وأمَّا الشافعيُّ وغيره: فيرَوْنَ أنَّ ما تَفَرَّدَ به ثقةٌ مقبولُ الروايةِ ولم يخالفْهُ غيرُهُ، فليس بشاذٍّ، وتصرُّفُ الشيخَيْنِ يدُلُّ على مثل هذا المعنى.
وفرَّقَ الخليليُّ بين ما ينفردُ به شيخٌ من الشيوخِ الثقاتِ، وما ينفرِدُ به إمامٌ أو حافظٌ: فما انفرَدَ به إمامٌ أو حافظٌ؛ قُبِلَ واحتُجَّ به، بخلافِ ما تفرَّد به شيخٌ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حُفَّاظ الحديث، والله أعلم» . اهـ كلام ابن رجب.
والإعلالُ بالتفرُّدِ كثيرٌ عند أهلِ العلمِ بالحديث؛ ولذا نَجِدُ البخاريَّ، والعُقَيْليَّ، وابنَ عَدِيٍّ كثيرًا ما يُعِلُّونَ الحديثَ بقولهم: «لا يتابَعُ عليه» (١) .
وأكثَرُ ما يُعِلُّونَ بالتفرُّد: إذا تفرَّد خفيفُ الضبط عن إمامٍ مُكْثِرٍ ممَّن يَحْرِصُ أهلُ العلم على جمعِ حديثه وروايتِهِ؛ كالزُّهْري، وقتادة، والأعمش، والثَّوْري، وشُعْبة، ومالك، ونحوهم، أو تفرَّدَ بحديثٍ من أحاديثِ الأحكامِ التي يَحْرِصُ أهلُ العلم على روايتها:
مثال ذلك: قولُ عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) : «وسألتُ أبي عن
٩) التَّدْلِيسُ:
وهو إخفاءُ عَيْبٍ في الإسناد، وإيهامُ الناظِرِ فيه بِخُلُوِّ ذلك الإسنادِ من العَيْب (١) .
والتدليسُ عند أهلِ الحديثِ قسمان:
١ - تدليسُ إسناد.
٢ - وتدليسُ شيوخ.
يقول الحافظ ابن حجر (٢) : «والتدليسُ تارَةً في الإسناد، وتارَةً في الشيوخ.
فالذي في الإسناد: أنْ يَرْوِيَ عمَّن لقيه شيئًا لم يَسْمَعه منه؛ بصيغةٍ مُحْتَمِلة، ويَلْتَحِقُ به مَنْ رآه ولم يجالسه.
ويَلْتَحِقُ بتدليسِ الإسناد: تدليسُ القَطْع، وهو: أن يَحْذِفَ الصيغةَ ويَقْتَصِرَ على قولِهِ مثلاً: الزُّهْري، عن أنس.
وتدليسُ العَطْف، وهو: أن يُصَرِّحَ بالتحديثِ في شيخٍ له، ويَعْطِفَ عليه شيخًا آخَرَ له، ولا يكون سَمِعَ ذلك من الثاني.
وتدليسُ التسوية، وهو: أن يصنَعَ ذلك لشيخِهِ، فإنِ اطُّلِعَ على أنه
стр. 109
دلَّسه حُكِمَ به، وإنْ لم يُطَّلَعْ طَرَقَهُ الاحتمالُ، فَيُقْبَلُ من الثقةِ ما صرَّحَ فيه بالتحديثِ، ويُتَوَقَّفُ عمَّا عداه....
وأما تدليسُ الشيوخ، فهو: أنْ يَصِفَ شيخَهُ بما لا يَشْتَهِرُ به؛ من اسمٍ، أو لَقَبٍ، أو كُنْيةٍ، أو نِسْبةٍ، إيهامًا للتكثيرِ غالبًا، وقد يفعلُ ذلك لِضَعْفِ شيخه، وهو خيانةٌ ممَّن تعمَّده (١) ، كما إذا وقَعَ ذلك في تدليسِ الإسنادِ، واللهُ المُسْتَعَان» . اهـ.
وقال مسلمُ بن الحجَّاج (٢) : «وإنما كان تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ منهم سماعَ رواةِ الحديثِ ممَّن روَى عنهم: إذا كان الراوي ممَّن عُرِفَ بالتدليس في الحديثِ، وشُهِرَ به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقَّدون ذلك منه؛ كي تَنْزَاحَ عنهم عِلَّةُ التدليس» . اهـ.
وللجهابذةِ النُّقَّادِ مِنْ علماءِ الحديثِ معرفةٌ ثاقبةٌ بطرائقِ الرُّوَاةِ في التدليسِ؛ فإنْ كان الراوي الذي دَلَّسَ مُتَكَلَّمًا فيه، أو روايتُهُ مُضَعَّفَةٌ بأمرٍ آخَرَ، فالأَمْرُ هَيِّنٌ، وإنْ كان ثقةً استوجَبَ ذلك منهم مزيدَ بحثٍ؛ حتى لا يَغْتَرَّ الناظرُ في الإسنادِ بظاهره، فَيَحْكُمَ بِصِحَّته، كما أنه ليس كلُّ عنعنة مِنْ راوٍ وُصِفَ بالتدليس تُرَدُّ (٣) ؛ لأنه يترتَّب على ذلك رَدُّ
стр. 110
كثير من السنن الصحيحة، وهذا يُشْعِرُ بصعوبةِ الحكمِ على الحديث بالصحَّة، كما يُشْعِرُ بصعوبةِ الإعلال بالتدليس.
والذي يُهِمُّنَا هنا هو أنَّ الرواةَ الثقاتِ قد يقع منهم التدليسُ، فَيُحْتاجُ إلى جِهْبِذٍ يَكْشِفُهُ لِتَظْهَرَ عِلَّةُ الإسناد؛ ومِنْ هنا نعلمُ أنَّ مِنْ أسبابِ وجودِ العِلَّةِ: وقوعَ التدليس.
فمن أمثلة ذلك:
قولُ عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : وسمعتُ أَبِي وذكَرَ الحديثَ الَّذِي رَوَاهُ إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَهْ، عَنْ بَقِيَّة (٢) ؛ قَالَ: حدَّثني أَبُو وَهْب الأَسَدِي؛ قَالَ: حدَّثنا نَافِعٌ، عَنِ ابْنَ عُمَرَ؛ قَالَ: لا تَحْمَدُوا إسلامَ امْرِئٍ حَتَّى تَعْرِفُوا عُقْدَةَ رَأْيِهِ.
قَالَ أَبِي: هَذَا الحديثُ لَهُ عِلَّةٌ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهَا؛ روَى هذا الحديثَ عبيدُاللهِ بنُ عَمْرٍو، عَنْ إسحاقَ بنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عمر، عن النَّبِيِّ (ص) ، وعبيدُاللهِ بنُ عَمْرٍو كنيتُهُ: أَبُو وَهْبٍ، وَهُوَ أَسَدِيٌّ؛ فكأنَّ بَقِيَّةَ بنَ الوليد كَنَى عبيدَاللهِ بنَ عَمْرٍو، ونسَبَهُ إِلَى بَنِي أَسَد؛ لِكَيْلا يُفْطَنَ بِهِ، حَتَّى إِذَا ترَكَ إسحاقَ بنَ أَبِي فَرْوَة مِنَ الوسَطِ لا يُهْتَدَى لَهُ، وَكَانَ بَقِيَّةُ مِنْ أفعَلِ الناسِ لِهَذَا، وأمَّا ما قَالَ إسحاقُ فِي روايتِهِ عَنْ بَقِيَّة، عَنْ أَبِي وَهْب: «حدَّثنا نَافِع» ، فهو وَهَمٌ، غيرَ أنَّ وجهه عندي:
стр. 111
أنَّ إسحاقَ لعلَّه حفظ عَنْ بَقِيَّةَ هَذَا الحديثَ، ولَمَّا يَفْطَنْ لِمَا عَمِلَ بَقِيَّةُ مِنْ تركِهِ إسحاقَ من الوَسَط، وتكنيتِهِ عبيدَاللهِ بنَ عَمْرو، فلم يَفْتقِدْ لفظَ بَقِيَّةَ (١) فِي قوله: «حدَّثنا نَافِع» ، أو: «عن نافع» . اهـ.
وقال أيضًا (٢) : وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعة عَنْ حديثٍ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَة، عَنْ سُهَيْل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيّ (ص) قَالَ: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ … » ، الحديثَ؟
فَقَالا: هَذَا خَطَأٌ، رَوَاهُ وُهَيْبٌ، عَنْ سُهَيْل، عَنْ عَوْن بن عبد الله مَوْقُوفٌ، وَهَذَا أَصَحُّ.
قلتُ لأَبِي: الوَهَمُ ممَّن هُوَ؟
قَالَ: يَحْتمِلُ أَنْ يَكُونَ الوَهَمُ مِنِ ابنِ جُرَيْج، ويَحْتمِلُ أَنْ يكونَ مِنْ سُهَيْلٍ، وأخشَى أَنْ يكونَ ابنُ جُرَيْجٍ دَلَّسَ هَذَا الحديثَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَة، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مُوسَى، أخَذَهُ مِنْ بَعْضِ الضِّعَفَاءِ.
وسمعتُ أَبِي مَرَّةً أُخْرَى يَقُولُ: لا أعلَمُ رَوَى هَذَا الحديثَ عن سُهَيْلٍ أحد إِلا مَا يَرْوِيهِ ابنُ جُرَيْج، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَة، وَلَمْ يذكُرِ ابنُ جُرَيْج فِيهِ الخَبَرَ (٣) ؛ فَأَخْشَى أنْ يكونَ أَخَذَهُ عَنْ إبراهيمَ بنِ أَبِي يَحْيَى؛ إذْ لَمْ يَرْوِهِ أَصْحَابُ سُهَيْل، لا أعلَمُ رُوِيَ هَذَا الحديثُ عَنْ النَّبيِّ (ص) فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ أَبِي هريرة.
وذكَرَ الدارقطنيُّ (٤) هذا الحديثَ وعِلَّتَهُ، ونقَلَ عن الإمامِ أحمدَ قولَهُ: «وأخشَى أنْ يكونَ ابنُ جُرَيْج دَلَّسَهُ عن موسى بنِ عُقْبة، أخذَهُ من بعضِ الضعفاءِ عنه» ، ثم قال الدارقطني: «والقولُ كما قال أحمد» .
وقال أبو حاتم أيضًا في حديثٍ آخر (٥) : «ويَحْتمِلُ أَنْ يكونَ مِنْ حديثِ ابنِ جُرَيْج، عَنْ إبراهيمَ بنِ أبي
стр. 112
يَحْيَى، عَنْ صَفْوانَ بنِ سُلَيْم؛ لأنَّ ابنَ جُرَيْج يُدَلِّسُ عَنِ ابنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيْم غيرَ شيء» .
وقال أبو حاتم أيضًا (١) : «وَلا أَظُنُّ الثَّوْريَّ سَمِعَهُ مِنْ قَيْس، أُرَاهُ مُدَلَّسً» .
وقال الدارقطني (٢) : «وقيل: إنَّ الثَّوْري لم يسمعْهُ من قيس، وإنما أخذه عَنْ يَزِيدَ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قيس، وهو عنده مرسلٌ» .
وقال أبو حاتم أيضًا (٣) : «الزُّهْري لَمْ يسمَعْ مِنْ عُرْوة هذا الحديثَ؛ فلعلَّه دَلَّسَهُ» .
стр. 113
وقال أيضًا (١) : «وأَنَا أَخْشَى ألاَّ يكونَ سَمِعَ هذا الأَعْمَشُ مِنْ مُجَاهِدٍ، إنَّ الأَعْمَشَ قليلُ السماعِ مِنْ مُجَاهِدٍ، وعامَّةُ مَا يَرْوِي عَنْ مجاهدٍ مُدَلَّسٌ» .
وفي موضع آخر (٢) سأله ابنُهُ عبد الرحمن عن الأعمش؟ فقال: «الأعمَشُ ربَّما دَلَّسَ» (٣) .
١٠) سُلُوكُ الْجَادَّةِ:
وربَّما عبَّر عنه بعضُهُمْ بقوله: «لَزِمَ الطريقَ» ، أو «أخَذَ طريقَ المَجَرَّة» ، أو نحوِهَا من التعبيراتِ التي تَدُلُّ على معنًى واحدٍ كما سيأتي.
ومِنَ المعلومِ: أنَّ هناك بعضَ الأسانيدِ التي يَكْثُرُ دَوَرَانُهَا بسببِ كثرةِ روايةِ الراوي، وكَثْرَةِ الرُّوَاةِ عنه؛ كأبي هريرة ح الذي هو أكثَرُ الصحابةِ روايةً؛ فإنَّ بعضَ تلاميذه أكثَرُوا من الروايةِ عنه، وبعض تلاميذهم أَكْثَروا من الروايةِ عنهم، وربَّما تلاميذُهُمْ أيضًا، وهكذا.
فكثرةُ تداوُلِ أحدِ هذه الأسانيدِ بصورةٍ واحدةٍ تجعلُهُ إسنادًا مشهورًا، ويسمَّى عندهم: طريقًا، أو جَادَّة، أو مَجَرَّةً؛ يسهُلُ حفظُهُ كما يسهُلُ سلوكُ الناسِ للجَادَّةِ التي يَمْشُونَ عليها.
стр. 114
وربَّما جاء حديثٌ آخَرُ يَشْترِكُ مع هذا الإسنادِ المشهور «الجادَّة» في بعضِ رجاله، ويَخْتلِفُ في بعضهم الآخَرِ، فَيَرْوِيهِ بعضُ الرواةِ فَيَهِمُ، فيذكُرُ الإسنادَ المشهورَ بتمامِهِ بحكمِ الاشتراكِ في بعضه، فينبِّهُ العلماءُ على هذا الوَهَمِ، ويوضِّحون سببه؛ كقولِ البيهقي (١) : «هذا - عِلْمي (٢) - من الجنس الذي كان الشافعيُّ _ح يقول: أخَذَ طريقَ المَجَرَّة، فهذا الشيخُ لمَّا رأى أخبارَ ابنِ بُرَيْدة عن أبيه؛ توهَّم أنَّ هذا الخبر هو أيضًا عن أبيه» .
وقال البيهقيُّ (٣) أيضًا: «قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعيُّ في هذا الحديثِ: اتبَعَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنة - في قوله: الزُّهْريُّ، عن عُرْوة، عن عبد الرحمن - المَجَرَّةَ. يريد: لَزِمَ الطريقَ» .
ومثَّل أبو عبد الله الحاكمُ (٤) للجنسِ التاسعِ مِنْ أجناس العلل بحديثٍ قال عنه: «لهذا الحديثِ عِلَّةٌ صحيحةٌ، والمنذرُ بنُ عبد الله أخَذَ طريقَ المَجَرَّةِ فيه» .
وذكَرَ السُّيُوطيُّ (٥) هذه الأجناسَ التي ذكرها الحاكمُ، وعرَّفَ الجنسَ التاسع بقوله: «التاسع: أنْ تكونَ طريقُهُ معروفةً، يروي أحدُ رجالها حديثًا مِنْ غير تلك الطريقِ، فيقَعُ مَنْ رواه مِنْ تلك الطريقِ
стр. 115
- بناءً على الجادَّة - في الوَهَمِ» .
ويوضِّح هذا ويبيِّنه: أنَّ أبا صالحٍ ذكوانَ السَّمَّانَ من المُكْثِرين جِدًّا عن أبي هريرة، وروايةُ ابنِهِ سُهَيْلِ بنِ أبي صالح، عنه، عن أبي هريرة بلغَتْ في "تحفة الأشراف" فقط (٢١٨) حديثًا (١) ، فهذا الإسنادُ جادَّةٌ معروفةٌ يخطئ فيه الرواةُ كثيرًا؛ كما حصَلَ من محمَّد بن سليمان الأَصْبَهانيِّ حين روى عَن سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيّ (ص) : أَنَّهُ كَانَ يصلِّي فِي اليومِ والليلةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعةً.
فقد سأل عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) أباه عن هذا الحديث؟ فقال: «كنتُ مُعْجَبًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وكنتُ أُرَى أَنَّهُ غريبٌ، حَتَّى رأيتُ: سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ المسيب، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْس، عَنْ عَنْبَسَة، عَنْ أُمِّ حَبِيبة، عن النَّبيّ (ص) ، فَعَلِمْتُ أنَّ ذاك (٣) لَزِمَ الطريقَ» .
وقال ابن عدي (٤) : «وهذا أخطَأَ فيه ابنُ الأصبهاني حيثُ قال: عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة، وكان هذا الطريقُ أسهَلَ عليه» ؛ يعني أسهَلَ عليه في الحفظِ والرواية.
стр. 116
ولهذا يرجِّح العلماءُ ما كان خارجًا عن الجادَّة؛ لأنه قرينةٌ على حفظ الراوي؛ يقولُ السخاويُّ (١) : «فسلوكُ غَيْرِ الجَادَّةِ دَالٌّ على مزيدِ التحفُّظ؛ كما أشار إليه النَّسَائِيُّ» .
وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ (٢) : «الذي يَجْرِي على طريقةِ أهلِ الحديث: أنَّ روايةَ عبد العزيز شاذَّةٌ؛ لأنَّه سلَكَ الجادَّةَ، ومَنْ عَدَلَ عنها دَلَّ على مزيدِ حفظه» .
وفي مثال آخر: روى أبو عَتَّابٍ سهلُ بن حَمَّاد، عن عبد الله بن المثنَّى، عن ثُمَامة بن عبد الله بن أَنَس، عن جَدِّهِ أنسٍ ح، عن النَّبِيِّ (ص) قَالَ: «إِذَا وقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ … » إلخ، وهذا إسنادٌ معروفٌ، وجادَّةٌ مطروقة، وخالفَهُ حمَّاد بن سَلَمة، فرواه عن ثُمَامة، عن أبي هريرة ح؛ وهذا غير الجادَّة.
فسأل عبد الرحمن بن أبي حاتم (٣) أباه عن هذا الحديث؟ فأجاب بقوله: «هَذَا أَشْبَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيّ (ص) ، ولَزِمَ أَبُو عَتَّابٍ الطريقَ، فَقَالَ: عن عبد الله، عَنْ ثُمَامة، عَنْ أَنَسٍ» (٤) .
وَقَالَ الحافظ ابن حجر (٥) في حديثٍ اختَلَفَ فيه حمَّادُ بنُ سلمة
стр. 117
مع باقي الرواة عن عِكْرمة: «لكنْ لمَّا فُتِّشَتِ الطرقُ؛ تبيَّن أنَّ عِكْرمةَ سمعه ممَّن هو أصغَرُ منه، وهو الزُّهْري، والزُّهْريُّ لم يسمعْهُ من ابن عمر ذ، إنما سمعه من سالم، فوضَحَ أنَّ رواية حماد بن سلمة مُدَلَّسَةٌ أو مُسَوَّاةٌ، ورجَعَ هذا الإسنادُ الذي كان يمكنُ الاعتضادُ به إلى الإسنادِ الأوَّل الذي حُكِمَ عليه بالوَهَمِ، وكان سبَبُ حكمهم عليه بالوَهَمِ: كَوْنَ سالمٍ أو مَنْ دونه سلَكَ الجادَّةَ» .
وقال في موضع آخر (١) : «فروايةُ الدَّرَاوَرْدي لا تنافي روايةَ ابن أبي ذِئْب؛ لأنَّها قَصُرَتْ عنها؛ فدَلَّ على أنه لم يَضْبِطْ إسناده، فأرسلَهُ، وروايةُ عبد الله بن رَجَاء إنْ كانتْ محفوظةً فقد سلك الجادَّةَ في أحاديثِ المَقْبُرِيِّ» (٢) .
١١) التَّلْقِينُ:
والتَّلْقِينُ - في اللغة -: التَّفْهِيمُ، وفي العُرْف: إلقاءُ كلامٍ إلى الآخَرِينَ في الحديث؛ إمَّا إسنادًا أو متنًا، والمبادرةُ إلى التحديثِ بذلك ولو مَرَّةً. والتلقينُ: أَنْ يُلَقَّنَ الْمُحَدِّثُ الشيءَ، فيحدِّثَ به مِنْ غيرِ أنْ يَعْلَمَ أنه مِنْ حديثه، فلا يُقْبَلُ؛ لدلالتِهِ على مجازفتِهِ، وعَدَمِ تثبُّته، وسقوطِ الوثوقِ بالمتَّصِفِ به (٣) .
стр. 118
قال ابن حزم (١) : «ومَنْ صَحَّ أنه قَبِلَ التلقينَ ولو مرةً، سَقَطَ حديثُهُ كلُّه؛ لأنَّه لم يتفقَّهْ في دينِ الله ا، ولا حَفِظَ ما سَمِعَ، وقد قال _ج: «نضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ منَّا حديثًا، حَفِظَهُ حتَّى بلَّغه غيرَهُ» ؛ فإنما أمر _ج بِقَبُولِ تبليغِ الحافظ. والتلقينُ هو: أن يقولَ له القائلُ: حدَّثَكَ فلانٌ بكذا، ويُسَمِّيَ له مَنْ شاء مِنْ غيرِ أنْ يَسْمَعه منه، فيقول: نعم، فهذا لا يخلو مِنْ أحد وجهين - ولا بُدَّ من أحدهما ضرورةً -: إمَّا أن يكونَ فاسقًا يحدِّثُ بما لم يَسْمَعْ، أو يكونَ مِنَ الغَفْلة بحيث يكونُ الذاهلَ العَقْلِ، المدخولَ الذِّهْنِ، ومِثْلُ هذا لا يُلْتَفَتُ له؛ لأنه ليس مِنْ ذوي الألباب» . اهـ.
ولقبولِ التلقينِ أسبابٌ عِدَّةٌ، منها: ضَعْفُ الراوي، وعَدَمُ مبالاتِهِ بالرواية، والغَفْلةُ، وإحسانُ الظنِّ بمن يُلَقِّنُهُ، والاعتمادُ في الحفظ على الكتاب، ثم التحديثُ مِنْ غيره؛ إمَّا لكونِهِ فقَدَ بَصَره، فيحدِّثُ مِنْ حفظه ظَنًّا منه أنه حافظٌ لحديثه، أو لفقدِهِ الكتابَ، أو لكونِهِ لم يَصْطَحِبْ كتابَهُ معه في بعضِ الأماكنِ التي حدَّث فيها، أو لتساهلِهِ في التحديثِ مِنْ غير كتابِهِ مع قدرتِهِ عليه، أو نحو ذلك.
والذي يهمنا هنا: بيانُ هذا السببِ الذي يُوقِعُ العِلَلَ الخَفِيَّةَ في بعضِ الأحاديث؛ بسببِ قبولِ بعضِ الثقاتِ الحفاظِ للتلقين، ولم يَكْثُرْ منهم ذلك، ولا عُرِفُوا به حتى يكونَ عِلَّةً ظاهرة.
стр. 119
مثال ذلك:
حديثٌ رَوَاهُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْر، عَنِ اللَّيْث بْن سَعْد، عَنْ عبد الله بن عُبَيْدالله بن أبي مُلَيْكة، عن عُبَيْدالله بْن أَبِي نَهِيك، عَنْ سَعِيد بْنِ أَبِي سَعِيد، عَنِ النَّبيّ (ص) أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ» ، ورواه أبو الوليد هشامُ بنُ عبد المَلِكِ الطَّيَالِسِيُّ وغَيْرُهُ عن اللَّيْثِ، فَجَعَلَهُ عَنْ سَعْد بْنِ أَبِي وَقَّاص، بدَلَ سعيد بن أبي سعيد.
فسأل عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) أبا زرعة عن هذا الاختلاف؟ فقال: «فِي كتابِ اللَّيْثِ فِي أَصْلِهِ: سَعِيدُ بنُ أَبِي سَعِيد، ولكنْ لُقِّنَ بالعراقِ: عن سَعْد» .
وهذا يعني: أنَّ اللَّيْثَ لمَّا رحَلَ إلى العراق لم يكُنْ معه كتابٌ، فلُقِّنَ هذا فتلقَّنه، وليس مِنْ عادته، فهو: ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ كما قال ابن حَجَرٍ في "التقريب" (٢) .
وسأل ابنُ أبي حاتم أيضًا (٣) أباه عَنْ حديثٍ رَوَاهُ محمَّد بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِي، عَنْ بِشْر بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عن النَّبيِّ (ص) أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ، لَا سَهْلَ إِلاَّ مَا جَعَلْتَ سَهْلاً، وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْحَزْنَ سَهْلاً» ؟
فذكَرَ أبو حاتمٍ أنَّ عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِيَّ حدَّثهم به عن حَمَّاد،
стр. 120
عن ثابت: أنَّ النَّبيَّ (ص) ، هكذا مرسلاً، ليس فيه ذِكْرٌ لأنسٍ ح، ثم قال أبو حاتم: «وبَلَغني أنَّ جَعْفَرَ بنَ عبد الواحد لَقَّنَ القَعْنَبِيَّ عَنْ أَنَسٍ، ثم أُخْبِرَ بذلك، فدعا عليه» .
وذكَرَ أبو زرعة الرازيُّ حكايةَ جعفر مع القَعْنبي هذه مع اختلاف يسير، فقد سأله البَرْذَعي (١) عن حديثٍ من رواية جعفر بن عبد الواحد هذا، فاستنكَرَهُ! وقال: «ما أخوفَني أن تكونَ دعوةُ الشيخِ الصالحِ أدركته!» قال البَرْذَعي: قلتُ: أيُّ شيخ؟ «قال: القَعْنَبي؛ بلغني أنه دعا عليه، فقال: اللَّهُمَّ افضَحْهُ، لا أحسَبُ ما بُلِيَ به إلا بدعوةِ الشيخ» ، قلتُ: كيف دعا عليه؟ قال: «بلغني أنه أدخَلَ عليه (٢) حديثًا أحسَبُهُ عن ثابت؛ جعَلَهُ عن أنس، فلمَّا فارقه رجَعَ الشيخُ إلى أصله فلم يَجِدْهُ، فاتهمَهُ، فدعا عليه» .
فعبدُاللهِ بنُ مَسْلَمة القَعْنبيُّ ثقةٌ عابدٌ، وكان ابنُ مَعِين وابنُ المَدِينيِّ لا يقدِّمان عليه في "الموطأ" أحدًا كما في "التقريب" (٣) ، ولم يكنْ من عادتِهِ قَبُولُ التَّلْقين؛ فالظاهرُ أنه وَثِقَ بجعفر بن عبد الواحد، وصادَفَ ذلك غَفْلَةً منه، فَقَبِله، أو أنْ تكونَ الحادثة وقعَتْ كما ذكَرَ أبو زرعة: «أنه أدخَلَ عليه حديثًا» ، والإدخالُ يكونُ بغير عِلْمِ الراوي.
стр. 121
وقد يكون قبولُ الثقة للتلقين بسبب عُلُوِّ مَنْزِلةِ الذي لقَّنه، وإمامتِهِ، واشتهارِهِ بالحفظ، فيهابُ مخالفتَهُ، فيجاريه في خَطَئه، ويتَّهم نفسَهُ؛ كما حصَلَ من أبي عَوَانة وضَّاح بن عبد الله مع شُعْبة؛ وذلك أنَّ شُعْبة كان يُخْطِئُ فِي اسمِ خَالِدِ بْنِ عَلْقمة، ويسمِّيه: مالك بن عُرْفُطَة.
فوجَدَ الأئمَّةُ أنَّ أبا عَوَانة روى عن مالك ابن عُرْفُطَة، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَن عائشة: أنَّ النَّبيَّ (ص) نَهَى عَنِ الدُّبَّاء والْحَنْتَمِ والْمُزَفَّت، وهذا يعني تصويبَ ما قال شُعْبة؛ لأنه توبع.
فسأل ابنُ أبي حاتم (١) أباه عن ذلك؟
فأجاب بقوله: «كَانَ شُعْبَةُ يُخْطِئُ فِي اسْمِ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَة، وَكَانَ أَبُو عَوَانَة يقول: خالدُ ابنُ عَلْقَمَة، فَقَالَ شُعْبة: لَمْ يكنْ بخالدِ بنِ عَلْقَمَة؛ وَإِنَّمَا كَانَ: مالكَ بنَ عُرْفُطَة، فلقَّنَه الخطَأَ، وترَكَ الصوابَ، وتَلَقَّنَ مَا قَالَ شُعْبة، لَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُخَالِفَهُ» .
١٢) الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ:
وهو قريبٌ من سابقه «التلقين» ، ويَخْتلِفُ عنه في كون التلقين بِعِلْمِ الْمُلَقَّنِ، وأمَّا الإدخالُ فيكون بغير علمِ الراوي الذي أُدْخِلَ عليه الحديث - غالبًا - كما أنَّ التلقينَ يكونُ مشافهةً، وأمَّا الإدخالُ فيكونُ في الكتاب، وربَّما كان الأمرُ قريبًا بعضُهُ من بعض بحيث يلتبسُ هل هو تلقينٌ أو إدخال؛ كما في حكاية عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبي مع
стр. 122
جعفر بن عبد الواحد التي تقدَّم ذِكْرها في السبب السابق، فأبو حاتم يذكُرُ أنَّ جعفرًا لقَّن القعنبيَّ، وأبو زرعة يذكر أنه أدخَلَ عليه.
وكثيرًا ما يَلْجَأُ أهلُ العلمِ بالحديثِ إلى إعلالِ الحديث بهذا السبب - على سبيلِ الظنِّ - إذا لم يَظْهَرْ لهم سببُ وقوعِ العِلَّةِ في الحديثِ.
فقد ذكر ابن أبي حاتم (١) أَنَّ أباه أَعَلَّ حديثًا فقال: «هَذَا حديثٌ باطِلٌ، وسعيدٌ ضعيفُ الحديثِ، أخافُ أنْ يكونَ أُدْخِلَ له» .
وذكر ابنُ حِبَّان (٢) حديثًا من رواية عبد العزيز بن معاوية بن عبد العزيز العُتْبي القُرَشي، ثم قَالَ: «هَذَا حديثٌ مُنْكَرٌ لا أصلَ له، ولعلَّه أُدْخِلَ عليه، فحدَّث به» .
وروى ابنُ الجَوْزي حديثًا في "الموضوعات" (٣) بسنده إلى عبد الرحمن بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وجزَمَ بِوَضْعه، ولم يَجْزِمْ بالمتَّهم به، فقال: «هذا حديثٌ لا يَشُكُّ عاقلٌ في وضعه … وكان مع الذي رواه نوعُ تغفُّلٍ، ولا أحسَبُ ذلك إلا في المتأخِّرين، وإنْ كان يحيى بن مَعِين قد قال في ابن أبي الزناد: ليس بشيء، ولا يُحْتَجُّ بحديثه … فلَعَلَّ بعضَ أهلِ الهوى قد أدخَلَهُ في حديثه» .
стр. 123
وذكَرَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ (١) كلامَ ابنِ الجَوْزي هذا، ثم قال: «قلتُ: وقد تقدَّم في ترجمةِ النَّجَّادِ أنه عَمِيَ بِأَخَرَةٍ، وأنَّ الخطيب جوَّز أن يكونَ أُدْخِلَ عليه شيءٌ، وهذا التجويزُ مُحْتَمَلٌ في حق العِشَارِيِّ أيضًا، وهو في حق ابن أبي الزناد بعيدٌ» .
وقال الذَّهَبي (٢) في ترجمة أبي الفوارس بن الصابوني أحمد بن محمد بن السِّنْدي المِصْري: «صدوقٌ إنْ شاء الله، إلا أنِّي رأيتُهُ قد تفرَّد بحديثٍ باطلٍ عن محمَّد بن حَمَّاد الطِّهْراني، كأنه أُدْخِلَ عليه» .
وربَّما أُدْخِلَ على الراوي نسخةٌ بأكملها؛ كما قال ابن حِبَّان (٣) في ترجمة عُبَيْد بن كَثِير ابن عبد الواحد التَّمَّار: «رَوَى عن الحَسَن بن الفُرَات، وعن ابنه زياد بن الحَسَن، عن أَبَانَ ابنِ تَغْلِب نسخةً مقلوبةً … أُدْخِلَتْ عليه، فحدَّث بها، ولم يَرْجِعْ حيثُ بُيِّنَ له، فاستَحَقَّ تَرْكَ الاحتجاجِ به» .
ويَعْذِرُ أهلُ الحديثِ ذلك الراويَ الذي أُدْخِلَتْ عليه الأحاديثُ، فلا يُتَّهَمُ بوضعها، مع كَوْنهم يَحْكُمون عليه بما يناسبُ حالَهُ مِنَ الغَفْلة ونحوها.
فقد ترجَمَ الذهبيُّ (٤) لأبي القاسم هارون ابن أحمد القَطَّان فقال:
стр. 124
«روى حديثًا باطلاً؛ كأنه - المسكين - أُدْخِلَ عليه، ولا يَشْعُرُ» .
وهذا الحديثُ ذَكَره الخطيب البغدادي (١) فقال: «لا يثبُتُ هذا الحديث، ورجالُ إسنادِهِ كلُّهم ثقات، ولعلَّه شُبِّهَ لهذا الشيخِ القَطَّان، أو أُدْخِلَ عليه» .
وذكَرَ سِبْطُ ابنِ العَجَميِّ هارونَ القَطَّان هذا في "الكشف الحثيث، عمَّن رُمِيَ بوضع الحديث" (٢) ، وبيَّن أنه ينبغي أن يُعْذَرَ فلا يُدْرَجَ في المتَّهمين بالوضع، فقال: «فعلى أنه أُدْخِلَ عليه، فلا يُذْكَرُ مع هؤلاءِ، إلا أنه لا يُحْتَجُّ به؛ لأنه مُغَفَّلٌ» .
وقال أيضًا (٣) عن راوٍ آخَرَ: «وقد لا يُكْتَبُ معهم؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ أُدْخِلَ عليه، والله أعلم» .
وتَخْتلِفُ مواقفُ الرواةِ الذين أُدْخِلَ عليهم، مِنَ الأحاديثِ التي أُدْخِلَتْ عليهم، وممَّن أدخَلَها؛ فبعضُهُمْ يَرْجِعُ عن تلك الأحاديث، ويَتْرُكُهَا، ويغضَبُ على مَنْ فعَلَ ذلك، فهؤلاءِ لا يؤثِّر فيهم ذلك الفعل. ويَضْعُفُ بعضُهُمْ عن ذلك، فيسقُطُ حديثهم.
فمِمَّن عُرِفَ عنه حُسْنُ التصرُّف: أبو الفضلِ عبد الله بن أحمد الطُّوسي المعروفُ بخطيبِ المَوْصِل، فقد حَكَى الحافظُ الذهبي (٤) عن
стр. 125
ابن الدَّبِيثي أنه قال: سمعتُ تَمِيمَ بنَ البَنْدَنِيجي يقول: أبو الفضل خطيبُ المَوْصِلِ ثقةٌ صحيحُ السماعِ، أدخَلَ عليه محمَّدُ بنُ عبد الخالق في حديثِهِ أشياءَ لم يَسْمَعها، وكان قد دخَلَ عليه ولاطَفَهُ بأجزاء ذكَرَ أنه نَقَلَ سماعَهُ فيها مِنْ مِثْلِ طِرَادٍ، والنِّعَالِيِّ، وابنِ البَطِرِ، وهؤلاءِ قد سَمِعَ منهم أبو الفَضْل، فَقَبِلَهَا منه وحدَّث بها اعتمادًا على نقل محمد له، وإحسانِ الظَّنِّ به، فلمَّا عَلِمَ كذبَ محمَّد، طُلِبَتْ أصولُ الأجزاء التي حَمَلَها إليه، فلم تُوجَدْ، واشتهَرَ أمرُهُ، فلم يعبأِ الناسُ بِنَقْله، وترَكَ خطيبُ الموصلِ كُلَّ ما شَكَّ فيه، وحَذَّر مِنْ روايةِ ما شَكَّ فيه.
قال الذهبي: «قلتُ: وبعد ذلك جمَعَ خطيبُ المَوْصِلِ مشيختَهُ المشهورةَ، وخرَّجها من أصوله» .
وذكر الخَلِيلي (١) عن ابن عدي: أنَّ رجلاً حدَّث عند زكريا بن يحيى الساجي بحديثَيْنِ عن أحمدَ بنِ عبد الرحمن ابنِ أخي عبد الله بن وَهْب، عن عمِّه عبد الله بن وَهْب، عن الإمامِ مالك، عن الزُّهْري، فقال ابن عدي: هذان الحديثان مِنْ حديثِ ابْنِ وَهْب، عَنْ يونس، عن الزُّهْري، لا عن مالك، فأخَذَ الساجي كتابَهُ، فتأمَّلْ، وقال لابنِ عدي: هذا كما قلتَ، وقال للرَّجُل: ممَّن أَخَذْتَ هذا؟ فأحال على بعض أهلِ البَصْرة، فقال الساجي: عَلَيَّ بصاحبِ الشُّرطة حتى أُسَوِّدَ وجه هذا! فكلَّموه وتشفَّعوا، حتى عفا عنه، ثم مزَّقَ الكتابَ.
стр. 126
قال الذهبي (١) : «وللساجي مصنَّفٌ جليلٌ في عللِ الحديثِ يَدُلُّ على تبحُّره وحِفْظه، ولم تبلغنا أخبارُهُ كما في النَّفْس، وقد هَمَّ بمن أَدْخَلَ عليه … » ، ثم ذكر هذه الحكاية.
ومن أجودِ ما ذُكِرَ في هذا: دفاعُ بعضِ الأئمَّةِ عن شيوخهم؛ كما في قصَّة الدارقطنيِّ مع شيخه دَعْلَج بن أحمد السِّجِسْتاني ومَنْ أدخَلَ عليه بعضَ الأحاديث.
فقد ذكَرَ أبو عبد الله الحاكم (٢) أنه سأل شيخَهُ الدارقطنيَّ عن عليِّ بن الحسن - ويقال: ابن الحسين - بن جعفر الرُّصَافي، المعروفِ بابن العَطَّار؟ فذكَرَ مِنْ إدخاله على الشيوخ شيئًا فوق الوَصْف؛ فإنه أَشهَدَ عليه، واتخَذَ محضرًا بأحاديثَ أَدْخَلَهَا على دَعْلَجِ بن أحمد.
وممَّن أُدْخِلَتْ عليه أحاديثُ أَفْسَدَتْ حديثَهُ بسبب عدمِ معرفته بها، أو بسببِ عَجْزه، أو تساهُلِهِ عن تركها والبراءةِ منها: قيسُ بنُ الرَّبِيع، وأبو صالحٍ كاتبُ اللَّيْث، وسفيانُ بنُ وَكِيع بن الجَرَّاح:
أما قيسُ بنُ الربيع: فإنه ابتُلِيَ بابنٍ له أدخَلَ عليه ما ليس مِنْ حديثِهِ وهو لا يَعْلَمُ، فأفسَدَ حديثَهُ.
قال جعفر بن أَبَانَ الحافظُ: «سألتُ ابن نُمَيْرٍ عن قيس بن الرَّبِيع؟
стр. 127
فقال: كان له ابنٌ، وهو آفَتُهُ؛ نظَرَ أَصْحَابُ الحديثِ في كتبه، فأنكروا حديثَهُ، وظَنُّوا أنَّ ابنه قد غيَّرها» (١) .
وقال عَفَّان: «كنتُ أَسْمَعُ الناسَ يَذْكُرون قيسًا، فلم أَدْرِ ما عِلَّته، فلمَّا قَدِمْنَا الكوفةَ أتيناه، فجَلَسْنَا إليه، فجعَلَ ابنُهُ يلقِّنه ويقولُ له: حُصَيْن، فيقول: حُصَيْن، فيقول رجل آخر: ومُغِيرة، فيقول: ومُغِيرة، فيقول آخر: والشَّيْباني، فيقول: والشَّيْباني» (٢) .
وروى البخاريُّ (٣) عن أبي داود الطَّيَالسي أنه قال: «إنما أُتِيَ قيسٌ مِنْ قِبَلِ ابنه؛ كان ابنُهُ يأخُذُ حديثَ الناسِ، فَيُدْخِلُهَا في فُرَجِ كتابِ قيس، ولا يعرفُ الشيخُ ذلك» .
وذكَرَ الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبل قيسًا هذا فقال: «كان له ابنٌ يأخُذُ حديثَ مِسْعَر وسُفْيان الثَّوْري والمتقدِّمين، فيُدْخِلُهَا في حديثِ أبيه وهو لا يعلم» (٤) .
وقال عليُّ بن المَدِيني: «إنما أَهلكَهُ ابنٌ له قلَبَ عليه أشياء من حديثه» (٥) .
وقال ابن حِبَّان (٦) : «قد سَبَرْتُ أخبارَ قيس ابن الرَّبِيع من رواية
стр. 128
القدماء والمتأخِّرين وتتبَّعتها، فرأيتُهُ صدوقًا مأمونًا حيثُ كان شابًّا، فلمَّا كَبِرَ ساء حفظه، وامتُحِنَ بابنِ سُوءٍ، فكان يُدْخِلُ عليه الحديثَ، فيجيبُ فيه ثقةً منه بابنه، فلمَّا غلَبَ المناكيرُ على صحيحِ حديثِهِ ولم يتميَّز؛ استَحَقَّ مجانبتَهُ عند الاحتجاج، فكلُّ مَنْ مَدَحه مِنْ أئمتنا وحَثَّ عليه؛ كان ذلك منهم لَمَّا نَظَروا إلى الأشياءِ المستقيمةِ التي حدَّث بها عن سَمَاعه، وكلُّ مَنْ وهَّاه منهم، فكان ذلك لِمَا عَلِمُوا ممَّا في حديثه من المناكيرِ التي أدخَلَ عليه ابنُهُ وغيرُهُ» . اهـ.
وأما أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب اللَّيْث: فلخَّص حالَهُ ابنُ حِبَّان بقوله (١) : «منكرُ الحديثِ جِدًّا، يروي عن الأثباتِ مالا يُشْبِهُ حديثَ الثقات، وعنده المناكيرُ الكثيرةُ عن أقوامٍ مشاهيرَ أئمةٍ، وكان في نفسِهِ صدوقًا يكتُبُ لِلَّيْثِ بنِ سَعْدٍ الحِسَابَ، وكان كاتبَهُ على الغَلاَّت، وإنما وقع المناكيرُ في حديثِهِ مِنْ قِبَلِ جارٍ له رَجُلِ سُوءٍ؛ سمعتُ ابنَ خُزَيْمة يقول: كان له جارٌ بينه وبينه عداوةٌ، فكان يَضَعُ الحديثَ على شيخِ عبد الله بنِ صالح، ويكتُبُ في قِرْطاسٍ بِخَطٍّ يُشْبِهُ خَطَّ عبد الله بن صالح، ويَطْرَحُ في داره في وَسَطِ كتبه، فيجدُهُ عبد الله، فيحدِّث به، فيتوهَّمُ أنه خطُّه وسماعُهُ، فمِنْ ناحيتِهِ وقَعَ المناكيرُ في أخباره» .
وسأل البرذعي (٢) أبا زُرْعة عن عُثْمان بن صالح؟ فقال: لم يكنْ
стр. 129
عندي عثمانُ ممَّن يَكْذِب، ولكنَّه كان يكتُبُ الحديثَ مع خالد بن إسحاق بن نَجِيح، وكان خالدٌ إذا سَمِعُوا من الشيخ أَمْلَى عليهم ما لم يَسْمَعوا، فَبُلُوا به، وقد بُلِيَ به أبو صالحٍ أيضًا في حديثِ زُهْرة بن مَعْبَد، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ جابر، ليس له أصلٌ، وإنما هو عن خالدِ بنِ إسحاقَ بنِ نَجِيح» .
وذكَرَ ابنُ أبي حاتم (١) أنَّ أباه ذكَرَ حديثًا، فقال: «وَرَوَى هَذَا الحديثَ كاتبُ اللَّيْث، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ مِمَّا أُدْخِلَ على أبي صالح» .
وروى أبو عبد الله الحاكمُ (٢) عن أحمَدَ بنِ محمَّد التُّسْتَرِيِّ أنه قال: سألتُ أبا زُرْعة الرازيَّ عن حديثِ زُهْرةَ بنِ مَعْبَدٍ، عن سعيد ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) في الفضائل؟ فقال: «هذا حديثٌ باطلٌ، كان خالدُ بنُ إسحاق بن نَجِيح [المِصْريُّ] (٣) وَضَعه ودلَّسه في كتاب اللَّيْث (٤) ، وكان خالد بن إسحاق بن نَجِيح هذا يضعُ في كتب الشيوخِ ما لم يَسْمَعوا، ويدلِّس لهم … » .
قال الحاكم: «فأقول: رَضِيَ اللهُ عن أبي زرعة؛ لقد شَفَى في عِلَّةِ هذا الحديث، وبيَّن ما خفي علينا، فكلُّ ما أتى أبو صالحٍ كان من
стр. 130
أجلِ هذا الحديث، فإذا وضعَهُ غيرُهُ، وكَتَبَهُ في كتابِ اللَّيْث (١) ؛ كان المُذْنِبُ فيه غيرَ أبي صالح» .
وأما سُفْيانُ بن وَكِيع: فقد ابتُلِيَ بورَّاقٍ له أدخَلَ في كتبِهِ أحاديثَ مناكيرَ، ونصحَهُ أبو حاتمٍ الرازيُّ وابنُ خُزَيْمة، وبيَّن له أبو حاتم كيف يميِّز ما أُدْخِلَ عليه، فلم يأخُذْ بِنُصْحه، فسقَطَتْ رواياتُهُ.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) : سمعتُ أبى يقول: «جاءني جماعةٌ من مَشْيَخة الكوفة، فقالوا: بَلَغَنا أنَّك تَخْتلِفُ إلى مشايخِ الكوفة تكتُبُ عنهم، وتركْتَ سفيانَ بنَ وكيع، أَمَا كُنْتَ ترعى له في أبيه؟! فقلتُ لهم: إنى أُوْجِبُ له، وأُحِبُّ أن تَجْرِيَ أمورُهُ على السِّتْر، وله وَرَّاقٌ قد أفسَدَ حديثَهُ، قالوا: فنحنُ نقولُ له أن يُبْعِدَ الوَرَّاقَ عن نفسه، فوعدتُّهُمْ أن أَجِيئَهُ، فأتيتُهُ مع جماعة من أهل الحديث، وقلتُ له: إنَّ حَقَّكَ واجبٌ علينا في شيخك وفي نَفْسِك، فلو صُنْتَ نفسك، وكنتَ تَقْتصرُ على كُتُبِ أبيك، لكانتِ الرِّحْلةُ إليك في ذلك، فكيف وقد سَمِعْتَ؟! فقال: ما الذي يُنْقَمُ عليَّ؟ فقلتُ: قد أدخَلَ ورَّاقُكَ في حديثِكَ ما ليس مِنْ حديثك، فقال: فكيفَ السبيلُ في ذلك؟ قلتُ: ترمى بالمُخَرَّجات، وتقتصرُ على الأصول، ولا تقرأُ إلا مِنْ أصولك، وتُنَحِّي هذا الوَرَّاقَ عن نفسك، وتدعو بابنِ كَرَامة، وتُوَلِّيه أصولك؛ فإنه يُوثَقُ به، فقال: مقبولٌ منك، وبلغني أنَّ ورَّاقه
стр. 131
كان قد أدخلوه بيتًا يَتَسَمَّعُ علينا الحديثَ، فما فعل (١) شيئًا مِمَّا قاله، فبطَلَ الشيخُ، وكان يحدِّث بتلك الأحاديثِ التي قد أُدْخِلَتْ بين حديثه، وقد سُرِقَ مِنْ حديثِ المحدِّثين» .
وقال الحاكم أبو عبد الله (٢) : سمعتُ أبا عبد الله محمَّد بن يعقوب الحافظَ يقول: سمعتُ محمَّد بن إسحاق - يعني: ابن خُزَيْمة - وقيل له: لِمَ رَوَيْتَ عن أحمدَ بنِ عبد الرحمن بن وَهْب وتركْتَ سفيانَ بنَ وَكِيع؟ فقال: «لأنَّ أحمدَ بنَ عبد الرحمن لمَّا أَنْكَروا عليه تلك الأحاديثَ رجَعَ عنها عن آخرها، إلا حديثَ مالكٍ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ أنس: «إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ … » ، فإنَّه ذكَرَ أنه وجَدَهُ في دُرْجٍ من كُتُب عَمِّه في قِرْطاس، وأمَّا سُفْيَان بن وكيع: فإنَّ ورَّاقه أدخَلَ عليه أحاديثَ، فرواها، وكلَّمناه، فلم يَرْجِعْ عنها، فاستخَرْتُ اللهَ، وتركْتُ الروايةَ عنه» .
وذكر ابن حِبَّان سُفْيانَ بنَ وكيع هذا في "المجروحين" (٣) وقال: «وكان شيخًا فاضلاً صدوقًا، إلا أنه ابتُلِيَ بورَّاقِ سُوءٍ كان يُدْخِلُ عليه الحديثَ، وكان يثق به فيجيبُ فيما يُقْرَأُ عليه، وقيل له بعد ذلك في أشياء منها، فلم يَرْجِعْ، فمن أجلِ إصرارِهِ على ما قيل له استَحَقَّ التركَ، وكان ابنُ خُزَيْمة يروي عنه، وسمعتُهُ يقول: ثنا بعضُ مَنْ
стр. 132
أمسكنا عَنْ ذِكْره، وهو من الضَّرْبِ الذي ذكرتُهُ مرارًا: أنْ لو خَرَّ من السماءِ فَتَخْطَفُهُ الطيرُ أَحَبُّ إليه مِنْ أن يَكْذِبَ على رسولِ الله (ص) ، ولكنَّهم أفسدوه» .
وذكَرَ في "الثقات" (١) راويًا اسمه: موسى ابن عيسى، وأنه يروي عن زائدةَ، عَنْ سُفْيان الثَّوْري، عَنْ محمَّد بْن المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبيّ (ص) قال: «لا يَدْخُلُ مكَّةَ سَافِكُ دَمٍ» ، وذكَرَ أنه رواه عنه سفيان بن وكيع، ثم قال: «وهذا مما أُدْخِلَ على سفيان بن وكيع» .
وتظهر براعةُ أئمَّةِ الحديثِ في كشفهمُ الأحاديثَ التي أُدْخِلَتْ في أحاديثِ الثقات، وقُدْرَتِهِمْ على تمييزها مِنْ صحيحِ حديثهم؛ كما جاء في سؤالِ عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) لأبيه عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو عَقِيل بنُ حاجبٍ، عن عبد الرزَّاق، عَنْ سَعِيدِ بْنِ قُمَاذِينَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْر بن مُطْعِم، عن عبد الله بْنِ حُبْشِيٍّ؛ قَالَ: سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول: «لَا تَطْرُقُوا الطَّيْرَ فِي أَوْكَارِهَا؛ فَإِنَّ اللَّيْلَ أَمَانٌ لَهَا» ؟
فقال أبو حاتم: «إنَّ هَذَا الحديثَ ممَّا أُدْخِلَ على عبد الرزَّاق؛ وهو حديثٌ موضوع» .
ومِنْ أكثرِ الأحاديثِ إشكالاً عند علماء الحديث: حديثٌ رواه
стр. 133
قُتَيْبة بْنُ سَعِيد، عَنِ اللَّيْث بْنِ سَعْد، عَنْ يزيدَ بنِ أَبِي حَبِيب، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جَبَل ح: أنَّ النَّبيَّ (ص) كان في غَزْوة تَبُوكَ إذا ارتحَلَ قبل أن تَزِيغَ الشمسُ أخَّر الظهرَ حتى يَجْمَعَهَا إلى العصر، فيُصَلِّيهما جميعًا، وإذا ارتحَلَ بعد زَيْغِ الشمسِ صلَّى الظهرَ والعصرَ جَمِيعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحَلَ قبل المَغْرِبِ أخَّر المغربَ حتى يُصَلِّيَهَا مع العشاء، وإذا ارتحَلَ بعد المَغْرِبِ عجَّل العشاء، فصلاها مع المغرب (١) .
وحكَمَ عليه أبو عيسى التِّرْمِذيُّ (٢) بأنه حديثٌ غريب، وقال: «تفرَّد به قُتَيْبةُ، لا نَعْرِفُ أحدًا رواه عن الليثِ غيرَهُ … والمعروفُ عند أهل العلم حديثُ معاذ؛ من حديثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، عن معاذ: أنَّ النَّبيَّ (ص) جمَعَ في غَزْوة تَبُوكَ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء» (٣) .
وسأل عبد الرحمن بن أبي حاتم (٤) أباه عَنْ هَذَا الْحَدِيث؟ فَقَالَ: «لا أعرفُهُ من حديثِ يزيد، والذي عِنْدِي أَنَّهُ دخَلَ لَهُ حديثٌ في حديث» ، وصوَّب ما صوَّبه الترمذيُّ.
стр. 134
وقال أبو عبد الله الحاكم (١) : «نظرنا، فإذا الحديثُ موضوعٌ! وقُتَيْبةُ بن سَعِيد ثقةٌ مأمون … » ، ثم ساق بسنده عن محمَّد بن إسماعيل البخاري أنه قال: «قلتُ لقتيبة بن سعيد: مع مَنْ كتبْتَ عن الليثِ بنِ سَعْد حديثَ يزيدَ بنِ أَبِي حَبِيب، عن أبي الطُّفَيْل؟ فقال: كتبتُهُ مع خالد المدايني. قال البخاري: وكان خالدٌ المداينيُّ يُدْخِلُ الأحاديثَ على الشيوخ» (٢) .
وسأل عبد الرحمن بن أبي حاتم أباه (٣) عَنْ حديثٍ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِي، عَنْ بِشْر بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عن النَّبيّ (ص) أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلاَّ مَا جَعَلْتَ سَهْلاً، وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْحَزْنَ سَهْلاً» ؟
فصوَّب أبو حاتم إرساله، وذكَرَ أنَّ بِشْرَ بن السَّرِيِّ ثَبْتٌ، ثم قال: «فَلَيْتَهُ ألاَّ يكونَ أُدْخِلَ عَلَى ابْن أَبِي عمر» .
١٣) اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى:
كثيرًا ما تقع العِلَّةُ في الحديثِ بسببِ اختصارِ بعضِ الرواةِ للحديثِ، أو روايتِهِ بالمعنى، على نَحْوٍ يُغَيِّرُ معنى الحديث، فيُظَنُّ أنه حديثٌ آخَرُ، كما حصَلَ من شُعْبة _ح حين روى عن سُهَيْل بن أبي
стр. 135
صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ (ص) : «لا وُضُوءَ إلاَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» .
فأوضَحَ أبو حاتمٍ الرازيُّ وَهَمَ شُعْبة فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فقال: «هذا وَهَمٌ؛ اختصَرَ شُعْبةُ متنَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: «لا وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ سُهَيْل، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة، عن النَّبيّ (ص) قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ، فَوَجَدَ رِيحًا مِنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَخْرُجَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» » .
وبهذا أعلَّه أيضًا ابنُ خُزَيْمة (١) ، والبيهقي (٢) .
ومِثْلُهُ: ما أخرجه النَّسَائيُّ (٣) ، وابن حِبَّان (٤) عَنْ شُعْبة، عَن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ابنِ عُلَيَّة، عن عبد العزيز بن صُهَيْب، عن أنس ابن مالك ح: أنَّ النَّبيَّ (ص) نهى عن التَّزَعْفُرِ.
وأخرجه مسلم من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبة، وعَمْرٍو الناقدِ، وزُهَيْرِ بنِ حَرْب، وابن نُمَيْر، وأبي كُرَيْبٍ، جميعهم عن إسماعيل بن عُلَيَّة، به بلفظ: نَهَى رسولُ اللهِ (ص) أن يتزَعْفَرَ الرَّجُلُ.
стр. 136
وكذا رواه البخاريُّ (١) ، من طريق عبد الوارث، ومسلمٌ (٢) من طريقِ حمادِ بنِ زَيْد، كلاهما عن عبد العزيز بن صُهَيْب، عن أنس.
وأخرجه الطحاويُّ (٣) من طريقِ ابنِ أبي عِمْران، عن علي بن الجَعْد، عن شُعْبة، وفيه قال علي: «ثم لَقِيتُ إسماعيلَ، فسألتُهُ عنه، وحدَّثته أنَّ شُعْبَةَ حدَّثنا به عنه، فقال: ليس هكذا حَدَّثْتُهُ، وإنما حَدَّثْتُهُ أنَّ النَّبيَّ (ص) نهى أن يتزَعْفَرَ الرجلُ.
قال ابن أبي عِمْران: «وهما مختلفان، أمَّا قوله: أن يَتَزَعْفَرَ الرجلُ: فإنَّما دخَلَ في نهيه الرجالُ دون النساء، وأما قوله: نَهَى عن التزعفُرِ: فأدخَلَ فيه الرجالَ والنساءَ» .
ثم قال الطحاوي: «وقد رواه سائرُ أَصْحَابِ عبد العزيز، عن عبد العزيز بالنَّهْيِ أن يَتَزَعْفَرَ الرجلُ» .
وروى الرَّامَهُرْمُزِيُّ (٤) عن أبي يحيى العَطَّار؛ قال: سمعتُ إسماعيل بن عُلَيَّة يقول: «روى عني شُعْبة حديثًا واحدًا فأوهَمَ فيه؛ حَدَّثْتُهُ عن عبد العزيز بْنِ صُهَيْب، عَنْ أَنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ (ص) نهى أنْ يتزعفَرَ الرجلُ، فقال شُعْبة: إنَّ النَّبيَّ (ص) نَهَى عن التزعفُرِ» .
قال الرامهرمزيُّ: «وكان شُعْبةُ حَفِظَ عن إسماعيل، فأنكَرَ إسماعيلُ
стр. 137
لَفْظَ التزعفر؛ لأنه لفظُ العموم، وإنما المنهيُّ عنه: الرجالُ، وأحسَبُ شُعْبةَ قَصَدَ المعنى، ولم يَفْطَنْ لما فَطِنَ له إسماعيلُ، وشُعْبةُ شُعْبَةُ!!» .
ولم يقفِ الحافظُ ابن حجر على إنكارِ إسماعيل على شُعْبة، فقال (١) : «ورواه شُعْبة عن ابنِ عُلَيَّة عند النَّسَائي مطلقًا، فقال: نهى عن التزعفُرِ، وكأنَّه اختصره، وإلا فقد رواه عن إسماعيل فوق العَشَرة من الحفاظِ مقيَّدًا بالرجل، ويَحْتمِلُ أن يكونَ إسماعيلُ اختصَرَهُ لَمَّا حدَّث به شُعْبةُ، والمطلَقُ محمولٌ على المقيَّد، وروايةُ شُعْبةَ عن إسماعيلَ من رواية الأكابر عن الأصاغر» .
وَبَيْنَ أهلِ العلم خلافٌ طويلٌ في جواز اختصارِ الحديث وروايتِهِ بالمعنى (٢) ، فذهَبَ بعضهم إلى المَنْعِ من ذلك، وجوَّزه بعضهم بشروطٍ اختُلِف فيها أيضًا، والراجحُ الجوازُ بشروطٍ من أهمِّها: أن يكونَ عالِمًا بمدلولاتِ الألفاظ، وما يُحِيلُ المعانيَ منها؛ لأنه جُرِّبَ على بعضِ الرواة الخطَأُ في معرفةِ معاني بعضِ الأحاديث؛ فعدَّهُ الأئمَّةُ من تصحيفِ المعنى؛ كما في قول أبي موسى العَنَزِيِّ محمَّد بن المثنَّى المعروفِ بالزَّمِنِ حين قال: نَحْنُ قومٌ لنا شَرَفٌ؛ صلَّى إلينا رسولُ اللهِ
стр. 138
(ص) ، يعني: حديثَ النَّبيِّ (ص) أنه صلَّى إلى عَنَزَةٍ (١) ، وهي الحَرْبَةُ الصغيرةُ تُغْرَزُ بين يَدَيْهِ (ص) لِيَتَّخِذَهَا سُتْرةً في الصلاة، فظنَّ أبو موسى أنه (ص) صلَّى إلى قبيلتِهِ عَنَزَةَ، وعَدَّ ذلك شرفًا لهم (٢) !.
وكان بعضُ العلماء بارعًا في معرفة معاني الأحاديث، وروايتها بالمعنى، واختصارِهَا، حتى إنَّ كبارَ الأئمَّةِ ليتعلَّمون منه ذلك؛ كسفيانَ الثَّوْريِّ الذي يقولُ عنه الخطيبُ البغدادي (٣) : «وقد كان سُفْيان الثوريُّ يروي الأحاديثَ على الاختصار لمن قد رواها له على التَّمَام؛ لأنَّه كان يَعْلَمُ منهم الحِفْظَ لها والمعرفةَ بها … » ، ثم روى عن عبد العزيز ابن أَبَانَ أنه قال: «علَّمنا سفيانُ الثَّوْرِيُّ اختصارَ الحديث» ، ويقولُ عبد الله بن المبارك: «علَّمنا سفيانُ اختصارَ الحديث» (٤) .
أمَّا اختصارُ الحديث: فجوَّزوه لِمَنْ كان عالمًا بتمامِ معناه؛ على أن يكونَ ما اختصَرَهُ منفصلاً عن القَدْرِ الذي ذكره منه، غيرَ مُتَعَلِّقٍ به؛ ولا يَخْتَلُّ معه البَيَان، ولا تَخْتلِفُ الدَّلَالةُ فيما نقله بِتَرْكِ ما حَذَفَهُ؛
стр. 139
كالاستثناءِ، مِثْلُ قوله (ص) : «لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، إلا سواءً بسواء» (١) ، فلا يجوزُ اختصارُ الاستثناءِ هنا، وهو قوله (ص) : «إلا سَوَاءً بسواء» .
ومن أمثلة ما أخطَأَ الرواةُ فيه بسببِ روايتِهِ بالمعنى واختصارِهِ: ما أخرجه أبو داود (٢) ، من طريق مَرْوان بْنُ مُعَاوِيَةَ الفَزَاري، عَنْ أبي حَيَّان يحيى بن سعيد التَّيْمي، عَنْ أَبِي زُرْعة بنِ عَمْرِو بْنِ جَرِير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح: أنَّ رسولَ الله (ص) كان يُسَمِّي الأُنْثَى من الخيل: فَرَسًا.
وليس هناك روايةٌ بهذه الصفةِ التي رواها مَرْوان الفَزَاري، ولكنه شيءٌ فَهِمَهُ من الحديث الذي أخرجه البخاريُّ (٣) مِنْ طريق يحيى بن سَعِيد القَطَّان، ومسلم (٤) مِنْ طريق إسماعيلَ ابنِ إبراهيمَ ابنِ عُلَيَّة، وعبدِالرحيمِ بنِ سُلَيْمان، وجريرِ بنِ عبد الحَمِيد، وأيوبَ السَّخْتِياني، جميعهم عَنْ أَبِي حَيَّان التَّيْمي، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح، عن النَّبيِّ (ص) بالحديثِ الطويل في عُقُوبة الغلول (٥) ، وفيه يقولُ (ص) : «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ» ،
стр. 140
ورواه أبو عَوَانة من طريق أبي أُسَامة حمَّاد بن أُسَامة، عن أبي حَيَّان، به بلفظ: «على رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لها حَمْحَمَةٌ» ، فالظاهرُ أنَّ ضميرَ التأنيثِ في بعض ألفاظ الحديثِ جعَلَ مَرْوانَ بنَ معاوية يعبِّر بما فهمه من الرواية، وقد ذكَرَ هذا الإعلالَ عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم الرازي (١) ، عن أبيه أنه قال: «هَذَا حديثٌ مشهورٌ، رَوَاهُ جماعةٌ عَنْ أَبِي حَيَّان، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ (ص) : أَنَّهُ ذكَرَ الغُلُولَ فَقَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عُنُقِهِ فَرَسٌ» ، فاختصَرَ مَرْوانُ هَذَا الحديثَ لَمَّا قَالَ: «يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ» ، أَيْ: جَعَلَ الفرَسَ أُنْثَى حِينَ قَالَ: يَحْمِلها، وَلَمْ يقلْ: يَحْمِلُهُ» (٢) .
١٤) جَمْعُ حَدِيثِ الشُّيوخِ بِسِيَاقٍ وَاحِدٍ:
الأصلُ في روايةِ الحديث: أنْ يُؤَدِّيَ الراوي الحديثَ كما سَمِعَهُ مِنْ غيرِ زيادةٍ أو نقصٍ أو تغيير، وأنْ يَفْصِلَ سياقَ كلِّ راوٍ عن الآخر، لكنْ لصعوبةِ رواية الحديث بلفظه جوَّزَ العلماءُ الروايةَ بالمعنى كما تقدم، وأمَّا فصلُ سياقِ كلِّ راوٍ عن سياق الآخر فليس متعذِّرًا، غير أنه وُجِدَ من الرواة مَنْ يَقْرِنُ الرواياتِ، ويجمعُ حديثَ الشيوخِ أحيانًا طلبًا للاختصار، دون بيانٍ لِلَفْظِ كُلٍّ منهم، وقد يكونُ في حديثِ بعضهم عِلَّةٌ تَمْنَعُ مِنْ قبوله.
стр. 141
قال ابن الصلاح (١) : «إذا كان الحديثُ عند الراوي عن اثنَيْنِ أو أكثَرَ، وبَيْنَ روايتهما تفاوتٌ في اللفظ، والمعنَى واحدٌ؛ كان له أن يَجْمَعَ بينهما في الإسناد، ثم يَسُوقَ الحديثَ على لفظ أحدهما خاصَّةً، ويقول: أخبرنا فلانٌ وفلانٌ، واللفظُ لفلان، أو هذا لفظُ فلان؛ قال - أو قالا -: أنا فلان، أو ما أشبه ذلك من العبارات … » ، ثم أثنى على طريقةِ مُسْلِمٍ في تمييز الروايات بعضها عن بعض، وذكَرَ طريقةَ بعض المحدِّثين كأبي داود وغيره في قولهم: «حدَّثنا فلانٌ وفلان، المعنى؛ قالا: حدَّثنا فلان» ، وربَّما قالوا: «والمعنى واحد» ، فإنْ كان اللفظُ للأوَّلِ وقصَدَ أنَّ رواية الثاني بمعناه فهذا جائزٌ كما بيَّنه أوّلاً، وإنْ قصَدَ أنه رواه بالمعنَى عن كليهما: فهذا غيرُ ممتنعٍ على مذهب مَنْ يرى جوازَ الرواية بالمعنى.
ثم قال ابن الصلاح: «وأما إذا جمَعَ بين جماعةِ رواةٍ قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أوردَهُ لفظَ كُلِّ واحدٍ منهم، وسكَتَ عن البيان لذلك، فهذا ممَّا عِيبَ به البخاريُّ - أو غيره - ولا بأس به على مقتضى مذهب تجويز الرواية بالمعنى» .
وبيَّن الحافظُ ابن حجر أنَّ الإسماعيليَّ ممَّن عاب على البخاريِّ هذا الصنيعَ، فقال (٢) : «قوله: «وقال الليثُ: حدَّثني يونس» : وصله الذُّهْلي في "الزُّهْرِيَّات"، وساقه المصنِّف هنا على لفظ يونس،
стр. 142
وأورده مقرونًا بطريقِ مالك، وفيه مخالفةٌ شديدةٌ له، وسأبيِّنُ ذلك عند شرحه، وقد عابه الإسماعيليُّ وقال: قَرَنَ بين روايتَيْ مالك ويونس مع شِدَّةِ اختلافهما، ولم يبيِّن ذلك» .
وما ذكره ابنُ الصلاح من الاعتذارِ للبخاريِّ هو الصحيحُ، فهو ممَّن يجوِّزُ الروايةَ بالمعنى، ولا يُشَكُّ في معرفتِهِ بما يحيل المعاني، بل هو يَعِيبُ بعضَ الرواة الذين يَجْمَعون الرواياتِ وليستْ عندهم الأهليَّةُ لذلك، ويتجنَّبُ إخراجَ حديثهم.
يقولُ الحافظُ الخليلي (١) : «ذاكَرْتُ يومًا بعضَ الحفاظ، فقلت: البخاريُّ لم يخرِّجْ حمادَ بنَ سَلَمة في الصحيحِ وهو زاهدٌ ثقة! فقال: لأنه جمَعَ بين جماعةٍ مِنْ أَصْحَاب أنس، فيقول: حدَّثنا قتادة، وثابتٌ، وعبد العزيز بن صُهَيْب، وربَّما يخالَفُ في بعض ذلك، فقلت: أليس ابنُ وَهْب اتفقوا عليه وهو يَجْمَعُ بين أسانيد فيقول: حدَّثنا مالكٌ، وعمرو بنُ الحارث، والليثُ بنُ سَعْد، والأوزاعيُّ؛ بأحاديث، ويجمع بين جماعةٍ غيرهم؟ فقال: ابنُ وهب أتقَنُ لِمَا يَرْوِيه وأحفظُ له» .
وذكر ابن رجب (٢) كلامَ الخَلِيليِّ السابقَ، ثم علَّق عليه بقوله: «ومعنى هذا: أنَّ الرجُلَ إذا جمَعَ بين حديثِ جماعة، وساق الحديثَ
стр. 143
سياقةً واحدة، فالظاهرُ أنَّ لفظهم لم يتفق، فلا يُقْبَلُ هذا الجمعُ إلا مِنْ حافظٍ مُتْقِنٍ لحديثه، يعرف اتفاقَ شيوخه واختلافهم، كما كان الزُّهْري يجمعُ بين شيوخٍ له في حديثِ الإِفْكِ وغيره.
وكان الجمعُ بين الشيوخ يُنْكَرُ على الواقديِّ وغيره ممَّن لا يضبطُ هذا؛ كما أُنْكِرَ على ابن إسحاق وغيره.
وقد أَنْكَرَ شعبةُ أيضًا على عَوْفٍ الأعرابي؛ قال ابن المَدِيني (١) : سمعتُ يحيى (٢) قال: قال لي شُعْبة في أحاديثِ عَوْف، عن خِلَاسٍ، عن أبي هريرة، ومحمَّد (٣) ، عن أبي هريرة إذا جمعهم، قال لي شُعْبة: ترى لَفْظَهُمْ واحدًا؟! قال ابن أبي حاتم (٤) : أي كالْمُنْكِرِ على عَوْف.
وكذلك أنكر يحيى بنُ مَعِين (٥) على عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العُمَري أنه كان يحدِّث عن أبيه وعمِّه، ويقول: مِثْلاً بِمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ، واستَدَلَّ بذلك على ضَعْفه، وعَدَمِ ضبطه» . انتهى كلام ابن رجب.
стр. 144
وكان ابن رجب قد ذكَرَ (١) من ضُعِّف حديثُهُ إذا جمَعَ الشيوخَ، دون ما إذا أفردهم، وذكَرَ فيه أنَّ شُعْبة قال لابن عُلَيّة: «إذا حدَّثَكَ عطاءُ بنُ السائب عن رجلٍ واحد، فهو ثقةٌ، وإذا جمَعَ فقال: زاذان، وميسرة، وأبو البَخْتَرِيِّ، فاتَّقِهِ؛ كان الشيخُ قد تغيَّر» (٢) .
وذكر ابنُ رَجَبٍ أيضًا (٣) أنَّ عَطَاءَ بنَ السائب كان يَجْمَعُ بين المشايخ؛ لاختلاطِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، وأنه كان يأتي بذلك على وجه التوهُّم.
وذكَرَ (٤) بعضَ من ضُعِّف حديثُهُ لهذا السبب، وذكَرَ منهم محمَّدَ بنَ إسحاقَ بنِ يَسَار، وحمادَ بنَ سَلَمة، فقال: «وكذلك ذكَرَ بعضُهُمْ في ابن إسحاق؛ قال أحمد - في رواية المَرُّوذي -: ابنُ إسحاق حَسَنُ الحديث، لكنْ إذا جمَعَ بين رجلَيْن! قلتُ: كيف؟ قال: يحدِّث عن الزُّهْري وآخَرَ، يَحْمِلُ حديثَ هذا على هذا.
وكذلك قيل في حَمَّاد بن سلمة؛ قال أحمد - في رواية الأثرم - في حديثِ حَمَّاد بْن سَلَمة، عَنْ أيوبَ وقتادةَ، عن أبي أسماء، عن أبي ثَعْلَبة الخُشَنِيِّ، عن النَّبِيِّ (ص) في آنِيَةِ المُشْرِكين؛ قال أحمد: هذا مِنْ قِبَلِ حماد، كان لا يقومُ على مِثْلِ هذا؛ يجمعُ الرجالَ، ثم يجعله
стр. 145
إسنادًا واحدًا، وهُمْ يختلفون» .
ولعلَّ مِنْ أكثرِ ما يُشْكِلُ هنا: ما يقَعُ من الثقاتِ الذين لا يُشَكُّ فيهم مِنْ حملِ الأسانيدِ المعلولةِ على الأسانيدِ الصحيحة.
قال ابن رجب (١) : «وقد ذكَرَ يعقوبُ بن شَيْبة أنَّ ابن عُيَيْنة كان ربَّما يحدِّث بحديثٍ واحدٍ عن اثنين، ويسوقُهُ سياقةَ واحدٍ منهما، فإذا أُفْرِدَ الحديثُ عن الآخر أرسَلَهُ، أو أوقَفُه» .
وقد حمَلَ عبدُاللهِ بنُ وَهْب روايةَ الإمامِ مالك على رواية الليْثِ بنِ سَعْد ويونسَ بنِ يَزِيد في حديثٍ رَوَوْهُ عَنِ ابْن شِهَابٍ الزُّهْري، عَنْ عُرْوة بن الزُّبَيْر وعَمْرةَ بنتِ عبد الرحمن، كلاهما عن عائشة، في حين أن المعروفَ عن مالكٍ أنه يحدِّث به عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوة، عن عَمْرة، عن عائشة (٢) !
ووقع من ابن وَهْب أيضًا مِثْلُهُ في حديثِ مخاصمة الأنصاريِّ للزُّبَيْر بن العَوَّام في شِرَاجِ الحَرَّة، انظره في "علل الترمذي" (٣) ، و"علل ابن أبي حاتم" (٤) .
والأمثلة على هذا كثيرة (٥) .