← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1354

دراسات أصولية تطبيقية على آيات الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (391 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المطلب الثاني: دلالة الآية على الحكم. دلت الآية بظاهرها على حل البيع وحرمة الربا، والعمل بالظاهر حجة (١). والظاهر عند الحنفية هو: ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمل (٢)، وإحلال البيع وتحريم الربا في الآية ظاهر يفهمه السامع من غير تأمل، فلا يحتاج في فهم الحكم المراد منه إلى قرينة خارجية، وإنما يتضح مدلوله من ذات صيغته، فسماع اللفظ كافٍ للحكم على المعنى الذي يدل عليه اللفظ. والظاهر عند المتكلمين: المعنى الذي يسبق فهم السامع من المعاني التي يحتملها (٣)، أو يقال: ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر (٤). فهو يحتمل أكثر من معنى، ولكن هذه المعاني متقاربة من حيث قوة دلالة اللفظ عليها، وأقواها هو المعنى الذي يسبق فهم السامع إليه لقوته، وهو الظاهر إصطلاحًا. ولما قيل بأن لفظ «البيع» و «الربا» مترددان بين معنييهما الشرعي واللغوي. - كما سيأتي في دلالة الإجمال - يقال: إن شأن الشرع أن يبين أحكام الشرع لا أحكام اللغة، وعليه فينصرف اللفظ ويترجح في الآية إلى الحقيقية الشرعية، ويكون ظاهراً فيها، ومن ثم يجب حمل اللفظ على أظهر معانيه، ودلالته ظنية

стр. 317

راجحة (١). ومن العلماء من جعل دلالة الآية على الحكم بطريق النص (٢)، وذلك بسبب القرائن المحتفة بالآية ومن تلك القرائن المتصلة: التغليظ في تحريمه بالتهديد والوعيد لأصحابه، ووصفهم بأنهم محاربون الله ورسوله، ووصف قيامهم يوم القيامة بوصف بشع ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وتعتبر الآية شاهداً عند الحنفية على ما يسمى بدلالة العبارة، أو عبارة النص وهي: ما كان السياق لأجله، ويعلم قبل التأمل أن ظاهر النص متناول له (٣)، وذلك لأن الآية _عندهم _تحمل على معنيين، الأول: حل البيع وحرمة الربا. والثاني: التفرفة بين البيع والربا، وكل واحد من الحكمين مقصود، فدلالة الآية عليهما تسمى دلالة العبارة، لأنها ثابتة باللفظ والنظم، إلا أن المعنى الأول لم تُسق الآية من أجله فهو مقصود تبعًا، وهذا ما يسمى باعتبار وضوح الدلالة، دلالة الظاهر (٤). والثاني من المعاني: وهو التفرفة بين البيع والربا فقد سيق النص للدلالة عليه، وذلك لأن الكفار قالوا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فسووا بينهما، فأراد الشارع أن يرد عليهم بحكم التفرفة بينهما، وهذا ما يسمى عند الحنفية بدلالة النص (٥).

стр. 318

* المطلب الثالث: دلالة صيغة الخبر في الآية على الحكم وردت الآية دالة على الحكم بصيغة الخبر، وهي متضمنة للإنشاء (١)، وبيان ذلك: إن كان مدلول الخبر (٢) وهو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم - كثبوت الحل للبيع - أو نفيه عنه - كنفي الحل بالحرمة للربا - والمحكوم به في الآية وهو الحل أو الحرمة هو الحكم الشرعي، فهذا يفيد ثبوت الحكم الشرعي من غير أن يجعل مجازاً عن الإنشاء (٣). * المطلب الرابع: ما يترتب على الحل من الأحكام. يترتب على الحل صحة البيع، فالصحة مستنبطة من الحل، لأن الحل دليل المشروعية، والملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع ولولا الشرع لم يعرف شيء من هذه العقود وقد شرع الله تعالى هذه العقود على شرط مخصوص، في محل مخصوص، من فاعل مخصوص، فما وراء ذلك غير مشروع أصلاً (٤). كما أن الصحة مستنبطة من اقتران الحكم بالوصف، بدلالة الإيماء على العلة كما سيأتي في مبحث القياس. *

стр. 319

المطلب الخامس: ما يترتب على الحرمة من الأحكام. يترتب على الحرمة فساد ذلك المحرم، فيترتب على تحريم الربا فساد العقد المعقود عليه، وذلك لأن الحرمة تقتضي وجوب الامتناع من التصرف فيما أخذ عن عقد الربا، وإذا وجب الامتناع عنه لم يجز أن يكون مشروعاً، وإذا لم يكن عقد الربا مشروعاً لم يثبت الملك المشروع، لأن الملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع، وهذا يقتضي فساده (١)، إذ الفاسد ما لا يترتب عليه أثره (٢). كما أن الحرمة وقعت مقابلة للحل والمشروع - كما سبق - فإذا كان وقوع البيع علة الوجه المشروع يوجب صحته، فوقوع الربا على غير الوجه المشروع - وهو المحرم - يوجب فساده لما بينهما من تطابق «الحل والحرمة» و «الصحة والفساد». ويدل على ما سبق - أيضا - من فحوى الآية من إيجاب التفرفة بينهما من هذه الجهة (٣).

стр. 320

* المطلب السادس: المنهج القرآني في التدرج بالأحكام. من الشواهد على تدرج القرآن الكريم في تشريع الأحكام هذه الآية. وقد مر تحريم الربا بأربع مراحل وهي (١): المرحلة الأولى: أول ما نزل في الربا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. وليس في هذه الآية نص على تحريم الربا وإنما إشارة إلى أن الله يمحق الربا فلا ينمو ولا يبارك الله فيه بخلاف الزكاة التي يراد بها وجه الله فإنه سبحانه يضاعف الثواب لصاحبه. المرحلة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] بين إلى أن من معاصي اليهود أكلهم الربا وقد نهوا عنه، وفي ذلك إشارة إلى أنه إذا كان أكل الربا والتعامل به محرمًا على اليهود فأولى أن يكون كذلك بين المسلمين وهم خير أمة أخرجت للناس وهو تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح وفي هذا توطئة للنص على التحريم في المرحلة التالية. المرحلة الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].

стр. 321

بدأ تحريم الربا بتحريم نسبة منه معينة وهي ما كانت أضعافًا مضاعفة تمهيدًا لتحريمه كله في المرحلة الأخيرة. المرحلة الرابعة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] الآيات من سورة البقرة. فغلظ سبحانه في تحريم الربا، وغلظ في تحريمه بالتهديد والوعيد لأصحابه ووصفهم بأنهم محاربون لله ورسوله وهل بعد هذا أغلظ في التحريم وأبشع في الوصف، وأصرح بالتحريم. ملحوظة: وقع بعض المفتين في الخطأ في الفتيا فأباح بعضهم الربا اليسير وهو الذي لا يصل إلى الأضعاف المتضاعفة جهلًا منه بأن هذا كان في مرحلة من مراحل تحريم الربا (١)، وأنه بهذا كمن يبيح الخمر في غير أوقات الصلاة مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ولعله يظهر بهذا أهمية معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل. * المطلب السابع: الاستشهاد بالآية على مستند الإجماع. أجمع العلماء على حل البيع وحرمة الربا (٢)، والإجماع حجة، ولا بد له من مستند (٣)، ويستدل بالآية على كونها مستنداً للإجماع.

стр. 322

* المطلب الثامن: من قواعد القياس. (١) استدل بالآية من قال بعدم حجية القياس. ووجه الاستدلال منها: أنه لو كان الدّين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة، لكن لما كانت الشبهة مدفوعة وذمهم الله تعالى عليها تبين أن الدّين بالنص لا بالقياس، وأن القياس ليس حجة. والجواب عن هذه الاستدلال: إن هذا القياس في مقابلة نص، ولا قياس مع النص، فلا تبطل بذلك جميع الأقيسة إذا توفرت شروطها وأركانها. كما أن الكفار قدموا ذكر البيع على الربا مع أن القياس تقديم الربا للمبالغة، لأن البيع متفق على جوازه، فمرادهم المناقضة والإلزام، وليس التمسك بطريقة القياس (١). (٢) التعليل بالحكمة (٢): ذكر بعض العلماء أن مرجع التفرقة بين البيع والرّبا هو التعليل بالمظنة، وذلك لمراعاة الفرق بين حالي المقترض والمشتري «فقد كان الاقتراض لدفع حاجة المقترض للإنفاق على نفسه وأهله لأنهم كانوا يعدّون التداين هماً وكرباً، وقد استعاذ منه النبي ﷺ ، وحال التاجر حال التفضّل. وكذلك اختلاف حالي المسْلِف والبائع، فحال باذل ماله للمحتاجين لينتفع بما يدفعونه من الربا فيزيدهم ضيقاً؛ لأنّ المتسلّف مظنّة الحاجة، ألا تراه ليس بيده مال، وحال بائع السلع تجارةً حال من تجشّم مشقّة لجلب ما يحتاجه المتفضّلون وإعداده لهم عند دعاء حاجتهم إليه مع

стр. 323

بذلهم له ما بيدهم من المال. فالتجارة معاملة بين غنيّين: ألا ترى أن كليهما باذل لما لا يحتاج إليه وآخذٌ ما يحتاج إليه، فالمتسلّف مظنّة الفقر، والمشتري مظنّة الغِنى، فلذلك حرم الربا لأنّه استغلال لحاجة الفقير وأحلّ البيع لأنّه إعانة لطالب الحاجات. فتبيّن أنّ الإقراض من نوع المواساةِ والمعروف، وأنّها مؤكّدة التعيُّن على المواسي وجوباً أو ندباً، وأيّاً ما كان فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجراً على عمل المعروف. فأما الذي يستقرض مالاً ليتجَّر به أو ليوسع تجارته فليس مظنّة الحاجة، فلم يكن من أهل استحقاق مواساة المسلمين، فلذلك لا يجب على الغني إقراضه بحال فإذا قرضه فقد تطوّع بمعروف. وكفى بهذا تفرقة بين الحالين» (١). (٣) من المعلوم أن من شروط القياس ألا يكون حكم الفرع منصوصاً على حكمه (٢)، إذا لا قياس مع النص. وهذا الشرط غالبا ما يذكر ضمن شروط الفرع الذي هو أحد أركان القياس، وفي الآية الكريمة قياس البيع على الربا، فجعلوا الفرع الذي هو «البيع» هنا مثل الربا، الذي جعلوه أصلا في قياسهم (٣)، والفرع الذي هو البيع منصوص على حكمه.

стр. 324

(٤) من الطرق الدالة على العلة طريق الإيماء والتنبيه وهو اقتران الحكم بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيداً فيحمل الوصف على التعليل دفعًا للاستبعاد (١). وهو أنواع كثيرة (٢)، اتفق الأصوليون على بعض صوره، واختلفوا في البعض الآخر، ومن الصور المختلف فيها: أن يذكر الوصف صريحاً، ولا يذكر الحكم معه، بل يكون الحكم مستنبطا منه (٣)، ومن ذلك الآية الكريمة فالوصف هنا وهو البيع مذكور صريحاً، أما الحكم وهو صحة البيع فهو مستنبط من كونه بيعاً. فمن قال بأنه إيماء فبناء على أن الاقتران بين الوصف والحكم قد حصل من غير نظر إلى أن الحكم أو الوصف صريح أو مستنبط أو مقدر. أو يقال: إن الحكم لما كان مستلزماً - بالفتح - للوصف فذكر الوصف يغني عن ذكره فتحقق الاقتران. ويرى بعض الأصوليين أنه ليس بإيماء، لعدم ذكر الحكم والوصف صريحين (٤). وينبني على كونه إيماء تعميم الحكم في كل ما وجدت فيه العلة.

стр. 325

(٥) من قوادح القياس، فساد الاعتبار، والمعارضة. أما فساد الاعتبار وهو القياس في مقابلة النص (١)، فقد بيّن فساد قياسهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ بأنه مخالف للنص وهو قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ والقياس مع النص فاسد (٢). أما المعارضة، فقد يعترض على الاستدلال بظاهر الآية بعدة اعتراضات منها: (أ) الاستفسار (٣) على القول بالإجمال وعدم ظهور المراد بالبيع أو الربا لما سيأتي من القول بالإجمال. (ب) منع ظهور صحة كل بيع في الدلالة، وذلك لخروج صور لا تحصى، أو لا نسلم أن اللام للعموم - كما سيأتي في مباحث العموم - فإنه يجيء للعموم والخصوص (٤). (ج) التأويل، وهو أنه وإن كان ظاهراً فيما ذكرت، لكن يجب صرفه عنه إلى محمل مرجوح بدليل يصيره راجحًا (٥). فيقال مثلا في البيع الغائب غير داخل في العموم لما فيه من الغرر وقد نهى ﵊ (٦) عن بيع الغرر وهذا أقوى، لأنه عام لم يتطرق إليه تخصيص أو التخصيص فيه أقل (٧).

стр. 326

فصرف بيع الغرر - إن قلنا بأن حكمه ظاهر في حل البيع - عن ظاهره لدليل راجح وهو النهي عن بيع الغرر. • المبحث الثاني: مباحث العموم. * المطلب الأول: من صيغ العموم. من صيغ العموم، دخول «أل» غير العهدية على المفرد المشتق (١)، كما في لفظي «البيع»، و «الربا» في الآية ومن ثم يعم لحل كل بيع، وحرمة كل ربا. واشترط بعض الشافعية للعموم في «أل» الداخلة على المفرد المشتق، عدم مخالفته لأصل، فعم في البيع لأنه موافق للأصل من حيث إن الأصل في المنافع الحل، فمهما حرم البيع فهو على خلاف الأصل، وعم في الربا من حيث إن الأصل في المضار المنع. أما إذا لم يكن موافقاً للأصل فأن اللفظ المفرد المشتق وإن دخلت عليه «أل» غير العهدية فإنها لا تعم. ومثّل ذلك ب «الزكاة» في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وذلك لأن الزكاة على خلاف الأصل لتضمنها أخذ مال الغير بغير إرادته، فوجوبها على خلاف الأصل (٢). * المطلب الثاني: الخلاف بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص. اختلف الأصوليون في قوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ هل هو عام مراد به الخصوص أو عام مخصوص؟ وسبب الخلاف راجح إلى الخلاف في التفرقة بينهما، وقد ذكر جمع

стр. 327

الأصوليين فروقاً بينهما (١)، ومن تلك الفروق: إن الذي يراد به الخصوص يكون المراد به أقل فإذا كان المراد به هو الأكثر فذلك العام المخصوص. والباقي بعد تخصيص الربا، والبيوع المحرمة المنهي عنها دائر بين الأقل والأكثر. ويترتب على الخلاف في كونه عاماً مخصوصاً، أو عاماً مراداً به الخصوص ما قاله البرماوي حيث قال: «وحاصل ما قرره أن العام إذا قصر على بعضه له ثلاث حالات: الأولى: أن يراد به في الإبتداء خاص، فهذا هو المراد به خاص. الثانية: أن يراد به في عام ثم يخرج منه بعضه فهو نسخ. الثالثة: أن لا يقصد به خاص، ولا عام في الابتداء، ثم يخرج منه أمر، ويتبين بذلك أن لم يرد به في الابتداء عمومه، فهذا هو العام المخصوص. ولهذا كان التخصيص عندنا بياناً لا نسخاً إلا إن أخرج بعد دخول وقت العمل بالعام فيكون نسخاً لأنه قد تبين أن العموم أريد في الابتداء» (٢). * المطلب الثالث: الخلاف بين العام المخصوص والعام الباقي على عمومه. اختلف العلماء في العموم الوارد في قوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فالقائل بأنه باق على عمومه قائل بأن التحريم يشمل كل عقد فيه ربا سواء كان ربا فضل أو نسيئة. أما القائل بأنه عام مخصوص، باعتبار تخصيصه بقوله ﵊: «إنما الربا في النسيئة» (٣) كما خص بالقرائن المتصلة وسيأتي تفصيل ذلك في مباحث التخصيص.

стр. 328

* المطلب الرابع: حمل العام على الخاص. تكاد تتفق كلمة الأصوليين على وجوب حمل العام على الخاص فيما إذا استقلَّ العام - كما في الآية - (١) ثم إن الخاص قد يكون كتاباً أو سنة أو غير ذلك، وقد حمل العلماء عموم البيع في الآية على غير ما نهى الله ورسوله من البياعات، وسيأتي أمثلة لذلك في مباحث التخصيص. * المطلب الخامس: حجية العام المخصوص فيما بقي بعد التخصيص. سبقت الإشارة إلى الخلاف في كون قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ عاماً مراداً به الخصوص أو عاماً مخصوصاً، وعلى القول بأنه عام مخصوص فهل الباقي بعد التخصيص حجة؟ وقع خلاف بين العلماء في العام إذا خُصَّ بمبهم، هل يكون حجة في الباقي؟ (٢) وعلى القول بأن لفظ «الربا» في الآية مجمل، وهو بمنزلة الاستثناء من جمل البيع، فإن الخلاف ينسحب عليه. ومن قال بأنه لم يبق حجة قال: إما لأنه خص بمبهم، أو لأنه ليس بعام بل لكون البيع أصبح مجملاً بهذا الاستثناء كما سيأتي في مباحث الإجمال. وعلى القول ببقاء عمومه، وبأن الربا معلوم، كما في المخصصات المعلومة المعينة الأخرى من عموم البيع، فهل يجعل البيع - العام المخصوص - حجة فيما بقي بعد التخصيص؟

стр. 329

ذهب جمهور أهل العلم (١) إلى بقاء حجيته في غير ما تناوله التخصيص، ولهذا استدل العلماء بالآية على أن الأصل حل البيع وجوازه، فمن ادعى الحظر وإخراج شيء فعليه إقامة الدليل (٢). * المطلب السادس: دلالة العام على أفراده. اختلف العلماء في دلالة العام على أفراده هل هي بطريق الظهور أو التنصيص (٣)؟. وثمرة الخلاف تظهر في التخصيص بالتراخي، فعلى القول بأنه بطريق الظهور لا يكون نسخاً، ولو كان العام نصاً على أفراد لكان نسخاً. كما أن دلالة العام إن كانت بطريق التنصيص فإذا ما تعارضت مع الخاص في شيء واحد فإنهما يتساويان، فيطلب الترجيح من خارج. أما على القول بالأول وهو أن دلالته على أفراده بطريق الظهور فالحديث المخصص للآية يعتبر قاصراً لبعض أفراده عليه وليس ناسخاً للعام. يقول الغزالي في مسألة تخصيص خبر الآحاد للقرآن: «قولهم: إن الحديث إما أن يكون نسخاً أو بياناً، والنسخ لا يثبت بخبر الواحد اتفاقاً، وإن كان بياناً فمحال إذ البيان ما يقترن بالمبين، وما يعرفه الشارعُ أهلَ التواتر حتى تقدم الحجة به قلنا: هو بيان ولا يجب اقتران البيان بل يجوز تأخيره عندنا … » (٤).

стр. 330

* المطلب السابع: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (١). يقال في سبب نزول الآية أن ثقيفاً كانوا أكثر العرب رباً، فلما نهوا عنه قالوا: كيف ننهي عن الربا وهو مثل البيع، فحكى الله تعالى ذلك عنهم، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع (٢)، فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. فيقال العبرة بعموم اللفظ، فيحرم جميع أنواع الربا، ومنها الربا الذي يعامل به أهل الجاهلية إذا حل دينه على غريمة طالبه، فيقال: زدني في الأجل وأزيدك في المال، وهو ربا النسأ، واللفظ يعمه ويعم ربا الفضل. • المبحث الثالث: مباحث التخصيص. * المطلب الأول: تخصيص الآية بالكتاب. تخصيص الكتاب بالكتاب مما لا خلاف فيه بين أهل العلم (٣)، ومن أمثلة ذلك وشواهده تخصيص عموم حل البيع الوارد في هذه الآية بالربا الوارد تحريمه بنفس الآية، فيكون بمنزلة الاستثناء من الجملة، ولو لم يخصه لكانت الاباحة عامة في سائر البياعات رباً كان أو غيره (٤). كما خصصوا الآية بالآيات التي حرمت بعض البيوع، بعموم لفظها، كالبيوع الداخلة تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]

стр. 331

أو الداخلة تحت عموم مقتضاها، كتحريم بيع الميتة والدم من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إلى غير ذلك من الآيات. * المطلب الثاني: تخصيص الآية بالسنة. وتخصيص الكتاب بالسنة ولو كانت آحادية هو قول جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة (١). قال السيوطي: «ومن أمثلة ما خُصَّ بالحديث: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ خُصَّ منه البيوع الفاسدة، وهي كثيرة في السنة» (٢). قلت: وجواز هذا التخصيص إجماع الصحابة كما سيأتي في المطلب القادم. ثم إن العام والخاص دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم الوارد في الآية، فيتقدم عليه، لأن تقديم العموم عليه يقتضي إلغاء خبر الواحد بالكلية، وتقديم الخبر على العموم، لا يبطل العموم بل يبقى في غير ما يتناوله الخبر فكان أولى (٣). كما أن المسألة ترجع إلى الخلاف في تخصيص المقطوع بالمظنون، والواقع أن الخبر يتسلط على فحوى العام، وفحواه غير مقطوع به (٤).

стр. 332

* المطلب الثالث: تخصيص الآية بالقياس. ذهب كثير من العلماء إلى جواز تخصيص الكتاب بالقياس على النص الخاص (١). فقوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ دل على جواز كل بيع بلفظ عام، ثم ورد النص بتحريم الربا في البرّ بعلة الكيل - مثلا- ثم يقاس على البر الأرز، فيحرم الربا في الأرز، ويخص تحريم الربا في الأرز من حل البيع فهو قياس نص خاص يخص به عموم إحلال البيع (٢). ملحوظة: قد يقال: إن القياس فرع على النص، فلو خص القياس العموم لكان قد اعترض بالفرع على الأصل. وبمعنى آخر يقال: إن حكم القياس حكم أصله الذي هو النص الخاص، وكما أن النص الخاص يخص العموم، فكذا قياسه الذي حكمه حكمه، فكما أن النص على تحريم الربا في البر خصَّ عموم البيع، فكذا قياس البر في الأرز (٣). والجواب: إن قياس الأرز على البر إنما يخص قول الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وليس هذه الآية أصلاً لهذا القياس، لأن أصل القياس هو ما يقع الرد إليه كالبر، أو تحريمه، أو ما يدل على تحريمه، أو ما يدل على صحة القياس كإجماع الصحابة وغيره. فأما قول الله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فليس هو الذي رددنا إليه الأرز،

стр. 333

ولا هو الدال على صحة القياس، فلم يعترض بالفرع على أصله. * المطلب الرابع: تخصيص العام بمقصوده. لما كانت الآية القصد منها التفريق بين البيع والربا، والرد على من قال ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] اختلف العلماء في تخصيص العام بمقصوده فذهب الجمهور إلى عدم تخصيصه بمقصوده (١)، بل يجب إجراء اللفظ على موجبه لغة، فيحمل لفظ «البيع» على عمومه. وذهب بعض الأصوليين إلى وجوب وقف العموم على ما قصد به، وأن لا يتعداه إلى غيره إلا بدليل، وإن كانت الصيغة تقتضي العموم وذلك لأن العموم لم يقع مقصوداً. وعليه يكون البيع غير عام، فلا يدخل في العموم الصور غير المقصودة فلا يستشهد به - مثلاً- على جواز بيع لبن الآدميات ونحوه مما وقع فيه الخلاف (٢). * المطلب الخامس: تخصيص العام بالقرائن. تكلم أهل الأصول عن القرائن وبينوا أن اللفظية المتصلة منها تخصص اللفظ العام، ومثلوا لذلك بالآية الكريمة، حيث بيّن قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أن المراد من قوله سبحانه ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ البعض دون الكل. كما أن قوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ قد خصصه بعضهم بربا النسيئة، للحديث «إنما الربا في النسيئة» وبالقرائن اللفظية المتصلة بالآية، ومن تلك قوله تعالى ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 334

• المبحث الرابع: مباحث الإجمال. * المطلب الأول: وجود الإجمال في القرآن الكريم. نقل غير واحد من أهل العلم وجود الإجمال في القرآن الكريم، وأن ذلك المجمل قد فُسِّر وبُيِّن في سنة الرسول الكرم عليه أفضل الصلاة والتسليم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية «وقد اتفق الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة الدين: أن السنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه، وتعبّر عن مجمله، وأنها تفسر مجمل القرآن، من الأمر والخبر» (١). وقال القرطبي بعد أن نقل القول بأنه عام واختاره: «وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي فُسِّر بالمحلَّل من البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يُستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنة رسول الله ﷺ ، وإن دلَّ على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل وا وهذا فرق ما بين العموم والمجمل، فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخص بدليل، والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان» (٢) * المطلب الثاني: دلالة الإجمال في لفظي «البيع» و «الربا». لورود الإجمال في لفظي (البيع) و (الربا) أسباب عدة منها (٣): (١) تردد اللفظ بين الحقيقة الشرعية، والحقيقة اللغوية، فإذا أطلق الشرع لفظ «الربا» فإنه يتردد بين مسمييه اللغوي والشرعي، لأن الربا في اللغة: الزيادة كيف كانت، وحيث كانت، وفي الشرع هو زيادة مخصوصة، وهو التفاضل

стр. 335

في الأموال الربوية، كبيع درهم بدرهمين، وصاع بصاعين، فنتوقف فيه حتى نعلم أيّ الزيادتين أراد (١). يقول الجصاص في ترجيح كون الربا منقولاً من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي: «وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الاسم موضوعاً لها في اللغة، ويدل عليه أن النبي ﷺ سمى النساء ربا في حديث أسامة بن زيد فقال: «إنما الربا في النسيئة» (٢). وقال عمر بن الخطاب: إن من الربا أبواباً لا تخفى منها السلم في السن (٣)، يعني الحيوان. وقال عمر: - أيضا -: إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وإن النبي ﷺ قبض قبل أن يبينه لنا، فدعوا الربا والريبة (٤). فثبت بذلك أن الربا قد صار اسماً شرعياً؛ لأنه لو كان باقياً على حكمه في أصل اللغة، لما خفي على عمر؛ لأنه كان عالماً بأسماء اللغة؛ لأنه من أهلها، ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء رباً، وهو ربا في الشرع، وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان، وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعاً لها في اللغة» «البيع».

стр. 336

يريد أن الشارع وإن بيَّن الإجمال في لفظ «الربا» إلا أن البيان ليس وافياً؛ لأنه لم يحصر الربا فيما بيَّنه، فجاز الاجتهاد ولبيان ما يكون فيه الربا قياساً على ما ورد في بيان السنة (١). وقال ابن العربي: «قال علماؤنا: الربا في اللغة هو الزيادة، ولا بد في الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به، فلأجل ذلك اختلفوا هل هي عامة في تحريم كل ربا، أو مجملة لا بيان لها إلا من غيرها؟ … فحرم الله تعالى الربا، وهو الزيادة، ولكن لما كان كما قلنا لا تظهر الزيادة إلا على مزيد عليه، ومتى قابل الشيء غير جنسه في المعاملة لم تظهر الزيادة، وإذا قابل جنسه لم تظهر الزيادة أيضاً إلا بإظهار الشرع؛ ولأجل هذا صارت الآية مشكلة على الأكثر، معلومة لمن أيَّده الله تعالى بالنور الأظهر … الخ» (٢). وبعض الأصوليين قرر الإجمال بسبب التردد بين مسمييه اللغوي والشرعي في لفظ «البيع». وبيان ذلك: أن البياعات في الشرع منها حلال، كالعقود المستجمعة لشروط الصحة، ومنها حرام كبيوع الغرر (٣)، وبيع تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي (٤) … الخ، فتردده بين هذه البياعات الجائزة والمحرمة جعلها مجملة، ثم ورد البيان من الشرع بالمحرم منها من الجائز (٥).

стр. 337

قال ابن السمعاني: - « … وعلى القول الثاني ليس بمجمل، وهو الأصح، لأن البيع معقول في اللغة، فيحمل اللفظ على العموم إلا ما خصه الدليل .. » (١). (٢) من أسباب الإجمال تردد «أل» في لفظي «البيع» و «الربا» هل هي للتعريف أو للاستغراق (٢). (٣) إن قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ مجمل - على القول بذلك كما في السبب الأول - وهو مذكور في حكم الاستثناء عن البيع، والمجهول إذا استثنى من المعلوم انسحب على الكلام كله فأصبح لفظ «البيع» أيضا مجملاً. يقول ابن القشيري في تفسيره: «قال العلماء: هذه الآية مجملة لأن قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ يقتضي تحليل كل بيع. وقوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يقتضي تحريم كل بيع، لأنه لا يبيع إلا ويقصد منه الزيادة» (٣). * المطلب الثالث: السنة تبين القرآن الكريم. وضع الله نبيه محمد ﷺ موضع الإبانة عنه ، وفرض على خلقه اتّباعه فقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فهذه الآية - ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ على القول بأنها مجملة فهي مما تولى سبحانه تنزيله، ووقعت الإحالة على النبي ﷺ بيانه، فبين ﵊ ما يحل وما يحرم فعلم من ذلك أنه أراد بإحلال البيع ما لم يحرّم منه دون ما حرّم على لسان نبيه، أو يقال: أحل

стр. 338

الله البيع إذا كان على غير ما نهى الله في كتابه أو على لسان نبيه. فائدة: ذكر الجصاص في كتابه الفصول باباً فيما يحتاج إلى البيان، وما لا يحتاج إليه، وذكر الضابط في ذلك فقال: «كل لفظ أمكن استعماله على ظاهره وحقيقته، ولم يقترن إليه ما يمنع استعمال حكمه على مقتضى لفظه فغير محتاج إلى البيان، إلا أن يريد به المخاطب بعض ما انتظمه، أو كان مراده غير حقيقته، فيحتاج إلى بيان المراد به، وكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه إما لأنه مجمل في نفسه، أو لأنه اقترن إليه ما جعله في معنى المجمل على حسب ما تقدم من القول في صفة المجمل، وما في معناه فهو مفتقر إلى البيان، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] هذه ألفاظ معانيها معقولة ظاهرة فهو غير مفتقر إلى البيان بنفس ورودها … » (١). * المطلب الرابع: جواز كون المبيِّن أضعف من المبيَّن (٢). على القول بأن الآية مجملة، وقد بينتها السنة الآحادية، وهي من حيث الثبوت أضعف من الآية الكريمة، فتكون الآية شاهده على جواز ذلك. يقول الغزالي: «وعلى القول بأنه بيان فلا يشترط فيه التواتر، بل العمل جار على تكليفهم بقول عدل واحد، ثم ما يدريهم؟ فلعله ألقاه إلى عدد التواتر ..... » (٣).

стр. 339

* المطلب الخامس: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. من المعلوم إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١)، لدخوله في تكليف ما لا يطاق، ولم يقع شيء من ذلك في الشريعة، بخلاف تأخيره إلى وقت الحاجة، فأنه جائز وواقع في الشريعة الإسلامية (٢)، ومما يستدل به على ذلك الحديث المبين للإجمال في الآية. يقول الغزالي: «ويجوز تأخيره عندنا، وما يدريهم أنه وقع متراخياً؟ فلعله كان مقترناً، والراوي لم يرو اقترانه» (٣). * المطلب السادس: ثمرة الخلاف في دلالة الآية على العموم أو الإجمال. تظهر فائدة الخلاف في دلالة الآية على العموم أو الإجمال، إذا قلنا بأن البيع مجمل قد بُيِّن كان حجة بلا خلاف، وأن قلنا بأنه عام خصَّ كان في بقائه بعد التخصيص حجة خلاف، والجمهور على حجته. وإن كان القولان متقاربين، وذلك لأن تخصيص العموم نوع من البيان، وكونه من باب العام المخصوص أولى وأكثر وأشهر (٤).

стр. 340

• المبحث الخامس: مباحث التعارض والترجيح. * المطلب الأول: تعارض الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية. سبق في بيان أسباب الإجمال في لفظي «البيع» و «الربا» ترددها بين مسمييها الشرعي واللغوي، وهناك من اعتبرها داخله في المسمى العرفي، والعرفي غالباً ما يوافق المعنى اللغوي، ومن خلال عبارات المفسرين في أسباب الإجمال يظهر لي التطابق بينهما هنا. وعلى كل حال فقد تعارضا مع الحقيقة الشرعية، والقاعدة تقديم الحقيقة الشرعية عليهما (١). * المطلب الثاني: تعارض الظاهر مع الإجمال. ذكر عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار بأنه: «لو استدل مستدل في حل البيع في صورة من الصور بعموم في قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ لا يكون لخصمه أن يعارضه بقوله عزّ اسمه ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ لأنه مجمل فلا يعارض الظاهر» (٢). * المطلب الثالث: تعارض التخصيص مع النقل. ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالبيع في الآية، البيع اللغوي، وهو مبادلة الشيء بالشيء مطلقاً، وحمله على هذا المعنى يقتضي التخصيص بالبيوع الباطلة والفاسدة التي ورد النهي عنها في الشرع (٣).

стр. 341

ويترتب على هذا القول بأن جميع البيوع حلال لعموم الآية، إلا ما خصّ منها، وذهب بعض العلماء بأن المراد بالبيع معناه المنقول إليه شرعاً، وهو البيع المستجمع لشرائط الصحة ككونه طاهراً، منتفعاً به، مملوكاً .... إلخ (١). ويترتب على هذا القول: إنه لا داعي للقول بالتخصيص؛ لأنه لم يبق مستعملاً في الشرع بمعناه اللغوي المفيد للعموم، فمن شك في كون البيع مكتملاً لشرائط صحته كبعض البيوع المختلف فيها فإنه يحكم بعدم صحته لأن الأصل عدم استجماعه لشرائط الصحة (٢). * المطلب الرابع: تعارض الإضمار مع النقل. قال بعض العلماء: الربا في الآية مستعمل بمعناه اللغوي، وهو الزيادة، والزيادة بعينها لا توصف بحل ولا حرمة، فكان لا بد من تأويل الآية، وتقدير كلمة مضمرة. «أخذ»، فيكون معنى الآية: حرم أخذ الربا، فالمنهي عنه هو أخذ الزيادة، وليس العقد. وذهب بعض العلماء: إلى أن الربا في الآية منقول من معناه اللغوي إلي معناه الشرعي، وهو العقد المشتمل على الزيادة لقرينة قوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، فالمنهي عنه هو نفس العقد المشتمل على الزيادة، فيكون المضمر في الآية لفظ «عقد» ومعنى الآية حرم عقد الربا. ويترتب على ما سبق حكم البيع المشتمل على الربا، فعلى القول الأول إذا اتفق البائع مع المشتري بعد العقد على إسقاط تلك الزيادة صح العقد؛ لأن

стр. 342

المحرم هو الأخذ دون أصل العقد فلو تعاقدوا على بيع درهم بدرهمين ثم أسقطت الزيادة صح البيع وارتفع الإثم. أما على القول الثاني فالإثم باق، والعقد باطل؛ لأن المنهي عنه هو نفس العقد المشتمل على الزيادة (١). * المطلب الخامس: تعارض المجاز مع الاشتراك. قال بعض العلماء: وردت صيغة «أل» للعموم تارة وللخصوص تارة أخرى، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فتكون مشتركة، وإذا كانت مشتركة كانت مجملة فيسقط الاستدلال بها. وقد سبق بيان سبب القول بالإجمال في المفرد المشتق، المعرف ب «أل» كالبيع والربا. وذهب بعض العلماء: جعلها مجازاً في الخصوص أولى من الاشتراك. ويترتب على ذلك حكم بعض البيوع المختلف فيها، كحكم بيع الغائب على الصفة، فعلى القول الأول لا يصح الاستدلال بالآية، وهي حل البيع، لكون لفظ «البيع» مجملا فيسقط الاستدلال به. وعلى القول الثاني يصح البيع بحمل الصيغة على العموم فيتناول صورة النزاع.

стр. 343

المبحث السادس: المقصد الشرعي من تحريم الربا. قال الطاهر ابن عاشور في تفسيره مبيِّناً المقصد الشرعي من تحريم الربا: «وحكمة تحريم الربا هي قصد الشريعة حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها احتياجاً عارضاً موقتاً بالقرض، فهو مرتبة دون الصدقة، وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها ندب كالصدقة والسلف، فإن انتدب لها المكلف حرم عليه طلب عوض عنها، وكذلك المعروف كله، وذلك أن العادة الماضية في الأمم، وخاصة العرب، أن المرء لا يتداين إلا لضرورة حياته، فلذلك كان حق الأمة مواساته. والمواساة يظهر أنها فرض كفاية على القادرين عليها، فهو غير الذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعين والمتقارضين: للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلا أن الشرع ميز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية، لا باختلاف أحوال المتعاقدين، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الربا في السلف، ولو كان المستسلف غير محتاج، بل كان طالب سعة وإثراء بتحريك المال الذي يتسلفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك، وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتجارة ودين السلم، ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار الربا تفرقة بين المواهي الشرعية. ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الربا البعد بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا، فيكون تحريم الربا، ولو كان قليلاً، مع تجويز الربح من التجارة والشركات، ولو كان كثيراً تحقيقاً لهذا المقصد» (١).

стр. 344

الدراسة الثامنة دراسة تحليلية لآيات المحرَّمات في سورة النساء مع تخريج النوازل عليه

стр. 345

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فهم القران الكريم له مناهج عدَّة، ويحتاج المفسر الإلمام بها، وإعمالها بحسب ما يرد عليه من النصوص القرآنية، وإن كان النص المراد تفسيره متعلقاً بآية من آيات الأحكام فإن أنسب تلك المناهج هو المنهج الاستدلالي، وقد ضبطه الأصوليون، باستقراءات خاصة، حيث إنهم درسوا كل ما يتعلق بفهم النص، فدرسوا الأساليب العربية التي نزل بها القرآن، تحت ما أسموه " دلالات الألفاظ "، وربطوا من خلالها الألفاظ بمعانيها ومقاصدها، وازدوج النقل عندهم بالعقل، والرواية بالدراية، بقواعد استدلالية محكمة، وبقدر الإحاطة بهذا المنهج الاستدلالي يتفاوت الناس في فهم النص القرآني. يقول ابن القيم في إعلام الموقعين: " منهم من يفهم من الآية حكماً أو حكمين، ومنهم من يفهم عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدراً زائداً على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فِهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه " (١).

стр. 346

وما ذاك إلا بحسب التضلع من علم أصول الفقه، والقدرة على الاستنباط والتخريج، وهي منزلة لا يقوم بها إلا مجتهد، يقول القرافي: " لا يجوز التخريج إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل، ورتب المصالح، وشروط القواعد، وما يصلح أن يكون معارضاً وما لا يصلح، وهذا لا يعرفه إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة .... وبهذا التقرير يتعين على من لا يشتغل بأصول الفقه أن لا يخرج فرعاً على نازلة " (١). ونظراً لما يتخرج من آيات النكاح من أحكام، وما يتخرج عليها من نوازل، فإني أحببت تطبيق المنهج الاستدلالي الأصولي، ب (دراسة تحليلية أصولية لآيات المحرَّمات في سورة النساء مع تخريج النوازل عليها)، معتمداً وواصفاً أقوال العلماء المجتهدين في الدراسة التحليلية، لتكون مادة تطبيقية أصوليَّة يستفاد منها بإذن الله، وتأكيداً لنتيجة معلومة وهي أن المفسِّر لكتاب الله لا غنى له عن المنهج الأصولي، لوجود آيات الأحكام، فأصول الفقه شرط ضروري لمن تصدى لتفسير كلام الباري.

стр. 347

دراسة تحليلية لآيات المحرَّمات قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٢ - ٢٤] تضمنت الآيات السابقة المحرَّمات من النساء، وتنوعت فيها أسباب التحريم، ففيها المحرَّمات بسبب النسب وهنَّ ﴿أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، والمحرَّمات بسبب الرضاع، وهنَّ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، والمحرَّمات بسبب المصاهرة، كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا

стр. 348

جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ والمحرَّمات بسبب الجمع بين المحارم، وذلك في قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، والمحرَّمات بسبب الإحصان، كما في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والمحرَّمات بسبب التأقيت، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وتفصيل هذا، وبحسب ترتيب الآيات كما يلي: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]. قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وهي صيغة النهي الصريحة، والنهي يقتضي التحريم، فحرم المولى منكوحة الأب، كما أن النهي يقتضي فساد العقد. وأكد سبحانه التحريم بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. (١) ضمير الجمع في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ يفيد العموم، فيشمل جميع الأبناء، وأبناءهم وإن نزلوا. و ﴿مَا﴾ الموصوله، وأُتي بهذه الصيغة، ولم يؤت بصيغة (مَنْ) التي للعاقل؛ لأن المراد به هنا نوع النساء، و ﴿مَا﴾ تقع على الأنواع، أي: صفات ما يعقل

стр. 349

وما لا يعقل (١). وهي تفيد بعموم صلتها، منكوحة الأب سواء كانت حرة أو أمة بملك اليمين، لأن النكاح كما سبق حقيقة في الوطء عند البعض، ومجاز يمكن حمل الكلام عليه عند البعض الآخر. قوله: ﴿نَكَحَ﴾ تردد اسم النكاح بين معناه الشرعي، وهو العقد، ومعناه اللغوي وهو الوطء، ويدخل في الوطء المحرَّم والمباح، والقاعدة تقتضي تقديم الحقيقة الشرعية وهي العقد؛ لأن الرسول ﷺ بعث لبيان المعاني الشرعية، ولم يبعث ﵇ لبيان المعاني اللغوية، كما أن الشرع طارئ على اللغة وناسخ لها، والحمل على الناسخ المتأخر أولى (٢). وإذا حمل لفظ النكاح على معناه الشرعي، فإن المرأة التي زنى بها الأب لا تحرم على أبناءه، وهو قول المالكية والشافعية (٣). وحمله بعض العلماء على الوطء دون العقد للقرينة المتصلة بالآية نفسها ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ والفاحشة: الوطء، والتغليظ إنما يكون في الوطء لا العقد، ولا مانع من هذا الحمل إذ القاعدة تقتضي حمل الكلام على حقيقته (٤) إلا إذا ورد ما يصرفه عنه، والصارف

стр. 350

هنا القرينة المتصلة بهذا اللفظ (١). يقول ابن قدامة: " والوطء يسمى نكاحاً … وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء، وهو قوله تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ " (٢). ويقول التلمساني: "وذلك أن العرب كانت في الجاهلية تخلف الآباء في نسائهم، وإنما كانوا يخلفونهم في الوطء لا في العقد، لأنهم لم يكونوا يجدون عليهن عقداً، بل كانوا يأخذونهن بالإرث، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] وأيضا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ والفاحشة: الوطء لا العقد. " (٣). * وثمَّة قواعد أصولية أخرى تؤثر في أحكام هذه الآية منها: ما سبق بيانه من جواز حمل لفظ النكاح على محتملاته من حقيقة ومجاز، وهذا مذهب المعميمين، وعليه فتحرم على الابن زوجة الأب غير المدخول بها، وكذا التي وطأها من غير عقد صحيح، أو من غير عقد أصلاً، فتحرم من زنى بها الأب ولا تحل لأبنائه، وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة (٤). ومن القواعد المؤثرة، ما تقرر عند الأصوليين من أن الحقيقة مقدمة على المجاز (٥)، والمجاز مقدم على الاشتراك، فالحقيقة مقدمة على الاشتراك، وعليه

стр. 351

فحمل لفظ النكاح على الحقيقة وهو العقد، أولى من جعله مشتركاً بين العقد والوطء، لأن الاشتراك خلاف الأصل، فتكون بذلك موطوءة الأب محرمة على الابن سواء وطئها الأب أم لا (١). ومن القواعد المؤثرة - وذلك عند من يجعل الكلام مشتركاً بينه وبين الحقيقة - قاعدة: الحكم المعلق على اسم هل يقتضي أوله أو لا بد من آخره؟، فمن يقول الحكم متعلق بأوله قائل بتحريم منكوحة الأب على الابن بمجرد العقد، سواء دخل بها أو لا، ومن قال بأن الحكم متعلق بآخره فلا تحرم منكوحة الأب عنده إلا بالوطء، ومغيب الحشفة، وربما الإنزال؛ لأنه آخر ذوق العسيلة، الوارد في إباحة المرأة لزوجها الأول (٢). قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم آباء الآباء ومن فوقهم من الأجداد من النسب والرضاعة. ويفهم من تحريم منكوحة الآباء بملك اليمين تحريم نكاح الشبهة الذي وقع من أبيه، وذلك بمفهوم الموافقة الأولوي. قال الموزعي: "وبنكاح الشبهة بطريق التنبيه والأولى. " (٣) ولعل الأولوية، لأن النكاح يطلق على الوطء كحقيقة لغوية، وبه دخلت الأمة في التحريم، أما نكاح الشبهة ففيه الوطء والعقد أيضاً فكان أولى بالتحريم لدخوله في معنى النكاح بلا خلاف.

стр. 352

قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناء منقطع، وقال ابن العربي: " قال علماؤنا هو استثناء منقطع، وصدقوا فإنه ليس بإباحة المحظور، وإنما هو خبر عن عفو سحب ذيله عما مضى من عملهم القبيح فصار تقديره: إلا ما قد سلف فإنكم غير مؤاخذين به " (١). وقيل إن الاستثناء متصل ويكون المراد بالآية: النهي أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء، إلا ما قد سلف من الأباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن، وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى. وعلى هذا التقدير يكون أصلاً في أن الزنى لا يحرِّم (٢). قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣ - ٢٤] خصصت هذه الآيات عموم آيات أخرى تقتضي إباحة نكاح جميع النساء (٣)، منها قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله تعالى:

стр. 353

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ نصت الآيات على تحريم نكاح النساء المذكورات، وهو نص صريح لا إجمال فيه. قال ابن الفرس: " .... ومن لاحن العرب ومارس اللغة واطَّلع على عرف أهلها علم أنه لا يستراب في أن من قال: حرمت عليك الدار إنما يريد الدخول فيها خاصة، أو الطعام إنما يريد الأكل خاصة، أو النساء إنما يريد الجماع، وهذا صريح عندهم مقطوع به، فكيف يكون مجملا " (١). وسبب الخلاف يرجع إلى إضافة التحريم لأعيان النساء، والتحريم المضاف إلى الأعيان يكون المراد منه تحريم ما يتعلق بالأعيان من أفعال، لأن الأعيان ليست مورداً للتحليل والتحريم، وإنما يتعلق الحل والحرمة بأفعال المكلفين (٢). فقال قوم: إن الفعل في هذه الآية لا يدري ما هو؟ هل النظر أو المضاجعة، أو الوطء، فلا يُدرى أي ذلك حرِّم، ولولا تبيينها بغيرها لما عُلم المرد منه، فهي إذاً مجملة. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المحرم هو نكاحهن، لدلالة العرف كما سبق. ونقل ابن الفرس عن قوم قولهم: "إن الآية من قبيل المحذوف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ثم قال: " وهذا إن أراد أنه مجاز فيلزم أن تسمى الأسماء العرفية مجازا .... فأما على قول من يرى اللفظ الشامل للحقيقة

стр. 354

والمجاز عاماً فتعلقه بالآية في التحريم ظاهر، لكنه قول ضعيف، ومن لم ير ذلك فوجه تعلقه بالتحريم الإجماع. " (١) وسيأتي بيان هذا عند تفصيل المحرمات. وقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف يعم كل أم شرعاً، وهي: كل أنثى لها عليك ولادة، أو انتهى نسبك إليها بالولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي كانت فيها الولادة المباشرة، أو مجازاً وهي التي منها الولادة بواسطة وإن علت، فيدخل فيه أم الأب، وأم الأم، وجدتي الأب، وجدتي الأم وإن علون، وارثات كنّ أو غير وارثات، كلهن محرمات (٢). وهذا على قول من يرى أن اللفظ العام يشمل الحقيقة والمجاز، أو أن اللفظ العام يجوز أن يقصد به كلا الحقيقة والمجاز في مكانين مختلفين (٣). أما القائلون بأن اللفظ الواحد لا يقصد به الحقيقة والمجاز فإن تحريم الجدات -الأمهات مجازاً- إنما كان عندهم بدليل الإجماع. وقد يتبادر إلى الذهن أن الجمع المضاف يعم، فما وجه العموم في الآية إذا حملت على الأم حقيقة؟ قلت: لعل هذا داخل تحت قاعدة مقابلة الجمع بالجمع، فبيَّن الشارع حكم نكاح كل رجل لأمه (٤).

стр. 355

قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم كل أنثى انتسبت إليك بالولادة (١)، كابنة الصلب، وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن، وارثات أو غير وارثات (٢). وعلى كلا القولين فإن البنات داخلات في التحريم بلا خلاف، وإنما الخلاف واقع في تحريم البنت إن كانت من الزنا (٣). فذهب فريق من العلماء إلى أنها داخلة في عموم الآية، لأنها أنثى مخلوقة من مائه، وهذه حقيقة كونها ابنته، ولا تختلف هذه الحقيقة بالحل والحرمة، وقاسوها على المخلوقة من وطء الشبهة. وذهب فريق آخر إلى عدم حرمة نكاح الرجل ابنته من الزنا، لعدم دخولها في الآية، بحجة أنها لا تسمى بنتا شرعاً، بدليل أن نسبها لا يثبت في الوارثين، ولا تستحق النفقة، فليست داخلة في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، ولا في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإذا لم تكن داخلة في عموم الآية المحرمة، فهي داخلة في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]
следующие страницы →