← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1354

دراسات أصولية تطبيقية على آيات الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (391 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

* المسألة الأولى: قضاء التفث ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. والمراد بالتفث: الوسخ، والمعنى: يزيلوا أوساخهم، بحلق الرأس، وقص الشارب والأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد عند الإحلال وخروج من الإحرام. وقيل: غير ذلك (١). وقد اختلف العلماء في محمول هذا الأمر هل هو على حقيقته من الوجوب، أو أنه مصروف على ثلاثة أقوال (٢): القول الأول: إنه محمول على حقيقته من الوجوب. القول الثاني: إنه محمول على الإباحة، وذلك لتقدم الحظر عليه، فهو إطلاق حظر، فقد كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال، وما كان كذلك -أي إنه إطلاق من حظر- فإنه يحمل على الإباحة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] القول الثالث: يتردد حمله بين الوجوب والندب، وذلك لترتيب قضاء التفث على الذبح. ثم إن كتب أحكام القرآن تقتصر على فرد من أفراد التفث وهو الحلق، ويذكرون الخلاف في كونه نسكاً فيكون واجباً، أو هو خروج من نسك وليس بنسك. يقول الجصاص: « .... وذلك دليل على وجوب الحلق لأن الأمر على الوجوب، فيبطل قول من قال إن الحلق ليس بنسك في الإحرام. ومن الناس من

стр. 177

يزعم أنه إطلاق من حظر، إذ كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال ...... والأول أصح، لأن أمره بقضاء التفث قد انتظم سائر المناسك على ما روي عن ابن عمر ومن ذكرنا قوله من السلف (١). ومعلوم أن فعل سائر المناسك ليس على وجه الإباحة، بل على وجه الإيجاب، فكذلك الحلق؛ لأنه قد ثبت أنه أريد بالأمر بقضاء التفث الإيجاب في غير الحلق، فكذلك الحلق» (٢). * المسألة الثانية: الإيفاء بالنذر الوارد في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أمر المولى عباده بالإيفاء بالنذر، أي بما أوجبوه على أنفسهم من أعمال البر، في أيام الحج مما لا يقتضي الحج وجوبه من الضحايا وغيرها، إذ النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب (٣). إذا تبين ذلك فإن الآية على حقيقتها من الوجوب بالإجماع. يقول الموزعي: «أمرهم الله تعالى بإيفاء النذور، والأمر فيه للوجوب، وعلى وجوب الوفاء بالنذر أجمع المسلمون … » (٤). وقد ذكر العلماء الخلاف فيمن نذر نذراً لا يلزم الوفاء به هل تلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء؟. يقول الجصاص: «قال أبو بكر: وفيه الدلالة على لزوم الوفاء بالنذر، لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، والأمر على الوجوب، وهو يدل على بطلان قول

стр. 178

الشافعي فيمن نذر حجاً أو عمرة أو بدنة أو نحوها أن عليه كفارة يمين؛ لأن الله أمرنا بالوفاء بنفس المنذور» (١). قلت: وقد بيّن الشنقيطي مأخذ قول الشافعي والجواب عليه ثم قال: «ولا يخفى بعد القول الأخير لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ فهو أمر جازم مانع للتخيير بين الإيفاء به، وبين شيء آخر» (٢). وقال في صدر الآية: «قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ صيغة الأمر في هذه الآية الكريمة تدل على وجوب الإيفاء بالنذر، كما قدمنا مراراً أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب على الأصح إلا بدليل صارف عنه» (٣) ثم ساق آيات من القرآن تدل على القول بالوجوب. * المسألة الثالثة: الطواف بالبيت، الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ذهب جمهور أهل العلم أن المراد به طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزيارة، وقد نقل بعضهم الإجماع على كونه هو المراد. يقول الموزعي: «أمر الله سبحانه بالطواف بالبيت العتيق، وقد أجمع أهل العلم على أن المراد به طواف الإفاضة، وأجمعوا أنه ركن من أركان الحج» (٤). وقيل: إنه طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص بعد أن بيَّن أن المراد به طواف الزيارة، قال: «قال أبوبكر: ظاهره يقتضي الوجوب؛ لأنه أمرٌ، والأوامر

стр. 179

على الوجوب، ويدل عليه أنه أمر به معطوفاً على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت وهو يوم النحر بعد الذبح إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (١). قلت: وعلى القول بأنه طواف الإفاضة أو الوداع فكلاهما واجب، فالأول باتفاق والثاني عند من قال به، والأمر غير مصروف. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «دلَّت الآية الكريمة على لزوم طواف الإفاضة، وأنه لا صحة للحج بدونه» (٢). (١٣) قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] أمر المولى في هذه الآية بأن يشهد عذاب الزناة طائفة من المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية وهو أمر بصيغة المضارع المجزوم (ليفعل) وحمله الفقهاء على الاستحباب. يقول الموزعي: «وهذا الأمر عند أهل العلم للاستحباب، وإنما اختلفوا في أقل الطائفة: فقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وقيل: اثنان» (٣). وذكر القصاب بأن الآية: «دليل على أنه يقام علانية غير سر، ليتعظ به سائر الناس» (٤).

стр. 180

وكثير من كتب التفسير وأحكام القرآن لم تتعرض للحكم الشرعي في الآية، ويكتفون بذكر الحكمة من الأمر بالشهود للرجم (١). يقول القرطبي: «اختلف في المراد بحضور الجماعة هل المقصود بها الإغلاظ على الزناة، والتوبيخ بحضرة الناس؟ وأن ذلك يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به، ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة، قولان للعلماء» (٢). قلت: وبالقول الأول ربما يتقوى جانب الإيجاب، إذ هي مصلحة عامة مقصودة للشريعة، ولا تتحقق إلا بالحضور، فتكون واجباً كفائياً، إذ أن هذا هو شأن الواجبات الكفائية. والله أعلم. يقول الهروي: «﴿وَلْيَشْهَدْ﴾؛ أي: وليحضر وجوباً نظراً لظاهر الأمر، لكن الفقهاء قالوا بالاستحباب … » (٣). وعلى القول بالاستحباب، فيكون الصارف - والله أعلم - هو مقصد الشارع من الستر على المؤمن عند القائلين بأن الحكمة التوبيخ، أما القائلين بأنه الدعاء للزاني فهذا إلزام للمكلف بالدعاء لحي قادر أن يدعو لنفسه، أو لمخالفته بعض الأصول، وهي هنا إيجاب وإلزام الإنسان في غير العبادات ما لم يجب عليه أصلاً.

стр. 181

(١٤) قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] نزلت هذه الآية في حق أبي بكر الصديق ﵁ عندما حلف ألا ينفق على مسطح بن أثاثة؛ لأنه تكلم في حادثة الإفك، فقال : ألا يحلف أولو الغنى والسعة على ألا يحسنوا إلى المستحقين، وليعفوا عن ذنبهم الذي أذنبوه في حقهم، وجنايتهم التي اقترفوها، وليصفحوا عن الجاني (١). وورد في السنة أن أول رجل قطع في الإسلام - أو من المسلمين - رجل أتي به النبي ﷺ ، فقيل: يا رسول الله إن هذا سرق، فكأنما أُسِفّ وجه رسول الله ﷺ رماداً، فقال بعضهم يا رسول الله! - أي: يقول مالك (٢)؟ - فقال: «وما يمنعني؟ وأنتم أعوان الشيطان على صاحبكم، والله عفوٌ يحب العفو، ولا ينبغي لوالي أمر أن يؤتى بحد إلا أقامه، ثم قرأ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾» (٣). والآية فيها الأمر بالعفو والصفح، وقيل إن الفرق بينهما (٤): أن العفو: ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: إزالة أثره من النفس، صفحت عن فلان: إذا أعرضت عن ذنبه. فالصفح: ترك التأنيب، وهو أبلغ من العفو، فقد يعفو الإنسان ولا يصفح.

стр. 182

إذا تبين ما سبق فما حكم عفو الإنسان وصفحه عمن ظلمه؟ الذي يظهر لي أن دلالة الأمر (ليفعل) هنا على الندب، والصارف له عن الوجوب إلى الندب أمور: (١) إن العفو والصفح من الآداب التي ترشدنا إليها الشريعة، لتحسين الخلق والأخذ بمكارمه. (٢) في الآية قرينة لفظية تشعر بعدم الوجوب، وهي تعليل الأمر وتعليقه على المحبة بطريق العْرض ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يقول الدكتور عبد العظيم المطعني عن الاستفهام: «المراد منه هو: الحث والترغيب في الإنفاق في سبيل الله، وإن أساء المنفق مستحقُّ العطاء، وبخاصة إذا كانوا من ذوي القربى، وذوي الأعذار الشديدة» (١). وقال أيضاً: «﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب مبالغة في الترغيب في المغفرة، واستمالة للنفوس نحو التحلي بأسبابها، وإسناد المغفرة إلى ﴿اللَّهُ﴾ لاستنهاض الهمم نحو العمل الصالح، والأخذ بالتي هي أحسن» (٢). (٣) قُرن العفو بالصفح، والصفح قد لا يكون في مقدور الإنسان؛ لما سبق من بيان للفارق بينهما. قلت: وإذا نظر إلى الاستفهام في قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ على أنه

стр. 183

استفهام توبيخي، فإنه يتردد بين الوجوب؛ باعتبار الذم اللاحق لترك العفو، وقد يحمل على الكراهة، إذ إن ترك المندوب مكروه؛ أو خلاف الأولى. والله أعلم. قال الهرري: «﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بهمزة الاستفهام التوبيخي، أي: ألا تحبون يا أرباب الفضل والسعة أن يستر عليكم ذنوبكم بأفضاله عليكم، والجزاء من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح الله عليك» (١). (١٥) قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فقد ورد الأمر من المولى بصيغة المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) في قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾، والخطاب موجه للمؤمنات بأن يسترن مواطن الزينة عن الرجال، وذلك أن المولى سبحانه لما نهى النساء عن إبداء الزينة أرشد إلى إخفاء بعض مواضعها، فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾، أي: وليلقين ويضعن خمرهن ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن عن الأجانب، حتى لا يرى منها شيء، والمراد بالجيب هنا محله وهو العنق (٢). والآية استُدل بها على أن صدر المرأة ونحرها عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليهما منها، ويجب على المرأة سترهما (٣)، وعليه يحمل الأمر في الآية بلا خلاف.

стр. 184

* وهل يجب على المرأة بمقتضى هذه الآية تغطية وجهها؟ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب عن عروة، عن عائشة ﵄ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن (١) فاختمرن بها (٢). حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: أن عائشة ﵄ كانت تقول: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي (٣)، فاختمرن بها. انتهى من صحيح البخاري (٤). وقال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن؛ أي: غطين وجوههن. وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. انتهى محل الغرض من فتح الباري (٥). وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يقتضي ستر وجوههن،

стр. 185

وأنهن شققن أزرهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها امتثالاً لأمر الله في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ المقتضي ستر وجوههن. وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسِّرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵄ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه. ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إلاَّ من النبي ﷺ لأنه موجود، وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن. وقال ابن حجر في فتح الباري: ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن صفية ما يوضح ذلك: ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش لفضلاًّ، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل، ولقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلاَّ قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح متعجرات (١) على رؤوسهن الغربان. انتهى محل الغرض من فتح الباري (٢). ومعنى متعجرات مختمرات كما جاء موضحاً في رواية البخاري المذكورة آنفاً. فترى عائشة ﵄ مع علمها، وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنه ما رأت أشد منهن تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل. وهو

стр. 186

دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى. فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيماناً بتنزيله. ومعنى هذا ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري. وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى» (١). (١٦) قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] في الآية الكريمة أمر بصيغة المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) وهو قول ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ وهو أمر من المولى لعباده الذين لا يجدون ولا يقدرون على النكاح بسبب عدم وجود المال الذي يتزوج به، أو ما ينفق به على المرأة المتزوجة، أمرهم أن يجتهدوا في العفة ويحفظوا فرجوهم عن الزنا إلى أن يغنيهم الله من فضله (٢). هذا على القول بأن ﴿حَتَّى﴾ في قوله ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ للغاية، وهو قول الجمهور (٣). فيكون مفهوم الغاية أن الله سبحانه إذا أغناه فلا يستعفف بل يطلب النكاح (٤).

стр. 187

والأمر هنا محمول على الوجوب بلا خلاف ولا سيما في صورة التوقان (١). ويرى الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أن «الاستعفاف المأمور به في هذه الآية، هو المذكور في قوله ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] ونحو ذلك من الآيات» (٢) وهو تفسير للقرآن بالقرآن مؤكداً لما ذهب إليه الجمهور من حمل الأمر على الوجوب. أما إذا قيل بأن ﴿حَتَّى﴾ للتعليل وليست للغاية، «والمعنى: وليطلب العفة الذين لا يجدون نكاحاً بالاكتساب؛ لكي يغنيهم الله من فضله، فحينئذ يحصل الوعد من الله بالغنى في طلب النكاح للعفة، ويكون الأمر على الاستحباب» (٣). (١٧) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] اللام في قوله ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ لام الأمر، والاستئذان طلب الإذن، أي: يطلب منكم الإذن في الدخول (٤)، الأناس الذين ملكت أيديكم من العبيد، والإماء الكبار و الصبيان الذين ﴿لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ أي البلوغ، فليستأذنوا في الدخول عليكم ثلاث أوقات في اليوم والليلة؛ لأنها ساعات غرة وغفلة، فهي أوقات تكشف فيها العورات غالباً، وتقلُّ الحاجة إلى تطوف الصبيان والخدم، وتعدم المشقة التي هي سبب رفع الحرج.

стр. 188

والأمر بالاستئذان اختلف أهل العلم في محموله. فقيل هو للوجوب؛ لأنه الأصل، وعزاه القرطبي إلى قول أهل العلم. وقيل: هو محمول على الندب. قلت: ولعل الصارف عندهم كونه منسوخاً - كما ستأتي الإشارة إليه -، وقد تقرر في الأصول أن الواجب إذا نسخ بقي الندب. والأول أولى؛ لأنه أستر للعورة، والشرع حرّم النظر إليها وسدّ كل طريق يؤدي إلى هذا الممنوع وذلك هنا بالاستئذان، وترك الحرام واجب، ووسيلة الواجب واجبة. وهاهنا تنبيهان: التنبيه الأول: اختلف العلماء في كون هذه الآية محكمة أو منسوخة، والجمهور على كونها محكمة، وبعضهم يرى أن الحكم شُرع لمعنى وقد زال ذلك المعنى، فزال هذا الحكم لزواله. يقول الموزعي: «سئل ابن عباس بن عباس ﵄ عن هذه الآية فقال: لا يُعْمل بها اليوم، وذلك أن الناس كانوا لا سُترة لهم، ولا حجاب، فربما دخل عليهم الخدم والولد وهم في حال الجماع، فأمر الله جل ذكره بالاستئذان في هذه الأوقات المذكورة، ثم جاء الله سبحانه بالسِّتر، وبسط الرزق، فاتخذ الناس الأبواب والسُّتور، فرأى الناس ذلك كفاهم عن الاستئذان الذي كانوا أمروا به. وكذا قال مالك لما سُئل عن الآية. وقال أكثرهم: حكم هذه الآية باقٍ ولم ينسخ، ولم يزل» (١).

стр. 189

التنبيه الثاني: لو قال قائل بأن الخطاب للصبيان خطاب تأديب فكيف يكون واجباً؟ الجواب: أن الأمر في حق الصبيان للندب؛ لأنه خطاب تأديب، أما الستر فهو واجب وهو معلق بالنساء (١). (١٨) قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] أمر المولى هؤلاء الذين بلغوا الحلم أن يستأذنوا في جميع الأوقات، في أوقات العورات الثلاث وفي غيرها، كما استأذن الذين من قبلهم من الكبار الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء (٢). والأمر محمول على الوجوب بلا خلاف؛ إذ إن الأطفال إذا بلغوا صاروا رجالاً. قال ابن العربي: و «الآية مبيِّنة لقوله تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، فكان الطفل مستثنى من عموم الحجية في الآية الأولى، إذا لم يظهر على العورة، ثم بيّن الله أن الطفل إذا ظهر على العورة وهو البلوغ يستأذن، وقد كان قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ كافياً، لأن المستثنى طفل بصفته المختصة به، ويبقى غيره على الحجر، فكانت هذه الآية زيادة بيان، لإبانة الله في أحكامه وإيضاح حلاله وحرامه» (٣).

стр. 190

قلت: فالأولى دلّ الحكم عليها بالمفهوم، والثاني مصرحة وناطقة بالحكم، فتضافر في دلالتها المفهوم والمنطوق. تنبيه: وهذا الحكم عام في جميع البالغين من ابن وأخ وأب، وغيره، لا يجوز لهم أن يدخلوا إلا بإذن (١). قال ابن المسيب: يستأذن الرجل على أمه؟، قال: إنما أنزلت - أي الآية - في ذلك (٢). (١٩) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] ورد الأمر في الآية بصيغة المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) موجهاً للكفار، مقابل الأمر الوارد بصيغة (افعل) والموجه إلى المؤمنين، وهو دال على مشروعية سؤال كل واحد من الطرفين ما أنفق من مهر زوجته فقال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾. والمراد بالآية كما يقول ابن العربي: «كل من ذهب من المسلمات مرتدات - من أهل العهد - إلى الكفار، يقال للكفار: هاتوا مهرها. ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها. وكان ذلك نصفاً وعدلاً بين الحالتين» (٣).

стр. 191

وهذا الحكم حكم الله - كما بينت الآية - مخصوصاً بذلك الزمان، في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة (١). ومدلول الأمر فيها يرجع - والعلم عند الله - إلى الإرشاد؛ وذلك لأن إسقاط المطالبة بالمهر حق للزوج، فإن شاء طالب به، وإن شاء تركه، وما فوِّض لمشيئة المكلف فليس بواجب. أما إذا قيل المراد بالآية: إن عليكم أن تؤدوا لهم ذلك (٢)، فيقوى جانب الوجوب، ويعضده ما ورد في الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾. ومن العلماء من قال بالندب. ومنهم من قال بكون الحكم منسوخاً بالقتال في آية السيف. وقيل: إنه مخصوص بزمن معين كما سبق. تنبيه: استدل بالآية بعض العلماء على أن الكفار مخاطبون بالفروع (٣). (٢٠) قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] هذه الآية لها تعلق بالآية السابقة عليها وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]

стр. 192

والمعنى: أي وإن ضيق بعضكم على بعض، بأن شاحَّ الأب في الأجرة، أو اشتطت الأم في طلب زيادة لا يؤديها أمثاله … فليحضر الأب مرضعاً أخرى تقوم بالإرضاع (١) … ثم بيان مقدار النفقة بقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ الآية، وفي الآية حكمان شرعيان: الحكم الأول: بيان إن نفقة الأبناء على الآباء، والآية على بابها محمولة على الوجوب بالإجماع. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «يجب على الرجل أن ينفق على ولده، وبهائمه، وزوجته بإجماع المسلمين» (٢). وإنما وقع الخلاف في الأم هل يجب عليها نفقة الأبناء؟، وهل النفقة تكون واجبة على الأب إلى البلوغ أو إلى الكفاية؟. وهذه الآية كما صرح عدد من العلماء هي أصل في وجوب النفقة للولد على والده (٣). الحكم الثاني: ذكرت الآية مقدار النفقة، آمرة الوالد بأن تكون نفقته على حسب حاله، فإن كان موسراً فليوسع على أولاده، وإن كا معسراً فبحسب وسعه وطاقته. والأمر هنا بيان لكيفية النفقة، والمبيِّن يأخذ حكم المبيَّن، فيكون للوجوب، وجوب التوسعة على الأبناء حال اليسر، وبحسب الطاقة حال اليسر، والمرجع في ضبطها عند الاختلاف إلى العرف.

стр. 193

يقول الجصاص: «وقوله ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ يدل على أن النفقة تفرض عليه على قدر إمكانه وسعته، وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر» (١). واستدل القصاب على وجوب التوسعة بقوله: « … دليل على أن التقتير في الإنفاق - مع السعة - على الأنفس والعيال مذموم» (٢). قلت: والحرام مذموم، وتركه واجب، فيجب التوسيع عليهم حال السعة. تنبيه: في الآية السابقة لهذه الآية: وجوب النفقة على الأم الحامل لأجل ولدها، وبعد الوضع تكون النفقة لأجل إرضاع الولد، فالنفقة في الحالين هو للولد. وجعل القصاب وجوب النفقة على المرضعات ثابت بقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، أما في الآية التي معنا ففيها وجوب عدم التقتير (٣).

стр. 194

الدراسة الخامسة تطبيق الخبر بمعنى الأمر على آيات الأحكام

стр. 195

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد تنوعت أساليب القرآن الدالة على الأمر، فكان منها الصريح على الطلب، ومنها غير الصريح، وقد حصر الأصوليون الصريحة في صيغة (افعل)، والفعل المضارع المقترن بلام الأمر، واسم فعل الأمر، والمصدر النائب عن فعل الأمر، أما غير الصريحة فهي متنوعة، ومنها صيغة الخبر بمعنى الأمر، وهو الذي رغبت في إفراده في هذه الدراسة بدراسة نظرية تأصيلية، ثم تطبيقية على آيات الأحكام، وجعلت عنوان البحث (الخبر بمعنى الأمر في القرآن الكريم دراسة نظرية أصولية وتطبيقية على آيات الأحكام) والمراد بالخبر في معنى الأمر: أي المتضمن له. وهو كل جملة مثبتة وردت في صورة الخبر سواء كانت فعلية أو اسمية، لا يمكن أن يراد منها حقيقة الإخبار بل المقصود منها الإنشاء والطلب. قال ابن حزم: "الأوامر الواجبة ترد على وجهين، أحدهما: بلفظ افعل، وافعلوا. والثاني: بلفظ الخبر، إما بجملة فعل وما يقتضيه من فاعل أو مفعول. وإما بجملة ابتداء وخبر " (١). ثم شرع بضرب أمثلة لجميع تلك الأنواع، ثم

стр. 196

قال: " فلا طريق لورود الأوامر والشرائع الواجبة إلا على هذين الوجهين فقط" (١). ويمكن إجمال أساليب الخبر بمعنى الأمر الواردة في القرآن الكريم إلى ثلاثة أساليب: وهذه الأساليب مستفادة من قول المرداوي في التحبير: «فائدة: أدلة الأحكام لا تتقيد استفادتها من صريح الأمر والنهي، بل تكون بنص، أو إجماع، أو قياس. والنص إما أن يكون أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أو خبرًا بمعناها، أو إخبارًا بالحكم، نحو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) (٢)، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، أو بذكر خاصية لأحدهما، كوعيد عن فعل شيء، أو تركه، أو وعد على فعل شيء أو تركه، ونحو ذلك» (٣) ا. هـ * ويمكن تفصيل شيء مما ذكر على النحو التالي: الأسلوب الأول: أسلوب الإخبار عن حكم الشارع، وفيه يخبر المولى عن الحكم إما بلفظ صريح، أو ظاهر، ومن ذلك: (١) إثبات الحكم بلفظ الفرض وما تصرف منه (٤): ومن أمثلته:

стр. 197

قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، أي: ما فرضنا عليهم التزامه من الأحكام المتعلقة بالزوجات، والإماء، مثل عدم الزيادة على أربع نسوة، وعدم الزواج إلا بِوَلِيّ وشهود، أو أن تكون المرأة الموطوءة بملك اليمين مسلمة أو كتابية، وأن تستبرأ قبل الوطء، فهذه جملة من الأحكام التي فرضها الله على المؤمنين، فيجب التزامها. وقوله تعالى بعد أن بين مصارف الزكاة والصدقات: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، والتقدير: «فرض الله هذه الأشياء فريضة». لطيفة: جاء في المعجم الاشتثقاقي المؤصل لألفاظ القرآن في قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١]، «مخففة بمعنى الإلزام بما فيها من أحكام، ومضعفة على معنى تكثير الفرائض، أو على معنى التفصيل والبيان -من القطع- أو للتنجيم … » (١). (٢) إثبات الحكم بلفظ الكتب وما تصرف منه، فقد ورد بلفظ "كتب" ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وورد بلفظ "كتاب" ومن أمثلته: قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: الزموا ما كتب الله عليكم، أي: فرضه. ومثله قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: واجبًاً مفروضاً مؤقتًا وقّته الله عليهم.

стр. 198

(٣) إثبات الحكم بلفظ الأمر وما يتصرف منه، ومن أمثلته: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]. (٤) إثبات الحكم بلفظ «قضى» ومن أمثلته: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. (٥) إثبات الحكم بلفظ «وصى» وما تصرف منه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وقوله في آية المواريث: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يَكُنْ﴾ [النساء: ١٢]. (٦) الدلالة على الحكم بلفظ (على) ملفوظًا، أو مقدّرًا، ومن ذلك قوله تعالى في آية الصيام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وجاء بصيغة الجمع كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. أما المقدَّر فيه لفظ (على) فهو كثير في كتاب الله، أكتفي بمثال واحد، وهو ما ورد في آية الظهار. يقول القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ هذا ابتداء، والخبر: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وحذف «عليهم» لدلالة الكلام عليه، أي: فعليهم تحرير رقبة» (١).

стр. 199

(٧) وصف الشارع للفعل بأنه (حق)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]. الأسلوب الثاني: ذكر خاصية من خواص الواجب، إما بالوعيد على الترك، أو بترتب العقاب على الترك، أو الذم والتوبيخ، ولها صوَر عديدة، كما أن ترتب الثواب أو المدح على طلب الفعل والأمر به، وله صور متعدّدة. يقول السيوطبي: «وقد نوّع الشّارع ذلك أنواعًا كثيرة ترغيبًا لعباده، وترهيبا وتقريبًا إلى أفهامهم، فكل فعل عظمه الشرع، أو مدحه، أو مدح فاعله لأجله، أو أحبّه، أو أحب فاعله، أو رضي به، أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالاستقامة، أو البركة، أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله كالإقسام بالشفع والوتر، وبِخَيْل المجاهدين، وبالنفس اللوّامة، أو نصبه سببًا لذكره عبده، أو لمحبته، أو للثواب عاجلًا أو آجلًا، أو لشكره له، أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله، أو لنصرة فاعله أو بشارته، أو وصف فاعله بالطيب، أو وصف الفعل بكونه معروفًا، أو نفي الحزن والخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن له، أو نصبه سببًا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه بكونه قربة، أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب» (١) ا. هـ. الأسلوب الثالث: أسلوب الخبر المراد به الأمر، فيما عدا الأسلوبين السابقين، وهو الأسلوب الذي ينبه عليه المفسرون بأنه طلب أو أمر خرج مخرج

стр. 200

الخبر، وهو محط أمثلة الأصوليين غالبًا، وهذا الأسلوب يعرف كونه مستعملًا في معنى الأمر من سياق الكلام، وما يستوجه من الإلزام. والمقصود بالإلزام هنا: ما يشير إليه العلماء غالبًا في إثبات كون الصيغة للطلب مثل قولهم: لو لم يكن للطلب للزم الخلف لما هو مشاهد في الواقع، فيقولون -مثلا- عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وجدت مطلقات لا يتربصن ثلاثة قروء، ولو كان خبراً محضاً لما تخلف الخبر عن مخبره، لأن أخبار الله تعالى لا تنفك من وجود مخبراتها، فلما وجد الانفكاك علمنا بأنه خرج من الخبرية إلى الإنشائية معنًى دون اللفظ (١). يقول الزركشي عن الآية نفسها: «إن السياق يدل على أن الله تعالى أمر بذلك لا أنه خبرٌ، وإلا لزم الخلف في الخبر» (٢). وهذا الأسلوب -الثالث- هو مجال البحث التطبيقي، وقبل ذلك تجدر الإشارة بذكر خلاف العلماء في كونه يأخذ حكم الأمر أو لا؟ فذهب جمهور العلماء (٣) إلى أن الخبر الذي بمعنى الأمر يأخذ حكمه فيحمل على الوجوب، عند تجرده عن القرائن الصارفة له عن ذلك. قال ابن حزم: «الأوامر الواجبة ترد على وجهين: أحدهما: بلفظ: افعل، أو افعلوا. والثاني: بلفظ الخبر … » (٤).

стр. 201

وذكر الشاطبي أنها من الأوامر غير الصريحة وأنها تدل على تقرير الحكم حيث قال: «وأما الأوامر والنواهي غير الصريحة فضروب: أحدها: ما جاء مجيء الإخبار عن تقرير الحكم، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] … وأشباه ذلك مما فيه معنى الأمر، فهذا ظاهر الحكم، وهو جار مجرى الصريح من الأمر والنهي». (١) وقال ابن النجار: «وكأمر خبر بمعناه، يعني: أن الأمر الذي بلفظ الخبر نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] حكمه حكم الأمر الصريح في جميع ما تقدم (٢). ونقل الخلاف في هذه المسألة عن ابن الزملكاني (٣)، وبعض الشافعية الشافعية. (٤)، حيث ذهب إلى عدم جريان الخلاف الذي في الأمر والنهي في الخبر الذي في معناهما، فلا يأخذ حكمهما (٥). وحجته: أن ما كان موضوعاً حقيقة لغير الأمر والنهي، ويفيد معناهما -كالخبر الذي هو بمعناهما- لا يدعي أنه حقيقة في الوجوب أو الحرمة؛ لأنه

стр. 202

يستعمل في غير موضعه إذا أريد به الأمر أو النهي. وادعاء كونه حقيقة في الخبر مكابرة. ويمكن أن يجاب عنه: بأن الخبر هنا وإن كان مستخدماً في غير معناه الحقيقي إلا أن منع دلالته على الوجوب غير مسلمة؛ إذ العبرة بالمعنى لا بصورة اللفظ، والمعنى أمر فيكون دلالته كدلالة الأمر، بل إن بعض العلماء قال: إنه أقوى في الدلالة، كما سيأتي في بيان أسباب العدول من صيغة الأمر إلى أسلوب الخبر في المبحث القادم. قال ابن النجار: «قال أرباب المعاني: وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي؛ لأن المتكلم لشدة طلبه نزَّل المطلوب بمنزلة الواقع لا محالة … » (١) واستدل أصحاب القول الأول القائلين بجريان الخلاف الوارد في الأمر والنهي، أنه ربما يكون حقيقة في الأمر أو النهي، ويترتب عليه أحكامهما، بالأدلة التالية: الدليل الأول: إن الخبر الذي بمعنى الأمر والنهي، يدخله النسخ، كما يدخل الصيغ الصريحة في ذلك، أما الأخبار المحضة فلا يدخلها النسخ (٢). الدليل الثاني: إن مدلول الخبر هو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم أو نفيه عنه، فالمحكوم به في خبر الشارع إن كان هو الحكم الشرعي مثل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] و ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فلا يخفى أنه يفيد

стр. 203

ثبوت الحكم الشرعي من غير أن يجعل مجازا عن الأمر، وإن لم يكن كذلك فوجه إفادته للحكم الشرعي أن يجعل الإثبات مجازاً عن الأمر، والنفي مجازاً عن النهي، فيفيد الحكم الشرعي بأبلغ وجه؛ لأنه إذا حكم بثبوت الشيء أو نفيه فإن لم يتحقق ذلك لزم كذب الشارع وهو محال، بخلاف الأمر فإنه لا يلزم من عدم الإتيان بالمأمور به كذب الشارع (١). الدليل الثالث: أن هذا الخبر يوجد خلافه، ولو كان خبراً محضاً لما وجد ذلك؛ لما يلزم عليه من الخُلْف في خبر الشارع، فوجب حمله على الأمر إذاً (٢). الدليل الرابع: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن صيغ العقود كبعت واشتريت، والفسوخ، كفسخت، وطلقت، والالتزامات، كقول القاضي: حكمت، أنها وإن كانت إخبارات في أصل اللغة إلا أن معناها الإنشاء، وتأخذ حكمه. الدليل الخامس: إن استعمال الأمر أو النهي بلفظ الخبر عرف سائد عند العرب، فيقولوا مثلاً: جمع رجل عليه ثيابه، وحسبك درهم، أي اكتف به (٣). الدليل السادس: أن من العلماء من يرى أنه داخل تحت دلالة الاقتضاء، إذ قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. معناه: ليرضعن، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: ليتربصن، فقدروا صيغة الأمر في الخبر (٤).

стр. 204

يقول ابن نجيم عند قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: " … وأصل الكلام ليتربصن، ولام الأمر محذوفة، فاستغنى عن ذكره، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد له، وللإشعار بأنه مما يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله .... " (١). الدليل السابع: إن أهم عنصر ذاتي في مفهوم لفظ الأمر، هو طلب الفعل الجازم، وفي النهي طلب الترك الجازم، وهذا يشمل المستعمل في الطلب حقيقة أو مجازاً، إذ أن المقصد والهدف هو إخراج الصيغ المستعملة في الطلب غير الجازم وهو الندب، أو إخراج الصيغ المستعملة في الترك غير الجازم كالكراهة (٢). الدليل السادس: أن الحكم تابع للمعنى الذي دلّ عليه اللفظ دون صورة اللفظ (٣)؛ وعليه يمكن أن يستند في إثبات الوجوب بهذا الأسلوب على ما يأتي: (١) قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. حيث حذر تعالى من مخالفة الأمر بإطلاق فيدخل فيه ما جاء بصيغة الخبر وأُريد به الأمر، والتحذير لا يكون إلا في ترك الواجب. (٢) قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 205

حيث بين تعالى أنه لا خِيَرة لأحد بعد أمره وأمر رسوله ﷺ ، وأن فعل ذلك يؤدي بالشخص إلى الوقوع في المعصية والضلال المبين، وقد أطلق تعالى الأمر فيدخل فيه ما جاء بصيغة الخبر وأُريد به الأمر، وعلى هذا فإنه يفيد الوجوب، إذ مثل هذا التحذير لا يكون إلا في ترك الواجب. تنبيه: نازع ابن العربي العلماء وقال إنه: لا يصح ورود الخبر ومعناه الأمر بل هو خبر لفظا ومعنى فهو خبر عن حكم الشرع، ثم قال: هذه الدفينة التي فاتت العلماء فقالوا: "إن الخبر يكون بمعنى الأمر" وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ومتباينان وضعا (١). والظاهر أن كلامه لا يعارض استعمال الخبر في معنى الأمر مجازا إذ استبعد استعمال الخبر في الأمر حقيقة ولا يصح ذلك فعلا، إذ حقيقته الخبر وليس الأمر. ولا شك أن الخلاف بينه وبين غيره في الطريق والأسلوب وليس في إثبات الحكم فإن كلا منهما يرى ثبوت حكم الوجوب بالخبر إلا أن ابن العربي أثبته بالخبر مباشرة وقال إنه خبر عن الحكم الشرعي، وغيره أثبته بعد أن جعله في معنى الأمر لما سلف آنفا.

стр. 206

تنبيه في بيان أسباب العدول عن أسلوب الأمر وصيغه إلى أسلوب الخبر: عدل الشارع عن أسلوب صيغ الأمر الصريحة إلى الأسلوب الخبري لأسباب مظانها كتب علم المعاني، وذكرها الأصوليون لما لها تعلق بالأحكام، ومن تلك الأسباب: أولا: إن الحكم المخبر به يؤذن باستقرار الأمر وثبوته على حدوثه وتجدده فإن الأمر لا يتناول إلا فعلا حادثا فإذا أمر بالشيء بلفظ الخبر آذن ذلك بأن هذا المطلوب في وجوب فعله ولزومه بمنزلة ما قد حصل وتحقق فيكون ذلك أدعى إلى الامتثال. وهو أبلغ من صريح الأمر لأن المتكلم لشدة طلبه نزل المطلوب منزلة الواقع لا محالة (١). يقول الزمخشري: " ورود الخبر والمراد الأمر أو النهي، أبلغ من صريح الأمر أو النهي، كأنه سُورع فيه إلى الامتثال وأخبر عنه " (٢). يقول الزركشي: " فإنما يجيء الأمر بلفظ الخبر الحاصل تحقيقاً لثبوته، وأنه مما ينبغي أن يكون واقعاً ولابدَّ، وهذا هو المشهور " (٣). ثانيا: أن أسلوب الأمر و إن دل على الوجوب فقد يحتمل في اللغة معنى الاستحباب فإذا جيء بأسلوب الخبر علم أنه أمر ثابت مستقر و انتفى احتمال الاستحباب (٤).

стр. 207

ثالثا: أن الأحكام قسمان أحدهما خطاب وضع وأخبار: وهو جعل الشيء سببا وشرطا ومانعا كالطلاق سبب لوجوب العدة، فإذا جيء بأسلوب الخبر كانت فيه دلالة على أنه من قبيل خطاب الوضع والأخبار الممتازة عن سائر خطاب التكليف (١). رابعاً: على القول إن الخبر لا يأتي بمعنى الأمر، وإنما المقصود من مثل هذا الخبر إخبار محض عن حكم الشرع واستقرار حسنه في العقل والشريعة والفطرة، فمعنى قول عمر ﵁: صلى رجل في إزار ورداء" أي هذا مما وجب في الديانة وظهر وتحقق من الشريعة، ومعنى قول العرب: أنجز حر ما وعد" أي ثبت ذلك في المروءة واستقر في الفطرة. فالإشارة إلى هذه المعاني حسنت صرفه إلى صورة الخبر (٢). خامسا: تنويع الأساليب وتعددها مثل تعدد الصيغ، والألفاظ المشتركة، والمترادفة.

стр. 208

الدراسة التطبيقية قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. تضمنت الآية أحكاماً فقهية بالأسلوب الخبري وتفاصيل ذلك فيما يأتي: أولا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ تضمنت هذه الآية وجوب العمرة، ووجوبها على الآفاقي استدلالاً بهذه الآية، أو بغيرها- كما سيأتي- في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو مذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢) وقول عند الحنفية (٣)، والمالكية (٤). ووجه الاستدلال على هذه الحكم من هذه الآية- على القول بأنها بمعنى الطلب (٥) - هو: أن المولى أخبر بأنه جعل البيت مثابة للناس، أي: معاداً

стр. 209

يرجعون ويعودون إليه، وهذا يستلزم عدم خلو البيت منهم سواء كان في الحج أو العمرة في جميع أيام السنة، ولا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى إلا بحملها على الوجوب؛ لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، فوجب حمل الآية على الوجوب؛ لأن الحمل على الوجوب يفضي إلى صيرورته مثاباً، أكثر من حمله على الندب (١). ثانيا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] تضمنت هذه الآية - أيضاً - وهو تأمين البيت. وقد أمر المولى عباده أن يجعلوا مكة مكاناً مأموناً من الغارات والقتل ونصب الحروب (٢). فكأنه قال: أمنوا من دخل البيت. ولا يمكن حمل الآية على الخبرية المحضة، إذ الواقع والمشاهد وقوع القتل المحرم والمباح في الحرم، فيلزم الخلف في إخباره وهذا مستحيل. ووجوب تأمين الداخل للحرم محل اتفاق بين العلماء، سواء كان الداخل إنساناً أو حيواناً، أو طيراً، وأمن الإنسان يكون في نفسه أو أهله أو ماله. ووجه العموم في الآية ورود الأمن في الآية بلفظ النكرة ﴿وَأَمْنًا﴾ كما أشار إلى ذلك ابن الفرس (٣)، ولعل ذلك لورودها في سياق الامتنان.

стр. 210

يقول ابن العربي: " … وهذا إخبار من الله تعالى عن منته على عباده، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ إليه" (١). وقد استثنى العلماء من عموم الآية أشياء منها ما ذكره ابن الفرس من الداجن، من الإبل والبقر والغنم والدجاج، فإنه يجوز ذبحه حتى للمحرم. وذكر - أيضاً- الفواسق الخمس التي يجوز قتلها في الحل والحرم، والاختلاف في العلة المخرَّجة هل هي الضرر كما يقول مالك، أو عدم أكل لحمها كما يقول الشافعي، وبحسب ذلك طرد كل واحد علَّته (٢). ومن المستثنيات: " الدفاع عن النفس (٣) بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. وبحسب تعميم الأمن الوارد في الآية يدخل ما ذكره أبو حنيفة من عدم إقامة الحدود في الحرم (٤)، وخالفه العلماء في ذلك (٥). وقد نقل القرطبي الإجماع على أنه لو قتل في الحرم قُتل به، ولو أتى حدَّاً أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه .... فنحن نقتله بالسيف، وهو-أي: أبي حنيفة - يقتله بالجوع و الصدِّ، فأي قتل أشد من هذا " (٦).

стр. 211

ثالثا: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. كون الجملة خبرية ثابت بقراءة نافع وابن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر (٢) عمن اتخذه من مبتغي إبراهيم ﵇، فهو إخبار عن قوم إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى". واختلف المفسرون في المراد بمقامه (٣)، والأكثر على الموضع المخصوص للصلاة، والمعهود، ويؤيده سبب نزول الآية حين طلب عمر بن الخطاب ﵁ من النبي ﷺ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية (٤)، وبيَّن المراد منها النبي ﷺ بفعله حين قرأ بالآية ثم صلى خلف المقام المعهود ركعتي الطواف (٥). * وقد اختلف العلماء في حكم ركعتي الطواف على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنها واجبة، وهو مذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، وقول للشافعية (٨)، ورواية عن الإمام أحمد (٩). القول الثاني: إنها سنة، وهو مذهب الشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، وقول للحنفية (١٢)،

стр. 212

والمالكية (٧). القول الثالث: إنها تابعة للطواف، فتجب بعد الطواف الواجب، وتسن بعد الطواف المسنون، وهو قول للمالكية (٨)، والشافعية (٩). والذي يهمنا هنا هو استدلال أصحاب القول بالآية باعتبار كونها أمراً ووردها بالأسلوب الخبري، وقد ثبت هذا الأمر بصيغة الأمر الصريحة في قراءة الجمهور (١٠)، والأصل فيه أنه يقتضي الوجوب، وهو عند أصحاب القول الأول على ظاهره وأصله، غير مصروف إلى الندب. أما أصحاب القول الثاني فقد صرفوه إلى الندب بما ورد في عدد من الأحاديث بأن الواجب على العبد من الصلوات هو الصلوات الخمس لا غير، ومن ذلك حديث معاذ ﵁، وفيه: " فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" الحديث (١١). وحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في الرجل من أهل نجد الذي جاء يسأل عن الإسلام وفيه: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع .. " الحديث (١٢).

стр. 213

(١) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] أجمع العلماء على مشروعية السعي بين الصفا والمروة، واختلفوا في حكمه، وكل استدل بالآية وهي خبر متضمنة للأمر. قال السيوطي: " وقال قوم: قوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليل على الوجوب؛ لأنه خبر بمعنى الأمر، ولا دليل على سقوطه " (١) ا. هـ. * ثم اختلف العلماء القائلون بحتميته، هل السعي ركن في الحج أو أنه واجب؟ على قولين: الأول: هو ركن من أركان الحج، فلا يصح الحج بدونه، ولا يجبر بدم ولا غيره، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: هو واجب من واجبات الحج، يجبر بدم، وهو مذهب الحنفية (٥) ورواية عن أحمد (٦) اختارها بعض الحنابلة ورجحها ابن قدامه (٧). وعضد الجميع حتمية السعي بين الصفا والمروة بما ورد في الآية، وبما ذكر في سبب نزولها وذلك على النحو التالي: ١) تصريحه بأن الصفا والمروة من شعائر الله يدل على أن السعي بينهما

стр. 214

أمر حتم، ولابُدَّ منه؛ لأن شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، فدَّل ذلك على وجوب إقامة شعائر الله، ومنها السعي بين الصفا والمروة (١). ١) سبب نزول الآية، وتفسير أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ للآية وفيه جواب لما ذهب إليه بعض العلماء من القول إن السعي بين الصفا والمروة تطوع وليس بركن ولا واجب. وبيان ذلك أن عروة قال: " سألت عائشة ﵄ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطَّوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يُسلموا يهلّون لمناة (٢) الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المُشلَّل (٣)، فكان من أهل يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلمَّا أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. قالوا: يا رسول الله إنا كنّا نتحرَّج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله

стр. 215

تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قالت عائشة ﵄: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. ". (١) فهذا حديث صحيح صريح في أن النبي ﷺ سنّ الطواف بين الصفا والمروة، أي فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيته (٢)، ويؤيده قولها: " فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. " (٣). (٢) قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ جملتان خبريتان تدلان على جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم إذا ابتدؤوا بالعدوان. ومعنى الآية: من استحل دمكم في الشهر الحرام فاستحلوا دمه فيه. وهذا الحكم لا خلاف في جوازه بين أهل العلم. قال ابن القيم: " ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء" (٤). ويؤيد هذا الحكم منطوق الآية ذاتها: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
следующие страницы →