وقبل الشروع في الدراسة التطبيقية يحسن التقدمة بين يديها بدراسة تأصيلية مختصرة، فأقول:
عرَّف ابن قدامة الأمر بأنه: استدعاء الفعل بالقول أو ما قام مقامه (١). وزاد الطوفي: على جهة الاستعلاء (٢).
وقسَّم العلماء صيغ الأمر قسمين: صيغ صريحة في دلالتها على الأمر، وصيغ غير صريحة.
أما الصيغ الصريحة فهي عند أكثر العلماء أربع صيغ وهي:
الأولى: صيغة الأمر (افْعَلْ)، وهي خطاب للحاضر.
الثانية: صيغة (لِيَفْعَل) وسيأتي الحديث عنها.
الثالثة: اسم فعل الأمر، وهو لفظ يقوم مقام الفعل في الدلالة على معناه، وفي عمله (٣). وهو قسمان:
أحدهما: ما وضع أول الأمر لذلك، نحو: نزال بمعنى: انزل، وصه بمعنى: اسكت، وهلم بمعنى: احضر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٠].
ثانيهما: ما نقل عن غيره من ظرف أو من جار ومجرور، كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أو نقل عن
стр. 145
المصدر نحو: رويداً زيداً، أي: أمهله إمهالاً (١).
الصيغة الرابعة: المصدر النائب عن فعل الأمر: إذا جعل جزاء للشرط بحرف الفاء، والعامل فيه فعله المحذوف وجوباً، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: فحرروا، وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، أي: فاضربوا الرقاب، وقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: فافدوا (٢).
القسم الثاني: الصيغ غير الصريحة، وهي الواردة بلفظ الخبر، ويعبَّر عنها الأصوليون بالخبر بمعنى الأمر، أي المتضمن له. وسيأتي مزيد تفصيل، وبيان لأقسامه في الدراسة السادسة، المتعلقة بأسلوب الخبر بمعنى الأمر وتطبيقاته.
وعوداً إلى صيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، وهي من صيغ الأمر الصريحة - كما سبق - ويُعبَّر عنها بصيغة (ليفعل)، وهو خطاب أمر للغائب، وقد ورد الخطاب بها في القرآن متعين غير محتمل لغير الأمر في ثمانين موضعاً، ومحتملاً بين كون اللام للأمر أو لام كي في آيات عشر، ومحتملاً بينهما أيضاً في قراءات ثماني آيات، كما أفاد به الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة في كتابه دراسات لأسلوب القرآن الكريم، وقال: «٢ - دخلت لام الأمر على المضارع المتكلم في آية واحدة: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وفي قراءة شاذة في آية أخرى. ٣ - دخلت لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب في قراءة عشرية في قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]» (٣).
стр. 146
فالأصل فيها إذاً مجيئها بالياء (ليفعل) للغائب.
قال ابن قدامة: «وللأمر صيغة مبنيَّة تدل بمجردها على كونها أمراً إذا تعرَّت عن القرائن، وهي: (افعل) للحاضر، و (ليفعل) للغائب … » (١).
وقد نصَّ الأصوليون على كون هذه الصيغة من صيغ الأمر الصريحة، وأنها وبقية صيغ الأمر الصريحة سواء في دلالتها على الحكم.
يقول الإسنوي: «الأمر سواء كان بلفظ (افعل) كانزل، واسكت، أو (اسم الفعل) كنزال، وصه، (والمضارع المقرون باللام) كقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]» (٢).
ولمَّا كان الأصوليون لا يعبرون إلا بصيغة (افعل) نبَّه بعضهم إلى عدم تميزها عن غيرها في دلالتها على الحكم.
قال الزركشي: «المراد بصيغة (افعل) لفظها، وما قام مقامها من (اسم الفعل) كصه، و (المضارع المقرون باللام) مثل ليقم … وإنما خصَّ الأصوليون (افعل) بالذكر لكثرة دورانه في الكلام» (٣).
تنبيه: اختلف النحاة أيهما الأصل في صيغة الأمر (افعل)، أو (ليفعل)، فذهب بعض النحاة إلى أن الأصل هو صيغة (ليفعل)؛ وذلك لأن الأمر معنى، والأصل في المعاني أن تستفاد بالحروف كالنهي؛ فكما يستفاد النهي من لا الناهية، كذا الأمر من لام الأمر (٤).
стр. 147
وذهب بعض النحاة إلى أن الأصل هو صيغة (افعل)؛ لأنه يفيد المعنى بنفسه بلا واسطة، بخلاف (ليفعل) فإنه يستفاد من اللام (١).
ثم إنني من خلال العمل في البحث رأيت أن يكون الضابط في ذلك هو ورودها في كتب أحكام القرآن.
стр. 148
الدراسة التطبيقية
وفيما يلي الدراسة التطبيقية:
(١) قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وهو يقتضي وجوب الصوم عند شهود شهر رمضان المبارك.
والأمر في الآية على بابه من الوجوب غير مصروف باتفاق أهل العلم (١)، وإنما وقع خلاف بين العلماء فيمن يتوجه الخطاب والأمر، هل يقتضي وجوبه على المقيم والمسافر، أو على المقيم فقط؟
وسبب الخلاف راجع إلى القول بتعارض الإضمار (٢) والتخصيص (٣)، فأما الإضمار فهو في مفعول ﴿شَهِدَ﴾، وتقديره: فمن شهد البلد في الشهر. وهذا يقتضي أن وجوب صوم رمضان إنما يجب على المقيم فقط. وهؤلاء جعلوا ﴿الشَّهْرَ﴾ في الآية منصوباً على الظرفية (٤).
стр. 149
أما جمهور أهل العلم فإنهم يرون قوله ﴿الشَّهْرَ﴾ هو مفعول ﴿شَهِدَ﴾ وأما المقيم فهو مخصوص بقوله في آخر الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقدموا التخصيص على الإضمار (١).
تنبيه: في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] خلاف في اللام الواردة فيه، هل هي لام للتعليل أو لام الأمر؟
يقول ابن الفرس: «ويجوز أن تكون لام الأمر، ويكون المعنى: أو في مرضه، فليكمل عدة الأيام التي أفطر فيها … » (٢).
قلت: ووجوب إكمال العدة ثابتٌ بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فهو مصدر نائب عن فعل الأمر - وهو أحد الأساليب الصريحة بالأمر.
قال الزركشي: «المراد بصيغة (افعل) لفظها وما قام مقامها من اسم الفعل ك (صه)، والمضارع المقرون باللام … وكذلك المصدر المجعول جزاء الشرط بحرف الفاء كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي فحرروا … وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي صوموا … » (٣).
وقال القرطبي: «﴿فَعِدَّةٌ﴾ ارتفع عدة على خبر الابتداء، تقديره فالحكم أو الواجب عدة». ثم قال بعدها: «ويصح فَعليهِ عدة»، وقبلها قال: «إن في الكلام حذف؛ أي من يكن منكم مريضاً أو مسافراً فأفطر فليقض» (٤).
стр. 150
وجميع ما ذكر دل على وجوب إكمال العدة، بأصرح من كون اللام في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ للأمر.
قال محمد عبد الخالق عظيمة: «قال ابن عطية: اللام للأمر، ويضعفه أن النحويين قالوا إن أمر المخاطب باللام قليل، ويضعفه أيضا أنه لم يؤثر أن أحداً من القراء قرأ بإسكان هذه اللام، فلو كانت اللام للأمر لكانت كسائر أخواتها من القراءة بالوجهين، فدل ذلك على أنها لام الجر، لا لام الأمر» (١).
(٢) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
اشتملت هذه الآية على عدد من الأحكام الثابتة بصيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل). وقبل البدء في بيان تلك الأحكام تجدر الإشارة إلى أمرين:
الأمر الأول: أن العلماء مختلفون في كون الأمر بالكتابة الوارد في صدر الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، هل هو محكم أو منسوخ؟ (٢).
стр. 151
والقائلون بأنه محكم اختلفوا في دلالة الأمر فيه هل هي على أصلها للوجوب أو أنها مصروفة إلى الندب؟ (١).
وهذا الخلاف يترتب عليه حمل دلالة صيغة (ليفعل) الآتي ذكرها؛ وذلك لأن كل ما لا يتم الواجب أو المندوب إلا به فهو واجب أو مندوب، فوسيلة الشيء تأخذ حكمه، وعليه فإجابة الكاتب للكتابة، وإملال الذي عليه حق، أو وليه يُبنى عليها، كما سيأتي.
الأمر الثاني: إن مقصود الشارع من شرعه كتابة الدَّين حفظ الحقوق.
قال ابن العربي: «يريد أن يكون صكاً يستذكر به عند أجله؛ لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل، والنسيان موكل بالإنسان، والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ، فشرع الكتاب والإشهاد … » (٢).
стр. 152
إذا تبين هذا، ففي الآية الكريمة خمسة أحكام مستنبطة بواسطة دلالة صيغة (ليفعل)، سأوردها تحت هذه المسائل:
* المسألة الأولى: هل يشترط أن يكون كاتب الدين من غير المتداينين؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لابد من وجد ثالث يكتب الدين بين الدائن والمدين، لدلالة قوله تعالى: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: بين صاحب الدين والمستدين، فلا ينفرد أحد المتداينين بالكتابة حتى لا يتهم.
قال القرطبي: «وإنما قال ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ولم يقل أحدكم، لأنه لما كان الذي له الدّين يَتَّهِم في الكتابة الذي عليه الدين، وكذلك العكس، شرع الله سبحانه كاتباً غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمه موادَّةٌ لأحدهما على الآخر» (١).
وذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط كون الكاتب من غير المتداينين، فيجوز أن ينفرد أحد المتداينين بالكتابة، وإنما جاز الأمر بتوسط كاتب بينهم لأن غالب حال العرب حين نزول الخطاب الجهل بالكتابة، فجهل أحدهما بما كتب الآخر ينفي ثقته بكتابته، أما إذا كانا يحسنان الكتابة فينتفي المحظور.
قال ابن عاشور: «إنما هو أمر للمتداينين بأن يوسطوا كاتباً يكتب بينهم؛ لأن غالب حالهم جهل للكتابة، وفعل الأمر للمبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب، والعرب تعمد إلى المقصود فتنزله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله، كقولهم في الأمر: ليكن ولدك مهذباً، وفي النهي: لا تنس ما أوصيتك، ولا أعرفنك تفعل كذا. فمتعلق الطلب هو ظرف ﴿بَيْنَكُمْ﴾ وليس هذا أمراً للكاتب، وأما أمر الكاتب فهو في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾» (٢).
стр. 153
وسواء قلنا باشتراط كون الكاتب ليس واحداً منهما، أو عدم اشتراط ذلك، فإن دلالة الأمر ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ تحمل على الخلاف السابق، الدائر بين الوجوب والندب في حكم كتابة الدَّين.
* المسألة الثانية: العدالة في كتابة الدين
تشمل العدالة هنا المكتوب والكاتب، أما المكتوب «فلا يميل أحدهما لقرابة ولا غيرها، ولا على أحدهما لعداوة ونحوها» (١).
أما الكاتب فاشتراط كونه عدلاً، لأن الحكمة من الكتابة - كما سبق - هي حفظ الأموال، وغير العدل لا يؤمن منه الميل لأحد المتداينين لقرابة أو لعداوة - كما سبق - أو لمصلحة نفسه.
قال الإمام مالك: «لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه، مأمون؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾» (٢).
قال ابن الفرس: «استدل به بعضهم على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون» (٣).
وقال أيضاً: «يؤخذ من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ عدم صحة وصاية الذمي والفاسق؛ لأنه لا يؤمر أن يمُل بالعدل إلا العدل» (٤).
إذا تقرر ما سبق فإنه لا ينبغي أن يختلف اثنان في حمل صيغة (ليفعل) هنا على الوجوب؛ لما سبق من أن المقصود حفظ الحقوق، وحفظها واجب،
стр. 154
ولا يتم الواجب إلا بالعدل، فاشتراط العدالة واجب.
* المسألة الثالثة: حكم إجابة الكاتب للكتابة
اختلف العلماء في محمول الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾، فذهبت طائفة من العلماء إلى كونه فرضاً، ثم اختلفوا، فقيل: إنه فرض كفاية، وقيل: فرض عين، وقيل: فرض حال فراغه (١).
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه ندب (٢).
قلت: يؤيد القائل بأنه فرض، النهي المتقدم عليه، وهو قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، فنهى المولى عن أن يمتنع أحد عن الكتابة في هذه الآية، والنهي عن الشيء أمر بضده، ومأخذهم بهذا ظاهر، ولاسيما إن قلنا: إن كتابة الدَّين واجبة.
لكن يضعف القول بالوجوب أن الكتابة لو كانت واجبة لما صحَّ الاستئجار بها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة (٣).
أما القائل بالندب والاستحباب فمأخذهم -والعلم عند الله- كونه كان واجباً ثم نسخ، والوجوب إذا نسخ فإنه يحمل على الندب عند كثير من أهل الأصول (٤).
قال ابن العربي: «والصحيح أنه أمر إرشاد، فلا يثبت حتى يأخذ حقَّه،
стр. 155
وما ذكره من المعنيين يتفقان مع هذا الاختيار» (١).
والذي يظهر لي أن الخلاف هنا مفرع عن الخلاف في حكم كتابة الدين - كما سبقت الإشارة إليه - وتعتبر إجابة الكتابة وسيلة للكتابة، ووسيلة الشيء تأخذ حكمه.
يقول الجصاص: «قال أبوبكر: قد بيَّنا أن الكتاب غير واجب في الأصل على المتداينين، فكيف يكون واجباً على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا العقد ولا سبب فيه؟ وعسى أن يكون من رآه واجباً ذهب إلى أن الأصل واجب … » (٢).
* المسألة الرابعة: إملال الذي عليه الحق
قال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
الإملال مأخوذ من مصدر الفعل الرباعي «أملّ». وأمل الشيء: قاله فكتب، وأمليت الكتاب على الكاتب إملالاً: ألقيته عليه (٣).
والمقصود ما يلقيه الذي عليه الحق (المدين) على الكاتب مما صار في ذمته من الحق دون زيادة أو نقصان؛ ليكون إقراره على نفسه بالحق.
قلت: إن الإملال فرع عن الكتابة، فإن كانت الكتابة واجبة، فيأتي الخلاف هنا، هل يجب أن يمل الذي عليه الحق؟ أو يكون غير واجب، وصرفه عن الوجوب لأنه من باب الإرشاد، وقد ذكر العلماء الإرشاد من صوارف الأمر عن الوجوب، وجعلوا ضابطه: «أنه يرجع إلى مصالح الدنيا، بخلاف الندب؛ فإنه يرجع إلى مصالح الآخرة، وأيضا: الإرشاد لا ثواب فيه، والندب فيه الثواب» (٤).
стр. 156
* المسألة الخامسة: الوكالة في الإملال
قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾
قد يعجز المدين عن القيام بالإملال على الكاتب الحق الذي عليه، فبيَّن المولى سبحانه هنا أنه يشرع قيام وليِّه بذلك نيابة عنه، فهل يكون إملال الولي واجباً عليه، أو أنه داخل في باب الإرشاد؟
قال الموزعي: «وأمر الولي أن يُملّ عن الموَلّى عليه إذا كان سفيهاً مبذراً للمال، أو ضعيفاً غبياً أحمق، أو لا يستطيع الإملال لجنون أو صغر أو عِيٍّ وأقام عليهم مقامهم» (١).
قلت: وهذه المسألة تأخذ حكم المسألة السابقة، لأن الولي بدلٌ عن المولَّى عليه، والبدل يأخذ حكم المبدل عنه. والله أعلم.
فائدة: يؤخذ من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ عدم صحة وصاية الذمي والفاسق؛ لأنه لا يؤمر أن يمُل بالعدل إلا بالعدل (٢).
(٣) قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
ترد الأمانة لمعان عدَّة منها: ما افتراضه الله على عباده من صلاة وزكاة وصوم .. الخ، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا
стр. 157
أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] وترد ويراد بها أداء الودائع والديون، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وهذا هو المراد، وإن كان داخلاً في عموم الأول (١).
قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ لام أمر، ومعنى الآية كما يقول ابن العربي: «إن سقط الكتاب والإشهاد والرَّهن، وعوِّل على أمانة المعامل، فليؤد الذي ائتمن الأمانة، وليتق الله ربه» (٢).
وأداء الأمانات واجب غير مصروف، وقد تضافر على تأكيد وجوبه الكتاب والسنة والإجماع.
يقول القرطبي: « … وهذا أمر معناه الوجوب، بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون … » (٣).
وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية، قال: «يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»، رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٤)، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله على عباده، من الصلوات والزكوات، والصيام والكفارات والنذور، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه
стр. 158
لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بيِّنة على ذلك. فأمر الله بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة» (١).
فائدة: استُدل بالآية في مسألة اختلاف المتبايعين للسلعة إذا اختلفا، فإن القول قوله سواء أقرَّ البائع بأجل أم لا (٢).
(٤) قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
اللام في قوله ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام أمر، وفيه الأمر بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والدعوة إلى الله عموما - وهي دعوة إلى خير لا ريب فيه - عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: الدعوة إلى الله هي: «الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، وتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشرِّه، والدعوة إلى أن يعبد ربه كأنه يراه» (٣).
فالخير هو دعوة إلى الإيمان والإسلام والإحسان، وهو تعريف للدعوة بحسب ما تدعو إليه، وهو الدين.
стр. 159
كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخير الذي أمرنا بالدعوة إليه.
وعُرِّف المعروف الذي دُعينا الأمر به بأنه: اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح (١). والمنكر نقيضه.
يقول الطبري: « … الأمر بالمعروف هو كل ما أمر الله به عباده، أو رسوله ﷺ ، والنهي عن المنكر هو كل ما نهى الله عنه عباده أو رسوله ﷺ … » (٢).
إذا تبين حقيقة الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأمر بهما على بابه من الوجوب، لا خلاف بين العلماء في ذلك.
يقول الجصاص: «أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه، وبيَّنه رسول الله ﷺ في أخبار متواترة عنه فيه، وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه» (٣).
وقال النووي: «وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة» (٤).
والخلاف إنما في كون وجوبه كفائياً أو عينياً.
وسبب الخلاف عائد إلى قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ في الآية هل هي بيانية، فيكون واجباً عينياً، أو أنها تبعيضية فيكون واجباً كفائياً.
стр. 160
وقد جمع بينها بعض العلماء، يقول ابن كثير: «والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة منتصبة لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١). وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٢)» (٣).
(٥) قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]
ثبت في هذه الآية بصيغة الأمر (ليفعل) حكمين خاصين بمسألة الأكل من مال اليتيم.
وقبل البدء في بيان الحكمين، لابد من الإشارة إلى أن العلماء أجمعوا على تحريم أكل مال اليتيم وأنه من الكبائر (٤).
قال ابن الفرس: «اتفق أهل العلم جميعا على تحريم أكل مال اليتيم ظلماً وإسرافاً، وعلى أن ذلك من الكبائر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا مِمَّا [النساء: ١٠]، وقوله:
стр. 161
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾» (١).
ثم قال بعد ذلك: «وإن لم يكن إسرافاً وبداراً فإن ذلك يختلف بحسب حال الولي» (٢) اه.
ووالي اليتيم إما أن يكون غنياً يمكنه الاستغناء عن مال اليتيم، أو فقيراً قد يحتاج إلى شيء من مال اليتيم، ولكل حال حكم، وبيانها فيما يلي:
الحكم الأول: أمر الولي الغني بالاستعفاف عن مال اليتيم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾.
وَرَدَ الأمر بالاستعفاف بلام الأمر، والإعفاف هو الإمساك، والاستعفاف عن الشيء تركه (٣)، وقد اختلف العلماء في محمول هذا الأمر.
يقول ابن الفرس: «فبعضهم يرى ذلك محظوراً، ويرى الأمر أمر وجوب، وبعضهم يراه مكروهاً، ويرى الأمر أمر ندب، وقيل: مباح للغني أن يأكل منه بقدر قيامه عليه وخدمته فيه، وانتفاع اليتيم به في حسن نظره إليه» (٤).
قلت: والأصل هو الوجوب. ولعل القائل بالندب نظر إلى أن له الحق بالمطالبة بأجرة المثل. والقائل بالإباحة نظر إلى أنه أمر بعد حظر وهو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ (٥). والله أعلم.
стр. 162
الحكم الثاني: أمر الولي الفقير بالأكل من مال اليتيم لقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ولم أر خلافاً بين أهل العلم في حمل الأمر هنا على الإباحة.
قال القرطبي: « … فأمر الغني بالإمساك، وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه بالمعروف» (١).
وقد بيَّن الشيخ العثيمين الصارف له عن الوجوب بأن الأمر جاء عقب النهي، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾، والأمر بعد النهي إما للإباحة على قول بعض العلماء أو لرفع الحظر، وهنا جاء لرفع الحظر فهو مباح (٢).
ثم إنهم اختلفوا بعد ذلك في تأويل الآية، وفي كونها منسوخة أو ثابتة، وفي المراد بالمعروف (٣).
تنبيه: الأمر باستعفاف الغني من الأكل من مال اليتيم وارد بعد حظر أيضاً فلمَ لَمْ يصرف الأمر فيه عن الوجوب لرفع الحظر؟.
والجواب - والعلم عند الله - إن الاستعفاف في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وإن كانت صيغته أمر إلا إنه من حيث المعنى نهيٌ، وهي: كذر، واترك، واكفف، والأمر بمعنى النهي يأخذ حكم النهي لا حكم الأمر.
قال ابن النجار: «وكنهي في المعنى: دع واترك وكف وامسك نفسك عن كذا ونحوه. لما كان أبعاض (افعل) ما يدل على الكف عن العمل احتيج إلى التنبيه على إخراجها، ولهذا قال في جمع الجوامع من حد الأمر إنه: اقتضاء فعل غير
стр. 163
كف مدلول عليه بغير كف … الخ» (١) ثم شرح التعريف.
وعليه فالأمر بالاستعفاف عن أكل مال اليتيم هو الإمساك عن الأكل، وهو ذاته عدم الأكل.
(٦) قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]
أمر الله حاضرَ المُوصي أن يعدل في تلقينه بالوصية، كما يعدل هو في وصيته لو كان هو الموصي يورث ولده، وليتق الله سبحانه، فلا يجاوز الثلث، وليقل قولاً سديداً، أي: صواباً، وهو التلقين بما دون الثلث.
وقيل الخطاب لأولياء اليتامى، فأمرهم المولى أن يحسنوا فيمن ولوا من اليتامى، كما يحبون أن يحسن ولاة أولادهم بهم من بعدهم.
وقيل الخطاب للأوصياء، فأمروا بأداء الوصية على ما رسم الموصي، مثلما ترعى الذرية الضعاف من غير تبديل (٢).
قلت: وَرَدَ في الآية ثلاثة أوامر بصيغة (ليفعل)، وهي: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ وهي محمولة هنا على الوجوب، والأخير هو الذي يدخل في بحثنا - بحسب حدود البحث - ووجه كونه للوجوب هو أن عدم القول السديد، وهو الإيصاء بأكثر من الثلث محرم، - وغير نافذ إلا بإقرار الورثة - وإذا كان محرماً فالتعاون عليه إثم وحرام، وعليه فتركه واجب.
стр. 164
على أنه ورد في غير هذه الآية الأمر بالتقوى والقول السديد، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] والقول السديد هنا هو الحق الموافق للصواب، وهو الذي يخالف قول أهل الأذى (١)، كما يدل عليه سياق الآية، وقد جاءت الآية بعد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]
ويدخل في القول السديد في الآية الأقوال الواجبة قطعاً، وكذا الأقوال المندوبة.
قال السعدي: فالأمر به عام يشمل الأقوال الواجبة، والأقوال الصالحة النافعة وهي غير واجبة، من قراءة وذكر ودعاء، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتعلم علم وتعليمه، ولين الكلام، واللطف في المخاطبة، والقول المتضمن للنصح والإشادة بما هو الأصلح (٢).
(٧) قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]
المعنى: «فليجاهد لإعلاء كلمة الله تعالى المؤمنون المخلصون ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: الذين يبيعون الحياة الدنيا ولذَّاتها بالآخرة، ويبذلون أرواحهم لله تعالى، ويجعلون الآخرة وثوابها ثمناً لها وعوضاً منها» (٣).
стр. 165
والأمر بالجهاد متقرر وثابت ومحكم في القرآن الكريم، وهو فرض كفائي على المسلمين، وقد يتعين في حالات (١). وهذا قول جمهور أهل العلم، قيل: نقل بعضهم الإجماع عليه.
قال ابن عطية: «واستمر الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد ﷺ فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام، فهو حينئذ فرض عين» (٢).
يقول الجصاص متأولا القول المنسوب إلى بعض الصحابة في كونه بعد فتح مكة ليس بفرض إلا أن يستنفر الإمام أحداً منهم: «وجائز أن يكون قول ابن عمر، وعطاء، وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس بفرض؛ يعنون به: أنه ليس فرضه متعيناً على كل أحد؛ كالصلاة والصوم، وأنه فرض على الكفاية» (٣).
(٨) قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]
стр. 166
تضمن هذه الآية عدداً من الأحكام الثابتة بصيغة الأمر (ليفعل) نتناولها في المسائل التالية:
* المسألة الأولى: حكم إقامة الصلاة في حال الخوف
قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، وهو أمر بصيغة (ليفعل) من المولى لنبيه ﷺ بأداء فريضة الصلاة في حال الشدَّة والبأس، وتشريع منه - سبحانه - لصلاة الخوف. وهو أمر مجمع عليه (١).
يقول الموزعي: «وأجمع المسلمون على وجوب الصلاة في حال الخوف، وجوازها كما شرع الله سبحانه في كتابه وبيّن رسول الله ﷺ ، إلا ما يحكي عن طائفة من فقهاء الشام من المالكية (٢) أنه يجوز تأخرها عن وقت الخوف إلى وقت الأمن» (٣).
وكما قال الموزعي: المرجع في بيان كيفيتها هو فعله ﷺ ، وستأتي في مسألة قادمة.
وينبغي الإشارة إلى أن الحكم السابق وهو وجوب إقامة الصلاة في حال الخوف هل هو حكم باق بإقامتها مع النبي ﷺ ؟ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية.
يقول الأمين الشنقيطي: «لا تختص صلاة الخوف بالنبي ﷺ ، بل مشروعيتها
стр. 167
باقية إلى يوم القيامة، والاستدلال على خصوصها به ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، استدلال ساقط. وقد أجمع الصحابة ﵃ والمسلمون على رد مثله في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، واشتراط كونه ﷺ فيهم إنما ورد لبيان الحكم، لا لوجوده، والتقدير: بيِّن لهم بفعلك لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره (١)، وشذ عن الجمهور أبو يوسف (٢)، والمزني (٣)، وقال بقولهما الحسن بن زياد اللؤلؤي، وإبراهيم بن عُلَيَّة فقالوا: إن صلاة الخوف لم تشرع بعده ﷺ ، واحتجوا بمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية. وردّ عليهم بإجماع الصحابة عليها بعده ﷺ (٤)، وبقوله ﷺ «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥) وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم» (٦).
стр. 168
* المسألة الثانية: حكم إقامة صلاة الخوف جماعة
سبق في المسألة السابقة نقل الإجماع على وجوب الصلاة في حال الخوف، مستدلين بقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، وهذا الأمر في ذاته مختلف في حمله على الوجوب أو الاستحباب في صلاة الجماعة.
فالقائلون بأن صلاة الجماعة ليست واجبة في الأمن فمن باب أولى عدم وجوبها حال الخوف. والصارف عندهم لأوامر الشارع بإقامة الصلاة، ومنها هذه الآية أدلة استدلوا بها على عدم الوجوب، ومنها قوله ﷺ : (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (١).
ويرى كثير من المحققين وجوب صلاة الجماعة في الخوف والحضر، مستدلين بهذه الآية (٢).
يقول الأمين الشنقيطي: «آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة؛ لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم، إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف؛ لأنه عذر ظاهر» (٣).
* المسألة الثالثة: كيفية صلاة الخوف
أمر الله نبيه ومن معه أن يصلوا صلاة الخوف بكيفية معينة. فقال سبحانه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية،
стр. 169
وهذه الأوامر وردت بصيغة (ليفعل) الفعل المضارع المجزوم، وهي: أي الكيفية وردت مجملة في الكتاب العزيز، وبينها النبي ﷺ بفعله، وهي محمولة على الوجوب، ويؤيده قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١).
قال ابن العربي: «ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف مراراً عدة بهيئات مختلفة، فقيل في مجموعها أنها أربع وعشرون صفة، ثبت فيها ست عشر صفة» (٢).
ويقول الشيخ الأمين: «وهيئات صلاة الخوف كثيرة، فإن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة، وتارة إلى غيرها، والصلاة قد تكون رباعية، وقد تكون ثلاثية، وقد تكون ثنائية، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم القتال، فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى رجالاً وركباناً، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصحيح جائزة، وهيئاتها مفصلة في كتب الحديث والفروع» (٣).
* المسألة الرابعة: حكم حمل السلاح في صلاة الخوف
قال الله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾
اتفق العلماء على وجوب حمل السلاح (٤) للأمر والوارد في الآية بصيغة المضارع المجزوم ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾، ولم يرخص إلا في حالتي المطر والمرض خاصة. ثم إن العلماء اختلفوا في وجوبه على منْ، هل على الطائفة التي تحرس، أو على المصلية أو عليهما جميعا؟
стр. 170
قال ابن الفرس: «وقال بعض العلماء يجوز أن يكون الأمر للجميع؛ لأنه أهيب للعدو» (١).
قلت: يلزم القائل بوجوبها على الطائفة المصلية وجوبها على الطائفة الأخرى، ويظهر ذلك من خلال تعليلاتهم في جواز حملها في الصلاة أو عدم جوازها.
يقول الطحاوي: «ولما جاز أخذ السلاح في الصلاة - وذلك عمل فيها - دلَّ على أن العمل اليسير معفو عنه فيها» (٢).
وقال ابن العربي: «المسألة السادسة: قول لشافعي: إذا تابع الطعن والضرب فسدت الصلاة؛ لأنها لا تكون حينئذ صلاة وإنما تكون محاربة. قلنا: يا حبذا الفرضان إذا اجتمعا» (٣).
وتبقى الإشارة والتنبيه إلى أمرين:
الأول: سبب الخلاف في وجوبها على الطائفة المصلية أو الأخرى هو الخلاف في عود الضمير، فذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه إلى أن الضمير يعود إلى الطائفة التي لم تصل، وعليه لا يجب على المصلي حمل السلاح.
يقول الطحاوي: «يحتمل أن يكون المأمورون بأخذ السلاح الطائفة التي مع الإمام، ويحتمل أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو؛ لأن في الآية ضميرا للطائفة التي بإزاء العدو، وضميرها ظاهر في نسق الآية في قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾» (٤).
стр. 171
وذهب مالك والشافعي في قوله الآخر أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور وهم الطائفة المصلية (١)، وعليه يكون حمل السلاح واجباً عليها.
الثاني: يقول الموزعي: «وليس المراد بأخذ السلاح ملازمة حمله وتناوله، بل المراد إما حمله أو وضعه قريباً بحيث يمكن المجاهد تناوله على قرب وسهولة، ويكون حذراً، كما قال الله تعالى عند وضع السلاح للعذر: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾» (٢).
(٩) قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]
ورد الأمر بصيغة المضارع المقرون بلام الأمر (ليفعل): ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾، وقد اختلف المفسرون في المراد بها على قولين (٣):
الأول: أن المعنى: وقلنا ليحكم أهل الأنجيل، فيكون هذا إخباراً عما فرض عليهم في وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول؛ لأن ما قبله من قوله ﴿وَكَتَبْنَا﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ [المائدة: ٤٦]، يدل عليه، وحذف القول كثير.
قلت: وعلى هذا فصيغة (ليفعل) هنا ليست على بابها من الوجوب، بل هي لمجرد الإخبار.
стр. 172
المعنى الثاني: أن يكون قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ ابتداءً واستئنافاً، وفيه أمر للنصارى بالحكم بما في كتابهم، وهو الإنجيل.
وهنا يرد الإشكال كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟!!
وقد اختلفت جوابات أهل العلم عنه، ومن تلك ما أجاب به الجصاص، حيث قال: " … فلا يخلو قوله ذلك من أحد معنيين: إما أن يكون قد استحقوا الذم - لأنهم لم يحكموا بما في الإنجيل بعد بعثة النبي ﵇، ودعائه إياهم إلى دينه، على أنه من حكم الإنجيل شريعة لعيسى على نبينا ﵊ ودون أن تكون شريعة لنبينا ﵇، أو على أنه من شريعة النبي ﵇ دون كونه من شريعة عيسى ﵇. وغير جائز أن يقال: إنهم استحقوا الذم وسمة الفسق، لأنهم أمروا في هذه الحال بالحكم بما في الإنجيل على أنه شريعة لعيسى ﵇، لأن هذا يوجب أن لا يكونوا مأمورين باتباع النبي ﵇ في شرائعه، بل يقتضي: أن يكونوا مأمورين بالبقاء على شريعة عيسى ﵇، وبلوغهم دعوته بالحكم بما في الإنجيل على أنه شريعة لنبينا ﵇، ما لم يأمرهم بخلافها ونسخها، ومن أجل ذلك وصفهم بالفسق، لأنهم زالوا عن حد ما يجب عليهم المصير إليه، من اتباعه، والحكم بما في الإنجيل، على أنه من شريعته ﷺ وفي ذلك أوضح دليل على صحة ما قلنا، والله الموفق للصواب" (١).
(١٠) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]
سبق الحديث عن حكم الجهاد، وأنه فرض على الكفاية كما هو مذهب
стр. 173
جماهير أهل العلم، ودلت هذه الآية على أن الفرض على كل ناحية من بلاد المسلمين قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد، وقد نقل الإجماع على ذلك بعض العلماء (١).
ثم إن الآية دلت بصيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) على صفة من صفات القتال هي الشدة والغلظة على الكفار، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾.
قال الجصاص: «وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ فيه أمر بالغلظة على الكفار الذين أمرنا بقتالهم في القول والمناظرة والرسالة إذا كان ذلك يوقع المهابة لنا في صدورهم، والرعب في قلوبهم، ويستشعرون منا به شدة الاستبصار في الدين والجدَّ في قتال المشركين، ومتى أظهروا لهم اللين في القول والمحاورة استجرؤوا عليهم، وطمعوا فيهم، وهذا حدُّ ما أمر الله به المؤمنين من السيرة من عدوهم» (٢).
وقال الهروي: «والغلظة في زمن الحرب مما تقتضيه الطبيعة والمصلحة لما فيها من شدة الزجر والمنع عن القبح» (٣).
قلت: فيحمل الأمر في زمن الحرب على الوجوب كما في الآية، أما في غير الحرب فإن الحكم يدور مع المصلحة الراجحة، فإن كانت المصلحة في الغلظة كان هو الواجب، وإن كانت في اللين كان هو الواجب.
стр. 174
يقول الهروي معقباً كلامه السابق: «وفي الآية إيماءٌ إلى أنه قد يحتاج حيناً إلى الرفق واللين، وآخر إلى العنف والشدة، لا أن يقتصر على الغلظة فحسب، فإن ذلك مما ينفر، ويوجب تفرق الناس عنهم. وإنما أمروا بذلك في القتال، وما يتصل بالدعوة إلى الإسلام للإرشاد، إلا أنه يجب أن تكون حالهم في الأمور العامة مبنية على الرفق والعدل والتؤدة في المعاملة، ومن ثم صار ذلك من أخص صفات المسلمين» (١).
(١١) قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]
معنى الآية: أي وقلنا له: ناد الناس داعياً لهم إلى الحج، وزيارة هذا البيت، الذي أمرت ببنائه، يأتوك مشاة على أرجلهم، وركباناً على ضوامر من الإبل (٢)، من كل طريق بعيد، ثم بيّن السبب من هذه الزيارة فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ من المنافع الدينية والدنيوية (٣).
قال الجصاص: «قال أبو بكر ظاهره يوجب أن يكون قد أريد به منافع الدين، وإن كانت التجارة جائزة أن تراد، وذلك لأنه قال ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨] فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة؛ لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى
стр. 175
الحج واقعاً لمنافع الدنيا، وإنما الحج الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدنيا على وجه التبع والرخصة فيها دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج» (١).
وقوله «وأمروا بالحج ليشهدوا» يدل على أن اللام هنا هي لام التعليل، وذهب إلى هذا أكثر العلماء.
يقول الشنقيطي: «اللام في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ هي لام التعليل، وهي متعلقة بقوله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية، أي: أن تؤذن فيهم فيأتوك مشاة وركباناً، لأجل أن يشهدوا أي: يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم» (٢).
وذهب ابن العربي إلى أن اللام هنا هي لام المقصود. وقال: «وقد حققنا موردها في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين» (٣).
(١٢) قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]
ورد في هذه الآيات ثلاثة أوامر بصيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل)، وهي متعلقة بالحج وسأدرسها من خلال المسائل الآتية
стр. 176
* المسألة الأولى: قضاء التفث ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾.
والمراد بالتفث: الوسخ، والمعنى: يزيلوا أوساخهم، بحلق الرأس، وقص الشارب والأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد عند الإحلال وخروج من الإحرام. وقيل: غير ذلك (١).
وقد اختلف العلماء في محمول هذا الأمر هل هو على حقيقته من الوجوب، أو أنه مصروف على ثلاثة أقوال (٢):
القول الأول: إنه محمول على حقيقته من الوجوب.
القول الثاني: إنه محمول على الإباحة، وذلك لتقدم الحظر عليه، فهو إطلاق حظر، فقد كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال، وما كان كذلك -أي إنه إطلاق من حظر- فإنه يحمل على الإباحة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]
القول الثالث: يتردد حمله بين الوجوب والندب، وذلك لترتيب قضاء التفث على الذبح.
ثم إن كتب أحكام القرآن تقتصر على فرد من أفراد التفث وهو الحلق، ويذكرون الخلاف في كونه نسكاً فيكون واجباً، أو هو خروج من نسك وليس بنسك.
يقول الجصاص: « .... وذلك دليل على وجوب الحلق لأن الأمر على الوجوب، فيبطل قول من قال إن الحلق ليس بنسك في الإحرام. ومن الناس من
стр. 177
يزعم أنه إطلاق من حظر، إذ كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال ...... والأول أصح، لأن أمره بقضاء التفث قد انتظم سائر المناسك على ما روي عن ابن عمر ومن ذكرنا قوله من السلف (١). ومعلوم أن فعل سائر المناسك ليس على وجه الإباحة، بل على وجه الإيجاب، فكذلك الحلق؛ لأنه قد ثبت أنه أريد بالأمر بقضاء التفث الإيجاب في غير الحلق، فكذلك الحلق» (٢).
* المسألة الثانية: الإيفاء بالنذر الوارد في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾
أمر المولى عباده بالإيفاء بالنذر، أي بما أوجبوه على أنفسهم من أعمال البر، في أيام الحج مما لا يقتضي الحج وجوبه من الضحايا وغيرها، إذ النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب (٣).
إذا تبين ذلك فإن الآية على حقيقتها من الوجوب بالإجماع.
يقول الموزعي: «أمرهم الله تعالى بإيفاء النذور، والأمر فيه للوجوب، وعلى وجوب الوفاء بالنذر أجمع المسلمون … » (٤).
وقد ذكر العلماء الخلاف فيمن نذر نذراً لا يلزم الوفاء به هل تلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء؟.
يقول الجصاص: «قال أبو بكر: وفيه الدلالة على لزوم الوفاء بالنذر، لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، والأمر على الوجوب، وهو يدل على بطلان قول
стр. 178
الشافعي فيمن نذر حجاً أو عمرة أو بدنة أو نحوها أن عليه كفارة يمين؛ لأن الله أمرنا بالوفاء بنفس المنذور» (١).
قلت: وقد بيّن الشنقيطي مأخذ قول الشافعي والجواب عليه ثم قال: «ولا يخفى بعد القول الأخير لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ فهو أمر جازم مانع للتخيير بين الإيفاء به، وبين شيء آخر» (٢).
وقال في صدر الآية: «قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ صيغة الأمر في هذه الآية الكريمة تدل على وجوب الإيفاء بالنذر، كما قدمنا مراراً أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب على الأصح إلا بدليل صارف عنه» (٣) ثم ساق آيات من القرآن تدل على القول بالوجوب.
* المسألة الثالثة: الطواف بالبيت، الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
ذهب جمهور أهل العلم أن المراد به طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزيارة، وقد نقل بعضهم الإجماع على كونه هو المراد.
يقول الموزعي: «أمر الله سبحانه بالطواف بالبيت العتيق، وقد أجمع أهل العلم على أن المراد به طواف الإفاضة، وأجمعوا أنه ركن من أركان الحج» (٤).
وقيل: إنه طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص بعد أن بيَّن أن المراد به طواف الزيارة، قال: «قال أبوبكر: ظاهره يقتضي الوجوب؛ لأنه أمرٌ، والأوامر
стр. 179
على الوجوب، ويدل عليه أنه أمر به معطوفاً على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت وهو يوم النحر بعد الذبح إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (١).
قلت: وعلى القول بأنه طواف الإفاضة أو الوداع فكلاهما واجب، فالأول باتفاق والثاني عند من قال به، والأمر غير مصروف.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «دلَّت الآية الكريمة على لزوم طواف الإفاضة، وأنه لا صحة للحج بدونه» (٢).
(١٣) قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]
أمر المولى في هذه الآية بأن يشهد عذاب الزناة طائفة من المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية وهو أمر بصيغة المضارع المجزوم (ليفعل) وحمله الفقهاء على الاستحباب.
يقول الموزعي: «وهذا الأمر عند أهل العلم للاستحباب، وإنما اختلفوا في أقل الطائفة: فقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وقيل: اثنان» (٣).
وذكر القصاب بأن الآية: «دليل على أنه يقام علانية غير سر، ليتعظ به سائر الناس» (٤).
стр. 180
وكثير من كتب التفسير وأحكام القرآن لم تتعرض للحكم الشرعي في الآية، ويكتفون بذكر الحكمة من الأمر بالشهود للرجم (١).
يقول القرطبي: «اختلف في المراد بحضور الجماعة هل المقصود بها الإغلاظ على الزناة، والتوبيخ بحضرة الناس؟ وأن ذلك يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به، ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة، قولان للعلماء» (٢).
قلت: وبالقول الأول ربما يتقوى جانب الإيجاب، إذ هي مصلحة عامة مقصودة للشريعة، ولا تتحقق إلا بالحضور، فتكون واجباً كفائياً، إذ أن هذا هو شأن الواجبات الكفائية. والله أعلم.
يقول الهروي: «﴿وَلْيَشْهَدْ﴾؛ أي: وليحضر وجوباً نظراً لظاهر الأمر، لكن الفقهاء قالوا بالاستحباب … » (٣).
وعلى القول بالاستحباب، فيكون الصارف - والله أعلم - هو مقصد الشارع من الستر على المؤمن عند القائلين بأن الحكمة التوبيخ، أما القائلين بأنه الدعاء للزاني فهذا إلزام للمكلف بالدعاء لحي قادر أن يدعو لنفسه، أو لمخالفته بعض الأصول، وهي هنا إيجاب وإلزام الإنسان في غير العبادات ما لم يجب عليه أصلاً.