Полный текст (691 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
به الخاص وهو فرق مهم، وهو المتكلم إذا أطلق اللفظ العام فإن أراد سلب الحكم عن بعض منه فهو العام المخصوص، مثاله: قام الناس. فإن أردت إثبات القيام لزيد مثلا لا غير، فهو عام أريد به الخاص، وإن أردت سلب القيام عن [زيد] فهو عام مخصوص، وأيضا العام يراد به الخاص، إنما يحتاج إلى دليل معنوي يمنع من إرادة الجميع فيتعين له البعض، والعام المخصوص يحتاج إلى مخصص لفظي غالبا كالشرط والاستثناء والغاية والصفة والمنفصل نحو: قام القوم، ثم بقوله: ما قام زيد.
﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣) [آل عمران: ١٠٣] يحتج به وبأمثاله من ذم الفرقة، والنهي عنها من ينكر الخلاف في الفروع، وتقريره: أن الخلاف مطلقا مذموم، ولا شيء من المذموم بمشروع فالخلاف مطلقا ليس بمشروع، فإن اضطر إليه لتعارض الأمارات والماخذ، فليجتهد في تقليله ما أمكن، على ما تقرر في كتاب «عمدة الاختلاف في تقليل الخلاف».
﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣) [آل عمران: ١٠٣] يحتج بظاهره من يرى أن ما قارب الشيء يعطى حكم ذلك؛ لأن هؤلاء المخاطبين كانوا قد قاربوا الوقوع في النار فأعطوا حكم من وقع فيها، ثم أخرج منها، أما إن تأولناه على معنى: فأنقذكم من الوقوع فيها، على تقدير حذف المضاف لم ينهض حجة على ذلك.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤) [آل عمران: ١٠٤] فيها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، لأن/ [٩٠/ل] المأمور به بعض الناس، ويلزم منه جواز الإيجاب على الكفاية، خلافا لمن منعه؛ لأنه إيجاب على مبهم مجهول، وذلك غير معقول.
والجواب يمنع أنه غير معقول؛ إذ لا يأبى العقل أن يوجب السيد على جماعة عبيده عملا إن تركوه عاقبهم، وإن فعلوه سلموا من العقاب سواء فعله جميعهم أو بعضهم، ولا يعين لفعله أحدا منهم، وقياسا على الواجب المخير، إذ هو تكليف ببعض غير معين وعلى الواجب الموسع إذ هو تكليف في زمن غير معين، والمسائل الثلاث من مادة واحدة، إذ
стр. 142
هي مشتركة في تعلق الحكم بالقدر المشترك.
﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٨) [آل عمران: ١٠٨] يحتج به المعتزلة على أن الظلم الواقع في العالم ليس من الله- -بخلق ولا إرادة، وتقريره أن الله- -نفى أن يريد أن يظلم هو أحدا، ولو كان الظلم الواقع منهم مخلوقا، أو مرادا له ثم عاقبهم عليه لكان ظالما لهم وذلك مع كونه لا يظلمهم ما لا يجتمع.
وجواب الجمهور بمنع هذه الملازمة فلا نسلم أنه لو خلق الظلم فيهم ثم عاقبهم عليه كان ظالما.
ومستند/ [٤٣/أ/م] المنع ما قررناه في سر القدر.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١١٠) [آل عمران: ١١٠] ربما تعلق به بعض الجهال في الطعن على الأمة بأن قال: معنى الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ثم انتقلتم عن الخيرية كما يقال:
كانت دولة فلان وانقضت، وكان الناس كراما، ثم حالوا عن الكلام.
والجواب: أن هذا جهل بالكلام وأقسامه، فإن هذا إنما يصح أن لو كانت «كان» هاهنا ناقصة، وليست كذلك بل هي تامة تقديره: وجدتم خير أمة، نحو: إذا كان الشتاء أي: إذا وقع، ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي وجد.
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فيه أن هذه الخصال الثلاثة هي جماع الخير وملاكه؛ لأنه فسر خيرية الأمة بها.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ (١١٩) [آل عمران: ١١٩] عام مطرد.
﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] هذا أمر تعجيز وتحسير، أي: أنكم عاجزون عن كيدنا، وبحسرته تموتون.
﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١١٩) [آل عمران: ١١٩] عام مطرد.
стр. 143
عموم وخصوص تضمن عموما/ [٩١/ل] مطردا، وكذلك كل جملة تضمنت نفيا ب «ما» وإثباتا ب «إلا» فقوله- : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١٢٦) [آل عمران: ١٢٦] عام، أي ما النصر موجود، ثم خص بالاستثناء بعد وهو ﴿إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فحصل منهما عام مطرد تقديره: النصر كله من عنده الله.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٢٨) [آل عمران: ١٢٨] عام مطرد، إذ هو نكرة في سياق نفي، وهو شبيه بقوله- ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص:
٥٦] في الدلالة على استبداد الله- -بالتصرف في خلقه من غير مشارك.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٣٠) [آل عمران: ١٣٠] هذا خرج مخرج الغالب، أو حكاية حالهم في أكل الربا، أو التعريض بالتشنيع على أكلته، كذلك فلا مفهوم حتى لو أكله آكل لا أضعافا مضاعفة لكان حراما أيضا.
﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) [آل عمران:
١٤٤] فيه إثبات رسالته ﷺ وسيأتي البرهان عليها في سورة الفتح إن شاء الله .
﴿اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً﴾ (١٤٤)
[آل عمران: ١٤٤] زعمت الشيعة أن هذا تعريض من الله- -بارتداد الصحابة، وانقلابهم على أعقابهم بعد موت النبي ﷺ قالوا: والنبي ﷺ علم ذلك، فأكد في نهيهم عنه، بقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا ترجعوا بعدي ضلالا. . .» (١) الحديث، ثم لم يكفه ذلك حتى أخبرهم بأنهم سيؤخذ بهم يوم القيامة عن الحوض ذات الشمال إلى النار حتى لا يخلص منهم إلا همل النعم، قالوا: وقد كان ذلك منهم بانحرافهم عن إمامهم المنصوص عليه وهو علي إلى غيره.
стр. 144
وأجاب الجمهور بأنا لا نسلم أن في الآية تعريضا بما ذكرتم، وإنما هو جملة شرطية دخل عليها حرف الاستفهام، فأفادت تشجيعهم على القيام بالأمر معه/ [٤٣ ب/أ] ومن بعده، وقد فعلوا، وأما قوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا» فهو نهي لهم عن مثل ما خلفت به الأمم السالفة أنبياءها من الكفر، وقد امتثلوا فلم يكفروا، وما كان بينهم من الحروب والدماء فعن تأويل واجتهاد هم فيه معذورون بل ومأجورون، وأما المأخوذ بهم ذات الشمال إلى النار فمحمول على أهل الردة الذين ماتوا عليها.
﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥) [آل عمران:
١٤٥] عام مخصوص بمن شاء الله- -أن ينال ذلك، ووفق لأسبابه بدليل:
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ (١٨) [الإسراء: ١٨].
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ (١٥١) [آل عمران: ١٥١] أي: بما نخلق فيها من أسباب الضعف والجبن، ونقرره فيها من مقدمات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم، وهو من مادة ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣] ونحوه.
стр. 145
وغيرها من العوالم لا تصرف في شيء من ذلك في الدنيا والآخرة لغيره، .
﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٣) [هود: ١٢٣]، ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤) [فاطر: ٤]، ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ (٤٢) [النجم:
٤٢]، ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٥٤)
[آل عمران: ١٥٤] يعني بقدرة الله- -وقضائه وقدره الغالب النافذ، ومستند ذلك وسببه ما يلقيه ويخلقه في النفوس من دواعي البروز إلى القتال والصوارف عن القرار في البيوت، بما تسول للإنسان نفسه من لذة الظفر بخصمه، أو الغنيمة ونحوه.
فإذا خرج ضعفت أسبابه، وانعكس حسابه، وأخذت أسلابه كما جرى للكفار ببدر.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤٨) [الأنفال: ٤٨] ونحو ذلك، وكشف السر عن خلق الدواعي والصوارف، وتحقيق كيفيته ما لا يليق مع كل أحد، وهو إذا حقق انتفضت به قوى القدر وانعزل الصواب عن أهل الاعتزال. وهذه كقوله :
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (٧٨) [النساء: ٧٨] وقول الشاعر:
فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
أي: أينما ذهب.
قول علي-﵁:
في أي يومي من الموت أفر [أيوم لم يقدر] أو يوم قدر ونظائره (كثيرة).
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٥٥) [آل عمران: ١٥٥]، فيها مسائل للشيعة:
стр. 146
الأولى: أن هذا كان يوم أحد ففر عثمان وثبت علي؛ فدل على أن عليا أفضل؛ لأنه سلم من هذه اللائمة.
الثانية/: [٤٤ أ/م]: أن الفرار من الزحف كبيرة خصوصا عن النبي ﷺ في تلك الضائقة، وقد أتاها عثمان.
الثالثة: دلت الآية على أن فرار عثمان إنما كان عقوبة على ذنب آخر أتاه لقوله : ﴿إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] فكان عقوبة الذنب ذنبا مثله.
وأجابت السّنّة بتمام الآية، وهو/ [٩٣/ل] قوله- : ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٥٥) [آل عمران: ١٥٥] والذنب المغفور كغير المعمول، ولو ساعد الدليل على أن يحمل تولى عثمان وأصحابه توليا مباحا، إما تحرفا لقتال، أو تحيزا إلى فئة، لكان أولى، لكنه لا يساعد إذ لو كان كذلك لما لحقتهم اللائمة، ولما احتاجوا إلى العفو، وبما أجبنا به أولا أجاب ابن عمر عن عثمان مع معرفة ابن عمر بحقيقة الواقعة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١٥٦) [آل عمران: ١٥٦] هذا هو قول القدرية المعتقدين لكون الإنسان يخلق الموت والقتل وأسبابه، فلو لم يخلقه لم يقع، فرد الله- -ذلك عليهم بأنه هو الذي يحي ويميت بما يخلقه من الموت والحياة على أيدي خلقه، ويجبرهم على اكتساب أسبابه، وإنما خذل القدرية حتى اعتقدوا معتقدهم ليجعل ذلك حسرة في قلوبهم، يتندمون على فعلها كلما ذكروها تعجيلا لجزء من عذاب القدر لهم في الدنيا قبل الآخرة.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] أي: بذنوبكم، فعله الله- -بكم، وليس المراد أنكم خلقتموه كما زعم القدرية بدليل قوله :
﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٦٦) [آل عمران: ١٦٦] إشارة إلى تعليل هذا الفعل بهذه الحكمة، ويحتج به على أن أفعاله- -معللة بالعلل الحكمية ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا﴾
стр. 147
قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) [آل عمران: ١٦٧] يحتج به المعتزلة في إثبات المنزلة بين المنزلتين، وعلى المنافقين لا كفار ولا مؤمنون، كالخنثى بين الذكر والأنثى؛ لأن الكلام هنا في المنافقين، ولم يقطع لهم أحد بأحد الطرفين بل جعلهم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، وهو يدل على ما ذكرنا، وكذلك المعتزلة قالوا: المؤمن إذا أتى الكبيرة خرج عن الإيمان لفسقه، ولم يدخل في الكفر لبقاء إسلامه وتوحيده، فهو إذن في منزلة بين منزلتين، لا كافر ولا مؤمن.
﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٦٨) [آل عمران: ١٦٨] كقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١٥٦) [آل عمران: ١٥٦] وقد سبق، ثم أجيبوا على جهة التعجيز والتكذيب؛ فقيل لهم: ﴿فَادْرَؤُا﴾ أي ادفعوا ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٦٨) [آل عمران: ١٦٨]، لأن من يدفع عن غيره أولى/ [٤٤ ب/م] بأن يدفع عن نفسه، وهم لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم كما تبين في الواقع، فكذا عن غيرهم.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١٦٩) [آل عمران: ١٦٩] يعني الشهداء، يحتج بها على أن الأرواح أجسام؛ لأنه وصفوا بعد القتل بالحياة والرزق والفرح والاستبشار وتلك صفات الأجسام، ثم إن تلك ليست هي الأجسام الطبيعية التي كانت قبل القتل؛ لأن تلك مشاهدة عندنا ليس لها شيء من الصفات المذكورة، فدل على أنها صفات أجسام [هي] الأرواح، ولقائل أن يقول: لعل الصفات المذكورة للطير الخضر التي تتعلق بها أرواح الشهداء، وتعلق من شجر الجنة، وحينئذ لا يدل على أن الأرواح أجسام.
стр. 148
حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) [آل عمران: ١٧٣] هذا عام أريد به الخاص كما مر في المقدمة.
﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٥)
[آل عمران: ١٧٥] أي يخوفكم أولياءه، وفيه إثبات الشيطان والجن خلافا للفلاسفة.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٦) [آل عمران: ١٧٦] هو يشوش مذهب المعتزلة من وجهين:
أحدهما: أن هذا شر وقد أراده، وهم زعموا أنه لا يريد الشر.
الثاني: أنهم زعموا أنه يجب عليه اللطف ورعاية المصالح.
وهذا ينافي ذلك، إذ لا مصلحة لهم في حرمان حظهم من الآخرة، وفي لزوم هذا لهم نظر.
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٧٨) [آل عمران: ١٧٨] هذا أيضا ينافي رعاية المصالح لهم، إذ إن مصلحتهم إذن في أن يعاجلهم ليكون أقل لإثمهم، بل في ألا كان يبتليهم، بل ألا كان يخلقهم.
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٨٢) [آل عمران: ١٨٢] يحتج به القدرية في أن فعلهم مخلوق لهم، ويحمله الآخرون على الكسب أو مقتضى الجبر على ما عرف.
﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٨٣) [آل عمران: ١٨٣] ظاهرة أنه سلم لهم هذه الدعوى، ثم ألزمهم المناقضة، وهو قتلهم من جاءهم بذلك، فإن كان صادقا فلم قتلتموه! وإن كان كاذبا فقد بطل كون القربان المذكور علامة على صدقه.
والتحقيق له [أنه] إنما سلم لهم ذلك على سبيل التنزيل، كأنه قال: لا أسلم أن الله- -عهد إليكم بذلك، سلمناه لكن قد قتلتم من هذه صفته فلزمكم ما ذكرناه.
стр. 149
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١٨٥) [آل عمران: ١٨٥] عام مخصوص بنفس الله- -بأن وصف له نفسا، وعالم الجنة إن قلنا: لا يموتون، وحينئذ تقديره: كل نفس حادثة لم تخلق للبقاء ذائقة الموت.
فيختص بالقيد الأول، نفس الله- -وبالثاني عالم الجنة ونحوه، ممن خلق للبقاء.
﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] عام مطرد في توفية الأجور والحصر هو للتوفية في ذلك اليوم.
وكذا ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وهو مثل ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] / [٤٥ أ/م] في أنه جمع عموما وخصوصا حصل منه عموم مطرد.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٠) [آل عمران: ١٩٠] الآيتين، فيهما إشارة إلى كيفية النظر في شواهد الوجود الدالة على الصانع الموجود، كما في نظيرتها في البقرة غير أن هذه أخص من تلك وأحق بهذا المعنى، إذ فيها التصريح/ [٩٥/ل] بالتفكر في خلقهما، ولهذا كان النبي ﷺ يقرؤها وما بعدها حين يقوم من منامه، وروي أنه ﷺ قال: «ويل لمن قرأها ثم لم يتدبرها» (١).
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (١٩١) [آل عمران: ١٩١] إشارة إلى وجه الاستدلال بها وهو هكذا: ربنا أنت خلقت هذا، ومن خلق هذا لم يخلقه باطلا، فأنت لم تخلق هذا باطلا ولا عبثا نحو:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥) [المؤمنون: ١١٥] ففيه إشارة إلى الاستدلال على المبدأ، وهو الصانع، وعلى المعاد وهو المرجع.
﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا﴾
стр. 150
﴿ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ (١٩٣) [آل عمران: ١٩٣] ربما استشعر منه وجوب إجابة الداعي بمجرد دعواه من غير معجز، وليس كذلك، بل لا بد من المعجز والنظر فيه، وإلا ادعى النبوة كل أحد، [وإذا] كان مع اشتراط المعجز ظهر كذابون دجالون يدعون النبوة فكيف لو لم يشترط.
وهذه الآية مطلقة أو مجملة في اشتراط المعجز، قيدت أو [بينت] بالإجماع والنظر على ما قد يأتي إن شاء الله- .
﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (١٩٥) [آل عمران: ١٩٥] يحتج به المعتزلة على مذهبهم في الأعمال؛ لأن الثواب هو العوض، فلولا أن أعمالهم التي استحق عليها الثواب من خلقهم لكان العوض والمعوض من جهة واحدة وأنه محال.
والكسبية قالوا: هو ثواب على أكسابهم.
الجبرية قالوا: سمي ثوابا مجازا، وإلا فكلاهما العمل والجزاء عليه من الله .
...
стр. 151
القول في سورة النساء
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١) [النساء: ١] عام مطرد.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ [النساء: ١] الضمير عام إذ جميع الناس خلقوا من تلك النفس.
﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾ (٢) [النساء: ٢] عام مطرد في اليتامى تدفع إليهم أموالهم بشرطه المذكور بعد.
﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي: مضمومة إليها، فمعنى الغاية موجود، ولا ضرورة إلى حملها على معنى مع.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ (٣) [النساء: ٣] عام مطرد في الصفة، خاص في (لكم) أي: أنكحوا هذا العدد المخصوص على أي صفة كن من الصفات الطبيعية ونحوها.
﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ (٣) [النساء: ٣] عام خص بذوات محارمه من نسب أو رضاع إذا ملكهن، لا يباح له وطؤهن ونحو ذلك، مما قام الدليل على تخصيصه.
﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ (٤) [النساء: ٤] عام خص بما وهبته المرأة له أو أبرأته منه، أو سقط بأمر من جهتها فلا يجب إيتاء شيء/ [٤٥ ب/م] من ذلك.
стр. 152
وقيل فيه غير ذلك.
﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (٦) [النساء: ٦] عام مطرد، أي اختبروهم فإن صلحوا لتسليم المال إليهم سلموا بشرط البلوغ والرشد.
﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] عام مطرد.
﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وهو الأقل من كفايته وأجرة مثله، فلو كانت كفايته درهما كل يوم وأجرة مثله درهمين أو بالعكس، أخذ درهما لأنه المعروف [المتيقن استحقاقه].
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ (٧) [النساء: ٧] الظاهر أن هذا النصيب بالإرث؛ فيكون عاما مخصوصا بالعبد [والقاتل والكافر] من المسلم وبالعكس، وبمن حجب فلم يرث، وكذا ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ [النساء: ٧] أما ما ترك فعام أيضا، يخص بالوصايا ونحوها، وبالديون لا نصيب للورثة في شيء من ذلك.
ولقائل أن يقول: مقدار الدين لم يتركه الميت فلا يتناوله العموم، فلا يحتاج إلى أن يخص، وجوابه بالمنع بل هو تركة يتناوله العموم، بدليل ما لو برئ الميت من الدين تناول العموم مقداره بلا خلاف. نعم ذلك المقدار تعلق به حق الغير، وذلك لا يمنع من دخوله تحت عموم التركة.
﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قسمة الميراث ﴿أُولُوا الْقُرْبى﴾ [النساء: ٨] يعني قرابة الميت الذين لا إرث لهم ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [النساء: ٨] عام في هذه الأصناف إلا من خص بدليل وإعطاؤهم من الميراث على جهة الصدقة والتبرع والأمر به ظاهر في الوجوب، ويحتمل الندب.
стр. 153
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) [النساء: ١٠] عام مطرد في أموال اليتامى، ومن فرط فيها، وخاص في الأكل [أريد به العام]، إذ ليس المراد خصوصه، بل عموم تفويت أموالهم عليهم، وإنما خص الأكل؛ لأنه غالب ما يغصب لأجله المال.
﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١) [النساء: ١١] أي في توريثهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] خص منهم من سبق من عبد وكافر وقاتل ومحجوب كابن الابن يحجبه الابن، وبنت الابن يحجبها بنات الصلب.
﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١) [النساء: ١١] عام مطرد فيهم إذ لا يعلم عاقبة النفع والضرر فيهم إلا الله- -وفيه إشارة إلى أن تفاوت أنصباء الورثة بالقلة والكثرة والإرث والحجب لتفاوت نفعهم للموروث في علم الله دنيا وأخرى.
﴿* وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (١٢) [النساء: ١٢]، وكذلك ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] عام في الأزواج والزوجات خص بمن لا يرث كالرقيق/ [٩٧/ل] والذمي والقاتل فلو ترك زوجة أمة أو ذمية أو قاتلة له لم ترثه، وكذا لو تركت زوجا عبدا أو قاتلا لم يرثها.
стр. 154
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٣) / [٤٦ أ/م] [النساء: ١٣].
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٤) [النساء: ١٤] عام فيهما بشرط الموافاة على ذلك.
﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ (١٥) [النساء: ١٥] عام في إتيان الفواحش غير أن الآية منسوخة في إمساكهن في البيوت، بما شرع فيهن من الجلد والرجم والتغريب.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١٧) [النساء: ١٧] هذا عام في هؤلاء مطرد.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ [النساء: ١٧] أي واجب منه بمقتضى صدق وعده لا أنه واجب عليه، خلافا للمعتزلة، إذ أوجبوا عليه قبول التوبة، ورعاية المصالح وفعل اللطف وإزاحة [العلل في التكليف]؛ لأنه لو لم يجب عليه لجاز له تركه، ولو تركه لكان [ذلك قدحا في الحكمة والعدل، وأنه محال.
وقال الجمهور: لو وجب عليه شيء من ذلك لكان] فوقه موجب أعلى منه شرع أو عقل وأنه محال، إذ الله- -هو العلي المطلق، فلا أعلى منه، ولا نسلم أنه لو ترك شيئا مما ذكرتم لكان قد جار في حكمه أو عدل، فلم قلتم ذلك، فإن الله يتصرف في خلقه بحق ملكه التام واستعلائه العام، وإنما هذا من الخصم بناء على التحسين والتقبيح العقلي، وهو ممنوع.
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٨)
[النساء: ١٨] عام مطرد في سلب قبول التوبة عن هذين الفريقين لكنهما إنما تنقطع عن عامل السيئات عند حضور الموت، ومعاينة الملك ونحوه، وهي مقبولة ما لم ييأس من الحياة إن شاء الله .
стр. 155
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١٩) [النساء: ١٩] عام في الوارث والموروث وجهة الإرث.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (٢٠) [النساء: ٢٠] عام خص بما تراضيا عليه كتواهب أو تخالع كما سبق في قوله- : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٢٩) [البقرة: ٢٢٩].
﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] عام، والاستثناء بعده منقطع، فليس بمخصوص، نعم من يرى أن النكاح حقيقة في الوطء، وأن الزنا لا يوجب تحريم المصاهرة يخص منه موطوءة الأب بالزنا فيبيحها للابن واختلف في النكاح؛ فقيل: هو حقيقة في العقد، وقيل: في الوطء، وقيل فيهما.
والأشبه أنه في الوطء حقيقة وضعية، وفي العقد حقيقة عرفية مجاز لغوي، ثم من يرى استعمال اللفظ الواحد في حقيقه ومجازه معا/ [٩٨/ل] فقياس قوله التحريم بهما، ومن لم ير ذلك غلب إحدى الحقيقتين فحرم بها دون الأخرى والأشبه الأول.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣) [النساء: ٢٣] عام فيهن من الطرفين كأمه وأمها وأم أبيه وأم جده ومن ولدتهن وإن علون.
стр. 156
﴿وَأَخَواتُكُمْ﴾ من الطرفين أو أحدهما ﴿وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ﴾ كذلك إذ العمة أخت الأب من الجهات/ [٤٦ ب/م] الثلاث، والخالة أخت الأم منهن.
﴿وَبَناتُ الْأَخِ﴾ الذي هو من الجهات الثلاث، (وبنات الأخت) التي هي كذلك.
﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] عام فيهن من النسب والرضاع.
﴿وَرَبائِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] الواحدة ربيبة، وهي بنت زوجته المدخول بها دون غير المدخول بها، فلو دخل بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها. ولو عقد عليها ولم يدخل بها حرمت عليه أمها لعموم ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] دون ابنتها لخصوص ﴿مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ولا أثر لتخصيصهن بالحجور؛ لأنه دليل خطاب خرج مخرج الغالب، وليس بحجة خلافا لداود حيث أباح للرجل ربيبته التي ليست في حجره لظاهر دليل الخطاب.
﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣) [النساء: ٢٣] خص به عموم مسمى الأبناء فخرج منه أبناء التبني لا النسب، كزيد بن حارثة بالنسبة إلى النبي ﷺ ، وسالم بالنسبة إلى مولاه أبي حذيفة فلا تحرم عليه زوجته، وهو عام في تحريم زوجة الابن وابن الابن وابن البنت لأنه من الصلب بواسطة أمه [البنت] وإن سفلوا في هذه البنوة.
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣) [النساء: ٢٣] أي: والجمع بين الأختين حرام عليكم؛ فاقتضى عمومه تحريم الجمع بينهما بالنكاح والملك.
وقوله : ﴿*وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ (٣٦) [النساء: ٣٦].
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾
стр. 157
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣) [النساء: ٣] ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣٠) [المعارج: ٣٠] جوازه بملك اليمين، من ثم قيل: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فمن ثم حرم الجمع بينهما بالنكاح إجماعا، وخرج فيه بالملك قولان للعلماء: أحدهما: يحرم لعموم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣) [النساء: ٢٣] والثاني: تباح لعموم: ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣٠) [المعارج: ٣٠] ثم من حاول ترجيح الإباحة قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] خاص بتحريم النكاح فتبقى إباحة الجمع بينهما بالملك على عمومه من غير معارض، ومن حاول ترجيح التحريم قال:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ (٣) [النساء: ٣] عام خص بأمته المشركة والمجوسية لا تحل له.
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣) [النساء: ٢٣] عام لم يخص، [وما لم يخص] أولى بالاعتبار، مما خص، فيكون العمل بمقتضاه أولى والأشبه الأول، ثم قوله/ [٩٩/ل]: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] ذهب الكرخي (١) إلى أنه مجمل؛ لأن عين [الأم والميتة] لا تحرم، وإنما المحرم هو فعل متعلق بها. وذلك الفعل غير متعين؛ لاحتمال أنه من الأم وطؤها أو استخدامها أو إجارتها وغيره من الأفعال، ومن الميتة أكلها أو بيعها أو
стр. 158
إتلافها ونحوه.
فكان النص فيها مجملا، والجمهور على أنه ليس بمجمل، والتحريم ينصرف إلى الفعل المعهود، وهو الاستمتاع بالأم، وأكل الميتة/ [٤٧ أ/م] وصار ذلك كالحقيقة العرفية لمبادرة الذهن إليه خصوصا، والآية مكتنفة بذكر النكاح قبلها وبعدها نحو: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً﴾ (٢٢) [النساء: ٢٢].
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] فصار ذلك كالقاطع في البيان، وهذه من مسائل المجمل والمبين.
﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤] أي المزوجات يعني ذوات الأزواج حرام عليكم وهو عام خص بالاستثناء بعده ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بالسبي، لأن سبيهن يقطع عصمة نكاحهن، فإذا اعترض الملك بابتداء الرق على النكاح قطعه وأباح، وإذا اعترض النكاح على الملك كالأمة يزوجها السيد، لم يبح له وطؤها.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي نكاح ما سوى المحرمات المذكورة، وهو عام خص بالسّنّة في تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها ونكاحهما عليها.
﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] عام في جنس المال وقدره، فيستدل به على جواز كون المهر نقدا وعرضا من جماد وثياب وحيوان وجوهر أو عرضا كالمنافع؛ إذ هي كالمال في مقابلتها بالعوض وعلى جواز كونه قليلا وكثيرا كخاتم حديد وقنطار ذهب.
﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤].
احتج الشيعة بهذا على جواز نكاح المتعة، وهو عقد النكاح إلى مدة معلومة مع باقي شروطه عند الجمهور، من خلوها من زوج وعدة، وغير ذلك ولحوق النسب فيها ونحوه
стр. 159
من آثار النكاح، وخالفهم الجمهور.
حجة الشيعة من وجوه أحدها: هذه الآية، وجه استدلالهم بها قوله :
﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وهو بعمومه يتناول المتعة ثم قال: ﴿فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]. وهو عام أيضا يتناولها مع أنه صرح بلفظ مشتق منها، وهو استمتعتم تنبيه على أنها مراده من العموم؛ لئلا يطمع طامع في تخصيصها أو في عدم تناول/ [١٠٠/ل] العموم لها.
الوجه الثاني: ما روى جابر بن عبد الله قال: «كنا نتمتع»، أو قال: «تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر بالرغيف والقبضة من الشعير حتى حرمها عمر في شأن عمر بن حريث»، أو كما قال، رواه مسلم (١).
قالوا: وهذا يدل على أنه ﷺ أباحها، ثم لم ينسخها حتى مات، بحيث عمل بها في خلافة الشيخين عملا مشهورا.
وأيضا فتحريم عمر لها يقتضي بقاء إباحتها [إلى خلافته].
الوجه الثالث: ما روي عن علي أنه قال: لولا أن عمر حرم المتعة، لما زنى إلا شقي رواه ابن شاهين (٢) في كتاب الناسخ والمنسوخ له. ويدل على/ [٤٧ ب/م] ذلك ما روي من قول عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أحرمهما يعني: متعة الحج، ومتعة النكاح (٣). فدل على أن إباحتها استمرت إلى بعد موت الرسول ﷺ .
الوجه الرابع: ثبت أن المتعة أبيحت قبل خيبر أو في أيامها، ثم حرمت بحديث عليّ الصحيح عند الخصم في ذلك، وهو قوله: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن المتعة، وعن لحوم الحمر الإنسية» (٤) رواه البخاري وغيره؛ ثم ثبت إباحتها يوم الفتح إباحة تواترت؛ لأنه-﵊-أشاع إباحتها في جميع الجيش، وهو يومئذ اثنا عشر ألفا ثم
стр. 160
ادعى الخصم نسخها بخبر واحد وهو حديث سيرة بن معبد الجهني (١) ونحوه.
والقاعدة: أن الآحاد لا تنسخ التواتر فلنتمسك بالتواتر في إباحتها حتى يرد لها ناسخ يساويه في القوة.
الوجه الخامس: حديث ابن مسعود (٢) حين تذاكروا المتعة عنده؛ فتلا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٨٧) [المائدة: ٨٧]، وذلك يقتضي بقاء إباحتها، وأنها من الطيبات، وإلا لما خفي ذلك على ابن مسعود عادة.
الوجه السادس: إجماع أهل البيت على إباحتها وهو عند الشيعة معصوم.
الوجه السابع: أن المتعة غايتها أنها نكاح مؤقت؛ فكان جائزا كالمؤقت في الدوام، فيما إذا علق طلاقها بما يجب وقوعه، كطلوع الشمس ومجيء الليل، ومن ثم أوقع مالك الطلاق في الحال إلحاقا لتوقيت الدوام بتوقيت الابتداء عنده.
الوجه الثامن: إذا تعارضت الأدلة في المتعة فلنرجع فيها إلى الأصل فيما قبل الشرع، وهو الحل في الأفعال.
الوجه التاسع: أن المتعة مذهب ابن عباس، وهو حبر القرآن، وبحر العلم، وقول/ [١٠١/ل] الصحابي حجة عند كثير من علماء الجمهور.
الوجه العاشر: أن المتعة فيها توسعة على الناس بمستند شرعي، وكل ما كان كذلك كان جائزا، فالمتعة جائزة، والمستند الشرعي ما سردناه من الأدلة على جوازها، ولا يلزم عليه الزنا إذ هو توسعة؛ لأنه لا مستند له من الشرع بل الشرع صرح بتحريمه، والإجماع منعقد عليه.
هذا ما استحضرته لهم على إباحة المتعة، وقد رأيت لبعضهم على ذلك خمسة عشر وجها لم أستحضر جميعها، وأكثر هذه الوجوه إلزامي للخصم إذ الشيعة لا تحتج بأخبار الآحاد.
стр. 161
احتج الجمهور بوجوه: أحدها قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٣٤) [البقرة: ٢٣٤] والمتعة ليست من المعروف، فتتضمن الجناح فتكون حراما.
الثاني: حديث علي/ [٤١ أ/م] ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن المتعة يوم خيبر. والأصل بقاء ما كان على ما كان.
الثالث: أن أئمة الحديث كمسلم وغيره نقلوا حديث سبرة بن معبد نقلا مستفيضا عن النبي ﷺ بتحريم المتعة، والتغليظ فيها، وتأبيد تحريمها إلى يوم القيامة بألفاظ كثيرة مختلفة، ومثل ذلك ينسخ به غيره.
الرابع: إجماع الجمهور من الصحابة ومن بعدهم على تحريمها، وهو قاطع، فلا يعارضه غيره.
الخامس: أن ذات المتعة لا زوجة، وإلا لورثت منه إذا مات، ولا ملك يمين، وإلا لما جاز نكاحها له، وحينئذ يكون حراما، وهو بنكاحها عاد لقوله- : ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦) [المؤمنون: ٦].
هذه حجج الفريقين في المسألة [على ما] حضرني الآن، ولكل على حجة صاحبه اعتراض، وجواب يطول ذكره.
﴿فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
يعني إذا تزوجت الأمة [ثم زنت]؛ فعليها نصف حد الحرة المحصنة، وهو عام في تنصيف الحد خص بالتغريب فلا تغرب ولا ترجم؛ لعدم الإحصان الشرعي، وإنما تجلد خمسين جلدة، فكأنه قال: نصف ما على المحصنات مما يقبل التنصيف والجلد يقبله دون التغريب؛ لأنه معنى بسيط لا يقبل التجزئة بخلاف الضرب فإنه مجموع حركات يقبل التجزئة من حيث هي مجموع، فإن قيل: تغريب العام نصفه تغريب نصف عام؛ فقد قبل التجزئة، قلنا: إنما قبلها هاهنا باعتبار طرفه الزماني لا بحسب ذاته، إذ حقيقة التغريب أنه التفريق بينه وبين وطنه، ومفهوم التفريق من حيث هو لا يعقل فيه التجزئة كضده/ [١٠٢/ل] الذي هو الجمع بينهما.
стр. 162
﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أي: وصبركم عن النكاح أو عن نكاح الإماء خير لكم، وهو عام يخص بمن خشي بتركه العنت، فإنه يشرع في حقه وجوبا أو ندبا.
﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦) [النساء: ٢٦] قد يستشعر منه أن من قبل هذه الأمة أفضل منها إذ جعلوا كالقدوة لها وهو مناقض لما سبق من كونها خير أمة أخرجت للناس.
والجواب: أنه لا نسلم أنه يشعر بذلك ولو أشعر به لكنه محتمل، وغيره قاطع فلا يعارضه.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] عام مطرد، والاستثناء بعده وهو ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] منقطع فلا يكون مخصصا.
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٢٩) [النساء: ٢٩] أي: لا تقتلوها مباشرة، ولا/ [٤٨ ب/م] تسببا فهو عام يخص في المباشرة بما إذا قال الجاني للولي: أنا أقتص لك من نفسي؛ فرضي جاز، ويقتل الجاني نفسه في ذلك؛ لأن ذلك حق عليه يؤديه، أو لأن يده كيد الولي، وفي التسبب بكل ما تضمن مصلحة مطلوبة شرعا كالجهاد، ونحوه مما سبق في ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٩٥) [البقرة: ١٩٥].
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (٣٠) [النساء: ٣٠] عام مطرد، وفي تقييده بالعدوان إشارة إلى تخصيص ما قبله إذ يدل على أن قتل الإنسان نفسه قد لا يكون عدوانا وظلما؛ فيجوز إلا أن يحمل هذا التقييد على عادة كانت، أو أن ذلك هو مقتضى قتل نفسه.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٣١) [النساء: ٣١] فيه انقسام السيئات إلى كبائر وصغائر، وأن اجتناب جميع الكبائر مكفر لجميع الصغائر، واختلف في الكبائر، فقيل: السبع المنصوص عليها (١). وهي
стр. 163
الشرك، والقتل، والسحر، والقذف، وأكل مال اليتيم، والزنا، وشهادة الزور.
وزيد فيها في حديث آخر: التولي عن الزحف، وأكل الربا.
وقيل: هي سبعون موزعة على الجوارح (١).
وقيل: هي ما ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة.
وقيل: هي المنصوص عليه، وكل معصية ساوى قبحها ومفسدتها واحدة من المنصوص عليه وهو أجود الأقوال ما ذكر منها، وما لم يذكر.
وقيل: لا صغير في الذنوب، بل كلها كبائر نظرا إلى عظم المعصى.
كما قيل: لا تنظروا إلى صغر الذنوب، ولكن انظروا على من اجترأتم.
وهو خلاف مقتضى هذه الآية، وقوله- : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى﴾ (٣٢) [النجم: ٣٢] وتكفير الصغائر باجتناب الكبائر مناسب عرفا وشرعا، أما عرفا فلأن الملك إذا أطاعته الرعية ولم تنازعه ملكه وكان حليما صفح لها عن سائر ما يصدر عنها من الجرائم، وأما شرعا؛ فلأن الشخص إذا اجتنب النجاسة المغلظة كالبول/ [١٠٣/ل] والغائط، عفي له عن النجاسة الخفيفة المختلف فيها، وإذا اجتنب ما يمكنه التحرز منه، عفي له عما يشق تحرزه منه كطين الشوارع، ونحوه، ولو أتى كبيرة واحدة، اختل شرط تكفير الصغائر.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ (٣٣) [النساء: ٣٣] هذا عام في إرث المولى بالموالاة، ثم نسخ بإرث الأقارب.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٥) [الأنفال: ٧٥].
﴿*وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ﴾
стр. 164
﴿أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٢٤) [النساء: ٢٤] هو عام وهو شبيه بقوله- ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٨) [البقرة: ٢٢٨] أي: يقومون بأمر النساء ويكفلونهن.
﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ﴾ الآية عامة، وذلك حكم كل ناشزة.
﴿* وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ (٣٦) [النساء: ٣٦] عام في تحريم الفخر والخيلاء/ [٤٩ ب/م] وبغض فاعلهما خص من ذلك الخيلاء حال الحرب، لقوله ﷺ «إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا المكان» (١)، أو في حال الضرورة.
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً﴾ (٣٨) [النساء: ٣٨] هو عام في ذم الشيطان، خص بقرين النبي ﷺ حيث أخبر أنه أعين عليه فأسلم إذا قيل: أنه صار مسلما، فإنه لا يذم حينئذ.
﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ (٣٩) [النساء: ٣٩] يحتج بها القدرية، وتقريره لو كان الكفر وانتفاء الإيمان مخلوقا له لما لامهم عليه، فدل على أنه مخلوق لهم.
وجواب الكسبية: أنه لامهم على كسبهم للكفر على وفق إرادتهم.
وجواب الجبرية: أنه لامهم على ما ظهر على جوارحهم، أو على ما لو فرض إليهم كان معصية وكفرا.
стр. 165
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٤٠) [النساء: ٤٠] عام مطرد، ومفهوم الموافقة دل على نفي الظلم في أكبر من ذلك.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ (٤٣) [النساء: ٤٣] يستدل بها على صحة تكليف من لا يفهم كالناسي والسكران. إذا كان هذا خطابا تكليفيا للسكارى، ولا حجة فيه، إنما هو خطاب للصحابة أن لا يقربوا الصلاة حال سكرهم أو خطاب لهم بأن لا يسكروا ثم يقربوا الصلاة.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾ (٤٨) [النساء: ٤٨] فيها مسألتان:
إحداهما: أن الشرك لا يغفر لمن مات عليه ومدركه سمعي كهذه الآية ونحوها، لا عقلي إذ العقل لا يمنع العفو عن كل كافر.
المسألة الثانية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٥٦) [النساء: ٥٦] يقتضي أن أفعاله- -وأحكامه معللة بالأمور الحكمية، وقد اختلف في تعليل أحكامه- -على قولين: أحدهما: لا تعلل، لأن كل من فعل فعلا لعلة كان مستكملا بتلك العلة، ما لم يكن له قبلها/ [١٠٥/ل] من الكمال، فيكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره، وذلك على الله- -محال.
والثاني: أنها تعلل؛ لأن كل فعل لا علة له ولا غاية فهو عبث، [والعبث] على الله- -محال.
والتحقيق في هذا أن العلة تارة يراد بها موجب الفعل وموجده، وتارة غايته والحكمة الباعثة على فعله؛ فإن أريد بالعلة هاهنا الأولى، فالله- -هو علة أفعاله لا علة لها سواه، وإن أريد بها الثانية؛ فلا بد منها تحرزا عن لزوم العبث، إذ من لا غاية لفعله يقصدها به إما عابث أو فاعل بالطبع، وكلاهما على الله- -محال، ولا يلزم استكماله
стр. 166
بغيره، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت مصالح أفعاله ونفعها عائدا إليه، وليس كذلك إنما هي عائدة إلى خلقه، فالكمال المستفاد بتلك العلل الغائية لهم لا له .
فإن قيل: أي نفع لخلقه في تجديد جلود أهل النار ليذوقوا العذاب؟
قلنا: زجر السامعين بذلك ليرتدعوا من مثل أفعال أولئك المعذبين.
﴿* إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٥٨) [النساء: ٥٨] عام، ربما خص بما إذا تعلق برد الأمانة مفسدة راجحة مثل مال المحجور عليه بيد الولي إذا خاف من رده إليه تضييعه، وسلاح أهل الحرب والبغاة ونحوهم، إذا كان أمانة وعلم أو ظن أنه إن رد إليهم استعانوا به على الفساد فيجب تعويقه/ [٥٠/أ/م] حتى تؤمن غائلته وأشباه ذلك.
﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] عام مطرد.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٥٩) [النساء: ٥٩] عام مخصوص، بما إذا دعوا إلى بدعة أو معصية لا تجوز طاعتهم، لقوله ﷺ :
«إنما الطاعة في المعروف لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع، وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة لهم حجة.
﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] يحتج به الظاهرية على إنكار القياس، لأن الحكم إما مجمع عليه، فلا حاجة إلى القياس فيه، أو مختلف فيه، فيجب رده إلى الله والرسول والمراد كتاب الله- -وسنة رسوله ﷺ واستفادته منهما وهذا موضع بيان، فلو كان القياس مدركا للحكم لوجب ذكره هاهنا، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وأنه باطل، وأجاب القياسيون/ [١٠٦/ل] بأن القياس مستفاد من الكتاب والسّنّة، فرد الحكم إليهما يتضمن اعتبار القياس لأنا نقول: القياس يقتضي أن الحكم المتنازع فيه كذا وكذا.
والكتاب والسّنّة دلا على أن القياس دليل معتبر.
стр. 167
[النساء: ٦٤] هذه اللام تفيد تعليلا تكليفيا لا تكوينيا قدريا، ومعناه: إنا أرسلنا الرسل لقصد تكليف الناس طاعتهم، وليس المراد أنا أرسلناهم وقدرنا طاعة الخلق لهم، إذ لو قدرت طاعتهم من جميع الخلق لكانت، لكن الواقع بخلافه بدليل معصية الأكثر لهم، وهذا هو القول في نحو: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) [الذاريات: ٥٦] وأشباهه، وأما قوله- ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ فأفاد أن طاعة المطيع مشروطة بإذن الله- -فيها وتقديره لها، بحيث إنها بدون ذلك لا توجد، وهذا متردد بين المعتزلة والجمهور؛ لأن المعتزلة يقولون: أشار بإذن الله إلى الإمداد بالألطاف، والأفعال مخلوقة للمكلفين. والجمهور يقولون: أشار به إلى أنه يخلق أفعالهم على وفق إرادتهم وأكسابهم، أما باقي الآية وهو: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (٦٤) [النساء: ٦٤] فيقوي به المعتزلة دعواهم [إذ هم] لا يكونون ظالمين بما هو فعل لله- -ولا مستغفرين منه، ولو كان كذلك لكان الله- -غافرا لفعل نفسه.
والجواب على رأي الكسبية والمجبرة معروف، وقد تكرر في عدة مواضع، وقد سبقت قاعدته.
قوله- : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٦٥) [النساء: ٦٥] هذه عظيمة في الاعتصام بالسّنّة والتسليم لأمر الرسول ﷺ وقد/٥٠ ب/م] تنازعتها فرق الأمة في المسائل التي كفر بها بعضهم بعضا، إذ كل فرقة تقول للأخرى: لو آمنتم لسلمتم ما جاء عن الرسول ﷺ لكنكم لم تسلموا فأنتم كفار أو ضلال وخصوصا الشيعة والسّنّة؛ فإن الشيعة زعموا أن الصحابة لم يحكموا النبي ﷺ في أمر الإمامة ولم يسلموا له حكمه؛ إذ خالفوا نصه عليّ يوم الغدير فخرجوا عن الإيمان بذلك.
والسّنّة قالوا لهم: أنتم لم تحكموا النبي ﷺ ولم تسلموا له، إذ نص على فضل- الصحابة-﵃-وقطع لهم بالجنة معينا منهم وغير معين، ثم أنتم تكفرونهم فخرجتم عن الإيمان بذلك.
стр. 168
هكذا ترتيبهم في الحقيقة فقد يحتج به من يرى الواو للترتيب، ولا حجة فيه لأن هذا ترتيب اتفاقي لا اقتضائي.
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] هو من باب: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٥٤) [آل عمران: ١٥٤] وقد سبق القول فيها، وإدراك الموت لهم، إما بدخوله عليهم غير مانع أو بخروجهم إليه بما يخلق في نفوسهم من دواعي الخروج والصوارف عن القعود.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (٧٨)
[النساء: ٧٨] يعني السيئة والحسنة وهما المكروه والمحبوب والجدب والخصب، ويتناول بعمومه الطاعة والمعصية لأنهما حسنة وسيئة ويحتج به الجمهور على أن الله- خالق المعاصي والشرور حتى جعل من خالف ذلك لا يكاد يفقه بما ذكر في تمام الآية.
وعارضت المعتزلة بقوله- ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٧٩) [النساء: ٧٩] وأجيب بأن معناه فبكسبك جزاء على فعلك نحو ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٦٦) [آل عمران: ١٦٦] مع قوله- : ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٦٥) [آل عمران: ١٦٥]. وقيل: معناه فمن نفسك على جهة الإنكار أي ليست السيئة التي تصيبك من نفسك فتنفق مع التي قبلها، وحذف همزة الاستفهام إذا دل عليه دليل جائز نحو:
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (٣٤) [الأنبياء: ٣٤] أي: أفهم الخالدون.
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
стр. 169
(٧٩) [النساء: ٧٩] فيه عموم الدعوة إلى عموم الناس نحو ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) [سبأ: ٢٨].
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨]
﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٧٩) [النساء: ٧٩] أي على رسالتك يشهد لك بإظهار المعجزات على صدقك، إذ المعجز في قوة قول الله . صدق عبدي في أنه رسولي، وهاتان من مسائل النبوات، والثانية مقررة للأولى؛ لأنه إنما [بينت عموم دعوته بإخباره وما ورد على لسانه، وخبره إنما يقبل إذا ثبت صدقه، وصدقه إنما] ثبت بالمعجز، فإذن نظم الدليل هكذا: محمد ﷺ أتى بالمعجز وكل من أتى بالمعجز فهو صاد [ق: وكل [٥١ أ/م] صادق يجب قبول خبره [فمحمد ﷺ يجب قبول خبره]، وقد أخبر بعموم دعوته فيجب قبول خبره بعموم دعوته وهو المطلوب.
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ (٨٠) [النساء: ٨٠] هذه وأمثالها نحو ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ (١٧٤) [الصافات: ١٧٤] وأشباهه يحتمل أنه إشارة إلى الوعيد لهم فيكون محكما، ويحتمل أنه على ظاهره في التولي والإعراض عن قتالهم فيكون منسوخا بآية السيف، وهذه كالقاعدة الكلية في هذا الضرب/ [١٠٨/ل] والأشبه أنها وعيد فلا نسخ وأيضا الأصل عدمه (فأعرض عنهم) من هذا الباب.
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٨٢) [النساء: ٨٢] هذا قياس استثنائي، يستثنى منه نقيض التالي، فينتج عين المقدم هكذا، لكن لا يجدون فيه اختلافا فليس هو من عند غير الله [فهو إذن من عند الله] .
وهذا القياس يلزمه لو لم يكن من عند الله لما اتفق لكن اتفق فهو من عند الله، والمراد بالاختلاف التناقض المحض بشروطه، وهو ليس موجودا في القرآن كما بيناه في كتاب «دفع التعارض عما يوهم التناقض» لا مطلق الاختلاف؛ لأنه موجود كثيرا في القرآن لكن ذلك لا يقدح؛ فإن قيل: لم قلتم: إنه لو كان من عند غير الله لزمه الاختلاف وظاهر أنه ليس كذلك؟ فإن كثيرا من الكتب المصنفة هي من عند غير الله- -ولا
стр. 170
اختلاف فيها [لإتقان مصنفها له] وتدبرهم إياها.
وجوابه من وجهين: أحدهما أن مثل القرآن في نظمه وطريق إعجازه لو قدر أن بشرا تكلفه في مثل حجمه للزمه الاختلاف لو عورة طريقه على السالك غير المعصوم.
الثاني: أنه لو تكلفه بشر بغير إذن إلهي لأعجزه الله فيه بوقوع الاختلاف فيه الدال على كذبه لما عرف من أنه- -لا يؤيد بالمعجزة كذابا، تمييزا للصادق من غيره.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (٨٧) [النساء: ٨٧].
هاهنا مسألتان: إحداهما: التوحيد الذي هو مقتضى لا إله إلا الله.
والثانية: المعاد والحشر ليوم القيامة، وسيأتي برهانهما في موضعه إن شاء الله- .
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (٨٧) [النساء: ٨٧] عام مطرد، أي: لا أحد أصدق منه حديثا، وفيه تقرير لدعوى التوحيد والمعاد المذكورين في سياقه ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ الآية، هي من قواصم الظهر على المعتزلة لتصريحها بإسناد الإضلال إلى الله -وتأويلهم المشهور وهو أن معنى (أضل الله) أصابه ضالا من باب: أبخلت زيدا وأجبنته إذا أصبته كذلك لا يتجه هاهنا؛ لأن معنى الآية: أتريدون أن/ [٥١ ب/م] تناقضوا حكم الله- -فتجعلون مهتديا من جعله الله- -ضالا! ليس لها معنى إلا هذا، وهو [يأبى] تأويلهم
﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (٨٨)
[النساء: ٨٨] يعني إلى الرشد؛ لأن من يضله الله- -يسد عليه طرق الاهتداء بما يخلق في نفسه من الصوارف عنه والدواعي إلى الضلال، ويطبع على قلبه ومن يفعل الله- -ذلك به لا يجد إلى الرشد سبيلا وهو عام مطرد.
стр. 171
قتل المؤمن خطأ، وإنما التقدير لكن إن قتله خطأ فالإثم ساقط، ويحتمل كونه متصلا على تقدير ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً﴾ إذ قتله حرام يأثم به إلا قتله خطأ فلا يأثم به ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ﴾ [النساء: ٩٢] هو عام مطرد في الرقبة لأنها حق الله- -ومخصوص في الدية بما إذا تصدق بها الأولياء على القاتل سقطت؛ لأنها حقهم ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] هو عام مطرد فيمن لم يقدر على عتق رقبة، أن يصوم شهرين.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ (٩٣) [النساء: ٩٣] احتج بها المعتزلة على تخليد قاتل المؤمن عمدا عدوانا.
ونقل عن ابن عباس القول بتخليده، وقال: تكاتف الوعيد فيها، ولم ينزل بعدها ما ينسخها. ثم طرد المعتزلة حكمها في كل ذي كبيرة لم يتب عنها.
وأجاب الجمهور بوجوه: أحدها أنها محمولة على القاتل مستحلا؛ لأنه حينئذ يكفر باستحلال القتل، وحكمه التخليد، أما غير المستحل فلا، [فهي] عندهم عام مخصوص، وقد [أجمعنا] على تخصيص عمومها بالقتل العدوان إذ ظاهره أن المتعمد كيف ما قتل وجب تخليده.
وبالإجماع لو قتله عمدا في حد أو قصاص لما كان عليه حرج والعام إذا خص ضعف.
ومن ثم اختلف في كونه حجة بعد التخصيص، وحينئذ يتسلط عليها تخصيصنا المذكور.
والثاني: أنها نسخت بآية الفرقان ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٧٠) [الفرقان: ٧٠] الآيتان بالآية ولقائل أن يقول: دعوى نسخها ضعيفة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ، لأن ذلك يستلزم الكذب، ويجاب عنه بأنها وإن كانت خبرا لكنها تضمنت حكما شرعيا والخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه من جهة كونه حكما شرعيا لا من جهة كونه خبرا.
الثالث: أنها معارضة بقوله- : ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ وهو يتناول القتل عمدا، وهو يقتضي أن القاتل عمدا في المشيئة لا مجزوم له بالتخليد، ولقائل أن يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ (٩٣) [النساء: ٩٣] أخص من ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ﴾
стр. 172
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) [النساء: ٤٨] [٥٢ أ/م] والخاص مقدم، ومما يجاب به عنها الأحاديث الصحيحة المستفيضة [١١٠/ل] في أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله (١) وهو يتناول القاتل عمدا وغيره. ولقائل أن يقول: الآية أخص من مقتضى الحديث، والخاص مقدم.
﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٩٥) [النساء: ٩٥] [أول ما نزلت] هكذا عامة، ثم خصصت ب ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] وهي تقتضي التسوية بين المجاهد بماله ونفسه، والقاعد عن الجهاد [لضرر أو زمانة بنية الجهاد] لو قدر وزايله الضرر، وهو موافق لأحاديث السّنّة نحو حديث مسلم من رواية سهل بن حنيف عن النبي ﷺ أنه قال: «من سأل الشهادة خالصا من قلبه بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (٢)، وقوله ﷺ في بعض مغازيه: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا نزلتم منزلا إلا كانوا معكم» قالوا: وهم بالمدينة؟ ! قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر» (٣).
ومن هاهنا أخذ علي-﵁-قوله فيما روي عنه أنه قال في حروبه في الجمل وصفين والنهروان: لقد حضر حروبنا هذه قوم هم الآن في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، سيلفظهم الدهر. أي حضروا معنا بالنيات على تقدير وجودهم، ولعلك تستبعد هذا، وهو قريب جدا إذ ليس مقصود الجهاد نصرة الله- -من كل، ولا تكثيره من قل؛ لأن الله- -قادر على الانتصار من كل عدو له بكلمة أو يجمعهم على الإيمان به والطاعة له، فلا يبقى له عدو، وإنما مقصود الجهاد امتحان النفوس
стр. 173
ببذلها في حبه وتعريضها للهلاك في سبيله، ولا فرق في ذلك بين من بذل نفسه بالفعل ومن بذلها بالقوة بالنية الصادقة.
وشواهد هذا كثيرة ومرجع الجميع إلى أن الأعمال بالنيات ولا يقدح فيما ذكرناه.
قوله- : ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٩٥) [النساء: ٩٥] لأن المراد بالقاعدين بغير نية الجهاد، أو أنه يفضلهم من جهة دون جهة مثل أن يسوي بين الفريقين في كمية الأجر، ويفضل المجاهدين في كيفيته.
ونحو ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٩٧) [النساء: ٩٧] يحتج بها الشيعة على التقية كما فعل البخاري في كتابه. وقد سبق وجه الاستدلال بها في آل عمران.
﴿* وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٠٠) [النساء: ١٠٠] يحتج بها المعتزلة على أن ثواب الطاعة واجب على الله- -ويتبع ذلك أن أفعال المكلفين مخلوقة لهم. وقد سبق الجواب عن ذلك.
﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ (١٠١) [النساء: ١٠١] يحتج بهذه مع قول يعلى بن منية (١): ما بالنا/ [٥٢/ب/م] نقصر وقد أمنا-على أن مفهوم الشرط حجة. ووجهه أن هذا الرجل العربي فهم من تعليق جواز قصر الصلاة على الخوف انتفاءه عند انتفاء الخوف، وكذلك/ [١١١/ل] عمر بن الخطاب-رضوان الله عليه- فهم ذلك فأقرهما النبي ﷺ على فهمهما، ثم بين لهما أن انتفاء الجواز عند [الانتفاء] إنما
стр. 174
هو من جهة أخرى وهي الصدقة عليهم والتخفيف عنهم.
ولولا أن المفهوم المذكور حجة لما فهماه ولما أقرهما النبي ﷺ على فهمهما إياه.
وبعضهم يترجم مفهوم الشرط بأن يقول: المعلق على شيء بحرف «إن» عدم عند ذلك الشيء نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق؛ علق طلاقها على الدخول، فينتفي عند انتفاء الدخول.
والمفهوم على أضرب: مفهوم الشرط والحصر والصفة والعدد واللقب وغير ذلك مما سيقع في مواضعه إن شاء الله، .
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ (١٠١) [النساء: ١٠١] هو لكفار معهودين، أو عام أريد به الخاص، أو عام خص بمن أسلم منهم بعد ذلك أو صار أخا وصديقا لا عدوا، أو المراد: كانوا لكم عدوا حال كفرهم.
﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ (١٠٢) [النساء: ١٠٢] فيه دليل على جواز فرض مسائل لم تقع بعد، وإعداد حكمها لوقت وقوعها؛ لأن الله- -بين لهم حكم المطر والمرض قبل وقوعه على تقدير وقوعه.
﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١٠٤) [النساء: ١٠٤] فيه ترجيح أحد الدليلين المتعارضين بما يختص به من أسباب القوة؛ لأن الله- -قال للمؤمنين: جدوا في جهاد الكفار، ولا يصدنكم عنهم ألم الجهاد؛ فإن الألم مشترك بينكم وبينهم، وتترجحون عليهم برجاء ثواب الآخرة دونهم، وذلك مما يناسب جدكم في جهادكم.
стр. 175
ويحتمل أن المراد: بما أراكه بواسطة نظرك واجتهادك في أحكام الكتاب وأدلته. وفيه على هذا دليل على أنه-﵊-كان يجتهد فيما لا نص عنده فيه من الحوادث. وهي مسألة خلاف في أصول الفقه.
حجة من أجاز هذه الآية وأن الاجتهاد في الأحكام منصب كمال، فلا ينبغي أن يفوته ﷺ وقد دل على وقوعه منه قوله ﷺ : «لو قلت: نعم، لوجبت» (١).
و«لو سمعت شعرها قبل قتله لم أقتله» (٢) في قضيتين مشهورتين.
حجة المانع: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) [النجم: ٣، ٤] ولأنه قادر على يقين الوحي، والاجتهاد لا يفيد اليقين [١١٢/ل] فجوازه في حقه والحالة هذه كالتيمم/ [٥٣ أ/م] مع القدرة على الماء.
ثم على القول الأول: وهو أن الاجتهاد جائز له؛ هل يقع منه الخطأ أم لا؟ فيه قولان للأصوليين، أحدهما: لا (٣) لعصمته، ﷺ .
والثاني: نعم (٤)، بشرط أن لا يقر عليه، استدلالا بنحو: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ (٤٣) [التوبة: ٤٣].
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٧) [الأنفال: ٦٧] ونحو ذلك.
ويتعلق بهذا مسألة التفويض: وهي أنه هل يجوز أن يفوض الله- -إلى نبي حكم الأمة؛ بأن يقول: احكم بينهم باجتهادك، وما حكمت به فهو حق، أو وأنت لا تحكم إلا بالحق؟ فيه قولان، أقربهما الجواز، وهو قول موسى بن عمران من الأصوليين؛ لأنه مضمون له إصابة الحق، وكل مضمون له ذلك جاز له الحكم أو يقال: هذا التفويض
стр. 176
لا محذور فيه، وكل ما كان كذلك كان جائزا.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ (١٠٨) [النساء: ١٠٨] هذه المعية عند الجمهور بالعلم، وعند بعض الفرق من المتكلمين والصوفية بالذات كالهواء مع الناس بذاته ولا يرونه، والأول قول الأئمة.
والخلاف مطرد في ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ (٤٦) [طه: ٤٦] ﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١٥) [الشعراء: ١٥] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) [المجادلة: ٧] ونحوه.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ (١٠٨) [النساء: ١٠٨] عام مطرد، أي بالعلم، وهو يدل على قول الأئمة في أن المعية بالعلم أيضا.
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ (١٠٩) [النساء: ١٠٩] ظاهره استعمال الجدل يوم القيامة عند الحساب، يحتج الله- -على خلقه، ويحتج كل منهم لنفسه، ويحتج بعض الناس على بعض؛ بدليل: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٧٦) [البقرة: ٧٦] وهو يدل على شرف علم الجدل؛ إذا كان طريقا إلى لزوم الحق ونفي الباطل في الدنيا والآخرة.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١١٠) [النساء: ١١٠] عام، لكن بشرط الإخلاص في التوبة والاستغفار وسابقة القبول.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١١) [النساء: ١١١] عام مطرد.
стр. 177
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (١١٢) [النساء:
١١٢] عام خص منه من دخل دار الحرب بغير أمان ولا عهد، بل مغيرا أو متلصّصا جاز أن يقتل ما شاء، ويحيل به على بعضهم؛ لأن له أذاهم مباشرة فبالتسبب أولى.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ (١١٣) [النساء:
١١٣] عام أريد به الخاص وهو الضرر في الدين؛ بدليل ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣] وإن حمل على أنه عام مطلق كان مخصوصا بما لحقه من أذى الكفار وضررهم كيوم أحد ونحوه. [١١٣/ل].
﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (١١٣) [النساء: ١١٣] إن أريد بالحكمة السّنّة دل على أنها منزلة كالكتاب، وكان / [٥٣ ب/م] هذا شاهدا، وموافقا لقوله ﷺ : «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، وإن جبريل يأتيني بالسّنّة كما يأتيني بالقرآن» (١).
﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] إن جعلنا «ما» نكرة موصوفة: أي علمك شيئا لم تكن تعلمه؛ فلا عموم. وإن كانت خبرية عامة فالمراد بها خصوص ما علمه، أو كانت مخصوصة بما استبد الله- -به مما لم يكن يعلمه، بدليل:
﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١١٤) [طه: ١١٤] ولو كان قد علم كل ما لم يعلم لم يبق شيء يسأل زيادة علمه.
﴿* لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١١٤) [النساء: ١١٤] عام في نفي الخير فيه، خص بالاستثناء المذكور.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ [النساء: ١١٤] عام مطرد.
قوله : ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (١١٥) [النساء: ١١٥] هذه
стр. 178
عمدة الجمهور في أن الإجماع حجة (١) وتقريره أن الله- -توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين؛ فدل على تحريمه ويلزم منه وجوب اتباع سبيل المؤمنين وهو الإجماع، أو نقول: اتباع غير سبيل المؤمنين متوعد عليه، وكل متوعد عليه حرام، فاتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وسبيل المؤمنين هو الإجماع، فاتباع غير الإجماع حرام، فاتباع الإجماع واجب، واعترض عليه بوجوه: الأول: أن قولكم: توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، تريدون أنه توعد عليه وحده أو مع غيره؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، لكنه حينئذ لا يدل على تحريمه؛ لجواز أن يكون التحريم إنما هو للجموع المركب من اتباع غير سبيل المؤمنين ذلك الغير، وهو مشاقة الرسول هاهنا، فلا يكون اتباع غير سبيل المؤمنين بمفرده حراما.
الوجه الثاني: سلمنا أن التوعد عليه بمفرده، وأن ذلك يدل على تحريمه لكن لم قلتم: إنه يلزم منه حينئذ وجوب اتباع سبيل المؤمنين؟ وظاهر أنه ليس كذلك لاحتمال الواسطة بين سبيل المؤمنين وسبيل غيرهم. وهو الوقف بين طريقين لا طريق هؤلاء، ولا طريق هؤلاء، بل بينهما وسطاء، إما على [جهة الجواز] والإباحة التي لا رجحان لأحد طرفيها، أو على جهة الوقف والتردد في مهلة النظر وبتقدير هذه الواسطة [لا يلزم اتباع سبيل المؤمنين، وفي هذا الوجه نظر؛ لأن هذه الواسطة] إنما تصور لو قيل: «ويتبع سبيل غير المؤمنين» أما إذا قيل: ويتبع غير سبيل المؤمنين فتندرج الواسطة المذكورة تحت هذا القسم الممنوع فلا يبقى متعينا إلا اتباع سبيل المؤمنين.
الوجه الثالث: لم قلتم: إن/ [٥٤ أ/م] سبيل المؤمنين/ [١١٤/ل] هو الإجماع ولا بد، بل جاز أن يكون سبيل المؤمنين هو اتباع الرسول ﷺ وترك مشاقته المتوعد عليها، حتى كأنه قيل: ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين في متابعته وترك شقاقه، وحينئذ يكون الوعيد على الكفر وترك الإيمان لا على ترك الإجماع.
وجاز أن يكون سبيل المؤمنين هو ما صاروا به مؤمنين وهو الإيمان حتى كأنه قيل:
ويتبع غير سبيل المؤمنين، وهو الإيمان، وهذا متجه جدا؛ لأنه يصير من باب اقتران الحكم بالوصف المناسب لاشتقاق المؤمنين من الإيمان، وجاز أن يكون سبيل المؤمنين هو ما سبق في الآية قبلها، وهو الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح، حتى كأنه قيل: ويتبع غير سبيل المؤمنين في الأمر بهذه الخصال.
стр. 179
وإذا احتمل سبيل المؤمنين هذه المعاني امتنع تعينه للإجماع، أو نقول حينئذ: تبقى الآية فيه ظاهرا لا قاطعا، ثم يلزم المحال من وجهين: أحدهما إثبات القاعدة القاطعة بالظاهر المحتمل، وهو إثبات الأقوى بالأضعف، وهو باطل.
والثاني: أن الظاهر إنما عمل به بالإجماع، فلو أثبت الإجماع بالظاهر لزم الدور، وأنه محال لاستناد الإجماع إلى نفسه بواسطة العمل بالظاهر.
الوجه الرابع: قوله في الطريقة الثانية: اتباع غير سبيل المؤمنين متوعد عليه [يتوجه عليه] أسئلة:
أحدها: الوجه الأول على الطريقة الأولى.
الثاني: أن غير لا يتعرف بالإضافة، وحينئذ يبقى تقدير الكلام: ويتبع غير سبيل المؤمنين أي ويتبع مغايرا لسبيل المؤمنين وحينئذ يكون هذا مطلقا في غير سبيل المؤمنين، لا عاما في كل ما غاير سبيل المؤمنين وإذا كان الأمر كذلك احتمل [أن يكون السبيل المتوعد عليه المغاير لسبيل المؤمنين سبيلا معهودا هو سبيل] الكفر.
ويحصل بذلك الوفاء بوظيفة اللفظ المطلق فلا يبقى اللفظ واجب التناول للإجماع.
ويجاب عن هذا بأن غير إذا تعين ما أضيفت إليه، تعرفت نحو هذا الحق غير الباطل، وهاهنا قد تعين ما أضيفت إليه وهو سبيل المؤمنين [فتعرفت به].
الثالث: أن اللام في المؤمنين يحتمل أنها للعموم، فيقرب ما قلتم، ويحتمل أنها لبعض معهود منهم، فيبقى تقديره: ويتبع غير سبيل قوم مخصوصين من المؤمنين؛ فلا يكون المراد / [١١٥/ل] به الإجماع، ثم نقول: ما ذكرتم من الدليل لو دل على أن الإجماع حجة لكان عندنا ما/ [٥٤ ب/م] يعارضه، وذلك من وجوه:
أحدها: أن ابن عباس خالف عثمان في حجب الأم باثنين من الإخوة والأخوات؛ وقال: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك. فاحتج عليه عثمان بالإجماع قبله، وفي عصره على ذلك؛ فلم يرجع ابن عباس إليه واستمر ابن عباس على خلافه، ولم ينكر عليه عثمان ولا أخذ على يده ورده إلى إجماع الناس؛ ولو كان الإجماع حجة لما استمر ابن عباس على خلافه، ولا أقره عثمان على ذلك. وأيضا فأحد الأمرين لازم، إما أن ما احتج به عثمان ليس بإجماع مع أنه إجماع الشيخين في عصرهما فغيره في عصرهما فغيره في الأعصار بعد ذلك أولى أن لا يكون إجماعا، أو أن ابن عباس خالف الإجماع، وأقره عثمان على ذلك.
الوجه الثاني: أن ابن مسعود كان لا يجوز لمن عدم الماء أن يتيمم كما ثبت في البخاري في مناظرته أبا موسى على ذلك، وهذا منه مخالف للنصّ والإجماع؛ فإن كان ابن مسعود
стр. 180
مصيبا في ذلك كان الإجماع على جواز التيمم لعادم الماء، فلا يكون الإجماع حجة لجواز الخطأ فيه، وإن كان مخطئا فالصحابة لم ينكروا عليه مخالفته للإجماع، فيكون إجماعهم على ترك الإنكار خطأ، فلا يكون الإجماع [حجة لما] ذكرنا.
الثالث: أن الإجماع: هو اتفاق مجتهدي المؤمنين على أمر ديني، والمؤمن من اتصف بالإيمان، والإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبذلك فسره النبي ﷺ في حديث جبريل-﵇-المتفق عليه (١)، ثم إن المؤمنين المتصفين بهذا الإيمان المصدقين بهذه الأركان-قد اشتهر انقسامهم إلى نيف وسبعين فرقة منهم من يرى الإجماع حجة، ومنهم من لا يراه؛ كالشيعة والخوارج والنظام (٢)، ومن تابعهم.
فإن أريد بالإجماع سبيل المجتهدين من طوائف الأمة كلها النيف والسبعين لم ينكر وجوده؛ لأن بعضهم ينكر كونه حجة [فلا يمكن اعتبار موافقته في الإجماع؛ لأن اعتباره في الإجماع فرع على كونه يرى الإجماع حجة]، والأصل منتف فالفرع أولى.
وإن أريد بالإجماع سبيل المجتهدين من بعض طوائف الأمة/ [١١٦/ل] فهؤلاء بعض المؤمنين، والآية إنما نزلت على وجوب اتباع سبيل مجتهدي (٣) جميع المؤمنين لا سبيل مجتهدي بعضهم.
واعلم أن هذه إشكالات صعبة على الإجماع عند من هو فاضل يدري ما يقول.
ويقال له: ولا تظن هذا غريبا مني، فقد وقفت على شرح وريقات إمام الحرمين، للشيخ الإمام الفاضل تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، المعروف بالفركاح الدمشقي (٤). وقد زيف فيها أدلة الإجماع بأسرها/ [٥٥ أ/م] ولم يعتمد منها إلا على ما هو تحلة القسم. والذي يقتضيه النظر أن الإجماع أحد أدلة الشرع كالنص والقياس؛ وربما قدم عليه الظاهر كما قدمه ابن عباس عليه؛ إذ قدم ظاهر: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾
следующие страницы →