← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1354

دراسات أصولية تطبيقية على آيات الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (391 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لعينها، فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام، نجس، لما ذكرنا» (١) كما أن العلماء علقوا نجاسة الخمر على وصف الإسكار، وهذا الوصف موجود في الكالونيا. قال ابن القيم: «الخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار» (٢). وقال القرافي: «نجاسة الخمر معللة بالإسكار» (٣). ومما يؤيد نجاسته مفهوم قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، حيث دلَّ منطوق الآية أن شراب الآخرة طهور، ومفهومه أن شراب الدنيا ليس بطهور. تنبيه: يأخذ حكم الكالونيا كل المواد المشتملة على الكحول، كمستحضرات التجميل، والمسحات الطبية، ونحوها (٤) في أثرها على الطهارة.

стр. 247

ولذا تسامح بها البعض؛ لكونها مما عمَّت بها البلوى، وانتشرت، ولا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين. وقالوا: إن في القول بنجاستها حرج عظيم؛ لأن فيه تأثيماً للأمة، وإبطالاً لعباداتها من صلاة وطواف ونحوه (١). * المطلب الثاني: استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات استدل بالآية على جواز استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات (٢). تخريج الحكم: إنّ الحكم يدور مع علته، حيث قالوا: إنّ علة تحريم الخمر هي ما ورد في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذه العلة لا تحصل فيما إذا استعمل في غير الشراب (٣). تنبيه: هذا القول مبني على القول بعدم نجاسة الخمر من جهة، والقول بأن المحرم من الخمر هو الشرب فقط من جهة أخرى. وقالوا: إن الخمر ليس هو الكحول، وإنما هو كلّ مادّة أعدّت للشرب،

стр. 248

وهي تؤدّي إلى الإسكار، سواءٌ أكانتْ من الكحول أم من غيرها، وعلى هذا فالعطورات الكحولية لا تدخل في مسمّى الخمر؛ لأنها من الطيب المباح في عرف جميع الناس، فهي لم تعدّ لغرض الإسكار، مثلها مثل البنزين، ومذيب البوية، والصمغ، والأصباغ، وغيرها مما قد يسكر وهو لم يعدّ لذلك. * * * • المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] * المطلب الأول: جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة استدل بالآية على جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة (١). وتخريج الحكم: على قاعدة دوران الحكم مع علته وجودًا وعدمًا؛ حيث نصت الآية على كونها حلالًا إن كان طيبًا، وجعل مقابل الطّيب الخبيث، وقد فصل ما حرم من الخبائث في القرآن من الدّم والخنزير والميتة وغيرها من النجاسات، وعليه فإذا زالت واستحالت لم يبق لها أثر فينتفي حكمها، وتكون من الطيبات. والجواز مأخوذ من لفظ الحلِّ وقد أصدر المجمع الفقهي بمكة قراره الخامس في دورته الحادية عشرة عام ١٤٠٩ بشأن: (حكم التطهر بمياه المجاري بعد تنقيتها) وهذا نصه: ( … نظر

стр. 249

في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته هل يجوز رفع الحدث بالوضوء والغسل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟ وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل أربعة وهي الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم وتعقيمه بالكلور بحيث لايبقى للنجاسة في طعمه ولونه وريحه وهم مسلمون عدول موثوق بصدقهم وأمانتهم. قرر المجمع ما يأتي: إن ماء المجاري إذا نقي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهوراً يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به بناءً على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه النجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه والله أعلم) (١). نوقش: بعدم التسليم في كونه أصبح طيباً، مع وجود صفة الاستخباث، كما سيأتي في المطلب التالي. * المطلب الثاني: عدم جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة. استدل من قال بعدم جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة بالآية الكريمة. وتخريج الحكم: ما ورد بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وهو إخبار عن الحكم شرعي. سبق في المسألة السابقة القول بصدور قرار المجمع الفقهي بمكة بجواز

стр. 250

التطهر بمياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وقد توقف في هذا القرار عضو المجمع الشيخ صالح الفوزان، والشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد، وكتب الشيخ بكر وجهة نظره، فقال: (الحمد لله وبعد .. فإن المجاري في الأصل معدة لصرف ما يضر الناس في الدين والبدن طلباً للطهارة ودفعاً لتلوث البيئة. وبحكم الوسائل الحديثة لاستصلاح ومعالجة مشمولها لتحويله إلى مياه عذبة منقاة صالحة للاستعمالات المشروعة والمباحة مثل: التطهر بها، وشربها، وسقي الحرث منها، بحكم ذلك صار السبر للعلل والأوصاف القاضية للمنع في كل أو بعض الاستعمالات، فتحصل أن مياه المجاري قبل التنقية معلة بأمور: الأول: الفضلات النجسة باللون والطعم والرائحة. الثاني: فضلات الأمراض المعدية، وكثافة الأدواء والجراثيم (البكتيريا). الثالث: علة الاستخباث والاستقذار لما تتحول إليه باعتبار أصلها، ولما يتولد عنها في ذات المجاري من الدواب والحشرات المستقذرة طبعاً وشرعاً. ولذا صار النظر بعد التنقية في مدى زوال تلكم العلل، وعليه: فإن استحالتها من النجاسة بزوال طعمها ولونها وريحها لا يعني ذلك زوال ما فيها من العلل والجراثيم الضارة. والجهات الزراعية توالي الإعلام بعدم سقي ما يؤكل نتاجه من الخضار بدون طبخ فكيف بشربها مباشرة. ومن مقاصد الإسلام المحافظة على الأجسام؛ ولذا لايورد ممرض على مصح، والمنع لاستصلاح الأبدان كالمنع لاستصلاح الأديان. ولو زالت هذه العلل لبقيت علة الاستقذار والاستخباث باعتبار الأصل لماء يعتصر من البول والغائط فيستعمل في الشرعيات والعادات على قدم

стр. 251

التساوي .... الخ) (١). ونوقش: بأن العبرة في التحليل والتحريم للنصوص وليس لما تحسنه أو تقبحه النفوس. وقال شيخ الإسلام ﵀: (من قال من العلماء أنه حَرَّم على جميع المسلمين ما تستخبثه العرب وأحل لهم ما تستطيبه، فجمهور العلماء على خلاف هذا القول: كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وقدماء أصحابه، ولكن الخرقي وطائفة منهم وافقوا الشافعي على هذا القول، وأما أحمد نفسه فعامة نصوصه موافقة لقول جمهور العلماء. وما كان عليه الصحابة والتابعون: أن التحليل والتحريم لا يتعلق باستطابة العرب ولا باستخباثهم، بل كانوا يستطيبون أشياء حرمها الله: كالدم، والميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وأكيلة السبع، وما أهل به لغير الله، وكانوا بل خيارهم يكرهون أشياء لم يحرمها الله حتى لحم الضب كان النبي يكرهه، وقال: (لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) (٢)، وقال مع هذا: (أنه ليس بمحرم)، وأُكل على مائدته وهو ينظر وقال فيه: (لا آكله ولا أحرمه) (٣). وقال جمهور العلماء: الطيبات التى أحلها الله ما كان نافعاً لآكله فى دينه، والخبيث ما كان ضاراً له فى دينه) (٤).

стр. 252

• المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] استدل بها من قال بعدم إزالة النجاسة بالبخار. تخريج الحكم: أن الامتنان بالماء يقتضي اختصاصه بالتّطهر، فلو جعل التطهير بغيره لفات الامتنان به (١). والبخار لا يسمى ماء على الإطلاق بل بخاراً أو رشحاً (٢). نوقش: بعدم التسليم بأن الامتنان يفوت بمشاركة غير الماء للماء في التطهر؛ لأنّ الشّارع إنّما ذكر الشارع الماء وامتنّ به على عباده - هنا - لكونه أنفع المطهرات؛ ولكونه الغالب المتيسر في ذلك الوقت، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له. كما نوقش بعدم تسمية البخار ماء، وفي ذلك يقول الروياني: «وهذا غير صحيح عندي؛ لأن رشح الماء ماء حقيقة، وينقص منه بقدره فهو ماء مطلق فيتطهر به» (٣). أو يقال: إن البخار ماء باعتبار ما سيؤول إليه بعد جمعه فما جمع من البخار يسمى ماءً، ويسمى بخاراً حال تبخره.

стр. 253

تنبيه: يرى الحنفية جواز إزالة النجاسة بغير الماء (١)، وهو رواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة (٢)، والشيخ ابن عثيمين (٣). وهؤلاء يرون أن إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصداً، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة وزالت وزال أثرها فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّراً لها، سواء بالماء أو البنزين، أو أي مزيل يكون (٤). * * * • المبحث السادس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] استد بالآية على جواز استعمال ما يرد إلينا من بلاد الكفار من الثياب والمفارش والأغطية والبسط وغيرها، مما يصنع من الصّوف أو الشّعر أو الريّش (٥). تخريج الحكم: أن السياق سياق امتنان، ولا يمتن إلّا بما هو طاهر وجائز الانتفاع به، كما أن سياق الامتنان يقتضي التّعميم، فيعم شعر المذكاة والميتة إلا ما منعه الدليل (٦).

стр. 254

والقول بأن الشعر والصوف والريش من الميتة طاهر إذا جُزَّ، هو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١)؛ لكون الأصل طهارتها قبل الموت بإجماع، فيستصحب هذا الأصل، ومن زعم أنه انتقلت إليها النجاسة فعليه الدليل (٢). وعلى هذا الأصل، وكون الأصل في الأشياء الإباحة يمكن استصحاب ما يرد إلينا من بلاد الكفر من الثياب والمفارش والأغطية والبسط وغيرها. • المبحث السابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] استدل بها من قال بأن المتوضئ لا يلزمه إزالة الأسنان الاصطناعية عند الوضوء (٣). تخريج الحكم: يؤخذ من عموم نفي الحرج في الشريعة، وقد ورد ﴿حَرَجٍ﴾ منكرًا في سياق النّفي فيعمّ كل حرج، ونزع الأسنان قد يكون فيه حرج، فيدخل في العموم.

стр. 255

يقول الشيخ العثيمين: «إنسانٌ عليه تركيبة أسنان، هل نقول: يجب أن يخلعها عند الوضوء أو لا يجب؟ الظاهر: أنه لا يجب؛ لأنّ الفقهاء يقولون: إن المضمضة يكفي فيها إدارة الماء أدنى إدارة، يعني ليس بلازمٍ أن يستوعب كل الفم، فإذا كان كذلك فإنه لا يجب؛ لأنّ هذا شيءٌ يسيرٌ، لا سيما إذا كان سنًّا أو سنّين، أما لو كان كلّ الحنك مركّبًا فقد يقال: إنّ هذا شيءٌ كثير» (١). تنبيه: ويدخل في ذلك كل ما فيه مشقة وعنت في رفعه وإزالته، كالمسح على الباروكة أو الأرجل الصناعية (٢). * * * • المبحث الثامن: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠] استدل بها على عدم جواز مسح السّبورة الثّابتة بلا وضوء، إذا كتب فيها آية فأكثر؛ لأنها تلحق باللوح (٣) تخريج الحكم: يخرج الحكم على قاعدة النّهي يقتضي التّحريم، والفعل في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ينزل منزلة النكرة، فيكون عامّاً في أيّ مسٍّ سواء كان على الورق أو السبورة.

стр. 256

تنبيه: وهذا القول مبني على أمرين: الأول: على القول بتحريم مس المصحف، وإليه ذهب الجمهور (١)، واختاره ابن تيمية (٢)، وتلميذه ابن القيم (٣)، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين أخيرًا (٤). الثاني: أنَّ الضّمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ يعود إلى القرآن؛ بقرينة: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والمنزّل هو القرآن (٥). ونوقش بما يلي: أنّ الضّمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لا يعود إلى القرآن، وإنما يعود إلى الكتاب المكنون؛ لأنّ الضّمير يعود إلى أقرب مذكور (٦)، وأما قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو عائدٌ بلا شكّ إلى القرآن الكريم، ولا مانع من تداخل الضّمائر إذا كان ثمّة قرينة تدلّ على ذلك (٧)، ثم إنّه على احتمال تساوي الأمرين فإنّ الاستدلال بهذه الآية يسقط؛ لأنّ الدليل إذا تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

стр. 257

ومما يدلّ على أنّ الضّمير لا يعود على القرآن قوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ لأنه لو أراد منع المحدث من مسّه لقال: «إلا المتطهِّرون»؛ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالمتطهّر: فاعل التطهير، والمطهّر: الذي طهّره غيره، فالمتوضِّئ متطهِّرٌ، والملائكة مطهَّرون (١).

стр. 258

الفصل الثاني تخريج نوازل أحكام الصلاة • المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] ومثلها في الحجّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. استدل بالآية على جواز الائتمام بالإمام الذي تنقل في صلاته عن طريق المذياع (١). تخريج الحكم: بناء على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد. وبيانه: أن الأمر بالصلاة مطلق غير مقيد بمكان واحد يجتمع فيه، والصّلاة مع الإمام عبر التلفاز متحققة، فتدخل في الإطلاق المذكور في الأمر. ويمكن مناقشة ما سبق، بأنّ الأصل حمل كلام الشارع على المعهود، وقت نزول الخطاب، ولا شك أن المعهود هو الاجتماع في مكان واحدٍ مع الإمام حقيقة، ولا سيما أن من مقاصد الصّلاة الاجتماع لها، وكل ما خالف مقصود العبادة فهو باطل.

стр. 259

يقول الشيخ العثيمين: «لا يجوز للإنسان أن يقتدي بالإمام بواسطة الراديو أو بواسطة التلفزيون؛ لأنّ صلاة الجماعة يقصد بها الاجتماع، فلا بدّ أن تكون في موضعٍ واحدٍ، أو تتّصل الصفوف بعضها ببعض، ولا تجوز الصلاة بواسطتهما، وذلك لعدم حصول المقصود بهذا، ولو أننا أجزنا ذلك لأمكن كلّ واحدٍ أن يصلّي في بيته الصلوات الخمس، بل والجمعة أيضًا، وهذا منافٍ لمشروعية الجمعة والجماعة، وعلى هذا فلا يحلّ للنساء ولا لغيرهنّ أنْ يصلّي أحدٌ منهم خلف المذياع أو خلف التلفاز» (١). كما أن الصلاة قد تقع على أحوال لا تصح معها صلاته عند جماعة من أهل العلم، مثل كونه منفرداً خلف الصف مع إمكان دخوله في صفّ لو كان بالمسجد، وكونه أمام الإمام، وقد يعرض ما لا يمكنه معه الاقتداء بالإمام كخلل في جهاز الاستقبال أو الإرسال، أو انقطاع التيار الكهربائي، وهو في أمن من هذا؛ لو صلى في مكان يرى فيه الإمام والمأمومين (٢). • المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] استدل بالآية على عدم جواز الصّلاة خلف المذياع (٣).

стр. 260

تخريج الحكم: بناء على أن حرف (مع) في قوله: ﴿مَعَكَ﴾ يقتضي المعيّة والجمعيّة. تنبيه: سبق في المسألة السابقة - عند مناقشة القول بالجواز - بيان وجه الجمع. * * * • المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] استدل بها من قال بسقوط الصّلاة عمن كان في بلاد يستمر فيها الليل والنهار أربعاً وعشرين ساعة فأكثر (١). تخريج الحكم: إن الشرط الشرعي يقتضي أنّه يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وقد عدم شرط الصّلاة، وهو الوقت المؤقت لكل صلاة، فيعدم حكمها. وبيانه: إنّه جعل للصّلاة أوقاتًا محدّدة، يوقع فيها المسلم صلاته، فإذا لم توجد هذه الأوقات لم تجب الصّلاة؛ وذلك بناء على قاعدة: الشرط الشرعي حجة. نوقش: بوجوب الصلاة وعدم سقوطها، ويكون التقدير في حقهم بحسب وقت أقرب البلدان التي وقتها منتظم إليهم، بحيث يصلون في كل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات (٢).

стр. 261

• المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] استدل بالآية من قال بعدم جواز الصّلاة بالنّظارة (١)، إن أدّى إلى منع تمكين الأعضاء من السجود على الأرض، ومثلها بعض القبعات. وبيانه: السجود فرض من فروض الصّلاة بلا خلاف، وإنّما الخلاف في كيفية تمكين أعضاء السجود على الأرض (٢)، إن كان قادرًا عليه (٣)، ولا شك أن المصلي قادر على خلع النظارة لتمكين نفسه من السجود. قال الشيخ محمّد صالح العثيمين ﵀: «أمّا بالنّسبة للنّظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض، فإنّ السجود لا يجزئ، وذلك لأن الذي يحمل الوجه هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين، وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود» (٤). تخريج الحكم: يخرّج الحكم على قاعدة: ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، ولما كان تمكين أعضاء السجود واجبًا، ولا يتمّ إلّا بإزالة ما يمنع من

стр. 262

ذلك، فكان إزالة ما يمنع ذلك واجبًا، فيجب نزع النظارة، إن كانت تمنع تمكين الجبهة أو الأنف من الأرض. تنبيه: يؤخذ حكم ما سبق العقال، وبعض القبعات، وكل ما يمنع من تمكين الجبهة على الأرض، وكذا الفرش الذي يحول دون تمكين الجبهة من السجود (١). * * * • المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] استدل بالآية من قال بوجوب حضور الجماعة على كل من سمع النداء، ولو بمكبر الصوت (٢). تخريج الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ للوجوب وهو معلّق على شرط، وهو الأذان ليوم الجمعة، في قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾، والمقصود من النّداء هو إسماع الغير؛ بدلالة قوله ﵇: «من سمع النّداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر» (٣)، فيجري العام في قوله: ﴿نُودِيَ﴾ على عمومه، أي سواء كان

стр. 263

السماع بمكبر الصوت أو بدونه. ووجه كونه عاماً: أن الفعل هنا ينزل منزلة النكرة، وهو مثبت وفي سياق شرط فيعم. أما والوجوب على كل من سمع النداء فهو مأخوذ من دلالة ضمير الجمع في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ فيعم كل من سمع النداء. نوقش: بأن الأمر في الآية محمول على الأذان المعتاد في زمن التشريع. قال الشيخ العثيمين: «فالظاهر أن هؤلاء لا يلزمهم صلاة الجماعة في المسجد إذا كانوا إنما يسمعون صوت المؤذن بواسطة مكبر الصوت، وأنه لولا المكبر ما سمعوا، فالظاهر أنه لا يجب عليهم حضور الجماعة في الحال؛ لأن هذا السماع غير معتاد ولا ضابط له، ولا يقول قائل إن عموم قول النبي ﷺ : «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» يتناول ما سمع بواسطة المكبر وما سمع بدونه، فبعض المكبرات يكون صوته عالياً يسمع من بعيد، وبعضها دون ذلك، والمرجع في هذا إلى ما كان معروفاً في عهد الرسول ﷺ وهو السماع بدون مكبر» (١).

стр. 264

الفصل الثالث تخريج نوازل أحكام الزكاة • المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] استدل بالآية على وجوب زكاة أنواع التجارات؛ لأنّ التجارة نوع من الكسب. وقد روي من عدة طرق عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أنه قال: من التجارة (١). وقال الرازي: «ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب … » (٢). وعليه فيستدل على وجوب الزكاة في كثير من أنواع التجارات العصرية، كربح المحطات، والنفط الخارج بواسطة عقد الامتياز .... إلخ. تخريج الحكم: عموم الكسب الطيب، أو عموم الطيبات المكتسبة، والتي دلّت عليها صيغة العموم، وهي الإضافة في قوله: ﴿طَيِّبَاتِ﴾ بما بعدها، أو عموم (ما) الموصولة في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾، وكل ما سبق مأمورون أن ننفق منه

стр. 265

بالأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب. • المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. استدل بالآية من قال بوجوب الزكاة في الأوراق النّقديّة (١). تخريج الحكم: استنباط كون العلّة فيما يزكى (النّقديّة) أي: كونها نقودًا، والأوراق تكون نقودًا فتجب فيها الزكاة. ووجه استنباط العلّة من الآية: هو أن قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ إيماء إلى أنّ المراد بالذهب والفضة في الآية نقودهما؛ لأنها المعدّة للإنفاق، والآلة المباشرة له، والضّمير عائد عليهما باعتبارهما دراهم ودنانير، أي: باعتبارهما نقودًا؛ ولهذه الخاصيّة نصّ عليها في الآية لا لنفاستهما في نفسيهما (٢)؛ لأنّه وجدت معادن لا تقل غلاء ونفاسة عن الذهب والفضة، بل قد تزيد كالألماس، واليورانيم، ولا زكاة فيهما؛ لأنّها ليست نقودًا (٣).

стр. 266

ثمّ إنّ كون الزّكاة واجبة دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا عقاب إلا على ترك واجب، فدلّ على أن الانفاق واجب. * * * • المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. * المطلب الأول: الإقراض من مال الزكاة. استدل بالآية من قال بعدم جواز الإقراض من مال الزكاة (١)، أي: لمن ليس من أهل الزكاة. تخريج الحكم ما يلي: أولًا: أن المال هو مال للفقير والمسكين يملكونه بنص الآية، حيث أضاف المولى سبحانه الصّدقات لهم بلام الملك، وهذا يقتضي عدم جواز التّصرف بغير إذن مالكه. ثانيًا: صدرت الآية بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا﴾ ومفهوم الحصر عدم جواز أخذها لغير الأصناف الثمانية (٢).

стр. 267

ثالثًا: إنّ لفظ ﴿الصَّدَقَاتُ﴾ جمع محلى ب (أل)، وهو يفيد العموم، وهذا يقتضي أن جميع الصّدقات تعطى لهؤلاء المذكورين في الآية، وإذا كان جميعها يعطى لهم، فلا يجوز إقراض غيرهم منها (١). * المطلب الثاني: استثمار أموال الزكاة من قبل المالك أو وكيله استدل بالآية من قال بعدم جواز استثمار أموال الزكاة من قبل المالك أو وكيله (٢). وتخريج الحكم: ما سبق من كون اللام للتّمليك، فهي خرجت من ملكه إلى ملك الفقير، ومن ثمَّ لا يجوز له التّصرف بها. وأيدوا قولهم: بأنّ الأصل دفع الزّكاة للفقير على الفور؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والأمر يقتضي الفور (٣). تنبيه: إذا تأخر المالك عن إخراج الزكاة واستثمرها مع ماله، هل يشاركه الفقير والمسكين في الربح والخسارة أو لا؟ خلاف يتوقف على كون الزكاة متعلقة بالعين (المال) أو الذّمة؟ (٤).

стр. 268

* المطلب الثالث: صرف الزكاة في حفر الآبار العامّة للفقراء استدل بالآية من قال بعدم جواز صرف الزكاة في حفر الآبار العامّة للفقراء (١). تخريج الحكم: أن اللام في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ لام الملك والاختصاص، وتقتضي التمليك، والآبار يردها الفقير والغني، فليس فيها تمليك خالص للفقراء. كما أن مفهوم التمليك هو أن يخلي بين المالك - الفقير هنا - وماله، يتصرف به كيف شاء، ويؤيده قوله سبحانه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والايتاء الاعطاء. ولذا رأت الهيئة الشرعيّة في بيت الزكاة الكويتي إنّه يجوز شرعًا تمليك مال الزكاة لأهل المنطقة الفقراء، ثم يوجهون إلى وضعه في حفر بئر يبيحون الانتفاع بها لهم ولغيرهم (٢). ويرى بعض المفسرين (٣) ان الفقير والمسكين والعامل والمؤَّلف قلبه، الذين دخلت عليهم لام التّمليك في الآية، إنّما هو تمليك لما عساه أن يدفع إليهم، ويأخذونه تملكًا؛ لذا كان دخول اللام لائقًا بهم. أمّا الأصناف الأربعة الأواخر، الذين دخل عليهم حرف (في) في قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فلا يملكون لما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم.

стр. 269

تنبيه: أمّا حفر بئر في ملك فقير معين، فحكمه يتخرج على مسألة مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين؛ فإن قيل لا يعطى أكثر من كفاية السنة فإنّه يمنع ذلك، أمّا على القول يُعطى كفاية العمر فيجوز، كما يجوز شراء بيت ومسكن له (١). وينبه - أيضاً -: أن بعض المتأخرين استثنى إذا لم يمكن حفر الآبار إلا بمال الزكاة فإنه يجوز حفرها به؛ للضرورة، والضرورة تبيح المحظور (٢). * المطلب الرابع: شراء الكتب المدرسيّة ونفقة الزواج للفقراء من مال الزكاة استدل بها من أجاز شراء الكتب المدرسيّة ونفقة الزواج … إلخ (٣)، مما يحتاجه الفقير والمسكين. قال الشيخ العثيمين: «والمعتبر ليس فقط ما يكفيه للأكل والشرب، والسكنى، والكسوة، فحسب، بل يشمل حتى الاعفاف، أي: النكاح، فلو فرض أن الإنسان محتاج إلى الزواج، وعنده ما يكفيه لأكله، وشربه، وكسوته، وسكنه، لكن ليس عنده ما يكفيه للمهر، فإنّنا نعطيه ما يتزوج به ولو كان كثيرًا» (٤). تخريج الحكم: أن المولى سبحانه حدد المصرف، وأطلق في وجوه الصّرف، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل كل ما يحتاجه. ثمّ إنّ المقصد هو سد حاجة الفقير والمسكين، والفقر قد يكون في الطعام أو المسكن أو غير ذلك، فيشمل جميع الحاجات من جهة المعنى (٥).

стр. 270

قال الشيخ العثيمين ﵀: «وإذا كان رجل عنده ما يكفيه، لأكله، وشربه، وسكنه، وكسوته، ولكنه طالب علم يحتاج إلى كتب تُشترى له، فإننا نعطيه ما يحتاج إليه فقط من الكتب؛ لأنه إذا كان يعطى لغذائه البدني، فيعطى أيضاً لغذائه الروحي والقلبي، ولكن لا يعطى ليؤثث مكتبة كبيرة، بل لسد حاجته في طلب العلم فقط» (١). تنبيه: هذه المسألة مبنية على مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين، والجمهور على أن مقدار ما يُعطاه هو كفاية السنة، وعليه فإنه لا يجوز صرف الزكاة لبناء أو شراء بيت للفقير والمسكين. وأما على القول بجواز إعطائه كفاية العمر فيجوز ما سبق (٢). * المطلب الخامس: دخول الموظفات في المؤسسات الزكوية في مصرف العاملين عليها استدل بقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ من قال بأن الموظفات في المؤسسات الزكوية (٣) لا يدخلن في مصرف العاملين عليها (٤). وتخريج الحكم: أن لفظ ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾ لفظ مذكر يصرف على الذكور دون الإناث، وأكدّوا ما ذهبوا إليه من كونها نوعًا من أنواع الولايات، فلا يجوز أن

стр. 271

تتولاها؛ لقوله ﷺ : «لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة» (١). نوقش: بعدم التسليم بأن اللفظ يختص بالذكور، بدليل ألفاظ باقي المصارف، كالفقراء، والمساكين، والعاملين، وهي شاملة للمذكر والمؤنث (٢). يقول القرضاوي: «والحق أنّه ليس في المسألة دليل خاص يمنع المرأة من الاشتغال بالعمالة على الزّكاة، لكن القواعد العامّة التي توجب … » (٣). * المطلب السادس: صرف سهم العاملين للموظفين في المؤسسات الخيريّة واستدل بالآية على جواز صرف سهم العاملين للموظفين في المؤسسات الخيريّة (٤)؛ والأصل في العامل هو: الذّي يعينه الإمام لجباية الزكاة وصرفها، وهذا أمر متفق عليه. ولا شك في دخول المرخص لهم من قبل الإمام من المؤسسات. وتخريج الحكم: يمكن تخريجها على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد، وذكر : ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ مطلقة دون أن يقيد ذلك بنوع من العمل. كما يخُرَّج على قاعدة تحقيق المناط. وبيانه: أن تعليق الاستحقاق بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾، وهو الحكم، على وصف العمل في قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾، إيماء بأن علة الاستحقاق هي كونه عاملاً عليها، وهذه العلة متحققة في الموظفين في المؤسسات الخيرية، فيدخل فيه العاملون على الزكاة في المؤسسات الخيرية الزّكويّة على اختلاف أنواع أعمالهم (٥).

стр. 272

تنبيهان: الأول: لا يحق للموظفين الجمع بين الأخذ من المؤسسة الخيرية - من سهم العاملين عليها - ومن بيت المال (١). الثاني: ذكر العلماء ضوابط في استحقاق الموظفين في المؤسسات الخيرية من مصرف العاملين عليها، ومن تلك الضوابط: (١) أن يكون العمل الذي يقوم به الموظف مما يحتاج إليه في جمع الزكاة وتوزيعها. (٢) أن يراعى في ذلك إعطاء العامل بقدر عمله (٢). * المطلب السابع: إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين وقد استدل بعض العلماء بقوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ على جواز إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين (٣). المؤلفة قلوبهم: «قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ قد أسلموا، وكان رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه» (٤)، قاله ابن عباس ﵁ تفسيرًا للآية.

стр. 273

واستدل العلماء بالعموم السابق على مسائل أخرى منها (١): (١) إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد يصرف لها من سهم المؤلفة قلوبهم. ومن منع ذلك احتج بعدم وجود التّمليك للأفراد، والذي دلّت عليه لام التمليك في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ وما عطف عليها، ومنها ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. (٢) إعطاء رؤساء الدول الفقيرة والقبائل الكافرة لتأليف قلوبهم للإسلام. وقد جاء في قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، في بيان أهم المجلات التي يصرف عليها هذا السهم «تأليف من يرجى إسلامه، وبخاصة أهل الرأي والنفوذ ممن يظن أن له دورًا كبيرًا في تحقيق ما فيه صلاح المسلمين» (٢). (٣) القيام بحملات دعائية؛ لتوضيح صورة الإسلام والمسلمين لدى المدعوين، يُصرف لها من هذا السهم؛ لكونه من معاني تأليف القلوب على الإسلام، فيدخل في العموم، ومن منع ذلك احتج بعدم وجود التمليك لمعينين. وبعضهم: جعله من مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لكونه نصرة للإسلام. وتخريج الحكم: عموم قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وكلام ابن عباس ﵄، وإن كان في قوم قد أسلموا، إلا أن عموم النّص يشمله.

стр. 274

فائدة: ذكرت الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة ضوابط لصرف سهم المؤلفة قلوبهم (١)، وتلك الضوابط هي: (١) أن يراعى في الصرف المقاصد ووجوه السياسة الشرعية، بحيث يتوصل به إلى الغاية المنشودة شرعاً. (٢) أن يكون الإنفاق بقدر لا يضر بالمصارف الأخرى، وألا يتوسع فيه إلا بمقتضى الحاجة. (٣) توخي الدِّقة والحذر في أوجه الصرف؛ لتفادي الآثار غير المقبولة شرعاً، أو ما قد يكون له ردود فعل سيئة في نفوس المؤلفة قلوبهم، وما قد يعود بالضرر على الإسلام والمسلمين. * المطلب الثامن: فك الأسرى استدل بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ بعض العلماء على جواز فك الأسرى، وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). تخريج الحكم: عموم اللفظ، والأسير رقبته مقيدة بالأسر، فيصرف عليه من هذا السهم؛ لفكاكها. نوقش: بأن المقصود فك الرِّقاب، وليس من ذلك فكاك الأسرى؛ لأنهم أحرار، فالمراد بالرِّقاب: الأرقاء (٣). وأجيب: بأن النص جاء بلفظ ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، ولم ينص فيه على الأرقاء، أو

стр. 275

العبيد، وهذا يدل على عموم اللفظ وشموله للعبيد، والمكاتب، والأسير، والأخير -كما سبق- رقبته مُقيَّدة بالأسر، ويكون الصرف عليها بفكاكها من الأسر (١). قال ابن قدامة: «فصل: ويجوز أن يشتري من زكاته أسيراً مسلماً من أيدي المشركين؛ لأنه فك رقبته من الأسر، فهو كفك قيد العبد من الرِّق، ولأن فيه إعزازاً للدين، فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم، ولأنه بدفعه إلى الأسير في فكِّ رقبته فأشبه ما يدفعه إلى الغارم لفكِّ رقبته من الدَّين» (٢). * المطلب التاسع: فكاك الشعوب المسلمة المحتلة من الكافرين استدل بها بعض المعاصرين على جواز فكاك الشعوب المسلمة المحتلة من الكافرين (٣). وتخريج الحكم: النظر إلى المقصد والمعنى؛ إذ إن استرقاق الشعوب في عقائدها وأموالها وسلطانها وحرياتها أشدّ وأخطر من استرقاق الفرد في حريته. وإن شئت قلت بقياس الأولى. جاء في فتيا الشيخ محمود شلتوت ﵀ وبعد ذكره انقراض الرِّق قال: «ولكن حلَّ محلَّه الآن رقٌّ هو أشد خطراً منه على الإنسانية، ذلكم هو رق الشعوب في أفكارها، وأموالها، وسلطانها، وحريتها في بلادها .... فهو رقٌّ عام دائم، وهو أجدر وأحق بالعمل على التخلص منه، ورفع ذله عن الشعوب، لا بمال

стр. 276

الصدقات فقط، بل بكل المال والأرواح» (١) نوقش: بأن احتلال الكافرين لبلاد المسلمين ليس داخلًا في دلالة لفظ الرقاب لغة ولا شرعًا (٢). فالرقبة لغة وشرعاً تحمل على المعروف في العهد النبوي، وهو الرِّق الفردي، وهو الذي كان سائداً قبل الإسلام. وجاء الإسلام متشوفاً للتخلص منه، وألفاظ الشارع تحمل على عرفه (٣). كما أن المقصود المذكور يتحقق بالموارد الأخرى للزكاة، كمصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤). * المطلب العاشر: صرف الزكاة للمقاتلين في سبيل الله استدل بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من قال بصرف الزكاة للمقاتلين في سبيل الله دون غيرهم (٥)، وصرفه لهم لا خلاف فيه بين العلماء. ويخرج الحكم: على قاعدة: تقديم الحقيقة الشرعيّة على الحقيقة اللغويّة، إذا تعارضتا، فإن لفظ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني لغة: كل طريق يؤدي إلى مرضات الله، وهذا عامّ في كل معروف، لكن الشارع نقل هذا اللفظ العامّ على معنى خاص وقصره على الجهاد، فقدمت الحقيقة الشّرعية؛ لأنها مقصود الشارع في خطابه غالبًا.

стр. 277

تنبيه: من مصارفه العصريّة: إنشاء وتمويل المصانع الحربيّة، التي تصنع مختلف أنواع الأسلحة الثّقيلة والخفيفة، وشراء تلك الأسلحة عند الاحتياج، وإنشاء معاهد التّدريب على الأسلحة، والقتال للمؤهلين للدّفاع عن ديار الإسلام، وطبع الكتب والمجلات العسكريّة والتّوجيهيّة للمقاتلين المسلمين مما يحتاجونه في جهادهم، وإنشاء مراكز للدّراسات المختصّة بمواجهة خطط الأعداء (١). قال الدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي: «وهذه الصور المذكورة إنّما يجوز صرف الزكاة فيها، إذا قرر علماء الأمّة انطباق الوصف الشّرعيّ عليها» (٢). * المطلب الحادي عشر: صرف الزكاة في وجوه البر والخير واستدل بالآية على تعميم هذا المصرف في وجوه البر والخير، سواء كان جهاداً بالنّفس أو المال أو الحج والعمرة، أو الوقف، أو طلب العلم، أو بناء المساجد والقناطر، وتعبيد الطرق، وتكفين الموتى، وكفالة الأيتام والأرامل، والدّعوة إلى الله بنشر الكتب العلميّة وبناء المدارس والمستشفيات ومراكز الإغاثة … إلخ (٣). وتخريج الحكم السابق: وهو توسيع مفهوم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على أعمال البرّ ووجوهه. أولًا: تحقيق مناط المصرف، باعتبار انطباق الوصف الشّرعيّ عليها.

стр. 278

ثانيًا: تفسير بعض الصّحابة لهذا المصرف؛ منهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وحذيفة (١). ثالثًا: ويمكن القول بعموم اللفظ، في كل تلك الوجوه؛ لأنها داخلة في معنى سبيل الله. رابعاً: المقصد الشّرعيّ، أو تعميم الحكم لتعميم علته، وبيان ذلك: أن القصد من الجهاد في سبيل الله في الإسلام هو: أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا القصد يتحقق بإعداد الدعاة، وفتح المدارس والمعاهد .... إلخ. * المطلب الثاني عشر: صرف الزكاة على المهاجرين الفارين بدينهم استدل بقوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ صرف الزكاة على المهاجرين الفارين بدينهم، ومنهم من قصره على المسافر المنقطع. والأصل أن ابن السبيل: هو المسافر، مهما كانت مسافة سفره الذي طرأت عليه الحاجة؛ بسبب ضياع ماله، أو نفاد نفقته، وإن كان غنيًا في بلده (٢). تخريج الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فمن عممّه جعله شاملاً للمهاجرين الفارين بدينهم وغيرهم (٣)، ومن قصره على حقيقته الشرعية، وهو المسافر المنقطع الغريب. بناء على تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية.

стр. 279

وأدخل بعض المعاصرين في هذا المصرف المبعدون عن بلادهم التي بها أموالهم، مع رجاء عودتهم لبلادهم، بخلاف من لا يرجو ذلك فهو في حكم الفقير (١). وأدخل بعضهم في هذا المصرف: المغتربين عن أوطانهم لطلب العلم أو العمل، إن لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أموالهم التي في بلادهم، ولم يقصدوا الإقامة والاستقرار في بلد الغربة، وغلب على الظن رجوعهم قريباً، حتى لا يدخلوا في مصرف الفقراء (٢). * المطلب الثالث عشر: صرف الزكاة على المحرومين من المأوى في بلادهم لظروفهم المعيشية الصعبة استدل بالآية من أجاز صرف الزكاة على المحرومين من المأوى في بلادهم لظروفهم المعيشية الصعبة (٣). تخريج الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ومناط ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وقالوا يدخل هؤلاء فيه بمعنى السؤال، كما نص عليه بعض الحنابلة (٤). أو لكونهم ابناء الطريق؛ لسكنهم في الطرقات والتجائهم إليها، فيأخذون حكم المسافر المنقطع عن ماله (٥). نوقش: بعدم التسليم بأن ابن السبيل بمعنى السؤال لا لغة ولا شرعاً.

стр. 280

وكما سبق فإن ألفاظ الشارع تحمل على عرفه، وعرفه في ابن السبيل هو المسافر المنقطع عن ماله كما سبق. * المطلب الرابع عشر: صرف الزكاة على المسافرين لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين استدل بالآية من أجاز صرف الزكاة على المسافرين لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين. تخريج الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ومناط ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، على القول بجواز إعطاء من يريد سفراً ولا يجد نفقة، فإنه يعطى من هذا المصرف (١). نوقش: «بعد التسليم، فابن السبيل هو المسافر فعلاً، لا المنشاء للسفر، كما هو مذهب الجمهور، مع كون القائل بذلك أخذ بقول الشافعي فيما إذا كان في سفره مصلحة للمسلمين، ولم يأخذ بإطلاق الشافعي في حق كل من أنشأ سفراً وهو لا يجد نفقة، وفي ذلك تجزئة للقول على خلاف مراد الإمام؛ لأنه مبني على أصل واحد، وهو أن الأخذ لحاجته وهو يريد سفراً ممن لا مال عنده يُعدُّ ابن سبيل؛ لأنه سينفق المال في سفره، فكل من كان هذا حاله جاز له الأخذ، فالقول بجواز الأخذ في حال دون حال غير متَّجه» (٢).

стр. 281

• المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] * المطلب الأول: الزكاة في جميع ما يملكه الانسان من مال استدل بها من قال: بأن الزكاة تجب في جميع ما يملكه الانسان من مال، كالراتب الشّهري، وأجرة العمل، والمهن الحرّة، وكذا المستغلات، كأجرة الدور، وغلة المصانع سواء كان في يده أو في يد غيره. ومن ذلك المال المودع في الحساب الجاري، وكذا الحقوق المعنوية للأسهم التجاري، إذا عرضت للبيع، ومواد الخام، - على القول بأنّها من عروض التجارة، والمواد المصنعة، وجمعيات الموظفين، ومحطات الوقود - من قال بأنها: من العروض. أمّا ربحها فلا خلاف في ذلك. ويدخل في عموم الآية المنافع على اعتبار كونها مالًا، كما يدخل الدّين المقسَّط. تخرج الأحكام السابقة: كلها يعود إلى عموم قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ وهي جمع مضاف، يفيد العموم، فكل ما يطلق عليه مال، فتجب فيه الصّدقة، ومأمورون بالأخذ منه، والأمر يقتضي الوجوب، فتجب الزكاة في جميع ما سبق. وكونه مالاً أو غير مال مرجعه للعرف؛ إذ إن المال من المسميات التي علَّق الشرع بها حكماً، ولم يرد لها حدٌّ لها في الشرع أو اللغة، فيكون مرجعه للعرف.

стр. 282

المطلب الثاني: زكاة المال العامّ استدل بالآية على عدم زكاة المال العامّ. والمقصود بالمال العامّ: المال الذّي رصد للنّفع العامّ دون أن يكون مملوكاً لشخص أو جهة معيَّنة (١). وعُرِّف بأنه: كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه بل هو لهم جميعا (٢). وبذلك أفتى كثير من المعاصرين بعدم الزّكاة في أموال الجمعيات الخيرية، والأوقاف الخيريّة (٣)، وريعها حتى لو استثمرت (٤)، وأدخل فيها البعض أموال التأمين التّعاوني (٥)،

стр. 283

أو الاجتماعي (١)، كالضّمانات العمالية، ومعاشاة التقاعد. ووجه كون المال العامّ لا زكاة فيه: هو كونها ليست مملوكة لمعين، ومن شرط الزّكاة تمام الملك للمال، وكونه مملوكًا لمعين (٢). وبيان ذلك: أن المولى أضاف الأموال إليهم بقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذه الإضافة تدلّ على ملكهم إيّاها، واختصاصهم بالتّصرف والانتفاع بها، والمال العامّ ليس كذلك، فلا تجب فيه الزّكاة. فالإضافة المذكورة استنبط منها العلماء كون الملك المعيَّن شرطًا في المال الذي هو وعاء الزكاة، والمال العامّ ليس ملكًا لمعين فلا زكاة فيه. وتخريج الحكم: كان على أصل حجية الشّرط الشّرعيّ، والشّرط الشّرعي يلزم من عدمه العدم، فيلزم من عدم الملك المعيَّن عدم الزكاة.

стр. 284

• المطلب الثالث: زكاة في المال المحرم استدل بالآية من قال لا زكاة في المال المحرم كالسّيجارة (١). تخريج الحكم: أن المال إذا أطلق فإنّه ينصرف إلى الكامل وهو الحلال بخلاف مطلق المال فإنّه يدخل فيه الحلال والحرام. عليه فلا يدخل المحرم فيما أمر بزكاته من الأموال. كما أنّ المولى جعل الزّكاة من المال؛ لأجل الطّهرة والتّزكية به، والحرام خبيث فلا يطهر (٢). تنبيه: السيجارة محرَّمة لذاتها، والمحرَّم لذاته لا يعتبر مالاً زكوياً، ويجب التخلص منه بإتلافه، والإمساك به إثم وعصيان، وأما المحرم لغيره، كالمغصوب أو المسروق، فهذه يتعين ردُّها إلى أصحابها، وهم يقومون بإخراج زكاتها بعد قبضها (٣). ويقول د. عبد الله الغفيلي: « … وإن كان المال حراماً بوصفه لا بأصله كالأموال الربوية فيده عليه يدُ تمليك، فيجب عليه إخراج زكاته؛ لأنه مال منسوب إلى مسلم متعبد بجميع أحكام الإسلام … الخ» (٤).

стр. 285

الفصل الرابع تخريج نوازل أحكام الصيام • المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] استدل بالآية من قال بوجوب الصيام في البلاد التي يستمر فيها الليل أو النّهار، ويقدِّرون صومهم بصوم أقرب البلاد المعتدلة إليهم؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة، وصدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (١). تخريج الحكم: عموم الأدلة الواردة على وجوب الصيام على المسلمين. ومنها: قوله: في هذه الآية ﴿كُتِبَ﴾ وهو إخبار عن حكم الشّارع، والكتب معناه الإيجاب (٢). وأكد الوجوب بقوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ وهي نص في الوجوب أيضا، وضمير الجمع يدلّ على العموم، فيشمل البلاد والزمن المعتاد، وغير المعتاد.
следующие страницы →