← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1350

العلل لابن أبي حاتم ت الحميد

ابن أبي حاتم

Полный текст (4 011 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإنْ شَكَّ في وصلِهِ أرسلَهُ، وهكذا. وربَّما كان هذا الشَّكُّ مرجوحًا، والظَّنُّ الغالبُ رَفْعَ الحديث ووَصْلَهُ، ولكنْ هكذا صنَعَ هؤلاءِ الذين ذُكِروا بهذا، وأكثرُهُمْ من أهل البَصْرة؛ مثل محمَّد بن سِيرين، وأيوب السَّخْتِياني، وعبد الله بن عَوْن، وحَمَّاد بن زيد. قال الدارقطني (١) : «وقد تقدَّم قولنا في أنَّ ابن سيرين - مِنْ تَوَقِّيه وتَوَرُّعِه - تَارَةً يُصَرِّحُ بالرَّفْع، وتارةً يومئ، وتارةً يتوقَّف؛ على حسب نشاطِهِ في الحال» . وذكَرَ حديثًا اختُلِفَ في رفعه ووقفه، ثم قال (٢) : «ورَفْعُهُ صَحيحٌ، وقد عرفت عادة ابن سيرين: أنه ربَّما توقَّف عن رفعِ الحديث توقِّيًا» . وقال أيضًا (٣) : «ورَفْعُهُ صَحيحٌ؛ لأنَّ ابن سيرين كان شديدَ [التوقِّي] (٤) في رفع الحديث» . وقال في موضع آخر (٥) : «فرَفْعُهُ صَحيحٌ، ومَنْ وقفه فقد أصاب؛ لأنَّ ابن سيرين كان يفعَلُ مثلَ هذا؛ يَرْفَعُ مرةً، ويُوقِفُ أخرى» . وقال ابن رجب (٦) : «وليس وَقْفُ هذا الحديثِ مما يَضُرُّ؛ فإنَّ ابن

стр. 72

سِيرِينَ كان يقفُ الأحاديثَ كثيرًا ولا يَرْفَعها، والناسُ كلُّهم يخالفونه ويرفعونها» . وفي أسئلة المروزيِّ للإمام أحمد، قال المروزي (١) : «سألته عن هشام بن حَسَّان؟ فقال: أيوبُ وابنُ عَوْن أحبُّ إليّ، وحسَّن أَمْرَ هشام، وقال: قد روى أحاديثَ رَفَعها أَوْقَفوها، وقد كان مذهبهم أنْ يقصِّروا بالحديث ويُوقِفوه» . وقال الدارقطني (٢) : «وكان ابنُ عَوْن ربَّما وقَفَ المرفوعَ» . وقال يعقوب بن شَيْبة (٣) : «حمَّادُ بنُ زَيْد أثبَتُ من ابن سلمة، وكُلٌّ ثقةٌ، غيرَ أنَّ ابنَ زيد معروفٌ بأنه يقصِّر في الأسانيد، ويُوقِفُ المرفوعَ، وكثيرُ الشكِّ بتوقِّيه، وكان جليلاً لم يكنْ له كتابٌ يَرْجعُ إليه، فكان أحيانًا يذكُرُ فيرفَعُ الحديثَ، وأحيانًا يهابُ الحديثَ ولا يَرْفعه» . ومِنْ جملة مَنْ عُرِفَ عنه هذا وليس من البَصْريين: الإمامُ مالك، يقولُ الدارقطني (٤) : «ومِنْ عادَةِ مالكٍ إرسالُ الأحاديثِ، وإسقاطُ رجل» .

стр. 73

٤) أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ: كان المحدِّثون يَحُثُّون على مذاكرةِ الحديثِ ويَحْرِصون عليها حِرْصًا شديدًا؛ لِمَا وَجَدوا فيها من الفوائد؛ كاستذكارِ الحديثِ وتحفُّظه، واستدراكِ ما فاتَهُمْ من الأحاديثِ في البابِ الذي يذاكرون فيه، وكَشْفِ الخَلَلِ والعِلَلِ في الأحاديثِ التي يَحْفَظونها، وكَشْفِ الضعفاءِ والكذابين من الرواة. وعُنِيَ بها جميعُ مَنْ ألَّف في علومِ الحديث، بل أفرَدَ لها عددٌ من الأئمَّة بابًا في مؤلَّفاتهم، منهم: أَبُو بَكْرُ بْنُ أَبِي شَيْبة في "المصنَّف" (١) ، والدارمي في "مسنده" (٢) ، والرَّامَهُرْمزي في "المحدِّث الفاصل" (٣) ، وعدَّها أبو عبدِالله الحاكمُ (٤) نوعًا من أنواع علومِ الحديث، وأطالَ فيها الخطيبُ البغداديُّ في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٥) ، فعقَدَ لها بابًا بعنوان: «مذاكرة الحديثِ مع عامَّة الناس» ، ثم أتبَعَهُ بابًا بعنوان: «المذاكرة مَعَ الأتباعِ والأَصْحَاب» ، ثم بابًا بعنوان: «المذاكرة مَعَ الأقرانِ والأتراب» ، ثم ختمها بباب: «المذاكرة مَعَ الشُّيُوخ وذوي الأسنان» ، وكان قد عقَدَ بابًا قبل ذلك (٦) بعنوان: «الكتابة عن المحدِّث في المذاكرة» .

стр. 74

وأورَدَ هؤلاءِ المحدِّثون في هذه الأبواب وغَيْرِهَا أقوالاً كثيرةً في الحَثِّ عليها، وذِكْرِ فوائدها، وآدابِهَا، فَمِنْ ذلك: قولُ عليِّ بنِ أبي طالب ح: «تَزَاوَرُوا وتَذَاكَرُوا الحديث؛ فإنَّكم إنْ لم تَفْعَلوا يَدْرُسْ» (١) . وقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ ح: «تحدَّثوا؛ فإنَّ الحديثَ يُهَيِّجُ الحديثَ» (٢) . وفي لفظ: «تَذَاكَرُوا؛ فإنَّ الحديثَ يُذْكِرُ الحديثَ» (٣) . وقال عَلْقمة: «تَذَاكروا الحديثَ؛ فإنَّ حياتَهُ ذِكْرُهُ» (٤) . وقال إبراهيمُ النَّخَعي: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَحْفَظَ الحديثَ، فَلْيُحَدِّثْ به، ولو أنْ يُحَدِّثَ به مَنْ لا يشتهيه؛ فإنَّه إذا فعَلَ ذلك كان كالكتابِ في صَدْرِهِ» (٥) .

стр. 75

وقال يَزِيدُ بنُ أَبِي زِيَادٍ: قَالَ عبدُالرحمن بنُ أبي ليلى: «إحياءُ الحديثِ مذاكرتُهُ» ، فقال له عبدُاللهِ بنُ شَدَّاد: «يَرْحَمُكَ الله! كم مِنْ حديثٍ أحييْتُهُ في صَدْري كان قد مات» (١) . وكان ابنُ شِهَاب الزُّهْري يسمع العِلْمَ مِنْ عُرْوة وغيره، فيأتي إلى جاريةٍ له وهي نائمةٌ فيوقظها فيقول: اسمعي، حدَّثني فلانٌ كذا، وفلانٌ كذا، فتقولُ: ما لي وما لهذا الحديثِ؟! فيقول: قد عَلِمْتُ أنك لا تنتفعين به، ولكنْ سمعتُهُ الآنَ، فأردتُّ أن أَسْتَذْكِره (٢) . وقال الأعمش: «كان إسماعيلُ بنُ رَجَاء يجمعُ صبيانَ الكُتَّاب يحدِّثهم، يتحفَّظُ بذلك» (٣) . وقال عليُّ بن المَدِيني: «سِتَّةٌ كادتْ تَذْهَبُ عقولهم عند المذاكرة: يحيى (٤) ، وعبدُالرحمن (٥) ، ووَكِيعٌ، وابنُ عُيَيْنة، وأبو داود (٦) ، وعبد الرزَّاق» . قال علي: «مِنْ شِدَّةِ شَهْوتهم له» . وقال: «تذاكَرَ وكيعٌ وعبدُالرحمنِ ليلةً في مَسْجِدِ الحرامِ (٧) ، فلم

стр. 76

يزالا حتَّى أذَّن المؤذِّنُ أذانَ الصُّبْح» (١) . وقال عليُّ بنُ الحَسَن بْنِ شَقِيق: «كنتُ مع عبد الله بن المبارك في المَسْجِدِ في ليلةٍ شَتْ َوِيَّةٍ باردةٍ، فقمنا لِنَخْرُجَ، فلمَّا كان عند باب المسجد ذاكرني بحديثٍ، وذاكَرْتُهُ بحديث، فما زال يُذَاكِرني وأذاكِرُهُ، حتى جاء المؤذِّن، فأذَّن لصلاةِ الصبح» (٢) . وقال أبو بكر بن زَنْجُويَهْ: قَدِمْتُ مِصْرَ، فأتيتُ أحمد بن صالح، فسألني: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قلتُ: مِنْ بغداد، قال: أين منزلك مِنْ منزل أحمد بن حنبل؟ قلتُ: أنا مِنْ أَصْحَابه، قال: تَكْتُبُ لي موضعَ منزلك؛ فإنِّي أريدُ أوافي العِرَاقَ، حتى تَجْمَعَ بيني وبين أحمد بن حنبل، فكتبْتُ له، فوافى أحمدُ بنُ صالحٍ سنةَ اثنتَيْ عَشْرةَ (٣) إلى عَفَّان، فسأل عني، فلقيني، فقال: المَوْعِدُ الذي بيني وبينك، فذهَبْتُ به إلى أحمد بن حنبل، واستأذنْتُ له، فقلتُ: أحمدُ ابنُ صالح بالباب، فقال: ابنُ الطَّبَرِيِّ؟ قلتُ: نعم، فأَذِنَ له، فقام إليه ورحَّب به وقرَّبه وقال له: بَلَغني عنك أنك جمعْتَ حديثَ الزُّهْريِّ، فتعال نذاكر ما روى الزُّهْرِيُّ عن أَصْحَاب رسول الله (ص) ، فجعلا يتذاكران، ولا يُغْرِبُ أحدُهُما على الآخر حتى فَرَغا، وما رأيتُ أحسَنَ من مذاكرتهما! ثم قال أحمدُ بنُ حنبل لأحمدَ بنِ صالح: تعال حتى

стр. 77

نُذَاكِرَ ما روى الزُّهْري عن أولاد أَصْحَاب رسول الله (ص) ، فجعلا يتذاكران، ولا يُغْرِبُ أحدُهُما على الآخر، إلى أنْ قال أحمدُ بنُ حنبل لأحمدَ بنِ صالح: عندك عَنِ الزُّهْري، عَنْ محمَّد بْنِ جُبَيْر ابن مُطْعِم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف؛ قال النَّبِيُّ (ص) : «ما يَسُرُّنِي أَنَّ لي حُمُرَ النَّعَمِ، وأَنَّ لي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ» ؟ فقال أحمد ابن صالح لأحمد بن حنبل: أنتَ الأستاذُ وتذكُرُ مِثْلَ هذا؟! فجعَلَ أحمدُ بنُ حنبل يبتسم ويقولُ: رواه عن الزُّهْري رجلٌ مقبول - أو صالح -: عبد الرحمن بن إسحاق، قال: مَنْ رواه عن عبد الرحمن بن إسحاق؟ فقال: حدَّثناه رجلان ثقتان: إسماعيلُ بنُ عُلَيّة، وبِشْر ابن المفضَّل، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتُكَ بالله إلا أمليتَهُ عليَّ! فقال أحمد: مِنَ الكتاب، فقام، فدخَلَ وأخرَجَ الكتابَ، وأملاه عليه، فقال أحمد بن صالح: لو لَمْ أستَفِدْ بالعراقِ إلا هذا الحديثَ كان كثيرًا. ثم ودَّعه وخرَجَ (١) . وهذا الحديثُ مِنَ الأحاديثِ التي رواها الإمامُ أحمَدُ (٢) واستَنْكَرَهَا على عبد الرحمن بن إسحاق، فقد قال المَرُّوذي (٣) : قلتُ

стр. 78

لأبي عبد الله: فعبدُالرحمنِ بنُ إسحاق كيف هو؟ قال: «أَمَّا ما كتبنا مِنْ حديثه: فقد حدَّث عن الزُّهْري بأحاديث» ، كأنَّه أراد تفرَّدَ بها، ثم ذكَرَ حديثَ محمَّد بن جُبَيْر في الحِلْف؛ حِلْفِ المُطَيَّبِينَ، فأنكره أبو عبد الله، وقال: «ما رواه غيره» (١) . وكانوا يتساهلون في المذاكرة ويتسمَّحون، فيحدِّث أحدُهُمْ حالَ المذاكرةِ بالحديثِ على غَيْرِ وجهِ التحديث، ويأخُذُ أحدُهُمْ حالَ المذاكرةِ ما لا يأخُذُهُ في مَجْلِسِ السماع. قال سُفْيان الثَّوْري: «إذا جاءتِ المذاكرةُ جئنا بِكُلٍّ، وإذا جاء التحصيلُ جئنا بمنصورِ بنِ المُعْتَمِرِ» (٢) . وقال الخطيب (٣) : «إذا أورَدَ المحدِّث في المذاكرة شيئًا أراد السامعُ له أن يدوِّنه عنه؛ فينبغي له إعلامُ المحدِّث ذلك؛ ليتحرَّى في تَأْدِيَةِ لفظِهِ، وحَصْرِ معناه» . ثم أخرَجَ (٤) ، عن أبي موسى محمد بن المثنَّى؛ أنه قال: «سألتُ عبد الرحمن - يعني: ابن مهدي - عن حديثٍ، وعنده قوم، فساقه، فذهبتُ أَكْتُبُه، فقال: أيَّ شيء تَصْنَعُ؟! فقلتُ: أكتبُهُ، فقال: دَعْهُ؛ فإنَّ في نفسي منه شيئًا، فقلتُ: قد جِئْتَ به، فقال: لو كنتَ وحدَكَ

стр. 79

لحدَّثْتُكَ به، فكيف أصنَعُ بهؤلاءِ؟!» . قال الخطيبُ بعد أنْ أخرجه: «كان أبو موسى مِنَ المُلَازِمِينَ لعبد الرحمن، فقوله: "لو كُنْتَ وحدك لحدَّثتك به"، أراد: أنه متى بان له أنَّ الحديثَ على غير ما حدَّثه به أمكنَهُ استدراكُهُ لإصلاحِ غَلَطه، ولا يمكنُهُ ذلك مع الغُرَباء الذين حَضَروا عنده، والله أعلم. وكان عبد الرحمن بن مَهْدي يحرِّج على أَصْحَابه أن يكتبوا عنه في المذاكرة شيئًا» . ثم ساق الخطيبُ بسنده عن بَكْر بن خَلَف قال: سمعتُ عبدَالرحمنِ بنَ مَهْدي يقولُ: «حرامٌ عليكم أن تَأْخُذوا عنِّي في المذاكرةِ حديثًا؛ لأنِّي إذا ذاكَرْتُ تساهلْتُ في الحديث» . وقال أحمد بن محمد بن سليمان التُّسْتَري: حدَّثني أبو زرعة الرازي؛ حدَّثني إبراهيم بن موسى؛ نا عبد الرحمن بن الحَكَم المَرْوَزي، عن نَوْفَل بن المُطَهَّر قال: قال لنا عبد الله بن المبارك: «لا تَحْمِلُوا عنِّي في المذاكرةِ شيئًا» . قال أبو زُرْعة: وقال إبراهيم: «لا تَحْمِلوا عنِّي في المذاكرة شيئًا» . قال أحمد: وقال لي أبو زُرْعة: «لا تَحْمِلوا عنِّي في المذاكرةِ شيئًا» (١) .

стр. 80

وكان أبو زُرْعة يحرِّج على تلاميذِهِ أن يَكْتبوا عنه في المذاكرةِ شيئًا (١) . وكان عبدُاللهِ ابنُ الإمامِ أحمَدَ لا يكتُبُ - أحيانًا - ما يأخذُهُ عن أبيه حالَ المذاكرة؛ ففي زوائده على "المسند" قال (٢) : «وَجَدتُّ هذا الحديثَ في كتاب أبي بخطِّ يده … وأظنُّني قد سمعتُهُ منه في المذاكرة فلم أَكْتُبْهُ» . والظاهرُ: أنَّ أباه كان ينهاه عن كتابة ما يكونُ في المذاكرة؛ وإنْ كتَبَ ميَّزه مِنْ غيره؛ كما يدلُّ عليه قوله: «وقد سَمِعْتُ أبي ذكَرَ حديثًا عن عبد الرحمن ابن مالك بن مِغْوَلٍ، عن أبي حَصِين؛ في المذاكرة، على غير وجهِ الحديثِ، فكتبتُهُ عنه، وكان سَيِّئَ الرأيِ فيه جِدًّا» (٣) . وهذا منهجٌ معروفٌ للإمام أحمد تلقَّاه عن أشياخه، فقد حكى عنه ابنُهُ عبد الله (٤) أنه قال: «كتبتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (٥) ، عَنْ شَرِيك؛ على غير وجهِ الحديث» ؛ يعني: المذاكرة (٦) . وسأله أبو بكر المَرُّوذي (٧) فقال: «قلتُ: يحيى القَطَّانُ أَيْشٍ كان

стр. 81

يقولُ في شَرِيك؟ قال: كان لا يَرْضَاه، وما ذكر عنه [إلا شيئًا] (١) على المذاكرة؛ حديثين» . وقال ابن حزم (٢) : «وأما المدلِّسُ فينقسمُ إلى قِسْمَيْنِ، أحدُهُمَا: حافظٌ عدلٌ ربَّما أرسَلَ حديثَهُ، وربَّما أسنَدَهُ، وربَّما حدَّث به على سَبِيلِ المذاكرة، أو الفُتْيَا، أو المناظرة، فلم يَذْكُرْ له سَنَدًا، وربَّما اقتصَرَ على ذِكْرِ بعض رواتِهِ دون بعض … وقد رُوِّينا عن عبد الرزَّاق بن هَمَّام قال: كان مَعْمَرٌ يُرْسِلُ لنا أحاديثَ، فلمَّا قَدِمَ عليه عبدُاللهِ بنُ المبارك أسنَدَهَا له، وهذا النوعُ منهم كان جِلَّةَ أَصْحَابِ الحديث وأئمَّة المسلمين؛ كالحَسَنِ البَصْري، وأبي إسحاق السَّبِيعي، وقتادةَ بنِ دِعَامة، وعَمْرِو بنِ دينار، وسليمانَ الأعمشِ، وأبي الزُّبَيْر، وسُفْيانَ الثَّوْريِّ، وسُفْيانَ بنِ عُيَيْنة، وقد أدخَلَ عليُّ بنُ عمر الدارقطنيُّ فيهم مالكَ بنَ أنس ولم يكنْ كذلك، ولا يوجدُ له هذا إلا في قليلٍ مِنْ حديثه؛ أرسلَهُ مرةً وأسنَدَهُ أخرى» . وكانوا يَسْتحبُّون لمَنْ أخَذَ عن شيوخه شيئًا حالَ المذاكرةِ أنْ يبيِّن ذلك: قال الخطيب البغدادي (٣) : «واستُحِبَّ لمَنْ حَفِظَ عن بعضِ شيوخه في المذاكرة شيئًا وأرادَ روايتَهُ عنه أن يقولَ: حدَّثناه في المذاكرة، فقد

стр. 82

كان غيرُ واحدٍ من متقدِّمي العلماءِ يفعلُ ذلك» . ومِنْ أمثلة مَنْ كان يفعلُ ذلك ممَّن أشار إليهم الخطيبُ: أبو حاتمٍ الرازي، فقد ترجَمَ ابنه عبد الرحمن (١) لمحمَّد بن نُبَاتة السَّرِيِّ فقال: «روى عن أبي عاصمٍ النَّبِيلِ، سمع منه أبي في المذاكرة حديثًا، فاسْتَحْسَنَهُ، فكَتَبه» . وروى الترمذي (٢) حديثًا، فقال: «حدَّثني الحسَنُ بنُ علي بهذا - أو شبهه - في المذاكرة» . وقال أبو عَوَانة (٣) : «حدَّثني أحمدُ بنُ سَهْلِ بنِ مالك على المذاكرة» . وأمثلةُ هذا كثيرةٌ في كتب الحديث. وأصبَحَ المحدِّثون يَكْشِفون عِلَلَ الأحاديثِ أحيانًا بهذا؛ فينظرون في غَلَط المحدِّث، مع كيفيَّةِ تلقِّيه للحديثِ، فإنْ كان أَخَذَهُ في مجلسِ المذاكرة؛ عَرَفُوا أنَّ العِلَّةَ وقَعَتْ بسبب تحديثِ الشيخِ بهذا وهو غير مُتَهَيِّئٍ للتحديث: قال أبو عبد الله الحاكم (٤) : «وجدتُّ أبا عليٍّ الحافظَ سيِّئَ الرأي في أبي القاسم اللَّخْمي (٥) ، فسألتُهُ عن السبب فيه؟ فقال: اجتمعْنَا

стр. 83

على بابِ أبي خَلِيفة، فذكرنا طُرُقَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ على سَبْعةِ أعضاء» ، فقلتُ له: تحفظُ عن شُعْبة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة الزَّرَّاد، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ فقال: بلى، [رواه] (١) غُنْدَرٌ، وابنُ أبي عدي، فقلتُ: مَنْ عنهما؟ فقال: حدَّثَناه عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عنهما، فاتهمتُهُ إذْ ذاك. ثم قال أبو علي: ما حدَّث به غيرُ عثمانَ ابنِ عمر (٢) » . وذكَرَ الذهبيُّ هذه الحكايةَ (٣) ، ثم قال: «قلتُ: هذا تَعَنُّتٌ على حافظٍ حُجَّة؛ قال الحافظُ ضياءُ الدين المَقْدِسي: هذا وَهِمَ فيه الطبراني في المذاكرة، فأمَّا في جَمْعه حديثَ شُعْبة فلم يروه إلا مِنْ حديث عثمان بن عمر، ولو كان كُلُّ مَنْ وَهِمَ في حديثٍ واحدٍ اتُّهِمَ؛ لكان هذا لا يَسْلَمُ منه أحدٌ» . ومن أمثلة ما عُنِيَ الأئمَّةُ بعلَّته: ما جعله الترمذيُّ (٤) مثالاً لما يُرْوَى من وجوهٍ كثيرة، ويُسْتَغْرَبُ مِنْ وجه معيَّن؛ حين قال: «رُبَّ حديثٍ يروى من أوجه كثيرة، وإنما يُستغرب لحالِ الإسناد. حدَّثنا أبو كريبٍ، وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، وأبو السائب، والحسين

стр. 84

الأسود؛ قالوا: ثنا أبو أسامة، عن بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُرْدة، عن جَدِّه أَبِي بُرْدة، عَنْ أَبِي مُوسَى، عن النَّبيّ (ص) قال: «الكافرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاءٍ، والمؤمنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحدٍ» . هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه مِنْ قِبَلِ إسناده، وقد روي مِنْ غير وجه عن النَّبيّ (ص) ، وإنما يُسْتَغرب من حديثِ أبي موسى، وسألتُ محمودَ بنَ غَيْلان عَن هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: هَذَا حديثُ أبي كُرَيْب، عن أبي أسامة، وسألتُ محمدَ بنَ إسماعيل (١) عَن هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: هَذَا حديثُ أبي كُرَيْب، عن أبي أسامة، ولم نعرفْهُ إلا مِنْ حديثِ أبي كريب، عن أبي أسامة. فقلتُ: حدَّثنا غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي أسامة بهذا، فجعَلَ يتعجَّبُ ويقول: ما علمتُ أنَّ أحدًا حدَّث بهذا غَيْرَ أبي كريب! قال محمد: وكنَّا نرى أنَّ أبا كُرَيْب أخَذَ هذا الحديثَ عن أبي أسامة في المذاكرة» . قال ابن رجب (٢) - بعد ذكره كلام الترمذي -: «وما حكاه الترمذيُّ عن البخاريِّ ههنا أنه قال: "كنا نرى أنَّ أبا كُرَيْب أخَذَ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة": فهو تعليلٌ للحديث؛ فإنَّ أبا أسامة لم يرو هذا الحديثَ عنه أحدٌ من الثقات غَيْرُ أبي كريب، والمذاكرةُ يُجْعَلُ فيها تسامحٌ بخلافِ حالِ السماع أو الإملاء» (٣) .

стр. 85

٥) كَسَلُ الرَّاوِي: عُرِفَ مِنْ طباعِ الناسِ أنَّ النَّفْسَ البشريَّة لها إقبالٌ وإدبار، على حَسَبِ ما يَعْتَريها من حزن، أو فَرَح، أو مَرَض، أو قِلَّة نَوْم وأَرَق، أو انشغالٍ بالتفكير في أمر من الأمور، أو غيرِ ذلك ممَّا يجعل الراوي غير مُتَهَيِّئٍ ولا مُسْتَجْمِعٍ قواه للتحديث، وهذا ما يعبِّر عنه المحدِّثون بالكَسَل، وضِدُّهُ النشاط، وفيه شبه مِنَ السبب السابق «المذاكرة» . فربَّما ذكَرَ المحدِّثُ الحديثَ وهو في هذه الحال؛ لمناسبةٍ جرَتْ، لا على سبيلِ التحديث؛ كفتوى، أو موعظة، أو سؤال عن ذلك الحديث، أو عن بعض ما يتعلَّق به؛ كالكلامِ في أحدِ رواته، أو غير ذلك من الأمور التي يجمعها عَدَمُ إرادةِ التحديث؛ فيذكُرُ المحدِّثُ الحديثَ فيَنْقُصُ منه؛ إمَّا بإرسالِهِ وهو موصول، أو بوَقْفِهِ وهو مرفوع، أو يُسْقِطُ مِنْ سنده بعضَ رواته لا على سبيل التدليس، أو لا يسوقُ المَتْنَ بتمامه، أو غيرِ ذلك مما يعتري الحديثَ من اختلاف، منشؤُهُ: ذِكْرُ الحديثِ لا لروايتِهِ، ولكنْ لمناسبةِ المَجْلِسِ أو الموقفِ لِذِكْرِهِ وإنْ كان قاصرًا. وتقدَّم قولُ ابن حَزْم (١) : «وأمَّا المُدَلِّسُ فينقسمُ إلى قسمَيْن، أحدُهُمَا: حافظٌ عدلٌ ربَّما أرسَلَ حديثَهُ، وربَّما أسنَدَهُ، وربَّما حدَّث به على سَبِيلِ المذاكرة، أو الفُتْيَا، أو المناظرة، فلم يَذْكُرْ له سَنَدًا،

стр. 86

وربَّما اقتصَرَ على ذِكْرِ بعضِ رواته دون بعض … » إلخ. وربَّما أخَذَ بعضُ الرواة ذلك الحديثَ عن ذلك الشيخِ في هذه الحال، فيرويه على ما فيه مِنْ نقص، وربَّما حدَّث الشيخُ بذلك الحديثِ في مجلسِ التحديثِ تامًّا، فينشأُ الاختلافُ بين الرواة لهذا السبب، وربَّما لم يحدِّث الشيخُ بذلك الحديثِ إلا في حالِ كَسَله، فيختلفُ مع أقرانِهِ ممَّن شاركه في رواية ذلك الحديث، فنجدُ علماءَ الحديثِ يوفِّقون بين هذا الاختلافِ بالإشارةِ إلى هذا السببِ بعبارة يَفْهَمها أهلُ الاختصاص. مثال ذلك: قولُ عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ الحكَمُ ابن عُتَيْبة، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّار، عَنْ صُهَيْبٍ أَبِي الصَّهْبَاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: كنتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَار، فمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ (ص) وَهُوَ يصلِّي؟ قَالَ أَبِي: رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّة، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّار، عَنِ ابْنِ عبَّاس، وَلَمْ يذكُرْ صُهَيْبًا. قلتُ لأَبِي: أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟ قَالَ: هَذَا زَادَ رَجُلا، وَذَاكَ نَقَصَ رَجُلا؛ وَكِلاهُمَا صحيحين (٢) .

стр. 87

وقال أَيْضًا (١) : وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ وُهَيْب (٢) ، عَنْ أَيُّوبَ (٣) ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِير، عَنْ أبي راشد، عن عبد الرحمن بن شِبْل، عن النَّبِيِّ (ص) قال: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ … » ؟. قَالَ أَبِي: رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ زَيْد بْن سَلاَّم، عَنْ أَبِي سَلاَّم، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْراني، عَنْ عبد الرحمن بن شِبْل، عن النَّبِيِّ (ص) ، كِلاهُمَا صحيحٌ؛ غيرَ أنَّ أيوبَ ترَكَ من الإسناد رجلَيْن (٤) . وربَّما صرَّح العلماءُ بهذا السببِ أحيانًا. قال ابن رجب (٥) : «وقال الأثرَمُ أيضًا: قال أبو عبد الله (٦) : ما أحسَنَ حديثَ الكوفيين عن هشامِ بنِ عُرْوة! أسنَدُوا عنه أشياءَ، قال: وما أرى ذاك إلا على النَّشَاط؛ يعني: أنَّ هشامًا يَنْشَطُ تارَةً فيُسْنِد، ثم يُرْسِلُ مَرَّةً أخرى» . وقال مسلم بن الحَجَّاج (٧) : «فإذا كانتِ العِلَّةُ - عند مَنْ وصفنا قولَهُ مِنْ قبلُ - في فسادِ الحديثِ وتوهينِهِ إذا لم يُعْلَمْ أنَّ الراويَ قد سمع ممَّن روى عنه شيئًا: إمكانَ (٨) الإرسالِ فيه؛ لزمه تركُ

стр. 88

الاحتجاج - في قِيادِ قولِهِ - بروايةِ مَنْ يُعْلَمُ أنه قد سَمِعَ ممَّن روى عنه، إلا في نفسِ الخبر الذي فيه ذِكْرُ السماع؛ لِمَا بَيَّنَّا من قبلُ عن الأئمَّةِ الذين نقلوا الأخبار: أنهم كانت لهم تاراتٌ يُرْسِلُون فيها الحديثَ إرسالاً، ولا يَذْكُرون مَنْ سَمِعوه منه، وتاراتٌ يَنْشَطون فيها، فيُسْنِدون الخبر على هيئة ما سَمِعوا، فيُخْبِرون بالنُّزُول فيه إنْ نزلوا، وبالصُّعُود إنْ صَعِدوا» . وقال ابن حِبَّان (١) : «رَفَعَ هذا الخبرَ عن مالك أربعةُ أَنْفُسٍ (٢) : الماجِشُونُ، وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قَتِيلة، وأشهَبُ بنُ عبد العزيز، وأرسله عن مالكٍ سائرُ أَصْحَابه، وهذه كانت عادةً لمالك؛ يَرْفَعُ في الأحايينَ الأخبارَ، ويُوقِفها مرارًا، ويُرْسِلها مَرَّةً، ويُسْنِدها أخرى؛ على حَسَبِ نشاطه؛ فالحكمُ أبدًا لِمَنْ رفَعَ عنه وأسنَدَ، بعد أن يكونَ ثقةً حافظًا متقنًا» . وقال الدارقطني (٣) : «وقد تقدَّم قولنا في أنَّ ابن سيرين - من تَوَقِّيه وتَوَرُّعِه - تَارَةً يصرِّحُ بالرفع، وتارةً يومئ، وتارةً يتوقَّف؛ على حَسَبِ نشاطه في الحال» . وقال في موضع آخر (٤) : «وجميعُ رواة هذا الحديثِ ثقاتٌ، ويُشْبِهُ

стр. 89

أن يكونَ قيسُ بنُ أبي حازم كان يَنْشَطُ في الرواية مَرَّةً فَيُسْنِده، ومَرَّةً يَجْبُنُ عنه فيقفه على أبي بكر» . وقال أبو عُمَرَ بنُ عبد البر (١) : «كان ابن شهابٍ _ح أكثَرَ الناسِ بَحْثًا على هذا الشأن؛ فكان ربَّما اجتمَعَ له في الحديث جماعةٌ، فحدَّثَ به مَرَّةً عنهم، ومَرَّةً عن أحدهم، ومَرَّةً عن بعضهم؛ على قَدْرِ نشاطِهِ في حينِ حديثِهِ، وربَّما أدخَلَ حديثَ بعضهم في حديثِ بعضٍ كما صنَعَ في حديثِ الإِفْكِ وغيره، وربَّما لَحِقَهُ الكَسَلُ فلم يُسْنِده، وربَّما انشرَحَ فوصَلَ وأسنَدَ على حَسَبِ ما تأتي به المذاكرة؛ فلهذا اختلَفَ أَصْحَابُهُ عليه اختلافًا كبيرًا في أحاديثه. ويبيِّن لك ما قلنا: روايتُهُ لحديثِ ذي اليدَيْنِ (٢) ؛ رواه عنه جماعةٌ، فمرةً يذكُرُ فيه واحدًا، ومرةً اثنَيْنِ، ومرةً جماعةً، ومرةً جماعةً غيرها، ومرةً يَصِلُ، ومرة يقطع» . وقال في موضعٍ آخَرَ (٣) - بعد أن ذكَرَ اختلافًا على الإمامِ مالك في وَصْلِ حديثٍ وإرساله -: «وهذا إنما هو مِنْ نشاطِ المحدِّث وكَسَله، أحيانًا يَنْشَطُ فَيُسْنِدُ، وأحيانًا يَكْسَلُ فَيُرْسِلُ، على حَسَبِ المذاكرة» . وقال الحافظ المنذري (٤) : «ويمكنُ أن يقال: إنه تذكَّر السماعَ بعد

стр. 90

ذلك، فصرَّحَ بالتحديث، أو أنَّ الراويَ يَنْشَطُ مرةً فَيُسْنِد، ويَفْتُرُ مرةً فلا يُسْنِد، ويسكُتُ عن ذِكْرِ الشخص مرةً، ويذكُرُهُ أخرى لِمَا يقتضيه الحال» . وقال الرَّشِيد العَطَّار (١) : «وهذا الاختلافُ الذي وقَعَ في إسناد هذا الحديثِ على الزُّهْري لا يؤثِّر في صِحَّته؛ فإنَّ الحديثَ قد يكونُ عند الراوي له عن جماعةٍ مِنْ شيوخه، فيحدِّثُ به تَارَةً عن بعضهم، وتارةً عن جميعهم، وتارةً يُبْهِمُ أسماءَهُمْ، وربَّما أرسلَهُ تارَةً على حَسَبِ نشاطه وكَسَله؛ كما أشار إليه مسلمٌ _ح في مقدِّمة كتابه (٢) ، ومع ذلك فلا يكونُ ما ذكرناه اعتلالاً يقدَحُ في صِحَّةِ الحديث … » إلخ. وذكَرَ الحافظُ ابن حجر (٣) خلافًا في حديث، ثم قال: «وروايةُ الوقف لا تعارضُ روايةَ الرفع؛ لأنَّ الراويَ قد يَنْشَطُ فيُسْنِد، وقد لا ينشط فيقف» . وقال في موضع آخر (٤) : «فتبيَّن صحةُ كلِّ الأقوال؛ فإنَّ الزُّهْري كان يَنْشَطُ تارَةً فيذكُرُ جميعَ شيوخه، وتارةً يقتصرُ على بعضهم» .

стр. 91

٦) التَّصْحِيفُ: وهو تغييرُ العبارة أو الكَلِمة عمَّا كانتْ عليه، إلى أخرى تَشْتَبِهُ معها خَطًّا، أو رَسْمًا، وتختلفُ نطقًا. وهذا قد يقع مِنْ كبار العلماء، فضلاً عن غيرهم، وهو مِنْ صور الوَهَمِ التي يقع فيها الرواةُ الثقات، فاحتاجَ العلماءُ إلى التنبيهِ عليه، فصنَّفوا فيه بعضَ المصنَّفات، ومِنْ أجودها: "تصحيفات المُحَدِّثين" لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت٣٨٢هـ) (١) ، وله أيضًا كتابُ "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" (٢) ، وكتابُ "أخبار المصحِّفين" (٣) ، وصنَّف أبو سليمان حَمْدُ بنُ محمَّد الخَطَّابي (ت٣٨٨هـ) كتابَ "إصلاح خطأ المُحَدِّثين" (٤) ، وللسُّ ِيُوطي (ت٩١١هـ) كتابُ "التَّطْريف، في التصحيف" (٥) ، وغيرها كثير. وأُفْرِدَ التصحيفُ في كُتُبِ علومِ الحديث بنوعٍ مستقلٍّ؛ فلا تكادُ

стр. 92

تَجِدُ مُصَنَّفًا منها إلا وفيه الحديثُ عنه (١) ، وقد تعرَّضَ له الخطيبُ في كتابِ "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" في قُرَابة عشرين صفحةً (٢) ، وذكَرَ فيه أخبارًا عن بعض مَنْ صحَّف، ولكنَّها بحاجةٍ إلى تمحيص. وأكثَرُ ما يقَعُ التصحيفُ في الأسماء، وهذا الذي جعَلَ كثيرًا من أهلِ العلمِ يصنِّفون كتبًا في ضَبْطِ الأسماء، وبيانِ ما يَحْتمِلُ منها اللَّبْسَ والاختلاطَ بغيره، منها: "المؤتَلِفُ والمختَلِفُ" للدارقطني (٣) ، و"مشتَبِهُ النِّسْبة" لعبد الغني بن سعيد الأَزْدي (٤) ، و"تلخيص المتشابه" للخطيب البغدادي (٥) ، و"تالي التلخيص" له أيضًا (٦) ، وجمَعَ ما في هذه المصنَّفاتِ وغيرِهَا الأميرُ أبو نَصْر ابنُ مَاكُولَا في كتابه المشهور

стр. 93

"الإكمال" (١) فأحسَنَ وأجاد، وتتابَعَتْ مصنَّفاتُ الأئمَّة بعده تبعًا لكتابه، ومِنْ أحسنها: "توضيحُ المُشْتَبِه" لابن ناصر الدين الدمشقي (٢) ، و"تبصيرُ المُنْتَبِه" للحافظ ابن حجر (٣) . ومن أمثلة العلل الواقعةِ بسببِ التصحيف: ما وقع لعبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ مِنْ أوهامٍ في أسماء الرجال، مع إمامته؛ بيَّن ذلك أبو زُرْعة الرازي فيما نقله عنه تلميذُهُ البَرْذَعي (٤) حين قال: «شَهِدتُّ أبا زرعة ذكر عبد الرحمن بن مَهْدِي، ومَدَحه، وأطنَبَ في مدحه، وقال: وَهِمَ في غيرِ شيءٍ؛ قال: عن شهاب بن شَرِيفة، وإنما هو: شِهَابُ بنُ شُرْنُفَة. وقال: عن سِمَاك، عن عبد الله بن ظالم، وإنما هو: مالك بن ظالم. وقال: عن هِشَام، عن الحَجَّاج، عن عائد بن بَطَّة، وإنما هو: ابن نَضْلة … وقال: عن قيس بن جُبَيْر، وإنما هو: قيس بن حَبْتَر» . ومن ذلك: قولُ عبدِالله ابنِ الإمام أحمد (٥) : قال أبي - في حَدِيثٍ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) : أنه سُئِلَ عن الماء، وما يَنُوبُهُ من

стр. 94

الدوابِّ -: وقال ابن المبارك: «وما يَثُوبُهُ» ، وصحَّفَ فيه. وقال عبد الله أيضًا (١) : قلت ليحيى (٢) : إنَّ عُبَيْداللهِ القَوَاريريَّ حدَّثنا عن ابن مَهْدي، عن جامع بن مَطَر، عن أبي زَوِيَّة: رأيتُ على أبي سعيد الخُدْريِّ عِمامةً سوداءَ، فقال: أخطَأَ، هذا حدَّثناه غيرُهُ عن جامع بن مَطَر، عن أبي رُؤْبة، وصحَّف عبيد الله، لا يُدْرَى مَنْ أبو زَوِيَّة. وكما أنَّ يحيى بن مَعِين كشَفَ خطَأَ عبيد الله القَوَاريري في هذا الحديثِ، فإنه هو لم يَسْلَمْ من التصحيف: فقد قال عبدُاللهِ ابنُ الإمامِ أحمد (٣) أيضًا: حدَّثني أَبِي؛ قَالَ: حدَّثنا أَبُو قَطَن (٤) ، عَنْ شُعْبة، عَنِ العَوَّام بْنِ مُرَاجم، فقال له يحيى ابن مَعِين: إنما هو: ابن مزاحم، فقال أبو قَطَن: عليه وعليه! أو قال: ثيابُهُ فَيْءُ المساكينِ إنْ لم يكنِ ابنَ مُرَاجِم! فقال يحيى: حدَّثنا به وكيع، وقال: ابنُ مُزَاحِم، فقلتُ أنا: حدَّثنا به وكيع، فقال: ابن مُرَاجِم، فسكَتَ يحيى (٥) .

стр. 95

٧) انْتِقَالُ الْبَصَرِ: وهذا نوعٌ من التصحيف الذي يقع لناسخي المخطوطاتِ كثيرًا إذا كانتْ هناك كلمةٌ أو عبارةٌ متماثلةٌ في سطرين متواليَيْن، أو سطورٍ متقاربة، يَعْرِفُ ذلك مَنْ كان ذا صلةٍ بالمخطوطات. ويقع أحيانًا مِنْ بعضِ الأئمَّة عند النقل من الكُتُبِ التي تكونُ فيها عباراتٌ متماثلة كذلك، ومن أمثلة ذلك: قولُ ابنِ القَطَّان (١) : «وذكَرَ أيضًا (٢) من طريق التِّرْمِذي (٣) ، عن حَكِيم بن حَكِيم؛ قال: كتَبَ عمر بن الخطاب إلى أبي عُبَيْدة: أنَّ رسولَ اللهِ (ص) قال: «اللهُ ورسولُهُ مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى لَهُ، والخالُ وارثُ مَنْ لا وارثَ لَهُ» . كذا وقع هذا الحديثُ في النُّسَخ، وهو خطأ؛ ينقُصُ منه واحدٌ، فإنما يرويه حَكِيم بن حَكِيم، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بن حُنَيْف؛ قال: كتب عمر بن الخطاب … وأخاف أنْ يكون إنما سقَطَ لأبي محمد نفسِهِ؛ بقرينةٍ أذكُرُهَا؛ وذلك أنَّ الحديث هو في الترمذيِّ هكذا: "عن عبد الرحمن بن الحارث، عن حَكِيمِ بنِ حَكِيم ابن عَبَّاد بن حُنَيْف، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بن حُنَيْف؛ قال: كتب عمر بن الخطاب".

стр. 96

هذا نصُّه، فأظُنُّ أنَّ أبا محمَّدٍ ألقى بَصَرَهُ على حَكِيم بْنِ حَكِيمِ بنِ عَبَّادِ بنِ حُنَيْف، فكتبه مقتصرًا مِنْ نَسَبِهِ على أبيه، ثم أعاد بَصَرَهُ، فوقَعَ على حُنَيْفٍ جَدِّ أبي أمامة المتصلِ به «قال (١) : كتَبَ عمر بن الخَطَّاب» .... وقد تحقَّق الظنُّ، وارتفَعَ الاحتمالُ بأنَّه في كتابه الكبير (٢) هكذا - ومِنْ خَطِّه نقلتُ -: "الترمذي؛ قال: حدَّثنا بُنْدَارٌ، وحدَّثنا [أبو] (٣) أحمد الزُّبَيْري؛ حدَّثنا سُفْيان، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن حَكِيم بن حَكِيم ابن عَبَّاد بن حُنَيْف؛ قال: كتَبَ عمر بن الخطاب". فقد تبيَّن أنَّ سقوطَ أَبِي أُمَامَةَ بْن سهل بْن حُنَيْف إنما هو من خطئه، ثم اختصَرَهُ هاهنا على الخطأ» . اهـ. ومِنْ أمثلة انتقالِ البصر أيضًا: ما وقَعَ لابن المُلَقِّن (٤) في تخريج حديث: «الصُّلْحُ جائزٌ بين المُسْلِمِينَ» ، وهو حديثٌ معروفٌ من رواية كَثِير بن زَيْد، عن الوليد بْنِ رَبَاح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فقال ابن المُلَقِّن: «ورواه أحمدُ مِنْ حَدِيثِ سليمانَ بنِ بِلالٍ، عَنْ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هريرة مرفوعًا: «الصُّلْحُ جائزٌ بين المُسْلِمِينَ» ، فهذه طرق

стр. 97

متعاضدة» . اهـ. وتابعه الحافظ ابن حجر (١) . وهذا وَهَمٌ بسببِ انتقالِ البصر؛ لأنَّ الإمامَ أحمد إنما أخرَجَ هذا الحديثَ (٢) من طريقِ سليمانَ بنِ بلال، عَنْ كَثِير بْنِ زَيْد، عَنْ الوليد ابن رَبَاح، عن أبي هريرة، ثم أخرَجَ بعده حديثًا آخَرَ مِنْ طريقِ سليمانَ بنِ بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ (ص) قال: «جُزُّوا الشواربَ، وأَعْفُوا اللِّحَى، وخَالِفُوا المَجُوسَ» ، فانتقَلَ بصَرُ ابنِ المُلَقِّن، فركَّب إسنادَ الحديثِ الثاني على مَتْنِ الحديثِ الأوَّل؛ بسبب روايةِ الإمامِ أحمد للحديثَيْنِ من طريق شيخه الخُزَاعيِّ، عن سليمانَ بنِ بلال. ووقع مثل هذا للشيخ ناصر الدين الألباني (٣) _ح، فاعتذَرَ عن ذلك (٤) بعد أن نُبِّهَ عليه. ٨) التَّفَرُّدُ: وهو مِنْ أَدَقِّ أنواعِ علومِ الحديث، وأصعَبِ أسبابِ العِلَّةِ كَشْفًا؛ ولذا جعلَهُ أهلُ العلم مِنْ أهمِ القرائن التي يُسْتعان بها على إدراك العِلَّة؛ قال ابن الصَّلاح (٥) : «ويُستَعَانُ على إدراكها (٦) بتفرُّدِ الرَّاوي،

стр. 98

وبمخالفةِ غَيْرِهِ له، مَعَ قرائنَ تَنْضَمُّ إلى ذلك» . والدليلُ على دِقَّتِهِ وصعوبتِهِ: كثرةُ اختلافِ الأئمَّةِ في تطبيقِهِ، سواءٌ كان تفرُّدًا مطلقًا، أو مَعَ وجودِ مخالفةٍ. أمَّا مع وجود المخالفة: فالخلافُ بين الأئمَّة فيه أقلُّ من خِلَافهم في التفرُّدِ المطلق، لكنَّه ليس مِنْ مقصودنا هنا، وَيَكْفِينا فيه هذا المثال: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : «وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ عبد الأعلى (٢) ، عَنْ سَعِيدٍ (٣) ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سُلَيْمان اليَشْكُرِي، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) قال: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، ولَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» ؟ قَالَ أَبِي: رَوَاهُ شُعْبة، عَنْ قَتَادة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) . قُلْتُ: أيُّهما أَشْبَهُ؟ قَالَ: سعيدُ بنُ أَبِي عَرُوبَة لحديثِ قتادةَ أحفظُ» . فهذا يعني ترجيحَ أبي حاتم لرواية سعيد بن أبي عَرُوبة على رواية شُعْبة، وخالفَهُ في ذلك البخاريُّ ومسلمٌ، فأخرَجَا الحديثَ في "صحيحيهما" (٤) من طريق شُعْبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ جَابِرٍ، به. وما ذهب إليه البخاريُّ ومسلمٌ هو الصوابُ؛ بدليلِ أنهما أخرجاه أيضًا مِنْ طُرُقٍ - غَيْرِ طريقِ قَتَادَةَ - عَنْ سالمِ بنِ أَبِي

стр. 99

الجَعْد؛ وهذا يؤكِّد أنَّ الحديثَ حديثُ سالم. وقد يخفى التفرُّد مع المخالفة على الإمامِ وإنْ كان كبيرًا؛ مثلُ الحديثِ الذي رواه عبد الله ابن نُمَيْر، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْد، عَنْ سَعْد؛ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ (ص) : «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً (١) ؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» . وخالفَهُ أبو أسامةَ حمَّادُ بنُ أسامة، فرواه عَنْ هاشمِ بنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْد، عَنْ أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ (ص) . وسُئِل الإمامُ الدارقُطْنِيُّ (٢) عن هذا الحديث؟ فقال: «يرويه هاشم بنُ هاشم، واختُلِفَ عنه: فرواه أبو أسامة، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، وخالفه ابن نُمَيْر، فرواه عن هَاشِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، عن أبيها، وكلاهما ثِقَةٌ، ولعلَّ هاشمًا سمعه منهما، والله أعلم» . فجوابُ الدارقطنيِّ هذا يَدُلُّ على أنه خَفِيَ عليه تفرُّدُ ابن نمير بهذا الوجه، وأنَّ أبا أسامة قد تُوبِعَ مِنْ عدد مِنَ الرواة؛ ولذا كان جوابُ

стр. 100

أبي زرعة أَسَدَّ منه، فقد سأله ابن أبي حاتم (١) عن رواية عبد الله بن نمير هذه؟ فقال: «هَكَذَا قَالَ ابْنُ نُمَيْر! وَقَالَ مَرْوانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو ضَمْرَةَ (٢) : عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن أبيه، عن النَّبيّ (ص) ؛ وهو الصحيحُ» . والحديثُ على هذا الوجه الذي رجَّحه أبو زُرْعة أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحيهما" (٣) مِنْ بعضِ هذه الطرقِ وغَيْرِها. وأما التفرُّدُ المُطْلَقُ: فهو الذي يكثُرُ اختلافُهُمْ فيه: ومِنْ أمثلةِ ذلك: ما أخرجَهُ الشيخان (٤) ، مِنْ حديثِ عمرو بن عاصم؛ حدَّثنا هَمَّام، عن إسحاق بن عبد الله بْنِ أَبِي طَلْحة، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ (ص) فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عليَّ، قال: وحضَرَتِ الصلاةُ، فصلَّى مع رسولِ الله (ص) ، فلمَّا قضى الصلاةَ، قَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فأَقِمْ فيَّ كتابَ الله؛ قال: «هل حَضَرْتَ الصلاةَ مَعَنَا؟» ، قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: «قَدْ غُفِرَ لك» . فهذا الحديثُ صحَّحه البخاريُّ ومسلم كما سبق، وخالفهما

стр. 101

أبو حاتم الرازيُّ والبَرْدِيجيُّ: أما أبو حاتم: فحكَى عنه ابنُهُ عبد الرحمن (١) أنه قال: «هَذَا حديثٌ باطلٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ» . وأما البَرْدِيجيُّ: فنقَلَ عنه ابنُ رجب (٢) أنه قال: «هذا عندي حديثٌ مُنْكَرٌ، وهو عندي وَهَمٌ من عمرو بن عاصم» . قال ابن رجب (٣) - عَقِبَ ذكره لكلامِ أبي حاتمٍ والبَرْدِيجي -: «وهذا الحديثُ مُخَرَّجٌ في الصحيحَيْنِ مِنْ هذا الوجه، وخرَّج مسلم (٤) معناه أيضًا مِنْ حديثِ أبي أمامة، عن النَّبِيِّ (ص) ؛ فهذا شاهدٌ لحديثِ أنس. ولعلَّ أبا حاتمٍ والبَرْدِيجيَّ إنما أنكرا الحديثَ؛ لأنَّ عمرو بن عاصمٍ ليس هو عندهما في مَحَلِّ مَنْ يُحْتَمَلُ تفرُّدُهُ بمثلِ هذا الإسناد، والله أعلم» . ثم نقَلَ ابنُ رجب (٥) ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيد القَطَّان والإمامِ أحمد بعضَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على مِثْلِ ما ذهب إليه أبو حاتم والبَرْدِيجيُّ، وقال: «وهذا الكلامُ يَدُلُّ على أنَّ النَّكَارة عند يحيى القطان لا تزولُ

стр. 102

إلا بمعرفة الحديثِ مِنْ وجه آخر، وكلامُ الإمامِ أحمد قريبٌ من ذلك … وأمَّا تصرُّف الشيخين والأكثرين فيدُلُّ على خلاف هذا، وأنَّ ما رواه الثقةُ عن الثقة إلى منتهاه، وليس له عِلَّةٌ، فليس بمنكر» . وفي هذا دَلَالةٌ على أنَّ الحديثَ الذي يتفرَّدُ به راوٍ من الرواة الذين لا يُحْتَمَلُ تفرُّدُهُمْ مطلقًا، أو في ذلك الحديثِ بعينِهِ، يُعَدُّ حديثًا منكرًا. وليس للحديثِ المنكَرِ تعريفٌ متفقٌ عليه بين الأئمَّة المتقدِّمين؛ ولذا يقولُ الحافظ ابن رجب (١) : «ولم أقفْ لأحدٍ من المتقدِّمين على حدِّ المُنْكَرِ من الحديثِ وتعريفِهِ، إلا على ما ذكره أبو بَكْرٍ البَرْدِيجي الحافظ - وكان من أعيان الحفاظِ المبرِّزين في العلل -: أنَّ المنكر: هو الذي يحدِّث به الرجلُ عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يُعْرَفُ ذلك الحديثُ - وهو مَتْنُ الحديث - إلا مِنْ طريقِ الذي رواه؛ فيكونُ منكرًا. ذكَرَ هذا الكلامَ في سياقِ ما إذا انفرَدَ شُعْبة، أو سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، أو هشامٌ الدَّسْتَوائي؛ بحديثٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) . وهذا كالتصريحِ بأنَّ كُلَّ ما ينفردُ به ثقةٌ عن ثقة، ولا يُعْرَفُ المتنُ مِنْ غيرِ ذلك الطريق، فهو مُنْكَرٌ؛ كما قاله الإمامُ أحمد في حديثِ عبد الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبيّ (ص) : في النَّهْيِ عن

стр. 103

بيعِ الوَلَاء وهِبَته.... قال البَرْدِيجي بعد ذلك: فأمَّا أحاديثُ قتادة التي يرويها الشيوخ؛ مثلُ حَمَّادِ بنِ سَلَمة، وهَمَّامٍ، وأَبَانَ، والأوزاعيِّ؛ ننظُرُ في الحديث: فإنْ كان الحديثُ يُحْفَظُ مِنْ غيرِ طريقهم عن النَّبيّ (ص) ، أو عن أنسِ بنِ مالك من وجه آخر؛ لم يُدْفَعْ، وإنْ كان لا يُعْرَفُ عن أحد، عن النَّبيّ (ص) ، ولا مِنْ طريقٍ عن أنس، إلا مِنْ روايةِ هذا الذي ذكَرْتُ لك؛ كان منكرًا. وقال أيضًا: إذا روى الثقةُ من طريقٍ صحيحٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبيّ (ص) حديثًا لا يصابُ إلا عند الرجلِ الواحد؛ لم يَضُرَّهُ ألاَّ يرويَهُ غيرُهُ إذا كان متنُ الحديثِ معروفًا، ولا يكونُ منكرًا ولا معلولاً» . اهـ. ولمسلم بن الحجَّاج كلامٌ في مقدمة "صحيحه" (١) يبيِّن مراده بالحديث المنكر يحسُنُ إيراده هنا: قال _ح: «وعلامةُ المُنْكَرِ في حديث المحدِّث: إذا ما عَرَضْتَ روايتَهُ للحديث على روايةِ غيره مِنْ أهلِ الحفظ والرِّضَا خالَفَتْ روايتُهُ روايتَهُمْ، أو لم تَكَدْ توافقها، فإذا كان الأغلبُ من حديثِهِ كذلك؛ كان مهجورَ الحديثِ غيرَ مقبولِهِ، ولا مُسْتَعْمَلِهِ، فمِنْ هذا الضَّرْبِ من المحدِّثين: عبدُاللهِ بنُ مُحَرَّرٍ، ويحيى بنُ أبي أُنَيْسة، والجَرَّاحُ بنُ

стр. 104

المِنْهَال أبو العَطُوف، وعبَّادُ بنُ كَثِير، وحُسَيْنُ بنُ عبد الله ابنِ ضُمَيْرة، وعمرُ بنُ صُهْبان، ومَنْ نحا نَحْوَهُمْ في رواية المنكر من الحديثِ، فلَسْنا نُعَرِّجُ على حديثهم، ولا نتشاغَلُ به؛ لأنَّ حُكْمَ أهلِ العلم، والذي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبهم في قَبُولِ ما يتفرَّدُ به المحدِّثُ من الحديثِ: أنْ يكونَ قد شارَكَ الثقاتِ مِنْ أهل العلم والحفظِ في بعض ما رَوَوْا، وأَمْعَنَ في ذلك على الموافقةِ لهم، فإذا وُجِدَ كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أَصْحَابه؛ قبلتْ زيادَتُهُ، فأمَّا مَنْ تراه يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ في جلالتِهِ، وكثرةِ أَصْحَابِهِ الحفاظِ المتقنين لحديثه وحديثِ غيره، أو لِمِثْلِ هشامِ بن عُرْوة - وحديثُهُمَا عند أهلِ العلمِ مبسوطٌ مشترَكٌ، قد نقَلَ أَصْحَابُهُما عنهما حديثَهُمَا على الاتفاقِ منهم في أكثره - فَيَرْوِي عنهما، أو عن أَحَدِهما، العَدَدَ مِنَ الحديثِ ممَّا لا يعرفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابهما، وليس مِمَّنْ قد شاركَهُمْ في الصحيحِ مما عندهم، فغَيْرُ جائزٍ قبولُ حديثِ هذا الضَّرْبِ من الناس، والله أعلم» . اهـ. وقد حكى ابنُ رَجَب (١) كلامَ مسلمٍ هذا، ثم علَّق عليه بقوله: «فصرَّح بأنَّ الثقةَ إذا أمعَنَ في موافقةِ الثقات في حديثهم، ثم تفرَّد عنهم بحديث؛ قُبِلَ ما تفرَّد به، وحكاه عن أهلِ العلم. وقد ذكرنا فيما تقدَّم (٢) قولَ الشافعيِّ في الشاذِّ، وأنه قال: ليس الشَّاذُّ

стр. 105

من الحديثِ أنْ يروي الثقةُ مِنَ الحديثِ ما لا يروي غيره، إنما الشَّاذُّ أن يروي الثقةُ حديثًا يخالفُ الناسَ، وكذا قال أبو بَكْرٍ الأثرمُ. وحكى أبو يَعْلَى الخَلِيلي (١) هذا القولَ عن الشافعيِّ وجماعةٍ من أهلِ الحجاز، ثم قال: الذي عليه حُفَّاظُ الحديث: أنَّ الشاذَّ ما ليس له إلا إسنادٌ واحد، يَشِذُّ بذلك شيخٌ؛ ثقةً كان أو غَيْرَ ثقة، فما كان عن غَيْرِ ثقة فمتروكٌ لا يُقْبَلُ، وما كان عن ثقة، يُتَوَقَّفُ فيه، ولا يُحْتَجُّ به. وكذلك ذكَرَ الحاكمُ: أنَّ الشَّاذَّ هو الحديثُ الذي ينفردُ به ثقةٌ من الثقات، وليس له أصلٌ متابِعٌ لذلك الثقةِ، ولم يُوقَفْ له على عِلَّة. ولكنَّ كلامَ الخَلِيلي: في تفرُّد الشيوخِ، والشيوخُ في اصطلاحِ أهل هذا العلم: عبارةٌ عمَّن دون الأئمَّةِ والحفاظ، وقد يكونُ فيهم الثقةُ وغيره، فأمَّا ما انفرَدَ به الأئمَّةُ والحفاظُ فقد سمَّاه الخليلي: فَرْدًا، وذكَرَ أنَّ أفرادَ الحفاظِ المشهورين الثقاتِ، أو أفرادَ إمامٍ عن الحفاظ والأئمَّة صحيحٌ متفَقٌ عليه، ومثَّله بحديثِ مالكٍ في المِغْفَرِ (٢) . فتلخَّص مِنْ هذا: أنَّ النكارةَ لا تزولُ عند يحيى القَطَّانِ، والإمامِ أحمد، والبَرْدِيجي، وغَيْرِهِمْ من المتقدِّمين إلا بالمتابعةِ، وكذلك الشذوذُ كما حكاه الحاكم.

стр. 106

وأمَّا الشافعيُّ وغيره: فيرَوْنَ أنَّ ما تَفَرَّدَ به ثقةٌ مقبولُ الروايةِ ولم يخالفْهُ غيرُهُ، فليس بشاذٍّ، وتصرُّفُ الشيخَيْنِ يدُلُّ على مثل هذا المعنى. وفرَّقَ الخليليُّ بين ما ينفردُ به شيخٌ من الشيوخِ الثقاتِ، وما ينفرِدُ به إمامٌ أو حافظٌ: فما انفرَدَ به إمامٌ أو حافظٌ؛ قُبِلَ واحتُجَّ به، بخلافِ ما تفرَّد به شيخٌ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حُفَّاظ الحديث، والله أعلم» . اهـ كلام ابن رجب. والإعلالُ بالتفرُّدِ كثيرٌ عند أهلِ العلمِ بالحديث؛ ولذا نَجِدُ البخاريَّ، والعُقَيْليَّ، وابنَ عَدِيٍّ كثيرًا ما يُعِلُّونَ الحديثَ بقولهم: «لا يتابَعُ عليه» (١) . وأكثَرُ ما يُعِلُّونَ بالتفرُّد: إذا تفرَّد خفيفُ الضبط عن إمامٍ مُكْثِرٍ ممَّن يَحْرِصُ أهلُ العلم على جمعِ حديثه وروايتِهِ؛ كالزُّهْري، وقتادة، والأعمش، والثَّوْري، وشُعْبة، ومالك، ونحوهم، أو تفرَّدَ بحديثٍ من أحاديثِ الأحكامِ التي يَحْرِصُ أهلُ العلم على روايتها: مثال ذلك: قولُ عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) : «وسألتُ أبي عن

стр. 107

حديثِ أَوْسِ بنِ ضَمْعَج، عَنْ أبي مسعود، عن النَّبيّ (ص) ؟ فَقَالَ: قد اختَلَفُوا فِي متنه؛ رَوَاهُ فِطْرٌ، وَالأَعْمَشُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن رجاء، عن أوس ابن ضَمْعَج، عَنْ أَبِي مَسْعُود، عَنِ النَّبِيِّ (ص) ؛ قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً؛ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» . وَرَوَاهُ شُعْبة، والمَسْعودي، عن إسماعيلَ ابنِ رَجَاء، لَمْ يَقُولُوا: «أَعْلَمُهُمْ بالسُّنَّة» . قَالَ أَبِي: كَانَ شُعْبة يَقُولُ: إسماعيلُ بنُ رَجَاء كأنَّه شَيْطَانٌ؛ مِنْ حُسْنِ حَدِيثِهِ، وَكَانَ يهابُ هَذَا الحديثَ؛ يقولُ: حُكْمٌ مِنَ الأحكامِ عن رسول الله (ص) لَمْ يشاركْهُ أحدٌ (١) . قَالَ أَبِي: شُعْبةُ أحفظُ مِنْ كُلِّهم. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَلَيْسَ قَدْ رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَج؟ قَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ الحسَنُ بْنُ يَزِيد الأَصَمُّ، عَنِ السُّدِّيِّ، وَهُوَ شَيْخٌ، أَيْنَ كَانَ الثَّوْري وشُعْبة عن هذا الحديث؟! وأخافُ ألاَّ يكونَ محفوظًا» (٢) .

стр. 108

٩) التَّدْلِيسُ: وهو إخفاءُ عَيْبٍ في الإسناد، وإيهامُ الناظِرِ فيه بِخُلُوِّ ذلك الإسنادِ من العَيْب (١) . والتدليسُ عند أهلِ الحديثِ قسمان: ١ - تدليسُ إسناد. ٢ - وتدليسُ شيوخ. يقول الحافظ ابن حجر (٢) : «والتدليسُ تارَةً في الإسناد، وتارَةً في الشيوخ. فالذي في الإسناد: أنْ يَرْوِيَ عمَّن لقيه شيئًا لم يَسْمَعه منه؛ بصيغةٍ مُحْتَمِلة، ويَلْتَحِقُ به مَنْ رآه ولم يجالسه. ويَلْتَحِقُ بتدليسِ الإسناد: تدليسُ القَطْع، وهو: أن يَحْذِفَ الصيغةَ ويَقْتَصِرَ على قولِهِ مثلاً: الزُّهْري، عن أنس. وتدليسُ العَطْف، وهو: أن يُصَرِّحَ بالتحديثِ في شيخٍ له، ويَعْطِفَ عليه شيخًا آخَرَ له، ولا يكون سَمِعَ ذلك من الثاني. وتدليسُ التسوية، وهو: أن يصنَعَ ذلك لشيخِهِ، فإنِ اطُّلِعَ على أنه

стр. 109

دلَّسه حُكِمَ به، وإنْ لم يُطَّلَعْ طَرَقَهُ الاحتمالُ، فَيُقْبَلُ من الثقةِ ما صرَّحَ فيه بالتحديثِ، ويُتَوَقَّفُ عمَّا عداه.... وأما تدليسُ الشيوخ، فهو: أنْ يَصِفَ شيخَهُ بما لا يَشْتَهِرُ به؛ من اسمٍ، أو لَقَبٍ، أو كُنْيةٍ، أو نِسْبةٍ، إيهامًا للتكثيرِ غالبًا، وقد يفعلُ ذلك لِضَعْفِ شيخه، وهو خيانةٌ ممَّن تعمَّده (١) ، كما إذا وقَعَ ذلك في تدليسِ الإسنادِ، واللهُ المُسْتَعَان» . اهـ. وقال مسلمُ بن الحجَّاج (٢) : «وإنما كان تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ منهم سماعَ رواةِ الحديثِ ممَّن روَى عنهم: إذا كان الراوي ممَّن عُرِفَ بالتدليس في الحديثِ، وشُهِرَ به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقَّدون ذلك منه؛ كي تَنْزَاحَ عنهم عِلَّةُ التدليس» . اهـ. وللجهابذةِ النُّقَّادِ مِنْ علماءِ الحديثِ معرفةٌ ثاقبةٌ بطرائقِ الرُّوَاةِ في التدليسِ؛ فإنْ كان الراوي الذي دَلَّسَ مُتَكَلَّمًا فيه، أو روايتُهُ مُضَعَّفَةٌ بأمرٍ آخَرَ، فالأَمْرُ هَيِّنٌ، وإنْ كان ثقةً استوجَبَ ذلك منهم مزيدَ بحثٍ؛ حتى لا يَغْتَرَّ الناظرُ في الإسنادِ بظاهره، فَيَحْكُمَ بِصِحَّته، كما أنه ليس كلُّ عنعنة مِنْ راوٍ وُصِفَ بالتدليس تُرَدُّ (٣) ؛ لأنه يترتَّب على ذلك رَدُّ

стр. 110

كثير من السنن الصحيحة، وهذا يُشْعِرُ بصعوبةِ الحكمِ على الحديث بالصحَّة، كما يُشْعِرُ بصعوبةِ الإعلال بالتدليس. والذي يُهِمُّنَا هنا هو أنَّ الرواةَ الثقاتِ قد يقع منهم التدليسُ، فَيُحْتاجُ إلى جِهْبِذٍ يَكْشِفُهُ لِتَظْهَرَ عِلَّةُ الإسناد؛ ومِنْ هنا نعلمُ أنَّ مِنْ أسبابِ وجودِ العِلَّةِ: وقوعَ التدليس. فمن أمثلة ذلك: قولُ عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : وسمعتُ أَبِي وذكَرَ الحديثَ الَّذِي رَوَاهُ إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَهْ، عَنْ بَقِيَّة (٢) ؛ قَالَ: حدَّثني أَبُو وَهْب الأَسَدِي؛ قَالَ: حدَّثنا نَافِعٌ، عَنِ ابْنَ عُمَرَ؛ قَالَ: لا تَحْمَدُوا إسلامَ امْرِئٍ حَتَّى تَعْرِفُوا عُقْدَةَ رَأْيِهِ. قَالَ أَبِي: هَذَا الحديثُ لَهُ عِلَّةٌ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهَا؛ روَى هذا الحديثَ عبيدُاللهِ بنُ عَمْرٍو، عَنْ إسحاقَ بنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عمر، عن النَّبِيِّ (ص) ، وعبيدُاللهِ بنُ عَمْرٍو كنيتُهُ: أَبُو وَهْبٍ، وَهُوَ أَسَدِيٌّ؛ فكأنَّ بَقِيَّةَ بنَ الوليد كَنَى عبيدَاللهِ بنَ عَمْرٍو، ونسَبَهُ إِلَى بَنِي أَسَد؛ لِكَيْلا يُفْطَنَ بِهِ، حَتَّى إِذَا ترَكَ إسحاقَ بنَ أَبِي فَرْوَة مِنَ الوسَطِ لا يُهْتَدَى لَهُ، وَكَانَ بَقِيَّةُ مِنْ أفعَلِ الناسِ لِهَذَا، وأمَّا ما قَالَ إسحاقُ فِي روايتِهِ عَنْ بَقِيَّة، عَنْ أَبِي وَهْب: «حدَّثنا نَافِع» ، فهو وَهَمٌ، غيرَ أنَّ وجهه عندي:
следующие страницы →