← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1354

دراسات أصولية تطبيقية على آيات الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (391 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

• المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] * المطلب الأول: الزكاة في جميع ما يملكه الانسان من مال استدل بها من قال: بأن الزكاة تجب في جميع ما يملكه الانسان من مال، كالراتب الشّهري، وأجرة العمل، والمهن الحرّة، وكذا المستغلات، كأجرة الدور، وغلة المصانع سواء كان في يده أو في يد غيره. ومن ذلك المال المودع في الحساب الجاري، وكذا الحقوق المعنوية للأسهم التجاري، إذا عرضت للبيع، ومواد الخام، - على القول بأنّها من عروض التجارة، والمواد المصنعة، وجمعيات الموظفين، ومحطات الوقود - من قال بأنها: من العروض. أمّا ربحها فلا خلاف في ذلك. ويدخل في عموم الآية المنافع على اعتبار كونها مالًا، كما يدخل الدّين المقسَّط. تخرج الأحكام السابقة: كلها يعود إلى عموم قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ وهي جمع مضاف، يفيد العموم، فكل ما يطلق عليه مال، فتجب فيه الصّدقة، ومأمورون بالأخذ منه، والأمر يقتضي الوجوب، فتجب الزكاة في جميع ما سبق. وكونه مالاً أو غير مال مرجعه للعرف؛ إذ إن المال من المسميات التي علَّق الشرع بها حكماً، ولم يرد لها حدٌّ لها في الشرع أو اللغة، فيكون مرجعه للعرف.

стр. 282

المطلب الثاني: زكاة المال العامّ استدل بالآية على عدم زكاة المال العامّ. والمقصود بالمال العامّ: المال الذّي رصد للنّفع العامّ دون أن يكون مملوكاً لشخص أو جهة معيَّنة (١). وعُرِّف بأنه: كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه بل هو لهم جميعا (٢). وبذلك أفتى كثير من المعاصرين بعدم الزّكاة في أموال الجمعيات الخيرية، والأوقاف الخيريّة (٣)، وريعها حتى لو استثمرت (٤)، وأدخل فيها البعض أموال التأمين التّعاوني (٥)،

стр. 283

أو الاجتماعي (١)، كالضّمانات العمالية، ومعاشاة التقاعد. ووجه كون المال العامّ لا زكاة فيه: هو كونها ليست مملوكة لمعين، ومن شرط الزّكاة تمام الملك للمال، وكونه مملوكًا لمعين (٢). وبيان ذلك: أن المولى أضاف الأموال إليهم بقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذه الإضافة تدلّ على ملكهم إيّاها، واختصاصهم بالتّصرف والانتفاع بها، والمال العامّ ليس كذلك، فلا تجب فيه الزّكاة. فالإضافة المذكورة استنبط منها العلماء كون الملك المعيَّن شرطًا في المال الذي هو وعاء الزكاة، والمال العامّ ليس ملكًا لمعين فلا زكاة فيه. وتخريج الحكم: كان على أصل حجية الشّرط الشّرعيّ، والشّرط الشّرعي يلزم من عدمه العدم، فيلزم من عدم الملك المعيَّن عدم الزكاة.

стр. 284

• المطلب الثالث: زكاة في المال المحرم استدل بالآية من قال لا زكاة في المال المحرم كالسّيجارة (١). تخريج الحكم: أن المال إذا أطلق فإنّه ينصرف إلى الكامل وهو الحلال بخلاف مطلق المال فإنّه يدخل فيه الحلال والحرام. عليه فلا يدخل المحرم فيما أمر بزكاته من الأموال. كما أنّ المولى جعل الزّكاة من المال؛ لأجل الطّهرة والتّزكية به، والحرام خبيث فلا يطهر (٢). تنبيه: السيجارة محرَّمة لذاتها، والمحرَّم لذاته لا يعتبر مالاً زكوياً، ويجب التخلص منه بإتلافه، والإمساك به إثم وعصيان، وأما المحرم لغيره، كالمغصوب أو المسروق، فهذه يتعين ردُّها إلى أصحابها، وهم يقومون بإخراج زكاتها بعد قبضها (٣). ويقول د. عبد الله الغفيلي: « … وإن كان المال حراماً بوصفه لا بأصله كالأموال الربوية فيده عليه يدُ تمليك، فيجب عليه إخراج زكاته؛ لأنه مال منسوب إلى مسلم متعبد بجميع أحكام الإسلام … الخ» (٤).

стр. 285

الفصل الرابع تخريج نوازل أحكام الصيام • المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] استدل بالآية من قال بوجوب الصيام في البلاد التي يستمر فيها الليل أو النّهار، ويقدِّرون صومهم بصوم أقرب البلاد المعتدلة إليهم؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة، وصدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (١). تخريج الحكم: عموم الأدلة الواردة على وجوب الصيام على المسلمين. ومنها: قوله: في هذه الآية ﴿كُتِبَ﴾ وهو إخبار عن حكم الشّارع، والكتب معناه الإيجاب (٢). وأكد الوجوب بقوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ وهي نص في الوجوب أيضا، وضمير الجمع يدلّ على العموم، فيشمل البلاد والزمن المعتاد، وغير المعتاد.

стр. 286

• المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] * المطلب الأول: حكم الاعتماد على الحساب الفلكي في دخول الشّهر: استدل بها من أجاز دخول الشّهر بالاعتماد على الحساب الفلكي (١)؛ حيث فسر معنى شهود الشهر بالعلم بوجوده، ومن علم بوجود هلال الشهر بعد غروب شمس آخر يوم من شعبان، بأي طريق من طرق العلم، - ومنها الحساب الفلكي - وجب عليه الصّوم. قال ابن عبد البر: «إنَّ شهوده رؤيته أو العلم برؤيته» (٢). تخريج الحكم هو: أن قوله ﴿شَهِدَ﴾ جملة فعلية تنزل منزلة النكرات، وهي في سياق الشّرط، فتعمّ أي: شهود، وقد فسر الشهود بالعلم، أي: بأي علم كان. نوقش: بأن المراد ب ﴿شَهِدَ﴾ في الآية حضر لا شاهد بدليل قوله بعده: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾؛ لأن قوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ يقابل حضر (٣).

стр. 287

وبهذا التفسير استدل من قال بعدم جواز الاعتماد على الحساب الفلكي بالآية نفسها. تنبيه: القائلون بجواز الاعتماد على الحساب الفلكي اختلفوا في حدود العمل به: فمنهم من قصر العمل بالحساب الفلكي في الحالة التي يكون فيها الجوّ غائمًا، أو يحول دون رؤية الهلال قتر ونحوه، ومنهم من جعل الحكم خاصًّا بالحاسب دون غيره، ومنهم من أجاز الاعتماد عليه في النفي لا الإثبات، ومنهم من قال بجواز الاعتماد عليه مطلقًا (١). * المطلب الثاني: حكم الاستعانة (بالدربيل) لرؤية الهلال استدل بها على جواز الاستعانة (بالدربيل) لرؤية الهلال (٢). تخريج الحكم: أن ﴿شَهِدَ﴾ هنا بمعنى شاهد، والمشاهدة في الآية عامّة -كما سبق - فتشتمل ما إذا رؤي بالعين المجردة أو بواسطة (الدربيل) والمراصد، فيحمل العام على عمومه ووجه كون ﴿شَهِدَ﴾ عامة؛ لأنّها فعل فتنزل منزلة النكرة، وهي في سياق الشرط فتعم، وتشمل كذلك المشاهدة بواسطة المراصد (الدربيل) (٣)؛ لأنّ العام

стр. 288

يجري على عمومه مالم يرد دليل التّخصيص. * المطلب الثالث: اختلاف المطالع استدل بالآية على القول بأنّه لا عبرة باختلاف المطالع، فمتى ما رأى الهلال أهل بلد، وجب الصّيام على جميع البلاد الإسلاميّة (١). تخريج الحكم: دلّت الآية على ثبوت الشّهر بنفسه، من أي مطلع كان؛ إذ علق سبحانه الصيام بشرط ثبوت الشهر والعلم به، والشرط هنا لغوي، فهي أسباب شرعيّة، والمعلق على سبب يثبت بثبوته، والشهود عامّ على ما سبق، ويبقى على عمومه ما لم يرد تخصيصه. * المطلب الرابع: حكم الصوم على السّاكنين في المناطق التي يستمر فيها الليل والنهار استدل بالآية على وجوب الصوم على السّاكنين في المناطق التي يستمر فيها الليل والنهار، بعموم الأوامر الدّالة على وجوب صيام رمضان على المسلمين عامّة (٢). تخريج الحكم: أن قوله سبحانه ﴿مِنَ﴾ شرطيّة تعمّ كل من شهد الشهر وهؤلاء أمروا بالصّيام بقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وهو فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، يقتضي وجوب الصيام على جميع المسلمين.

стр. 289

• المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] * المطلب الأول: وضع وقت للإمساك في التقاويم استدل بها من قال بعدم الجواز، بل ببدعية وضع وقت للإمساك في التقاويم قبل وقت الفجر احتياطًا. يقول الشيخ العثيمين: «هذا من البدع، وليس له أصلٌ من السنة، بل السنة على خلافه، لأنّ الله تعالى قال في كتابه العزيز ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال النبي ﷺ : «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فُكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (١)، وهذا الإمساك الذي يصنعه بعض الناس زيادة على ما فرض الله فيكون باطلاً، وهو من التنطّع في دين الله، وقد قال النبي ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (٢) (٣). تخريج الحكم: يخرَّج الحكم على مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ ومنطوقه: له الأكل والشرب إلى الفجر، فهذه هي الغاية الشّرعيّة، ووضع الإمساك قبل ذلك مخالف لهذا المنطوق، فهو لا يجوز، وهو بدعة لما فيه من ابتداع وقت للإمساك غير مشروع.

стр. 290

المطلب الثاني: من أفطر ثم سافر بطائرة إلى بلد لم تغرب فيه الشمس استدل بها من قال إن من أفطر ثم سافر بطائرة إلى بلد لم تغرب فيه الشمس، فإنّه قد أتمّ صيامه ذلك اليوم (١)، ولا يلزمه الامساك قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. * المطلب الثالث: من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس استدل بها من قال إنّ من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس؛ فإنّه لا يلزمه الامساك لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا قد أتمّ (٢). تخريج الحكم للحكمين السابقين: أن المأمور يخرج من عهدته بفعله ولو بمرة- عند من يقول بعدم التكرار- وقد أمر بالإتمام، فأتمه فسقطت المطالبة به. يقول الشيخ العثيمين لما سئل عن من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس: «جوابنا على هذا أنه لا يلزمهم الإمساك؛ لأنه حان وقت الإفطار وهم في الأرض .... فإذا كانوا قد أفطروا فقد انتهى يومهم، وإذا انتهى يومهم فإنه لا يلزمهم الإمساك إلا في اليوم الثاني، وعلى هذا فلا يلزمهم الإمساك في هذه الحالة، لأنهم أفطروا بمقتضى دليل شرعي، فلا يلزمهم الإمساك إلا بدليل شرعي» (٣).

стр. 291

* المطلب الرابع: من سافر بالطّائرة من الشرق إلى الغرب فطال عليه النهار استدل بها من قال إنّ من سافر بالطّائرة من الشرق إلى الغرب فطال عليه النهار؛ فإنّه يلزمه الامساك، أي: حتى تغرب الشمس. تخريج الحكم: دلَّ منطوق الآية على وجوب الإتمام والإمساك إلى الليل، ومفهومه عدم جواز الإفطار ما لم تغرب الشمس، ويخل الليل. * المطلب الخامس: هل يفطر الصائم الذّي في الطائرة، إذا علم بإفطار البلد الذي تحلق الطائرة فوقها وهو يرى الشمس استدل بها من قال بأنّ الصائم الذّي في داخل الطائرة، لا يفطر، إذا علم بإفطار البلد الذي تحلق الطائرة فوقها أو قريب منها، عن طريق الإذاعة أو الجولات، وهو يرى الشمس؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة (١). وتخريج الحكم: ما سبق في منطوق الغاية ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ومفهومه أن ما قبله داخل في الأمر، ويجب عليه الإمساك، ولا يجوز له الإفطار. كما أن تفسير النبي ﷺ للقرآن يبين ذلك، كما في قوله ﷺ : «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٢).

стр. 292

* المطلب السادس: منظار المعدة هل يفطر؟ استدل بالآية من قال بأن منظار المعدة مفطر (١)، باعتبار أن الأكل في الآية يشمل ما هو مطعوم وغير مطعوم (٢) .. تخريج الحكم: أنّ الإطلاق في الآية ﴿وَكُلُوا﴾ يحمل على إطلاقه حتى يرد الدليل على تقييده، وكونه مطلقا؛ لأنّها جملة فعلية فهي نكرة، وفي سياق إثبات، فهي مطلق. أو يقال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والصوم هو الإمساك، وقد حصل منه بلع شيءٍ يمكن الاحتراز منه فيفطر بذلك (٣). نوقش: بأن المعنى والقصد مقيد له، فيحمل الأكل على المغذي للبدن من الطعام والشراب عادة، فالعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالصور والمباني، والغرض من الأكل هو نفع البدن، وهذا ينحصر بالغذاء والدواء (٤). تنبيه: فصَّل بعضهم وقال بأن المنظار إن كان معه سائل، فإنه يُعدَّ مفطراً، لدخول سائل إلى جوف الأنسان (٥).

стр. 293

يقول الشيخ العثيمين: « … فلو أنّ إنسانًا أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل إليها، فإنه يكون ذلك مفطِرًا (١)، والصحيح أنه لا يفطر إلا أنْ يكون في هذ االمنظار دهنٌ أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مفطرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلا للضرورة» (٢). * المطلب السابع: هل الدخان مفطر؟ استدل بالآية من قال بأن الدخان مفطر (٣). تخريج الحكم: أنّه سبحانه أطلق الشرب في الآية، وأمرنا بعد ذلك بالإمساك إلى الليل، فيدخل في الإطلاق كل مشروب، والدخان مشروب؛ لأنّ شرب كل شيء بحسبه، وشرب الدخان باستنشاقه وإدخاله للجوف. ويؤيد هذا الحكم بعضهم ما ورد في الحديث أن الصائم (يدع شهوته من أجلي) (٤)، والشهوة هنا: مفرد مضاف، فيعمّ أي: شهوة يشتهيها المكلَّف، ومنها: الدخان للشارب له. * * * • المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] استدل بها جمهور أهل العلم على وجوب الاعتماد على الحول القمري، الذي يعتمد على السّنة القمرية، دون الحول الشّمسي (٥).

стр. 294

وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فاعتبر سبحانه التوقيت بالهلال؛ إذ إنّ الحول القمريّ هو المكون من اثني عشر شهرًا. قال القرطبي: «هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها، إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط» (١). وقال الرّازي: «الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية، أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم، السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية» (٢). وتخريج الحكم للآيتين: هو أن المعتبر في الأحكام الشرعية حقائقها؛ إذ الشارع يخاطبنا بعرفه، كيف وقد نصّ في الآية الأولى على كون الأهلة ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وبلفظه العامّ؛ ليشمل الصّيام وغيره. وفي الآية الثانية: حصرها بالعرف الشّرعي بقوله ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وعليه فوجب تعليق العبادات وغيرها بها.

стр. 295

الفصل الخامس تخريج نوازل أحكام الحج • المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وفيه مطلبان: * المطلب الأول: جواز نقل مقام إبراهيم استدل بالآية من قال بجواز نقل مقام إبراهيم من مكانه لأجل التوسعة (١). تخريج الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ جاء مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، وإطلاق التّطهير يشمل التطهير من الشّرك بلا ريب، ومن معاني التّطهير: إزالة كل ما يمنع من أداء هذه العبادة، أو يعسرها أو يخل بها، وخاصة الطائفين لاختصاصهم بهذا المكان دون مشارك، خاصّة إذا تزاحمت الاستحقاقات، فوجب إعطاؤهم حقهم، وعدم الحيلولة بينهم وبينه في حال تزاحم الحقوق لا لحجر ولا لغيره (٢). وكونه مطلقًا لأنّ الفعل ﴿طَهِّرَا﴾ نكرة وهو في سياق إثبات.

стр. 296

* المطلب الثاني: جواز توسعة المطاف استدل بالآية من قال بجواز توسعة المطاف (١). تخريج الحكم: هو ما سبق من كون الأمر جاء على جهة الإطلاق، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل التطهير إزالة كل ما يمنع من أداء العبادة. * * * • المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] * المطلب الأول: حكم توسعة المسعى استدل بالآية من أجاز، أو منع توسعة المسعى بين الصفا والمروة، وذلك للخلاف في حقيقة حجم جبلي الصفا والمروة التي أمرنا بالسعي بينهما. فمن قال إنه أكبر من حجمه الظاهر لنا الآن أجاز التوسعة، ومن قال بأن هذا حجمه لم يجز التوسعة عليه. وتخريج الحكم: يرجع إلى تحقيق مناط البينونة بينهما، وهو يعود لحقيقة حجم الجبلين. جاء في الفقه الميسر: «والذي نراه أن الخلاف في ذلك ليس راجعاً في حكم واحد لحقيقة واحدة، بل هو اختلاف في حكم لحقيقتين مختلفتين. فالعلماء متفقون على أنه لا يجوز السعي خارج الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة، ومتفقون على أنه يجوز ويصح لما كان واقعاً بين حدود الصفا والمروة، ولكنهم يختلفون هل التوسعة داخلة بحيث تكون بين الصفا والمروة،

стр. 297

أم أنها خارجة عن حد الصفا والمروة. فمن رآها داخلة أجاز السعي فيها، ومن رآها خارجة عن الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة منع ذلك» (١). ومما استدلَّ به القائل بعدم صحة التوسعة، قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وقالوا: ظاهر المعنى اللغوي للمشعر يدل على الإشعار والإعلام، فالعلم به من الواضحات التي لا تخفى على أحد، وعليه فيبعد أن يجهل المسعى طيلة هذه القرون، ويكتشف سعته هذه الأزمان (٢). ونوقش: بأن عرضه كان ظاهراً - كما نصت الآية - ولم تكن الحاجة لبيانه، ولما زاحمت البيوتات المكان احتيج لبيانه (٣). * المطلب الثاني: صحة السعي في التّوسعة الجديدة استدل بالآية من قال بصحة السعي في التّوسعة الجديدة. وتخريج حكم من قال بالصحة: هو أن المولى أطلق الطّواف بالصّفا والمروة، والمطلق يجري على إطلاق، ويقع على أي وجه كان شريطة أن يكون مبتدأه الصفا ومنتهاه المروة. وهذا مبني على المسألة السابقة، وهي جواز توسعة الصفا والمروة. ثم إنَّ القول بتحديد المسعى - على القول بأنه كذلك - ليس فيه عن النبي ﷺ إلا فعله ﵊، والفعل المجرد ليس له مفهوم، فلا يفهم منه سوى

стр. 298

المكان الذي سعى فيه فقط، ولا يدل على عدم جواز السّعي في غيره. قال السعدي: وكذلك المسعى منهم من قال: إن عرضه لا يحد بأذرع معيَّنة؛ بل كان بين الصفا والمروة، فإنه داخل في المسعى كما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر فعل النبي ﷺ وأصحابه ومن بعدهم .... (١). نوقش: بأنّه ليس مجرد فعل، بل فعل لبيان مجمل الآية، مقرونًا بالأمر باتباعه في قوله: «لتأخذوا مناسككم» (٢). * المطلب الثالث: جواز السعي في الدورين والسطح وكذا عدم الجواز. استدل بالآية على جواز السعي في الدورين والسطح (٣). وكذا استدل بها من قال بعدم جواز ذلك (٤). تخريج الحكم: أما القائل بالجواز فلأن السّعي في الآية ورد مطلق - كما سبق تقريره في الحكم السابق - والمطلق يجري على إطلاقه، والسعي فوق السقف، لا يخرج عن مسمى السعي فيدخل في إطلاق الآية. نوقش: بمنع دخولها في الآية، بل الآية جعلت للمسعى حدًّا، والمكان الذّي حددّه الشارع لعبادة معينة لا يجوز الزيادة عليه، أو النقص منه إلّا بنص من

стр. 299

الكتاب والسّنة. وهذه الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادة ليست محلًا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النّص الصّريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة (١). ويفهم من النقاش السابق وجه القائل بالجواز، ووجه القائل بالمنع. ومن المآخذ التي خرَّج عليها الشيخ محمد الأمين ﵀ القول بعدم جواز السعي في الدورين، ما يلي: الأول: فعله ﷺ كان بياناً لمجمل القرآن، ولا يجوز العدول عن بيانه ﷺ ، يقول الأمين ﵀: «وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إجمال يحتاج إلى بيان كيفية الطواف ومكانه ومبدئه ومنهاه، وقد بين النبي ﷺ ذلك بالسعي بين الصفا والمروة مبيناً فعله المذكور واقع لبيان القرآن المذكور لقوله: «خذوا عني مناسككم» وعليه فلا يجوز العدول عن كيفيته ولا عدده ولا مكانه ولا مبدئه ولا منتهاه إلا بدليل من كتاب وسنة» (٢). والمأخذ الثاني: كون الآية نص في تحديد مكان السعي، ولا اجتهاد مع النص، فقال: « … إن الأمكنة المحددة شرعاً لنوع من أنواع العبادات ليست محلاً للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة» (٣).

стр. 300

• المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] * المطلب الأول: حكم من مُنع بسبب عدم حمل التصريح استدل بها من قال بأن من حجّ بدون تصريح، فمُنع فإن حكمه حكم المحصر (١). حيث إن ظاهر الآية الكريمة أن الإحصار عامّ لكل ما يكون به المنع من إتمام النّسك، فلم يخصصه سبحانه بحصر العدو. تخريج الحكم: العموم الوارد في الإحصار، يعمّ كل ما يكون به المنع من إتمام النّسك، ووجه العموم أن الفعل ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ ينزل منزلة النكرة، وهو في سياق الشرط فيعمّ. ووروده على سبب وهو حصر العدو لا يقصر به عموم اللفظ. تنبيه: هذا القول مبني على القول بأن الإحصار يكون بكلّ ما يمنع من الوصول إلى البيت، سواءٌ أكان بعدوّ أم غيره، وبهذا قال الحنفية (٢)، والظاهرية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (٦).

стр. 301

وأما إذا أحصر بعدوّ فإنه يحلّ بعد أنْ يذبح هديه بلا خلاف (١). * المطلب الثاني: جواز الإحرام قبل الميقات في الطائرة استدل بالآية على جواز الإحرام قبل الميقات في الطائرة. تخريج الحكم: ما ورد عن الصحابي من تفسيره للآية، وتفسيره حجة، وقد روي عن علي ﵁، أنّ الإتمام هو الإحرام من دويرة أهله، فقال: (تُحْرِمُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ) (٢)، وهذا يعني جواز كونه قبل الميقات، بل هو الإتمام المراد بالآية. ويناقش: إنْ صحّ هذا عن عليّ ﵁ فهو مخالفٌ لما روي عن عمر وعثمان ﵃ إذْ ثبت عنهما كراهة الإحرام قبل الميقات (٣)، وليس قول علي ﵁ بأولى من قوليهما. لكن على القول بكراهة الإحرام قبل الميقات (٤)، إلا أن الكراهة تزول عند الحاجة، كما هو مقرّرٌ عند الأصوليين. قال الشيخ العثيمين: «الذي يكون في الطائرة نرى أنه يحتاط أي يحرم قبل خمس دقائق؛ لأنه لو أخّر حتى يحاذي الميقات فالطائرة في دقيقة واحدة تأخذ مسافة طويلة، ولهذا نقول: احتط، ومن ثم كان القائمون على الطائرة -جزاهم

стр. 302

الله خيرا- يعلنون قبل الوصول إلى الميقات أولا بنصف ساعة أو ثلث ساعة، ثم بعشر دقائق» (١). وهذا محمول منه عند عدم إعلان القائمين على الطائرة، أو الخوف من عدم ذلك، أما إذا كان يعلم أو يظن بأنّ ملاحي الطائرة يعلنون عن المحاذاة بوقتٍ كافٍ للإحرام وأراد أن يحرم قبل الصعود أو الميقات، فقد قال الشيخ: «هذا ليس بحسنٍ، والعلماء قالوا: يكره أنْ يحرم قبل الميقات، ولا داعي للاحتياط هنا» (٢). * * * • المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] * المطلب الأول: عدم وجوب الحجّ على من لم يحصل على التّصريح بالحجّ استدل بها على عدم وجوب الحجّ على من لم يحصل على التّصريح بالحجّ (٣)؛ إذ إنّ إخلاء الطريق له شرط في الوجوب. تخريج الحكم: يخرج على قاعدة الشّرط الشّرعي حجة، ويلزم من عدم الشّرط عدم المشروط، إذ إن الشرط الشرعي يلزم من عدمه العدم. والاستطاعة من شرائط الوجوب. والسّبيل في الأصل هو: الطريق والسبب، وكل ما يوصل إلى الشيء فهو طريق إليه وسبب فيه، فمن استطاع إليه سبيلًا، فقد وجب عليه الفعل وإلّا فلا (٤).

стр. 303

ويمكن تخريج الحكم: على قاعدة وجوب حمل الأمر على ظاهره، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه؛ إذ إنّ ظاهر الآية دلّ على سقوط الحجّ عمن لا يجد سبيلًا إليه. * المطلب الثاني: وجوب الحجّ لمن لم يأذن له مرجعه أو كفيله استدل بالآية على وجوب الحجّ لمن لم يأذن له مرجعه أو كفيله، وكان حجه حجّ الفرض (١). تخريج الحكم: الأمر في الآية يقتضي الإيجاب والفور، وكونه مستطيعًا يوجب عليه الحجّ؛ إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه. * المطلب الثالث: عدم جواز تحديد نسبة الحجاج من الخارج استدل بالآية من قال بعدم جواز تحديد نسبة الحجاج من الخارج، حيث إنّ كل من تحققت فيهم شروط الحجّ، يجب ألّا يمنعوا من الحجّ إذا أرادوا (٢). تخريج الحكم: ورود الأمر على جهة العموم، فالأمر بصيغة (على) الدّالة عليه في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، وعموم ﴿النَّاسِ﴾ يقتضي دخول جميع النّاس، إلّا أنّه مخصوص ببدل البعض في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فالواجب عدم منع من وجب عليه الحجّ وهو مستطيع. نوقش: بأن العموم الوارد في الآية معارض بعمومات أخر، كالعمومات الواردة في رفع الحرج عن الأمة، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:

стр. 304

٧٨]، وكذا في تحريم إلقاء النفس بالتهلكة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي تحديد نسبة الحجاج رفع للحرج عن الحجاج، ومنع للتهلكة بسبب الزحام، وعليه فتخصص هذه العمومات عموم ما قد يحتج به على المنع والصَّد، جمعاً بين النصوص. وقد افتت اللجنة الدائمة بجواز تحديد نسبة الحجاج نظراً للمصالح العظمى المتحققة في ذلك، ودفعاً للمفاسدة المتحققة من عدم جواز التحديد (١). * المطلب الرابع: إلزام الناس بالحج عن طريق الحملات. استدل بالآية من قال بعدم وجوب الحج لمن لا يستطيع الحج عن طريق الحملات (٢). قال الشيخ العثيمين: «إذاكان مفهوم النظام أنّ الإنسان يجب أن يعقد مع الحملة من بلده، حتى يرجع، وهذا يكلّفه ما لا يستطيعه، فإنّه لا يجب عليه الحجّ؛ لأنّه غير مستطيعٍ» (٣). تخريج الحكم: ورود الأمر على جهة العموم، فالأمر بصيغة (على) الدّالة عليه في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، وعموم ﴿النَّاسِ﴾ يقتضي دخول جميع النّاس، إلّا أنّه مخصوص ببدل البعض في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ومن لا يستطع الحج عن طريق حملة فهو غير مستطيع.

стр. 305

• المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]. * المطلب الأول: عدم جواز تحديد نسبة الحجاج استدل بها من قال بأن تحديد نسبة الحجاج الصدّ عن سبيل الله؛ لما فيه من منع بعض المسلمين الذين يريدون أداء الفريضة مع الاستطاعة (١). تخريج الحكم: قرن المولى بصدّ عن المسجد الحرام بالكفر، ودلالة السياق تقتضي المشاركة في الإثم، واستحقاق العذاب الأليم، الذي ختمت به الآية، ولا يستحق العقاب إلّا على ترك واجب، أو ارتكاب محرّم، فدلّ على عدم جواز تحديد النّسبة لما فيها من صدّ بعض المستطعين عن فريضة حجهم. تنبيه: سبق مناقشة هذا القول في المطلب الثالث، من المبحث السابق (الرابع). * المطلب الثاني: عدم جواز تأجير المخيمات بمنى استدل بالآية على عدم جواز تأجير المخيمات بمنى (٢). تخريج الحكم: أنّ تأجير المخيمات يتسبب في الصدّ عن المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.

стр. 306

ثمَّ إنه جعل المسجد الحرام ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ومثله بقية المشاعر. تنبيه: رأت هيئة كبار العلماء في المملكة بالأغلبية: أنه يجوز للدولة أنْ تؤجّر هذه الخيام بقيمة متناسبة مع ما كلّفه هذا المشروع حتى تحصل على قيمة التكلفة، وبعد ذلك لا يجوز الأخذ إلا بقدر تكاليف الصيانة فحسب، مع وجوب مراعاة الأسبقية في تأجيرها؛ لأنّ منى مناخ من سبق، فإنْ تعذّر مراعاة الأسبقية فيرجع إلى الاقتراع؛ لأنّ القرعة يلجأ إليها عند التزاحم ولا مميّز لأحدهم، أو إذا علمنا أنّ الشيء لأحدهم وجهلناه (١). ولعل القول به مبني على الاستحسان، واعتبروه التأجير معدول به عن الأصل للمصلحة المترتبة على المشروع من سلامة الحجاج، وحفظ أرواحهم. وإلا فالأصل أن حكم منى حكم نظائرها من أراضي المشاعر، فيشملها الحكم العام، وهو حكم المساجد - الوارد في الآية - في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]. * المطلب الثالث: إلزام الناس الحج عن طريق الحملات استدل بالآية على عدم جواز إلزام الناس الحج عن طريق الحملات. تخريج الحكم: أنّ إلزام الناس الحج عن طريق الحملات يتسبب في الصدّ عن المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة. ويقال هنا ما قيل في المطلب السابق - تأجير المخيمات - من التنبيه.

стр. 307

يقول الشيخ العثيمين: «أنّ لوليّ الأمر أنْ يلزم الناس بالحجّ عن طريق الحملات إذا رأى أنّ المصلحة تقتضي ذلك» (١). * * * • المبحث السادس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] * المطلب الأول: عدم جواز الطواف في الطّابق العلوي استدل بها من قال بعدم جواز الطواف في الطّابق العلوي؛ لأنّ ظاهر الآية لزوم كون الطواف بنفس البيت لا بفضائه (٢). التخريج: على المعنى اللغوي، واللغة حجة، حيث إنّ معنى الطواف جعل المكان في وسطه، لا فوقه لا تحته. يمكن أن يناقش بأنّ الهواء له حكم القرار (٣)، فيتحقق الطواف حكماً، وحقيقة شرعية، لا حقيقة لغوية، والحقيقة الشرعية مقدَّمة، وسبق أن قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ مطلق؛ لأن الأفعال نكرات، وهو في سياق إثبات، والمطلق يجري على إطلاقه، سواء كان أسفل أو في الهواء، فيجري على إطلاقه ما لم يأت دليل التقييد. المطلب الثاني: جواز الطواف من المحدث استدل بها على جواز الطواف من المحدث (٤).

стр. 308

تخريج الحكم: أخذ من المعنى اللغوي؛ إذ إنّ الطواف هو الدوران حول الكعبة، وهذا يتحقق من المحدث والطّاهر. أو يقال بأن الطواف مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه، فلا يتقيد بكون على طهارة أو لا، إلّا بدليل يقيد ذلك. * المطلب الثالث: جواز الطواف على العربة أو السير ويستدل بالآية على جواز الطواف على العربة أو السير (١). وتخريج الحكم: على ما سبق من أن المطلق يجري على إطلاقه. تنبيه: هذا الحكم مبني على القول بأن المشي في الطواف مع عدم العذر سنّةٌ، وبهذا قال الشافعية (٢)، واختاره المجد (٣)، وابن قدامة (٤)، والشنقيطي (٥)، وابن باز (٦). يقول الشيخ العثيمين: «لو تحذلق متحذْلِقٌ، وقال: إنّ من المهم عمل مشروع، وهو: أنْ يجعل المطاف متحرِّكًا بحركة الكهرباء كالدّرج، فهناك درجٌ الآن لا تترجّل فيه، وإنما تصعد عليه ويسير هو بك بالكهرباء، قال: تسهيلاً للناس، يدور بالناس وهم واقفون؛ لأنّ هذا أهون عن التزاحم، فنقول: أما على رأي من يرى أنّ الركوب في الطواف جائزٌ ولو بلا عذر، فهذا سائغٌ، وأما على رأي من يرى أنه

стр. 309

لا يجوز، فهذا لا يجوز، على أنه ينبغي أنْ يمنع مطلقًا؛ لأنّ هذا يخرج مكان الطواف عن الطواف في الحقيقة، هذا رجلٌ واقفٌ لا يتحرّك، والأرض تدور به، فهذا المشروع ينبغي أن يردّ جملةً وتفصيلاً، والحجّ لا بدّ فيه من تعبٍ» (١). * المطلب الرابع: جواز الانتقال من طابق إلى طابق أثناء الطواف. ويستدل بالآية على جواز الانتقال من طابق إلى طابق أثناء الطواف والسعي. وتخريج الحكم: على ما سبق من كونه مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، فيتحقق الطواف والسعي في جميع الحالات السابقة، فدلَّ على جواز ذلك (٢).

стр. 310

الدراسة السابعة الاستثمار الأصولي للنص التطبيق على قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾

стр. 311

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن المراد بالنص - كما في عنوان الدراسة - مجرد لفظ الكتاب والسنة (١)، وقد احتفى الأصوليون بالنص - الكتاب والسنة - احتفاءً كبيراً؛ لكون علم أصول الفقه قائماً على الأدلة، فموضوعه هو الأدلة كما هو عند جمهور أهل العلم، وقيل: الأدلة الأحكام (٢). والأدلة كلها متوقفة وراجعة إلى دليل القرآن الكريم، وهو أصل الأدلة إذ كلها يرجع إليه، واستدل على حجتها به، فالسنة بيانه، والاجماع لا يكون إلا عن دليل منه أو من السنة، والقياس لا يكون إلا على أصل ثبت حكمه بالكتاب والسنة والإجماع.

стр. 312

والمقصود بالاستثمار: طلب الثمرة، وثمرة الشيء نتاجه، وسميت الأحكام ثمرة للأصول؛ لأنها نتاجه، كما سمي الولد ثمرة أبيه؛ لأنه نتاجه، وهذا كله أخذاً من ثمر الشجر الذي هو نتاجه (١). فالثمرة عند الأصولي - كما عبّر بذلك الغزالي - هي الأحكام، فاستخراج الأحكام من الأدلة بطريق من طرق الاستنباط بواسطة المجتهد، ذلك هو هدف الأصولي وغايته. والأحكام هي: الوجوب، والحظر، والإباحة، والندب، والكراهة، وكون العقد: صحيحاً، وفاسداً، وباطلاً، وكون العبادة: أداء وقضاء، وأمثاله (٢). ويشترك في إخراج تلك الأحكام الأصولي والفقيه، أما الأصولي فبتمهيد القواعد وضبطها، وأما الفقيه فبربطها وتحقيق مناطها … إلخ. قال الغزالي: « .... فخصوص النظر في الآحاد ليس من شأن الأصوليين، وإنما على الأصوليين ضبط القواعد، وتأسيس الأجناس. ثم إدخال التفاصيل في الجمل من شأن الفقهاء الناظرين في تفاصيل المسائل» (٣). ويوضح الغزالي ﵀ الفرق بين عمل الأصولي والفقيه بقوله: «أصول الفقه عبارة عن: أدلة هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل، فإن علم الخلاف من الفقه - أيضاً - مشتمل على أدلة الأحكام، ووجوه دلالتها، ولكن من حيث التفصيل، كدلالة حديث

стр. 313

خاص في مسألة النكاح بلا ولي على الخصوص، ودلالة آية خاصة في مسألة متروك التسمية على الخصوص، وأما الأصول، فلا يتعرض فيها لإحدى المسائل - إلا على طريق ضرب المثال - بل يتعرض فيها لأصل الكتاب والسنة والإجماع، ولشرائط صحتها وثبوتها، ثم لوجوه دلالتها الجُملْيّة: أما من حيث صيغتها، أو مفهوم لفظها، أو فحوى لفظها، أو معقول لفظها - وهو القياس - من غير أن يتعرض فيها لمسألة خاصة، فبهذا فارق أصول الفقه فروعه، وقد عرفت من هذا أن أدلة الأحكام: الكتاب، والسنة، والإجماع. فالعلم بطريق ثبوت هذه الأصول الثلاثة، وشروط صحتها، ووجوه دلالتها على الأحكام، هو العلم الذي يعبر عنه بأصول الفقه» (١) وقول الغزالي: «أما من حيث صيغتها، أو مفهوم لفظها، أو فحوى لفظها، أو معقول لفظها، وهو القياس»، هذا بيان منه لطرق الاستثمار، وقد صرّح بذلك بعد فقال: «وطرق الاستثمار، وهي وجوه دلالة الأدلة، وهي أربعة؛ إذ الأقوال إما أن تدل على الشيء بصيغتها ومنطوقها، أو بفحواها ومفهومها، أو باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها، ومعناها المستنبط منها» (٢). قلت: وبالجملة يلاحظ أن الأصولي يستعمل النص ويستثمره - مستعملاً الطرق الأربع السابقة - فيما يلي: الأول: الاستدلال بالنص في إثبات قاعدة أو نقض قاعدة للخصم، وهذا ظاهر بالنظر في النصوص المستدل عليها على إثبات دليل الإجماع أو القياس أو غيرها، وقد يستدل الخصمان بالنص الواحد، كل يستنبط من النص ما يقرر قاعدته.

стр. 314

وتفصيل هذا النوع من الاستثمار يرجع فيه إلى كتاب: (استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة على القواعد الأصولية) للدكتور: عياض بن نامي السلمي (١). الثاني: الاستشهاد بالنص على إثبات القاعدة الأصولية، وهذا أخص من الأول؛ إذ كل شاهد دليل، وليس كل دليل شاهد. فالشاهد هو: الجزئي الذي يُذكر لإثبات القاعدة؛ كآية من التنزيل، أو قول من أقوال العرب الموثوق بعربيتهم (٢). الثالث: استنباط الأحكام الشرعية من النص، بواسطة القاعدة الأصولية، وهذا يشترك فيه كما سبق الأصولي والفقيه، ودور الأصولي - كما سبق النقل عن الغزالي- هو التمثيل غالباً. وعليه: فليس القصد هنا تقرير المسألة الفقهية، أو حتى القاعدة الأصولية، بل مجرد بيان المأخذ الأصولي في المسألة. قلت: ودراستي هذه ستقتصر على النوعين الأخيرين - بإذن الله - مع الآية الكريمة، مع زيادات فوائد ولطائف لأهل العلم، يلحظها الأصولي باعتبار كونها وسيلة لاستنباط الحكم.

стр. 315

الدراسة التطبيقية • المبحث الأول: مباحث الأحكام والأدلة: * المطلب الأول: معنى الحل والحرمة. ورد الحلُ في الشرع مقابلاً للحرمة، كما في هذه الآية وغيرها من الآيات (١) والأحاديث النبوية (٢)، وهذا يعني أن الحلال «كل شي لا يعاقب عليه باستعماله» (٣)، فإذا ما عوقب على استعماله فهو الحرام. فدخل في الحل المباح، والمندوب، والمكروه، والواجب، فهذه الأربعة لا يعاقب المكلف على فعلها. يقول الكفوي: «الحلال هو المطلق بالإذن من جهة الشرع، والحرام ما ستحق الذم على فعله» (٤).

стр. 316

المطلب الثاني: دلالة الآية على الحكم. دلت الآية بظاهرها على حل البيع وحرمة الربا، والعمل بالظاهر حجة (١). والظاهر عند الحنفية هو: ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمل (٢)، وإحلال البيع وتحريم الربا في الآية ظاهر يفهمه السامع من غير تأمل، فلا يحتاج في فهم الحكم المراد منه إلى قرينة خارجية، وإنما يتضح مدلوله من ذات صيغته، فسماع اللفظ كافٍ للحكم على المعنى الذي يدل عليه اللفظ. والظاهر عند المتكلمين: المعنى الذي يسبق فهم السامع من المعاني التي يحتملها (٣)، أو يقال: ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر (٤). فهو يحتمل أكثر من معنى، ولكن هذه المعاني متقاربة من حيث قوة دلالة اللفظ عليها، وأقواها هو المعنى الذي يسبق فهم السامع إليه لقوته، وهو الظاهر إصطلاحًا. ولما قيل بأن لفظ «البيع» و «الربا» مترددان بين معنييهما الشرعي واللغوي. - كما سيأتي في دلالة الإجمال - يقال: إن شأن الشرع أن يبين أحكام الشرع لا أحكام اللغة، وعليه فينصرف اللفظ ويترجح في الآية إلى الحقيقية الشرعية، ويكون ظاهراً فيها، ومن ثم يجب حمل اللفظ على أظهر معانيه، ودلالته ظنية

стр. 317

راجحة (١). ومن العلماء من جعل دلالة الآية على الحكم بطريق النص (٢)، وذلك بسبب القرائن المحتفة بالآية ومن تلك القرائن المتصلة: التغليظ في تحريمه بالتهديد والوعيد لأصحابه، ووصفهم بأنهم محاربون الله ورسوله، ووصف قيامهم يوم القيامة بوصف بشع ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وتعتبر الآية شاهداً عند الحنفية على ما يسمى بدلالة العبارة، أو عبارة النص وهي: ما كان السياق لأجله، ويعلم قبل التأمل أن ظاهر النص متناول له (٣)، وذلك لأن الآية _عندهم _تحمل على معنيين، الأول: حل البيع وحرمة الربا. والثاني: التفرفة بين البيع والربا، وكل واحد من الحكمين مقصود، فدلالة الآية عليهما تسمى دلالة العبارة، لأنها ثابتة باللفظ والنظم، إلا أن المعنى الأول لم تُسق الآية من أجله فهو مقصود تبعًا، وهذا ما يسمى باعتبار وضوح الدلالة، دلالة الظاهر (٤). والثاني من المعاني: وهو التفرفة بين البيع والربا فقد سيق النص للدلالة عليه، وذلك لأن الكفار قالوا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فسووا بينهما، فأراد الشارع أن يرد عليهم بحكم التفرفة بينهما، وهذا ما يسمى عند الحنفية بدلالة النص (٥).

стр. 318

* المطلب الثالث: دلالة صيغة الخبر في الآية على الحكم وردت الآية دالة على الحكم بصيغة الخبر، وهي متضمنة للإنشاء (١)، وبيان ذلك: إن كان مدلول الخبر (٢) وهو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم - كثبوت الحل للبيع - أو نفيه عنه - كنفي الحل بالحرمة للربا - والمحكوم به في الآية وهو الحل أو الحرمة هو الحكم الشرعي، فهذا يفيد ثبوت الحكم الشرعي من غير أن يجعل مجازاً عن الإنشاء (٣). * المطلب الرابع: ما يترتب على الحل من الأحكام. يترتب على الحل صحة البيع، فالصحة مستنبطة من الحل، لأن الحل دليل المشروعية، والملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع ولولا الشرع لم يعرف شيء من هذه العقود وقد شرع الله تعالى هذه العقود على شرط مخصوص، في محل مخصوص، من فاعل مخصوص، فما وراء ذلك غير مشروع أصلاً (٤). كما أن الصحة مستنبطة من اقتران الحكم بالوصف، بدلالة الإيماء على العلة كما سيأتي في مبحث القياس. *

стр. 319

المطلب الخامس: ما يترتب على الحرمة من الأحكام. يترتب على الحرمة فساد ذلك المحرم، فيترتب على تحريم الربا فساد العقد المعقود عليه، وذلك لأن الحرمة تقتضي وجوب الامتناع من التصرف فيما أخذ عن عقد الربا، وإذا وجب الامتناع عنه لم يجز أن يكون مشروعاً، وإذا لم يكن عقد الربا مشروعاً لم يثبت الملك المشروع، لأن الملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع، وهذا يقتضي فساده (١)، إذ الفاسد ما لا يترتب عليه أثره (٢). كما أن الحرمة وقعت مقابلة للحل والمشروع - كما سبق - فإذا كان وقوع البيع علة الوجه المشروع يوجب صحته، فوقوع الربا على غير الوجه المشروع - وهو المحرم - يوجب فساده لما بينهما من تطابق «الحل والحرمة» و «الصحة والفساد». ويدل على ما سبق - أيضا - من فحوى الآية من إيجاب التفرفة بينهما من هذه الجهة (٣).

стр. 320

* المطلب السادس: المنهج القرآني في التدرج بالأحكام. من الشواهد على تدرج القرآن الكريم في تشريع الأحكام هذه الآية. وقد مر تحريم الربا بأربع مراحل وهي (١): المرحلة الأولى: أول ما نزل في الربا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. وليس في هذه الآية نص على تحريم الربا وإنما إشارة إلى أن الله يمحق الربا فلا ينمو ولا يبارك الله فيه بخلاف الزكاة التي يراد بها وجه الله فإنه سبحانه يضاعف الثواب لصاحبه. المرحلة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] بين إلى أن من معاصي اليهود أكلهم الربا وقد نهوا عنه، وفي ذلك إشارة إلى أنه إذا كان أكل الربا والتعامل به محرمًا على اليهود فأولى أن يكون كذلك بين المسلمين وهم خير أمة أخرجت للناس وهو تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح وفي هذا توطئة للنص على التحريم في المرحلة التالية. المرحلة الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
следующие страницы →