ثالثا: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. كون الجملة خبرية ثابت بقراءة نافع وابن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر (٢) عمن اتخذه من مبتغي إبراهيم ﵇، فهو إخبار عن قوم إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى".
واختلف المفسرون في المراد بمقامه (٣)، والأكثر على الموضع المخصوص للصلاة، والمعهود، ويؤيده سبب نزول الآية حين طلب عمر بن الخطاب ﵁ من النبي ﷺ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية (٤)، وبيَّن المراد منها النبي ﷺ بفعله حين قرأ بالآية ثم صلى خلف المقام المعهود ركعتي الطواف (٥).
* وقد اختلف العلماء في حكم ركعتي الطواف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنها واجبة، وهو مذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، وقول للشافعية (٨)، ورواية عن الإمام أحمد (٩).
القول الثاني: إنها سنة، وهو مذهب الشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، وقول للحنفية (١٢)،
стр. 212
والمالكية (٧).
القول الثالث: إنها تابعة للطواف، فتجب بعد الطواف الواجب، وتسن بعد الطواف المسنون، وهو قول للمالكية (٨)، والشافعية (٩).
والذي يهمنا هنا هو استدلال أصحاب القول بالآية باعتبار كونها أمراً ووردها بالأسلوب الخبري، وقد ثبت هذا الأمر بصيغة الأمر الصريحة في قراءة الجمهور (١٠)، والأصل فيه أنه يقتضي الوجوب، وهو عند أصحاب القول الأول على ظاهره وأصله، غير مصروف إلى الندب.
أما أصحاب القول الثاني فقد صرفوه إلى الندب بما ورد في عدد من الأحاديث بأن الواجب على العبد من الصلوات هو الصلوات الخمس لا غير، ومن ذلك حديث معاذ ﵁، وفيه: " فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" الحديث (١١).
وحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في الرجل من أهل نجد الذي جاء يسأل عن الإسلام وفيه: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع .. " الحديث (١٢).
стр. 213
(١) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]
أجمع العلماء على مشروعية السعي بين الصفا والمروة، واختلفوا في حكمه، وكل استدل بالآية وهي خبر متضمنة للأمر.
قال السيوطي: " وقال قوم: قوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليل على الوجوب؛ لأنه خبر بمعنى الأمر، ولا دليل على سقوطه " (١) ا. هـ.
* ثم اختلف العلماء القائلون بحتميته، هل السعي ركن في الحج أو أنه واجب؟ على قولين:
الأول: هو ركن من أركان الحج، فلا يصح الحج بدونه، ولا يجبر بدم ولا غيره، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
القول الثاني: هو واجب من واجبات الحج، يجبر بدم، وهو مذهب الحنفية (٥) ورواية عن أحمد (٦) اختارها بعض الحنابلة ورجحها ابن قدامه (٧).
وعضد الجميع حتمية السعي بين الصفا والمروة بما ورد في الآية، وبما ذكر في سبب نزولها وذلك على النحو التالي:
١) تصريحه بأن الصفا والمروة من شعائر الله يدل على أن السعي بينهما
стр. 214
أمر حتم، ولابُدَّ منه؛ لأن شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، فدَّل ذلك على وجوب إقامة شعائر الله، ومنها السعي بين الصفا والمروة (١).
١) سبب نزول الآية، وتفسير أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ للآية وفيه جواب لما ذهب إليه بعض العلماء من القول إن السعي بين الصفا والمروة تطوع وليس بركن ولا واجب.
وبيان ذلك أن عروة قال: " سألت عائشة ﵄ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطَّوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يُسلموا يهلّون لمناة (٢) الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المُشلَّل (٣)، فكان من أهل يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلمَّا أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. قالوا: يا رسول الله إنا كنّا نتحرَّج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله
стр. 215
تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قالت عائشة ﵄: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. ". (١)
فهذا حديث صحيح صريح في أن النبي ﷺ سنّ الطواف بين الصفا والمروة، أي فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيته (٢)، ويؤيده قولها: " فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. " (٣).
(٢) قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ جملتان خبريتان تدلان على جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم إذا ابتدؤوا بالعدوان.
ومعنى الآية: من استحل دمكم في الشهر الحرام فاستحلوا دمه فيه. وهذا الحكم لا خلاف في جوازه بين أهل العلم.
قال ابن القيم: " ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء" (٤). ويؤيد هذا الحكم منطوق الآية ذاتها: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
стр. 216
وهنا فائدتان: الأولى: المراد بالأشهر الحرم: ذي العقدة، وذي الحجة، والمحرم، ورجب، وهذا أيضا باتفاق أهل العلم (١)، وقد ورد فيها قوله ﵇: "إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو العقدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" (٢).
الفائدة الثانية: ذهب جمهور أهل العلم (٣) إلى أن ابتداء القتال في الأشهر الحرم كان منهياً عنه وغير جائز، ثم نسخ ذلك وصار القتال فيها جائزاً.
يقول أبو عبيد: " والناس اليوم بالثغور جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها حلالها وحرامها، لا فرق في ذلك عندهم، ثم لم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم، وكذلك أحسب قول أهل الحجاز. " (٤).
(٣) قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ذكرت الآية الكريمة أحكاما فقهية، ما ثبت منها بلفظ الخبر حكمين فقهيين
стр. 217
وهما:
الحكم الأول: وجوب العمرة.
وقد سبق القول بأن وجوب العمرة هو مذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول عند الحنفية والمالكية عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقد استدلوا بهذه الآية على قراءة الجمهور بنصب لفظ ﴿وَالْعُمْرَةَ﴾ عطفاً على ﴿الْحَجَّ﴾ على خلاف بينهم في معنى الإتمام (١) في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾.
ووردت الآية بقراءة آحادية عن ابن مسعود برفع لفظ (العمرةُ) (٢) وهي بهذه القراءة خبر بمعنى الأمر، والمعنى أنها مما تتقربون بها إلى الله وقد ذكر أبو منصور الماتريدي (ت ٣٣٣ هـ) أن الكفار كانوا يفعلون الحج لله والعمرة للصنم (٣). فتكون الآية تأمرهم بأن تكون العمرة كذلك لله .
يقول الدكتور محمد بازمول: " والقراءة الآحادية برفع (العمرةُ) أفادت الأمر بإتمام الحج، ثم استئناف كلام جديد يخبر الله تعالى بأن العمرة لله، وهو خبر بمعنى الأمر ليفيد مزيد الاهتمام بالعمرة فلا تصرف إلا لله، لأن بعض المشركين
стр. 218
كان يحج لله ويعتمر للصنم، كما قال الماتريدي في كلامه السابق والله أعلم" (١). اه
الحكم الثاني: وجوب صيام عشرة أيام كاملة لمن لم يجد الهدي للمتمتع، فإن كان عاجزاً عن الدم فإنه ينتقل إلى صيام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، ثم قال : ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فقال بعض أهل العلم: إن لفظه خبر ومعناه أمر، أي: أكملوها ولا تنقصوها ذلك، وهذا الحكم متفق عليه بين أهل العلم (٢)، وإنما الخلاف فيما إذا فات المتمتع صيام الأيام الثلاثة في الحج، فهل يجب عليه صيام السبعة الباقية أم تسقط عنه ويتعين عليه الدم؟. وبسط هذا في كتب الفقه (٣).
(٤) قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج: ثلاثة أشهر، أولها شوال، واختلفوا في آخرها، هل هو العاشر من ذي الحجة، أم ذي الحجة بأكمله؟ (٤)
وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: إن أشهر الحج هي: شوال، وذو العقدة، وذو الحجة، فمن أراد الحج فليبدأ بالإحرام من شوال إلى
стр. 219
عشر ذي الحجة (١).
ومن قال بأن شهر ذي الحجة كاملة من أشهر الحج، كالمالكية، فباعتبار ما يمتد فيه الإحلال (٢).
فائدة: قال العلماء بأن المولى أطلق الأشهر على شهرين، وبعض شهر، تنزيلاً للبعض منزلة الكل (٣).
(٥) قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
قال القرطبي ﵀: " قوله: " ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ التربص: الانتظار على ما قدمناه، وهذا خبر والمراد الأمر" (٤).
وقد اتفق العلماء (٥) على وجوب تربص المرأة المطلقة واعتدادها ثلاثة قروء. قال ابن قدامه: " عدة المطلقة إذا كانت حرة، وهي من ذوات القروء، ثلاثة قروء بلا خلاف بين أهل العلم" (٦).
стр. 220
* وهو حكم ثابت غير مصروف إلا أن العلماء استثنوا من عموم لفظ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ عدداً من المطلقات وهن:
(١) المرأة التي لم تحض، والحامل، والمخصص لهن قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
فأما المرأة التي بلغت سنّ اليأس من المحيض، أو كانت صغيرة لم تحض، فإن العدة في حقهن ثلاثة أشهر باتفاق أهل العلم (١).
وأما الحامل فتنقضي عدتها بوضع حملها بلا خلاف بين العلماء (٢).
(٢) المطلقة قبل الدخول بها، والمخصص قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].
(٣) الأمة المطلقة، وعدتها حيضتان، إذا كانت ممن تحيض، والمخصص لها قوله ﷺ : «طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان» (٣).
قال ابن قدامه: " أكثر أهل العلم يقولون: عدة الأمة بالقرء قرءان .... فمنهم: عمر، وعلي، وابن عمر ﵃ ولم نعرف لهم مخالفاً في الصحابة فكان إجماعاً" (٤).
стр. 221
وقيَّده ﵀ بالصحابة؛ لأنه نقل عن داود الظاهري القول بأن عدتها كالحرة ثلاثة قروء، وهو قول ابن حزم كما في المحلى (١).
ونقل عن ابن سيرين والأصم، إلا أن ابن سيرين قال: إلا أن تكون مضت بذلك سنة، فالسنة أحق أن تتبع (٢).
(٦) قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
أخبرت الآية الكريمة أن مسنون الطلاق التفريق بين الطلقات، والمعنى: طلقوا مرتين متى أردتم الطلاق، ومما يدل على كون الخبر هنا أريد به الأمر هو وجود الخلف في واقع الناس؛ إذ لو كان خبراً لوجد مخبره على ما أخبر به؛ لأن أخبار الله تعالى لا تنفك من وجود مخبراتها (٣)
وطلاق السنة المجمع عليه (٤) هو: أن يطلق الرجل امرأته، وهي طاهر طهراً لم يمسها فيه بعد أن طهرت من حيضها طلقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها مراجعة رغبة. واستحب العلماء له مراجعتها، ولو بعد انقضاء عدتها (٥).
أما الطلاق المحظور فهو: الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وقد "أجمع العلماء في جميع الأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق البدعة؛ لأن المطلق خالف السنة" (٦).
стр. 222
وقد اختلف العلماء في وقوعه وبسط ذلك في كتب الفقه.
(١) قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، وعلى الندب لبعضهن " (١).
* وقد ا ختلف العلماء في مسألة حكم استرضاع الأم لولدها؟.
القول الأول: وجوب استرضاع الأم لولدها مطلقاً، وهو قول الظاهرية (٢)، حيث إن الإرضاع من جملة منافعها المستحقة للزوج، بدليل أن الآية لم توجب على الزوج إلا النفقة والكسوة التي هي من خصائص الزوجية (٣).
وهو مذهب الحنفية إلا أن الوجوب عندهم ديانة لا قضاءً (٤).
القول الثاني: يجب استرضاع الأم لولدها إن كانت دنيئة، أما الشريفة فلا يجب ذلك عليها، وهو مشهور مذهب مالك (٥)؛ نظراً إلى عادة الناس وعرفهم.
القول الثالث: لا يجب على الوالد استرضاع ولدها، بل الواجب على الوالد، إلا إذا تعينت عليها، بأن لم يجد الأب من ترضع له غيرها، أو لم يقبل ثدي غيرها، أو لم يكن للأب ولا الطفل مال فيجب حينئذ على الأم الإرضاع.
стр. 223
وهو قول الشافعية (١) والحنابلة (٢). وحجتهم:
١ - قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]؛ حيث إنهم جعلوا آية الطلاق مبيِّنة لآية البقرة (٣).
٢ - قياس الأم المرضعة التي في عصمة الزوج على الأم المرضعة المطلقة، فلما لم يجب الاسترضاع على المطلقة لم يجب على من كانت في العصمة.
يقول ابن قدامة: " ولأن إجبار الأم على الرضاع لا يخلوا: إما أن يكون لحق الولد أو لحق الزوج، أو لهما: لا يجوز أن يكون لحق الزوج؛ لأنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها، ولا على خدمة نفسه فيما يختص به. ولا يجوز أن يكون لحق الولد؛ لأنه لو كان لحقه للزمها بعد الفرقة ولم يقله أحد؛ ولأن الرضاع مما يلزم الوالد لولده، فلزم الأب على الخصوص كالنفقة، أو كما بعد الفرقة. ولا يجوز أن يكون لهما، لأن ما لا مناسبة فيه لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض، ولأنه لو كان لهما لثبت الحكم به بعد الفرقة. وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ محمول على حال الاتفاق وعدم التعاسر" (٤) أ. هـ
ومما صرفوا فيه الوجوب إلى الاختيار أو الندب - أيضاً - كون الآية سيقت لبيان مدَّة الرضاع، لا لبيان إيجابه (٥).
стр. 224
(٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
أخبرت الآية الكريمة المرأة المتوفى عنها زوجها بوجوب تربصها وإحدادها عليه مدة أربعة أشهر وعشرة أيام مع لياليها.
والإحداد: امتناع المرأة عن الزينة من لباس وغيره بعد زوجها للعدة (١).
ومما يدل على أن الخبر هنا أريد به الأمر والوجوب، هو وجود الخلف في واقع الناس، فنجد امرأة توفي عنها زوجها ولم تتربص أربعة أشهر وعشر، ولو كان خبراً لاستحال وجود مخبره على خلافه.
والتربص هذه المدة باق على وجوبه، غير مصروف، وبه قال أكثر أهل العلم، حتى نقل بعضهم الإجماع عليه (٢).
والعموم في اسم الموصول باق على عمومه، فتدخل كل امرأة توفي عنها زوجها، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، آيسة أو غير آيسة.
ولم يخرج من العموم السابق إلا الحامل، فقد اختلف العلماء في سقوط وجوب إحدادها هل هو بانقضاء حملها فتستمر حتى الوضع، أو تشملها الآية الكريمة بعمومها؟ وبسط ذلك في كتب الفقه (٣).
стр. 225
(٣) قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
دلت الآية على وجوب تأمين من دخل مكة.
قال القرطبي: "وقال بعض أهل المعاني: صورة الآية خبر، ومعناها أمر، تقديرها: ومن دخله فأمنوه … " (١).
وسبق دراسة المسألة عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].
(٤) قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].
في الأية الكريمة حكمين فرعيين من الأحكام التي وردت بالأسلوب الخبري وهما:
الحكم الأول: قوامة الرجل على المرأة، من قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ والقوامة هي: الولاية التي يفوَّض الزوج بموجبها بتدبير شؤون زوجته، والقيام بما يصلحها.
قال الجصاص: "قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة ..... " (٢).
وقال السعدي: " يخبر الله تعالى أن ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، أي: قوامون بإلزامهن بحقوق الله تعالى، من المحافظة على فرائضه، وكفهن عن
стр. 226
المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك، وقوامون أيضاً بالإنفاق عليهن، والكسوة والمسكن " (١).
الحكم الثاني: طاعة المرأة لزوجها، من قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ وهذا الحكم هو من مقتضيات القوامة السابق ذكرها.
يقول ابن العربي: " والمعنى: هو أمين عليها، يتولى أمرها ويصلحها في حالها، قاله ابن عباس ﵄، وعليها الطاعة ..... " (٢).
وقال ابن كثير في قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾: "وقوله ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي من النساء، ﴿قَانِتَاتٌ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهن " (٣).
وقال ابن القيم عند حديثه عن وجوب خدمة المرأة لزوجها - وهي من مقتضيات الطاعة -: " .... وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوَّامة عليه " (٤).
ولم أقف على من خالف في قِوامة الرجل على المرأة، أو في وجوب طاعة المرأة لزوجها، والله أعلم.
(٥) قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
стр. 227
رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
أخبر المولى في هذه الآية أن كفارة من حنث في يمينه المنعقدة، بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: كفروا بالإطعام والكفارة المذكورة.
والكفارة هي: ما كفِّر به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك، واستعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة، أو انتهاك، وإن لم يكن فيه إثم، كالقتل الخطأ وغيره (١).
ولا خلاف بين العلماء في وجوب الكفارة الواردة في النص لمن حنث في يمينه، وإنما الخلاف في مقدار الإطعام، والمراد بالوسط والكسوة، وفي أيهما أفضل من المخيرات المذكورة، لكي يقدمها الحانث (٢).
(٦) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].
أخبرت الآية بأسلوبها الخبري عن حكم الشهادة على الوصية، فقال تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ وهو خبر يقتضي الطلب، والمعنى: استشهدوا على وصيتكم ذوي عدل منكم أو من غيركم.
стр. 228
وشهادة العدل المسلم هي الأصل ولا خلاف فيها بين العلماء، وإنما الخلاف في شهادة الكافر على وصية المسلم في حال الضرورة، وفي السفر خاصة، لمن حضره الموت.
فذهب بعض المالكية (١)، والشافعية (٢)، و هو المذهب عند الحنابلة (٣) إلى جوازها، بل نقل ابن القيم الإجماع على ذلك فقال: " والآية صريحة في قبول شهادة الكافر على الوصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين، وقد حكم به النبي ﷺ والصحابة بعده، لم يجئ بعدها ما ينسخها، فإن المائدة من آخر القرآن نزولاً، وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارضا البتة فكان إجماعاً" (٤).
وكلام ابن القيم ﵀ السابق عورض بوقوع الخلاف في المسألة فقد خالف الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧) في هذه المسألة، ويرون عدم قبول شهادة الكافر على المسلم لا في الوصية ولا في غيرها، وقالوا بأن الآية التي معنا - أي آية المائدة- منسوخة بآية الدين (٨)، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ
стр. 229
مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، والكافر غير مرض فلا تجوز شهادته. قلت: إن دعوى النسخ إنما يصار إليه إذا لم يمكن الجمع بين الأدلة، وعلم تأخر الناسخ وتراخيه عن المنسوخ، وفي هذه المسألة لا يوجد ما يدل على تأخر ما يقال بأنه الناسخ، ويمكن الجمع بين الأدلة، وذلك بحمل ما يدل على اشتراط العدالة والإسلام في الشهادة على الحالة العامة، وحمل ما يدل على جواز شهادة غير المسلم على الحالة الخاصة، وهو جواز شهادته على الوصية في السفر، إذا لم يوجد أحد من المسلمين، فهذه حالة ضروة فتقبل شهادته فيه (١).
فائدة: عدل المولى عن أسلوب الطلب إلى أسلوب الخبر؛ لأن الناس معتادون باستحفاظ وصاياهم عند محل ثقتهم (٢).
(٧) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥ - ٦٦].
أخبرت الآية بوجوب مصابرة الواحد من المسلمين للعشرة من الكافرين، وعدم الفرار أمامهم، ثم خفف عنهم أو نسخ (٣) إلى مصابرة الواحد للاثنين.
стр. 230
يقول ابن الجوزي: " لفظ هذا الكلام لفظ الخبر ومعناه الأمر" (١).
وقد نقل جمع من العلماء (٢) الإجماع على وجوب مصابرة الواحد للإثنين، وعدم جواز الفرار منهم.
يقول ابن هبيرة: " واتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات، وحرم عليهم الانصراف والفرار إذ قد تعين عليهم، إلا إن يكون مُتحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، أو يكون الواحد مع ثلاثة أو المائة مع ثلثمائة؛ فإنه أبيح لهم الفرار، ولهم الثبات لا سيما مع غلبة ظنهم بالظهور " (٣).
стр. 231
الدراسة السادسة التطبيق على نوازل أحكام العبادات
стр. 232
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فما زالت الجامعات تخرج من رحمها رسائل علمية موسومة بتخريج الفروع على الأصول، إلا أنني لم أر من جمع وحصر التخريج الأصولي في نوازل أحكام القرآن، فعقدت العزم على وضع لبنة في هذا الجانب، بجمع ما أمكنني من نوازل في العبادات، استدل عليها بكتاب الله.
والقرآن أصل الأدلة، والأحكام ثمرة تلك الأدلة، يقول الإمام الشاطبي في معرض بيانه أن القرآن فيه بيان لكل شيء، ومنها الأحكام، فقال: «ومنها التجربة: وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها أصلاً، وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر الذين ينكرون القياس، ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل، وقال ابن حزم الظاهري: " كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في الكتاب والسنة، نعلمه والحمد لله، حاش القِراض، فما وجدنا له أصلاً فيهما ألبتة " إلى آخر ما قال، وأنت تعلم أن القِراض نوع من أنواع الإجارة، وأصل الإجارة في القرآن ثابت» (١).
стр. 233
قلت: ومما سبق يُعلم أن القول بأن الحوادث لا تنتهي: حق، وأن النصوص محصورة: حق، أما القول بأن المحصور لا يشمل غير المحصور: ففيه نظر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأحكام كلها بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظه تناولت جميع الأحكام، والأحكام معلَّلة بالمعاني المؤثرة، فمعانيه أيضاً متناولة لجميع الأحكام، لكن قد يفهم المعنى من لم يعرف اللفظ العام، وقد يعرف اللفظ العام ودلالته من لم يفهم العلَّة العامة» (١).
فالدراسة تهدف إلى إكمال مسيرة العلماء بإضافة النوازل إلى كتب أحكام القرآن، مع ربطها بأصولها.
* وقد قسمت الدراسة إلى خمسة فصول، بحسب أبواب العبادات:
الفصل الأول: تخريج نوازل أحكام الطهارة.
الفصل الثاني: تخريج نوازل أحكام الصلاة.
الفصل الثالث: تخريج نوازل أحكام الزكاة.
الفصل الرابع: تخريج نوازل أحكام الصيام.
الفصل الخامس: تخريج نوازل أحكام الحج.
стр. 234
الدراسة التطبيقية
الفصل الأول تخريج نوازل أحكام الطهارة
• المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
استدل بالآية من حرّم استعمال المنظفات التي تستخدم فيها النجاسات ولم تستهلك (١). أي: المنظفات التي يكون في تركيبها شيء من النجاسات؛ كدهن الخنزير، أو الكحول، كالصابون ونحوه (٢).
وتخريج الحكم: أن ما حرم لعينه؛ فإنّه نجس، والميتة والدّم والخنزير حرمت لعينها فهي نجسة، وقد نصّ الشّارع على تحريمها بقوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وهي صيغة إخبار عن الحكم ثم أتى بصيغة العموم (أل) غير العهدية؛ ليشمل التحريم جميع وجوه الانتفاع من أكل وبيع واستعمال للتنظيف، وغير ذلك، فلا يجوز الانتفاع بالنّجاسة مطلقًا.
стр. 235
• المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
* المطلب الأول: وجوب إزالة كل ما يعلق بأعضاء الوضوء:
استدل بالآية على وجوب إزالة ما يعلق بأعضاء الوضوء، ويمنع وصول الماء إلى البشرة مما له جرم، كالدّهون والكريمات، وطلاء الأظافر، والأكحال التي تكون مادتها بلاستيكية، والأصابع المعدنيّة التي تحتوي على الكبريت أو الرّصاص أو النحاس، وبيضات الشعر (١).
تخريج الحكم: يمكن تخريج الحكم السابق من الآية بواسطة قاعدة: ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.
وبيانه: أنَّ غسل جميع أعضاء الوضوء واجب، ولا يتمّ هذا لواجب إلّا بإزالة ما يحول دون وصول الماء إليها، فيكون إزالة تلك الحوائل من الدّهون والكريمات ونحوها واجب.
стр. 236
* المطلب الثاني: نزع الأطراف الصناعية عند الغسل والوضوء إن بقي من العضو المقطوع شيئ مما هو داخل في محل فرض الوضوء غسلًا أو مسحًا.
استدل بالآية من قال بوجوب غسل ما بقي من العضو إن كان القطع من المفصل فما دونه، سواء كان في اليد أو القدم، وتنزع الأطراف الصناعية لأجل ذلك (١).
تخريج الحكم: إن معنى (إلى) هنا بمعنى (مع) (٢) ويفسرها فعل النبي ﷺ الدائم في الوضوء.
نوقش: بأنّ (إلى) الأصل أنها للغاية، فلا يدخل ما بعدها إلى ما قبلها، وعليه فلا يدخل المرافق في الغسل مع الأيدي، ولا الكعب في الغسل مع الأرجل (٣).
وأجيب: بأنّ ورود (إلى) بمعنى (مع) شائع في اللسان (٤).
* المطلب الثالث: المسح على الجورب الملبوس على الأرجل الصناعية.
استدلَّ بوجوب المسح على الجورب الملبوس على الأرجل الصناعية على قراءة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بكسر (أرجلِكم) وذلك إن كان القطع من الكعب فما دونه من جهة القدم.
стр. 237
فالقول في هذا المطلب كالقول في المطلب السابق، إلا أنّ الحكم -هنا- متعلِّقٌ بالمسح على الجورب أو الخف الذي على الرّجل الصناعية
تخريج الحكم: ما سبق في المسألة السابقة من دلالة معنى حرف (إلى) وأنه بمعنى (مع)، مع جواز الاحتجاج بالقراءة الأخرى، فيأخذ حكم الغسل في المسألة السابقة، فيمسح عليها، إن كان قطع الرِجل من الكعب فما دون جهة القدم.
تنبيه: الكلام في هذه المسألة هو نفس الكلام في المسألة السابقة.
* المطلب الرابع: المسح على الشماغ والغترة والطاقية والقبعات.
استدل بقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ من قال بعدم جواز المسح على الشماغ والغترة والطاقية (١) والقبعات (٢).
تخريج الحكم: أن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.
تنبيه: ثبت عن النبي ﷺ المسح على العمامة (٣)، ومن أجاز ذلك اشترط للمسح عليها شروطًا لا تنطبق على الشماغ وما ذكر معه. فالحنابلة يشترطون في
стр. 238
جواز المسح على العمامة كونها محنّكة أو ذات ذؤابة (١)، والشماغ والغترة والطاقية ليست كذلك
ولعل ضابط ذلك ما ذكره الشيخ العثيمين: «ما كان بمعنى العمامة مما يشق نزعه، فإنه يلحق بها، وما لا فلا» (٢).
* المطلب الخامس: المسح على الباروكة.
استدل بالآية على عدم جواز المسح على الباروكة (٣).
تخريج الحكم: أن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.
ويستصحب التنبيه السابق في المسألة الماضية.
كما ينبه: أن لبس الباروكة للرجال والنساء محرم، هذا هو الأصل فيها؛ لأنها داخلة في الوصل، وهي وإن لم تكن وصلاً إلا أنها تظهر شعر الرأس على وجه أطول من حقيقته فتشبه الوصل، فتأخذ حكم وصل الشعر، وقد أجاز الشيخ العثيمين ﵀ لبس الباروكة للمرأة القرعاء التي لا شعر لها أصلاً؛ لأنه من باب إزالة العيب وهو جائز قياساً على إذن النبي ﷺ باتخاذ أنف من ذهب لمن جدع أنفه (٤).
стр. 239
* المطلب السادس: عدم نقض الوضوء من خروج غير البول والعذرة من النجاسات.
استدل بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ من قال بعدم نقض الوضوء من الخارج من النجاسات غير البول والعذرة، سواء كان الخارج من المخرج المعتاد - السبيلين - أو من غيرهما (١).
تخريج الحكم: يخرج الحكم على مفهوم الآية، حيث دلت الآية بمنطوقها على النقض من الغائط. والخارج في الغائط: البول والعذرة. ومفهومه: أن غير ذلك ليس بناقض.
* المطلب السابع: نقض الوضوء من الخارج عن طريق القسطرة والشرج الصناعي
استدل بالآية من قال بنقض الوضوء عن طريق خروج البول عن طريق القسطرة، أو الغائط عن طريق الشرج الصناعي (٢):
والقسطرة: أن يوضع للمريض في مجرى البول قِسْطار أي: (ماسور بلاستيكي) يخرج منه البول دون إرادة المريض (٣).
أمّا الشرج الصناعي: فكأن يفتح الطبيب في جدار البطن فتحة يخرج منها البراز دون إرادة المريض، وتجتمع في علبة وتزال بين فترة وأخرى (٤).
стр. 240
وتخريج الحكم: ما سبق في المسألة السابقة من كون المطلق يجري على إطلاقه، وقد أطلق الشرع نقض الوضوء من خروج البول والغائط، ولم يقيّده من مخرجه المعتاد، فإن خرجا من أي مخرجٍ فإنهما ناقضان.
تنبيه: ذكر ابن رشد أن سبب اختلافهم في ذلك هو: «أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائطٍ وبولٍ وريح ومذي؛ لظاهر الكتاب، ولتظاهر الآثار بذلك، تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات:
أحدها: أن يكون الحكم إنما علّق بأعيان هذه الأشياء فقط، الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علّق بهذه من جهة أنها أنجاسٌ خارجةٌ من البدن لكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثر فيها النجس، والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم -أيضًا- إنما علّق بها من جهة أنها خارجةٌ من هذين السبيلين» (١).
* المطلب الثامن: نقض الوضوء بالغسيل الكلوي البروتيني.
استدل بالآية من قال بنقض الوضوء بالغسيل الكلوي البروتيني والغسيل الكلوي (٢). البروتيني: هو عبارة عن أنبوب يوضع في جوف المريض، وهذا الأنبوب يوضع بين السّرة والعانة، ويُعطى المريض بعض السوائل والأدوية الخاصّة التي تساعد الجسم على التّخلص من السموم، والفضلات السائلة، والأملاح الزائدة، ثم بعد ذلك تجتمع هذه الفضلات السائلة والسموم والأملاح الزائدة في هذا الأنبوب، ما يقارب من ثمان ساعات، ثمّ بعد اجتماعها يقوم المريض بتفريغ هذا الأنبوب في كيس خارجي (٣).
стр. 241
وتخريج الحكم: أوجب المولى في الآية التطهر بالوضوء أو التيمم عند خروج البول أو الغائط لمن أراد القيام للصلاة، وأطلق في المحل، ولم يقيده بالمخرج المعتاد؛ لذا ذهب الحنفية والحنابلة إلى نقض الوضوء بخروج البول والغائط من أي محل خرجا؛ وذلك لأنّ المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد التّقييد الشّرعيّ له (١).
تنبيه: الخارج من الغسيل الكلوي فيه صفات البول من الفضلات والأملاح والسموم؛ لذا أخذ حكمه، ولم يأخذ حكم الدّم، ونُقل عن بعض الباحثين أن من استعمل الغسيل البرويتيني في الغالب أنه يستغني عن التبول الطبيعي (٢).
* المطلب التاسع: طهوريّة الماء المتغير بالدواء
استدل بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ من قال بطهوريّة الماء المتغير بالدواء، شريطة أن يبقى اطلاق اسم الماء عليه (٣).
تخريج الحكم: أن لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق النّفي، فتعمّ كل ما يطلق عليه ماء، والماء المتغير بالدواء يطلق عليه اسم الماء، فلم يسلبه الدواء المخالط اسم الماء، وعليه لا يجوز العدول عنه إلى التيمم.
تنبيه: هذا الحكم مبني على أن الماء إذا خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه؛ فإنّه يبقى على طهوريته، ما لم يسلبه اسم الماء المطلق، وهذا مذهب الحنفية، ورجحه كثير من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رأي الشيخين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين -رحمهما الله-.
стр. 242
* المطلب العاشر: طهورية المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات
استدل بالآية على من قال بأن المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات باقية على طهوريتها، ولا يجوز التيمم مع وجود هذا الماء، ولا يؤثر تغير الصدأ فيها؛ لعدم القدرة عن الانفكاك عنه، ولا يمكن التحرز ولا صون الماء منه (١).
تخريج الحكم: ما سبق من كون لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآية نكرة في سياق النفي فتعمّ كل ماءٍ، وهذا ماء فلا يجوز التيمم مع وجوده.
وكذا يمكن تخريجها على عموم النكرة في سياق الامتنان الواردة في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].
وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
* المطلب الحادي عشر: طهورية مياه الصرف الصّحي بعد تنقيتها.
استدل بالآية من قال بطهورية مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وعدم جواز التيمم مع وجودها (٢).
وتخريج الحكم: ما سبق من تخريج، من كون لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده.
стр. 243
وناقش البعض: صحة التخريج السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة.
يقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقاً باقياً على أصل خلقته بل مقيداً بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث (١).
ثم نقل عن النووي ﵀ قوله: (وأما الماء المطلق فالصحيح في حده أنه: العاري عن الإضافة اللازمة، وإن شئت قلت: هو ما كفى في تعريفه اسم ماء.
وهذا الحد نص عليه الشافعي ﵀ في البويطي.
وقيل: هو الباقي على وصف خلقته، وغلطوا قائله؛ لأنه يخرج عنه المتغير بما يتعذر صونه عنه أو بمكث أو تراب ونحو ذلك، واختلفوا في المستعمل هل هو مطلق أم لا على وجهين: أصحهما وبه قطع المصنف في باب ما يفسد الماء من الاستعمال وآخرون من محققي أصحابنا: أنه ليس بمطلق، والثاني: أنه مطلق) (٢).
* المطلب الثاني عشر: التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذّي عليه دهان
استدل بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ من قال بعدم جواز التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذّي عليه دهان (بوية) (٣).
وتخريج الحكم: أن (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يقتضي أن يكون
стр. 244
هناك غبار يعلق باليد، وهذا لا يتحقق بجدار الأسمنت أو البلاط، فلا يتحقق المسح.
نوقش: أن التيمم غير مختص بالتراب، بل بكل ما تصاعد على وجه الأرض؛ لقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض (١).
وحمل بعضهم (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على كونها ابتدائية، أي لابتداء الغاية (٢)، أي: مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطّيب، وعليه فلا يتعين ما له غبار، ويصحّ التيمم بجدار الأسمنت وغيره.
• المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]
* المطلب الأول: وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا
استدل بالآية على عدم جواز الصّلاة فيما إذا وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا.
قال محمّد الأمين الشّنقيطي: « … وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيب به المعروف في اللسان الدارجي ب (الكولانيا) نجس لا تجوز الصلاة به» (٣).
стр. 245
وتخريج الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذّي لا ينتفع معه بشيء من المسكر. وهو أمرٌ بمعنى النهي، فيقتضي تحريمه، وفساد الصلاة به؛ لأنّ النّهي يقتضي التحريم والفساد.
وقد دلت الآية على نجاسته بقوله: ﴿رِجْسٌ﴾، والرجس هو: النّجس.
نوقش: بأن النجاسة هنا حكمية لا حسية. ويؤيد ذلك قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾
قال الشيخ العثيمين: «أنّ المراد بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هو الخمر، وهو الشراب المسكر الذي أعدّ لذلك الذي يؤدّي شربه إلى المفاسد التي جعلها الله مناط الحكم في التحريم، وقد بيّن ذلك في الآية التي بعدها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة ٩١]، فإذا كان لهذه الكحول منافع خالية من هذه المفاسد فإنه ليس لنا القول بتحريمها إلا بدليلٍ ناهضٍ، ولا دليل، وغاية ما يمكن أن يقال فيها: أنها من الأمور المشتبهة، والمشتبه إذا احتيج إليه فإنه يزول عنه حكم الاشتباه كما هو مقرّرٌ في القواعد الفقهية» (١).
والجواب: بل النجاسة حقيقية وليست حكمية؛ لأنّ التّحريم كان لذات الخمر، وما كان لذاته وعينه؛ فإنّه يدلّ على نجاسته. وهذا من القواعد التي يُخرَّج عليها هذا الحكم.
قال ابن قدامة: «الخمر نجسة في قول عامة أهل العلم؛ لأن الله حرمها
стр. 246
لعينها، فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام، نجس، لما ذكرنا» (١)
كما أن العلماء علقوا نجاسة الخمر على وصف الإسكار، وهذا الوصف موجود في الكالونيا.
قال ابن القيم: «الخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار» (٢).
وقال القرافي: «نجاسة الخمر معللة بالإسكار» (٣).
ومما يؤيد نجاسته مفهوم قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، حيث دلَّ منطوق الآية أن شراب الآخرة طهور، ومفهومه أن شراب الدنيا ليس بطهور.
تنبيه: يأخذ حكم الكالونيا كل المواد المشتملة على الكحول، كمستحضرات التجميل، والمسحات الطبية، ونحوها (٤) في أثرها على الطهارة.
стр. 247
ولذا تسامح بها البعض؛ لكونها مما عمَّت بها البلوى، وانتشرت، ولا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين.
وقالوا: إن في القول بنجاستها حرج عظيم؛ لأن فيه تأثيماً للأمة، وإبطالاً لعباداتها من صلاة وطواف ونحوه (١).
* المطلب الثاني: استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات
استدل بالآية على جواز استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات (٢).
تخريج الحكم: إنّ الحكم يدور مع علته، حيث قالوا: إنّ علة تحريم الخمر هي ما ورد في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذه العلة لا تحصل فيما إذا استعمل في غير الشراب (٣).
تنبيه: هذا القول مبني على القول بعدم نجاسة الخمر من جهة، والقول بأن المحرم من الخمر هو الشرب فقط من جهة أخرى.
وقالوا: إن الخمر ليس هو الكحول، وإنما هو كلّ مادّة أعدّت للشرب،
стр. 248
وهي تؤدّي إلى الإسكار، سواءٌ أكانتْ من الكحول أم من غيرها، وعلى هذا فالعطورات الكحولية لا تدخل في مسمّى الخمر؛ لأنها من الطيب المباح في عرف جميع الناس، فهي لم تعدّ لغرض الإسكار، مثلها مثل البنزين، ومذيب البوية، والصمغ، والأصباغ، وغيرها مما قد يسكر وهو لم يعدّ لذلك.
* * *
• المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
* المطلب الأول: جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة
استدل بالآية على جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة (١).
وتخريج الحكم: على قاعدة دوران الحكم مع علته وجودًا وعدمًا؛ حيث نصت الآية على كونها حلالًا إن كان طيبًا، وجعل مقابل الطّيب الخبيث، وقد فصل ما حرم من الخبائث في القرآن من الدّم والخنزير والميتة وغيرها من النجاسات، وعليه فإذا زالت واستحالت لم يبق لها أثر فينتفي حكمها، وتكون من الطيبات. والجواز مأخوذ من لفظ الحلِّ
وقد أصدر المجمع الفقهي بمكة قراره الخامس في دورته الحادية عشرة عام ١٤٠٩ بشأن: (حكم التطهر بمياه المجاري بعد تنقيتها) وهذا نصه: ( … نظر
стр. 249
في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته هل يجوز رفع الحدث بالوضوء والغسل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟ وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل أربعة وهي الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم وتعقيمه بالكلور بحيث لايبقى للنجاسة في طعمه ولونه وريحه وهم مسلمون عدول موثوق بصدقهم وأمانتهم.
قرر المجمع ما يأتي:
إن ماء المجاري إذا نقي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهوراً يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به بناءً على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه النجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه والله أعلم) (١).
نوقش: بعدم التسليم في كونه أصبح طيباً، مع وجود صفة الاستخباث، كما سيأتي في المطلب التالي.
* المطلب الثاني: عدم جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة.
استدل من قال بعدم جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة بالآية الكريمة.
وتخريج الحكم: ما ورد بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وهو إخبار عن الحكم شرعي.
سبق في المسألة السابقة القول بصدور قرار المجمع الفقهي بمكة بجواز
стр. 250
التطهر بمياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وقد توقف في هذا القرار عضو المجمع الشيخ صالح الفوزان، والشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد، وكتب الشيخ بكر وجهة نظره، فقال: (الحمد لله وبعد .. فإن المجاري في الأصل معدة لصرف ما يضر الناس في الدين والبدن طلباً للطهارة ودفعاً لتلوث البيئة.
وبحكم الوسائل الحديثة لاستصلاح ومعالجة مشمولها لتحويله إلى مياه عذبة منقاة صالحة للاستعمالات المشروعة والمباحة مثل: التطهر بها، وشربها، وسقي الحرث منها، بحكم ذلك صار السبر للعلل والأوصاف القاضية للمنع في كل أو بعض الاستعمالات، فتحصل أن مياه المجاري قبل التنقية معلة بأمور:
الأول: الفضلات النجسة باللون والطعم والرائحة.
الثاني: فضلات الأمراض المعدية، وكثافة الأدواء والجراثيم (البكتيريا).
الثالث: علة الاستخباث والاستقذار لما تتحول إليه باعتبار أصلها، ولما يتولد عنها في ذات المجاري من الدواب والحشرات المستقذرة طبعاً وشرعاً.
ولذا صار النظر بعد التنقية في مدى زوال تلكم العلل، وعليه:
فإن استحالتها من النجاسة بزوال طعمها ولونها وريحها لا يعني ذلك زوال ما فيها من العلل والجراثيم الضارة. والجهات الزراعية توالي الإعلام بعدم سقي ما يؤكل نتاجه من الخضار بدون طبخ فكيف بشربها مباشرة. ومن مقاصد الإسلام المحافظة على الأجسام؛ ولذا لايورد ممرض على مصح، والمنع لاستصلاح الأبدان كالمنع لاستصلاح الأديان.
ولو زالت هذه العلل لبقيت علة الاستقذار والاستخباث باعتبار الأصل لماء يعتصر من البول والغائط فيستعمل في الشرعيات والعادات على قدم