Полный текст (691 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
لنمروذ فيه، وقد تضمنت هذه الآية جواز المناظرة في طلب الحق، وتقرير الأدلة، وحذف بعض مقدماتها للعلم بها، وهو المسمى قياس الإضمار، والتنزل مع الخصم على تقدير التسليم، وإبطال الشبه والشكوك، وإلزام الخصم ما يفهمه، وجواز مناظرة السوفسطائية ونحوهم من منكري الحقائق ونحوهم، بما يقيم الحجة عقلا أو حسا، وقيام الحجة بانقطاع الخصم وانقطاعه بالعجز عن تمشية الدليل إذ لم يكن خائفا، وتضمن شرف علم الجدل والأصول والنظر في المعقول، والكلام في التوحيد به، وإمام الناس فيه إبراهيم ﵇.
[فلا جرم] قيل: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨) [الحج: ٧٨].
﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٣٥) [البقرة: ١٣٥].
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣) [النحل: ١٢٣]، ولا جرم لما أمر نبينا ﷺ باتباع ملة إبراهيم ورد كتابه القرآن مملوءا من المباحث الجدلية مشحونا بالحقائق النظرية، في هذا منقبة عظيمة للمتكلمين والأصوليين وأهل النظر. ولكن أكثر الناس لا يعقلون ولأجل هذا وضعنا هذا الكتاب.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٥٩) [البقرة: ٢٥٩].
هذا من حجج البعث والمعاد كما في إحياء البقرة الألوف ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ﴾
стр. 107
أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) [البقرة: ٢٦٠].
اعلم أن من الناس من زعم أن إبراهيم شك في القدرة على إحياء الموتى/ [٦٦/ل] حكاه القرطبي عن الطبري، واحتج بقوله ﵊: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (١) وليس هذا بشيء، إذ برهان القدرة واضح، فكيف يخفى مثله على إبراهيم مع استخراجه حدوث العالم وقدم/ [٣٢، /م] الصانع بلطيف النظر من أفول الكوكب والشمس والقمر، وإذا كنا لا نظن ذلك بذي النون حيث ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٧) [الأنبياء: ٨٧] حتى تأولناه على خلاف ظاهره مما يدفع ذلك عنه مع أن رتبة إبراهيم أعلى منه فكيف نظنه بإبراهيم.
وأما قوله ﷺ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فليس معناه إثبات الشك من إبراهيم، وإنما هي نفي للشك عنه بطريق أولى، ومعناه لو شك إبراهيم لكنا [بالشك أولى] منه؛ لقصورنا في المعرفة عنه، لكنا نحن لم نشك فإبراهيم أولى أن لا يشك، وهذا تأويل جيد للحديث، ثم أورد بعضهم هاهنا سؤالا وهو: أن قول إبراهيم: بلى. يقتضي أنه آمن، أي:
بلى آمنت، وقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] يقتضي أن قلبه لم يطمئن إلى الآن، لكن الإيمان تلزمه الطمأنينة وحينئذ يصير كأنه قال: آمنت ما آمنت، أو اطمأن قلبي ولم يطمئن وهو تناقض.
والجواب: [أنه قد قيل: معناه، بلى] آمنت بالقدرة، ولكن ليطمئن قلبي بالخلة، وكان قد جعل إظهاره على إحياء الموتى علامة على اتخاذه خليلا، وعلى هذا فلا تناقض، وهذا وإن كان قريبا ممكنا غير أن المختار غيره، وهو الإيمان يستند إلى العلم والعلم له مراتب:
علم اليقين هو ما حصل عن النظر والاستدلال، وعين اليقين وهو ما حصل على شهادة وعيان، وحق اليقين وهو ما حصل عن العيان مع المباشرة، فالأول كمن علم بالعادة أن في البحر ماء.
стр. 108
والثاني: كمن مشى إليه حتى وقف على ساحله وعاينه.
والثالث: كمن خاض فيه، واغتسل وشرب منه، وإذا عرفت هذا فإيمان إبراهيم ﵇ بالقدرة على إحياء الموتى قبل أن يراه كان عن علم يقين نظري، فأراد أن يطمئن قلبه بالإيمان بذلك عن عين اليقين، فلذلك قيل له: خذ أربعة من الطير إلى آخره، أي:
باشر هذا الأمر ليحصل لك عين اليقين عيانا وحق اليقين مباشرة.
وفي الحديث: «ليس الخبر كالعيان» إن موسى بلغه أن قومه قد فتنوا فلم يتغير فلما رآهم عاكفين على العجل أخذ برأس أخيه يجره إليه، وفي هذا المعنى قيل:
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم
وحينئذ يكون معنى الكلام: بل آمنت عن/ [٦٧/ل] نظر واستدلال، ولكن أريد طمأنينة القلب بنظر العيان، وهذه أيضا دليل على إمكان البعث.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦١) [البقرة: ٢٦١]، هذا عام مطرد، أما المرائي فليس منفقا في سبيل الله، فلذلك لم ينتفع بإنفاقه، غير أن في هذه الآية إطلاقا قيد في الآية بعد بقوله- : ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً﴾ [البقرة: ٢٦٢] فصارت/ [٣٢ ب/م] مضاعفة الصدقة إلى سبعمائة ضعف مشروطة بعد المن والأذى، وصار تقدير الآية: مثل الذين ينفقون أموالهم [في سبيل الله ثم] لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] عام في بطلان الصدقات بذلك والمن تذكير النعمة، والأذى إلحاق ضرر بالسائل دون أخذها كانتهاره، وزجره وتقريعه ونحو ذلك.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٢٦٤) [البقرة: ٢٦٤] عام مطرد؛ إذ أعمال الكفار والمرائين هباءا منثورا.
стр. 109
غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) [البقرة: ٢٦٧] يستدل به على تعلق الزكاة بكل ما يخرج من الأرض من معدن ونبات وثمر، لكن خص العلماء من أشياء بأدلة وحدّدها، وبقيت الزكاة في الباقي كالركاز والمعدن، والعنب والرطب، والمكيل المدخر على تفاصيل فيه.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٦٩) [البقرة: ٢٦٩] عام مطرد، لكن ما هذه الحكمة؟ فالأشبه أنه العلم الموصل إلى معرفة وجود الله- -وما يجوز عليه، وما لا يجوز، وإلى معرفة معاملته، فالأول: علم أصول الدين، والثاني: علم الفقه لأدب الظاهر، وعلم الأخلاق وأعمال القلوب لأدب الباطن، وذلك لأن المكلف لا بد له من اعتقاد يلقى الله -به، وعمل ظاهر يقيم به رسوم التكليف، وأدب باطن يقيم به رسم العبودية، فهذه العلوم الثلاثة أركان الحكمة، والقيم بالأول المتكلمون، وبالثاني الفقهاء، وبالثالث محققو الصوفية كشيخ الإسلام في مقاماته ونحوه.
فأما الحكمة التي هي عبارة عن المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي، فهي حكمة فلسفية باصطلاحهم والخطر في الإلهي منها عظيم على رأيهم، فلا يليق النظر فيه إلا لمتضلع من الحكمة الأولى وعلوم الشرع.
وقد [٦٨/ل] يحتج الفلاسفة على أن الحكمة في الآية هي حكمتهم المذكورة لقوله- -عقيب ذلك: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] والتذكر:
النظر، والألباب: العقول، فهو إذن إشارة إلى أن الحكمة المذكورة إنما طريق إدراكها نظر العقل. وحكمتنا أحق بذلك؛ لأنها مؤسسة على النظر والاستدلال العقلي.
﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٢٧٠) [البقرة: ٢٧٠] أي فيجازى عليه، وهو عام مطرد.
стр. 110
لا يقدر عليه إلا الله- ، وهو المراد هاهنا، وقد أخبر الله- -أنه مستبد به يهدي، من يشاء، ويحتج به الجمهور على أن الإنسان لا يملك هدى نفسه، والحجة معهم، خلافا للمعتزلة إذ عندهم أن العقل كاف في المعرفة والنظر، ومخلوق للناظر، والعلم متولد عنه والهدى تابع للعلم بتحقيق الحجة وكشف الشبهة وذلك يقتضي أن هداهم مخلوق لهم.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٤) [البقرة: ٢٧٤].
قالت الشيعة: نزلت هذه في علي؛ كان معه أربعة دراهم، أنفق درهما ليلا، ودرهما نهارا، ودرهما سرا، ودرهما علانية، فنزلت هذه الآية ذكره عبد الرزاق في تفسيره.
قالوا: وليس مثله لأبي بكر ولا غيره فيكون أفضل، وعارضه الجمهور بنحو:
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (١٧) [الليل: ١٧].
﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٠) [الحديد: ١٠].
﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣٣) [الزمر: ٣٣] ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤٠) [التوبة: ٤٠].
стр. 111
النظم الواضح يقتضي أن يقال: «إنما الربا مثل البيع» فالعدول إلى عكسه غير متضح، والجواب أن الكفار إنما أرادوا بقولهم ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] المناقضة والإلزام كأنهم قالوا: يعاب علينا الربا والبيع مثله، فمن أنكر علينا الربا لحصول التغابن فيه لزمه إنكار البيع لحصول التغابن فيه. / [٦٩/ل].
ولو قالوا: إنما الربا مثل البيع، لكان ذلك قياسا، كأنه قيل: الربا صفقة تضمنت تفاضلا وتغابنا فكان حلالا كالبيع، [لكن هؤلاء إنما قصدوا] الإلزام والمناقضة لا القياس والمماثلة، وإنما ذكرنا هذا لكونه سؤالا كثير إيراده واستشكاله، ولتعلقه بالقياس [والنص والإلزام]، وذلك من مسائل أصول الفقه.
﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] هذا فيه حجة قوية للظاهرية في اعتبارهم الظواهر السمعية، دون العلل القياسية، وتقرير ذلك أن أكلة الربا لما أوردوا مناقضتهم المذكورة أجابهم الله- -بالحكم الإلهي فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فيجب عليكم متابعة هذا الحكم المنصوص، ولم يحتج عليهم بحكمة تحريم الربا المناسبة مع أنها ظاهرة مؤثرة، وهي أن الربا إنما يكون مع اتحاد الجنس أو العلة، فالغبن فيه لازم لا يستدرك بخلاف البيع، فإنه يكون مع اختلاف الجنس فالغبن فيه يمكن استدراكه، مثاله: لو اشترى ثوبا بعشرين وهو/ [٣٣ ب/م] يساوي عشرة، أمكن أن تبيعه بعشرين أو أكثر، لرغبة أو ارتفاع سوق ونحوه، أما لو اشترى مد قمح بمدين، فيبعد أن يرد له المد الواحد مدين [إلا ويرد] المدان البائع أربعة أمداد، اللهم إلا أن يختلفا بالجودة والرداءة بحيث يساوي المد الجيد مدين رديئين.
لكن الجودة الرداءة هاهنا غير معتبرة طردا للباب في المنع، ولو كانت هذه الحكمة القياسية حجة لاحتج بها عليهم؛ لأنها أشبه بإلزامهم المذكور، وأقرب إلى عقولهم، فلما لم يحتج عليهم بها بل بالنص القاطع للحجة، دل على، لا حجة في العلل والمناسبات وصار هذا كما قال لإبليس: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢]، احتج عليه بالأمر، ولم يسمع منه علته الفلسفية المزخرفة، وهي قوله: ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢].
وقد كان يمكنه أن يعارضه بأحسن منها وأنس في العقل، وهو أن الطين ثابت ورزين متواضع لين رطبن والنار مضطربة خفيفة، مستعلية يابسة شريرة محرقة.
стр. 112
ومن ثم رجع إبليس إلى أصله في الخفة والطيش، ورجع آدم إلى أصله في الثبات والرزانة، فقال: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٢٣) [الأعراف: ٢٣] فاعترف؛ فعرف واستغفر؛ فغفر له، فما لم يفعل ذلك / [٧٠/ل]؛ دل على أن لا ارتباط للأحكام إلا بالنصوص والظواهر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٧) [البقرة: ٢٧٧] قد تكرر هذا في القرآن كثيرا، ويحتج به من يرى الإيمان مجرد التصديق، وأن الأعمال ليست ركنا للإيمان بل أثرا من آثاره خلافا للجمهور من المحدثين وغيرهم.
حجة الأول: أنه عطف العمل الصالح على الإيمان والعطف يقتضي التغاير، فالإيمان غير الأعمال، وأجاب الآخرون بأن هذا من باب عطف الخاص على العام كالصلاة الوسطى على الصلوات، وجبريل وميكائيل على الملائكة، ولا ينافي ذلك كون الخاص من العام، وهذا ضعيف؛ لأنا لو اقتصرنا على الملائكة فهمنا جبريل وميكائيل وهاهنا لو اقتصرنا على الإيمان لم نفهم العمل الصالح إلا على دعوى الخصم ويعود النزاع.
﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٨١) [البقرة: ٢٨١] أي كل نفس مكلفة، أو كل نفس منكم ليخرج من العموم من ليس بمكلف، كالصبيان والمجانين والبهائم ونحوهم، فالعموم مخصوص بهم.
﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٢٨٢] عام مطرد.
﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] عام خص منه ما إذا أبى لمرض أو خوف أو كونه مكرها على تحملها بالباطل، أو كان عبدا تحملها بلا إذن سيده، ومنعه من السعي للأداء.
وذهب بعض الأئمة إلى عدم أهلية العبد للشهادة/ [٣٤ أ/م] بهذه الآية، لأنه مأمور بالسعي للأداء، وذلك يبطل حق السيد من خدمته ومقتضى هذا أنه عن تحملها بإذن السيد جاز أن يسعى للأداء، ودخل في عموم ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ.﴾
﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أمر إرشاد، وذهب بعض الظاهرية إلى أنه أمر وجوب قطعا للتنازع وصيغة «افعل» ترد بمعان: منها الإرشاد والإباحة والتكوين
стр. 113
والتعجيز، والوجوب والتسوية والتهديد والإهانة، وغير ذلك، وهذه من مسائل الأوامر من أصول الفقه.
﴿* وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٣) [البقرة: ٢٨٣] احتج به الظاهرية على أن الرهن لا يجوز في الحضر، بمفهوم قوله- : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والجمهور على خلافه، وحملوا هذا المفهوم على أنه خرج مخرج الغالب، إذ الغالب في السفر عدم الكاتب، والمفهوم إذا خرج الغالب لا يحتج به، ومنه ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣) [النساء: ٢٣].
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ (٣٥) [النساء: ٣٥] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ (٣١) [الإسراء:
٣١]، وهذه من مسائل دليل الخطاب
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨٥) [البقرة: ٢٨٥] هذه غالب/ [٧١/ل] أركان الإيمان، وقد سبق الكلام عليها عند ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧].
﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] تعريض باليهود والنصارى حين كفروا بمحمد ﷺ وكفرت اليهود بالمسيح، والكل رسل الله-صلواته عليهم أجمعين- كما سيأتي تقريره إن شاء الله- .
стр. 114
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٢٨٦) [البقرة: ٢٨٦] احتج به المعتزلة على امتناع تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لا يدخل تحت الوسع وما لا يدخل تحت الوسع لا يكلف به، فما لا يطاق لا يكلف به، والأولى قاطعة والثانية سمعية بهذه الآية.
ولأن التكليف شرطه الإمكان ليتبين المطيع من العاصي، فما ليس بممكن لا يكلف به، وإلا كان جورا.
﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] هذا رفع للتكليف الناسي والمخطئ، كقوله-﵊ «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولأن التكليف شرطه الفهم وإلا لكلف الجماد والحيوان الأعجم، وهو باطل، ثم الناسي والساهي لا يفهم فلا يكلف، وأما المخطئ فلم ينتهك حرمة، ولا قصد له حتى ينتظمه دليل التكليف، فإن ترتب حكم التكليف على أحد منهم كالصائم يفطر وتلزمه الكفارة بالنسيان، والمخطئ في القتل تلزمه الدية، ونحو ذلك-فهو من باب ربط الأحكام بالأسباب أو مخصوص من عموم القاعدة بدليل: ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً﴾ [البقرة: ٢٨٦] احتج به من أجاز تكليف ما لا يطاق وإلا لم يكن/ [٣٤ ب/م] لهذا السؤال فائدة، واعلم أن بعض الأصوليين يترجم هذه المسألة بتكليف ما لا يطاق، وبعضهم بتكليف المحال، وما لا يطاق يطلق تارة على ما يشق فعله وإن أمكن لذاته، وتارة على ما لا يمكن وقوعه، والمحال إما لذاته كالجمع بين الضدين، وإما لغيره كإيمان من تعلق علم الله- -بأنه لا يؤمن.
وقد قال قوم بجواز التكليف بالقسمين، وقوم بامتناعه فيهما، وآخرون بجوازه في المحال لغيره، دون ذاته، والأشبه الأول. وإذا اشترك القسمان في استحالة الوقوع، فلا أثر للفرق بالإمكان الذاتي وعدمه.
ومأخذ الخلاف في هذه المسألة أن المقصود من التكليف الامتثال وامتحان الطائع من العاصي عند المعتزلة، فلذلك اشترطوا كون الفعل المكلف به ممكنا، وعند الجماعة ليس المقصود منه ذلك بل المقصود جعل وجود الفعل أو عدمه علما أو أمارة/ [٧٢/ل] على
стр. 115
الثواب أو العقاب، وعلى السعادة أو الشقاء، وذلك حاصل من التكليف بالممكن وغيره، أما وقوع التكليف بما لا يطاق، فقد اختلف فيه أيضا، والأشبه أنه وقع في مسألة خلق الأفعال على رأي الجبرية والكسبية؛ إذ الإنسان مكلف بكسب ما خلقه الله- وهو تحصيل الحاصل، وفي مسألة تكليف الكافر بالإيمان مع العلم بأنه سيموت كافرا، وإذا تعلق علم الله- -بوجود شيء أو عدمه [فهل يبقى خلاف معلوم الله- -مقدورا أم لا؟ فيه قولان.
والحق أنه مقدور لذاته لا لغيره].
واعلم أن مواد الأفعال ثلاث: واجب، وممتنع وممكن خاص، فالممكن يجوز التكليف به إجماعا، والواجب والممتنع يخرج التكليف بهما على تكليف المحال، والله- أعلم بالصواب.
...
стр. 116
القول في سورة آل عمران
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣) [آل عمران: ٣] عام مطرد كما سبق في ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩١) [البقرة: ٩١].
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (٤) [آل عمران: ٣، ٤] عام بحسب القوة كما سبق في ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٨٥) [البقرة: ١٨٥].
﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] أي بشرط الموافاة على الكفر فهو مخصوص بمن ختم له منهم بالإيمان.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٥) [آل عمران: ٥] عام مطرد نحو ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٩) [آل عمران: ٢٩].
﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ﴾ [آل عمران: ٦] عام أريد به الخاص وهي الأرحام القابلة للحمل، أو مخصوص بالأرحام العواقر.
﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] عام مطرد في جميع الكيفيات التي يتعلق بها [مشيئة الله] -من طويل وقصير، وأسود، وأبيض، وغير ذلك ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما﴾
стр. 117
شاءَ رَكَّبَكَ (٨) [الانفطار: ٨].
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٧) [٣٥ أ/م]) [آل عمران: ٧] اختلف الناس في المحكم والمتشابه على نحو اثني عشر قولا، أجودها أن المحكم هو المتضح المعنى.
والمتشابه: هو ما أشكل معناه؛ لاشتراك أو إيهام تشبيه ونحوه، ويجب رده إلى المحكم؛ لأن الله- -سمى المحكمات أم الكتاب، أي أصله، والأشياء يجب ردها [عند الإشكال] إلى أصولها، فيجب رد المتشابهات في الذات والصفات إلى محكم ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١]. ورد المتشابهات في الأفعال إلى محكم ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤٩) [الأنعام: ١٤٩] الآيتين على ما سنوضحه في موضعهما إن شاء الله .
وهذه الآية نفسها من المتشابه؛ حيث تردد الوقف فيها بين أن يكون على ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ وبين أن يكون على ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٧) [آل عمران: ٧] وترددت الواو في/ [٧٣/ل] ﴿وَالرّاسِخُونَ﴾ بين الاستئناف والعطف، والأشبه أنها للاستئناف، وأن الوقف على ﴿إِلاَّ اللهُ، ﴾ وأن الله- -تعبد عباده من كتابه بما لا يعلمون، وهو المتشابه كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون، وهو التعبدات؛ ولأن العبادات فرع القرآن إذ به ثبتت، والقرآن فرع الذات، إذ هو صفتها وعنها صدر، وكما أن من الذات ما يعقل وهو وجودها، وما لا يعقل وهو ماهيتها التي هي بها هي [فكذا يجوز] أن يكون في فرعها وفرع فرعها ما يفهم وما لا يفهم، ولأن قوله- -تردد بين كونه حالا
стр. 118
فضلة، وخبرا عمدة، وهذا الثاني أولى، وهو يقوي ما ذكرنا، والبحث هنا طويل، وهذا منه كاف إن شاء الله- .
﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] عام مطرد في المتشابه وغيره، وهو تسليم يقتضي ما قررناه [في التي قبلها].
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٨) [آل عمران: ٨] يقتضي أن إزاغة القلوب وهدايتها من فعله- ومنسوب إليه، خلافا للمعتزلة، وحملوا الآية على منع [الألطاف]، وقد عرف ما فيه.
﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٩)
[آل عمران: ٩] عام مطرد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ (١٠) [آل عمران: ١٠] عام مطردا].
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١١) [آل عمران: ١١] عام أريد به الخاص، وهو الآيات الظاهرة على يد موسى، ويحتمل أنه عام مطرد، لأن آيات الأنبياء متفقة الدلالة على التوحيد والإيمان فتكذيب بعضها كتكذيب جميعها فلما كذبوا بآيات موسى، صاروا كأنهم كذبوا آيات جميع الأنبياء بل وآيات الله- -جميعها لو ظهرت إلى الوجود، وشبيه بهذا قوله- : ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥٩) [هود: ٥٩].
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١١) [آل عمران: ١١] الذنوب سبب الأخذ عند الجمهور، وعلة له عند المعتزلة/ [٣٥/ب/م] وقد سبق أصل هذا وتقريره.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٢) [آل عمران: ١٢] هو إما لمعهودين أو عام أريد به الخاص، وهو من علم أن سيموت كافرا إذ قد أسلم بعد نزول هذه الآية كفار كثيرون فصاروا غالبين، ووجب لهم الجنة.
стр. 119
﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣] إن قيل: ما وجه هذا؟ وكيف يتصور؟ قلنا: يتجه ذلك بأن يخلق في المرئي كثرة/ [٧٤/ل] إما حقيقة أو غيرها حتى يرى مثلي ما هو عليه في نفس الأمر، كما يغمز الإنسان إحدى عينيه؛ فيرى الشيء الواحد اثنين، وإلى هذا أشير برأي العين، أي لا في نفس الأمر، ويجوز أن يكون بأن يخلق في شعاع العين اضطرابا [أو تفريقا] بحيث يصير للخط الواحد منه خطين؛ فيتصل بموضعين من الشخص الواحد، فيظن اثنين، ويجوز أن يكون بأن أمر جماعة من الملائكة على هيئتهم، دخلوا بينهم فحصلت فيهم كثرة حقيقة، فصاروا مثلي ما كانوا، ولولا أن قوله- :
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١٤) [آل عمران: ١٤] يأبى هذا الوجه أو ينبو عنه لكان أقوى الوجوه.
﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ربما استدل بهذا على إثبات أن القياس حجة، كما استدل بقوله- : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢) [الحشر: ٢] وسيأتي إن شاء الله- -القول فيه.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤]، الفاعل هاهنا محذوف؛ فيحتمل أن الذي زين هو الله- -نحو: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٧ - ١٠٨].
﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ﴾
стр. 120
الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧) [الحجرات: ٧] ويحتمل أنه للشيطان؛ نحو: ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) [الأنعام: ٤٣] ويحتمل أنه النفوس تزين لأهلها حب هذه الأشياء نحو: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٣٠) [المائدة: ٣٠] والأشبه الأول؛ لأنه- -هو خلق الشهوات بهية الزينة فكان هو المزين لها، وهذه من جنس مسائل القدر.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] أشار إلى حصر متاع الدنيا في الأشياء الستة المذكورة، لأنها معظم الشهوات كقوله ﷺ «الحج عرفة» (١) وإلا فرب شهوة زينت لبعض الناس ليست من هذه الأشياء كالسياحة في الأرض والفرجة فيها حتى يؤثرها بعض الناس على الأشياء المذكورة.
﴿الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ (١٧) [آل عمران: ١٧] عام، ثم يحتمل أنه مطرد بحيث لا يدخل تحت هذا المدح إلا من استغفر في جميع أسحار عمره، ويحتمل أنه عام أريد به الخاص، وهو غالب أسحار العمر، مع أن الأسحار جمع قلة، وأكثره عشرة، فمن استغفر في عشرة أسحار من عمره، دخل تحت هذا الوعد، لكن هذا يقدح في كون الأسحار لفظا عاما فيما أرى.
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١٨) [آل عمران: ١٨] تضمنت ثلاثة شهود/ [٣٦ أ/م] وهم:
الله- ، والملائكة، وأولوا العلم. على أمرين مشهود عليهما وهما: التوحيد في أولها، وصحة دين الإسلام، بل انحصار الدين الحق فيه في آخرها. [٧٥/ل].
стр. 121
أما الملائكة، فعام مطرد، وأما أولو العلم فعام أريد به الخاص، وهم علماء الأصول؛ لأنهم هم الذين يعرفون التوحيد ويثبتونه بالبرهان، وكذلك هم الذين يعرفون حقيقة دين الإسلام من بين الأديان بالدليل وغيرهم إنما يعرفون ذلك تقليدا لهم، ولأن الشهادة إنما تعتبر وتصح ممن تحقق المشهود عليه، والمحقق لهذين المطلوبين أعني التوحيد وحقيقة الإسلام هم علماء أصول الدين؛ فكانوا هم المراد بأولي العلم هاهنا، وهذه منقبة شريفة لهؤلاء القوم وعلمهم، فليعلم ذلك إن شاء الله .
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠) [آل عمران: ٢٠] ليس في هذا حجة لمن قال بالتقليد حيث قابل المحاجة بالتسليم؛ لأن إنما أمر بذلك وفعله حيث علم أنه على حق من أمره وإياس من إجابة خصمه، وأن محاجته عناد محض ومدافعة عن الحق صرف، وكيف يؤمر بالتقليد وينهى عن المناظرة في الحق من كتابه المنزل عليه مشحون بالحجج والبراهين والأدلة النظرية.
ومن قيل له في كتابه: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥) [النحل: ١٢٥] نعم يستدل بالآية على أن من علم الحق في جانبه وأنس المعاندة من خصمه، وأنس منه أن يترك مناظرته ويعرض عنه ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ (٦٣) [النساء: ٦٣].
﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠) [آل عمران: ٢٠] هذه قسمة حاضرة، مساوية لقوله : ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٧) [الأنبياء: ١٠٧].
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (١) [الفرقان: ١] ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) [سبأ: ٢٨].
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ﴾
стр. 122
وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨] ونحوه، وقوله ﷺ : «بعثت إلى الأحمر والأسود» (١)، وذلك أنه ليس في العالم إلا أمي، وهو من لم يؤت كتابا ولا كتابة كالعرب، أو غير أمي، وهو من أوتي الكتاب أو الكتابة كاليهود والنصارى والمجوس والهند واليونان والروم والفرس وغيرهم، فعموم الدعوة يستفاد [من هاهنا كما يستفاد] من المواضع الصريحة فيه، وهذه من مسائل النبوات.
﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (٤) [آل عمران: ٤]، تضمنت جملا عامة لا يقف الوعيد فيها على عمومها، بل الفرد منها يكفي في تحقيق ذلك؛ فالكفر بآية واحدة من آيات الله- يوجب العذاب الأليم، وكذلك قتل نبي واحد وقتل آمر واحد بالقسط، وإنما/ [٧٦/ل] ذكر هذه الجمل بلفظ العموم حكاية الحال هؤلاء الكفار حيث كفروا بآيات كثيرة، وقتلوا نبيين، وآمرين بالقسط كثيرا، وتشنيعا عليهم بكثرة جرائمهم. / [٣٦ ب/م].
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٢) [آل عمران: ٢٢] عام مطرد.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤) [آل عمران: ٢٤] زعمت اليهود أن النار كالبحر، يخوضونها أربعين يوما قاطعين لها؛ ثم يتخلصون منها إلى الجنة، ويبقى المسلمون في النار والنصارى أبدا، وهو من ترهات اليهود، وأمانيهم، فلذلك قيل لهم: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٠) [البقرة: ٨٠].
وهذا القسم الثاني هو الحق قالوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وهذه من مسائل اليوم الآخر.
﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا﴾
стр. 123
﴿يُظْلَمُونَ﴾ (٢٥) [آل عمران: ٢٥] عام مطرد، وكذا الجملة بعدها ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٦) [آل عمران: ٢٦].
أي: والشر كما قال الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥) [الأنبياء: ٣٥].
﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٦٨) [الأعراف: ١٦٨].
وإنما اقتصر على ذكر الخير إما اكتفاء بأحد الضدين عن الآخر اختصارا نحو: ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣) [الأنعام: ١٣].
أي: وتحرك، و ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٨١) [النحل: ٨١].
أي: والبرد؛ أو تعليما لخلقه الأدب نحو: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٨٠) [الشعراء: ٨٠].
﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ (١٠) [الجن: ١٠] بحيث لا يضيفون إليه إلا الحسن الجميل وغيره، يعدلون به عنه إلى أنفسهم، نحو:
﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٨٠) [الشعراء: ٨٠].
ولم يقل: أمرضني، أو لا يسمون فاعله نحو ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٠) [الجن: ١٠] ولم يقل: أراد بهم ربهم؛ فأما قوله ﷺ في بعض دعائه:
«والشر ليس إليك» (١) فاحتج به المعتزلة على مذهبهم في أنه لا يخلق المعاصي الشرية ولا الشرور العصيانية، وتأوله الجمهور على معنى أن طلب الشر ليس إليك أن الله
стр. 124
لا يأمر بالفحشاء، أو على أن الشر لا يتقرب به إليك، أو أنه لا يصعد إليك لمفهوم ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠) [فاطر: ١٠] وهو تأويل قريب جيد.
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨) [آل عمران: ٢٨]، احتج بها الشيعة على جواز التقية خلافا للجمهور.
واعلم أن مسألة التقية مشهورة ينبغي فصل الخطاب فيها، فنقول: احتج الجمهور على بطلانها وتحريم استعمالها بأن قالوا: التقية نفاق، والنفاق حرام، فالتقية حرام، أما أن التقية نفاق فلاتفاقهما في الحد/ [٧٧/ل] والحقيقة إذ كل واحد منهما إبطان أمر وإظهار خلافه خشية الضرر، وأما أن النفاق حرام، فلورود الشرع بذم المنافقين عليه، وتوعدهم بالدرك الأسفل من النار، ولولا تحريمه لما كان كذلك، فثبت أن التقية حرام؛ ولأنها لو جازت لجاز إظهار الكفر من الأنبياء تقية، وأنه باطل.
احتج الشيعة على جواز التقية بالكتاب والسّنّة، وفتاوى الأئمة والنظر، أما الكتاب فمنه آيات: الأولى: هذه الآية ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨) / [٣٧ أ/] [آل عمران: ٢٨] وقرئت «تقية» بنفس اللفظ المتنازع فيه.
ووجه دلالتها: أن الله- -حرم موالاة الكفار تحريما مغلظا حتى حكم بأن من يتولهم فإنه منهم، ثم إنه أباح موالاتهم على سبيل التقية، فدل على تأكد جوازها حيث أباحها فيما هو مكفر بدونها.
الآية الثانية قوله- : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٦) [النحل: ١٠٦] فأباح إظهار الكفر تقية مع إبطان الإيمان.
стр. 125
الآية الثالثة: قوله- : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٩٧) [النساء: ٩٧]، احتج بها البخاري في باب الإكراه، ووجه الحجة منها: أن الملائكة عذروا هؤلاء في قولهم: ﴿قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وإنما لاموهم بتركهم الهجرة في الأرض مع القدرة عليها؛ فدل على أن المستضعف يكون معذورا فيما أظهره على خلاف ما يعتقده، وهو المراد بالتقية.
الآية الرابعة: قول لوط: ﴿قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٧١) [الحجر: ٧١] مع قوله: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٧٨) [هود: ٧٨] وقوله:
﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٨٠) [هود: ٨٠] هو ظاهر إن لم يكن قاطعا في أنه إنما بذل لهم نكاح بناته تقية لعجزه عن مدافعتهم. وأما السّنّة فأحاديث:
أحدها: حديث حاطب بن أبي بلتعة، حيث كاتب الكفار ليحفظوه في صاغيته بمكة، مع كونه محاربا لهم، مسرا لعداوتهم، وقد صدقه النبي ﷺ في ذلك (١).
الثاني: حديث عائشة: أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: «بئس أخو العشيرة»، أو «بئس ابن العشيرة»، فلما سئل عن ذلك، قال: «إن شر الناس من أكرمه الناس اتقاء فحشه» (٢).
وهذا صريح في التقية، أو كالصريح.
الثالث: قوله ﷺ لعمار حين كان يعذب على أن يكفر: «يا عمار، إن عادوا فعد».
الرابع: حديث الزهري عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة «أن فاطمة جاءت
стр. 126
تطلب إرثها من رسول الله ﷺ . . .» وساق الحديث إلى أن قالت: «وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه الناس عن عليّ، فلما رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه ضرع لمصالحة أبي بكر؛ فقال له: موعدك البيعة العشية. . .» (١) الحديث متفق عليه.
وهذا نص من عائشة على/ [٧٨/ل] أن عليا بايع أبا بكر تقية.
الخامس: أن النبي ﷺ يوم الحديبية محا بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب باسمك اللهم، ومحا «محمد رسول الله»، وكتب اسمه واسم أبيه، وأعطاهم يومئذ أمورا في الظاهر، وهو محارب عليها في الباطن، وذلك عين التقية إذ خاف استئصال المسلمين ذلك اليوم.
السادس: قول الحسن البصري: التقية إلى يوم القيامة. ذكره البخاري في باب الإكراه، يعني أنها باقية أو جائزة/ [٣٧ ب/م] إلى يوم القيامة.
ونقلوا عن جعفر الصادق أنه قال: التقية ديني ودين آبائي.
وأما فتاوى الأئمة، فهؤلاء الأربعة الذين هم أئمة الجمهور سوى أبي حنيفة، يفتون بأن طلاق المكره لا يقع، وكذلك يمينه، وضرب مالك سبعين سوطا على أن يفتي بأن بيعة المكره تنعقد فلم يفعل.
وقالوا: من أكره على شرب الخمر أو الزنا وغيره، فلا إثم ولا حد، وإنما وجب القصاص على من أكره على القتل فقتل عند بعضهم، لأنه بافتدائه نفسه بنفس المقتول خرج عن حد الإكراه إلى حد الاختيار.
على أن بعض أهل العراق قال: لا قصاص عليهما، أعني المكره والمكره، وأما إيقاع أبي حنيفة طلاق المكره؛ فلأنه جعله من باب ربط الحكم بالسبب.
وبالجملة فالمكره عند أكثر الأصوليين غير مكلف لصيرورة الفعل واجبا منه بالإكراه.
وإذا ثبت هذا في الإكراه، فهو من مادة التقية، ولهذا استطرد البخاري دلائل التقية في باب الإكراه، ولأن حاصل حال المكره أنه فعل ما لولا الإكراه لم يفعله خشية الضرر، وهو عين التقية.
وأما النظر فمن وجهين أحدهما: أن التقية ضرب من الرخصة لاستواء أحدهما، إذ الرخصة هي استباحة المحظور مع قيام المانع، وكذلك التقية من غير فرق، إذ المتقي يستبيح
стр. 127
مثلا إظهار الكفر، حفظا لنفسه [مع قيام] المانع من الكفر كما يستبيح [المترض] (١) مع قيام المانع منه.
الوجه الثاني: أن في التقية جمعا بين مصلحتين: دفع الضرر مع استبقاء المعتقد، وهو أولى من تضييع إحداهما.
هذا أقصى ما علمناه للشيعة من دليل التقية، ثم أجابوا عن حجة الجمهور بأن قالوا:
قولكم: التقية نفاق، قلنا: لا نسلم، بل هي رخصة كما سبق بيانه، ولو سلمنا أنها نفاق، لكن قولكم: النفاق حرام قضية مهملة، فإن أخذتموها على إهمالها كانت جزئية، وقياسكم المذكور شرط إنتاجه كلية كبراه فلا تنتج إذن، وإن أخذتموها كلية هكذا: التقية نفاق، وكل نفاق حرام، منعنا كليتها، ومستند المنع أن النفاق له مسميان: / [٧٩/ل] لغوي، وهو: إبطان أمر ما، وإظهار خلافه خشية الضرر، وشرعي وهو: إبطان الكفر أو البدعة، وإظهار الإيمان أو السّنّة خشية الضرر. والأول أعم من الثاني، والذي نسلم تحريمه إنما هو الثاني، هو النفاق بحسب مسماه الشرعي، أما اللغوي فلا نسلم تحريمه، فتعود كبرى قياسكم جزئية فلا تنتج.
والتقية التي ندعي جوازها إن سلمنا كونها نفاقا، فإنما هي نفاق لغوي لا شرعي؛ إذ دعوى كونها نفاقا شرعيا مسألة أخرى تخرجنا عن الكلام في مسألة التقية بالكلية، إذ يبقى النزاع في أن ما أخفاه المتقي هو بدعة أولا، وذلك بلا/ [٣٨/أ/م] شك مسألة أخرى.
وأما قولكم: لو جازت التقية لجاز إظهار الكفر من الأنبياء تقية، وهو باطل.
قلنا: لا نسلم بطلان الجواز أعني جواز إظهار الكفر منهم تقية، وإنما الباطل هو وقوع الكفر منهم، وهو غير لازم؛ لأن الله- -يعصمهم منه مع جوازه عليهم كسائر المعاصي التي عصموا منها، ولولا جواز ذلك عليهم لم تظهر فائدة عصمتهم منه.
قالت الشيعة: فقد تبين بطلان شبهتكم في إبطال التقية، ووضح برهاننا على صحتها وجوازها، وأنها من دين الله- -ورسله، وأولى العلم.
وإنما نازعتمونا في أصل التقية؛ لأجل فرع من فروعها، وجزء من جزئياتها، وهو أن بيعة علي لأبي بكر كانت تقية، فطردتم المنع [في الأصل] الكلي لأجل المعنى الجزئي، كما منعت اليهود أصل النسخ، لئلا تلزمهم نبوة محمد ﷺ والمسيح-﵇-ونحن
стр. 128
نقيلكم من ذلك، ولا نبني بيعته على [تقية علي] جواز التقية بل نحن نثبتها عليكم بحديث الزهري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وقد سبق ذكره، فإنه نص في أنه إنما بايع ضارعا أي: مقهورا مغلوبا لانصراف وجوه الناس عنه عند موت فاطمة.
وحينئذ لا يبقى لمنعكم جواز التقية من حيث هي تقية معنى، مع وضوح برهانها، والله -أعلم [بالصواب].
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٣٠) [آل عمران: ٣٠] اختلف فيه، فذهب قوم إلى إثبات النفس لله- -على ما يليق به، وجعلوه من آيات الصفات، وتأوله آخرون على الذات، أي: يحذركم الله ذاته، وكذا القول في:
﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١١٦) [المائدة: ١١٦].
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٣٠) [آل عمران: ٣٠]، عام مطرد في الخير والشر، يلقى كل أحد ما عمل منهما ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣١) [آل عمران: ٣١] يحتج به على وجوب متابعة النبي ﷺ قولا وفعلا، وأنهما منه للوجوب، لأنه جعل متابعته لازما لمحبة الله- -لأنا/ [٨٠/ل] نفرضها مقدمة استثنائية هكذا: لو أحب زيد الله لاتبع رسوله، فقد وقع اتباع الرسول ﷺ فيها تاليا، وهو اللازم ومحبة الله- [لازمة] واجبة، ولازم الواجب واجب، فاتباع النبي ﷺ واجب، ثم اتباعه تارة يكون بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتارة بموافقته في فعل مثل فعله، وترك مثل ما ترك لأجل أنه فعل وترك، وذلك يقتضي أن أمره وفعله يقتضيان الوجوب، وفيهما خلاف وتفصيل.
стр. 129
أمره، فأمره واجب الامتثال، لكن في هذا دور، إذ هو بناء لكن الأمر للوجوب على نفسه إذ صار تقديره امتثال أمره واجب، لأن الأمر للوجوب، فإن الله لا يحب الكافرين، دليل خطابه أنه يحب المؤمنين، ويؤكد هذا قوله- ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٨) [آل عمران: ٦٨] ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥٧) [البقرة: ٢٥٧] ولا يتولى إلا من يحبه، وحينئذ يستفاد من الآية أن عاقبة المؤمنين الرحمة والسلامة من الخلود في النار، لأن كل مؤمن محبوب لله- مرحوم، سواء سلم من العذاب بالكلية أو عذب مدة ثم يرحم.
﴿* إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣]، يحتج به من يقول: إن آدم-﵇-كان رسولا أخذا من لفظ (اصطفى) واقترانه بجماعة من المرسلين وليس بنص فيه، وفي المسألة خلاف، وهي من مسائل النبوات.
﴿*إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣]، أي على عالمي زمانهم، أو على من عدا محمد ﷺ .
﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣٦) [آل عمران: ٣٦] عام في ذرية مريم، وهم المسيح [وأخوته من يوسف النجار] فيما قيل. وقد صح في البخاري أن عمار بن ياسر كان محفوظا من الشيطان على لسان محمد ﷺ (١) فلعله كان ينزع إلى هذه الذرية من جهة بعض أمهاته، أو بسبب ما كالرضاع ونحوه.
﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً﴾ [آل عمران: ٣٧] يحتج بها الجمهور على ثبوت كرامات الأولياء، خلافا للمعتزلة في إنكارها، وإنما يصح الاستدلال المذكور على القول بأن مريم لم تكن نبية، أما إن قيل: إنها كانت نبية فلا حجة
стр. 130
فيه، إذ يكون ذلك من قبيل المعجزات لا الكرامات، وقد اختلف في مريم وأم موسى وسارة زوجة إبراهيم/ [٨١/ل] وآسية امرأة فرعون، هل كن نبيات أم لا؟ على قولين للعلماء، أصحهما: لا، واختلف من الرجال في طالوت والإسكندر والخضر ولقمان هل كانوا أنبياء أم لا؟ على قولين؛ أصحهما: لا، قال ذلك ابن حزم في كتاب الإجماع له.
﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (٤٠) [آل عمران: ٤٠] هذا من خوارق العادات، أعني ولادة العاقر فهو معجزة لزكريا ﵇.
﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ (٤١) [آل عمران: ٤١] فيه مسائل:
الأولى: جواز جعل العلة الشرعية أمرا سلبيا عدميا نحو؛ ليس بمكيل فلا يجرى فيه الربا ونحوه، لأن الله- -جعل له الأمارة على ولادة امرأة زكريا عدم كلامه ثلاثة أيام، وإذا جاز ذلك في معجز نبوي فهو في حكم فرعي أجوز.
الثانية أن [٣٩ أ/م] قوله- : ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ استثناء متصل أو منقطع؟ فيه خلاف، واحتمال الثالثة: لو حلف لا يكلم زيدا، فرمز إليه أو غمزه بما يفهم به عنه، انبنى على الخلاف إن قلنا: الاستثناء المذكور متصل، فالرمز كلام يحنث به وإلا فلا.
﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ (٤٢) [آل عمران: ٤٢] يحتج به من يرى نبوتها كما مر نحو: ﴿*إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣] ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) [الأعراف: ١٤٤] وليس بنص في ذلك كما سبق.
﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ (٤٢) [آل عمران: ٤٢] [إن قلنا: إن مريم] وصواحباتها نبيات فهن أفضل من فاطمة وخديجة وعائشة، وإن قلنا: لسن بنبيات احتمل أنهن أيضا أفضل للخلاف في بنوتهن، واحتمل التسوية بين الجميع تخصيصا لهن [بأدلتهن الخاصة] من بين النساء،
стр. 131
واحتمل تفضيل فاطمة على الجميع لقوله ﷺ : «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» (١) «فاطمة بضعة مني» وبضعة النبي ﷺ لا يعدل بها شيء، وهو أظهر الاحتمالات إن شاء الله .
﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣) [آل عمران: ٤٣] يحتج به من يرى أن الواو لا تقتضي الترتيب لتقديمه السجود على الركوع.
وأجيب بأن في شرعهم كان ترتيب الصلاة هكذا، فقد أفادت الترتيب في ذلك الشرع، والأظهر أنها للجمع المطلق، لا للترتيب، فإذا قلنا: قام زيد وعمرو، احتمل قيامها معا، ومتعاقبين، ومع التراخي، وكون زيد قام قبل عمرو وبالعكس.
وسنذكر المسألة غير هاهنا إن شاء الله .
﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٤) ([٨٢/ل]) [آل عمران: ٤٤] هي حجة على صحة نبوة النبي ﷺ وتقريرها: أن محمدا ﷺ قد أخبر بغيب لم يحضره، ولم يخبره به مخبر سوى الله- ، وكل من أخبر بغيب كذلك فهو نبي صادق؛ فمحمد ﷺ نبي صادق، أما الأولى فلأنه أخبرهم بما كان من أمر زكريا-﵇ ومريم، ولم يحضره قطعا، ولم يخبره سوى الله ؛ إذ لم يكن كاتبا، ولا مؤرخا، ولا خالط أحدا ممن هو كذلك حتى يخبره.
وأما الثانية: فلأن من كان كذلك يعلم قطعا أنه علم ذلك الغيب بوحي، وكل من أوحي [إليه] الوحي الحقيقي فهو نبي، ويستفاد من هذا أن واصف اللقطة إذا أصاب صفتها يجب دفعها إليه؛ لأنه إذا وصفها والتقدير أنه لم يحضر عند التقاطها ولا أخبره بها الملتقط ولا غيره دل على أنه صاحبها لانحصار القسمة في ذلك.
قوله- -في صفة عيسى: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٥) [آل عمران: ٤٥] اعلم أنا قد نهينا عن التفضيل بين الأنبياء، لكن/ [٣٩ ب/م] قد بلغنا عن بعض الناس أنه يفضل موسى على عيسى، فخالف النص وأخطأ الصواب، وغرضنا الرد
стр. 132
عليه لا غير، وبيانه أن الله- -لما أثنى على موسى-﵇-قال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ (٦٩) [الأحزاب: ٦٩] وقال في عيسى-﵇ ﴿إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وهذا الثناء أبلغ، فالمثنى عليه به أفضل، ولأن موسى ذو آية، وعيسى في نفسه آية، وموسى كليم، وعيسى روح [وقد علم أن ذلك إنما هو] بمجرد الإضافة، ولأن موسى حين يستشفع الناس به في الموقف يذكر ذنبا يمتنع به من الشفاعة، وعيسى لا يذكر ذنبا، ولأن محمدا ﷺ أفضل الأنبياء، وعيسى أقرب إليه، والأقرب من الأفضل أفضل، وقد يعارض هذا كله بأن مكان موسى من السماء أرفع من مكان عيسى كما صح في حديث المعراج (١) وليس بقاطع في كونه أفضل؛ لاحتمال أن ذلك لكون عيسى على عزم النزول إلى الأرض كما يكون الجالس في التشهد الأول غير متورك بل كأنه على الرضف مستوفزا لكونه على عزم النهوض، أو لغير ذلك من الأسرار؛ ولأن الإجماع على أن جبريل أفضل الملائكة مع أن فوقه في المكان خلقا كثيرا منهم، وبالجملة/ [٨٣/ل] فارتفاع المكان لا يدل على ارتفاع المكانة.
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٤٦) [آل عمران: ٤٦] هذه من آيات عيسى، والكلام على أصل أهل السّنّة مخلوق لله- -كسائر الأفعال؛ فجاز أن يخلقه على لسان الطفل وغيره، والذين تكلموا في المهد: عيسى وصاحب جريج وابن صاحبة الأخدود، وابن المرأة الذي رأى امرأة تضرب فقال: اللهم اجعلني مثلها، ورأى رجلا ذا يسارة فقال: اللهم لا تجعلني مثله. وشاهد يوسف ﵇ على خلاف فيه، (٢) وهذه من مسائل النبوات من المعجزات.
﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٧) [آل عمران: ٤٧].
إن قلنا: إن مريم نبية؛ فهذا معجز لها ولابنها، وإن قلنا: ليست بنبية فهو معجز لابنها
стр. 133
وكرامة لها، كما كان رد الشمس على القول بإثباته معجزا للنبي ﷺ وكرامة منه لعلي ﵁، وخلق بشر لا من أب بل ولا من أم أيضا ممكن لذاته، وإنما أطردت العادة بخلافه فصار غريبا خارقا.
وقد أحال الله- -به على القدرة فقال : ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٧) [آل عمران: ٤٧].
﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] هذا من معجزاته ﵇-جعل الله- -في روحه قوة تتعدى إلى الطين، فيصير طيرا وهو روح القدس على أحد الأقوال فيه، وهو كالنار توقد غيرها ولا تنقص/ [٤٠ أ/م].
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤٩) [آل عمران: ٤٩] هذه كلها من معجزاته والمعجز أمر ممكن خارق للعادة، مقرون بالتحدي خال عن المعارض، ومعجزات الأنبياء ﵈ كلها داخلة تحت هذا الحد.
﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٥٠) [آل عمران: ٥٠] يعني في شرع موسى-﵇-أحل لهم السبت، ولأجله حاولت اليهود قتله بناء على أن أحكام التوراة مؤبدة عندهم.
وقد بينا بطلان ذلك في مسألة النسخ، وتغيير المسيح له مع صحة نبوته ووضوح برهانه ومعجزته دليل على جواز النسخ وكذلك اليهود في دعوى التأييد أو تأويله على ما سبق بيانه وعند المسلمين في بقاء تحريم السبت عليهم قولان قوله : ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥٢) [آل عمران: ٥٢] قيل معناه مع الله، والصواب أنها على أصلها في انتهاء الغاية أي: من أنصاري لأصل إلى إقامة أمر الله، أو أنه ضمن أنصاري معنى أصحابي؛ لأن الناصر صاحب. والصحبة لا بد لها من مقصد وغاية، وهي هاهنا الوصول إلى الله- -وكذا القول في ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾
стр. 134
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) ([٨٤/ل]) [النساء: ٢].
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) [المائدة: ٦] فيهما خلاف.
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥٥) [آل عمران: ٥٥] اختلف فيه، فقيل:
مات ثلاث ساعات، وصلي عليه في السماء ثم عاش، وقيل: لم يمت إلى الآن، ولا يموت حتى يقتل الدجال ثم يموت بعد مدة، ويدفن في حجرة النبي ﷺ وذلك بسؤاله أن يكون له نصيب من جهاد أمة محمد ﷺ فأجيب ورزق أفضل جهادها: جهاد الدجال، ومعنى الآية على هذا: إني رافعك ومتوفيك بعد الرفع بناء على أن الواو لا تقتضي الترتيب.
﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (٥٥) [آل عمران: ٥٥].
احتج به النصارى على طريق الإلزام على أنهم أفضل الأمم، قالوا: لأنا نحن الذين اتبعوه، وقد حكم القرآن بأننا فوق الذين كفروا به، فكل من خالفنا في مقالنا في المسيح فنحن فوقه وأفضل منه بنص القرآن.
والجواب: لا نسلم أنكم اتبعتموه بل أنتم أول من خالفه وكفر به، إذ هو يقول: أنا عبد الله ورسوله، وأنتم تقولون: إنه إله، وقد ورد القرآن بأنه تبرأ منكم، واعتذر إلى الله -مما قلتم، وإنما الذين اتبعوه هم المسلمون الذين اعتدلوا فيه؛ فقالوا: عبد الله ورسوله، فقذفوه، وعلى زعمكم قتلوه، يدل [هذا على] أنه جعل العلامة أن يجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، والمسلمون هم بحمد الله الظاهرون على غيرهم إلى يوم القيامة إن شاء الله- .
стр. 135
(/ [٤٠ ب/م] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣٣) [التوبة: ٣٣].
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٥٦) [آل عمران: ٥٦]، الآيتين، عام مطرد بشرط الموافاة على الكفر والإيمان.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥٩) [آل عمران: ٥٩].
هذا جواب عن شبهة احتج بها النصارى على إلهية المسيح، وصورة الشبهة أن المسيح آية في نفسه؛ لوجوده على خلاف مطرد العادة من غير أب، ولك من كان كذلك فهو إله.
وتقرير الجواب: لا نسلم المقدمة الثانية إذ هي باطلة بآدم، قيل له: «كن» فكان، لا من أب ولا أم، ثم ليس هو إلها، ولو كان ما زعمتم يقتضي الإلهية، لكان آدم أحق بها؛ لأنه أغرب وأعجب وأقعد في خرق العادة، ثم إن بعض النصارى يفرق بين آدم وعيسى بأنه مولود خرج من الرحم/ [٨٥/ل] بخلاف آدم.
والجواب أن هذا الفرق لا أثر له بل هو مقرر لضعف دعواكم؛ لأن كونه مولودا يقرر له حكم البشرية والإنسانية، وذلك ينافي الإلهية.
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ (٦١)
[آل عمران: ٦١] فيها بحثان مع النصارى والشيعة، فإن نصارى نجران وفدوا على النبي ﷺ ليجادلوه في إلهية المسيح، ورئيسهم يومئذ العاقب والسيد وعبد المسيح، فقالوا:
يا محمد، هل تعلم بشرا يولد من غير أب، فإن لم يكن المسيح إلها فمن أبواه؟ فقال لهم النبي ﷺ : «هل تعلمون ولدا إلا من جنس أبيه؟ » قالوا: لا، قال: «فإن كان المسيح ابن الله كما زعمتم، وجب أن يكون أبوه مثله، وهو مثله» فأفحمهم، ثم إنهم عاندوا وطلبوا المحاجة بعد هذا الانقطاع، فأمر النبي ﷺ عليا والحسن والحسين وفاطمة خلفهم حتى جاء للموعد، فلما رآه النصارى ومن معه عرفوا الحق، وقال بعضهم لبعض: إنا لنرى وجوها إن دعوا علينا أضرم علينا الوادي نارا فاحترقنا؛ أو أسلموا معه ولا تباهلوه، فقالوا: أما
стр. 136
الإسلام فلا، وأما الجزية فنعم، ففعلوا ذلك وصالحوه على شيء كثير من سلاح وكراع ومال وغيره؛ ثم انصرفوا، ثم بعد مدة عاد السيد فأسلم في آخرين معه، أو كما قيل، هذا ما يتعلق بالآية مع النصارى.
وأما البحث فيها مع الشيعة، فإنهم احتجوا بهذه القصة على أن أهل البيت هؤلاء الأربعة أفضل الناس بعد النبي ﷺ من الصحابة والقرابة/ [٤١/أ/م] وعلى أن عليا أفضل من أبي بكر وفاطمة أفضل من عائشة، وقرروا هذه الدعاوى من حيث الجملة بوجوه:
أحدها: أنه ﵊-عول على هؤلاء الأربعة في أهم الأمور، وهو إثبات التوحيد على منكريه دون غيرهم، وكل من عول عليه في أهم الأمور دون غيره فهو أفضل.
الوجه الثاني: أنهم منصوص عليهم للمباهلة في القرآن من السماء، وكل من كان منصوصا عليه من السماء/ [٨٦/ل] فهو أفضل.
الوجه الثالث: أن الجهاد ضربان: روحاني وجسماني، والروحاني أفضل، ثم إن ﵊-جعل هؤلاء القوم جنده في أفضل الجهادين، وهو الروحاني؛ فكانوا أفضل من جنده في الجهاد الجسماني، ثم كان علي أفضل أهل البيت لاجتماع الجهادين له، أما الروحاني ففي هذا المقام، وأما الجسماني فكم له فيه من مقام.
الوجه الرابع: أن نساءه في هذا المقام المشهود كانت فاطمة، ونفسه كان هو عليا، فوجب أن يكونا أفضل من عائشة وأبي بكر.
الوجه الخامس: لو كان أبو بكر وعمر وعائشة وحفصة في طبقة أهل البيت في الفضيلة، لأخرجهم معهم للمباهلة، لأن أهل الفضل إنما يدخرون لأوقات الكروب، كما أن الشجعان إنما يدخرون للحروب.
وقصة المباهلة على معنى ما ذكرناه ثابتة في صحيح مسلم، وهي بيان للآية.
стр. 137
الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) [القصص: ٧١].
﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٢) [آل عمران: ٦٢].
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٥) [آل عمران: ٦٥] هذا أصل في استدلال أصحاب الحديث على كذب الكذابين فيه بالتاريخ بأن يروي أحدهم عمن مات قبل ولادته، أو يؤرخ سماعه منه بوقت قد مات قبله، مثل أن يقول: حدثني فلان سنة ست عشرة، ووفاة فلان سنة خمس عشرة وهو أصل في استخراج كذبهم، ومرجعه إلى هذه الآية؛ لأن اليهود والنصارى جادلوا في إبراهيم، وادعت كل طائفة أنه كان على دينها فقيل لهم: أديانكم وكتبكم، وهي التوراة والإنجيل، إنما ظهرت بعد إبراهيم بدهر طويل فكيف يكون عليها مع أنه كان قبلها، وهو نظير قول المحدث للراوي الكاذب، فلان مات قبل أن تولد، فكيف سمعت منه هذا محال.
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٦) [آل عمران: ٦٦].
هذا حجة/ [٤١/ب/م] على أن شرط صحة المناظرة أن تكون في علم يعلمه المناظران، أما أن يناظرا/ [٨٧/ل] في علم لا يعلمه أحدهما فلا، إذ مقصودها إحقاق الحق، وإبطال الباطل بالدليل.
ومن لا يعرف ذلك العلم لا يمكنه ذلك، وإنما هو كالأعمى يريد الكتابة وهذه تتعلق بأصول الفقه؛ لأن الجدل مذكور في أواخره في كثير من الكتب.
﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ (٦٨) [آل عمران: ٦٨] أي في عصره ﴿وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٨) [آل عمران: ٦٨] يعني محمدا وأمته لا اليهود والنصارى.
﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٦٩) [آل عمران: ٦٩] يحتج به القدرية في أن الإنسان يضل نفسه لا أن غيره يضله.
وأجاب الجمهور بأن الله- -يضله حقا، وهو يضل نفسه اختيارا وكسبا،
стр. 138
أو يضله بالسبب الأبعد، ويضل هو نفسه بالسبب الأقرب كما سبق في موضعه.
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٧٠) [آل عمران: ٧٠] أي بصحتها؛ وهو إنكار شديد عليهم في ذلك، وفيه دليل [عظيم على] قبح شهادة الزور، وأنه جدير بأن يكون إحدى الموبقات، لأن شاهد الزور يشهد بالشيء، وهو يعلم صحة بطلانه، وينفي الشيء وهو يعلم ثبوته، فأشبه اليهود في كفرهم بما علموا صحته، وقد نهى عن التشبه بهم نهيا مغلظا، وكذلك ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧١) [آل عمران: ٧١].
﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٧٢) [آل عمران: ٧٢] أوله ووقت إقباله، بدليل مقابلته باخره تشبيها له بوجه الحيوان، لأنه أول جسده، وهو مجاز محل الكلام فيه أصول الفقه.
﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧٣) [آل عمران: ٧٣].
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤) [آل عمران: ٧٤] هو حجة على أن مناط الفضل والرحمة والخير والبركة، إنما هو مشيئة الله- -لا استعداد المستعد، ولا سعي الساعي، ولا حزم الحازم، ولا عجز العاجز ونحوه، وإنما تلك الأسباب إذا تعلقت المشيئة بشيء قدرت أسبابه اختيارا، وإلا اضطرارا.
﴿* وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) [آل عمران: ٧٥] يستشهد بها على مفهوم الموافقة، وهو ما يكون المفهوم فيه أولى بالحكم من المنطوق؛ لأن من يؤدي قنطارا أولى بأداء الدينار، ومن يمنع دينارا أولى بمنع القنطار، وهو من باب:
﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ / [٨٨/ل] [الإسراء: ٢٣].
واعلم أن الحكم إما أن يستفاد من منظوم الكلام، وهو المنطوق، أو من مفهومه، وهو
стр. 139
إما أن يكون أولى بالحكم من المنطوق وهو مفهوم الموافقة، أو لا يكون أولى به وهو مفهوم المخالفة نحو: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١٥) [المطففين: ١٥] «وفي سائمة الغنم الزكاة» (١) / [٤٢ أ/م] وإلى هذه القسمة ترجع الألقاب الكثيرة نحو مفهوم الخطاب، ودليله وفحواه ولحنه وما كان من ذلك.
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩)
[آل عمران: ٧٩] دليل خطابه أنه يكلم ويزكي من ليس كذلك، ممن وفى بعهده ولم يشتر بعهد الله- -ويمينه ثمنا قليلا.
﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩) [آل عمران: ٧٩]، تدل على أن من علم الكتاب وعلمه ودرس كان ربانيا، وهو مشاهد، ودل صدر الآية وهو ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩) [آل عمران: ٧٩]. على أنه لا أحد من البشر ينبغي أن يكون إلها حقيقيا، وهي قضية سالبة دائمة إن لم تكن ضرورية، وهي تنعكس كنفسها هكذا: لا واحد من الالهة الحقيقية ينبغي أن يكون بشرا، وهو مبطل لمذهب النصارى في اعتقادهم إلهية المسيح، والكلام معهم طويل.
﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨٠)
[آل عمران: ٨٠] فيه رد على اليهود والنصارى، حيث تألهوا عزيرا والمسيح، وعلى الصابئة حيث عبدوا الملائكة والكواكب.
ومستند الرد أن هؤلاء كلهم حادثون، لما سبق في بيان حدوث العالم، [ولا شيء] من الحادث بإله، فلا شيء من هؤلاء بإله، وهو واضح.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ﴾
стр. 140
﴿رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨١) [آل عمران: ٨١] فيها مسألتان:
إحداهما: جواز التكليف بالمعدوم بشرط وجوده، لأن الله- -أخذ ميثاق النبيين-﵈-على نصرة محمد ﷺ والإيمان به في الزمن القديم وليس حينئذ موجودا، لكن بشرط وجوده في عصره.
الثانية: ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨١) [آل عمران: ٨١] فيه مستدل لمن اشترط في صحة الرواية إقرار الشيخ بأن يقال له: حدثكم فلان أو سمعتم، فيقول: سمعت. أو: نعم، وهو مذهب من شدد في الرواية، والصحيح أنه متى علم إقراره بالسماع ونحوه بنص منه أو قرينة جازت الرواية.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٨٥) / [٨٩/ل]) [آل عمران: ٨٥] عام مطرد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٩١) [آل عمران: ٩١] عام مطرد في عدم قبول الفدية منهم، ولحوق العذاب الأليم بهم، وعدم الناصر لهم.
﴿* كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٣) [آل عمران: ٩٣] عام خص بالاستثناء بعده.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢)
[آل عمران: ١٠٢] قيل: عام خص بقوله- ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٦) [التغابن: ١٦] وقيل: عام أريد به ذلك الخاص، وقيل: منسوخ به في البعض، وهو ما لا يستطاع، ولعلك تطلب الفرق بين العام المخصوص، والعام الذي أريد
стр. 141
به الخاص وهو فرق مهم، وهو المتكلم إذا أطلق اللفظ العام فإن أراد سلب الحكم عن بعض منه فهو العام المخصوص، مثاله: قام الناس. فإن أردت إثبات القيام لزيد مثلا لا غير، فهو عام أريد به الخاص، وإن أردت سلب القيام عن [زيد] فهو عام مخصوص، وأيضا العام يراد به الخاص، إنما يحتاج إلى دليل معنوي يمنع من إرادة الجميع فيتعين له البعض، والعام المخصوص يحتاج إلى مخصص لفظي غالبا كالشرط والاستثناء والغاية والصفة والمنفصل نحو: قام القوم، ثم بقوله: ما قام زيد.
﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣) [آل عمران: ١٠٣] يحتج به وبأمثاله من ذم الفرقة، والنهي عنها من ينكر الخلاف في الفروع، وتقريره: أن الخلاف مطلقا مذموم، ولا شيء من المذموم بمشروع فالخلاف مطلقا ليس بمشروع، فإن اضطر إليه لتعارض الأمارات والماخذ، فليجتهد في تقليله ما أمكن، على ما تقرر في كتاب «عمدة الاختلاف في تقليل الخلاف».
﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣) [آل عمران: ١٠٣] يحتج بظاهره من يرى أن ما قارب الشيء يعطى حكم ذلك؛ لأن هؤلاء المخاطبين كانوا قد قاربوا الوقوع في النار فأعطوا حكم من وقع فيها، ثم أخرج منها، أما إن تأولناه على معنى: فأنقذكم من الوقوع فيها، على تقدير حذف المضاف لم ينهض حجة على ذلك.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤) [آل عمران: ١٠٤] فيها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، لأن/ [٩٠/ل] المأمور به بعض الناس، ويلزم منه جواز الإيجاب على الكفاية، خلافا لمن منعه؛ لأنه إيجاب على مبهم مجهول، وذلك غير معقول.
والجواب يمنع أنه غير معقول؛ إذ لا يأبى العقل أن يوجب السيد على جماعة عبيده عملا إن تركوه عاقبهم، وإن فعلوه سلموا من العقاب سواء فعله جميعهم أو بعضهم، ولا يعين لفعله أحدا منهم، وقياسا على الواجب المخير، إذ هو تكليف ببعض غير معين وعلى الواجب الموسع إذ هو تكليف في زمن غير معين، والمسائل الثلاث من مادة واحدة، إذ
стр. 142
هي مشتركة في تعلق الحكم بالقدر المشترك.
﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٨) [آل عمران: ١٠٨] يحتج به المعتزلة على أن الظلم الواقع في العالم ليس من الله- -بخلق ولا إرادة، وتقريره أن الله- -نفى أن يريد أن يظلم هو أحدا، ولو كان الظلم الواقع منهم مخلوقا، أو مرادا له ثم عاقبهم عليه لكان ظالما لهم وذلك مع كونه لا يظلمهم ما لا يجتمع.
وجواب الجمهور بمنع هذه الملازمة فلا نسلم أنه لو خلق الظلم فيهم ثم عاقبهم عليه كان ظالما.
ومستند/ [٤٣/أ/م] المنع ما قررناه في سر القدر.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١١٠) [آل عمران: ١١٠] ربما تعلق به بعض الجهال في الطعن على الأمة بأن قال: معنى الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ثم انتقلتم عن الخيرية كما يقال:
كانت دولة فلان وانقضت، وكان الناس كراما، ثم حالوا عن الكلام.
والجواب: أن هذا جهل بالكلام وأقسامه، فإن هذا إنما يصح أن لو كانت «كان» هاهنا ناقصة، وليست كذلك بل هي تامة تقديره: وجدتم خير أمة، نحو: إذا كان الشتاء أي: إذا وقع، ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي وجد.
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فيه أن هذه الخصال الثلاثة هي جماع الخير وملاكه؛ لأنه فسر خيرية الأمة بها.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ (١١٩) [آل عمران: ١١٩] عام مطرد.
﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] هذا أمر تعجيز وتحسير، أي: أنكم عاجزون عن كيدنا، وبحسرته تموتون.
﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١١٩) [آل عمران: ١١٩] عام مطرد.
стр. 143
عموم وخصوص تضمن عموما/ [٩١/ل] مطردا، وكذلك كل جملة تضمنت نفيا ب «ما» وإثباتا ب «إلا» فقوله- : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١٢٦) [آل عمران: ١٢٦] عام، أي ما النصر موجود، ثم خص بالاستثناء بعد وهو ﴿إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فحصل منهما عام مطرد تقديره: النصر كله من عنده الله.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٢٨) [آل عمران: ١٢٨] عام مطرد، إذ هو نكرة في سياق نفي، وهو شبيه بقوله- ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص:
٥٦] في الدلالة على استبداد الله- -بالتصرف في خلقه من غير مشارك.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٣٠) [آل عمران: ١٣٠] هذا خرج مخرج الغالب، أو حكاية حالهم في أكل الربا، أو التعريض بالتشنيع على أكلته، كذلك فلا مفهوم حتى لو أكله آكل لا أضعافا مضاعفة لكان حراما أيضا.
﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) [آل عمران:
١٤٤] فيه إثبات رسالته ﷺ وسيأتي البرهان عليها في سورة الفتح إن شاء الله .
﴿اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً﴾ (١٤٤)
[آل عمران: ١٤٤] زعمت الشيعة أن هذا تعريض من الله- -بارتداد الصحابة، وانقلابهم على أعقابهم بعد موت النبي ﷺ قالوا: والنبي ﷺ علم ذلك، فأكد في نهيهم عنه، بقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا ترجعوا بعدي ضلالا. . .» (١) الحديث، ثم لم يكفه ذلك حتى أخبرهم بأنهم سيؤخذ بهم يوم القيامة عن الحوض ذات الشمال إلى النار حتى لا يخلص منهم إلا همل النعم، قالوا: وقد كان ذلك منهم بانحرافهم عن إمامهم المنصوص عليه وهو علي إلى غيره.
стр. 144
وأجاب الجمهور بأنا لا نسلم أن في الآية تعريضا بما ذكرتم، وإنما هو جملة شرطية دخل عليها حرف الاستفهام، فأفادت تشجيعهم على القيام بالأمر معه/ [٤٣ ب/أ] ومن بعده، وقد فعلوا، وأما قوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا» فهو نهي لهم عن مثل ما خلفت به الأمم السالفة أنبياءها من الكفر، وقد امتثلوا فلم يكفروا، وما كان بينهم من الحروب والدماء فعن تأويل واجتهاد هم فيه معذورون بل ومأجورون، وأما المأخوذ بهم ذات الشمال إلى النار فمحمول على أهل الردة الذين ماتوا عليها.
﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥) [آل عمران:
١٤٥] عام مخصوص بمن شاء الله- -أن ينال ذلك، ووفق لأسبابه بدليل:
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ (١٨) [الإسراء: ١٨].
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ (١٥١) [آل عمران: ١٥١] أي: بما نخلق فيها من أسباب الضعف والجبن، ونقرره فيها من مقدمات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم، وهو من مادة ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣] ونحوه.
стр. 145
وغيرها من العوالم لا تصرف في شيء من ذلك في الدنيا والآخرة لغيره، .
﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٣) [هود: ١٢٣]، ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤) [فاطر: ٤]، ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ (٤٢) [النجم:
٤٢]، ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٥٤)
[آل عمران: ١٥٤] يعني بقدرة الله- -وقضائه وقدره الغالب النافذ، ومستند ذلك وسببه ما يلقيه ويخلقه في النفوس من دواعي البروز إلى القتال والصوارف عن القرار في البيوت، بما تسول للإنسان نفسه من لذة الظفر بخصمه، أو الغنيمة ونحوه.
فإذا خرج ضعفت أسبابه، وانعكس حسابه، وأخذت أسلابه كما جرى للكفار ببدر.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤٨) [الأنفال: ٤٨] ونحو ذلك، وكشف السر عن خلق الدواعي والصوارف، وتحقيق كيفيته ما لا يليق مع كل أحد، وهو إذا حقق انتفضت به قوى القدر وانعزل الصواب عن أهل الاعتزال. وهذه كقوله :
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (٧٨) [النساء: ٧٨] وقول الشاعر:
فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
أي: أينما ذهب.
قول علي-﵁:
في أي يومي من الموت أفر [أيوم لم يقدر] أو يوم قدر ونظائره (كثيرة).
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٥٥) [آل عمران: ١٥٥]، فيها مسائل للشيعة:
следующие страницы →