Полный текст (691 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
لا محذور فيه، وكل ما كان كذلك كان جائزا.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ (١٠٨) [النساء: ١٠٨] هذه المعية عند الجمهور بالعلم، وعند بعض الفرق من المتكلمين والصوفية بالذات كالهواء مع الناس بذاته ولا يرونه، والأول قول الأئمة.
والخلاف مطرد في ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ (٤٦) [طه: ٤٦] ﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١٥) [الشعراء: ١٥] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) [المجادلة: ٧] ونحوه.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ (١٠٨) [النساء: ١٠٨] عام مطرد، أي بالعلم، وهو يدل على قول الأئمة في أن المعية بالعلم أيضا.
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ (١٠٩) [النساء: ١٠٩] ظاهره استعمال الجدل يوم القيامة عند الحساب، يحتج الله- -على خلقه، ويحتج كل منهم لنفسه، ويحتج بعض الناس على بعض؛ بدليل: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٧٦) [البقرة: ٧٦] وهو يدل على شرف علم الجدل؛ إذا كان طريقا إلى لزوم الحق ونفي الباطل في الدنيا والآخرة.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١١٠) [النساء: ١١٠] عام، لكن بشرط الإخلاص في التوبة والاستغفار وسابقة القبول.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١١) [النساء: ١١١] عام مطرد.
стр. 177
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (١١٢) [النساء:
١١٢] عام خص منه من دخل دار الحرب بغير أمان ولا عهد، بل مغيرا أو متلصّصا جاز أن يقتل ما شاء، ويحيل به على بعضهم؛ لأن له أذاهم مباشرة فبالتسبب أولى.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ (١١٣) [النساء:
١١٣] عام أريد به الخاص وهو الضرر في الدين؛ بدليل ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣] وإن حمل على أنه عام مطلق كان مخصوصا بما لحقه من أذى الكفار وضررهم كيوم أحد ونحوه. [١١٣/ل].
﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (١١٣) [النساء: ١١٣] إن أريد بالحكمة السّنّة دل على أنها منزلة كالكتاب، وكان / [٥٣ ب/م] هذا شاهدا، وموافقا لقوله ﷺ : «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، وإن جبريل يأتيني بالسّنّة كما يأتيني بالقرآن» (١).
﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] إن جعلنا «ما» نكرة موصوفة: أي علمك شيئا لم تكن تعلمه؛ فلا عموم. وإن كانت خبرية عامة فالمراد بها خصوص ما علمه، أو كانت مخصوصة بما استبد الله- -به مما لم يكن يعلمه، بدليل:
﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١١٤) [طه: ١١٤] ولو كان قد علم كل ما لم يعلم لم يبق شيء يسأل زيادة علمه.
﴿* لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١١٤) [النساء: ١١٤] عام في نفي الخير فيه، خص بالاستثناء المذكور.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ [النساء: ١١٤] عام مطرد.
قوله : ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (١١٥) [النساء: ١١٥] هذه
стр. 178
عمدة الجمهور في أن الإجماع حجة (١) وتقريره أن الله- -توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين؛ فدل على تحريمه ويلزم منه وجوب اتباع سبيل المؤمنين وهو الإجماع، أو نقول: اتباع غير سبيل المؤمنين متوعد عليه، وكل متوعد عليه حرام، فاتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وسبيل المؤمنين هو الإجماع، فاتباع غير الإجماع حرام، فاتباع الإجماع واجب، واعترض عليه بوجوه: الأول: أن قولكم: توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، تريدون أنه توعد عليه وحده أو مع غيره؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، لكنه حينئذ لا يدل على تحريمه؛ لجواز أن يكون التحريم إنما هو للجموع المركب من اتباع غير سبيل المؤمنين ذلك الغير، وهو مشاقة الرسول هاهنا، فلا يكون اتباع غير سبيل المؤمنين بمفرده حراما.
الوجه الثاني: سلمنا أن التوعد عليه بمفرده، وأن ذلك يدل على تحريمه لكن لم قلتم: إنه يلزم منه حينئذ وجوب اتباع سبيل المؤمنين؟ وظاهر أنه ليس كذلك لاحتمال الواسطة بين سبيل المؤمنين وسبيل غيرهم. وهو الوقف بين طريقين لا طريق هؤلاء، ولا طريق هؤلاء، بل بينهما وسطاء، إما على [جهة الجواز] والإباحة التي لا رجحان لأحد طرفيها، أو على جهة الوقف والتردد في مهلة النظر وبتقدير هذه الواسطة [لا يلزم اتباع سبيل المؤمنين، وفي هذا الوجه نظر؛ لأن هذه الواسطة] إنما تصور لو قيل: «ويتبع سبيل غير المؤمنين» أما إذا قيل: ويتبع غير سبيل المؤمنين فتندرج الواسطة المذكورة تحت هذا القسم الممنوع فلا يبقى متعينا إلا اتباع سبيل المؤمنين.
الوجه الثالث: لم قلتم: إن/ [٥٤ أ/م] سبيل المؤمنين/ [١١٤/ل] هو الإجماع ولا بد، بل جاز أن يكون سبيل المؤمنين هو اتباع الرسول ﷺ وترك مشاقته المتوعد عليها، حتى كأنه قيل: ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين في متابعته وترك شقاقه، وحينئذ يكون الوعيد على الكفر وترك الإيمان لا على ترك الإجماع.
وجاز أن يكون سبيل المؤمنين هو ما صاروا به مؤمنين وهو الإيمان حتى كأنه قيل:
ويتبع غير سبيل المؤمنين، وهو الإيمان، وهذا متجه جدا؛ لأنه يصير من باب اقتران الحكم بالوصف المناسب لاشتقاق المؤمنين من الإيمان، وجاز أن يكون سبيل المؤمنين هو ما سبق في الآية قبلها، وهو الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح، حتى كأنه قيل: ويتبع غير سبيل المؤمنين في الأمر بهذه الخصال.
стр. 179
وإذا احتمل سبيل المؤمنين هذه المعاني امتنع تعينه للإجماع، أو نقول حينئذ: تبقى الآية فيه ظاهرا لا قاطعا، ثم يلزم المحال من وجهين: أحدهما إثبات القاعدة القاطعة بالظاهر المحتمل، وهو إثبات الأقوى بالأضعف، وهو باطل.
والثاني: أن الظاهر إنما عمل به بالإجماع، فلو أثبت الإجماع بالظاهر لزم الدور، وأنه محال لاستناد الإجماع إلى نفسه بواسطة العمل بالظاهر.
الوجه الرابع: قوله في الطريقة الثانية: اتباع غير سبيل المؤمنين متوعد عليه [يتوجه عليه] أسئلة:
أحدها: الوجه الأول على الطريقة الأولى.
الثاني: أن غير لا يتعرف بالإضافة، وحينئذ يبقى تقدير الكلام: ويتبع غير سبيل المؤمنين أي ويتبع مغايرا لسبيل المؤمنين وحينئذ يكون هذا مطلقا في غير سبيل المؤمنين، لا عاما في كل ما غاير سبيل المؤمنين وإذا كان الأمر كذلك احتمل [أن يكون السبيل المتوعد عليه المغاير لسبيل المؤمنين سبيلا معهودا هو سبيل] الكفر.
ويحصل بذلك الوفاء بوظيفة اللفظ المطلق فلا يبقى اللفظ واجب التناول للإجماع.
ويجاب عن هذا بأن غير إذا تعين ما أضيفت إليه، تعرفت نحو هذا الحق غير الباطل، وهاهنا قد تعين ما أضيفت إليه وهو سبيل المؤمنين [فتعرفت به].
الثالث: أن اللام في المؤمنين يحتمل أنها للعموم، فيقرب ما قلتم، ويحتمل أنها لبعض معهود منهم، فيبقى تقديره: ويتبع غير سبيل قوم مخصوصين من المؤمنين؛ فلا يكون المراد / [١١٥/ل] به الإجماع، ثم نقول: ما ذكرتم من الدليل لو دل على أن الإجماع حجة لكان عندنا ما/ [٥٤ ب/م] يعارضه، وذلك من وجوه:
أحدها: أن ابن عباس خالف عثمان في حجب الأم باثنين من الإخوة والأخوات؛ وقال: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك. فاحتج عليه عثمان بالإجماع قبله، وفي عصره على ذلك؛ فلم يرجع ابن عباس إليه واستمر ابن عباس على خلافه، ولم ينكر عليه عثمان ولا أخذ على يده ورده إلى إجماع الناس؛ ولو كان الإجماع حجة لما استمر ابن عباس على خلافه، ولا أقره عثمان على ذلك. وأيضا فأحد الأمرين لازم، إما أن ما احتج به عثمان ليس بإجماع مع أنه إجماع الشيخين في عصرهما فغيره في عصرهما فغيره في الأعصار بعد ذلك أولى أن لا يكون إجماعا، أو أن ابن عباس خالف الإجماع، وأقره عثمان على ذلك.
الوجه الثاني: أن ابن مسعود كان لا يجوز لمن عدم الماء أن يتيمم كما ثبت في البخاري في مناظرته أبا موسى على ذلك، وهذا منه مخالف للنصّ والإجماع؛ فإن كان ابن مسعود
стр. 180
مصيبا في ذلك كان الإجماع على جواز التيمم لعادم الماء، فلا يكون الإجماع حجة لجواز الخطأ فيه، وإن كان مخطئا فالصحابة لم ينكروا عليه مخالفته للإجماع، فيكون إجماعهم على ترك الإنكار خطأ، فلا يكون الإجماع [حجة لما] ذكرنا.
الثالث: أن الإجماع: هو اتفاق مجتهدي المؤمنين على أمر ديني، والمؤمن من اتصف بالإيمان، والإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبذلك فسره النبي ﷺ في حديث جبريل-﵇-المتفق عليه (١)، ثم إن المؤمنين المتصفين بهذا الإيمان المصدقين بهذه الأركان-قد اشتهر انقسامهم إلى نيف وسبعين فرقة منهم من يرى الإجماع حجة، ومنهم من لا يراه؛ كالشيعة والخوارج والنظام (٢)، ومن تابعهم.
فإن أريد بالإجماع سبيل المجتهدين من طوائف الأمة كلها النيف والسبعين لم ينكر وجوده؛ لأن بعضهم ينكر كونه حجة [فلا يمكن اعتبار موافقته في الإجماع؛ لأن اعتباره في الإجماع فرع على كونه يرى الإجماع حجة]، والأصل منتف فالفرع أولى.
وإن أريد بالإجماع سبيل المجتهدين من بعض طوائف الأمة/ [١١٦/ل] فهؤلاء بعض المؤمنين، والآية إنما نزلت على وجوب اتباع سبيل مجتهدي (٣) جميع المؤمنين لا سبيل مجتهدي بعضهم.
واعلم أن هذه إشكالات صعبة على الإجماع عند من هو فاضل يدري ما يقول.
ويقال له: ولا تظن هذا غريبا مني، فقد وقفت على شرح وريقات إمام الحرمين، للشيخ الإمام الفاضل تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، المعروف بالفركاح الدمشقي (٤). وقد زيف فيها أدلة الإجماع بأسرها/ [٥٥ أ/م] ولم يعتمد منها إلا على ما هو تحلة القسم. والذي يقتضيه النظر أن الإجماع أحد أدلة الشرع كالنص والقياس؛ وربما قدم عليه الظاهر كما قدمه ابن عباس عليه؛ إذ قدم ظاهر: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾
стр. 181
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١) [النساء: ١١] على الإجماع الذي احتج به عثمان مع أنه أقوى الإجماعات إذ هو إجماع الصحابة الذي خالفت الظاهرية فيما سواه من الإجماعات.
وكما قدم ابن مسعود القياس المصلحي على الإجماع على جواز التيمم لعادم الماء حيث قال: لو أجزنا لهم التيمم لأوشك إذا برد الماء على أحدهم أن يتيمم والماء حاضر.
قوله : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾ (١١٧) [النساء: ١١٧] يعني الكفار العابدين للأوثان: ما يدعون منها إلا إناثا، كاللات والعزى ومناة ونحوها.
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾ (١١٧) [النساء: ١١٧] وهو الذي سول لهم عبادتها وكلمهم من أجوافها، أما غير الوثنيين من العرب فقد دعوا من دون الله- -الملائكة والكواكب وغيرها.
فهذا العام مخصوص بهؤلاء، أو عام أريد به الخاص وهم الوثنيون من العرب.
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً﴾ (١١٩) [النساء: ١١٩] عام أريد به الخاص؛ إذ لم يبتكوا [آذان جميع الأنعام، ولا غيروا جميع خلق الله، .
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (١٢٠) [النساء: ١٢٠] عام مطرد.
﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ١٢١]، عام أريد به من مات على هذه الأوصاف منهم، وهي عبادة الأوثان وما بعدها.
﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً﴾ (١٢١) [النساء: ١٢١] عام مطرد.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ (١٢٢) [النساء: ١٢٢] عام مطرد.
стр. 182
﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٢٣) [النساء: ١٢٣] عام خص بما عفا الله- -عنه إما تفضلا أو بشفاعة، أو سقط مقاصة.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ (١٢٤) [النساء: ١٢٤] عام مطرد بشرط الموت على ذلك.
﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١٢٨) [النساء: ١٢٨] عام خص بما إذا أفضى إلى مفسدة راجحة، أو فساد لا يتدارك فتركه خير.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] هذا عام مطرد باعتبار الفطرة المطبوع عليها الإنسان أنه يشح ويبخل، / [١١٧/ل] فلا تناقض.
قوله- : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩) [الحشر: ٩] كما أن الإنسان طبع على الشهوة، ولا ينافيه وجود معصوم من آثارها.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً﴾ (١٣١) [النساء: ١٣١] عام مطرد شاهده ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٣٢) [النساء: ١٣٢] تكرر في القرآن، وهو عام مطرد ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (١٣٤) [النساء: ١٣٤] عام مطرد.
стр. 183
تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) [النساء: ١٣٥] عام في أمر المؤمنين بذلك وكذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١٣٦) [النساء: ١٣٦] عام مطرد فيمن كفر بهذه الأركان أو بعضها، وهي أركان/ [٥٥ ب/م] الإيمان كما سبق.
﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٣٨) [النساء: ١٣٨] عام فيمن مات منافقا.
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ (١٣٩) [النساء: ١٣٩] عام مطرد.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ (١٤٠) [النساء: ١٤٠] عام مطرد.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (١٤٣) [النساء: ١٤٣] عام مطرد، وهو حجة على المعتزلة، وقد سبق مثله.
﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ (١٤٥) [النساء: ١٤٥] عام فيمن مات منافقا.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١٤٦) [النساء: ١٤٦] عام مطرد.
﴿* لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ (١٤٨) [النساء: ١٤٨] يحتج بدليل خطابه على استحباب الجهر بالصلاة على النبي ﷺ ؛ خلافا لبعض متكلمي العصر؛ حيث قال-فيما بلغنا عنه-: لا يستحب.
وبيانه أن مفهوم ﴿*لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٤٨] أنه يحب الجهر بالحسن من القول، والصلاة على النبي ﷺ وغيرها من الأذكار من حسن القول، فيحب الله- -الجهر بها لكن بشرط أمن الرياء والعجب ونحوه من المحبطات،
стр. 184
فإن خاف شيئا من ذلك فالإسرار أفضل، وربما وجب.
وتحقيق القسمة: أن الذاكر وكل طائع إن قصد التأسي به وأمن المحبط استحب له الجهر، وإن خاف المحبط أو لم يقصد التأسي أو قصده، وليس أهلا له وجب الإسرار، وإن قصد التأسي وخاف المحبط فالأحوط الإسرار.
وإن لم يقصد التأسي؛ ولا خاف المحبط جاز الأمران، وفي أيهما أفضل؟ احتمالان؛ أصحهما الإسرار للحديث: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» (١). / [١١٨/ل] واختصاص ذكره بالذات القديمة أفضل من ذكره في ملأ الملائكة، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً.﴾
﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ (١٥١) [النساء: ١٥١] اعلم أن هذا توسط في الصورة، وهو انحراف في الحقيقة، فلذلك ذم بخلاف باقي التوسطات نحو: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (٢٩) [الإسراء ٢٩].
﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ (١١٠) [الإسراء ١١٠].
﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ (٦٧) الفرقان [٦٧] ونحوها، فإن التوسط فيها محمود.
وتحقيق ذلك أن الحق لما كان تابعا للبرهان فتارة يكون في الوسط، وتارة يكون في الطرف، فإذا كان في الوسط كان التطرف انحرافا مذموما، كما في قوله :
﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩] فهذان طرفان مذمومان والحق في الواسطة، وهو القصد بين الإسراف والتقتير، وإذا كان الحق في الطرف كان التوسط انحرافا مذموما كما في هذه الآية، فإن الإنسان إما يؤمن بالله- -وبرسله، أو يكفر بهما جميعا، أو يؤمن بالبعض ويكفر بالبعض، فالحق في الطرف الأول، فالثاني مع الواسطة انحراف باطل، والغالب هو القسم الأول، وهو كون
стр. 185
الصواب في الواسطة فمن ثم ورد: «خير الأمور/ [٥٦ أ/م] أوساطها» (١) وقال الشاعر:
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
بناء على الغالب والتحقيق ما قلناه وهذه القاعدة شبيهة بقياس الشبه، إذا كان معناه تردد الواسطة بين طرفين، فيلحق بأشبههما بها.
﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (١٥٣) [النساء: ١٥٣] يحتج بها المعتزلة على عدم جواز الرؤية، وقد سبق ذلك في البقرة.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٥٥) [النساء: ١٥٥] يحتج بها المعتزلة والجمهور، أما المعتزلة فقالوا: الطبع على قلوبهم كان عقوبة على كفر، صدر عنهم بخلقهم، وإلا استحال أن يعاقبهم على فعله.
والجمهور قالوا: كما طبع عليها آخرا عقوبة طبع عليها أولا إبعادا أو بغضا بحسب سابق العلم.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ (١٥٧) [النساء: ١٥٧] هذا أعنى ﴿رَسُولَ اللهِ، ﴾ تخصيص من الله- -لعيسى-﵇[وتنويها بذكره] بإثبات رسالته، وليس من قول اليهود؛ إذ لو كان من قولهم لكان ذلك اعترافا منهم برسالته، وذلك/ [١١٩/ل] مع اعترافهم بقتله على زعمهم وافتخارهم به، محال.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧] اختلف أهل الملل في قتل المسيح وصلبه، فادعاه اليهود والنصارى، وأنكره المسلمون.
стр. 186
أما اليهود فادعوه على جهة التشفي بالمسيح حيث بدل دين التوراة، وأحل السبت ونحو ذلك.
وأما النصارى فادعوه على جهة المرتبة للمسيح والتشنيع على اليهود بقتل داع إلى الحق، واحتجوا بأن التواتر ثابت بين اليهود والنصارى والمجوس على قتل المسيح وصلبه قبل ظهور ملة الإسلام، وهو سبب العداوة بين اليهود والنصارى، وبأن قتل المسيح ثابت في الإنجيل المتواتر، وكل ما ثبت في الإنجيل المتواتر فهو حق ثابت في نفس الأمر.
أما أنه ثابت في الإنجيل فمشاهد بالعيان لمن نظر فيه. وأما أن الإنجيل متواتر فلإطباق النصارى عليه في شرق الأرض وغربها كإطباق المسلمين على القرآن، وأما أن ما ثبت في المتواتر فهو حق؛ فلأن التواتر يفيد العلم قطعا، وأيضا فلأن الإنجيل معصوم، وما ثبت في الكتاب المعصوم فهو حق.
احتج المسلمون بوجهين: أحدهما: أن نفي قتل المسيح ثابت في القرآن المعصوم، وكل ما ثبت في القرآن المعصوم فهو حق معصوم؛ فنفي قتل المسيح حق معصوم، أما أن نفي قتله ثابت في القرآن، فلهذه الآية ﴿الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] وأما أن القرآن معصوم فلقيام البرهان على أنه كلام الله- -وكلام الله- -معصوم.
وأما أن ما ثبت في المعصوم معصوم؛ فلأنه جزء من المعصوم، وجزء المعصوم معصوم، فثبت بذلك نفي قتل المسيح، فلو ثبت قتله مع ذلك لاجتمع النقيضان، وأنه محال. / [٥٦ أ/م] الوجه الثاني: أن قتل المسيح لو ثبت لتواتر قتله، كتواتر مولده، ودعواه التي ادعاها، واللازم باطل فالملزوم كذلك.
بيان الملازمة أن قتل المسيح بعد ظهور أمره وانتشار دعوته، وظهور الخوارق على يده أمر شنيع جدا في العقول والطباع، كما أن ولادته من غير أب أمر غريب في العادات والعقول، فلو كان لقتله أصل لوجب اشتهاره اشتهارا مساويا لولادته، ولو اشتهر كذلك لتواتر كتواتره لقضاء العادات بتواتر المشهورات.
بيان انتفائه اللازم أنه لو تواتر قتله كتواتر مولده لما اختلف فيه كما لم/ [١٢٠/ل] يختلف في مولده، لكن رأينا الخلاف وقع في قتله، ولم يقع في مولده ودعوته، فدل على أن قتله لم يتواتر، وإلا لكان أحد المتواترين المتساويين في القوة مختلفا فيه دون الآخر، وأنه محال.
وحاصل هذا الدليل أن تواتر قتله لازم [لقتله، واللازم منتف فالقتل منتف، وإنما قلنا:
стр. 187
إن المتواتر منتف؛ لأن الاتفاق عليه بتقدير وقوعه لازم له، والاتفاق منتف؛ فالتواتر منتف.
والجواب عن شبهتهم قوله: التواتر ثابت بين الملل الثلاث على قتل المسيح.
قلنا: لا نسلم التواتر عندهم، سلمناه، لكن التواتر إنما يحتج به إذا كان داعيه متفقا وليس كذلك هاهنا؛ لأن داعي اليهود إلى إثباته التشفي بالمسيح، وداعي النصارى إلى إثباته التعدي على اليهود والتشنيع عليهم، وأما داعي المجوس فيحتمل أنه التقليد للطائفتين، ويحتمل أنه السخرية بهم، ويحتمل أنه استدراجهم إلى الضلال، إذ لم يوافقوهم في التنبيه من هذا التواتر مركب الداعي محتمل للباطل فلا يسمع.
سلمنا ثبوت التواتر بينهم لكن لا نسلم لهم على قتل عين المسيح، بل على قتل شخص ظن الراءون أنه المسيح، ولا يلزم من ذلك أنه عين المسيح لاحتمال أنه شبه لهم، كما جزم به القرآن، ويدل على تحقيق ذلك أن في الإنجيل أنهم لما أخذوا المسيح ليقتلوه أظلم الوجود من الساعة الثالثة من النهار إلى الساعة التاسعة حتى ظن الناس أن الساعة قد قامت، ففي هذه المدة المزعجة ألقي شبه المسيح إما على بعض تلاميذه وأحبائه منحه له وفداء للمسيح به، أو على عدوه يهوذا الأسخر يوطي الذي دل عليه وأسلمه كيدا له ومكرا به، فقتل وعرج بالمسيح، وهذا الاحتمال لا ينتفي أبدا، وما لم ينتف لا تتم حجتهم، ولا تسلم من كدورات الظن، فلا يعتمد عليها في مقام القطع، وأما كون قتله سببا للعداوة بين اليهود والنصارى فبناء على اعتقادهم الفاسد في أن اليهود قتلته؛ فلا حجة فيه.
قوله: قتل المسيح ثابت في الإنجيل المتواتر.
قلنا: أما أنه ثابت في/ [٥٧ أ/م] الإنجيل فنعم، وذلك لا يضرنا، كما لا يضركم إثبات تنبيه المجوس ونبوة نبيهم زرادشت في كتبهم.
وأما كون الإنجيل متواترا فممنوع؛ لأنه إنما ألف على جهة التأريخ، وحفظ سيرة المسيح بعد أن رفع وقتل وصلب على زعمكم بنحو ثمانين سنة، معتمدا في جمعه على أربعة، وهم: لوقا ومرقص ويوحنا ومتى، ومثل هذا لا يحصل به التواتر، ودعوى النصارى أن هؤلاء كانوا أنبياء معصومين حل عليهم روح القدس دعوى خيال تورث الخبال تكاد تزول منها الجبال، فلا تسمع قوله: أطبقت النصارى عليه في شرق البلاد وغربها كإطباق المسلمين على القرآن.
قلنا: التواتر لا يثبت بمجرد الإطباق، وإنما يثبت بوجود حقيقته وشروطه، وهي اتفاق العدد الكثير المأمون تواطؤه على الكذب على الإخبار عن محسوس مع اتفاق الطرفين
стр. 188
والواسطة في هذه القيود، وهذا المعنى موجود في إطباق المسلمين على نقل القرآن، وليس موجودا في نقل النصارى للإنجيل، فإن الطرف الأول الذي على عهد المسيح لم يكونوا على شرط التواتر لقلتهم وضعفهم، حتى إن المسيح-على زعمكم-قتل قتل اللصوص وصلب بين لصين، وما استطلقوا جثته إلا استطلاقا من هيردوس الملك، حتى دفنوها، وإن بطرس رئيس الحواريين وأشجعهم وأصدقهم في محبة المسيح [لما سئل عن المسيح] أنكره في ليلة واحدة قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، ثم لم تزل الملة المسيحية خاملة مستضعفة مع اليهود لا يجسر أحد أن يتظاهر بذكر المسيح ولا بسيرته، ولا بالإنجيل حتى ظهر قسطنطين ابن قسطنطين فأظهرها، وذلك بين من السنين نحو ثلاثمائة سنة؛ فأين التواتر وما هذا شأنه.
وكذا قوله: إن الإنجيل معصوم. وهو ممنوع؛ لأن المعصوم له تفسيرات، أحدهما: يراد به كلام الله- -ورسله والإنجيل [الذي بأيدي النصارى ليس كلام الله إلا على زعمهم أن المسيح هو الله والإنجيل] كلامه وذلك بناء ممنوع [على ممنوع]، وليس هو كلام المسيح جميعه بل بعضه كلامه وأكثره حكايات ومجريات من كلام غيره شبيه بالسيرة والتاريخ.
والثاني: أن يراد به المحفوظ من التناقض [والتهافت وليس الإنجيل كذلك إذ قد بين الناس فيه من التناقض] كثيرا جدا على ما استقصيناه في كتاب مفرد، ولو لم يكن من ذلك إلا التهافت الذي في قصة صلب المسيح لكان كافيا حتى احتاج شراحه والمفسرون له إلى تكلف بعيد في إزالته، ولم يزل، فأين الإنجيل والحالة هذه من العصمة، وقد تكلم في تهافت الإنجيل [والرد على] جماعة منهم أبو محمد بن حزم (١) وابن عوف/ [٥٧ ب/م] الزهري الإسكندري (٢) وتقي الدين صالح الخطيب القوصي، وأحسنوا، وأجودهم ابن عوف، فلقد شفى وكفى.
فتبين بما ذكرناه ضعف، بل بطلان دعواهم في قتل المسيح إن شاء الله، .
﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ (١٥٧) / [١٢١/ل] [النساء: ١٥٧] هذا يحتمل أنه نفي ليقين القتل، ويحتمل أنه يقين لنفي القتل، وهو المراد، وإن شئت يحتمل أن القتل منفي التيقن أو
стр. 189
متيقن النفي، وهو المراد.
﴿* إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ (١٦٣) [النساء: ١٦٣] يحتج به على أمرين أحدهما: أن آدم لم يكن نبيا، وإلا لبدأ بذكره في هذا السياق؛ لأنه أبلغ.
ويجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن آدم دخل في قوله- : ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ (١٦٤) [النساء: ١٦٤] وقد سبقت قصة آدم.
الثاني: أن ذلك منقوض بإدريس هو نبي باتفاق، ولم يصرح به هنا.
الأمر الثاني: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه لاستواء الوحي إلى نبينا وغيره من النبيين؛ لأن الشرائع متلقاة عن الوحي، فإذا استوى الجميع في الوحي استووا في الشرائع.
وأجيب بأن المراد كما أوحينا إليهم في التوحيد ونحوه من قواعد الأصول ردا على تثليث النصارى المذكورين قبل هذه الآية وبعدها بدليل: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٤٨) [المائدة: ٤٨] والجمع بينهما بما ذكرناه من استواء الشرائع في الأصول التي لا تقبل التغيير دون الفروع التي تقبله.
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ (١٦٤) [النساء: ١٦٤] يحتج به الصوتية على أنه كلمه بحرف وصوت، ووجهه أنه أكد الفعل بالمصدر إرادة لحقيقة الكلام وهو بالحرف والصوت.
احتج الآخرون بما سبق، وبأنه إنما أكده بالمصدر لئلا يظن أنه كلمه إلهاما أو في الرؤيا أو نحو ذلك، وتأوله بعض المعتزلة على أنه كلّمه بإظهار المحن من الكلم وهو الجرح، بدليل: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ﴾
стр. 190
تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) [طه: ٤٠] وهو ضعيف بعيد.
﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٦٥) [النساء: ١٦٥] يحتج به على أن الله- -لو لم يرسل الرسل إلى خلقه لم تقم حجته عليهم.
ونظير ذلك: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (١٣٤) [طه: ١٣٤].
﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧) [القصص: ٤٧] وتحقيق هذا أن حجة الله- -على ضربين: خفية يستبد بعلمها، وظاهرة يشاركه في العلم بها خلقه، فالأولى:
قائمة على الخلق بدون الرسل؛ إذ هو غير متهم في حكمه وعدله.
والثانية: لا تقوم بدون الرسل، أقوى الحجتين وأظهرهما، فأخذ الله- -بها؛ لأنها أحوط لدفع تهمة الجور عنه من الكفار؛ إذ لو عاقبهم بحسب علمه فيهم لقالوا: ما أنصفتنا، لو أنذرتنا برسول، / [١٢٢/ل] لما توجهت لك علينا حجة، ثم ترتب على هذا أن العقل [لا حكم] له إذ/ [٥٨ أ/م] لو كان له حكم لما توقف قيام حجة الله- -على خلقه على بعثة الرسل، إذ كان العقل كافيا في قيام الحجة، وهذه الآية من هذا الوجه موافقة لقوله : ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥) [الإسراء: ١٥] ولم يقل حتى نجعل لكم عقولا، غير أن تحقيق محل النزاع ما هو، فالجمهور يحكون عن المعتزلة أنهم يقولون: العقل حاكم، وهي عبارة فيها إجمال وشناعة لإيهامه الشرك في الحكم كما أشركوا في خلق الأفعال، والمعتزلة يفسرون مرادهم بأن العقل جعله الله- -مدركا لحسن الحسن وقبح القبيح، بحيث يقتضي من جهة الحكمة المناسبة والمناسبة الحكمية أن يثاب على الأول، ويعاقب على الثاني، وأن الحسن والقبح مدركان بالعقل، كما يدركان بالشرع، وأن الشرع مؤكد لحكم العقل في ذلك
стр. 191
﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (١٦٦) [النساء: ١٦٦] ونظيره: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٤) [هود: ١٤]، اعلم أن الناس اتفقوا إلا من عساه شذ منهم على أن الله- -عالم قادر مريد حي متكلم سميع بصير قديم باق.
ثم اختلفوا، فالجمهور على أنه كذلك لمعان قديمة زائدة على مفهوم ذاته، قائمة بها كالحياة والعلم والقدرة وكذلك سائرها.
وذهب المعتزلة ومن تابعهم إلى أن لا صفة هناك ثبوتية زائدة، ثم اختلفوا، فقال بعضهم: معنى كونه عالما قادرا حيا: أنه ليس بجاهل ولا عاجز ولا ميت، وكذلك سائرها ويسمون السلبية.
وقال آخرون: هو كذلك لمعان ليست موجودة ولا معدومة، وهي مشتقة من المعاني الثبوتية سموها أحوالا كالعالمية والقادرية والحيية، وهي كونه عالما قادرا حيا، حجة الجمهور هذه الآية ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (١٦٦) [النساء: ١٦٦] دل على أن له علما [والمعقول منه] صفة ثبوتية زائدة، وأيضا القرآن عربي ولغة العرب أن العالم من قام به العلم، وهو وصف ثبوتي، وأيضا ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٠٧) [هود: ١٠٧] مع أن الفعل مشتق من المصدر، وهو الإرادة، وقد وجد الفعل المشتق، فوجب أن يكون الإرادة المشتق منها موجودة، وإذا ثبت هذا في العلم والإرادة، وجب مثله في باقي الصفات، إذ لا قائل بالفرق، وتأول الخصم ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ على معنى أنزله وهو يعلمه احترازا من أن/ [١٢٣/ل] يكون ساهيا أو غافلا. حجة الخصم: لو كان عالما بعلم قائم بذاته زائد على مفهومها قديم، لزم تعدد التقديم، وأيضا افتقار الذات إلى غيرها في كمالها وهما محالان، وجوابه أن المحال إنما هو تعدد الذوات القديمة، لا الذات والصفات، وكذلك افتقار الذات إلى/ [٥٨ ب/م] غيرها في وجودها، هو المحال لا في غيره، وافتقارها إلى غير خارج عنها، لا إلى غير قائم بها، لا ينفك عنها مع أن المحال الذي ادعاه أصحاب الأحوال لا موجودا ولا معدوما غير معقول.
واستقصاء البحث في هذا في موضع آخر، وإنما هذا إشارة إلى مأخذ المذهبين.
стр. 192
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٧١) [النساء: ١٧١] فيها مباحث:
الأول: إثبات رسالة المسيح-﵇-خلافا لليهود، وسنذكر برهانه في سورة المائدة-إن شاء الله- .
الثاني: معنى كونه كلمة الله- -عند المسلمين أنه خلقه بكلمته، وهي «كن» التي يخلق بها الأشياء، وخص عيسى بتسميته كلمة تشريفا، نحو: ناقة الله، وبيت الله، ومعناه عند النصارى أن كلمة الله الحقيقية التي هي من صفة النطق حلت في مريم، واستحالت لحما ودما حتى تكّون منها عيسى، وهو محال لوجوه:
أحدها: انتقال الصفة مجردة عن محلها إلى غيره يوجب قيامها بنفسها، فيما بين المحلين المنتقل عنه وإليه.
الثاني: حلول الصفة القديمة في المحل الحادث، وهو مريم.
الثالث: استحالة القديم وتغيره.
الرابع: استحالة الصفة التي لا قيام لها بذاتها ذاتا قائمة بنفسها، والكل محال.
الثالث: ألقاها إلى مريم، معناه: عند المسلمين ما حكي في سورة مريم، وغيرها من تعرض الملك لها، ونفخه في فمها، أو جيب درعها حتى حملت بالمسيح، وعندهم حلول الكلمة القديمة فيها كما مر، وبطلانه بما سبق.
الرابع: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٧١) [النساء: ١٧١] معناه عند المسلمين أنه روح مخلوق خاص، سلكه في المسيح له قوة إظهار الخوارق والتعدي إلى التغيير كتصيير الطين ضربا من الطير، وعندهم أنه روح من ذات الله-
стр. 193
عز وجل-وبه كان إلها عندهم، قالوا: لأن «من» للتبعيض وقد أخبر أن المسيح روح منه وهو المسمى روح القدس، وهو صفة الله القديمة يعني حياته، وهي أحد الأقانيم القديمة الثلاثة.
والجواب أن «منه» هاهنا لابتداء الغاية لا للتبعيض كقوله- : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١٣) / [١٢٤/ل]) [الجاثية: ١٣] أي ابتداؤه منه ومن فضله، وكذلك ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٧١) [النساء: ١٧١] أي الله- -مبدأ هذا الروح خلقا، لئلا يظن قدمه، ولو كان روح المسيح هو حياة الله- -لكان إما جميع روحه أو بعضه فإن كان الأول لزم بقاؤه بعد انتقال حياته إلى المسيح بلا حياة؛ فيكون قد مات الأب لحياة الابن، وأنه محال، وإن كان الثاني لزم تبعيض حياة الله- -وهو محال لوجهين:
أحدهما: أنها صفة فلو تبعضت لكانت جسما، وذلك/ [٥٩ أ/م] انقلاب الحقائق، إذ صارت الصفة ذاتا.
والثاني: أن الحياة صفة بسيطة، فلو تبعضت لزم انقلاب البسيط مركبا، وأنه محال.
الخامس: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١] أي اعتقدوا المسيح رسولا.
كسائر الرسل، ولا تعتقدوه إلها؛ لأن ذلك غلو في الدين، كما ذكر في صدر الآية.
السادس: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] هو نهي لهم عن التثليث، ومعناه عندهم أن الله- -جوهر، ذو ثلاثة أقانيم، وعنوا بالجوهر القائم بذاته الغني عن محل يقوم به أو يقومه، وبالأقانيم الصفات، أو القوى، وهي كونه موجودا ناطقا حيا، فأقنوم الوجود سموه أبا، وأقنوم النطق سموه ابنا، وهو الكلمة المسيحية، وأقنوم الحياة سموه روح القدس.
قالوا: فقولنا: الأب والابن وروح القدس [كقول المسلمين: الله الرحمن الرحيم، ثم إنهم زعموا أن كل واحد من الأب والابن وروح القدس إله] كامل بالحد والحقيقة، وأنهم مع ذلك ليسوا ثلاثة آلهة [في خبط كثير وتخليط] غزير منه ما لا يعقل، ومنه ما لا تساعده
стр. 194
الشبهة فضلا عن الحجة، فلهذا قيل لهم: انتهوا عن هذا الاعتقاد الباطل الذي ليس له حاصل ولا وراءه طائل يكن الانتهاء عنه خيرا لكم.
﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٧١) [النساء: ١٧١] أي من كل الجهات لا تعدد ولا انقسام له بوجه؛ فقولكم: الأب والابن وروح القدس إله واحد، تناقض؛ لأنكم كثرتموه [أولا ثم] وحدتموه ثانيا، وهو [تهافت وتلاعب من الشيطان بعقولكم] وهذا بخلاف قول المسلمين:
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ﴾ (١) لأنهم يقولون ذلك على معنى أن الذات الإلهية واحدة لكنها متصفة بصفات كمالية، فإن اقتصرتم أنتم على مثل ذلك وافقتم، وإن تماديتم في تخليطكم المذكور فلكم الويل والثبور.
السابع: ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٧١) / [١٢٥/ل]) [النساء: ١٧١] أي تنزه عن الولد؛ إذ ما سواه في السماوات والأرض مملوك له، والملك ينافي الولدية، كما سبق في البقرة، والبحث مع النصارى طويل، أفردنا له عدة تعاليق.
قوله- ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ (١٧٢) [النساء: ١٧٢].
لما زعمت النصارى إلهية المسيح قيل لهم: إن المسيح نفسه لن يستنكف، ولا يأنف من الإقرار بالعبودية فأنتم يا نصارى في تنزيهه عنها فضولية، ثم احتج بهذه الآية من يرى أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وتقريره أن هذا السياق في مثل هذا المقام يقتضي أن المذكور آخرا أفضل كما يقال: إن فلانا لا/ [٥٩/ب] يستنكف عن خدمته أو زيارته الوزير، ولا السلطان. وذلك يقتضي أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لأن المسيح من أفضلهم، فإذا كانت الملائكة أفضل منه فغيره ممن هو أفضل منه بطريق أولى.
واعترض عليه بأنا لا نسلم صحة ما ادعيتم، سلمناه، لكن الآية إنما تضمنت تفضيل الملائكة المقربين على المسيح؛ فلا يلزم تفضيل غيرهم عليه، ولا تفضيل أحد من الملائكة على غيره من الأنبياء.
واعلم أن الآية شديدة الظهور في تفضيل الملائكة، ولها شواهد أخر من الكتاب والسّنّة
стр. 195
والنظر، أما الكتاب فقوله- : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥٠) [الأنعام: ٥٠].
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٣١) [يوسف: ٣١].
وقوله- -في بني آدم ﴿*وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ (٧٠) [الإسراء ٧٠] ولم يقل: على جميع من خلقنا، مع أن بني آدم فضلوا على من سوى الملائكة فلم يبق أحد ينبغي أن لا يكونوا فضلوا عليه إلا الملائكة، ثم قوله ﷺ حكاية عن الله- : «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم» تصريح بأن الملائكة أفضل من بني آدم، ويتناول عموم الأنبياء.
وأما النظر فلأن الملائكة رسل الله- -إلى [الأنبياء: بغير واسطة، ورسل الله بغير واسطة أفضل من رسله بواسطة، وأيضا فالأنبياء] للملائكة كالأمم للنبيين، والرسول أفضل من أمته، ولأن الملائكة معلمون والأنبياء متعلمون منهم، والمعلم المفيد أفضل من المتعلم المستفيد، والأدلة على هذا كثيرة، غير أنه مذهب المعتزلة والفلاسفة، والجمهور على خلافهم لوجوه:
أحدها: أن الأنبياء بهم قامت حجة الله- -على خلقه، بخلاف الملائكة حتى قال الله- : ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً.﴾
الثاني: أن الأنبياء في الدعاء إلى الله وإقامة حججه على خلقه أشد تعبا ونصبا لما جرى عليهم من التكذيب والأذى والثواب والفضيلة/ [١٢٦/ل] على قدر المشقة.
الثالث: أن آدم أبا البشر سجد له الملائكة، والمسجود له أفضل من الساجد، ثم في الأنبياء من هو أفضل من آدم-﵇-فهو أولى بأن يكون أفضل من الملائكة.
الرابع: أن الناس في الموقف إنما يستشفعون بالأنبياء في تخفيف الموقف عنهم لا بالملائكة، ولو كانوا أفضل من الأنبياء لكانوا أولى بالشفاعة.
الخامس: أن الأنبياء عبدوا الله- ، ورضي عنهم مع معارضة الشهوة
стр. 196
والغضب المجبول عليهما البشر، وعبادة الملائكة مع تجردهم عنها، والعبادة أفضل لشدتها ومشقتها/٦٠ أ/م] فالعابد أفضل.
السادس: أن إبليس وهاروت وماروت كانوا من خيار الملائكة، وصدر عنهم ما لم يصدر مثله أو بعضه إلا عن شرار بني آدم، والحجاج من الطرفين كثير.
وذهب قوم إلى أن خواص البشر أفضل من الملائكة والملائكة أفضل من عامة البشر.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٧٣) [النساء: ١٧٣] يحتج به المعتزلة، إذ لو كانت أعمالهم مخلوقة له لكان منه العوض والمعوض وقد سبق هذا وجوابه.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ (١٧٤) [النساء:
١٧٤] يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يعني القرآن برهان أي حجة لله- -على خلقه، لما اشتمل عليه من حجج التوحيد والنبوات، وغير ذلك، ويحتمل أنه برهان لمحمد ﷺ على رسالته، وتقريره أن القرآن معجز، وكل معجز برهان على صدق من جاء به، فالقرآن برهان على صدق من جاء به، وهو محمد ﷺ ، وقد سبق تقرير كونه معجزا فيما أقول وهو ظاهر.
واعلم أن القرآن من حيث هو حجة لله- -ولرسوله يسمى برهانا، ومن حيث هو مرشد للخلق إلى مصالح معاشهم ومعادهم كاشف عنهم للعمى قائد لهم إلى الهدى يسمى نورا.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٧٦) [النساء: ١٧٦]، أي يبين لكم طريق الهدى. لئلا تضلوا، وقيل: يبين طرق الضلال لتجتنبوها من باب قول القائل:
عرفت الشر ولا للشر، لكن لتوقيه، والله- -أعلم بالصواب.
...
стр. 197
القول في سورة المائدة
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١] خطاب عام.
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهي العهود والمواثيق، وهو عام مخصوص بالعقود الفاسدة، والمتضمنة للمفاسد الراجحة، كاشتراط أهل الحرب في الهدنة رد من جاء من نسائهم إلينا مسلما، أو على أن يدفع إليهم مصحف، ونحو ذلك، فلا يجب الوفاء به.
﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ [المائدة: ١] عام خص بالاستثناء بعده.
﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] / [١٢٧/ل] وهو ما تضمنته الآية بعد وهي ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) [المائدة: ٣].
﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ (١) [المائدة: ١] عام مطرد.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢) [المائدة: ٢] عام مخصوص بأحوال الضرورات، كإحلال مكة للنبي ﷺ ساعة من نهار، وحكم ذلك باق عند الحاجة، وكإحلالهم من الإحرام للإحصار، ونحو ذلك، وشعائر الله- -حرماته المعظمة.
﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ [المائدة: ٢] عام كالذي قبله في التخصيص الضروري.
﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ﴾ [المائدة: ٢] أي من الإحرام، ﴿فَاصْطادُوا﴾ إباحة، واختلف في الأمر الوارد بعد الحظر هل/ [٦٠ ب/م] هو للإباحة، أو على مقتضاه الأصلي وجوبا، أو غيره؟
стр. 198
فيه قولان (١): فمن قال: هو على مقتضاه الوضعي، قال: خرج نحو ﴿فَاصْطادُوا.﴾
﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠) الجمعة [١٠] بدليل خاص.
﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢) [المائدة: ٢] عام في كل بر وتقوى، يخص منه ما عجز عنه، أو عارضه مفسدة راجحة كالنهي عن منكر، يثير فتنة عامة والأمر بمعروف يفوت أهم منه، فلا يتعاون عليه ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢] عام أيضا يخص منه ما استكره عليه، أو جهل تحريمه، أو تضمن مصلحة راجحة لقوم هموا بفسق عام كالقتل والزنا وإتلاف المال، وأمكن إشغالهم وتعويقهم عن ذلك بسماع الملاهي أو شرب شراب ونحوه مما مفسدته أقل من مفسدة ما هموا به، جاز إعانتهم عليه، وربما وجب.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣] عام في تحريمها، ويخص بما خصت به الميتة في المخمصمة ونحوه.
﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] عام خص بالاستثناء.
﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وكذلك هو مخصص للأربعة قبلها فما أدركت تذكيته منها حل، وهذا استثناء رجع إلى جمل، وهل يرجع الاستثناء إلى ما قبله فقط، أو إلى جميع ما تقدمه مما يصلح رجوعه إليه، أو يوقف فيه؟ فيه أقوال: موضعها سورة النور، إن شاء الله، .
﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ [المائدة: ٣] عام إلا في ضرورة يستباح بها الكفر، ونحوه.
﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] أي جميعه أكل المحرمات، والاستقسام وهو عام في كونه فسقا، إلا ما استبيح منه بالتخصيص، فلا فسق فيه.
стр. 199
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] عام في الكفار الايسين ما عاد أحد منهم يطمع في تبديل دين الإسلام بالكلية.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] عام في الدين، لم يبق في شيء منه / [١٢٨/ل] نقص.
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] عام أريد به الخاص وهو نعمة الدين، أما نعمة الدنيا، ففي إتمامها نظر؛ فإنها إنما تتم بملك الدنيا بأسرها كما ملكها سليمان ونحوه.
ولقائل أن يقول: لعل الاقتصار من نعمة الدنيا على بعضها من إتمام نعمة الدين في حق هؤلاء المخاطبين لئلا تلهيهم عن مهام الآخرة.
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] إن قيل: هاهنا وفي قوله- ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩) [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٨٥) [آل عمران:
٨٥] جعل الإسلام هو الدين جميعه، وفي حديث جبريل الصحيح جعل الإيمان والإسلام والإحسان هو الدين، فالدين الذي/ [٦١/أ/م] هو الإسلام في الآيات الثلاث هو ثلث الدين الذي هو مجموع الأمور الثلاثة في الحديث، فكيف الجمع؟
وجوابه من وجوه:
أحدها: أن الثلاثة لما كانت متلازمة في نظر الشرع جاز التعبير ببعضها عن جميعها؛ لأن باقيها لا ينفك عن المذكور منها كما يقال: الإنسان هو الناطق، ولا ينص على الحيوان للزومه إياه.
الثاني: أن يكون الدين مشتركا بين الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث، وبين الإسلام وحده المذكور في الآية. فأراد في كل واحد منهما أحد المشتركين.
الثالث: يكون معناه: ورضيت لكم الإسلام من الدين، أي رضيته لكم جزءا من الدين مضموما إليه الجزآن الآخران.
الرابع: أن معناه ورضيت لكم دين الإسلام وهو مجموع الأمور الثلاثة فتتفق الآية والحديث.
الخامس: أن الإسلام صار في العرف علما على ما يقابل اليهودية والنصرانية وسائر
стр. 200
الملل من الأديان، فكأنه قال: ورضيت لكم هذه الملة الخاصة المقابلة لسائر الملل دينا، وهو معنى الذي قبله.
﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] عام في المضطر، وهذا مخصوص لعموم التحريم المتقدم في الميتة، وما بعدها وظاهره جواز الأكل مما أهل به لغير الله- وما ذبح على النصب للمخمصة.
﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٤) [المائدة: ٤] ليس المراد بها ضد الخبائث المحرمات، إذ كان يصير تقديره، أحل لكم الحلال، وهو دور لا يحصل به جوابهم، وإنما المراد أحل لكم المستلذات والمستطابات، فيكون عاما مخصوصا بما حرم منها كالخمر ولحم الخنزير، والسباع والجوارح، ونحوها من المستلذات المحرمة.
﴿وَما عَلَّمْتُمْ﴾ [المائدة: ٤] أي وأحل لكم صيد الجوارح المعلمة، وهو عام فيه، خص بصور:
منها: ما أمسكه الكلب ونحوه على نفسه لا/ [١٢٩/ل] على صاحبه بدليل ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
ومنها: ما أكل الكلب منه لدلالته على أنه إنما أمسك على نفسه.
ومنها: ما لم يسم الله- -على الصائد عند إرساله عليه على خلاف فيه، بدليل ﴿وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١٢١) [الأنعام: ١٢١] وغير ذلك من الصور المفصلة في الفقه، والجوارح عام خص بصفة التعليم والتكليب.
﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] عام خص بما لم يسم عليه على ما مر، وبما شارك الكلب فيه غيره مما يقدح في الحل، ككلب استرسل بنفسه، أو كلب مجوسي، أو ترد من علو أو ماء/ [٦١ ب/م] مغرق أو كان الكلب مغصوبا، إذ صيده لمالكه، أو
стр. 201
كان ما أمسكه الجارح ونحوه، غير مأكول كسبع أو جارح مثله، ونحو ذلك من الصور.
﴿وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] فيه مسألتان:
إحداهما: أنه يدل على أن الاسم غير المسمى، أما أولا فلإضافة اسم إلى الله، والإضافة تقتضي التغاير.
وأما ثانيا: فلأن الذي يتحرك به لسان المسمي على الصيد، ليس هو الذات القديمة قطعا، وإنما هو لفظ دال عليها، وذلك قاطع في التغاير.
الثانية: أن اسم الله هاهنا إما عام أريد به الخاص أو المراد به المعهود، وهو لفظ الله، وليس المراد عمومه، وإلا لتوقف حل الصيد، والذبيحة على ذكر كل اسم لله- -أو على ذكر التسعة والتسعين اسما، وأنه باطل بإجماع.
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٥) [المائدة: ٥] عام خص بصور:
منها: ما حرم علينا ابتداء كالميتة والخنزير، فيكون محرما علينا ابتداء، بواسطة أهل الكتاب.
منها: ما حرم عليهم كذي الظفر من بهيمة الأنعام، ونحوها؛ لأننا تبع لهم في حل طعامهم فحرم علينا ما حرم عليهم.
ومنها: [شحم الثرب] (١) والكليتين مما يحل لهم ذبحه يحرم عليهم وفي حله لنا قولان:
ومنها: الغدة، وإذن القلب، يكره أكله لنا مطلقا مما ذبحوه، أو ذبحناه، وفي تحريمه خلاف. وما كان من مثل هذه الصور.
﴿وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] عام، ويخص منه شحم ذبائحنا المحرم عليه، لو ذبحه هو.
﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ﴾ [المائدة: ٥] أي: العفائف يحل لكم نكاحهن، ويخص منه ذوات الأزواج، والمعتدة والمحرمة بسبب أو نسب مما ذكر في سورة النساء، والمشتبهة
стр. 202
كأخته المشتبهة بأجنبيات حتى تتعين، والزانية على الزاني وغيره حتى تتوب، وتعتد لمفهوم المحصنات/ [١٣٠/ل].
كل هؤلاء يحرم نكاحهن مطلقا أو مؤقتا ويخص بهن هذا العموم. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] عام في حرائر أهل الكتاب يحل نكاحهن من الذميات والحربيات، وفي الحربيات خلاف، الأصح جوازه للعموم، والأصح امتناع نكاح إمائهم للتخصيص بالمحصنات، وهن الحرائر، إذ لا إحصان لأمة.
﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] عام مطرد.
قوله- : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) [المائدة: ٦] اقتضى بعمومه وجوب الوضوء لكل صلاة، فإن تعذر الوضوء فالتيمم خص ذلك في الوضوء بالإجماع؛ لكونه رافعا، فلا يجب إلا على من أراد الصلاة وهو محدث، وبقي في التيمم على عمومه/ [٦٢ أ/م] فيجب عند إرادة كل صلاة بحيث لا يجمع بتيمم واحد فرضين في وقت واحد، وهو مذهب الشافعي، وقول لأحمد، والصحيح عنده أن التيمم وظيفة الوقت؛ فيصلي به ما شاء في الوقت من فروض ونوافل، حتى يخرج.
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عام في الوجه، وهو من منابت شعر الرأس المعتاد إلى مجتمع اللحيين طولا، وما بين الأذنين عرضا، وخص منه داخل العينين؛ فلا يجب غسله إذا خيف الضرر، وإن أمن ففي استحبابه وجهان، ومقتضى العموم وجوبه، وفي المسترسل من اللحية عن مجتمع اللحيين قولان:
أحدهما: يجب غسله؛ لاتصاله بمحل الفرض.
والثاني: لا يجب لخروجه عن حد الوجه، وداخل الفم والأنف متردد بين ظاهر الوجه
стр. 203
وباطن الحلق؛ فمن ثم وقع الخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق.
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦] عام ثم إن قيل: حد اليد إلى تحت الإبط كما فهمه الصحابة أولا، فقد خص منها ما بين المرافق والآباط؛ وإن قيل: إن حدها إلى الكوع؛ كما في قطع السارق؛ فهو عام مطرد؛ وزيد عليه ما بين الكوع إلى المرفق، بالغاية المذكورة إلى المرافق؛ وبهذا [يتضح القول] في دخول المرافق في الغسل؛ فعلى حد اليد الأول يكون دخول المرفق في الغسل بعموم لفظ اليد بعد تخصيص ما فوق المرفق إلى الإبط وعلى حدها الثاني. ينبني على أن «إلى» بمعنى مع على غير المختار، فيدخلان في الغسل أو على أصلها في الغاية؛ فينبني على أن الغاية تتناول ما بعدها، فيه أقوال.
ثالثها: إن كان من جنسها، تناولته وإلا فلا، وهو اختيار المبرد.
ورابعها: أنها مجملة في التناول وعدمه، يقف على الدليل فإن قلنا: يتناوله مطلقا، أو إذا كان من جنسها دخل/ [١٣١/ل] في الغسل هاهنا؛ لأن المرفق من جنس اليد، وإن قلنا: يتناول ما بعدها، أو هي مجملة يحتمل التناول وعدمه، ففيه قولان:
أحدهما: يدخل في الغسل؛ لبيان النبي ﷺ ذلك بفعله حيث توضأ فغسل يديه، وأدار الماء على مرفقيه.
والثاني: لا يدخل، هو قول زفر بن الهذيل (١) من أهل العراق، عملا بمقتضى الغاية في عدم التناول أو اقتصارا على الأقل المتيقن إن جعلناها مجملة، ويحمل فعل النبي ﷺ في غسل المرافق على الاستحباب، والقول في ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] نحو منه في ﴿إِلَى الْمَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
﴿وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فيه مسائل:
الأولى: الباء، قيل: للإلصاق. وقيل: زائدة. فتقتضي تعميم الرأس بالمسح أي امسحوا رؤوسكم ملصقين بها أيديكم، وهو مذهب مالك أحمد رحمهما الله.
وقيل/ [٦٢ ب/م]: للتبعيض، فيقتضي إجزاء مسح بعضه، وهو مذهب الشافعي- ﵀-ولو شعرة لحصول مسمى المسح، والزيادة والتبعيض ضعيفان، وإن كان
стр. 204
التبعيض في الباء منقولا عن الشافعي، ولو ثبت عنه كان حجة، وقد خرج مسح البعض على غير تبعيض الباء، وهو أن الباء إن وردت للتبعيض وغيره في الاستعمال فكانت في الآية مجملة لاحتمالها الأمرين، فاقتصر فيه على الأقل المتيقن، وهو ما يصدق عليه اسم المسح، وهو تقرير الإمام فخر الدين، في تفسيره.
وعند أبي حنيفة-﵀-الواجب مسح ربع الرأس، وعنه قدر الناصية، وعنه قدر ثلاث أصابع؛ لأن المسح يقتضي آلة يمسح بها، وهي الكف، وثلاث أصابع أكثره، فقامت مقام جميعه، وفي كون الباء للتبعيض أولا مباحث نظرية، مذكورة في أصول الفقه لا نطيل بذكرها، ويكفي في ذلك إطباق أهل اللغة على إنكار أنها للتبعيض إلا ابن كيسان (١)، وما يروى عن الشافعي، قال ابن برهان الأصولي النحوي (٢): من زعم أن الباء للتبعيض، فقد أتى أهل اللغة بما لا يعرفونه، ومحل الخلاف ما إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه نحو:
مسحت رأسي، وبرأسي لا مطلقا.
المسألة الثانية: ذكر الرأس، وهو ممسوح متخللا للمغسولات، احتج به من رأى الترتيب فرضا في الوضوء، هو الشافعي وأحمد-رحمهما الله-بناء على أن ذلك، لا بد له من فائدة، ولا فائدة إلا التنبيه على الترتيب، وفيه نظر؛ لأن لقائل أن يقول: إن تخلل الرأس للمغسولات هو بمقتضى الكلام القديم عبارة مسموعة جعل أو معنى ذاتيا، والكلام القديم لا يعلل بالفوائد والعلل، سلمنا أنه لا بد له من/ [١٢٣/ل] فائدة، لكن جاز أن تلك الفائدة تعديل الكلام المعتبر في الإعجاز، وجاز أنها للتنبيه على استحباب الترتيب لا وجوبه، ومن الشافعية من بنى الترتيب في الوضوء على كون الواو العاطفة تقتضي الترتيب [لا وجوبه] وبعض الأعضاء معطوف على بعض بها. ويحكى أيضا عن الشافعي، والصحيح أن لا ترتيب فيها وأنها للجمع المطلق كما مر.
ومنهم من أثبت بأن النبي ﷺ توضأ وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٣)، وذلك الوضوء إما مرتب؛ فيلزم ألا تقبل الصلاة إلا بوضوء مرتب، وهو المطلوب،
стр. 205
أو غير مرتب؛ فيلزم أن لا تقبل الصلاة إلا بوضوء غير مرتب، وهو خلاف للإجماع، وهي طريقة حسنة مطردة، في جميع أبعاض الوضوء غير أنها منتقضة على كل مستدل بها بما لا يقول هو بوجوبه في الوضوء كالمضمضة والاستنشاق والموالاة/ [٦٣ أ/م] وسائر السنن عند من لا يرى فرضية شيء منها؛ فإن النكتة جارية فيه بعينها بأن يقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم لا يخلو إما أنه ﵊ تمضمض فيه أو لا، إلى آخرها.
المسألة الثالثة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قرأ نصف القراء بفتح اللام نصبا عطفا على الوجوه والأيدي في الغسل. واحتج به الجمهور، وقرأ الباقون بكسر اللام جرا عطفا على الرءوس في المسح. واحتج به الشيعة.
ثم كل واحد من الفريقين تأول قراءة الآخر على خلاف الظاهر؛ فالجمهور تأولوا قراءة الجر على المجاورة للرءوس، نحو:
. . . ... كبير أنا في بجاد مزمل
. . . ... صفيف شواء أو قدير معجل
وجحر ضب خرب، والأصل مزمل وخرب بالرفع، وقديرا بالنصب، وإنما جر الثلاثة لمجاورتها المجرور قبلها.
وردت الشيعة ذلك بأن الإعراب على المجاورة شاذ نادر، أو ضعيف في القياس فلا تحمل عليه القراءة المشهورة، ثم هو إنما يستعمل حيث يؤمن اللبس لا حيث يلبس كما هاهنا، على أن معنى الشاهد الثالث: لكم جحر ضب خرب جحره، فهو نعت سببي مقيس لكن حذف الفاعل لدلالة خبر المبتدأ عليه؛ إذا التقدير: هذا جحر ضب خرب جحره.
والشيعة تأولوا قراءة النصب على أنها على محل ﴿بِرُؤُسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وهو نصب نحو: «فلسنا بالجبال ولا الحديدا»، وهو أقرب من الوجوه والأيدي، والعطف على الأقرب أولى.
ورد الجمهور ذلك بأن العطف على محل ﴿بِرُؤُسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وإن كان أقرب، لكن العطف على لفظ الوجوه والأيدي أقوى/ [١٣٣/ل] واعتبار الأقوى أولى من اعتبار الأقرب؛ لأن القوة معنى حقيقي، والقرب معنى إضافي عدمي، ثم أكدوا ذلك بفعل النبي ﷺ وأصحابه، واتفاق السواد الأعظم على غسل الرجلين.
стр. 206
واعلم أن الخلاف لما قوي في هذه المسألة من الطرفين ذهب قوم من الجمهور إلى التخيير بين الغسل والمسح، وآخرون إلى الجمع بينهما احتياطا؛ فصار فيها أربعة مذاهب، وخص من عموم الأعضاء الأربعة ما قام به مانع من التطهير كالجراحة والشجة ونحوها.
﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [المائدة: ٦] عام خص منه من لا تشتهى لصغرها والمحرم، على خلاف في ذلك؛ فلا ينقض الوضوء مسها واللمس من غير قصد أو لغير شهوة عند بعضهم، ثم إن الملامسة حقيقة وضعية في تماس البشرتين، ومجاز في الوطء؛ فمن اعتبرهما من لفظ واحد-كالشافعي ونحوه-ينقض الوضوء بالجماع واللمس، ومن لم يعتبرهما في لفظ واحد-كأبي حنيفة-نقض/ [٦٣ ب/م] الوضوء بالجماع للإجماع، ولم ينقضه باللمس، وإلا لاعتبر من اللفظ الواحد حقيقته ومجازه وأنه باطل عنده، وهذا من مسائل الحقيقة والمجاز في أصول الفقه.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] هذا نكرة في سياق نفي؛ فيعم، ومقتضاه أنه إن لم يعدم جميع أفراد الماء المطلق لا يجوز له التيمم. وقد وقع النزاع في صور:
منها: الماء المتغير بالطاهرات تغيرا شديدا بحيث لا يخرجه عن طبيعة الماء وقوته، هل يجوز الوضوء بناء على أن الماء المطلق يتناوله أم لا؟ (١).
ومنها: المستعمل في رفع الحدث (٢)، أجاز مالك استعماله في الطهارة مع الكراهة، ومنعه الباقون؛ بناء على ذلك أو كونه صار نجسا عند بعضهم.
ومنها: نبيذ التمر عند عدم الماء في السفر، هل يتوضأ به أم لا؟
منعه الأئمة إلا أبا حنيفة (٣).
حجة المانع: أن جميع أفراد الماء معدومة فوجب الانتقال إلى التيمم؛ إذ لم يجعل الشرع بينهما واسطة فمن أجاز الوضوء بالنبيذ فقد أثبت الواسطة، حيث لم يثبتها الشرع، وأنه غير جائز.
стр. 207
حجة من أجاز قوله ﷺ لابن مسعود ولم يجد معه إلا نبيذا: «ثمرة طيبة وماء طهور» (١) فسماه ماء؛ ولأنه لا بد في النبيذ من أجزاء مائية؛ فوجده لم يعدم جميع أفراد الماء فيلزمه استعمال تلك الأجزاء واستعمالها مفردة لا يمكن لاستهلاكها/ [١٣٤/ل] فيوصل إليه باستعمال الجميع-أعني الماء-وما استهلك فيه، وصار ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والجواب: أن الحديث قد ضعف، والأجزاء المائية في النبيذ خرجت عن اسم الماء وطبيعته؛ فلا يتناولها العموم، فلا يجب استعمالها.
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] اختلف في من هاهنا هل هي للتبعيض أو لابتداء الغاية؟ فعلى الأول يشترط فيما يتيمم به أن يكون له غبار يعلق بمحل التيمم؛ تحقيقا لمعنى الباء في التبعيض، وهو مذهب الشافعي وأحمد (٢)، وعلى الثاني: لا يشترط ذلك؛ لأن الواجب ابتداء المسح من الصعيد، وهو حاصل بدون الغبار حتى لو ضرب بيده على حجر صلد ونحوه مما لا غبار فيه جاز، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة (٣).
ثم ألزم الشافعية الاكتفاء بمسح بعض الوجه في التيمم من قوله- :
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] كما جاز الاكتفاء بمسح بعض الرأس من ﴿وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وإلا فسووا بينهما في التعميم، أو أفرقوا بين الموضعين مع اتحاد الصيغة، ووجود الباء المبعضة فيهما لكنهم فرقوا بأن المسح في الرأس أصل فعمل فيه مقتضى الباء التبعيض بخلاف المسح في/ [٦٤ أ/م] الوجه فإنه ينزل عما يجب استيعابه به وهو الغسل فألحق بأصله.
стр. 208
وهذا عند التحقيق ليس بالقوي؛ لأن مقتضيات الألفاظ لا يؤثر فيها اختلاف الأحكام، وهذا البحث يتعلق بحروف المعاني، وهي من أبواب أصول الفقه.
﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] هو عام بدليل ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨) [الحج: ٧٨] وهو عام مطرد؛ لأن الله- لم يشرع حكما إلا وأوسع الطريق إليه ويسره، حتى لم يبق دون حرج ولا عسر ويحتج بهذه الآية ونحوها من رأى أنه إذا تعارض في مسألة حكمان اجتهاديان-خفيف وثقيل- ترجح الخفيف دفعا للحرج. وفي هذا أقوال:
ثالثها: التخيير والأخذ بالأثقل أحوط، وهذه من أصول الفقه.
قوله- : ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧) [المائدة: ٧] يحتمل [أن هذا] تذكير [للمؤمنين بالعهد المأخوذ عليهم ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (١٧٢) [الأعراف: ١٧٢] ويحتمل أنه تذكير لهم ببيعتهم النبي ﷺ على النصرة والإسلام والتزام أحكام الشريعة، وهو أشبه/ [١٣٥/ل].
﴿* وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٢) [المائدة: ١٢] يعني على طاعة موسى-﵇-وهو عام فيهم.
﴿وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: ١٢] استشهد الإمامية بهذا على أن أئمة
стр. 209
الأمة من أهل البيت اثنا عشر على عدد نقباء بني إسرائيل؛ لأن النقباء هنا الشهود بدليل سياق الآية، والأئمة شهود على الأمة؛ لقوله : ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٧١) [الإسراء:
٧١] ولأن الإمام خليفة الرسول، والرسول شاهد على الأمة فكذا خلفاؤه.
واعلم أن هذا تشبيه مجرد عن غير ربط لزومي، وإنما الأشبه بنقباء بني إسرائيل نقباء الأنصار الذين بايعوا بيعة العقبة.
﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] أي بالنصرة والإعانة.
﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ [المائدة: ١٢] عام مطرد في الإيمان بالرسل.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] عام في تكفير جميعها، ولا يجوز تخصيصه بالكفر لقوله- : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾ (٤٨) [النساء: ٤٨] لأن تكفير سيئاتهم إنما هو على تقدير الإيمان كما صرحت به الآية، وهو والكفر لا يجتمعان؛ فإذن تكفير السيئات عام مطرد فيما سوى الكفر.
﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ [المائدة: ١٢] عام مطرد.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣) [المائدة: ١٣] يحتمل أن نقضهم إياه بمخالفة جميع أجزائه وهي الخمسة المذكورة في الآية قبلها «إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، وتعظيمهم، وإقراض الله- -قرضا حسنا» ويحتمل أن نقضه بمخالفة بعض أجزائه، ولو جزء واحد/ [٦٤ ب/م] منه؛ لأن ماهية الجملة تنتفي بانتفاء جزء منها، كالعشرة تنتفي صورتها وماهيتها بعدم واحد منها.
ويحتج القدرية بهذه ونحوها، ووجهه أنه- -لعنهم بنقضهم الميثاق، فلو كان نقضه مخلوقا له لكان لاعنا لهم على فعله، وذلك جور. وقد عرف هذا وجوابه غير مرة على رأي الكسبية والمجبرة.
стр. 210
﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] قسوة القلب صلابته، فلا يلين لطاعة الله- -وذكره، وسببها ما يخلقه الله- -في القلب من غلبة شهوات الدنيا عليه والاغترار بها فيخالف في تحصيلها المأمورات، ويرتكب المحظورات، وربما قال المعتزلة:
إنه- -جعل تقسيته لقلوبهم عقوبة على نقضهم للميثاق فلو كانت العقوبة والذنب جميعا من فعله وخلقه لما كان أحدهما بأن يكون ذنبا والاخر عقوبة أولى من العكس، ويجاب عنه بالمنع بل نقول: لما كانا جميعا/ [١٣٦/ل] مخلوقين له بالقدرة والاختيار اختار أن خلق النقض ذنبا وتقسية القلوب عقوبة.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] قيل: حرفوه بالتبديل، وقيل:
بالتأويل، والحق أنهم حرفوه بالأمرين، ولعل اختلاف العبارتين وهي (يحرفون الكلم عن مواضعه) و (من بعد مواضعه) إشارة إلى ذلك، ويشبه أن تحريفه من بعد مواضعه بالتبديل، وعن مواضعه بالتأويل، لأن التبديل أخص التحريفين، ومن بعد مواضعه أخص العبارتين، فيجعل الأخص للأخص عملا بموجب المناسبة، هذا كله في اليهود.
ثم قال الله- : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١٤) [المائدة: ١٤] أي بالتوحيد، فثلثوا، كما سبق من مذهبهم، وهذا عام مطرد في النصارى.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧) [المائدة: ١٧] هذا عام مطرد.
واعلم أنهم قرروا هذه الدعوى بأن قالوا: كلمة الله- -حلت في هيكل المسيح، وكلمة الله لا تنفك عن ذات الله؛ فهيكل المسيح لا ينفك عن ذات الله بواسطة الكلمة الحالة. قالوا: ولا نعني بكون المسيح هو الله، والله هو المسيح إلا أن ذاته لا تنفك عن ذاته بطريق الحلول، وقد سبق بطلان هذه المقدمات.
وأجاب الله- -عن دعواهم هذه بقوله- : ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ﴾
стр. 211
شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ [المائدة: ١٧] وتقريره لو كان الله هو المسيح ابن مريم لامتنع عليه إهلاكه واللازم باطل فالملزوم كذلك، بيان الملازمة أن الله- -لو كان هو المسيح لكانا ذاتا واحدة قديمة، [ولو كانا ذاتا واحدة قديمة لامتنع أن يهلك الله] ذاته القديمة/ [٦٥ أ/م] إذ القديم لا يقبل العدم ولا الهلاك ولا التأثر بوجه.
بيان انتفاء اللازم وهو أن الله- -قادر على إهلاك من في الأرض جميعا، بل جميع العالم، فعلى إهلاك المسيح وحده أولى، وإذا كان قادرا على إهلاكه لزم أنه ليس هو الله- -لأن إهلاك المسيح مقدور، وإهلاك الله- -نفسه غير مقدور؛ ينتج أن المسيح ليس هو الله، وينعكس كليا أن الله- -ليس هو المسيح، وهو المطلوب.
﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧) / [١٣٧/ل] [المائدة: ١٧] إشارة إلى ما سبق من أن العالم بأسره مملوك لله- -ونفسه أو ابنه على تقدير قول النصارى ليس مملوكا له فلو كان المسيح هو الله- -أو ابنه كما قالوا؛ لكان المسيح خارجا عن عالم السماوات والأرض، وأنه باطل، وإذا ثبت أنه من العالم والعالم مملوك مخلوق فالمسيح بهيكله وروحه وكثيفه ولطيفه مملوك مخلوق، ومختصر هذا أن المسيح من العالم، وكل ما هو من العالم فهو مملوك مخلوق فالمسيح مملوك مخلوق.
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٨) [المائدة: ١٨] تقريره أنكم أيها اليهود والنصارى معذبون بذنوبكم، والأبناء والأحباء لا يعذبون بذنوبهم، فأنتم أيها اليهود والنصارى لستم أبناء الله ولا أحباءه، بل أنتم بشر من خلقه يغفر لمن شاء منكم ويعذب منكم من يشاء.
стр. 212
فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) [طه: ١٣٤] ونحوه من الاحتجاج على الله- -بنفي بعثه الرسل فقطع هذه الحجة عنه بإرسال محمد ﷺ .
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢٠) [المائدة: ٢٠] يقتضي أن النبوة نعمة على النبي وعلى قومه لشرفهم به، كما قال الله- -لنبيه ﷺ :
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (٤٤) [الزخرف: ٤٤] أي: شرف.
قال: ﴿*وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٧) [المائدة: ٢٧] يحتج به من يرى أن الفاسق لا يقبل له عمل، ولعله رأي الخوارج، وتقريره أن الفاسق ليس بمتق، وكل من ليس بمتق لا يقبل منه عمل، فالفاسق لا يقبل منه عمل، أما الأولى فواضحة بذاتها، وأما الثانية فلهذه الآية لاقتضائها حصر تقبل العمل في المتقين وحصر الشيء في الشيء يقتضي أن لا يوجد في غيره فالتقبل لا يوجد في غير المتقي؛ وهو المطلوب. أو يقال: المتقبل عمله متق والفاسق ليس بمتق، فالمتقبل منه ليس بفاسق، وينعكس كليا الفاسق ليس متقبلا منه.
والجواب: أن هذه الشبهة مبنية على أن ﴿إِنَّما﴾ [المائدة: ٢٧] في الآية للحصر وأن التقوى هي العامة، وهي تقوى المعاصي على/ [٦٥ ب/م] الإطلاق وكلاهما ممنوع؛ أما الأول فلما تقرر قبل من أن (إنما) / [١٣٨/ل] لا تقتضي الحصر، بل الإثبات المؤكد، وأما الثاني فلأن المراد التقوى الخاصة، وهي اجتناب الكفر، وعلى هذا التقدير نمنع مقدمتي الدليل المذكور، فلا نسلم أن الفاسق ليس بمتق، ولا أن كل من ليس بمتق لا يتقبل منه ويدل على ما ذكرناه قوله- : ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٥٤) [التوبة: ٥٤] فحصر المانع من قبول النفقة في الكفر، وذلك يقتضي أن غير الكفر لا يمنع من قبولها، وحينئذ ينتظم الدليل هكذا: المانع من قبول النفقة هو الكفر، والكفر غير موجود في الفاسق المؤمن، فالمانع غير موجود في الفاسق المؤمن.
стр. 213
﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ (٣١) [المائدة: ٣١] إن كان هذا الغراب ملكا كما قيل، فلا عجب، وإن كان غرابا حقيقيا فطالما أرشد الله- -الإنسان ببعض الحيوان؛ فهذا جالينوس الحكيم إنما استفاد الحقنة من طائر في البحر؛ إذا أصابه تخمة زج بمنقاره من ماء البحر في دبره فيستطلق فيبرأ.
واستفادوا أن الرازيانج فيه جلاء للبصر من الحية؛ إذا طال مقامها في الشتاء تحت الأرض أظلم بصرها، فتخرج إذا خرجت على الفور إلى الرازيانج الأخضر فتفتح عينها فيه، وتجل به بصرها؛ فيزول عنها، وهذا النوع كثير في أسرار الحيوان، وقد أعطى الله- -كل شيء خلقه ثم هدى؛ فإرشاد ابن آدم إلى دفن أخيه بالغراب من هذا الباب.
﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (٣٢) [المائدة: ٣٢] اعلم أن العلة الشرعية تارة تستفاد من النص عليها، وتارة بالإيماء إليها، وتارة بالسير والتقسيم، وتارة بالدوران بالنص كما في هذه الآية، وبها يستشهد في ذلك نحو. فعلت كذا لكذا، أو من أجل كذا، أو لعلة كذا، ونحوه. وباقي الأقسام تشير إلى ما نمر به منه إن شاء الله، .
﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣٨) [المائدة: ٣٨] يحتج بها القدرية في أن أفعال العباد مخلوقة لهم، وإلا لكان قطع السارق عقوبة له على خلق غيره، وذلك جور.
وأجيب بأن قطعه على كسبه، كما صرحت به الآية، ولا يلزم من كون الفعل كسبا له أن يكون مخلوقا له.
стр. 214
فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) [المائدة: ٤١] هذا حجة على المعتزلة في أن/ [١٣٩/ل] الله- -يريد فتنة بعض الخلق أي: ضلالهم/ [٦٦ أ/م] ولا يريد تطهير قلوبهم بالإيمان والهدى، فيمتنعان منهم، والآية فيه واضحة غنية عن البيان بتقرير البرهان.
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤٢) [المائدة: ٤٢] هذا مخصص لعموم قوله- : ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ (١٠٥) [النساء: ١٠٥] خص في أهل الكتاب بهذه الآية حيث خير في الحكم بينهم، فأما الحكام بعد النبي ﷺ فهل يلزمهم الحكم بين أهل الذمة إذا ترافعوا إليهم؟ فيه خلاف وتفصيل.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٣) [المائدة: ٤٣] يحتج اليهود بهذا على صحة توراتهم إلزاما للمسلمين، لأن القرآن قد صرح بأن فيها حكم الله، وكل ما فيه حكم الله فهو حق معتبر؛ فالتوراة حق معتبر.
وجوابه: أن معنى ﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ أي بعضه أو حكم خاص كحكم الزانيين الذين كانت فيهما القصة، ونحن لا ندعي تحريف جميعها، بل ما نلزمهم به الحجة من صفات محمد ﷺ ونحوه، ولا يلزم من تضمنها بعض حكم الله أن يكون جميعها حقا معتبرا، وإنما يلزم ذلك أن لو قال: «في جميعها حكم الله». أو: «فيها جميع»، أو: «كل حكم الله»، لكنه لم يقل ذلك، ثم قوله: وكل ما فيه حكم الله فهو حق معتبر-غلط أو مغالطة؛ لأن قولنا: ﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ ظرف ومظروف فالمظروف الذي هو حكم الله هو الحق المعتبر، أما الظرف الذي فيه الحكم فجاز أن يكون حقا وباطلا، ولو صح ما ذكرت لكان إذا تحقق أن في الإنجيل أو كتاب المجوس ونحوه حكما واحدا حقا هو حكم الله- -
стр. 215
وجب أن يكون جميع الإنجيل ونحوه حقا معتبرا. وأنت لا تقول به.
﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [المائدة: ٤٤] هذا إنما هو في التوراة المنزلة، وهي حق، فلا حجة لليهود فيه على حقية التوراة التي بأيديهم؛ لأنها مبدل فيها ومحرف.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٤٤) [المائدة: ٤٤].
﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٥) [المائدة: ٤٥].
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤٧) [المائدة: ٤٧] في فواصل الآيات الثلاث، وإنما تفاوتت هذه الفواصل إما لأن الكفر يستلزم الظلم والفسق، أو لأنه بحسب مراتب المخالفة في الحكم، فتارك الحكم بما أنزل الله في التوحيد ونحوه من أركان الدين/ [١٤٠/ل] يكون كافرا، وتاركه في أحكام الفروع كالقصاص ونحوه يكون ظلما فاسقا.
وهو عام فيمن لم يحكم بما أنزل الله، أو يحكم بغير ما أنزل الله، ويخص منه المكره والمخطئ في الاجتهاد، وتارك الحكم بين أهل الذمة إذا ترافعوا إليه إذا/ [٦٦ ب/م] قلنا: يخير في الحكم بينهم، أو لإشكال الحكم وتعارض الدليل ونحو ذلك.
قوله- : ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يحتج به من رأى قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، بناء على أصول:
أحدها: أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ إذ النفس بالنفس من شرع التوراة.
الثاني: أن المفهوم ليس بحجة، فمفهوم الحر بالحر لا يخصص هذا العموم.
الثالث: آخر الآية: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٥) [المائدة: ٤٥] يتناول أهل
следующие страницы →