ما غرا فخدعته فانخدع فقلت يا أمير المؤمنين أتيت ملكاً جواداً كريماً فمدحته فحمله كرم أعراقه ومكارم شيمه على صلتي وبري فأعجبه كلامي ثم قال أنشدني ما قلت فيه فأنشدته القصيدة فقال والله لقد أحسنت ولكنها لا تساوي عشرين ألفاً يا ربيع خذ منه المال وأعطه منه أربعة آلاف درهم ففعل فلما ولي المهدي الخلافة قدم عليه المؤمل

стр. 367

فأخبره بما دار بينه وبين المنصور فضحك وأمر له برد ما أخذ منه فرد عليه وأشرف يوماً على الصياد فرأى صائداً اصطاد سمكة عظيمة فقال لبعض مواليه اخرج إلى المتسبب فمره أن يوكل بالصياد من يدور معه من حيث لا يشعر فإذا باع السمكة قبض على مشتريها وصار به إلينا ففعل المتسبب ما أمر به فلقى الصياد رجلاً نصرانياً فابتاع منه السمكة بثلثي درهم فلما صارت السمكة في يد النصراني وذهب بها قبض عليه الأعوان وأتى به المتسبب وأدخله على المنصور فقال له من أنت قال رجل نصراني قال بكم ابتعت هذه السمكة قال بثلثي درهم قال وكم عيالك قال ليس لي عيال قال وأنت يمكنك أن تشتري مثل هذه السمكة بمثل هذا الثمن كم عندك من المال قال ما عندي شيء فقال للمتسبب خذه إليك فإن أقر بجميع ما عنده وإلا فمثل به فأقر بعشرة آلاف درهم قال كلا إنها أكثر فأقر بثلاثين ألف درهم وأحل دمه إن وقف له على أكثر منها قال له من أين جمعتها قال وأنا آمن يا أمير المؤمنين قال له وأنت آمن على نفسك إن صدقت قال كنت جاراً لأبي أيوب فولاني جهبذة بعض نواحي الأهواز فأصبت هذا المال فقال المنصور الله أكبر هذا مالنا اختنته وأمر المتسبب بحمل المال واطلاق الرجل وقد حكى ابن حمدون في تذكرته أن المنصور حج في بعض السنين فحدا به سالم الحادي في طريقه يوماً بقول الشاعر أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغذى رفعت ستوره يزينه حياؤه وخيره ... ومسكه يشوبه كافوره فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل ثم قال يا ربيع أعطه عشرة دراهم وفي رواية نصف درهم فقال سالم لا عيرنا أمير المؤمنين والله لقد حدوت لهشام ابن عبد الملك فأمر لي بثلاثين ألف درهم فقال المنصور ما كان له أن يعطيك من بيت مال المسلمين ما ذكرت يا ربيع وكل به من يستخرج منه هذا المال قال الربيع فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه وقفوله بغير مؤنة وكان سالم هذا المذكور تورد له الابل بعد أن نظمأ السبعة أيام والثمان والتسع والعشر فيحدو لها فيلهيها بحدوه عن ورود الماء

стр. 368

ومن ظريف ما يحكى عنه أن عبد الله بن زياد بن الحرث كتب إليه رقعة بليغة يستمنحه فيها فكتب عليها إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في بلداً بطراه وأمير المؤمنين مشفق عليك فاكتف بالبلاغة وكان لسوار القاضي بالبصرة من قبل المنصور كاتبان رزق أحدهما عشرون درهماً ورزق الآخر أربعون درهماً فكتب إليه سوار التسوية بينهما فنقص صاحب الأربعين عشرة وزادها صاحب العشرين وإنما أراد سوار أن يلحق صاحب العشرين بصاحب الأربعين من صان درهمه ولم يسمح به للعطاء فكشف عنه اللؤم ما أسبله الكرم من الغطاء مروان بن أبي حفصة وذلك أنه خرج يريد المهدي فقالت امرأة من أهله مالي عليك إذا رجعت بالجائزة قال إن أعطيت مائة ألف درهم أعطيتك درهماً فأعطى ستين ألفاً فأعطاها أربعة دوانيق وسأل رجل خالد بن صفوان فقال هب لي دنينيراً فقال خالد لقد صغرت عظيماً صغرك الله الدينار عشر العشرة والعشرة عشر المائة والمائة عشر الألف والألف ديتك وكان بعض البخلاء إذا صار الدرهم في يده خاطبه وناجاه وقبله وفداه وقال له بأبي أنت وأمي كم من أرض قطعت وكيس خرقت وكم من خامل رفعت وسري وضعت إن لك عندي أن لا تعري ولا تضحي ثم يلقيه في الكيس ويقول اسكن على بركة الله في مكان لا تحول عنه ولا تخرج منه وكان مروان بن أبي حفصة إذا جاءته جائزة يقول للدراهم كم خامل رفعت وكم سري وضعت طال ما تغربت في البلاد وأتعبت في طلب تحصيلك العباد فوالله لاطيلن ضجعتك ولاديمن صرعتك ثم يضعها في الصندوق ويختم عليها وكان أبو العميس إذا وقع الدرهم في يده نقره بأصبعه وقال مخاطباً له كم من يد وقعت فيها ومن بلد جلت في نواحيها بأبي أنت وأمي أسكن وقر عيناً فقد قربك القرار واستقر بك الدار واطمأن بك المنزل ثم يضعه في كيس ويختم عليه فيكون آخر العهد به وكان بعض البخلاء إذا وقع الدرهم في كفه قال مخاطباً له أنت عقلي وديني وصلاتي وصيامي وجامع شملي وقرة عيني وقوتي وعمادي وعدتي ثم يقول يا حبيب قلبي وثمرة فؤادي قد صرت إلى من يصونك ويعرف حقك ويعظم قدرك ويشفق عليك وكيف لا

стр. 369

يكون كذلك وبك تجلب المسار وتدفع المضار وتعظم الأقدار وتعمر الديار وتفتض الأبكار ترفع الذكر وتعلى القدر ثم يطرحه في الكيس وينشد بنفسي محجوب عن العين شخصه ... وليس بخال من لساني ولا قلبي ومن ذكره حظي من الناس كلهم ... وأوّل حظي منه في البعد والقرب وممن صان درهمه ولم يسمح به ... فكان ذلك سبباً لذمّه وثلبه ما يحكى أن أعرابياً شرب عند بخيل غبوقاً فلما سكر البخيل وانتشى خلع على الأعرابي قميصاً فلما صحا انتزعه منه ثم شرب معه صبوحاً فلما سكر وانتشى خلع عليه قميصاً فلما صحا انتزعه منه فقال كساني قميصاً مرتين إذا انتشى ... وينزعه مني إذا كان صاحيا فلي فرحة في سكره وانتشائه ... وفي الصحو ترحات تشيب النواصيا وأتى بعض البخلاء بغلام ليشتريه فسيم فيه بأربعين ديناراً فأعطى فيه عشرين فقيل له إنه فراش ونداف فقال لو فرش السماء وندف الغيم بقوس قزح ما اشتريته بأربعين وساوم أشعب بقوس بندق فقال صاحبه بدينارين فقال والله لو رميت به طائراً فوقع ويا بين رغيفين ما اشتريته بهذا الثمن وكان أشعب بخيلاً وله حكايات تذكر فيما بعد إن شاء الله وقال الأصمعي قالت امرأة لزوجها اشتر لنا رطباً فقال لها وكيف يباع قالت كيلجة بدرهم فقال والله لو خرج الدجال وعاث في الأرض وأنت تمخضين بعيسى والناس ينتظرون الفرج على يديه في قتال الدجال ثم لم تلديه حتى تأكلي الرطب ما اشتريته لك كيلجة بدرهم مدح شاعر محمد بن عبدوس فقال له أما أن أعطيك شيأً من مالي فلا ولكن أذهب فاجن جناية حتى لا آخذك بها وقال مروان بن أبي حفصة ما فرحت بشيء فرحي بمائة ألف درهم وهبها لي أمير المؤمنين المهدي فزادت درهماً فاشتريت به لحماً ودخل أبو

стр. 370

صاعد علي الغنوي فأنشده رأيت في النوم أني مالك فرسا ... ولي وصيف وفي كفي دنانير فقال قوم لهم علم ومعرفة ... رأيت خيراً وللأحلام تفسير اقصص منامك في بيت الأمير تجد ... تحقيق ذاك وللفأل التباشير فلما سمع الأمير انشاده قال أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين من كان بخله على الفقراء بطعامه ... معرباً عن لؤمه وموجباً لملامه الحطيئة يحكي عنه أن بعض الأعراب مر به وهو يرعى غنماً له وفي كفه عصا فناداه الأعرابي يا راعي الغنم فأومأ إليه الحطيئة بعصاه وقال إنها عجراء من سلم فقال الأعرابي إني ضيف فقال وللضيفان أعددتها ومر أعرابي بأبي الأسود الدؤلي وهو واقف على باب داره فسلم فقال له أبو الأسود كلمة مقولة قال أتأذن لي في دخول منزلك قال وراؤك أوسع لك قال هل عندك شيء يؤكل قال نعم قال فأطعمني قال عيالي أحق به منك قال ما رأيت ألأم منك قال لست ترى نفسك قال الشاعر إياك ترغب في كلامه ... وارفع يمينك من طعامه فالموت أهون عنده ... من مضغ ضيف والتقامه سيان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه وإذا مررت ببابه ... فاحفظ رغيفك من غلامه وقال رجل لبعض البخلاء لم لا تدعوني إلى طعامك قال لأنك جيد المضغ سريع البلع إذا أكلت لقمة هيأت أخرى فقال يا أخي أتريد أني إذا أكلت عندك أن أصلي ركعتين بين كل لقمتين وقال آخر لبخيل لم لا تدعوني قال لأنك تعلق وتشدق وتحدق أي يحمل واحدة في يده وأخرى في شدقه وينظر إلى أخرى بعينه وعزم بعض اخوان أشعب عليه ليأكل عنده فقال إني

стр. 371

أخاف من ثقيل يأكل معنا فقال ليس معنا ثالث فمضى معه فبينا هما يأكلان إذا بالباب يطرق فقال أشعب ما أرانا إلا صرنا إلى ما نكره قال إنه صديقي وفيه عشر خصال إن كرهت واحدة منهن لم آذن له فقال أشعب هات أولها قال إنه لا يأكل ولا يشرب قال التسع لك ودعه يدخل فقد أمنا ما كنا نخافه وكان مروان بن أبي حفصة لا يأكل إلا الرؤس فقيل له في ذلك قال لأن الغلام لا يقدر ان يخونني فيه إن أخذ أذناً أو أخذ عيناً وقفت على ذلك وآكل منه ألواناً آكل عينه لوناً ودماغه لوناً وأذنيه لوناً وأكفى مؤنة طبخه في البيت فقد اجتمع لي فيه مرافق شتى وحكى دعبل الخزاعي قال أتيت سهل بن هرون في حاجة فأطلت الجلوس عنده فأخر غداءه لقيامي فجلست على عمد حتى كضه الجوع فقال يا غلام غدنا فجاء بمائدة وعليها قصعة فيها مرق وديك ليس قبلها ولا بعدها غيرها فاطلع في القصعة ففقد رأس الديك فقال للغلام أين الرأس قال رميت به قال ولم رميت به قال ظننتك لا تأكله قال فهلا ظننت إن العيال يأكلونه ثم التفت إلي وقال لو لم أكره مما صنع إلا الطيرة لكان حسبي فإنهم يقولون الرأس للرئيس وفيه الحواس الأربع ومنه يصيح الديك وفيه عرفه الذي يتبرك به وعينه التي يضرب بها المثل في الصفاء ودماغه موصوف لوجع الكليتين ولم أر عظماً قط أهش تحت ضرس من دماغ ديك ويلك انظر أين رميته قال لا أدري قال لكني أنا أدري أين رميته رميته في بطنك الله حسيبك وكان جعفر بن سليمان بخيلاً على الطعام رفعت المائدة من بين يديه يوماً وعليها دجاجة صحيحة قد أخذ منها بعض بنيه جناحاً فلما أعيدت عليه بالغداة قال من هذا الذي تعاطى فعقر فقيل له ابنك الصغير فقطع أرزاق جميع بنيه من أجله فلما طال ذلك منه وأضر بهم الحال جاءه أكبرهم وقال يا أبانا أفتهلكنا بما فعل السهفاء منا فأعجبه ذلك وأمر برد أرزاقهم إليهم وقال بعض الأكياس دعاني كوفي إلى منزله فقدم لي دجاجة فأكلت من المرقة وجهدت أن آكل من اللحم فما قدرت لصلابته وبت عنده فأعاده من الغد إلى القدر وطرح عليه سكراً فعاد زير باجا فقدمه وأكلت من المرق وجهدت أن آكل من اللحم فما قدرت لشدته فبت عنده الليلة الثانية فلما كان من الغد قال لغلامه اطرح عن اللحم من المرق ليصير قلية ففعل ثم قدمه إلي فأكلت من المرق وجهدت أن آكل

стр. 372

من اللحم فلم أقدر لقوته فأخذت قطعة من اللحم ووضعتها إلى جهة القبلة وقمت لأصلي إليها فقال ما هذا الذي تصنع قلت أشهد أنه لحم ولي من أولياء الله تعالى فإنه قد أدخل النار ثلاث دفعات فلم تفعل فيه شيأً فلما أردت الانصراف إذا ببعض جيرانه يدق الباب فقال له أعرني ذلك اللحم لضيف وأفاني من الغد لأطبخه له وأرده إليك إن شاء الله تعالى فناوله إياه وسأل فقير من دار بخيل شيأً فأعطى لقمة صغيرة فقال يا أهل هذا المنزل كيف أشرب هذا الدواء وقف سائل على باب دار فيها يحيى بن زياد وحماد بن عجرد وبشار مجتمعين على طعام فقال يا اخوتي المسلمين فقال يحيى فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فقال ارحموني فقال حماد نحن إلى رحمتك أحوج منك إلى رحمتنا فقال واسمعوا كلامي فقال بشار لقد اسمعت لو ناديت حياً فقال السائل أما القول فما أوسع به شقاشق أقوالكم وأما الفعل فما أخيبه قرن الله بالخيبة آمالكم وقال العتبي كان الأصمعي يجعل الخبز الحار أدما للخبز البارد ولو بذلت له الجنة بدرهم لاستنقص منه شيأً وقال جحظة دخلت على هرون ابن الخال وكان بخيلاً بطعامه وكنت إذ ذاك ناقها من علة وقد نصبت مائدة بين يديه فدعاني إليها وقدمت إلي صحفة فيها مضيرة معقودة بعصبان كأنها قضبان فضة فانهمكت في الأكل فنظر إلي شزراً ثم قال يا جحظة هذه والله معدن ألم المفاصل والفالج واللقوة والقولنج وأنت عليل وبدنك نحيل واللبن يستحيل فقلت والله العظيم الجليل لآتين منها على الكثير والقليل وحسبنا الله ونعم الوكيل ثم أقبلت على الأكل منها حتى اكتفيت فلما انصرفت عملت فيه ولي صاحب لاقدس الله روحه ... بعيد عن الخيرات غير قريب أكلت عصيباً عنده في مضيرة ... فيا لك من يوم عليه عصيب

стр. 373

وله وأبدع لا تعذلوني إن هجرت طعامه ... خوفاً على نفسي من المأكول فمتى أكلت قتلته من بخله ... ومتى قتلت بالمقتول وحضر اعرابي مائدة هشام بن عبد الملك فرفع الاعرابي لقمة فقال له هشام شعرة في لقمتك يا أعرابي فقال الأعرابي فإنك تلاحظني ملاحظة من يرى الشعرة والله لا أكلت عندك أبداً وقال بعض البخلاء إني لا آكل إلا نصف الليل قيل له ولم قال يبرد الماء وينقمع الذباب وآمن فجأة الداخل وصرخة السائل وطبخ رجل قدراً وجلس مع زوجته يأكلان فقال ما أطيب هذا الطعام لولا الزحام قالت أي زحام ههنا إنما هو أنا وأنت قال كنت أحب أن أكون أنا والقدر وقال بعض البخلاء لغلامه هات الطعام واغلق الباب قال يا مولاي ليس هذا حزماً بل أغلق الباب أولاً وأقدم الطعام ثانياً فقال له اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى لعلمك بأسباب الحزم وأين هذا مما يحكي أن عدي بن حاتم الطائي عمل مأدبة فقال لولده وكان صغيراً أقم على الباب وأذن لمن تعرف وامنع من لا تعرف فقال والله لا يكن أول شيء وليته من أمر الدنيا منع أحد عن طعام فقال عدي والله يا ولدي أنت أكرم مني وأفطن افتحوا الباب فمن شاء فليدخل وبهاتين الحكايتين علم مصداق من أطلع الله شمس الحكمة من مشرق فيه بقوله العبد من طينة مولاه والولد سرابيه شاعر يذم بخلاء وتروى للأخطل قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ... ولا تكف يد عن حرمة الجار قوم إذا استنتج الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النار

стр. 374

آخر تراهم خشية الأضياف يوماً ... يقيمون الصلاة بلا أذان ابن هلال العسكري يذم بخيلاً تنانيركم للنمل فيها مدارج ... وفي قدركم للعنكبوت مناسج وعندكم للضيف حين ينوبكم ... سؤالات سوء للقرى وسفاتج وأنتم على ما تزعمون أكارم ... فايرى في است الأكارم والج وقال صعصعة بن صوحان أكلت عند معاوية لقمة فقام بها خطيباً قيل وكيف ذاك قال كنت آكل معه فهيأ لقمة ليأكلها فأغفلها فأخذتها وأكلتها فسمعته بعد ذلك يقول أيها الناس أجملوا في الطلب فرب رافع لقمة إلى فيه سبقه إليها غيره ومما يليق بهذا الفصل من التذييل ... ذكر من عرف بالطمع والتطفيل قالوا الطمع يدنس الثياب ويغير الأذهان وقالوا مصارع الألباب تحت ظلال الطمع وقالوا الحر عبد ما طمع والعبد حر إن قنع وقالوا أخرج الطمع من فيك تحل القيد من رجليك وصف بعضهم طامعاً فقال لو رأى شيأً في حجر أفعى لجاء إليه يسعى وادخل يده فيه ليأخذه ويحويه وقالوا لو قيل للطمع من أبوك لقال الشك في المقدور ولو قيل له ما حرفتك لقال اكتساب الذل ولو قيل له ما غايتك لقال الحرمان ولله در من قال وما قطع الأعناق حتى أبانها ... وقرّرها إلا سيوف المطامع شاعر يذم الطمع وذي طمع يغدو بقية عمره ... ويمسي ولم تجمع يداه له وفرا

стр. 375

يبيت سميراً للمنى مثرياً بها ... ويضحا سليباً من مواهبها صفرا وأكثر ما تلقى الأماني كواذباً ... فإن صدقت جازت بصاحبها القدرا فممن اشتهر بالطمع وجمع فيه بين الطبع والطبع أشعب وبه يضرب المثل قيل له ما بلغ من طمعك قال ما رأيت عروساً تزف إلا ظننت أنها لي ولا رأيت جنازة إلا حسبت إن صاحبها أوصى لي بشيء ولا رأيت اثنين يتناجيان إلا خيل لي أنهما يأمران لي بمعروف ولقد طاف الصبيان حولي يومياً يتولعون بي فقلت لهم لابعدهم عني إن في دار فلان لوزنيجا يفرق فذهبوا يتعادون فلما ذهبوا عني ظننت أني صادق فتبعتهم وقيل له هل رأيت أطمع منك قال نعم نزلت بطريق الشأم مع رفيق لي تحت صومعة راهب فتنازعنا في شيء فقلت اير الراهب في است الكاذب وإذا بالراهب قد نزل وايره في يده وقد أنغط وهو يقول فديتكما من الكاذب فيكما وكان يقول ما أحسست بجار لي يطبخ قدراً إلا غسلت الغضارة ووضعت المائدة وانتظرته يحمل إلي قدره جلس عبد الله بن أبي عتيق مع زوجته فتمنى أن يهدي له مسلوخ فيتخذ منه لون كذا ولون كذا فسمعته جارة له فظننت أنه أمر بعمل ما سمعت فانتظرته إلى الليل ثم جاءت وطرقت الباب وقالت شممت رائحة قدركم فجئت لتطعموني منها فقال ابن أبي عتيق لامرأته أنت طالق إن أقمنا في دار يتشمم أهلها ريح الأماني ورحل عنها بعض المتمنين خلوت بنفسي فمنيتها ... أمانيّ خابت ولم تصدق فهذا اقتلاه وهذا اضربا ... وهذا احملاه على الأبلق التطفيل من أمثالهم قولهم أطفل من ذباب والزم من قراد وانم من ليل على نهار ومن أدب الراجز أوغل في التطفيل من ذباب ... على طعام وعلى شراب لو أبصر الرغفان في السحاب ... لطار في الجوّ مع العقاب

стр. 376

وقالوا من جاء إلى طعام لم يدع إليه استحق الطرد ولا يلام عليه ليم بعض المتطفلين على التطفيل فقال والله ما بنيت المنازل ألا لتدخل ولا قدمت الأطعمة إلا لتؤكل وإني لا جمع في التطفيل خلالاً أدخل مخالساً وأقعد مستأنساً وانبسط وإن كان رب المجلس عابساً ولا أتكلف مغرماً ولا أنفق درهماً وقال بنان وهو كبيرهم التمكن على المائدة خير من أربعة ألوان زائدة ومن دعائه اللهم ارزقني صحة الجسم وكثرة الأكل ودوام الشهوة ونقاء المعدة ودخل بعض الطفيليين على قوم فقالوا من أنت قال أنا الذي لا أحوجكم إلى رسول ولبعضهم في المعنى نحن قوم إن جفا النا ... س وصلنا من جفانا لا نبالي صاحب الدا ... ر نسينا أم دعانا قصد جماعة من الطفيليين باب بعض الكبراء وقت غدائه فمنعهم بوابه فكتب إليه بعضهم قد أتيناك زائرين خفافا ... وعلمنا بأنّ عندك فضلة ولدينا من الحديث هناة ... معجبات نعدّها لك جملة إن تجدنا كما تريد وإلا ... فاحتملنا فإنما هي أكله فأذن لهم فدخلوا البديع الهمذاني على لسان طفيلي نحن قوم نحب هدى رسول الله ... هدنا وللصواب أصبنا فادعنا كلما نشطت فأنا ... لو دعينا إلى كراع أجبنا آخر ولما أن كتبت ولم تجبني ... ولم تنظر إليّ بعين أنس رأيت الحزم إن أنضى ركابي ... إليك وأن أكون رسول نفسي

стр. 377

ولم أسمع بأظرف من قول القائل ونديم رقيق حاشية الحي ... لة صافي زجاجة الآداب شغلته الرقاع منه إليه ... داعياً نفسه إلى الأصحاب آخر يصف طفيلياً لو طبخت قدر بمطمورة ... بالشأم أو أقصى جميع الثغور وأنت بالصين لوافيتها ... يا عالم الغيب بما في القدور الفصل الثالث من الباب العاشر في مدح القصد في الإنفاق خوف التعيير بالإملاق قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ناصحاً بالاشفاق وآمراً له بالقصد في الانفاق مثبتاً لكماله قواماً مشكوراً ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً فنهاه عن التقتير كما نهاه عن التبذير وقال تعالى مثنياً على المقتصدين بحسن تقديرهم اكراماً والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً وقال رسول الله ﷺ ما عال من اقتصد أي ما افتقر وقال عمر بن الخطاب ﵁ إن الله بحب القصد والتقدير ويكره السرف والتبذير وقال معاوية ﵁ حسن التقدير نصف الكسب وهو قوام المعيشة وقال لولده كن مقدراً ولا تكن مقتراً وأوصى حكيم ولده فقال يا بني عليك بالتقدير بين الطرفين لا منع ولا اسراف ولا بخل ولا اتلاف لا تكن رطباً فتعصر ولا يابساً فتكسر وقالوا حسن التقدير رأس التدبير وقال ذو النون حسن التقدير مع الكفاف أكفى من الكثير مع الاسراف ويقال لا تسمح لولدك ولا لامرأتك ولا لغلامك وخادمك بما فوق الكفاية فان طاعتهم لك بقدر حاجتهم ليك

стр. 378

ومن هذا وهو لائق بالملوك ما حكى إن ابرويز قال لابنه لا توسعن على جندك فيشتغلوا عنك ولا تضيقن عليهم فيضجوا منك وأعطهم عطاء قصداً وأمنعهم منعاً جميلاً ووسع لهم في الرجاء ولا توسع عليهم في العطاء وفي وصيته لولده أي بني قول لا تدفع البلاء وقول نعم تزيل النعم وسماع الغناء برسام حاد لان الانسان إذا سمع الغناء شرب وإذا شرب طرب وإذا طرب وهب وإذا وهب عطب وإذا عطب اعتل ثم يموت من غم ذلك والدرهم محموم إن حركته مات والدينار محبوس إن أطلقته طار وكذب من قال اليمين تذر الديار بلاقع وإنما الاسراف يفعل ذلك والأصدقاء هم الأعداء لأنك إذا احتجت إليهم منعوك وإن احتاجوا إليك ومنعتهم سبوك وإذا لم يكن لك بد منهم فكن معهم كلاعب الشطرنج يحفظ ما معه ويحتال في أخذ ما مع غيره وسأل رجل زياد ابن سمية فأعطاه درهماً فقال صاحب العراقين أسأله فيعطيني درهماً فقال من بيده خزائن السموات والأرض ربما رزق أخص عباده عنده وأكرمهم لديه التمرة واللقمة وما يكبر عندي إن أصل رجلاً بمائة ألف درهم ولا يصغر عندي أن أعطي سائلاً رغيفاً إذا كان رب العالمين يفعل ذلك وقيل ينبغي للعاقل أن يكسب ببعض ماله المحمدة ويصون ببعضه وجهه عن المسئلة وقال الأصمعي سمعت بعض الأعراب يقول من اقتصد في الغنى والفقر فقد استعد لنوائب الدهر ويقال اقتصد في انفاق الدراهم فانها الجراح الفاقة مراهم وقالوا اسقاط الفضول في النفقة ربح بضاعة لا تمل فان الاسراف ربما كان سبباً في التقتير وقال الثعالبي من كثرت في دعوته نفقته أسلم ماله ونقصت مروأته وقال أفلاطون راس العقل الاقتصاد في الانفاق من غير بخل ومن الكلام البديع للبديع الهمذاني قوله مثل الاحسان في الانسان مثل الثمار في الأشجار فحقه إذا أتى بالحسنة أن يرفه إلى سنه وما أحسن ما قيل في المعنى أنفق بمقدار ما استفدت ولا ... تسرف وعش فيه عيش مقتصد من كان فيما استفاد مقتصداً ... لم يفتقر بعدها إلى أحد

стр. 379

آخر كن بما أوتيته مغتبطاً ... تستدم عيش القنوع المكتفي إن في نيل المنى وشك الردى ... واجتناب القصد عين السرف كسراج دهنه قوت له ... فإذا غرّقته فيه طفى ما قيل إنّ في صلاح الأموال صلاح ما فسد من الأحوال قال عمر بن الخطاب ﵁ لا يقل مع الاصلاح شيء كما لا يكثر مع الافساد شيء ويقال من الفساد اضاعة الزاد المتلمس لحفظ المال خير من فناه ... وسير في البلاد بغير زاد قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد وقال عمر بن الخطاب ﵁ أصلحوا أموالكم التي رزقكم الله فان اقلالا في رفق خير من اكثار في خرق وقالوا إن في صلاح الأموال سلامة الدين وجمال الوجه وبقاء العز وصون العرض وقالوا أصلح مالك تجده لروعة الزمان وجفوه السلطان ونبوة الاخوان ودفع الأحزان وكتب عتبة بن أبي سفيان إلى وكيله يعاهده صغير مالي يكبر ولا يخف كبيره فيصغر فإنه ليس يشتغلني كثير مالي عن اصلاح قليله ولا يمنعني قليله عن كثير ما ينوبني وقال أحيحة بن الحلاج أصلحوا أموالكم فانكم لا تزالون ذوي مروات ما استغنيتم عن عشيرتكم وقال شبيب بن شيبة لبنيه إن كنتم تحبون المروأة والفتوة فأصلحوا أموالكم وقال معاوية اصلاحك ما في يدك أسلم من طلبك ما في أيدي الناس وقال عبد الله بن عباس اطلبوا الغنى باصلاح ما في أيديكم فان الفقر مجمع العيوب وقال البستي اشفق على الفضة والعين ... تسلم من القلة والدين فقوة العين بانسانها ... وقوة الانسان بالعين

стр. 380

احتجاج من خمدت يده عن النوال ... خوف التعيير بالفقر وذل السؤال قال أبو حنيفة لا خير فيمن لا يحفظ ماله ليصون به عرضه ويصل به رحمه ويستغنى به عن لئام الناس وقال الأصمعي لامت أعرابية أباً لها على اتلاف ماله فقال يا أبت حبس المال يمنع العيال من بذل الوجه للسؤال أسرفت في النوال وكثرة النحال امسك فقد أتلفت الطارف والتلاد وبقيت ترقب ما في أيدي العباد يا أبت من لم يحفظ ما ينفعه يوشك أن يقع بالفقر فيما يضره وقال عبد الله بن المعتز أعاذل ليس البخل مني سجية ... ولكن وجدت الفقر شر سبيل لموت الفتى خير من البخل للفتى ... وللبخل خير من سؤال بخيل وقال سفيان الثوري لان أخلف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس وكان داود بن علي يقول لابن يترك الرجل ماله بعده لاعدائه خير من الحاجة في حياته لأوليائه وقال يعقوب الكندي من جاد بماله فقد جاد بنفسه لأنه جاد بما لا قوام لها إلا به وقال الشاعر يا رب جود جر فقر امرئ ... فقام للناس مقام الذليل فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالموت خير من سؤال البخيل آخر الموت خير للفتى ... من أن يعيش بغير مال والموت خير للكريم ... من التضرّع والسؤال وقال أبو الأسود الدؤلي لو لم نبخل على السؤال بما يسالونا لكنا اسوأ حالاً منهم وقالوا ختم المال حتم وليم مروان بن أبي حفصة على الامساك فأنشد

стр. 381

يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمى النوى بالمقترين المراميا وما فارقوا أوطانهم عن ملالة ... ولكن حذاراً من شمات الأعاديا ومن قولهم في أن الفقر والاقلال ... مقرونان بالدحر والاذلال قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه الفقر داء لا دواء له من كتمه قتله ومن أذاعه فضحه وقال أيضاً ﵁ مارست كل شيء فغلبته ومارسني الفقر فغلبني إن سترته أهلكني وإن أذعته فضحني وقال لولده محمد بن الحنفية يا بني إني أخاف الفقر فإنه منقصة للدين مذهبة للعقل داعية للمقت وقالوا الفاقة هي الموت الأصغر لا بل هي الموت الأكبر وذكر إن السفاح لما ضرب أعناق بني أمية قام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين هذا والله جهد البلاء فقال مه لا أم لك ما هذا وشرطة حجام الاسواء ولكن جهد البلاء فقر مذقع بعد غنى موسع وقال ابن دأب لقيت رجلاً كنت أعرفه حسن الحال ومن أصحاب الأموال في حالة ردية كأنما أصابته رزية فسلم علي فقلت له ما الذي غير حالك وأذهب مالك فقال تنقل الزمان وكر الحدثان فآثرت الضرب في البلدان والبعد عن الأوطان ومفارقة المعارف والاخوان وعملت بقول الشاعر سأعمل نصب العيس حتى يكفني ... غنى المال يوماً أو غنى الحدان فللموت خير من حياة يرى بها ... على الحر ذي الاقلال وسم هوان متى يتكلم بلغ حكم كلامه ... وإن يقل قالوا عديم بيان وقوله هذا ينظر إلى قولهم فيما ضربوه من الأمثال مناقب الموسر مثالب المعسر وذلك أنه إذا كان جواداً قالوا مبذر وإن كان لسناً قالوا مهدار وإن كان ذكياً قالوا بليد وإن كان شجاعاً قالوا أهوج وإن كان صموتاً قالوا عيي وإن كان وقوراً قالوا متكبر ومن نزل به الفقر لم يجد بداً من ترك الحياء ومن ذهب حياؤه ذهبت مروأته ومن ذهبت مروأته مقت ومن مقت أوذى ومن أوذى حزن ومن حزن ذهب عقله ومن أصيب بهذا كله كان كلامه كلا عليه لا له

стр. 382

شاعر لما رأيت اخلائي وخالصتي ... الكل منقبض عني ومحتسم أبد واجفاء واعراضاً فقلت لهم ... أذنبت ذنباً فقالوا ذنبك العدم آخر يغطي عيوب المرء كثرة ماله ... يصدّق فيما قال وهو كذوب ويزري بعقل المرء قلة ماله ... يحمقه الأقوام وهو لبيب آخر أنطقتك الثياب لا الآداب ... وطوتني عن الكلام الثياب والصواب الذي أقول خطأ ... والخطأ الذي تقول الصواب وقالوا من حسن حاله استحسن قاله وقالوا الفقر يخرس الفطن عن حجته ويجعله غريباً في بلدته وقالوا إذا افتقر الرجل اتهمه من كان يأتمنه وأساء به الظن من كان يحسنه فإذا أذنب غيره نسب إليه ومن كان له صار عليه وقال إبراهيم بن محمد بن المدبر جهدت جهدي أن أنظر إلى الفقير بالعين التي أنظر بها لغني فلم يتهيأ لي ذلك وقال الشاعر يغدو الفقير وكل شيء ضدّه ... والأرض تغلق دونه أبوابها وتراه ممقوتاً وليس بمذنب ... ويرى العداوة لا يرى أسبابها حتى الكلاب إذا رأت ذا بزة ... أصغت إليه وحركت أذنابها وإذا رأت يوماً فقيراً عارياً ... نبحت عليه وكشرت أنيابها وقالوا ما أطيب الافاقة من سم الفاقة وقال عبد الملك بن صالح الفقر جند الله الأكبر يذل به من طغى وتجبر ويقال رب حسب دفنه الفقر

стр. 383

شاعر الفقير يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسوّد غير السيد المال وقال بعضهم الفقير كميت في بيت لا يملك غير الجلدة بردة ولا يلتقي لحياه إلا برعدة شاعر ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح القل والافلاس بالرجل آخر لبست صروف الدهر كهلاً وناشياً ... وجربت حاليه على العسر واليسر فلم أر بعد الدين خير من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر آخر رزقت لباً ولم أرزق مروأته ... وما المروأة إلا كثرة المال إذا أردت مساماة تقيدني ... عما ينوه باسمي رقة الحال آخر كفى حزناً أنّ الغنى متعذر ... عليّ وأني بالمكارم مغرم وما قصرت بي في المطالب همة ... ولكنني أسعى إليها فأحرم آخر كفى حزناً إني أروح وأغتدي ... ومالي من مال أصون به عرضي وأكثر ما ألقي صديقي بمرحبا ... وذلك لا يكفي الصديق ولا يرضي

стр. 384

آخر أرى نفسي تتوق إلى أمور ... يقصر دون مبلغهن مالي فنفسي لا تطاوعني لبخل ... ولا مالي يبلغني فعالي آخر إذا قل مال المرء قل صديقه ... ولم يحل في عين الصديق لقاؤه وأصبح لا يدري وإن كان حازماً ... أقدّامه خير له أم وراؤه فإن مات لم يفقد ولم يحزنوا له ... وإن عاش لم يفرح به أولياؤه قيس بن عاصم يسوّد هذا المال غير مسود ... ويحرمه ليث فيصبح ثعلبا وأول ما يجفو الفقير لفقره ... بنوه ولم يرضوه في فقره أبا كأنّ فقير القوم في الناس مذنب ... وإن لم يكن من قبل ذلك أذنبا آخر لعمرك إن الغنى يجعل الفتى ... سرياً وإنّ الفقر بالمرء قد يزري ولا رفع النفس الدنيئة كالغنى ... ولا وضع النفس النفيسة كالفقر آخر ألم تر أنّ المرء يزداد عزة ... على أهله أن يعلموا إنه مثري وينحط منه القدر إن كان معدما ... وأصبح لا يرجى لنفع ولا ضر

стр. 385

آخر أرى ذا الغنى في الناس يسعون حوله ... وإن قال قولاً تابعوه وصدّقوا فذلك دأب الناس ما دام ذا غنى ... وإن مال عنه المال يوماً تفرقوا ومن المنظوم في سلك الرشاقة ما قيل في التشكي من ضرر الاقلال والفاقة مجد العرب العامري هجرت للعدم كل خل ... وصرت للانقباض خدنا فلا أهني ولا أعزي ... ولا أعزي ولا أهنا ابن الخياط الدمشقي لم يبق عندي ما يباع بحبة ... وكفاك شاهد منظري عن مخبري إلا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري آخر قعدت عن الاخوان من غير ما قلى ... وكان صواباً ما أتيت على عمد وجهد الفتى أن يستر البيت حاله ... إذا لم يجد حراً يعين على الجهد آخر الحمد لله ليس لي نشب ... قد خف ظهري وقل زواري من نظرت عينه إليّ فقد ... أحاط علماً بما قد حوت داري

стр. 386

آخر أنا في حال تعالى الله ... ما أعظم حالي ليس لي شيء إذا قي ... ل لمن ذا قلت ذا لي ولقد أفلست حتى ... حل أكلي لعيالي من رأى شيأً محالاً ... فأنا عين المحال فبلاد الله أرضى ... والسموات ظلالي لو يكن في الناس حر ... لم أكن في مثل حالي آخر جاء الشتاء وليس عندي درهم ... وبدون ذلك قد يصاب المسلم وتقطع الناس الجباب وغيرها ... وكأنني بأزاء مكة محرم آخر طشتي الأرض ومنديلي الهوا ... وعلى الخبز من الجوع احتلامي هل سمعتم أو رأيتم أحداً ... أكل الخبز سواي في المنام آخر خلق المال واليسار لقوم ... وأراني خصصت بالاملاق أنا فيما أرى بقية قوم ... خلقوا بعد قسمة الأرزاق آخر إذا جزت يوماً بالسويق يمسني ... لقلة نقدي ذلة وخضوع فلا قائل للمشتري كيف تشتري ... ولا سائل البياع كيف تبيع آخر الحمد لله ليس لي فرس ... ولا على باب منزلي حرس

стр. 387

ولا غلام إذا هتفت به ... بادر نحوي كأنه قبس ابني غلامي وزوجتي أمتي ... ملكتها بالملاك والعرس غنيت بالياس واعتصمت به ... عن كل قرد بوجهه عبس فما يراني ببابه أبداً ... طلق المحيا سمح ولا شرس وما أحسن قول أبي العير الهاشمي ولقد أبان عن شرف وعلو همة ... فصار بما قال في الناس أمة قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطت في العلا هممي ولبست الصبر سابغة ... هي من قرني إلى قدمي فإذا ما الدهر عاتبني ... لم يجدني كافر النعم لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم وواجب اتباع هذا الفصل بمدح المال ... إذ به يدرك ما شسع من الآمال قالوا اليسار علاء والاقتاء بلاء وقالوا الغني سني كبير والفقير دني حقير ويقال قيمة كل امرئ ما معه شاعر ولا يساوي درهماً واحداً ... من لم يكن في كفه درهم وقالوا المرء بدرهميه لا بأصغريه نظمه بعض الشعراء فقال قد قال قوم بغير علم ... ما المرء إلا بأصغريه وقلت قول امرئ عليم ... ما المرء إلا بدرهميه وقال بعضهم لولده ليكن معك من العين ما تقربه العين وقالوا المال معشوق الورى فمن عدمه نبذ بالعراء منفصم العرى وقيل للحسن ما بال الناس يكرمون صاحب المال قال لان عنده معشوقهم فإليه القلوب تمال وقالوا المال يستعبد الأحرار ويذل الأشرار وقال آخر بقدر ما تعطى من المال تعطى

стр. 388

من الاجلال سمع قيس بن عبادة يقول في دعائه اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال ولا مجد إلا بمال اللهم إنه لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه أشار في هذا إلى قول الشاعر ولا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده عوتب ابن أبي ليلى في تعظيم موسر فقال إن تعظيم ذوي المال سر جعله الله في القلوب لا يستطاع رده شاعر يعير الغنى ثوب المكارم للفتى ... وإن كان من ثوب المكارم عاريا ومر موسر بالشعبي فتزحزح له فقيل له في ذلك فقال رأيت ذا المال مهيبا شاعر إني وجدت الغنى زيناً لصاحبه ... في أهله وفقير القوم محقور إنّ المقلين لا تنسى ذنوبهم ... وذنب ذي المال عند الناس مغفور وقال معاوية إن الشرف والسودد لينتقلان مع الغنى كما ينتقل الظل شاعر الناس ما استغنيت كنت صديقهم ... وإذا افتقرت إليهم فهم العدى ذو المال عندهم يسود بماله ... ويزول سودده إذا فقد الغنى آخر كم من لئيم الجدود سوده ال ... مال أبوه وأمه الورق وكم كريم الجدود ليس له ... عيب سوى أنّ ثوبه خلق آخر إذا كنت ذا ثروة من غنى ... فأنت المسوّد في العالم وحسبك من نسب صورة ... تخبرانك من آدم

стр. 389

وقال عبد الرحمن بن عوف حبذا المال أصون به عرضي وأصل به رحمي وأتقرب به إلى ربي وأبر به صديقي وأكمد به عدوي وأفضل به على عشيرتي وقال الثعالبي من كان كيسه صفراً من البيض والصفر فليبشر بجفاء الدهر وانقطاع الظهر وكان محمد بن الجهم يقول من وهب ماله في عمله فهو أحمق ومن وهبه بعد العزل فهو مجنون ومن وهبه من ارثه فهو جاهل ومن وهبه من ملكه فهو مخذول ومن وهبه من كسبه وما استفاده من كده بحيلة فهو المطبوع على قلبه المأخوذ بسمعه وبصره وقال من عهده بالافلاس تقادم محل المال من المنزل محل الشمس في العالم وقال بعض عقلاء الفرس من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كاذب حتى يثبت صدقه فإذا ثبت صدقه فهو عندي أحمق وقال عمرو بن العاص لمعاوية ما أشد حبك للمال فقال كيف لا أحبه وقد استعبدت به مثلك واشتريت به مروأتك ودينك وقال الحسن بن المنذر وددت أن لي مثل أحد ذهباً لا أنتفع بشيء منه قيل له فما ترجو بذلك قال أريده لكثرة من يخدمني عليه ويجلني لأجله وقالوا المال يجمع الشمل ويستر الأهل ويزيد في العقل وقالوا من استغنى عن الناس عظموه ووقروه ومن احتاج إليهم ازدروه واحتقروه وقيل لبعض الحكماء أيما أفضل الأدب أو المال قال الأدب قيل له فما بال الأدباء يأتون أبواب الأغنياء ولا تأتي الأغنياء أبواب الأدباء قال ذلك لعلم الأدباء بمقدار فضل المال وجهل الأغنياء بمقدار فضل الأدب شاعر أصون دراهمي وأذب عنها ... لعمري إنها درعي وترسي وأخبؤها إلى أعدى الأعادي ... من الوراث حتى أبناء جنسي ولا سؤلي إلى رجل لئيم ... ليقرض درهماً نقداً بخمس فيعرض وجهه ويصدّعني ... فتبقى مثل نفس الكلب نفسي فيا ذل الرجال بغير مال ... ولو جاؤا بنسبة آل عبس ابن الرومي لا تلم المرء على بخله ... ولمه إن زاد على بذله حق على كل امرئ حازم ... يحفظ ما يكرم من أجله

стр. 390

ولقد أحسن القائد وأجاد من كان يملك درهمين تعلمت ... شفتاه أنواع الكلام فقالا وتقدّم الاخوان فاستمعوا له ... ورأيته بين الورى مختالا لولا دراهمه التي في كيسه ... لرأيته أسوا البرية حالا إن الغنيّ إذا تكلم بالخطا ... قالوا صدقت وما نطقت محالا وإذا الفقير أصاب قالوا كلهم ... أخطأت يا هذا وقلت ضلالا إنّ الدراهم في المواطن كلها ... تكسو الرجال مهابة وجلالا فهي اللسان لمن أراد فصاحة ... وهي السنان لمن أراد قتالا والمعين على طلب البغية من المال ... طلب المعيشة في الأيام والليال قال بعضهم لا ترهبنّ الهول خوف منية ... واقذف بنفسك في طلاب الدرهم ودع المخاوف والمتالف إنها ... نفس مؤقتة ورزق يقسم آخر فجب عرض البلاد فلست تدري ... غناك بأيّ آفاق البلاد ولا تقعد على ظما وفقر ... فذو الأقتار ممنوع الرقاد آخر سأضرب في الآفاق التمس الغنى ... وأرمي بنفسي في بحور المطالب فإن أعط مسروراً فداك وإن أخب ... فعلمي بأني لست أوّل خائب آخر إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا وصار على الأهلين كلا وأوشكت ... صلات ذوي القربى بأن تتكسرا
следующие страницы →