Полный текст (601 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
آخر
أنا في حال تعالى الله ... ما أعظم حالي
ليس لي شيء إذا قي ... ل لمن ذا قلت ذا لي
ولقد أفلست حتى ... حل أكلي لعيالي
من رأى شيأً محالاً ... فأنا عين المحال
فبلاد الله أرضى ... والسموات ظلالي
لو يكن في الناس حر ... لم أكن في مثل حالي
آخر
جاء الشتاء وليس عندي درهم ... وبدون ذلك قد يصاب المسلم
وتقطع الناس الجباب وغيرها ... وكأنني بأزاء مكة محرم
آخر
طشتي الأرض ومنديلي الهوا ... وعلى الخبز من الجوع احتلامي
هل سمعتم أو رأيتم أحداً ... أكل الخبز سواي في المنام
آخر
خلق المال واليسار لقوم ... وأراني خصصت بالاملاق
أنا فيما أرى بقية قوم ... خلقوا بعد قسمة الأرزاق
آخر
إذا جزت يوماً بالسويق يمسني ... لقلة نقدي ذلة وخضوع
فلا قائل للمشتري كيف تشتري ... ولا سائل البياع كيف تبيع
آخر
الحمد لله ليس لي فرس ... ولا على باب منزلي حرس
стр. 387
ولا غلام إذا هتفت به ... بادر نحوي كأنه قبس
ابني غلامي وزوجتي أمتي ... ملكتها بالملاك والعرس
غنيت بالياس واعتصمت به ... عن كل قرد بوجهه عبس
فما يراني ببابه أبداً ... طلق المحيا سمح ولا شرس
وما أحسن قول أبي العير الهاشمي
ولقد أبان عن شرف وعلو همة ... فصار بما قال في الناس أمة
قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطت في العلا هممي
ولبست الصبر سابغة ... هي من قرني إلى قدمي
فإذا ما الدهر عاتبني ... لم يجدني كافر النعم
لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم
وواجب اتباع هذا الفصل بمدح المال ... إذ به يدرك ما شسع من الآمال
قالوا اليسار علاء والاقتاء بلاء وقالوا الغني سني كبير والفقير دني حقير ويقال قيمة كل امرئ ما معه شاعر
ولا يساوي درهماً واحداً ... من لم يكن في كفه درهم
وقالوا المرء بدرهميه لا بأصغريه نظمه بعض الشعراء فقال
قد قال قوم بغير علم ... ما المرء إلا بأصغريه
وقلت قول امرئ عليم ... ما المرء إلا بدرهميه
وقال بعضهم لولده ليكن معك من العين ما تقربه العين وقالوا المال معشوق الورى فمن عدمه نبذ بالعراء منفصم العرى وقيل للحسن ما بال الناس يكرمون صاحب المال قال لان عنده معشوقهم فإليه القلوب تمال وقالوا المال يستعبد الأحرار ويذل الأشرار وقال آخر بقدر ما تعطى من المال تعطى
стр. 388
من الاجلال سمع قيس بن عبادة يقول في دعائه اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال ولا مجد إلا بمال اللهم إنه لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه أشار في هذا إلى قول الشاعر
ولا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
عوتب ابن أبي ليلى في تعظيم موسر فقال إن تعظيم ذوي المال سر جعله الله في القلوب لا يستطاع رده شاعر
يعير الغنى ثوب المكارم للفتى ... وإن كان من ثوب المكارم عاريا
ومر موسر بالشعبي فتزحزح له فقيل له في ذلك فقال رأيت ذا المال مهيبا شاعر
إني وجدت الغنى زيناً لصاحبه ... في أهله وفقير القوم محقور
إنّ المقلين لا تنسى ذنوبهم ... وذنب ذي المال عند الناس مغفور
وقال معاوية إن الشرف والسودد لينتقلان مع الغنى كما ينتقل الظل شاعر
الناس ما استغنيت كنت صديقهم ... وإذا افتقرت إليهم فهم العدى
ذو المال عندهم يسود بماله ... ويزول سودده إذا فقد الغنى
آخر
كم من لئيم الجدود سوده ال ... مال أبوه وأمه الورق
وكم كريم الجدود ليس له ... عيب سوى أنّ ثوبه خلق
آخر
إذا كنت ذا ثروة من غنى ... فأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسب صورة ... تخبرانك من آدم
стр. 389
وقال عبد الرحمن بن عوف حبذا المال أصون به عرضي وأصل به رحمي وأتقرب به إلى ربي وأبر به صديقي وأكمد به عدوي وأفضل به على عشيرتي وقال الثعالبي من كان كيسه صفراً من البيض والصفر فليبشر بجفاء الدهر وانقطاع الظهر وكان محمد بن الجهم يقول من وهب ماله في عمله فهو أحمق ومن وهبه بعد العزل فهو مجنون ومن وهبه من ارثه فهو جاهل ومن وهبه من ملكه فهو مخذول ومن وهبه من كسبه وما استفاده من كده بحيلة فهو المطبوع على قلبه المأخوذ بسمعه وبصره وقال من عهده بالافلاس تقادم محل المال من المنزل محل الشمس في العالم وقال بعض عقلاء الفرس من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كاذب حتى يثبت صدقه فإذا ثبت صدقه فهو عندي أحمق وقال عمرو بن العاص لمعاوية ما أشد حبك للمال فقال كيف لا أحبه وقد استعبدت به مثلك واشتريت به مروأتك ودينك وقال الحسن بن المنذر وددت أن لي مثل أحد ذهباً لا أنتفع بشيء منه قيل له فما ترجو بذلك قال أريده لكثرة من يخدمني عليه ويجلني لأجله وقالوا المال يجمع الشمل ويستر الأهل ويزيد في العقل وقالوا من استغنى عن الناس عظموه ووقروه ومن احتاج إليهم ازدروه واحتقروه وقيل لبعض الحكماء أيما أفضل الأدب أو المال قال الأدب قيل له فما بال الأدباء يأتون أبواب الأغنياء ولا تأتي الأغنياء أبواب الأدباء قال ذلك لعلم الأدباء بمقدار فضل المال وجهل الأغنياء بمقدار فضل الأدب شاعر
أصون دراهمي وأذب عنها ... لعمري إنها درعي وترسي
وأخبؤها إلى أعدى الأعادي ... من الوراث حتى أبناء جنسي
ولا سؤلي إلى رجل لئيم ... ليقرض درهماً نقداً بخمس
فيعرض وجهه ويصدّعني ... فتبقى مثل نفس الكلب نفسي
فيا ذل الرجال بغير مال ... ولو جاؤا بنسبة آل عبس
ابن الرومي
لا تلم المرء على بخله ... ولمه إن زاد على بذله
حق على كل امرئ حازم ... يحفظ ما يكرم من أجله
стр. 390
ولقد أحسن القائد وأجاد
من كان يملك درهمين تعلمت ... شفتاه أنواع الكلام فقالا
وتقدّم الاخوان فاستمعوا له ... ورأيته بين الورى مختالا
لولا دراهمه التي في كيسه ... لرأيته أسوا البرية حالا
إن الغنيّ إذا تكلم بالخطا ... قالوا صدقت وما نطقت محالا
وإذا الفقير أصاب قالوا كلهم ... أخطأت يا هذا وقلت ضلالا
إنّ الدراهم في المواطن كلها ... تكسو الرجال مهابة وجلالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة ... وهي السنان لمن أراد قتالا
والمعين على طلب البغية من المال ... طلب المعيشة في الأيام والليال
قال بعضهم
لا ترهبنّ الهول خوف منية ... واقذف بنفسك في طلاب الدرهم
ودع المخاوف والمتالف إنها ... نفس مؤقتة ورزق يقسم
آخر
فجب عرض البلاد فلست تدري ... غناك بأيّ آفاق البلاد
ولا تقعد على ظما وفقر ... فذو الأقتار ممنوع الرقاد
آخر
سأضرب في الآفاق التمس الغنى ... وأرمي بنفسي في بحور المطالب
فإن أعط مسروراً فداك وإن أخب ... فعلمي بأني لست أوّل خائب
آخر
إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
وصار على الأهلين كلا وأوشكت ... صلات ذوي القربى بأن تتكسرا
стр. 391
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
ولا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا
آخر
لا يمنعنك نفيس العيش تطلبه ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إذ حللت بها ... أهلاً بأهل واخواناً باخوان
آخر
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجئ بملئها يوماً ويوما ... تجئ بحمأة وقليل ماء
آخر
ومن كان مثلي ذا عيال مقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذراً أو ينال غنيمة ... ومبلع نفس قصدها مثل منجح
آخر
العز تحت ظلال السيف معدنه ... فاطلب بسيفك عزاً آخر الأبد
لا ترض بالدون من دنيا بليت بها ... قد ذل من كان محتاجاً إلى أحد
آخر
خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة ... إنّ الجلوس مع العيال قبيح
فالمال فيه مجلة ومهابة ... والفقر فيه مذلة وفضوح
стр. 392
آخر
أشدّ من فاقة الزمان ... مقام حر على هوان
فاسترزق الله واستعنه ... فإنه خير مستعان
وإن نبا منزل بحرّ ... فمن مكان إلى مكان
وقال فتى من قيس لغلام له
اقذف السرج على المه ... ر وقرّطه اللجاما
ثم صب الدرع في رأ ... سي وناولني الحساما
فمتى أطلب إن لم ... أطلب الرزق غلاما
سأجوب الأرض أبغي ... هـ حلالاً أو حراما
فلعل الظعن يبقى ال ... فقر أو يدني الحماما
آخر
ألا خلني أمضي لشأني ولا أكن ... على الأهل كلا إنّ ذاك شديد
أرى السير في البلدان يغني معاشراً ... ولم أر من يجدي عليه قعود
آخر
وقبيح مقام ذي الهمة الحر ... بأرض مرعاه فيها جديب
لا عدوّا أنكى ولا النفس أغنى ... وهو راض بها أكول شروب
وتراه يجوب في طلب الما ... ل سهوبا وخلفهن شهوب
خلبا قلبا إذا ملّ أرضا ... جدّ منها إلى سواها ركوب
ليس في فوت ما يحاوله الطا ... لب من رزقه عليه عيوب
إنما العيب أن يرى ساقط اله ... مة والرزق طالب مطلوب
стр. 393
الباب الحادي عشر
في الشجاعة
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول من هذا الباب
في مدح الشجاعة والبسالة
وما فيها من الرفعة والجلالة
الشجاعة غزيرة في الانسان يمنحها واهب الاحسان كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال الشجاعة غريزة يضعها الله فيمن شاء من عباده إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية وحدها قالوا هي سعة الصدر والاقدام على الأمور المتلفة وقالوا الشجاع من تكن من شجاعته عند الفرار وفقد الأنصار وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال جبلة نفس أبية قيل له فما النجدة قال ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حتى يحمد فعلها عند الخوف وقال بعض أهل التجارب الرجال ثلاثة فارس وشجاع وبطل فالفارس الذي يشد إذا شدوا والشجاع الداعي إلى البراز والمجيب داعيه والبطل المحامي لظهور القوم إذا ولوا وقال يعقوب بن السكيت في ألفاظه العرب تجعل الشجاعة أربع طبقات تقول رجل شجاع فإذا كان فوق ذلك قالوا بطل فإذا كان فوق ذلك بهمة فإذا كان فوق ذلك قالوا أليس
من عرف من الأكابر في قومه بالبأس والنجدة وكان لهم عند الهياج معقلاً وشدة رسول الله ﷺ قال أنس بن مالك ﵁ كان ﷺ أجمل الناس وجهاً وأجود الناس كفاً وأشجع الناس قلباً لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق
стр. 394
الناس ثائرين قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعاً قد سبقهم إلى الصوت وسبر الخبر على فرس لأبي طلحة عرى والسيف في عنقه وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا وقال عمران بن الحصن ما لقى رسول الله ﷺ كتيبة قط إلا كان أول من يضرب ومن ذلك ثباته يوم حنين في مركزه لا يتخلخل ولا يتزيل ليس معه إلا عمه العباس آخذاً بلجام دابته وابن عمه أبو سفيان بن الحرث وكان المسلمون يومئذ اثني عشر ألفاً فأعجبتهم كثرتهم حتى قال قائلهم لن نغلب اليوم من قلة وزل عنهم إن الله هو الناصر لا كثرة الجنود ولا العساكر فانهزموا حتى بلغ أولهم مكة ثم تدارك الله الملة الاسلامية بنصره فأنزل ملائكة على خيول بلق وتراجع المسلمون فقاتلوا فلما رأى رسول الله ﷺ كثرة قتالهم قال هذا حين حمى الوطيس وهو أول من قال هذه الكلمة ثم أخذ كفاً من تراب فرمى به المشركين وقال شاهت الوجوه فانهزموا قال ابن عباس فلكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يركض خلفهم فناهيك بهذا الثبات شهادة صدق على تناهي شجاعته وبسالته ورباط جأشه وما هو إلا من آيات النبوة وعلامات الرسالة ومما عرف فيه لأبي بكر الصديق ﵁ بقوة الجأش وثبات القلب وشجاعة النفس والصبر في المواطن الكريهة يوم مات رسول الله ﷺ فإن عمر ﵁ كذب بموته وقال ما مات وإنما واعده ربه كما واعد موسى وليرجعنه الله فليقطعن أيدي قوم وأرجلهم يسومون النبي الموت من قال إن محمداً مات علوته بسيفي هذا واعتراه ذهول حتى صار لا يدري أين يذهب وأما عثمان ﵁ فدهش فجعل لا يكلم أحداً فيؤخذ بيده فيقاد وأما علي ﵁ فقعد في البيت لم يبرح منه وكان أبو بكر ﵁ حينئذ غائباً في ناحية من نواحي المدينة على ميل منها تسمى السخ فلما بلغه الخبر جاء حتى دخل عليه وهو مسجى فكشف عن وجهه الكريم وأكب عليه وقبل بين عينيه وقال طبت حياً وميتاً وأعول بالبكاء ثم خرج وهو رابط الجأش ثابت القلب مصيب في القول والناس على خلاف ذلك من الذهول واختلاط العقل وهم في أمر مريج قد ضلت افئدتهم في تيه الحزن وزلت أقدام صبرهم
стр. 395
في مزالق الشجن فصعد المنبر وقال بعد حمد الله والثناء عليه في كلام طويل من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيأً وسيجزي الله الشاكرين فثاب إلى عمر عقله وقال والله لكأني لم أسمع بها قط في كتاب الله قبل ما نزل بنا وقالت عائشة ﵂ في خطبتها التي افتخرت فيها لما قبض رسول الله ﷺ طلع نجم النفاق وارتدت العرب وصار المسلمون كالغنم السارحة في الليلة الماطرة فحمل أبي من الأمر الفخم ما لو حملته الجبال لهافها وما يدري أيما أربط جأشاً وأثبت قلباً في هذا الأمر الشديد والمصاب العتيد أهو رضي الله تعالى عنه أم ابنتاه عائشة وأسماء ﵄ فأما عائشة فإن رسول الله ﷺ مات بين سحرها ونحرها وشاهدت ذلك الهول ثم احتملته فألقته على فراشه وسجته ببردته ولم تدع أحداً من نسائه وأهله يعينها عليه وعمرها إذ ذاك ثماني عشرة سنة ثم بكت بادية بصوت لا يكاد يعدي صاحبه فلما سمع الناس بكاءها وشجنها تحققوا موته ولم تظهر رزية ولا عويلاً ولم تشق جيباً ولم تخمش وجهاً ولم تدع ويلاً وإنما علم الناس موته ببكائها وأما أسماء فإن ولدها عبد الله بن الزبير لما رأى الغلبة دخل عليها وشكا إليها ما آل إليه أمره فقالت إياك أن تنكل أو تفشل ومت كريماً احتسبك عند الله فقال لها ما أخاف الموت وإنما أخاف أن يمثل بي فقالت إن الشاة إذا ذبحت لا تبالي بسلخها وكان عمر ﵁ من الأشداء من الأقوياء موصوفاً بالشدة موسوماً بالحدة والشجاعة والنجدة كان يضع يده اليمنى على أذن فرسه اليسرى ثم يجمع جراميزه ويثب على فرسه
فكأنما خلق على متنه وكان علي ﵁ شجاعاً بطلاً ذكر عنه إنه قتل في ليلة الهرير من حرب صفين خمسمائة وثلاثاً وعشرين رجلاً وكان إذا ضرب لا يثني وقيل له إنك مطلوب فلو اتخذت طرفاً سابقاً فقال إني لا أفر على من كر ولا أكر على من فر فالبغلة تكفيني وقيل له في حرب صفين أتقاتل أهل الشأم بالغداة وتطهر لهم بالعشي بازار ورداء فقال أبا الموت أخوف والله لا أبالي أسقطت على الموت أو سقط علي ومن الشجعان الزبير بن العوام قالوا لم يكن في عصر النبي ﷺ فارس أشجع من الزبير ولا راجل أشجع من علي وفي الزبير تقول زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوي تخاطب عمرو بن جرموز لما قتله غدراً بوادي السباعنما خلق على متنه وكان علي ﵁ شجاعاً بطلاً ذكر عنه إنه قتل في ليلة الهرير من حرب صفين خمسمائة وثلاثاً وعشرين رجلاً وكان إذا ضرب لا يثني وقيل له إنك مطلوب فلو اتخذت طرفاً سابقاً فقال إني لا أفر على من كر ولا أكر على من فر فالبغلة تكفيني وقيل له في حرب صفين أتقاتل أهل الشأم بالغداة وتطهر
стр. 396
لهم بالعشي بازار ورداء فقال أبا الموت أخوف والله لا أبالي أسقطت على الموت أو سقط علي ومن الشجعان الزبير بن العوام قالوا لم يكن في عصر النبي ﷺ فارس أشجع من الزبير ولا راجل أشجع من علي وفي الزبير تقول زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوي تخاطب عمرو بن جرموز لما قتله غدراً بوادي السباع
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرّد
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد
ومن الشجعان بنو قيلة وهم الأنصار قال ابن عباس ما سلت السيوف ولا زحفت الزحوف ولا أقيمت الصفوف حتى أسلم أبناء قيلة يعني الأوس والخزرج وهم الأنصار وصفهم مادح فقال كانوا يحبون الموت كما تحبون الحياة ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا وقال لهم رسول الله ﷺ إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع يريد أنهم يريدون بقتالهم وجه الله والدار الآخرة فلا تميل نفوسهم إلى ما يقسم من الفئ والغنيمة رغبة فيما هم بصدده من إعلاء كلمة الاسلام وإخفاء ما ظهر من شرك عبدة الأصنام فهم يكثرون إذا دعوا للقتال ويقلون عند قسم الأنفال قال كعب بن زهير يمدحهم
من سره كرم الحياة فلا يزل ... في عصبة من صالح الأنصار
الباذلين نفوسهم لنبيهم ... يوم الهياج وصفوة الجبار
يتطهرون كأنه نسك لهم ... بدماء من علقوا من الكفار
стр. 397
ومن الشجعان معاذ بن عفراء قطع كفه يوم بدر فبقي معلقاً بجلدة بطنه فلم يزل يقاتل يومه أجمع وهو معلق حتى وجد آلمه فوضع رجله على يده وتمطى حتى قطع الجلدة وحمل رجل على حكيم بن جبلة في يوم من أيام حرة وقد قطع ساقه فأخذها في يده وضرب بها من قطعها فصرعه ثم أتاه واتكأ عليه فقتله وقال مرتجزاً يا ساق لن تراعي إن معي ذراعي أحمي به كراعي وحكي عنه أنه قيل له من قطع ساقك قال وسادتي ولم يكن في الجاهلية ولا في الاسلام أشجع من خالد بن الوليد رضي الله ولشجاعته سماه رسول الله ﷺ سيف الله وذلك أنه لم ينهزم في جاهلية ولا اسلام ومات على فراشه ويقال إنه قال عند موته ما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو جرح بسهم وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء ومن شجعان الصحابة البراء بن مالك قيل عنه إنه قتل مائة مبارز سوى من شورك في قتله وكتب عمر بن الخطاب إلى عماله أن لا يولوه جيشاً للمسلمين فإنه يهلكه ومن شجعان الصحابة طلحة بن عبيد الله وحارثة بن حذيفة والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود يروى أن عمرو بن العاص بعت إلى عمر بن الخطاب وهو يحاصر مصر يطلب سنه ثلاثة آلاف فارس فبعث إليه حارثة والزبير والمقداد لا غير أقام كل واحد منهم مقام ألف فارس رضي الله تعالى عنهم أجمعين وكان مصعب بن عبد الرحمن بن عوف شجاعاً ذكر عنه أنه كان يثب ثلاث وثبات كل وثبة ثنتا عشرة ذراعاً حتى يصل إلى قرنه فيقتله ومن الفرسان مالك بن الحويرث المعروف بالاشتر النخعي من أصحاب علي ﵁ قال أبو بكر بن أبي شيبة أعطت عائشة للذي بشرها بحياة عبد الله بن الزبير بن العوام إذ التقى بالأشتر يوم الجمل أربعة آلاف درهم ذكران
стр. 398
رجلاً سب الأشتر فقال له رجل من النخع اسكت فإن حياته هدمت أهل الشأم وموته هدم أهل العراق ومن الشجعان مصعب بن الزبير سأل عبد الملك يوماً جلساءه من أشجع الناس فعدوا جماعة فقال أشجع الناس من العرب من ولي العراق فأصاب الف ألف وألف ألف وعدها مراراً وجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسن وأم كلثوم بنت عبد الله بن عامر وهند بنت ريان سيد كلب فخذله أهل العراق فأعطيناه الأمان على ما شاء فقال إن مثلي لا ينصرف إلا غالباً أو مقتولاً وقاتل حتى قتل والله لا ولدت النساء مثله وقال أخوه عبد الله لما بلغه قتله أن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وعمه وإنا لا نموت حتفاً ولكن نموت بين أطراف الرماح وتحت ظلال الصفاح وقال الزبير بن بكار آل الزبير أعرق الناس في القتل ولا يعرف في العرب ولا في العجم ستة مقتولون في نسق إلا من آل الزبير وهم عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير ابن العوام بن خويلد قتل عمارة وحمزة معاً في حرب الأباضية وقتل مصعب بدير الجاثليق وقتل محمد أخوه في حرب الجمل وقتل عبد الله بمكة في حرب الحجاج ولما قتل عبد الله أمر الحجاج بشق صدره فإذا فؤاده مثل فؤاد الجمل فكان إذا ضرب به الأرض ينزو كما تنزو المثانة المقطوعة وقتل الزبير بوادي السباع في حرب الجمل وقتل العوام في الفجار قتله بشر بن عبد الله بن دهمان الثقفي وقتل خويلد في حرب خزاعة وقيل لعبد الملك من أشجع الناس فقال العباس بن مرداس الذي يقول فيه الشاعر
أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
وقيس بن الحطيم حيث يقول
وإني في حرب العوان موكل ... باقدام نفس لا أريد بقاءها
стр. 399
ومن فرسان الخوارج قطري بن الفجاءة ويكنى أبا نعامة وخرج زمن مصعب ابن الزبير لما كان مصعب والياً على العراق من قبل أخيه عبد الله بن الزبير سنة ست وثلاثين وفي هذه السنة بويع عبد الله أخوه وعبد الملك بن مروان بالشأم فبقي قطري عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة ذكر عنه إنه مر في بعض حروبه على فرس أعجف وبيده عمود خشب فدعا إلى البراز فبرز له رجل فحسر له عن وجهه فلما رآه الرجل ولي عنه فقال له قطري إلى أين قال لا نستحي أن نفرعنك وكذلك كان عبد الله بن حازم وشبيب الحروري يصيح في جنبات الجيش فلا يلوى أحد على أحد وفيه يقول بعض شعراء الخوارج في الجاهلية
إن صاح يوماً حسبت الصخر منحدراً ... والريح عاصفة والبحر يلتطم
ومن شجعان العرب وفرسانهم الفند الزماني كان يقاس بألف ذكر أنه حمل على فارس مردوف بآخر فطعنهما فانتظما في رمحه وقال شاعر يمدح شجعان العرب
فواحدهم كالألف بأساً ونجدة ... والفهم للعرب والعجم قاهر
وليس نظم الفند فارسين في طعنة بكبير فقد فعل مثل هذه الفعلة أبو دلف في بعض حروبه وفيه يقول بكر بن النطاح يذكر طعنته من أبيات
وإذا بدا لك قاسم يوم الوغى ... يختال خلت أمامه قنديلا
وإذا تلوذ بالعمود ولونه ... خلت العمود بكفه منديلا
وإذا تناول صخرة ليرضها ... عادت كثيباً في يديه مهيلا
قالوا أينظم فارسين بطعنة ... يوم اللقاء ولا تراه كليلا
لا تعجبوا لو كان مدّ قناته ... ميلاً إذا نظم الفوارس ميلا
стр. 400
ومما يعد من شدة الشجعان الأبطال رفض التواني بالمناجزة ودفع المطال قالوا العزم التأهب قبل الأمر والحزم المضئ فيه وقالوا الحزم انتهاز الفرصة عند تمكن القدرة وترك التواني فيما يخاف فيه الفوت وقال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز ما العزيمة في الأمر قال اصداره إذا ورد بالحزم شاعر
ليست تكون عزيمة ما لم يكن ... معها من الحزم المشيد رافع
وقالوا من لم يقدمه عزمه أخره عجزه وقالوا الحازم من اشتدت شكيمته وقعدت عزيمته وقالوا الحرب كالنار إذا تداركت أولها خمد ضرامها وإن استحكم أمرها صعب مرامها ويقال قبل الاقدام تراش السهام والعجز عجزان عجز التقصير وقد أمكن والجد في طلبه وقد فات تمثل المنصور عند قتله لأبي مسلم الخراساني
إذا كنت ذا رأى فسكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن يتردّدا
ولا تمهل الأعداء يوماً بقدره ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
ولآخر
ما العزم أن تشتهي شيأً وتتركه ... حقيقة العزم منك الجد والطلب
كم سوفت خدع الآمال ذا أرب ... حتى انقضى قبل أن ينقضي له الأرب
وقالوا من تفكر في العواقب لم يشجع في النوائب وجد على سيف مكتوب أيها المقاتل احمل تغنم ولا نفكر في العواقب تندم شاعر
стр. 401
خاطر بنفسك لا تقعد بمعجزة ... حتى تباشرها منه بتغرير
لن يبلغ المرء بالاحجام همته الرياشي
وعاجز الرأي مضباع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
ويقال مفتاح الدعة مفتاح البؤس أبو دلف العجلي
ليس المروأة أن تبيت منعما ... وتظل معتكفاً على الأقداح
ما للرجال وللتنعم إنما ... خلقو اليوم كريهة وكفاح
وقالوا زوج العجز التواني فأنتج بينهما الحرمان قال المعافي في مثل ذلك
إنّ التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين أنكحها مهرا
فراشاً وطيأً ثم قال له اتكى ... رويد كما لا شك أن تلدا فقرا
وقالت الحكماء الحزم طبع الحياة والعجز طبع الموت والنفس لا تحب أن تموت فكذلك تحب أن تحيا وأخذ الشيء بالحزم لا بالعجز المتنبي
ولو أنّ الحياة تبقى لحيّ ... لوددنا ضلالنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّ ... فمن العجز أن تكون جبانا
وقالوا أشعر قلبك الجراءة فإنها سبب الظفر وأحرص على الموت توهب لك الحياة وقال أكثم بن صيفي من التواني والعجز أنتجت الهلكة وقالوا التفكر في عواقب الحرب من امارات العجز والتهور فيه من علامات الجزع
стр. 402
أبو عبادة مادحاً
صار الحزم ما مضى العرّم ساري ال ... فكر ثبت الجنان صلب العود
آخر مادحاً
ويلحظ بالأمر الصواب كأنما ... يلاحظه من كل أمر عواقبه
وقال حكيم تجرع من عدوك الغصة إلى أن تجد الفرصة فإذا وجدتها فانتهزها قبل أن يفوتك الدرك أو يعينه الفلك فإنما الدنيا دول تقلبها الأقدار ويهدمها الليل والنهار ولما أحيط بمروان بن محمد الجعدي قال والهفاه على دولة ما نصرت وكف ما ظفرت ونعمة ما شكرت فقال له بعض كماته وكان من أشراف الروم فوقع عليه سبي من أغفل الصغير حتى يكبر والقليل حتى يكثر والخفي حتى يظهر أصابه هذا
ومن الأبيات في انتهاز الفرصة ... وتفريج الغصة قول بعضهم
يا ابنة القوم ما تريدين مني ... صارمي منطقي ووجهي مجني
ما يزور الكرى جفوني إلا ... جسوة الطائر الذي لا يثني
فعلوى إذا استقلّ بعزم ... لم يعرّج بليتني ولواني
آخر
حلفت لان ألقى الشدائد كلها ... ومالي بأن ألقى الهوان يدان
تذكرت إني هالك وابن هالك ... فهانت عليّ الأرض والثقلان
فدع كل شيء خالف العزم إنه ... سيكفيكه جد إن معتلجان
وما يدرك الحاجات مثل مثابر ... ولا عاق عنها النجح مثل توان
أبو نصر بن أحمد الميكالي
قالوا تمهل في الذي ترتجي ... بلوغه من نافع الأمر
قلت التأني مظفر بالمنى ... لكنه يجحف بالعمر
стр. 403
آخر
على كل حال فاجعل الحزم عدة ... لما أنت باغيه وعوناً على الدهر
فإن نلت أمراً نلته عن عزيمة ... وإن قصرت عنك الحظوظ فعن عذر
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب حاجبا
ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
آخر
إذا فرصة أمكنت في العدى ... فلا تبد فعلك إلا بها
فإن لم تلج بابها مسرعاً ... أتاك عدوّك من بابها
ومن ممادح من عرف في قومه بالشجاعة ومد إلى قطف الرؤس سيفه وباعه قالوا فلان أبلغ صولة من أسد العرين وأشد منعة من الحصن الحصين وصف أعرابي رجلاً بالشجاعة فقال هو ابن الحرب أرضع بدرها وربى في حجرها وسئل أعرابي عن قومه فقال كانوا والله إذا اصطفوا تحت القتام صغرت بينهم السهام بشؤبوب الحمام وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت أفواهها الحتوف فرب يوم شموس أحسنت أدبه عزمتهم وحرب عبوس أضحكتها أسنتهم ومدح أعرابي قومه فقال قومي والله ليوث حرب وغيوث جدب ليس لأسيافهم أغماد غير الهام ولا رسل للمنايا غير السهام وقالوا فلان يبادر
стр. 404
المهل مبادرة الأجل الأمل أطراف الأسل أحلى عنده من لعق العسل ابن شرف القيرواني فلان قلبه يخرجه عن القلب وصرامته تقتاده إلى مكان الطعن والضرب رماحه نجوم ظلام القتام وسهامه رجوم شياطين الأنام لا ترد حاجته مواضيه ولا تمطله المغافر المنية عند تقاضيه شاعر مادحاً
يلقى السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم مهجته مقام المغفر
ما إن يريد إذا الرماح شجرنه ... ذرعاً سوى سربال طيب العنصر
ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر
أبو الفرج
يسعى إلى الموت والفنا قصد ... وخيله بالرؤس تنتعل
كأنه واثق بأنّ له ... عمراً مقيماً وماله أجل
آخر
كأنّ سيوفه صيغت عقوداً ... تجول على الترائب والنحور
وسمر رماحه جعلت هموماً ... فما يخطرن إلا في ضمير
البحتري مادحاً
يلقى السيوف بوجه منه ليس لها ... ظهر وهادي جواد ماله كفل
يسعى به البرق إلا أنه فرس ... في صورة الموت إلا أنه رجل
مسلم بن الوليد
لو أن قوماً يخلقون منية ... من بأسهم كانوا بني جيريلا
قوم إذا حمى الوطيس لديهم ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا
стр. 405
ولآخر
وحامي بلاد الله من كل مارق ... له الطير ضيف والوحوش وفود
مليك له زهر النجوم أسنة ... إذا أمّ أفقاً والسحاب بنود
آخر
عقبان روع والسروج وكورها ... وليوث حرب والفنا آجام
وبدور تمّ والترائك في الوغى ... هالاتها والسائرون غمام
جادوا بممنوح التلاد وجودوا ... ضرباً بجديه الطلى والهام
وتجاوبت أسيافهم وجيادهم ... فالأرض تمطر والسماء تغام
البحتري
معشراً أمسكت حلومهم الأر ... ض وكادت لولاهم أن تميدا
فإذا الجدب جاء جاد واغيوثا ... وإذا النقع ثار ثاروا أسودا
وكأنّ الإله قال لهم في ال ... حرب كونوا حجارة أو حديدا
آخر
إن ترد خبر حالهم عن يقين ... فاتهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار الن ... قع خضر الأكتاف حمر النصال
آخر
قوم شراب سيوفهم ورماحهم ... في كل معترك دم الأشراف
رجعت إليهم خيلهم بمعاشر ... كل لكل جسيم أمر كافي
يتحننون إلى لقاء عدوّهم ... كتحنن الآلاف للإيلاف
ويباشرون ظبا السيوف بأسهم ... أمضى وأقطع من مضي الأسياف
стр. 406
جبلت على سفك الدماء نفوسهم ... وأكفهم جبلت على الاتلاف
فإذا هم صدموا العدوّ بصارم ... خضبوا الأسنة من دم الأطراف
فنفوسهم تفني نفوس عداتهم ... وعطاؤهم يغني سؤال العافي
الفصل الثاني من الباب الحادي عشر
في ذكر ما وقع في الحروب
من شدائد الأزمات والكروب
قال بعض الحكماء جسم الحرب الشجاعة وقلبها التدبير ولسانها المكيدة وجناحاها الطاعة وقائدها الرفق وسائقها النصر وقال عمر بن الخطاب لعمرو بن معد يكرب ﵄ صف لنا الحرب فقال مرة المذاق صعبة لا تطاق إذا شمرت عن ساق من صبر لها عرف ومن نكل عنها تلف ثم أنشد
الحرب أوّل ما نكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشدّ ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطات جدّت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل
وقيل لبعضهم صف لنا الحرب فقال أولها شكوى وأوسطها نجوى وآخرها بلوى تذاكروا الحروب عند معاوية فقال بدراً على واحد لطلحة والخندق للزبير حنين للعباس بن مرداس وأنا ذاكر من الحروب الواقعة في صدر الاسلام بعد موت النبي ﵊ أربعة وهي الجمل وصفين ويوم الحرة ويوم كربلا إذ هذه الحروب أشد الوقائع طعاناً وضراباً وأعظمها في الدين فجيعة ومصاباً لما قتل فيها من كبار آل بيت النبي ﷺ وصحابته وعظماء أهل بيته وقرابته الجمل مبتدؤها أن طلحة والزبير خرجا مغاضبين لعلي ﵁ بعد أن بايعاه لما هجس في نفوسهما من أن علياً ﵁ هو الذي ألب على قتل عثمان ﵁ حتى قتل وإن قتله كان عن رضا منه فقد ما مكة على عائشة رضي
стр. 407
الله عنها وكانت قد خرجت من المدينة قبل قتل عثمان فاجتمعا يوماً عند عائشة ﵂ في رجال من بني أمية فتذاكروا قتل عثمان ورغبوا عائشة في طلب الثار فاعتذرت إليهم بقلة ذات يدها فقال يعلى بن منية ومنية اسم أمه وكان عاملاً لعثمان على اليمن عندي أربعمائة ألف درهم مساعدة لكم وخمسمائة فارس أجهزها وقال عبد الله بن عامر بن كريز وكان عاملاً لعثمان على البصرة عندي ألف ألف درهم ومائة من الابل وأشار عليهم بالبصرة ثم نادى مناد بالتحريض على طلب دم عثمان فاجتمع لهم ألف منهم ستمائه على النوق وسواهم على الخيل والبغال ووهب يعلى بن منية الجمل وكان يدعى عسكراً وعمل عليه هو دجا من حديد ثم إنهم دخلوا طالبين البصرة وكان علي ﵁ قد بلغه خبرهم وهو في المدينة فخرج منها في تسعمائة فيهم سبعون بدرياً ووصلت عائشة البصرة بمن معها وكانوا زهاء ثلاثة آلاف فمنعهم عثمان بن حنيف عامل علي من دخولها فأخذوها منه بعد حرب وقعت بينهم قتل فيها كل من خرج يطلب قتل عثمان أو أعان عليه إلا رجل واحد يسمى حرقوص بن وهب فإن بني سعد منعته وأخذوا عثمان بن حنيف فنتفوا لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه فجاء علياً ﵁ وقال يا أمير المؤمنين بعثتني بلحية وجئتك أمرد أو كان عثمان بن حنيف من كبار الصحابة وبايع أهل البصرة طلحة والزبير ووصل علي إلى الكوفة فاستنجدهم فأنجدوه باثني عشر ألف رجل وسار حتى وصل إلى جانب البصرة فنزل وأقام تلك الليلة ثم ناشدهم الله في الدماء فأبوا إلا القتال فخرج علي ﵁ وهو راكب بغلة رسول الله ﷺ والتقى الجمعان فكان أول من قتل طلحة وانهزم الزبير فلحقه ثلاثة نفر منهم عمرو بن جرموز السعدي بوادي السباع عدوا فقتله وهو ساجد وقيل نائم غيلة ووادي السباع برقة واسط بين البصرة والكوفة وفيه يقول جرير بن عطية بن الخطفي عاتباً على بني مجاشع قتل الزبير
اني تذكرني الزبير حمامة ... تدعو ببطن الواديين هديلا
قالت قريش ما أذل مجاشعا ... جارا وأكرم ذا القتيل قتيلا
لو كنت حرّا يا ابن قين مجاشع ... شيعت ضيفك فرسخاً أو ميلا
стр. 408
أفبعد قتلكم خليل محمد ... ترجو القيون مع الرسول سبيلا
أفتى الندى وفتى النزال غدرتم ... وفتى الرماح إذا تهب بليلا
لو كنت حين غدرت بين بيوتنا ... لسمعت من صوت الرماح صليلا
وحماك كل معاور يوم الوغى ... ولكان شلو عدوّك المأكولا
وقتل محمد بن الزبير وجرح عبد الله أخوه سبعاً وثلاثين جراحة وأطاف بنو ضبة والأزد بالجمل واقبلوا يرتجزون
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... ننزل بالموت إذا الموت نزل
والموت أحلى عندنا من العسل ... تبغي ابن عفان بأطراف الأسل
فقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضبة فلما التحمت الحرب واستعرت نارها نادى علي ﵁ اعقروا الجمل فانه إن عقر تفرقوا فعقره عمرو ابن دلجة وأخذته السيوف من كل جانب حتى وقع وقتل حوله خلق كثير ومال الهودج وسمع صارخ يقول راقبوا الله في حرمة رسول الله ﷺ فقال علي لابنه الحسن هلكت قال قد نهيتك عن مسيرك قال لم أكن أرى أن الأمر يصير إلى هذا وجاء أعين بن ضبيعة حتى اطلع في الهودج فقال ما أرى إلا خيراً قالت هتك الله سترك وأبدى عورتك فقتل بعد ذلك بالبصرة وصلب وقطعت يداه ورجلاه ورمى به عرياناً في خربة من خراب الأزد وقيل إن علياً لما وقف عليها ضرب الهودج بقضيب وقال يا حميراء ارسول الله ﷺ أمرك بهذا ألم يأمرك أن تقري في بيتك والله ما انصفك الذين أخرجوك إذ صانوا حلائلهم وابرزوك فيقال إنها قالت له قد ملكت فأسحج ثم أمرها بالمسير وأذن لأصحابها أن يسافر معها من أراد السفر فسافر بعض وبقي بعض وقال البلادري في تاريخه إن علياً ﵁ أعطاها حين أشخصها إلى مكة عشرة آلاف درهم ورجعت إلى مكة يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين وشيعها علي أمياً لا وقصدت مكة فأقامت بها إلى الحج ثم خرجت إلى المدينة وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالحربية لعشر خلون من جمادي الآخرة وقيل في يوم الجمعة النصف من جمادي الأولى وعدة من قتل يوم الجمل ثمانية آلاف
стр. 409
رجل من أصحاب عائشة وألف من أصحاب علي ﵃ أجمعين وفي وقعة الجمل يقول عثمان بن حنيف
شهدت الحروب فشيبنني ... ولم أر يوماً كيوم الجمل
أشدّ على مؤمن فتنة ... وأقتل منه لحرّ بطل
فليت الظعينة في بيتها ... وليتك عسكر لم ترتحل
يعني الجمل الذي كانت عليه عائشة وحكى أبو طالب المكي في القوت أن علياً ﵁ قال لابنه محمد بن الحنفية وقد قدمه امامه يوم الجمل أقدم اقدم ومحمد يتأخر وهو يكرهه بقائم الرمح فالتفت إليه محمد وقال هذه والله الفتنة المظلمة العمياء فوكزه علي ﵁ بالرمح وقال له تقدم لا أم لك أتكون فتنة أبوك قائدها وسائقها صفين ولما فرغ علي ﵁ من حرب الجمل وانصرف إلى الكوفة بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يخيره بين حرب معضلة أو يسلم بجزيه فان اختار الحرب فانبذ إليه على سواء إن الله لا يحب الخائنين وإن اختار السلم فخذ بيعته وارجع فلما بلغ جرير الرسالة إلى معاوية أرسل إلى عمرو بن العاص فلما حضره أعلمه بما أتى فيه جرير فقال له أما علي فوالله لا تسوي العرب بينك وبينه في شيء وإن له في الحرب لحظاً ما هو لأحد في قريش قال صدقت ولكنا نقاتل على ما بأيدينا ونلزمه قتل عثمان ثم قال له مديدك وبايعني فقال والله لا أعطيك شيأً من ديني حتى آخذ من دنياك ويقال بل أنشده
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل ... لديك بدنيا فانظرن كيف تصنع
فان تعطني مصراً فأربح بصفقة ... أخذت بها شيخاً يضر وينفع
فأعطاه مصر طعمة وكتب له بذلك شروطاً وأشهد عليه شهوداً فبايعه عمرو بن العاص وتعاهدوا على الوفاء وكتب معاوية إلى علي بأن لا طاعة له
стр. 410
عليه فلما ورد جرير على علي بما كتب إليه معاوية أمر الناس بالخروج إلى صفين لقتال معاوية فاجتمع له من الخيل تسعون ألفاً فيهم سبعون بدرياً وممن بائع تحت الشجرة سبعمائة ومن المهاجرين والأنصار أربعمائة وذلك لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين وبلغ معاوية خروج علي فجمع من الجنود خمسة وثمانين ألفاً وقيل مائة وعشرين الفاً وسبق علياً إلى صفين فنزل على موضع سهل أفيح معشب قريب من الفرات ونزل علي على مواضع بعيدة من الماء والعشب فبات وجيشه عطاش قد حيل بينهم وبين الماء فأشار عمرو على معاوية أن يمكن علياً من ورود الماء فقال لا والله أو يموتوا عطشاً كما مات عثمان فاشتكى أصحاب علي العطش فأمرهم بالمسير وقدم عليهم الأشتر والأشعث بن قيس فساروا وعلي من وراء الجيش حتى هجموا على عسكر معاوية فأزالوهم عن الشريعة وغرق منهم خلق كثير وارتحل معاوية إلى ناحية من البر بعيدة من الماء وأرسل إلى علي يستأذنه في استفاء الماء من طريقه فأذن له وأجابه إلى ذلك ثم بعث علي إلى معاوية يدعوه إلى اجتماع الكلمة وحقن الدماء وطالت المراسلة بينهما فاتفقا على الموادعة إلى آخر المحرم من سنة سبع وثلاثين فلما كان آخر المحرم كتب علي إلى أهل الشأم يحذرهم الوقوع في الهلكة فأبوا إلا الحرب والقتال حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فعبى علي جيشه يوم الأربعاء مستهل صفر وقدم عليهم الأشتر وتصاف أهل الشأم والعراق ووقع القتال بينهم فكان هذا دأبهم في كل يوم إلى السابع من صفر وفيه قتل عمار بن ياسر من أصحاب علي قتله أبو العادية العاملي وله من العمر ثلاث وتسعون سنة وكان في حرب صفين خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين مع علي كافاً سلاحه فلما قتل عمار خرج يطلب المبارزة وهو يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار يا عمار تقتلك الفئة الباغية ثم كانت بينهم حرب أخرى قتل فيها ذو الكلاع وعبيد الله بن عمار ثم كانت بعد ذلك ليلة الهرير قتل فيها خلق كثير
стр. 411
وكانت ليلة جمعة فلما رأى معاوية ان قد فشا القتل في أصحابه قال لعمرو بن العاص هلم مخبأتك فقد هلكنا وذكره ولاية مصر فأمر أن ترفع المصاحف وان يقال ما فيها حكم بيننا وبينكم يا أهل العراق فرفعوها وكانت زهاء خمسمائة مصحف ونادوا من لثغور الشأم بعد أهل الشأم ومنل ثغور العراق بعد أهل العراق من لجهاد الروم والترك فعند ذلك اختلف أصحاب علي فمنهم من أراد القتال ومنهم من أراد الكف فقال علي ﵁ بالأمس كنت أميراً وأصبحت اليوم مأموراً ثم أرسل الأشعث بن قيس إلى معاوية يسأله لأي شيء رفعت المصاحف قال لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه تبعثون رجلاً منكم ترضونه ونبعث رجلاً منا نرضاه ليعملا فينا بكتاب الله ونتبع ما اتفقا عليه فقال الأشعث هذا هو الحق وانصرف إلى علي وأخبره بما قال معاوية فقال الناس رضينا فاختار أهل الشأم عمرو بن العاص واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس واختار علي عبد الله بن عباس فقالوا والله لا نريد إلا رجلاً هو من معاوية ومنك على السواء قال فاصنعوا ما أردتم فجمعوا بين عمرو بن العاص وأبي موسى وأخذوا عليهما العهد والميثاق أن لا يخونا وأخذ الحكمان من علي ومعاوية والحسنين المواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأن يكون منهم المبايعة على ما يرضيانه ثم خرجا واجتمعا في دومة الجندل في شهر شعبان سنة ثمان وثلاثين فقال عمرو لأبي موسى إن هذه الفتنة لا تزال قائمة ما دام واحد من هذين الاثنين متولياً إمرة المسلمين فقال أبو موسى فما ترى قال أرى أن يصعد كل واحد منا المنبر ويخلع صاحبه وندعها شورى بين المسلمين يولون أمرهم من أرادوا فأجابه إلى ذلك وتقدم أبو موسى وصعد المنبر وقال أيها الناس انا نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر اجتمع رأيي ورأي عمرو عليه وهو أن يخلع كل واحد منا صاحبه ويجعل أمر المسلمين إليهم يولون عليهم من أحبوا وإني خلعت علياً فاستقبلوا أمركم وولوا من شئتم ونزل ثم صعد عمرو فحمد الله وأثنى عليه قال قد قال أبو موسى ما سمعتم من خلع صاحبه وإني خلعته كما خلعه وأثبت معاوية كما
أثبت حميلة سيفي هذا في عنقي فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق والله بمقامه ثم نزل فاختلف عند ذلك كلمة الجيشين فلما رأى علي اختلافهما رحل قاصداً الكوفة ولحق معاوية بدمشق وانصرف عمرو بأهل الشأم بعد ذلك إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة وبايعوه فكان علي ﵁ بالعراق ومعاوية بالشأم إلى سنة أربعين وفي هذه السنة قتل علي ﵁ في رمضان وهو ابن اثنتين وستين سنة وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا شهراً واحداً ومدة ولاية معاوية أربعين سنة منها أميراً على الشأم لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان عشرون سنة وخليفة عشرون سنة وتوفي سنة ستين ولما انفصل أهل الشأم وأهل العراق من هذه الحروب رجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي ﵁ وكان علي ﵁ إذا صلى الغداة لعن معاوية وعمراً وأصحابه فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن علياً وابن عباس وحسناً وحسيناً والأشتر ولم يزل الأمر على ذلك برهة من ملك بني أمية إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فمنع من ذلك وجعل مكان اللعن في الخطبة ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم وقتل بصفين من أهل العراق والشأم في مدة مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف وقيل سبعون ألفاً من أهل الشأم خمسة وأربعون ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً والله أعلم وكانت الوقائع تسعين وقعة وعدة من حضر في صفين من أهل الشأم مائة وعشرون ألفاً ومن أهل العراق مائة ألف وعشرة آلاف فيكون جملة الفريقين مائتي ألف وثلاثين ألفاًبت حميلة سيفي هذا في عنقي فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق والله بمقامه ثم نزل فاختلف عند ذلك كلمة الجيشين فلما رأى علي اختلافهما رحل قاصداً الكوفة ولحق معاوية بدمشق وانصرف عمرو بأهل الشأم بعد ذلك
стр. 412
إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة وبايعوه فكان علي ﵁ بالعراق ومعاوية بالشأم إلى سنة أربعين وفي هذه السنة قتل علي ﵁ في رمضان وهو ابن اثنتين وستين سنة وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا شهراً واحداً ومدة ولاية معاوية أربعين سنة منها أميراً على الشأم لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان عشرون سنة وخليفة عشرون سنة وتوفي سنة ستين ولما انفصل أهل الشأم وأهل العراق من هذه الحروب رجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي ﵁ وكان علي ﵁ إذا صلى الغداة لعن معاوية وعمراً وأصحابه فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن علياً وابن عباس وحسناً وحسيناً والأشتر ولم يزل الأمر على ذلك برهة من ملك بني أمية إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فمنع من ذلك وجعل مكان اللعن في الخطبة ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم وقتل بصفين من أهل العراق والشأم في مدة مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف وقيل سبعون ألفاً من أهل الشأم خمسة وأربعون ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً والله أعلم وكانت الوقائع تسعين وقعة وعدة من حضر في صفين من أهل الشأم مائة وعشرون ألفاً ومن أهل العراق مائة ألف وعشرة آلاف فيكون جملة الفريقين مائتي ألف وثلاثين ألفاً
يوم كربلاء
لما بويع يزيد بالخلافة وذلك في رجب سنة ستين خرج الحسين كارهاً للبيعة من المدينة إلى مكة فبلغ أهل الكوفة امتناعه فكتبوا إليه يحرضونه على المسير إليهم ويعرفونه بأنهم شيعته وشيعة أهل بيته وأنهم يقاتلون عدوه حتى يقتلوا أنفسهم دونه فقدم الكتاب على الحسين لعشر خلون من رمضان سنة ستين فبعث إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب للمبايعة له فبايعوه فكتب بذلك عامل الكوفة من قبل يزيد وهو عبد الله بن مسلم إلى يزيد يعلمه بذلك فلما بلغ يزيد ذلك عقد لعبيد الله بن زياد بولاية الكوفة وأمره بقتل مسلم بن عقيل فسار حتى
стр. 413
دخل الكوفة على حين غفلة من أهلها وهو ملتئم يظنونه الحسين فجعل لا يمر على ملا من الناس إلا قالوا مرحبا بابن بنت رسول الله ﷺ قدمت خير مقدم فلما سمع مقالتهم حسر لهم عن وجهه فلما رأوه داخلهم كآبه وحزن وخاف مسلم على نفسه فاستجار بهانئ بن عروة فأرسل إليه عبيد الله يطلبه منه فقال لا أسلم إليك من استجار بي ظناً منه أن قومه سيمنعونه منه فتوعده وتهدده فقال والله لو كان تحت قدمي هاتين ما رفعتهما عنه فاصنع ما بدا لك فضربه على وجهه فأدماه وهشم أنفه وأمر به فحبس فلما بلغ مسلم ابن عقيل ذلك أمر أن ينادي في أصحابه وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفاً فاجتمع حول داره منهم أربعة آلاف فجاء الصارخ بذلك إلى عبيد الله فخرج من المسجد إلى القصر فزعاً مسرعاً وأغلق أبوابه وأحاط مسلم بن عقيل به فيمن معه من كل ناحية ولم يكن مع عبيد الله في القصر إلا ثلاثون رجلاً من الشرط وعشرون من أشراف الناس فبينما هم كذلك إذ أقبل كثير بن شهاب فيمن أطاعه من مذحج فنادى أيها الناس ألحقوا بأهاليكم ولا تعرضوا أنفسكم للقتل فان هذه جيوش أمير المؤمنين يد مقبلة وقد أقسم الأمير عبيد الله لئن لم ترجعوا عن حربه ليأخذن البرئ بالسقيم والغائب بالحاضر حتى لا يبقى منكم باقية فتفرق الناس وجعل الرجل يخوف أخاه بجند الشام والمرأة تخوف ولدها فأمسى مسلم بن عقيل ومعه ثلاثون ألفاً فخرج متوجهاً نحو أبواب كندة فما بلغ الأبواب ومعه عشرة ثم خرج من الأبواب وما معه انسان فمضى على وجهه لا يدري أين يذهب فالتجأ إلى دار امرأة تسمى طوعة فمنعته الجلوس على بابها ولم تكن تعرفه فقال لها افعلي معي معروفاً لعلي أكافئك عليه بعد قالت وما ذاك قال أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم وغروني فرقت له وحنت عليه وأخذت بيده وأدخلته دارها وكانت للأشعث بن قيس فلما كان الغد صعد عبيد الله بن زياد المنبر فحمد الله على انتصاره ثم قال برئت الذمة ممن وجدنا مسلم بن عقيل في داره ومن جاء به فله ديته فقام محمد بن الأشعث وقال إن بلال بن أسيد أخبرني إن عقيل بن مسلم عند أمه فقال قم وأتني به فقام ابن الأشعث في ستة عشر رجلاً حتى أتوا الدار فلما سمع مسلم وقع حوافر الخيل نهض إليهم بسيفه فاقتحموا عليه الدار فضربهم حتى أخرجهم وخرج خلفهم مصلتاً سيفه ومانعاً عن نفسه فقال له ابن الأشعث يا فتى لا تقتل نفسك ولك الأمان وهو يدافع عن
стр. 414
نفسه ويقول
أقسم لا أقتل إلا حرّا ... وإن رأيت الموت شيأً نكرا
كل امرئ يوماً ملاق شرّا ... أخاف أن أكذب أو أغرّا
فقال ابن الأشعث لا تكذب ولا تغر أنا زعيمك بالوفاء والذمام فلما ألقى سلاحه تواثبوا عليه وأخذوه وحمل إلى عبيد الله فقال له يا فاسق إن نفسك منتك ما حيل بينك وبينه قتلني الله إن لم أقتلك قتله لم يقتلها أحد قبلك في الاسلام ثم أمر كثير بن حمران الأحمري أن يصعد به إلى سطح القصر وأن يرمي به ففعل فلما فعل به كذلك لم يمت فأمر بضرب عنقه فضربت ثم ضرب رقبة هانئ بعده وصلبت جثة مسلم وحمل رأسه إلى دمشق وكان قتل مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين وفي ذلك اليوم خرج الحسين من مكة قاصداً نحو الكوفة بعد ما وصله كتاب مسلم يخبره فيه أن أهل الكوفة معك فأقبل حين تقرأ كتابي فاني قد بايعتهم لك فبينما هو سائر بأصحابه نحو الكوفة إذ مر به رجل من أهلها فسئل عما وراءه فذكر أنه لم يخرج منها حتى قتل مسلم وهانئ ورآهما يجران بأرجلهما في السوق فهم بالرجوع فقال له بعض أصحابه والله ما أنت كمسلم ولو قدمت الكوفة لكان الناس أسرع إليك من السيل في المكان المنحدر فسار وإذا طلائع خيل قد أقبلت نحوه فنزل الحسين وأمر بالأخبية فضربت وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد اليربوعي وكان نازلاً على القادسية ينتظر قدوم الحسين فلما اجتمعا قال له الحر ما الذي أقدمك العراق قال له والله ما خرجت حتى أتتني كتبكم مع رسلكم فقال له الحر والله ما ندري ما هذه الكتب وقد أمرنا انا إذا لقيناك لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة فقال ثكلتك أمك الموت دون ما قلت فقال الحر لو غيرك قالها من العرب ما تركت ذكر أمه وإذ قد أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة فأبى وسار والحر بن يزيد معه حتى أتوا على قرية فسأل الحسين عنها فقالوا العقر فقال نعوذ بالله منه أي من العقر وهي كربلاء فنزل فيها وذلك يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين فلما كان من الغد قدم عليهم عمرو بن سعد بن أبي وقاص من
стр. 415
الكوفة في أربعة آلاف فارس فلما اجتمعوا كتب عمرو إلى عبيد الله يسعى في صلاح الحال معه وعوده انا قد اجتمعنا بالحسين في كربلاء ونحن ننتظر أمرك فيه فكتب إليه حل بين الحسين وبين الماء كما فعل بالزكي النقي عثمان بن عفان فمنعوه وأصحابه الماء ثم أنفذ إليهم الشمر بن ذي الجوشن وأمره أن يسمع لعمرو بن سعدان هو قاتل وإن أبى فتقدم أنت على العسكر فأقبل شمر على عمرو بن سعد وبلغه ما قال عبيد الله فاستعض لذلك وقال لا ولا كرامة ولكن أنا أتولى ذلك ثم نادى يا خيل الله اركبي وذلك عشية الخميس لتسع خلون من المحرم ثم تقدموا نحو الحسين فأرسل إليهم أخاه العباس يسألهم التأخير لصبيحة غد فأجابوه إلى ذلك فلما صلى الغداة يوم الجمعة وقيل يوم السبت وهو يوم عاشوراء خرج عمرو فيمن معه من الناس وخرج الحسين وأصحابه وكانوا اثنين وثلاثين فارساً وأربعين راجلاً ثم وقف فيهم على راحلته ونادى أيها الناس أجمعوا أمركم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين فسمعه نساؤه فبكين ثم قال انسبوني وانظروا من أنا هل على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري فسمعته أخته فاطمة فقالت اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال اليتامى فقال مجيباً لها ولو ترك القطا ليلاً لناما فجاءه الحر بن يزيد اليربوعي فقال له ما جاء بك قال جئتك تائباً مما كان مني مواسياً لك بنفسي افترى ذلك لي توبة قال نعم يتوب الله عليك ويغفر لك ثم أقبل الحر بوجهه على أصحاب ابن زياد وقال لهم اتقوا الله في ابن بنت رسول الله نبيكم حلتم بينه وبين الماء الذي يلغ فيه الكلب ويرده الكافر وها أصحابه قد صرعهم العطش فبئسما خلفتم محمداً في أهل بيته فحمل عليه رجال منهم ونشب الحرب بينهم فجعل الحر ينشد يحمل على القوم ويقول
والله لا تقتل حتى أقتلا ... ولن أصيب اليوم إلا مقتلا
أضربهم بالسيف ضرباً فيصلالا ناكلاً عنهم ولا مهللا ولم يزل يقاتل حتى قتل ثم حمل أصحاب عمرو بن سعد على أصحاب الحسين حملة رجل واحد فقتلوهم كلهم وكان أول من قتل من آل بني طالب علي بن الحسين الأكبر وبقي الحسين وحده وكان الناس قد توقوا قتله فكان
стр. 416
بعضهم يحيل على بعض وصاح شمر لعنه الله بأصحابه أن اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم فحمل عليه من كل جانب فضربه زرعة بن شريك بالسيف فقطع يساره وطعنه سنان ابن أنس النخعي بالرمح فصرعه ونزل إليه فاحتز رأسه من قفاه وأخذها ووجد فيه رضي الله تعالى عنه ثلاث وثلاثون جرحاً وثلاثون طعنة والكل فيما أقبل من وجهه وقيل مائة وعشرون جراحة ما بين طعنة برمح ورشقة بسهم ورمية بحجر وضربة بسيف وكانت عليه جبة خز دكناء فصارت كأنها جلد قنفذ من السهام ثم سلبه إسحق بن جنوة قميصه فبرص وسلبه يحيى بن كعب سراويله فعمي ونادى عمرو بن سعد من ينتدب للحسين فيطؤه بفرسه فانتدب له إسحق ابن جنوة وتسعة من أصحابه فوطؤا ظهره وصدره حتى رضوه رحمة الله تعالى عليه ولعن قاتله والمعين له وأتى سنان بن أنس براس الحسين إلى عبيد الله ابن زياد فلما دخل عليه قال
أوقرر كابي فضة وذهبا ... انا قتلت السيد المحجبا
أكرم خلق الله أمّاً وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون النسبا
فظفر به المختار بن أبي عبيد فقتله وأحرقه ثم بعث بالرأس مع محفيد بن ثعلبة العائدي إلى يزيد بن معاوية فلما دخل عليه قال له جئتك برأس ألأم الناس ما ولدت مخدرة الأم وأوضع ثم جعل يضرب ثناياه بقضيب خيزران كان في يده وينشد
أبي قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواضب في ايماننا تقطر الدما
تفلق هاماً من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
أما والله لوددت إني أتيت بك مسلماً ولو وليتك ما قتلتك ثم قدم إليه علي بن الحسين والحسن بن الحسن فقال لعلي أنت أبوك قطع رحمي ونازعني سلطاني فجزاه الله جزاء القطيعة للرحم فقال علي ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها فقال يزيد وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ويروى أنه لما قتل الحسين ﵁ قدم على
стр. 417
يزيد المذحجي فقال له ما وراءك قال ابشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر رجلاً من أهل بيته وستين رجلاً من شيعته فرنا إليهم فألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله أو القتال فاختاروا القتال على الاستسلام فعدونا عليهم مع شروق الشمس فاحتطنا بهم من كل ناحية حتى أخذتهم السيوف مأخذها من هؤلاء القوم وجعلوا يلجؤن إلى غرور ويلوذون منا بالآكام والحفر لنادي الحمام من العقر فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا قدر جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مزملة وخدودهم معفرة تضربهم الشمس وتسفي عليهم الريح وفوقهم العقبان والرخم بقفر سبسب لا مكفنين ولا موسدين فدمعت عينا يزيد وقال كنت أرضى منكم ومن طاعتكم بدون قتل الحسين لعن الله ابن سمية أما والله لو أني بصاحبه لعفوت عنه فرحم الله الحسين فلم يصله بشيء ويقال إنه لما حمل رأس الحسين إلى يزيد ابن معاوية ووضع بين يديه خرجت كف يد من الحائط فكتبت في جبهته
أترجو أمة قتلت حسيناً ... شفاعة جدّه يوم الحساب
وقتل ﵁ وله من العمر خمس وقيل ست وقيل سبع وخمسون سنة وقتل معه ثمانية عشر رجلاً من أهل بيته وستون رجلاً من شيعته ولما وصل خبر مقتله إلى المدينة وكان والياً عليها يومئذ عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق قام منادياً فنادى بقتله فصاح نساء بني هاشم وخرجت ابنة عقيل بن أبي طالب حاسرة وهي تقول
ماذا تقولون إن قال النبيّ لكم ... ماذا فعلتم وأنتم خيرة الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى ومنهم مضرج بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وفي يوم قتله من العام القابل قتل عبيد الله بن أبي زياد قتله المختار بن أبي عبيدة وقتل المختار مصعب بن الزبير وقتل مصعباً عبد الملك بن مروان فيا لله
стр. 418
العجب كيف وإني يهدر دماء بني البتول وسيف النصر على الباغي بيد الزمان مسلول
يوم الحرة
وسببه أن جماعة من أشراف المدينة منهم عبد الله بن حنظلة وبنوه ثمانية والمندر بن الزبير قدموا من عند يزيد بن معاوية وكان قد أكرمهم وحملهم وكساهم فأظهروا شتمه وأكثروا سبه وعيبه للناس وقالوا قدمنا من عند رجل شريب فسيق يلعب بالكلاب ويسامر القرود والقيان وانا نشهدكم أن قد خلعناه وتبرأنا منه فكتب عثمان بن حيان والي المدينة من قبل يزيد إليه يعلمه بما أجمعوا عليه فكتب يزيد إلى أهل المدينة أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال وإني والله لقد لبستكم فأبليتكم ورقعتكم حتى خرقتكم وإني وضعتكم على رأسي ثم على صدري ثم على بطني وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لاطأنكم وطأة أقل بها عددكم وأقل بها عددكم وأترككم أحاديث تنسخ أخباركم مع أخبار عاد وثمود فإن شئتم فلا أفلح من ندم وكتب في آخر الكتاب متمثلاً بقول الشاعر
لقد بدلوا الحلم الذي من سجيتي ... فبدلت قومي غلظة بليان
فلما وصل إليهم الكتاب وقرئ عليهم أبوا إلا خلعه وازدادوا عليه تغيظاً وفيه كراهة ثم بايعوا عبد الله بن حنظلة ووثبوا على عثمان بن حيان وأخرجوه من المدينة وأخرجوا من كان فيها من بني أمية ومواليهم وكانوا نحواً من ألف فنزلوا دار مروان بن الحكم فخرجوا إليهم وحصروهم فيها فكتب مروان إلى يزيد يعلمه بما جرى فوصل إليه الكتاب ليلاً وعنده الضحاك بن قيس فقرأه عليه ثم قال له ما الراي قال يا أمير المؤمنين قومك وعشيرتك وبلد رسول الله ﷺ وحرمه وأرى أن تعفو عنهم وتتغمد ذنوبهم فقال اخرج عني ثم دعا مسلم بن
стр. 419
عقبة المري قال فما لبث أن دخل رجل أعور ثائر الرأس كأنما يقلع رجله من وحل إذا مشى فرمى إليه بالكتاب فلما قرأه احمر وجهه وأزبد شدقه فقال له يزيد ما الرأي قال أرى أن تبعث إليهم جيشاً رجاله غليظة أكتافهم طويلة رماحهم فيطؤنهم حتى يكونوا نكالاً لمن خلفهم فقال له يزيد كنت لها لولا أنك ضعيف فقال يا أمير المؤمنين إن كنت تريدني لمصارعتهم فإني ضعيف وإن كنت تريدني للراي فإني قوي فأمره يزيد بالتجهز فما أصبح إلا وعلى باب يزيد عشرون ألفاً وفيهم مسلم بن عقبة فاستدعاه يزيد وقال له سر فإن حدث بك أمر فاستخلف الحصين بن نمير وادع أهل المدينة ثلاثاً فإن أجابوك وإلا قاتلهم فإن أطاعوا أمرنا فانصرف عنهم إلى ابن الزبير فإن قاتلتهم وظفرت بهم فابحها ثلاثاً واستوص بعلي بن الحسين خيراً ثم ودعه وانصرف بمن معه من الجيش فلما سمع أهل المدينة بقدوم الجيش غور والمياه التي بينهم وبين أهل الشأم فأرسل الله السماء فلم يسيتق أصحاب مسلم بدلو حتى قدموا المدينة وكان أهل المدينة قد أطلقوا بني أمية فخرجوا قاصدين الشأم فلقوا مسلماً بالجيش فرحب بهم وسألهم عن أهل المدينة فأخبروه بحالهم وشاورهم أين يكون نزوله من نواحي المدينة فأشار عليه عبد الملك بن مروان أن ينزل بالجيش من قبل الحرة فإنها مشرفة على المدينة وإن أهلها ينظرون من تألق بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ما لا يراه أصحابك منهم فنزلها فلما رآهم أهل المدينة خرجوا في جموع كثيرة وهيئة لم ير مثلها فلما رآهم أهل الشأم أكبروهم وكرهوا قتالهم فكتب مسلم إليهم يحذرهم سطواته وينذرهم فتكاته فأبوا قبول ما دعاهم إليه من الانقياد لطاعته فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وستين نادى مناديه يا أهل المدينة قد مضى الأجل فما تصنعون أتسالمون أم تحاربون فقالوا بل نحارب ثم خرجوا وطلبوا البراز فأمر مسلم أن يعيي الجيش وضرب لهم فسطاطاً ووقع القتال وجعل مسلم يعد قومه ويمنيهم وعبد الله بن حنظلة الغسيل يحرض قومه ويقدم أولاده واحداً بعد واحد حتى قتلوا ثم حمل عليه فقتل وقتل يومئذ ثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ وقال أهل الشأم لبني أمية ألهؤلاء جئتم بنا حتى نقتلهم ثم اشتد القتال وكثر القتل حتى انهزم أهل المدينة فدخلوها وتحصنوا بها فيئس منهم مسلم فدله رجل من بني حارثه على طريق سالكة إلى المدينة فسلكه بمن معه حتى دخلها
стр. 420
فلما رأى أهلها الجيش قد صار معهم تفرقوا فقتلوا في كل جهة وذلك لثلاث من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ثم انتهبوها ثلاثاً وأقاموا بها حتى رأوا هلال المحرم ثم أخذ مسلم البيعة على أهل المدينة إنهم عبيد قيان ليزيد بن معاوية إن شاء أعتق وإن شاء قتل ثم ركب مسلم الفاسق لعنه الله وخرج إلى الحرة يطوف في القتلى ومعه مروان ابن الحكم فمر على عبد الله بن حنظلة وهو ماد اصبعه نحو السماء فقال والله لئن نصبتها ميتاً لطالما نصبتها حياً داعياً إلى الله ومر على إبراهيم بن نعيم فوجد فرجه مستوراً بيده فقال والله لئن حفظته عند الوفاة لقديماً حفظته في حال الحياة ومر على محمد بن عمر بن حزم وهو واضع جبهته على الأرض فقال أما والله لئن كنت على جبهتك بعد الموت لطالما فرشتها الله ساجداً في طول الحياة فقال والله ما هؤلاء إلا من أهل الجنة ثم إن مسلماً حز رؤس القوم وأرسلها إلى يزيد فيقال إنه أنشد لما ألقيت بين يديه بيت ابن الزبعري
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
قال الواقدي قتل يوم الحرة سبعمائة من حملة القرآن وقيل قتل سبعمائة من قريش والأنصار وقتل ممن لا يعرف عشرة آلاف ثم سار مسلم لعنه الله يريد مكة لقتال عبد الله بن الزبير فلما كان بقديد مات فدفن بالمشلل وقيل بثنية هرشي وكان موته لسبع بقين من المحرم سنة أربع وستين وفي هذه السنة مات يزيد في الرابع عشر من ربيع الأول وله من العمر ثمان وثلاثون سنة وكانت مدة خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر ولما مات مسلم جاءت أم ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة فنبشته وأحرقته وقيل بل أخرجته وصلبته وفيما ذكرنا من هذه الحروب اقناع يعز به المخبر إذا سئم من المطاولة المستخبر
وأحسن ما لحق بهذا الفصل وتلاه ... وصف عظم الجيش ومصارع قتلاه
أبلغ ما وصف به عظم الجيش قول مالك بن الريث من أبيات
بجيش لهام يشغل الطير جمعه ... عن الأرض حتى ما يجدن منازلا
стр. 421
السلامي
والجو ستر بالنسور مطير ... والأرض فرش بالخيول مخيل
يهفو العقاب على العقاب فيلتقي ... بين الفوارس أجدل ومجدل
ولا مزيد في الحسن على ما قاله أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من أبيات يمدح بها المعتصم جاء منها قوله
لما رأيت الذين يخفق قلبه ... والكفر فيه تغطرس وعرام
أوريت زند عزائم تحت الدجى ... أسرجن فكرك والبلاد ظلام
فنهضت تسحب ذيل جيش ساقه ... حسن اليقين وقاده الاقدام
ملأ الملا عصباً فكاد بأن يرى ... لا خلف فيه ولا له قدام
بسواهم لحق الأباطل شرب ... تعليقها الأسراج والألجام
ومقابلين إذا انتموا لم يخزهم ... في نصرك الأخوال والأعمام
تخذوا الحديد من الحديد معاقلاً ... سكانها الأرواح والأجسام
مسترسلين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام
آساد موت مخدرات مالها ... إلا الصوارم والقنا آجام
حتى نقضت الروم عنك بوقعة ... شنعاء ليس لنقضها ابرام
في معرك أما الحمام فمفطر ... في هبوتيه والكماة صيام
والضرب يقعد قرن كل كتيبة ... شرس الضريبة والحتوف قيام
فقصمت عروة جمعهم فيه وقد ... جعلت تفصم عن عراها الهام
стр. 422
ابن عبد ربه صاحب العقد
وجيش كظهر اليمّ ينفحه الصبا ... يعب عبابا من قنا وقنابل
فينزل أولاه وليس بنازل ... ويرحل اخراه وليس براحل
ومعترك ضنك تعاطت كماته ... كؤس دماء من كلى ومفاصل
يديروا بها راحاً من الروح بينهم ... ببيض رقاق أو بسمر ذوابل
وتسمعهم أمّ المنية وسطها ... غناء صليل البيض تحت المناصل
أبو الفرج الببغا
فإذا الجياد إلى الجياد عوابساً ... شعثاً ولولا بأسه لم تنفد
في جحفل كالسيل أو كالليل أو ... كالقطر طافح قطر بحر مزبد
متوقد الجنبات تعتنق القنا ... فيه اعتناق تواصل وتودد
متعجر بضيا الصوارم مبرق ... تحت العجاج وبالصواهل مرعد
ردّ الظلام على الضحى واسترجع ... الأصباح من ليل الغبار الأزبد
وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلة في الجلمد
وكأنّ طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار لها مكان الأثمد
وله
في خميس كأنما السمر والأب ... طال فيه غيله حمته أسود
سلب الشمس ضوأها بشموس ... طالعات أفلاكهن جديد
عارض كلما تجلت بروق ال ... بيض حثت على الصهيل رعود
وله
جيش يفوت الطرف حتى لا يرى ... ما غاب من أطرافه محدودا
ويحيش حتى لا يظن عديده ... أحد لكثرة جمعه معدودا
стр. 423
فكأنما جعل الإله روابي ... الأعلام أعلاماً له وبنودا
يقضي على الأعداء خيفة بأسه ... قبل اللقاء تهدداً ووعيدا
وترى وتسمع لمعه وخفوقه ... فتخال فيه بوارقاً ورعودا
آخر
خميس إذا أخفى سنا الشمس نطقه ... أضاء وأبداه الحديد المسرد
تواجهه هوج الرياح فينثني ... وتحمله الأرض الوقور فيرعد
أبو الطيب المتنبي
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم
تجمع فيه كل لسن وأمة ... فما يفهم الحدّاث إلا التراجم
وله
وذو لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمر عليه الريح وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
ويخفى عليك البرق والرعد فوقه ... من اللمع في هاماته والجماجم
ابن المعتز
وعمّ السماء النقع حتى كأنه ... دخان وأطراف الرماح شرار
ابن الساعاتي
والنقع ليل والأسنة أنجم ... والسمر غاب والكماة أسود
стр. 424
وصف النزال والقتلى
وصف أعرابي وقعة فقال اصطفوا كجناح الطائر وشدوا شد الأسد الخادر فما ثنوا أعنتهم ولا صرفوا أسنتهم حتى انصرف اعداؤهم أبو نصر الميكالي دارت رحى الحرب بين أعمار تباح ودماء تستباح وأجسام تطاح وأرواح تسفي بها الرياح فالسيوف للهامات دامغة والرماح في الأكباد والغه بض البلغاء طلبنا فلاناً في الوغى فوجدناه وجسده بالصفاح منمق محبر وبالرماح معجم ومحرر ابن عبد ربه من أبيات
فكم على النهر أوصال مفرقة ... تقسمتها المنايا فهي أشطار
قد فلقت بصفيح الهند هامتهم ... فهنّ بين حوامي الخيل أعشار
وكم بساحتهم من شلو مطرح ... كأنه فوق ظهر الأرض أجار
كأنما رأسه أفلاق حنظلة ... وساعداه على الزندين جمار
أبو بكر الخوارزمي
كتبنا في وجوههم سطوراً ... غرائب حبرهن دم همول
فترجمها الأعادي للأعادي ... ويقرؤها على الحيّ القتيل
فمالك غير جمجمة كناب ... ومالك غير صاحبها رسول
ابن الرومي
كتبت لنا أيدي النزال صحائفاً ... هجما من الأعراب والافصاح
أطراسها جثث الكماة وحبرها ... مما أسلناه دم الأرواح
فالشكل فوق سطورها بصوارم ... والنقط تحت حروقها برماح
стр. 425
ابن نباتة
خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب
قطع الرؤس أحسن ما نظم فيها قول الشريف البياضي من أبيات
خطبنا بالقنا مهج الأعادي ... فزفت والرؤس لها نثار
وقول جرير وإن كان قبله
كأنّ رؤس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
وقول الآخر
وكأنما سمر الرماح معاطف ... والهام فوق صدورهن نهود
الفصل الثالث من الباب الحادي عشر
في ذم التصدي للهلكة
ممن لا يستطيع بها ملكة
قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال تعالى خذوا حذركم وقد روى أن عمر ﵁ حين كره طواعين الشأم أراد الرجوع إلى المدينة فقال له أبو عبيدة بن الجراح يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله قال نعم إلى قدر الله فقال له أيمنع الحذر القدر قال لست مما هناك في شيء إن الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عما لا يضر فإنه يقول ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال خذوا حذركم وقالوا الشجاعة تغرير والتغرير مفتاح الهلكة وقال يزيد ابن المهلب الاقدام على الهلكة تغرير والاحجام عن الفرصة جبن
следующие страницы →