الرازي قال: سمعتُ عَليّ بْن الْحُسَيْن بْن الجُنَيْد يقول: سمعتُ يَحْيَى بْنَ مَعِين يَقُولُ: إنا لَنَطْعَنُ على أقوامٍ لعلَّهم قد حَطُّوا رِحالَهُمْ في الجنة منذ أكثَرَ من مِئَتَيْ سَنَةٍ (١) .
قال ابن مَهْرُوْيَهْ: فدخلتُ على عبد الرحمن ابن أبي حاتم، وهو يَقْرَأُ على الناس كتابَ "الجَرْحِ والتعديل"، فحدَّثْتُهُ بهذه الحكايةِ، فَبَكَى، وارتعَدَتْ يداه حتَّى سقَطَ الكتابُ مِنْ يده، وجعَلَ يبكي ويَسْتَعِيدني الحكايةَ، ولم يَقْرَأْ في ذلك المجلسِ شيئًا، أو كما قال.
وقال محمد بن الفضل العَبَّاسي (٢) : «كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ وهو ذا يَقْرَأُ علينا "كتابَ الجَرْحِ والتعديل"، فدخَلَ عليه يوسفُ بنُ الحُسَيْن الرازي، فقال له: يا أبا محمَّد، ما هذا الذي تَقْرَؤُهُ على الناس؟ قال: كتابُ صَنَّفْتُهُ في الجَرْحِ والتعديل، فقال: وما الجَرْحُ والتعديل؟ فقال: أُظْهِرُ أحوالَ أهلِ العلم، مَنْ كان منهم ثِقَةً أو غيرَ ثقة، فقال له يوسف بن الحُسَيْن: استَحَيْتُ لك يا أبا محمد، كم مِنْ هؤلاءِ القومِ قد حَطُّوا رواحلهم في الجَنَّة منذ مِئَةِ سنةٍ، ومِئَتَيْ سنةٍ، وأنت تَذْكُرُهُمْ وتغتابهم على أَدِيمِ الأرضِ؟ فبكى عبد الرحمن، وقال: يا أبا يعقوبَ، لو سَمِعْتُ هذه الكلمةَ قبل تَصْنيفي هذا الكتابَ، لَمَا صَنَّفْتُهُ» .
стр. 247
وذكَرَ الذَّهَبي (١) هذه الحكايةَ من طريقِ أبي سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوَهَّاب الرازي، ثم قال مُبَيِّنًا: «قلتُ: أصابَهُ على طريق الوَجَلِ وخَوْفِ العاقبة، وإلا فكلامُ الناقدِ الوَرِعِ في الضعفاءِ مِنَ النُّصْحِ لِدِينِ الله، والذَّبِّ عن السُّنَّة» .
وروى ابن عساكر (٢) أنَّ عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: «دخلْتُ دِمَشْقَ على كَتَبَةِ الحديثِ، فمررْتُ بِحَلْقة قاسمٍ الجُوعِيِّ، فرأيتُ نفرًا جلوسًا حوله وهو يتكلَّم عليهم، فهالني مَنْظَرُهُمْ، فتقدَّمْتُ إليهم، فسمعتُهُ يقول: اغتَنِمُوا مِنْ أهلِ زمانكم خَمْسًا، منها: إنْ حَضَرْتُمْ لم تُعْرَفُوا، وإنْ غِبْتُمْ لم تُفْقَدُوا، وإنْ شَهِدتُّمْ لم تُشَاوَرُوا، وإنْ قلتم شيئًا لم يُقْبَلْ قولُكُمْ، وإنْ عَمِلْتُمْ شيئًا لم تُعْطَوْا به. وأوصيكُمْ بخمسٍ أيضًا: إنْ ظُلِمْتُمْ لم تَظْلِموا، وإنْ مُدِحْتُمْ لم تَفْرَحُوا، وإنْ ذُمِمْتُمْ لم تَجْزَعوا، وإنْ كُذِّبْتُمْ فلا تَغْضَبُوا، وإنْ خانوكم فلا تَخُونوا. قال: فجعلْتُ هذا فائدتي من دِمَشْقَ» .
وقال ابن كَثِير (٣) : «وكان مِنَ العبادةِ والزَّهَادة والوَرَعِ والحِفْظِ والكَرَاماتِ الكثيرةِ المَشْهورة على جانبٍ كبيرٍ _ح، وقد صلَّى مَرَّةً، فلمَّا سلَّم قال له رَجُلٌ مِنْ بعضِ مَنْ صلَّى معه: لقد أَطَلْتَ بنا، ولقد سَبَّحْتُ في سجودِي سبعينَ مَرَّةً! فقال عبد الرحمن: لكنِّي واللهِ
стр. 248
ما سَبَّحْتُ إلا ثلاثًا. اهـ.
وقال عليُّ بنُ إبراهيم (١) : دخلنا يومًا على عبد الرحمن بِغَلَسٍ قبل صلاةِ الفَجْرِ في مَرَضِهِ الذي توفِّي فيه، وكان على الفراشِ قائمًا يصلِّي، وكنا جماعةً وأبو الحُسَيْنِ الدَّرَسْتِينِيُّ في الجماعة، فركَعَ فأطالَ الركوع، فقال أبو الحُسَيْن: هو على العادةِ التي كان يستعملها في صِحَّته.
وقال عليُّ بن إبراهيم أيضًا (٢) : سمعتُ أحمَدَ بنَ محمَّد بْنِ عمر الرازي- بعد وفاةِ عبد الرحمن بن أبي حاتم، والناسُ مجتمعون للتعزية (٣) ، والمسجدُ غاصٌّ بأهله - قام فقرأ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ *﴾ [المؤمنون] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ *﴾ ، فَضَجَّ المسجدُ بالبكاءِ والنَّحِيب، وقالوا: نرجو أنْ يكونَ عبدُالرحمنِ مِنْ أهلِ هذه الآيات؛ فإنَّ هذه الخصالَ كانتْ كلُّها فيه.
مِحْنَتُهُ:
ذكَرَ الإمامُ الحافظُ قَوَّامُ السُّنَّة الأصبهانيُّ (٤) محنةً وقعَتْ لعبد الرحمن بن أبي حاتم؛ حين تعرَّض للقتل عدةَ مراتٍ من بعض
стр. 249
المخالفين له في المعتَقَدِ، لكنْ لم نَجِدْ لهذه المِحْنة ذِكْرًا عند غير قَوَّامِ السنة، وفيها شيء من الغَرَابة؛ ومن ذلك: ما ذُكِرَ أنَّ ابن أبي حاتمٍ قال: إنها أعجَبُ من محنةِ الإمامِ أحمد، مع أنها ليستْ شيئًا في مقابلِ محنة الإمامِ أحمد؛ فلذلك أعرضنا عن ذكرها.
عَدْلُهُ وإنصافُهُ وتواضُعُهُ:
عُرِفَ عن ابن أبي حاتم _ح اتصافُهُ بالزهد والصلاح كما تقدَّم.
لكنْ قد يَزْهَدُ الإنسانُ في المال، ومَلَذَّاتِ الدنيا الظاهرة، وتَضْعُفُ نفسُهُ عن الشهواتِ الخفيَّة.
أمَّا ابنُ أبي حاتمٍ فقد حَفِظَ لنا التاريخُ بعضًا مِنْ سِيرَتِهِ التي تَدُلُّ على كَسْره لشهوةِ نَفْسه الخفيَّة؛ مما يَدُلُّ على اتصافِهِ بزُهْدِ الباطنِ كما اتصَفَ بزهدِ الظاهر.
فبِرَغْمِ ما عُرِفَ عن أبيه وأبي زُرْعة من إمامتهما في علم الحديث، مما يُعَدُّ فخرًا لابن أبي حاتم، إلا أننا نَجِدُهُ يَغْلِبُ نَفْسَهُ ويُنْصِفُ؛ فيذكُرُ مَنْ كان يفوقهما مِنْ أقرانهما؛ فيما يرى؛ فقد روى ابنُ عساكر (١) عن أبي عبد الله الحاكمِ الحافظ؛ قال: سمعتُ أبا عليِّ بنَ عَبْدُوْيَه الوَرَّاق بالرَّيِّ يقولُ: سمعتُ عبدَالرحمنِ بنَ أبي حاتم يقول: كان ابنُ وَارَةَ (٢) إذا اجتمَعَ مع أبي وأبي زُرْعة تقدَّمهم؛ لأنه
стр. 250
كان أسنَّهُمْ وأسندَهُمْ.
فلم تَمْنَعِ ابنَ أبي حاتمٍ مكانةُ أبيه وأبي زُرْعة عنده مِنْ أن يذكُرَ تَقدُّمَ ابنِ وَارَةَ عليهما.
وقد تجاوَزَ عبدُالرحمن ذلك ففضَّلَ قرينَهُ على نَفْسِهِ؛ فقد أورَدَ الذَّهَبي (١) عن أحمدَ بنِ عبد الله المعدّل؛ قال: سمعتُ عبد الله بن خالد الأَصْبَهانيَّ يقول: سئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن ابنِ خُزَيْمة؟ فقال: وَيْحَكُم! هو يُسْأَلُ عنا، ولا نُسْأَلُ عنه، هو إمامٌ يُقْتَدَى به.
ويظهر تواضُعُه في أنه كان يروي عمَّن هو أصغَرُ منه، مِثْلُ: أبي الفَضْلِ يعقوبَ بنِ إسحاق الهَرَوِيِّ، الحافظ، روى عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم بالإجازةِ، وهو أكبَرُ منه (٢) .
مصنَّفاته:
تمكَّن عبد الرحمن بن أبي حاتم - مِنْ خلالِ ملازمتِهِ لأبيه ولأبي زُرْعة، وكَثْرَةِ رِحْلاتِهِ العِلْميَّةِ وسَعَةِ اطلاعِهِ ورواياتِهِ - مِنْ جَمْعِ مادةٍ علميةٍ دَفَعَتْهُ إلى كثرةِ التصنيفِ الذي أشار إليه يحيى بنُ مَنْدَهْ بقولِه (٣) : «صنَّفَ ابنُ أبي حاتم المُسْنَدَ في ألفِ جُزْءٍ، وكتابَ الزُّهْد، وكتابَ الكُنَى، وكتابَ الفوائدِ الكبيرَ، وفوائدَ أهلِ الرَّيِّ، وكتابَ تقدمةِ
стр. 251
الجرحِ والتعديلِ» ، وأشار إليه أبو يعلى الخَلِيليُّ بقولِه (١) : «وله مِنَ التصانيفِ ما هو أشهَرُ من أن يُوصَفَ؛ في الفقهِ، والتواريخِ، واختلافِ الصحابةِ والتابعينَ وعلماءِ الأمصارِ … » .
وقد حكى ابن نُقْطة (٢) ، عن الخَلِيلي: أنَّ جَدَّهُ كان مع إسماعيل ابن محمَّد بن أبي حَرْب الْمَرَنْدي في الرِّحْلة حين ارتحَلَ إلى ابن أبي حاتم، وأنه كتَبَ عن ابن أبي حاتم أكثَرَ من خَمْسِ مِئَةِ جُزْءٍ.
ولكثرةِ مصنَّفاته كان لها فِهْرِسٌ كبير؛ قال القَزْوِيني (٣) : «وجمَعَ وصنَّفَ الكثيرَ حتَّى وقَعَتْ ترجمةُ مصنَّفاتِهِ الكبارِ والصغارِ في أوراق!» ، وقد ذكَرَ (٤) أنه رأى هذا الفِهْرِسَ؛ قال عند ذِكْرِ من صنَّف في فضائل قَزْوِين: «وقد ألَّف وجمَعَ فيها الإمامُ المشهور عبد الرحمن بن أبي حاتم، رأيتُ فِهْرِسْتَ كُتُبِهِ التي وقَفَهَا وتصدَّق بها. في جملةِ ما سمَّاها من مصنَّفاته الصغيرةِ والكبيرةِ: وجُزْء في فضائلِ قَزْوِين» .
ولا شَكَّ في أنَّ مصنَّفَاتِهِ تربو على ما ذكَرَهُ ابنُ مَنْدَهْ وغيره، وإليك ذكرَ ما تَمَّ الظَّفَرُ به منها:
آدابُ الشافعيِّ ومناقبُهُ. مطبوعٌ.
стр. 252
أصلُ السُّنَّةِ، واعتقادُ الدين (١) .
بيانُ خَطَأ أبي عبد الله محمَّد بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ فِي "تاريخه". مطبوع.
التفسيرُ، وقد طُبِعَ ما وُجِدَ منه.
تقدمةُ الجَرْحِ والتعديلِ. مطبوع (٢) .
ثوابُ الأعمال (٣) .
الجرحُ والتعديلُ. مطبوع.
стр. 253
جُزْءٌ مِنْ حديثِ أبي محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي (١) .
الجِهَادُ؛ ذكَرَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلَلِ" (٢) ، فقال: «فنظَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْتُ عن يونس بن عبد الأَعْلَى في "كتاب الجهاد"» . اهـ. ويَبْقَى النظر بعد ذلك: هل هذا مصنَّفٌ مستقلٌّ بهذا العنوان، أو يَعْنِي به أَصْلَ كتابِهِ عن شيوخِهِ؟
حديث (٣) .
الرَّدُّ على الجَهْمية (٤) .
زُهْدُ الثمانيةِ من التابعين (٥) ، وهم: عامرُ بنُ عبد الله، وأُوَيْسٌ القَرَنِيُّ، وهَرِمُ بن حَيَّان، والربيعُ بن خُثَيْم، وأبو مسلم الخَوْلَاني،
فوائدُ العِرَاقيين (١) .
الفوائدُ الكبيرُ (٢) .
كِتَابُ الْعِلَلِ، وهو كتابُنَا هذا، وسيأتي الحديثُ عنه مفصَّلاً (٣) .
الكُنَى (٤) .
المراسيلُ. مطبوع.
المُسْنَدُ (٥) .
مناقبُ أحمد (٦) .
رواياتُهُ للكتب:
وهناك كُتُبٌ مِنْ رواية ابن أبي حاتم عن مصنِّفيها، منها:
١) حديثُ الحَسَن بن عَرَفة (٧) .
٢) كتابُ «التفسير» لأبي سَعِيد عبد الله بن سَعِيد الأَشَجِّ الكِنْدي (٨) .
стр. 256
٣) كتاب «المُسْنَد» لوكيع بن الجَرَّاح (١) .
وَقْفُهُ كُتُبَهُ على المسلمين:
تقدَّم أنَّ عبد الرحمن أطالَ ملازمةَ أبيه وأبي زُرْعة، وأصبَحَ راويتهما؛ ولذا رَأَى أنَّ ما في كتبهما مُودَعٌ في كتبه؛ فلا حاجةَ لوجودِ أصولِ كتبهما بعد قيامِهِ بتهذيبِ هذه الكُتُبِ وتَنْقيحِهَا، فقام بِدَفْنها، ثم جعَلَ كُتُبَهُ التي صنَّفها وَقْفًا يَنْتفِعُ بها عمومُ المسلمين، واختار وَصِيًّا عليها؛ وكان وَصِيَّهُ عليها أبو الحسن عليُّ بنُ الحُسَيْن الدَّرَسْتِينِيُّ القاضي (٢) .
موقفُهُ من الرواية عن المجروحين:
جرتْ عادةُ كثيرٍ من المحدِّثين بِتَرْكِ الرواية عن المجروحين، ومن هؤلاءِ المحدِّثين: أبو حاتمٍ وأبو زُرْعة الرازيَّان؛ ففي "الجرح والتعديل" (٣) ترجَمَ عبد الرحمن بن أبي حاتم للقاسمِ بنِ محمد بن أبي شَيْبة، وقال: «قال أبو زُرْعة: كتبْتُ عن القاسمِ بن محمَّد بن أبي شَيْبة، ولم أحدِّثْ عنه بشيءٍ» ، ثم قال عبد الرحمن: «سُئِلَ أبي عنه؟ فقال كتبتُ عنه، وتركْتُ حديثَهُ» .
وترجَمَ عبد الرحمن أيضًا (٤) لمحمَّد بن عُقْبة السَّدُوسي البَصْري وقال: «سألتُ أبي عنه؟ فقال: ضعيفُ الحديثِ، كتبْتُ عنه ثم تركْتُ
стр. 257
حديثَهُ، فليس نحدِّث عنه، وترَكَ أبو زُرْعة حديثَهُ ولم يَقْرَأْ علينا، وقال: لا أحدِّثُ عنه» .
وقد جرَى عبد الرحمن على طريقةِ هذَيْنِ الإمامَيْنِ، فربما كتَبَ عن الرجلِ، فإذا تبيَّن له أنه مجروحٌ، ترَكَ الروايةَ عنه. ومن أمثلة ذلك:
أنه ترجَمَ (١) لمحمَّد بن إسحاق الصِّينِيِّ، فقال: «كتبتُ عنه بمكة … وسألتُ أبا عَوْن ابن ِ عمرو بن عَوْن عنه، فتكلَّم فيه، وقال: هو كذَّاب. فتركْتُ حديثَهُ» .
وترجم أيضًا (٢) لعيسى بن أبي عِمْران البَزَّارِ الرَّمْلي، فقال: «كتبتُ عنه بالرَّمْلة، فنظَرَ أبي في حديثِهِ، فقال: يَدُلُّ حديثُهُ أنه غيرُ صدوق. فتركْتُ الروايةَ عنه» .
شخصيَّتُهُ العِلْميَّةُ النقديَّةُ وآراؤُهُ:
وَرِثَ عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه مكانَتَهُ العلميَّةَ التي استبانَتْ لنا مِنْ ثناء الأئمَّة عليه كما سبق، ويَدُلُّ عليه اعتدادُهُمْ بأحكامِهِ على الرجالِ في كتابِ "الجرح والتعديل".
وهناك بعضُ المواقفِ التي تَدُلُّ على هذا تفصيلاً:
فمن ذلك: أنَّ أبا الشيخِ الأَصْبَهانيَّ ترجَمَ (٣) لشيخِهِ أبي بكر
стр. 258
محمد بن أحمد بن الوليد الثَّقَفي، وذكَرَ أنه كتَبَ عنه حديثًا لم يَكْتُبْهُ إلا عنه، وقال: فممَّا كتبنا عنه مِنَ الغرائب: حدَّثنا محمد بن أحمد بن الوليد؛ قال: ثنا أحمد بن شَيْبان الرَّمْلي؛ قال: ثنا سُفْيان بن عُيَيْنة، عن الزُّهْري، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ النبيَّ (ص) بعَثَ سَرِيَّةً إلى نَجْدٍ، فبلَغَ سُهْمَانُهُمُ اثنا عشَرَ (١) ، فنفَّلهم بعيرًا بعيرًا.
ثم قال أبو الشيخ: ألقَيْتُ هذا الحديثَ على أبي محمَّد بن أبي حاتم، فأنكَرَهُ، وقال: قد كتبنا عنه (٢) عامَّةَ ما عنده عن ابن عُيَيْنة، فلم نَجِدْ هذا.
وترجَمَ عبد الرحمن بن أبي حاتم (٣)
للحُسَيْنِ ابن إدريس الأنصاريِّ المعروفِ بابن خُرَّم الهَرَوِيِّ، وقال: «كتَبَ إليَّ بِجُزْءٍ من حديثِهِ عن خالد بن الهَيَّاج بن بِسْطَام، فأوَّلُ حديثٍ منه باطلٌ، وحديثُ الثاني (*) باطلٌ، وحديثُ الثالثِ (*) ذكرتُهُ لعليِّ بْن الحُسَيْن بْن الجُنَيْد، فقال لي: أَحْلِفُ بالطلاقِ أنه حديثٌ ليس له أصلٌ. وكذا هو عندي (٤) ، فلا
стр. 259
أدري منه أو مِنْ خالد بن هَيَّاج بن بِسْطام؟» .
وقال أبو أحمد الحافظ (١) : سمعتُ عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ يقولُ: ما بَقِيَ لكتابِ المبسوطِ راوٍ غَيْرُ أبي العَبَّاس الوَرَّاق، وبَلَغنا أنه ثقةٌ صدوق.
وقال أحمد بن عبد الله المعدّل (٢) : سمعتُ عبد الله بن خالدٍ الأَصْبَهانيَّ يقول: سُئِلَ عبد الرحمن بن أبي حاتم عن ابن خُزَيْمة؟ فقال: ويحكم! هو يُسْأَلُ عنا، ولا نُسْأَلُ عنه، هو إمامٌ يُقتدَى به.
ومِنَ الآراءِ التي ذهَبَ إليها ابنُ أبي حاتم: جوازُ الروايةِ بالإجازةِ والمكاتَبَةِ، فقد تلقَّى عن بعضِ شيوخِهِ إجازةً، ومكاتبةً، وروَى بهما، وأجازَ هو لبعضِ تلاميذِهِ كذلك.
ومِنْ أمثلة ذلك: قولُهُ (٣) : «ثنا عليُّ بن المُبَارَك كتابةً؛ ثنا زيد بن المبارك» .
وقوله (٤) : «أنبأنا عبد الله بن أحمد - فيما كتَبَ إليَّ - قال: وسُئِلَ أبي» .
وأما تلاميذُهُ الذين أجازهم، فمنهم: أبو عبد الله بن مَنْدَهْ؛ قال
стр. 260
الذهبيُّ عنه (١) : «وله إجازةٌ من الحافظِ عبد الرحمن بن أبي حاتم» .
ومنهم: أبو أحمَدَ الحَسَنُ بن عبد الله بن سَعِيدٍ العَسْكَري؛ قال في كتابه «تصحيفات المحدِّثين» : وأخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم إجازةً» ، وقال: «أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم فيما كتَبَ إلينا» (٢) .
ومنهم: حَمْدُ بن عبد الله الأَصْبَهاني؛ قال أبو الوليد الباجي (٣) : «وما أخرجْتُهُ فيه عن عبد الرحمن بن أبي حاتم فأجازَهُ لنا أبو ذَرٍّ؛ قال: أجازه لنا حَمْدُ بنُ عبد الله الأصبهانيُّ؛ قال: أجازَهُ لنا عبد الرحمن» .
أوهامُهُ:
ما مِنْ إمامٍ من الأئمَّة إلا وله أوهامٌ، غيرَ أنَّها مغمورةٌ في بحر صوابِهِ، وتقدَّم في ذِكْرِ مصنَّفات ابن أبي حاتم أنه صنَّف كتابَ "بيان خطأ أبي عبد الله محمَّد بْنُ إسماعيلَ البخاريِّ فِي تاريخه"، وقد عُنِيَ الخطيبُ البغداديُّ _ح في كتابه "مُوضِحِ أوهامِ الجمعِ والتفريق" ببيانِ أخطاءِ وأوهامِ الأئمَّة التي وقعَتْ في الرجال، ومنهم عبد الرحمن ابن أبي حاتم.
стр. 261
فمِنْ ذلك: ما ذكره الخطيبُ بقوله (١) : «وقد جمَعَ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيُّ الأوهامَ التي أَخَذَها أبو زُرْعة على البخاريِّ في كتابٍ مفرد، ونظرْتُ فيه، فوجدتُّ كثيرًا منها لا تَلْزَمه، وقد حَكَى عنه في ذلك الكتابِ أشياءَ هي مدوَّنَةٌ في تاريخِهِ على الصواب، بخلافِ الحكايةِ عنه. ومن العَجَبِ: أن ابن أبي حاتمٍ أغار على كتابِ البخاريِّ (٢) ، ونقلَهُ إلى كتابِهِ في الجَرْح والتعديل، وعمَدَ إلى ما تضمَّن من الأسماءِ، فسأل عنها أباه وأبا زُرْعة، ودوَّن عنهما الجوابَ في ذلك، ثم جمَعَ الأوهامَ المأخوذَةَ على البخاريِّ، وذكَرَهَا مِنْ غيرِ أن يقدِّم ما يُقِيمُ به العُذْرَ لنفسِهِ عند العلماء؛ في أنَّ قَصْدَهُ بتدوينِ تلك الأوهامِ بيانُ الصوابِ لمن وقَعَتْ إليه، دون الانتقاصِ والعَيْبِ لمن حُفِظَتْ عليه! ونحنُ لا نَظُنُّ أنه قصَدَ غيرَ ذلك؛ فإنه كان بِمَحَلٍّ من الدين، وأَحَدَ الرُّفَعَاءِ من أئمة المسلمين، رحمةُ اللهِ عليه وعليهم أجمعين» .
ومن ذلك: توهيمُ الخطيبِ البغداديِّ للإمامِ الدَّارَقُطْنِيِّ في تفريقِهِ بين حَجَّاج بن سُلَيْمان بن أفلَحَ الرُّعَيْني، وحَجَّاج بن سُلَيْمان بن القُمْري؛ حيث قال (٣) : «فوَهِمَ في التفريق بين هاتَيْن الترجمتَيْنِ؛ لأنَّ المذكورَ فيهما رجلٌ واحد» .
стр. 262
قال الخطيب: «وقد وَهِمَ فيه عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازيُّ مِنْ قَبْلُ؛ كوَهَمِ أبي الحَسَن الدارقطني؛ وذلك أنَّ ابن أبي حاتم قال في "كتاب الجرح والتعديل" (١) : حَجَّاج ابن سُلَيْمان بن القُمْري: روى عن اللَّيْث بن سَعْد، روى عنه محمَّد بن سَلَمة المُرَادي، سألتُ أبي عن حَجَّاج بن سليمان بن القُمْري هذا؟ فقال: شيخٌ معروفٌ. ثم قال ابن أبي حاتم: حَجَّاج بن سليمان الرُّعَيْني: روى عن ابنُ لَهِيعة، روى عنه يونسُ بنُ عبد الأعلى، قيل ذلك لأبي زُرْعة، وسُئِلَ عنه؟ فقال: مُنْكَرُ الحديث.
قال الخطيبُ: وهذا الرجُلُ قد ذكره أبو سَعِيدٍ عبد الرحمن بن يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفِيُّ في "كتاب تاريخ المِصْرِيِّينَ" الذي ذَكَرَ لي أحمد بن محمد العَتِيقِيُّ أنه سَمِعَهُ من علي بن أبي سَعِيد بن يونس، عن أبيه، فقال: حَجَّاج بن سُلَيْمان بن أفلَحَ الرُّعَيْني: يكنى أبا الأزهر، يُعْرَفُ بابنِ القُمْري، يحدِّث عن حَرْمَلَةَ بنِ عِمْران، ومالكِ بنِ أنس، واللَّيْث، وابن لَهِيعة، وفي حديثه خطأٌ ومناكيرُ، توفِّي في السَّرَّاجِين فجأةً وهو على حِمَاره، يومَ السَّبْتِ لِسِتٍّ بَقِينَ من جُمَادَى الأولى، سنةَ سَبْعٍ وتسعين ومئة» .
اتهامُهُ بالتشيُّع:
جرَتْ سُنَّةُ اللهِ سبحانه بابتلاءِ المُصْلِحِينَ - من الأنبياء، والعلماء،
стр. 263
والدُّعَاةِ، وغيرهم - بأنواعِ الابتلاءِ المختلفة، ومنها: رَمْيُهُمْ بما هم منه بُرَآء؛ كما قالوا عن نبينا (ص) : مجنونٌ، ساحرٌ … إلخ.
ومِنْ هؤلاءِ الذين ابتُلُوا ببعضِ الفِرَى: ابنُ أبي حاتم؛ فقد قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (١) بعد ذِكْرِ ترجمة ابن أبي حاتم: «وما ذكرتُهُ لولا ذِكْرُ أبي الفضل السُّلَيْماني له فَبِئْسَ ما صَنَعَ! فإنه قال: ذِكْرُ أسامي الشِّيعَةِ من المحدِّثين - الذين يقدِّمون عليًّا على عثمان -: الأعمش، النُّعْمان بن ثابت، شُعْبة ابن الحَجَّاج، عبد الرزَّاق، عُبَيْدالله بن موسى، عبد الرحمن بن أبي حاتم» .
وهذه فِرْيَةٌ لا تَسْتنِدُ إلى دليل، بل الدليلُ بخلافها؛ وذلك أنَّ اللاَّلَكَائِيَّ (٢) حين ذكَرَ معتقَدَ أبي زُرْعة وأبي حاتم، رواه مِنْ طريقِ عبد الرحمن بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: «سألتُ أبي وأبا زُرْعة عن مذاهبِ أهلِ السُّنَّةِ في أصول الدِّين، وما أدركا عليه العلماءَ في جميعِ الأمصار، وما يَعْتَقِدان مِنْ ذلك؟ فقالا: أَدْرَكْنَا العلماءَ في جميعِ الأمصار، حِجَازًا، وعِرَاقًا، وشَامًا، ويَمَنًا، فكان مِنْ مذهبهم: الإيمانُ قولٌ وعَمَلٌ، يَزِيدُ ويَنْقُصُ، والقرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ بجميعِ جهاته، والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ مِنَ الله ، وخيرُ هذه الأمةِ بعد نبيِّها ﵊: أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثم عُمَرُ بنُ الخَطَّاب، ثم عُثْمانُ بنُ عَفَّان، ثم عَلِيُّ بنُ أبي طالب _ت، وهم
стр. 264
الخلفاءُ الراشدون المَهْدِيُّون، وأنَّ العَشَرَةَ الذين سَمَّاهم رسولُ الله (ص) ، وشَهِدَ لهم بالجَنَّة، على ما شَهِدَ به رسولُ الله (ص) ، وقولُهُ الحَقُّ، والترحُّمُ على جميعِ أصحابِ محمد (ص) ، والكَفُّ عما شَجَرَ بينهم … » ، وفي آخره قال عبد الرحمن: «وبه أقولُ أنا» .
فهل هناك دليلٌ أَقْوَى مِنْ تصريحِ المرءِ بِمُعْتَقَدِهِ في المسألة نفسها؟!
وهناك شبهةٌ أخرى ذكرها ياقوتُ (١) ؛ فقال: «وكان أَهْلُ الرَّيِّ أهلَ سُنَّةٍ وجماعةٍ، إلى أن تغلَّبَ أحمدُ بنُ الحَسَنِ المَارْدَانِيُّ عليها، فأظهَرَ التشيُّعَ، وأكرَمَ أهلَهُ وقرَّبهم، فتقرَّبَ إليه الناسُ بتصنيفِ الكتبِ في ذلك، فصنَّفَ له عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم كتابًا في فضائلِ أهلِ البيت وغيره، وكان ذلك في أيامِ المُعْتَمِدِ وتغلُّبِهِ عليها في سنة ٢٧٥، وكان قبل ذلك في خِدْمةِ كوتكين بن ساتكين التُّرْكي» .
وهذه فِرْيةٌ أُخْرَى نُجِلُّ عبدَالرحمنِ أنْ يكونَ من أهلها، وهو ممَّن عُرِفَ عنه الوَرَعُ والزُّهْدُ في الدنيا كما مَرَّ معنا، فهل يُتَصَوَّرُ ممَّن هذه حاله أن يَجْعَلَ دينه سِلْعةً للملوك؟! وهو الذي ذكَرَ مِنْ معتقَدِ أبيه وأبي زُرْعة (٢) قولَهُمَا: «والمرجئةُ المبتدِعَةُ ضُلاَّلٌ، والقَدَرِيَّةُ المبتدِعَةُ ضُلاَّلٌ؛ فمَنْ أنكَرَ منهم أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما لم يكنْ قبل أنْ يكونَ فهو كافرٌ، وأنَّ الجهميَّةَ كُفَّارٌ، وأنَّ الرافضةَ رَفَضُوا الإسلامَ … وسمعْتُ أبي وأبا زُرْعة يَأْمُرانِ بِهِجْرانِ أهلِ الزَّيْغِ والبِدَعِ، يُغَلِّظان في ذلك أشدَّ
стр. 265
التغليظ، ويُنْكِران وَضْعَ الكتبِ بِرَأْيٍ في غيرِ آثار، ويَنْهَيَانِ عن مجالسةِ أهلِ الكلام، والنَّظَرِ في كُتُبِ المتكلِّمين، ويقولان: لايُفْلِحُ صاحبُ كلامٍ أبدًا … » ، ويَخْتِمُ ذلك ابنُ أبي حاتم بقوله: «وبه أقولُ أنا» .
فيا سبحانَ الله! رجلٌ يرى هِجْرَانَ أهلِ الزَّيْغِ والبِدَع، وينهى عن مجالستِهِمْ، يَذْهَبُ فَيَضَعُ لهم الكُتُبَ التي تناسبُ أهواءهم مِنْ أجلِ عَرَضٍ زائل؟! هذا لا يُتَصَوَّرُ من مثلِ ابنِ أبي حاتم!!.
ثُمَّ إنَّ هذه الحكايَةَ وقَعَتْ - على ما ذُكِرَ هنا - سنَةَ (٢٧٥هـ) ، وعُمْرُ عبد الرحمن (٣٥) سَنَةً، وأبوه حَيٌّ، والشابُّ الذي في مِثْلِ هذا السِّنِّ لا يعوِّلُ الناسُ على قَوْلِهِ، وبخاصَّةٍ مع وُجُودِ أبيه، ثم أين كان أبوه عن هذا الانحرافِ؟! أَمَا كان يَرْدَعُ ابنَهُ، أو يَهْجُرُهُ على الأقَلِّ كما هجَرَ غَيْرَهُ مِنْ أهلِ البِدَعِ؟!
ومع هذا كلِّه لم يذكُرْ ياقوتُ مِنْ أين أخَذَ هذه الحكايةَ، ولم يُورِدْ لها سندًا؛ فمثلها لا يَسْوَى مِدَادَ تسويده، ومن ذلك يتبيَّن أنه لا تَصِحُّ نسبةُ كتابِ "فضائل أهل البيت" إلى ابن أبي حاتم (١) ، والله أعلم.
اتهامُهُ بِسَرِقَةِ كتابِ البخاري:
كان للبخاريِّ _ح قَدَمُ السَّبْقِ في تصنيفِ كتابٍ يضمُّ رواةَ الحديثِ عامَّةً، وهو "التاريخُ الكبير"، غير أنه لم يَسْتَوْعِبْ جميعَ الرواة، بل فاتَهُ عددٌ منهم، ومع هذا فليس مِنْ مقصودِهِ ذِكْرُ أقوالِ الأئمة في هؤلاءِ
стр. 266
الرواةِ جَرْحًا وتعديلاً، ولكنَّه اعتنَى ببيانِ سماعِ الراوي مِنْ شيوخه، وذِكْرِ الأحاديثِ المعلولةِ التي يرويها المترجَمُ له أحيانًا، وما تفرَّد به … إلى غير ذلك مِنْ ملامحِ مَنْهَجِهِ في هذا الكتاب.
فوقَفَ أبو حاتم وأبو زُرْعة على هذا الكتابِ، فوجَدَا فيه عِلْمًا غزيرًا، غَيْرَ أنه يَحْتاجُ إلى تكميلٍ وتهذيبٍ مِنْ وِجْهة نظرهما، فأناطا عَمَلَ ذلك بعبد الرحمن بن أبي حاتم الذي قام به خَيْرَ قيام، فكان من أبرزِ ماعَمِلَهُ:
١ - حَذْفُ الأحاديثِ التي يَذْكُرُهَا البخاريُّ.
٢ - الاعتناءُ بِذِكْرِ الشيوخِ والتلاميذِ أكثَرَ من عنايةِ البخاريِّ.
٣ - زيادةُ تراجِمَ كثيرةٍ لم يَذْكُرْهَا البخاريُّ؛ فقد بلَغَ عددُ تراجمِ "التاريخ الكبير" مع كتاب "الكُنَى" (١٥٦٩٨) ترجمة حَسَبَ ترقيمِ التراجم، بينما بلَغَ عددُ تراجمِ "الجرح والتعديل" (١٨٠٤٠) ترجمة؛ بزيادةٍ قَدْرُهَا (٢٣٤٢) ترجمة.
٤ - إضافةُ أقوالِ أئمَّة الجَرْح والتعديل، مع أقوالِ أبيه وأبي زُرْعة في الرواة المعروفين، وَفْقَ منهجٍ انتقائيٍّ (١) من إمامٍ عارفٍ بهذا الشأن، وهذا ما لم يُعَرِّجْ عليه البخاريُّ، وهو أبرزُ مميِّزات هذا الكتاب، بحيثُ أصبَحَ عُمْدَةً لكلِّ مَنْ جاء بعده، فلو قال قائل: إنه في هذا أحسَنُ وأنفَعُ من كتابِ البخاريِّ، لَمَا أبعَدَ.
стр. 267
ومع هذه المفارقاتِ وجَدْنَا مَنْ يَعِيبُ على ابن أبي حاتمٍ تأليفَهُ لهذا الكتاب:
فقد قال أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحاكم الحافظ (١) : كنتُ بالرَّيِّ، فرأيتُهُمْ يومًا يقرؤون على أبي محمَّد ابن أبي حاتم كتابَ "الجَرْحِ والتعديل"، فلمَّا فَرَغُوا قلتُ لابنِ عَبْدُويَه الوَرَّاق: ما هذه الضُّحْكة؟ أراكم تقرؤون كتابَ "التاريخِ" لمحمد بن إسماعيلَ البخاريِّ على شَيْخِكم على هذا الوجه، وقد نَسَبْتموه إلى أبي زُرْعة وأبي حاتم؟! فقال: يا أبا أحمد، اعلَمْ أنَّ أبا زُرْعة وأبا حاتم لمَّا حُمِلَ إليهما هذا الكتابُ، قالا: هذا عِلْمٌ حَسَنٌ لا يُستغنَى عنه، ولا يحسُنُ بنا أن نَذْكُرَهُ عن غيرنا، فأقعَدَا أبا محمَّدٍ عبدَالرحمنِ حتى سألهما عن رَجُلٍ بعد رجلٍ؟ وزادا فيه ونَقَصَا منه.
وقد أجاب الشيخُ عبد الرحمن المعلِّمي _ح عن هذا الإشكالِ بقوله (٢) : «كأنَّ أبا أحمد _ح سَمِعَهُمْ يقرؤون بعضَ التراجمِ القصيرةِ التي لم يَتَّفِقْ لابنِ أبي حاتم فيها ذِكْرُ الجَرْحِ والتعديل، ولا زيادةٍ مهمَّةٍ على ما في «التاريخ» ، فاكتفَى بتلك النظرةِ السَّطْحيَّة، ولو تصفَّحَ الكتابَ لَمَا قال ما قال. لا رَيْبَ أنَّ ابن أبي حاتم حذا في الغالبِ
стр. 268
حَذْوَ البخاريِّ في الترتيبِ وسياقِ كثيرٍ من التراجمِ وغيرِ ذلك، لكنَّ هذا لا يَغُضُّ مِنْ تلك المزيَّةِ العظمى، وهي التصريحُ بنصوصِ الجَرْحِ والتعديل، ومنها زيادةُ تراجمَ كثيرةٍ، وزياداتُ فوائدَ في كثيرٍ من التراجم، بل في أكثرها، وتدارُكُ أوهامٍ وقعتْ للبخاري، وغير ذلك. وأمَّا جوابُ ابن عَبْدُوْيَه الوَرَّاق فعلى قَدْرِ نفسه، لا على قَدْرِ ذَيْنِكَ الإمامَيْنِ: أبي زُرْعة وأبي حاتم، والتحقيقُ: أنَّ الباعثَ لهما على إقعادِ عبد الرحمن، وأَمْرِهِمَا إيَّاه بما أمراه: إنما هو الحِرْصُ على تسديدِ ذاك النَّقْصِ، وتكميلِ ذاك العِلْم، ولا أَدَلَّ على ذلك مِنِ اسمِ الكتابِ نَفْسه؛ "كتابُ الجَرْح والتعديل" … » .
وفاته:
تُوُفِّيَ ابنُ أبي حاتم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في المحرَّمِ سنةَ سَبْعٍ وعشرين وثلاثِ مِئَةٍ، بِالرَّيِّ، وهو في عَشْرِ التسعين، أي: وله بضعٌ وثمانون سنةً (١) .
стр. 269
تَرْجَمَةُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ (١)
اسْمُهُ، ووِلَادَتُهُ، وطَلَبُهُ:
هو محمد بن إدريس بن المُنْذِر بن داود بن مِهْران، الحَنْظَلِيُّ الغَطَفَانِيُّ الرازي.
وُلِدَ سنَةَ خَمْسٍ وتِسْعين ومئة، وبَكَّرَ بطلبِ الحديثِ وكتابةِ العلم؛ فبدأَ كتابةَ الحديثِ وهو ابنُ أربعَ عَشْرَةَ سنةً؛ ورحَلَ رِحْلتَهُ الأولى وهو ابنُ ثمانَ عَشْرَةَ سنةً؛ سنةَ ثلاثَ عَشْرَةَ ومئتين، واستمرَّتْ أكثَرَ من سبع سنين. ورحَلَ رحلةً أخرى في سنة اثنتَيْنِ وأربعين. وتكبَّد المَشَاقَّ في رِحْلاته، ولاقى الشدائدَ، وعَدَّ ما مشى على قَدَمَيْهِ في أول رحلة، فبَلَغَ ما يقرُبُ من مسيرةِ أربعةِ أشهُرٍ سَيْرَ الجَادِّ، ثم ترَكَ العَدَّ!.
شُيُوخُهُ:
سمع خَلْقًا لا يُحْصَوْنَ كثرةً؛ قال الخليلي: «قال لي أبو حاتم
стр. 270
اللَّبَّان الحافظ: قد جمعْتُ مَنْ روى عنه أبو حاتم الرازيُّ، فبلغوا قريبًا مِنْ ثلاثةِ آلاف» .
ومِنْ هؤلاءِ الشيوخ: الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل، وآدَمُ بنُ أبي إياس، والرَّبِيعُ بن سُلَيْمان المُرَادي، وسَعِيدُ بن أبي مَرْيَم، وعبد الله بن صالح كاتبُ اللَّيْث، وعبدُالمَلِكِ بنُ قُرَيْبٍ الأَصْمَعيُّ، وعُبَيْدُاللهِ بنُ عبد الكريمِ أبو زُرْعة الرازي رفيقُهُ، وعمرو بن عليٍّ الفَلاَّس، وقُتَيْبةُ ابن سَعِيد، ومحمدُ بن بَشَّار بُنْدَار، ويحيى بن مَعِين، ويونس بن عبد الأعلى.
تَلَامِيذُهُ:
حدَّث عنه خَلْقٌ كثيرٌ، منهم: إبراهيمُ الحَرْبي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي الدُّنْيَا، وأبو داود، وأبو زُرْعة الدِّمَشْقِيّ، وأبو زُرْعة الرازي رفيقُهُ، والرَّبِيعُ بن سُلَيْمان المرادي - وهو مِنْ شيوخه - وعبد الرحمن بن أبي حاتم ابنه، والنَّسَائي، وابن صاعد، ويونس بن عبد الأعلى، وهو مِنْ شيوخه.
ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ:
قال عنه الذهبي: الإمامُ الحافظُ الناقد، شيخُ المحدِّثين، كان من بحورِ العِلْم، طَوَّفَ البلادَ، وبَرَعَ في المَتْن والإسناد، وجمَعَ وصنَّف، وجَرَحَ وعدَّل، وصَحَّحَ وعلَّل.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعتُ موسى بن إسحاقَ القاضي يقول: ما رأيتُ أحفَظَ مِنْ والدك. قال عبد الرحمن: وكان قد لَقِيَ
стр. 271
أبا بكرِ بنَ أبي شَيْبة، وابنَ نُمَيْر، وابنَ مَعِين، ويحيى الحِمَّاني.
وقال الخَلِيلي: كان أبو حاتمٍ عالمًا باختلافِ الصَّحَابةِ وفِقْهِ التابعين ومَنْ بعدهم. سمعتُ جَدِّي وجماعةً سَمِعُوا عليَّ بنَ إبراهيم القَطَّان يقول: ما رأيتُ مِثْلَ أبي حاتم. فقلنا له: قد رأيتَ إبراهيمَ الحَرْبِيَّ وإسماعيلَ القاضي؟ قال: ما رأيتُ أجمَعَ من أبي حاتم وأفضَلَ منه (١) .
وقال عليُّ بنُ إبراهيم الرازي: حدَّثنا أحمد ابن عليٍّ الرَّقَّام، سمعتُ الحَسَنَ بنَ الحُسَيْن الدَّرَسْتِينِيَّ قال: سمعتُ أبا حاتم يقول: قال لي أبو زُرْعة: ما رأيتُ أحرَصَ على طَلَبِ الحديثِ منك! فقلتُ له: إنَّ عبد الرحمن ابني لَحَرِيصٌ. فقال: مَنْ أشبَهَ أباه فما ظَلَم. قال الرَّقَّام: فسألتُ عبد الرحمن عن اتفاقِ كَثْرةِ السماعِ له وسؤالاتِهِ لأبيه؟ فقال: ربَّما كان يأكُلُ وأقرَأُ عليه، ويَمْشِي وأقرَأُ عليه، ويدخُلُ الخَلَاءَ وأقرَأُ عليه، ويدخُلُ البيتَ في طَلَبِ شيء وأقرَأُ عليه!.
وقال أحمدُ بن سَلَمة النَّيْسَابوري: ما رأيتُ بعد إسحاقَ (٢) ومحمَّدِ بن يحيى أحفَظَ للحديثِ من أبي حاتمٍ الرازي، ولا أعلَمَ بمعانيه.
وقال يونس بن عبد الأعلى: أبو زُرْعةَ وأبو حاتمٍ إماما خراسان. ودعا لهما، وقال: بقاؤُهُمَا صلاحٌ للمسلمين.
стр. 272
وقال الخطيب: كان أبو حاتمٍ أحَدَ الأئمَّةِ الحفاظِ الأثبات.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقولُ: جرى بيني وبين أبي زُرْعة يومًا تمييزُ الحديثِ ومَعْرِفتُهُ، فجعَلَ يذكُرُ أحاديثَ وعِلَلَهَا، وكذلك كُنْتُ أذكُرُ أحاديثَ خطأ، وعِلَلَهَا، وخَطَأَ الشيوخِ، فقال لي: يا أبا حاتم، قَلَّ مَنْ يفهمُ هذا! ما أَعَزَّ هذا! إذا رَفَعْتَ هذا من واحد واثنَيْنِ، فما أقلَّ مَنْ تَجِدُ مَنْ يُحْسِنُ هذا! وربما أَشُكُّ في شيء أو يتخالجني في حديثٍ، فإلى أنْ ألتقي معك لا أَجِدُ مَنْ يشفيني منه. قال أبي: وكذلك كان أمري.
وقال الذهبي: إذا وثَّق أبو حاتمٍ رجلاً فتمسَّكْ بقوله؛ فإنَّه لا يوثِّق إلا رجلاً صحيحَ الحديث، وإذا لَيَّنَ رجلاً أو قال فيه: لا يُحْتَجُّ به، فتوقَّفْ حتى تَرَى ما قال غيُرُه فيه؛ فإنْ وثَّقه أحدٌ فلا تَبْنِ على تجريح أبي حاتم؛ فإنَّه مُتَعَنِّتٌ في الرجالِ؛ قد قال في طائفةٍ من رجالِ الصِّحَاحِ: ليس بِحُجَّةٍ، ليس بِقَوِيٍّ، أو نحو ذلك.
وَفَاتُهُ:
قال أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي وغيره: مات الحافظُ أبو حاتمٍ في شَعْبان سنةَ سَبْعٍ وسبعين ومئتين، وقيل: عاش ثلاثًا وثمانين سنة. رحمه الله تعالى.
стр. 273
تَرْجَمَةُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ (١)
اسْمُهُ، ووِلَادَتُهُ، وطَلَبُهُ:
هو الإمام، سيِّد الحُفَّاظ؛ عُبَيْدُاللهِ بنُ عبدِالكريمِ بنِ يزيدَ بنِ فَرُّوخ، مُحَدِّثُ الرَّيِّ، وجَدُّهُ فَرُّوخ: مولى عيَّاش بن مُطَرِّف بن عبد الله بْنِ عيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومي. وأبوه عبد الكريم هو خالُ رفيقِهِ أبي حاتم الرازي.
وُلِدَ أبو زُرْعة سنةَ مئتين؛ على ما رُوِيَ عنه نفسه، وقيل في مولده غيرُ ذلك.
طلَبَ الحديثَ وهو حَدَثٌ صغيرٌ، وارتحَلَ إلى الحجازِ والشامِ ومِصْرَ والعراقِ والجزيرةِ وخُرَاسان، وكانتْ نيَّةُ الرِّحْلةِ والسماعِ من الشيوخِ تخالطُ نِيَّتَهُ في الرِّبَاطِ؛ قال: «لا أعلَمُ صَفَا لي يَوْمُ رباطٍ قَطُّ؛
стр. 274
أمَّا بيروتُ فأَرَدْنَا العباسَ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَد، وأما عَسْقَلان فأردنا محمَّد بن أبي السَّرِيِّ، وأمَّا قَزْوين فمحمَّد بن سعيد بن سَابِق» . وكتَبَ وصنَّف ما لا يوصفُ كَثْرة.
شُيُوخُهُ:
سَمِعَ خلقًا كثيرًا؛ منهم: أبو الوليد الطَّيَالسي، والإمامُ أحمد بن حنبل، وأحمدُ بنُ يونس اليَرْبُوعي، والربيع بن سُلَيْمان المُرَادي، وسُلَيْمان ابن بِنْتِ شُرَحْبِيل، والعباس بن الوليد بن مَزْيَد، وعبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسِي، وعبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبي، وعمرو ابن عليٍّ الفَلاَّس، وأبو حاتمٍ الرازيُّ رفيقُهُ، وأبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن، وموسى بن إسماعيل، وقَبِيصَة بن عُقْبة، ويحيى بن بُكَيْر، ويونس بن عبد الأعلى.
تَلَامِيذُهُ:
حدَّث عنه الخلقُ الكثير أيضًا؛ منهم: أبو بكر بن أبي داود، وأبو عَوَانة الإِسْفَرَايِيني، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وعبدُاللهِ ابنُ الإمامِ أحمد، وعَدِيُّ بن عبد الله والدُ ابن عَدِيٍّ، والتِّرْمِذي، والنَّسَائي، وابن ماجه. وحدَّث عنه مِنْ شيوخه: إسحاق بن موسى، وحَرْمَلة بن يحيى، والرَّبِيع المُرَادي، وعمرو بن عليٍّ الفَلاَّس، ويونس بن عبد الأعلى، ومِنْ أقرانه: ابن وَارَة، وأبو حاتم، ومُسْلِمٌ، وإبراهيمُ الحَرْبي.
ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ:
قال أبو إسحاق الجُوزَجَاني: كنا عند سليمان بن عبد الرحمن، فلم يَأْذَنْ لنا أَيَّامًا، ثم دَخَلْنَا عليه فقال: بَلَغني ورودُ هذا الغلامِ -
стр. 275
يعني أبا زُرْعة - فَدَرَسْتُ للالتقاءِ به ثلاثَ مِئَةِ ألفِ حديثٍ.
وقال عبد الله بن أحمد: لمَّا ورَدَ علينا أبو زُرْعة، نزَلَ عندنا، فقال لي أبي: يا بُنَيَّ، قد اعتضْتُ بنوافلي مذاكَرَةَ هذا الشيخِ.
وقال الإمامُ أحمد أيضًا: ما جاوَزَ الجِسْرَ أحدٌ أفقَهُ من إسحاقَ ابنِ رَاهُوْيَهْ، ولا أحفَظَ من أبي زُرْعة.
وقال ابن أبي شَيْبة: ما رأيتُ أحفَظَ من أبي زُرْعة.
وقال محمد بن إسحاق الصاغاني: أبو زُرْعة يُشَبَّهُ بأحمدَ بنِ حنبل.
وقال عَليّ بْن الحُسَيْن بْن الجُنَيْد: ما رأيتُ أحدًا أعلَمَ بحديثِ مالكٍ من أبي زُرْعة، وكذا سائرُ العلوم.
وقال إسحاقُ بن رَاهُوْيَهْ: كلُّ حديث لا يعرفُهُ أبو زُرْعة الرازي فليس له أَصْلٌ.
وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيتُ أكثَرَ تواضعًا من أبي زُرْعة، هو وأبو حاتمٍ إمامَا خراسان.
وحدَّث يونسُ يومًا فقال: حدَّثنا أبو زُرْعة، فقيل له: مَنْ هذا؟ فقال: إنَّ أبا زُرْعة أشهَرُ في الدنيا مِنَ الدنيا.
وقال فَضْلَكُ الصائغُ: دخلْتُ على الرَّبِيعِ بِمِصْرَ فقال: مِنْ أين؟ قلتُ: من الرَّيِّ. قال: تركْتَ أبا زُرْعَةَ وجئتَ؟! إنَّ أبا زرعة آيَةٌ، وإنَّ الله إذا جعَلَ إنسانًا آيَةً أبانه مِنْ شكله، حتى لا يكونَ له ثانٍ.
стр. 276
ودخَلَ فَضْلَكُ أيضًا في المدينةِ على أبي مُصْعَبٍ الزُّهْري، فقال له: تَرَكْتَ أبا زُرْعة وجئتني؟! لَقِيتُ مالكًا وغيره، فما رأتْ عيناي مِثْلَ أبي زرعة.
وَفَاتُهُ:
كانتْ وفاته _ح في آخرِ يومٍ من سنة أربعٍ وستين ومئتين.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ محمَّد بْنُ عليٍّ وَرَّاقُ أبي زُرْعة: حَضَرْنَا أبا زرعةَ بـ «ماشَهْرَانَ» وهو في السَّوْقِ (١) ، وعنده أبو حاتمٍ وابن وَارَةَ والمنذرُ ابنُ شاذان وغيرهم، فَذَكَروا حديثَ التلقين: «لَقِّنُوا موتاكم: لا إله إلا الله» واستَحْيَوْا من أبي زُرْعة أن يلقِّنوه، فقالوا: تَعَالَوْا نذكُرُ الحديثَ؛ فقال ابن وَارَةَ: حدَّثنا أبو عاصم، حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح. وجعل يقولُ: ابن أبي. ولم يجاوزْهُ. وقال أبو حاتم: حدَّثنا بُنْدَارٌ، حدَّثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح. ولم يجاوز. والباقون سكتوا. فقال أبو زُرْعة، وهو في السَّوْقِ: حدَّثنا أبو عاصم، حدَّثنا عبد الحميد، عن صالحِ بنِ أبي عَرِيب، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّة، عَنْ مُعَاذ بْنِ جَبَل، قَالَ: قَالَ رسولُ الله (ص) : «مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ: لا إِلَهَ إلا اللهُ، دخَلَ الجَنَّةَ» . وخرَجَ رُوحُهُ معه، رحمه الله تعالى.
стр. 277
التَّعْرِيفُ بِـ"كِتَابِ الْعِلَلِ" لاِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ
أ) تمهيدٌ
تَقَدَّمَ (١) ذِكْرُ المصنَّفاتِ التي صُنِّفَتْ في عِلَلِ الحديث، ومِنْهَا "كِتَابُ الْعِلَلِ" لعبد الرحمن بنِ أبي حاتم الذي هو مِنْ أَجْوَدِهَا وأَحْسَنِهَا عند الأئمَّة؛ وعنه يقولُ الحافظُ ابنُ كَثِير (٢) : «ومِنْ أَحْسَنِ كتابٍ وُضِعَ في ذلك (٣) ، وأَجَلِّهِ وأَفْحَلِِهِ: كتابُ "العِلَلِ" لعليِّ ابنِ الْمَدِينيِّ شيخِ البخاريِّ، وسائرِ المحدِّثين بعدَهُ في هذا الشأنِ على الخصوصِ. وكذلك "كتابُ العِلَلِ" لعبدِ الرحمنِ بنِ أبي حاتمٍ، وهو مرتَّبٌ على أبوابِ الفقهِ» . وفي مَعْرِضِ ذِكْرِ الحافظِ العراقيِّ (٤) للكُتُبِ التي ينبغي لطالبِ عِلْمِ الحديثِ العنايةُ بها، قال: «ثم الكُتُبُ المتعلِّقةُ بِعِلَلِ الحديثِ، فمنها: كتابُ أحمدَ بنِ حنبل، وابنِ المَدِينِيِّ، وابنِ أبي حاتم … » . ويقولُ السَّخَاويُّ (٥) في مَعْرِضِ ذِكْرِهِ للكُتُبِ التي ينبغي لطالبِ عِلْمِ الحديثِ العنايةُ بها - تبعًا للعراقي -: «ولابنِ أبي حاتمٍ، وكتابُهُ في مجلَّدٍ ضَخْمٍ، مرتَّبٌ على الأبوابِ. وقد شَرَعَ الحافظُ ابنُ عبدِ الهادي في شَرْحِهِ، فاخترمتْهُ المنيَّةُ بعدَ أنْ كَتَبَ منه مجلَّدًا على يَسِيرٍ منه» . اهـ.
ولقد بدا لنا واضحًا مِنْ خلالِ هذه المَسِيرةِ الطويلةِ مَعَ الكتاب -
стр. 278
التي تربو على خَمْسِ سَنَوَاتٍ -: أنَّ هذا الكتابَ مِنْ أَبْدَعِ ما صُنِّفَ في عِلَلِ الْحَدِيثِ، وأنه حوَى فوائدَ يَكَادُ يَعْجِزُ طَلَبَةُ العِلْمِ عن استخلاصِهَا، ومِنْ أَهَمِّ ما يُمَيِّزُهُ: أنه لم يَقْتَصِرْ على رأيِ مُصَنِّفِهِ فقطْ - كما هو الحالُ في مُعْظَمِ كُتُبِ العِلَلِ - بل شَمِلَ آراءَ كثيرٍ من الأئمَّة؛ كَشُعْبةَ بنِ الحَجَّاجِ، ويحيى بنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وأبي الوليدِ الطَّيَالِسِيِّ، ويحيى بنِ مَعِين، والإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَل، ومسلمِ بنِ الحَجَّاج، وعَلِيِّ ابنِ الحُسَيْن بن الجُنَيْد، ومحمَّدِ بنِ عَوْفٍ الحِمْصي (١) ، بالإضافةِ إلى ابْنِ أبي حاتمٍ نَفْسِهِ.
هذا إلى جانبِ أحكامِ وآراءِ أبي حاتمٍ وأبي زُرْعةَ الرازيَّيْنِ، التي شَكَّلَتْ معظمَ مادَّةِ هذا الكتابِ، وهما مَنْ هما في معرفةِ العِلَلِ، وحَسْبُكَ بِمَنْ يُعْنَى الدَّارَقُطْنيُّ بِنَقْلِ أحكامِهِ على الأحاديثِ (٢) ، بل تَجِدُ وَجْهَ الشَّبَهِ واضحًا بين صَنِيعِهِ وبين صنيعِ أبي حاتمٍ في كَشْفِ عِلَلِ بعضِ الأحاديثِ (٣) ؛ بما يُوحِي بِأَثَرِ أبي حاتمٍ في الدارقطنِيِّ في معرفةِ عِلَلِ الأحاديث!!
ونَضَعُ بين يدَيْكَ - أخي القارئ - بعضَ المميِّزاتِ والفوائدِ الأخرى، التي تُسْتَخْلَصُ من مُدَارسةِ هذا الكتابِ الفَذِّ:
стр. 279
فمن ذلك: الحُكْمُ على روايةِ بعضِ الرواةِ عن شُيُوخهم بأنها مُرْسَلةٌ (١) ، ولا تُوجَدُ هذه الأحكامُ في كتابِ "المَرَاسِيل" للمصنِّف - ابن أبي حاتم - فهي من الزياداتِ عليه.
ومن ذلك: أحكامُ أبي حاتمٍ على بعضِ الرواةِ الذين لا تُوجَدُ لهم ترجمةٌ (٢) .
وشبيهٌ به حُكْمُهُ على بعضِ الرواةِ الذين لم يَذْكُرْهُمُ ابنه في "الجرح والتعديل" (٣) .
ومن ذلك: بيانُ أبي حاتمٍ لِبَعْضِ الرواةِ الذين خَفِيَ أَمرُهُمْ على بعضِ الأئمَّة (٤) .
ومن ذلك: تلك الأحاديثُ الغَرِيبَةُ التي لا تكادُ تُوجَدُ إلا عند ابنِ أبي حاتم في هذا الكتاب، وعنه ينقُلُ الأئمَّةُ ذلك الحديثَ (٥) ، وهناك عدةُ أحاديثَ نَصَّ الحافظُ ابنُ عبد الهادي على أنه لم يَجِدْهَا؛
стр. 280
كقوله (١) : «ولم يُخَرِّجْ أحدٌ من أهل السُّنَنِ هذا الحديثَ، ولم أَرَهُ في "معجم الطبراني"، ولا في "سُنَنِ الدارقطني"، ولا في "السنن الكبير" للبيهقي، وقد فَتَّشْتُ عنه في كُتُبٍ أُخَرَ، فلم أره» .
ومن ذلك: إظهارُ الفَرْقِ بين طريقةِ المحدِّثين، وطريقةِ الفقهاء والأصوليِّين، في إعلالِ الأحاديثِ وتَصْحيحِهَا؛ كحديثِ ابن عمر عن النبي (ص) : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ؛ فقد قال عنه أبو حاتم (٢) : «منكر» ، ومع ذلك صحَّحه ابنُ حِبَّانَ (٣) ، وقال عنه البُوصِيرِيُّ (٤) : «هذا إسنادٌ صحيح» ؛ أَخْذًا بظاهرِ الإسناد.
ومن ذلك: معرفةُ ما يَجْرِي فيه الخلافُ بين المحدِّثين، وتَخْتَلِفُ بسببِهِ أحكامُهُمْ على الأحاديثِ؛ كالتفرُّدِ ونحوِهِ؛ فهناك أحاديثُ أعلَّها أبو حاتمٍ وأبو زُرْعة، وأَخْرَجَهَا الشيخان في صَحِيحَيْهِمَا (٥) ، وهناك أحاديثُ اختلَفَ فيها حُكْمُ أبي حاتم وأبي زُرْعة فيها مع حُكْمِ الدارقطنيِّ (٦) ، أو غيرِهِ من الأئمَّة النُّقَّاد؛ كيحيى القَطَّانِ (٧) ، بل
стр. 281
اختلَفَ حُكْمُ أبي حاتمٍ أحيانًا مع حُكْمِ أبي زُرْعة (١) ، وربَّما خالَفَ عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم أباه (٢) ، بل رُبَّمَا اختلَفَ قولُ الإمامِ الواحدِ منهم في مسألةٍ واحدةٍ (٣) ، وربَّما أَشْكَلَ الأَمْرُ فَتَوَقَّفَ عن الترجيح (٤) .
ومن ذلك: حَثُّ طُلاَّبِ عِلْمِ الحديثِ على البُعْدِ عن الأقوالِ الشاذَّةِ وما يجري مَجْرَاهَا من الأقوالِ التي يكونُ الاعتمادُ فيها على خَطَأٍ في فَهْمِ عبارةِ إمام، أو الأخذِ بلازمِ قولِهِ، أو مجاراتِهِ في خطئه، أو نحوِ ذلك؛ مِثْلُ تصحيحِ روايةِ ابنِ لَهِيعة إذا كانتْ مِنْ طريقِ العَبَادلةِ - ومَنْ في حُكْمهم - فإعلالُ أبي حاتمٍ وأبي زُرْعة لأحاديثِ ابنِ لَهِيعة ليس فيها تفريقٌ بين العبادلةِ وغيرهم (٥) .
ومِثْلُ الإعلالِ بالتدليسِ، والتشديدِ في العَنْعَنة؛ بخلافِ ما يَذْهَبُ إليه بعضُ المجتهدين من طَلَبَةِ العِلْمِ الذين أَلْصَقُوا بالأئمَّةِ قَبُولَ عَنْعنةِ المدلِّس مطلقًا (٦) ، إلا إذا تبيَّنَ أنه دلَّس تلك الروايةَ.
وهذا الكتابُ مليءٌ بالأمثلةِ التي ينبغي لطالبِ عِلْمِ الحديثِ
стр. 282
تأمُّلُهَا، واستخراجُ الفوائدِ المتعلِّقةِ بهذه المسألةِ منها (١) .
ومن ذلك: بيانُ مَنْهَجِ الأئمَّةِ في التشديدِ في أحاديثِ العقائدِ والأحكام (٢) ، والتساهُلِ في غيرها كالفَضَائِلِ، والرقائقِ، والأدعية (٣) .
ومن ذلك: التنبيهُ على أنه ليس كُلُّ متابعةٍ أو شاهدٍ يَرْفَعُ مِنْ درجةِ الحديثِ ويُقَوِّيهِ؛ فَكَمْ مِنَ الأحاديثِ التي لا يَعْتَدُّ فيها أبو حاتمٍ وأبو زُرْعة بمتابعةِ الراوي وإنْ كان غَيْرَ مُتَّهَمٍ، بل ربَّما كان ثقةً أحيانًا؛ لأنهم يَرَوْنَ أنه أخطَأَ (٤) !!
ومن ذلك: بيانُ أنه ليس كُلُّ اختلافٍ على راوٍ يُعَدُّ قادحًا، بل مِنَ الرواةِ مَنْ هو مُكْثِرٌ مِنَ الروايةِ، فربَّما رَوَى الحديثَ على وجوهٍ كلُّها صحيحةٌ عنه؛ كقتادةَ، فإنَّ مِثْلَ هذا في حديثِهِ كثيرٌ (٥) .
ومن ذلك: أنهم قد يرجِّحون روايةَ راوٍ مُتَكَلَّمٍ فيه خالَفَ عددًا من الثقات، فزاد هو في الإسنادِ رجلاً نَقَصُوهُ، ولم يَقَعِ التصريحُ في روايتِهِمْ بالسماعِ في مَوْضِعِ الزيادةِ، ويُشِيرُونَ إلى ذلك بقولهم أحيانًا:
стр. 283
الزيادةُ مِنَ الثقةِ مقبولةٌ (١) .
ومن ذلك: بيانُ مَنْهَجِ الأئمَّةِ في الانتخابِ؛ وهو أَخْذُ الغرائبِ، وتَرْكُ المشاهير (٢) .
ومن ذلك: بيانُ اختصاصِ بعضِ الأئمَّةِ ببعضِ الشيوخِ، وتَقْدِيمِهِمْ فيهم على أئمَّةٍ آخَرِينَ حالَ الخلافِ؛ مثلُ كَوْنِ عبد الله بنِ المبارك ويحيى بنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ أعلَمَ بحديثِ شُعْبةَ مِنْ وَكِيعِ بنِ الجَرَّاح (٣) .
ومن ذلك: أنَّ روايةَ الراوي للحديثِ بِنُزُولٍ قرينةٌ تَدُلُّ على إعلالِ روايةِ مَنْ رواه عنه عاليًا (٤) .
ومثله: لو كان الحديثُ عندَ الراوي مرفوعًا لم يَحْتَجْ أن يُحَدِّثَ به موقوفًا؛ لأنَّ هذا يَدُلُّ على إعلالِ الروايةِ المرفوعةِ (٥) .
ومن ذلك: الاستدلالُ بمتابعةِ القَرِينِ لقرينِهِ - وهما مِنْ بلدٍ واحد - على أنَّ شيخهما قد قَدِمَ إلى بلدهما؛ وهذا يُغَلِّبُ جانبَ السَّمَاعِ؛ وهذه الفائدةُ مِنْ أنفسِ الفوائد، وهي مستفادةٌ مِنْ سؤالِ ابن أبي حاتم لأبيه (٦) عن سماعِ أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ مِنْ عبد الله بن أبي قتادةَ حين رَوَى عنه، عن ضَمْرَة بنِ عبد الله بْنِ أُنَيس، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النبي (ص) قَالَ: «لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ» ؛ فاستدَلَّ أبو حاتمٍ
стр. 284
على سماعِ أبي إسحاق من عبد الله بن أبي قتادة بِكَوْنِ إسماعيلَ بنِ أبي خالد رَوَى هذا الحديثَ أيضًا عن عبد الله بن أبي قتادة؛ فهذا يَدُلُّ على أنَّ ابنَ أبي قتادةَ قَدِمَ الكُوفَةَ التي هي بَلَدُ أبي إسحاقَ وإسماعيلَ بنِ أبي خالد؛ وهذا يَدُلُّ على أنَّ المحدِّثين ينزِّلون المعاصرةَ مع اتِّحَادِ البَلَدِ منزلةَ اللِّقَاء، والله أعلم.
ولأَِهَمِّيَّةِ هذا الكتابِ عند الحافظِ محمَّدِ بنِ أحمَدَ بنِ عبد الهادي (ت٧٤٤هـ) ؛ صنَّف كتابًا طُبِعَ بعنوانِ "تعليقةٌ على العِلَلِ لابن أبي حاتمٍ"؛ ذهَبَ يَشْرَحُ فيه عِلَّةَ الحديثِ الذي يُورِدُهُ ابنُ أبي حاتم؛ بتخريجِهِ مِنْ كتب الحديثِ، ونَقْلِ كلامِ الأئمَّةِ فيه، وفي الرُّوَاةِ، وله أحكامٌ على الأحاديثِ والرُّوَاةِ، مع بعضِ التصويباتِ لبعض الأخطاءِ الواقعةِ في "العِلَلِ" لابن أبي حاتمٍ، وقد استَفَدْنَا مِنْ هذا الكتابِ فوائدَ عديدةً مُثْبَتَةً في مَوَاضِعِهَا (١) .
وقد افتتَحَ ابنُ أبي حاتمٍ كتابَهُ هذا بمقدِّمةٍ عن أهميَّةِ عِلْمِ العِلَلِ، ثم ثَنَّى بكتابِ الطهارةِ، ثم الصلاة … وهكذا؛ مُرَتِّبًا له على أبوابِ الفقه، غير أنه لم يُقَسِّمِ الكتابَ الواحِدَ إلى أبوابٍ، فكتابُ الصلاةِ - مثلاً - استَغْرَقَ في المجلَّد الثاني من (ص٣٦) إلى (ص٥٠٨) ، دون تبويب.
وليس هناك ترتيبٌ بين المسائل، غَيْرَ أنه ربَّما سرَدَ عددًا من
стр. 285
المسائلِ عن شيخٍ واحدٍ كحَمَّاد بن سَلَمة؛ كما صنَعَ في المسائلِ مِنْ رقم (٣٢٦) إلى رقم (٣٣٤) .
وكثيرًا ما يَسْرُدُ سؤالاتِهِ لأبيه متتاليةً، وكذا سؤالاته لأبي زُرْعة.
وربَّما كرَّر المسألةَ الواحدةَ كما سيأتي في التنبيهات (١) .
وربَّما كرَّر بعضَ الأبوابِ، مثلُ قولِهِ في المجلَّد الخامس (ص٣٤٢) : «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ فِي الدعاء» ، فإنَّه كرَّره في المجلَّد السادس (ص٣٣٣) بالعنوان نفسه.
وربَّما فرَّق أبوابَ الموضوعِ الواحد، مثلُ قولِهِ في المجلد الرابع (ص٥٧٠) : «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ في القرآنِ وتفسيرِ القرآن» ، وفي المجلَّد السادس (ص٦٣٥) قال: «عِلَلُ أخبارٍ رُوِيَتْ فِي حروفِ القرآن» .