Полный текст (691 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ [المائدة: ١٧] وتقريره لو كان الله هو المسيح ابن مريم لامتنع عليه إهلاكه واللازم باطل فالملزوم كذلك، بيان الملازمة أن الله- -لو كان هو المسيح لكانا ذاتا واحدة قديمة، [ولو كانا ذاتا واحدة قديمة لامتنع أن يهلك الله] ذاته القديمة/ [٦٥ أ/م] إذ القديم لا يقبل العدم ولا الهلاك ولا التأثر بوجه.
بيان انتفاء اللازم وهو أن الله- -قادر على إهلاك من في الأرض جميعا، بل جميع العالم، فعلى إهلاك المسيح وحده أولى، وإذا كان قادرا على إهلاكه لزم أنه ليس هو الله- -لأن إهلاك المسيح مقدور، وإهلاك الله- -نفسه غير مقدور؛ ينتج أن المسيح ليس هو الله، وينعكس كليا أن الله- -ليس هو المسيح، وهو المطلوب.
﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧) / [١٣٧/ل] [المائدة: ١٧] إشارة إلى ما سبق من أن العالم بأسره مملوك لله- -ونفسه أو ابنه على تقدير قول النصارى ليس مملوكا له فلو كان المسيح هو الله- -أو ابنه كما قالوا؛ لكان المسيح خارجا عن عالم السماوات والأرض، وأنه باطل، وإذا ثبت أنه من العالم والعالم مملوك مخلوق فالمسيح بهيكله وروحه وكثيفه ولطيفه مملوك مخلوق، ومختصر هذا أن المسيح من العالم، وكل ما هو من العالم فهو مملوك مخلوق فالمسيح مملوك مخلوق.
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٨) [المائدة: ١٨] تقريره أنكم أيها اليهود والنصارى معذبون بذنوبكم، والأبناء والأحباء لا يعذبون بذنوبهم، فأنتم أيها اليهود والنصارى لستم أبناء الله ولا أحباءه، بل أنتم بشر من خلقه يغفر لمن شاء منكم ويعذب منكم من يشاء.
стр. 212
فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) [طه: ١٣٤] ونحوه من الاحتجاج على الله- -بنفي بعثه الرسل فقطع هذه الحجة عنه بإرسال محمد ﷺ .
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢٠) [المائدة: ٢٠] يقتضي أن النبوة نعمة على النبي وعلى قومه لشرفهم به، كما قال الله- -لنبيه ﷺ :
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (٤٤) [الزخرف: ٤٤] أي: شرف.
قال: ﴿*وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٧) [المائدة: ٢٧] يحتج به من يرى أن الفاسق لا يقبل له عمل، ولعله رأي الخوارج، وتقريره أن الفاسق ليس بمتق، وكل من ليس بمتق لا يقبل منه عمل، فالفاسق لا يقبل منه عمل، أما الأولى فواضحة بذاتها، وأما الثانية فلهذه الآية لاقتضائها حصر تقبل العمل في المتقين وحصر الشيء في الشيء يقتضي أن لا يوجد في غيره فالتقبل لا يوجد في غير المتقي؛ وهو المطلوب. أو يقال: المتقبل عمله متق والفاسق ليس بمتق، فالمتقبل منه ليس بفاسق، وينعكس كليا الفاسق ليس متقبلا منه.
والجواب: أن هذه الشبهة مبنية على أن ﴿إِنَّما﴾ [المائدة: ٢٧] في الآية للحصر وأن التقوى هي العامة، وهي تقوى المعاصي على/ [٦٥ ب/م] الإطلاق وكلاهما ممنوع؛ أما الأول فلما تقرر قبل من أن (إنما) / [١٣٨/ل] لا تقتضي الحصر، بل الإثبات المؤكد، وأما الثاني فلأن المراد التقوى الخاصة، وهي اجتناب الكفر، وعلى هذا التقدير نمنع مقدمتي الدليل المذكور، فلا نسلم أن الفاسق ليس بمتق، ولا أن كل من ليس بمتق لا يتقبل منه ويدل على ما ذكرناه قوله- : ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٥٤) [التوبة: ٥٤] فحصر المانع من قبول النفقة في الكفر، وذلك يقتضي أن غير الكفر لا يمنع من قبولها، وحينئذ ينتظم الدليل هكذا: المانع من قبول النفقة هو الكفر، والكفر غير موجود في الفاسق المؤمن، فالمانع غير موجود في الفاسق المؤمن.
стр. 213
﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ (٣١) [المائدة: ٣١] إن كان هذا الغراب ملكا كما قيل، فلا عجب، وإن كان غرابا حقيقيا فطالما أرشد الله- -الإنسان ببعض الحيوان؛ فهذا جالينوس الحكيم إنما استفاد الحقنة من طائر في البحر؛ إذا أصابه تخمة زج بمنقاره من ماء البحر في دبره فيستطلق فيبرأ.
واستفادوا أن الرازيانج فيه جلاء للبصر من الحية؛ إذا طال مقامها في الشتاء تحت الأرض أظلم بصرها، فتخرج إذا خرجت على الفور إلى الرازيانج الأخضر فتفتح عينها فيه، وتجل به بصرها؛ فيزول عنها، وهذا النوع كثير في أسرار الحيوان، وقد أعطى الله- -كل شيء خلقه ثم هدى؛ فإرشاد ابن آدم إلى دفن أخيه بالغراب من هذا الباب.
﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (٣٢) [المائدة: ٣٢] اعلم أن العلة الشرعية تارة تستفاد من النص عليها، وتارة بالإيماء إليها، وتارة بالسير والتقسيم، وتارة بالدوران بالنص كما في هذه الآية، وبها يستشهد في ذلك نحو. فعلت كذا لكذا، أو من أجل كذا، أو لعلة كذا، ونحوه. وباقي الأقسام تشير إلى ما نمر به منه إن شاء الله، .
﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣٨) [المائدة: ٣٨] يحتج بها القدرية في أن أفعال العباد مخلوقة لهم، وإلا لكان قطع السارق عقوبة له على خلق غيره، وذلك جور.
وأجيب بأن قطعه على كسبه، كما صرحت به الآية، ولا يلزم من كون الفعل كسبا له أن يكون مخلوقا له.
стр. 214
فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) [المائدة: ٤١] هذا حجة على المعتزلة في أن/ [١٣٩/ل] الله- -يريد فتنة بعض الخلق أي: ضلالهم/ [٦٦ أ/م] ولا يريد تطهير قلوبهم بالإيمان والهدى، فيمتنعان منهم، والآية فيه واضحة غنية عن البيان بتقرير البرهان.
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤٢) [المائدة: ٤٢] هذا مخصص لعموم قوله- : ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ (١٠٥) [النساء: ١٠٥] خص في أهل الكتاب بهذه الآية حيث خير في الحكم بينهم، فأما الحكام بعد النبي ﷺ فهل يلزمهم الحكم بين أهل الذمة إذا ترافعوا إليهم؟ فيه خلاف وتفصيل.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٣) [المائدة: ٤٣] يحتج اليهود بهذا على صحة توراتهم إلزاما للمسلمين، لأن القرآن قد صرح بأن فيها حكم الله، وكل ما فيه حكم الله فهو حق معتبر؛ فالتوراة حق معتبر.
وجوابه: أن معنى ﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ أي بعضه أو حكم خاص كحكم الزانيين الذين كانت فيهما القصة، ونحن لا ندعي تحريف جميعها، بل ما نلزمهم به الحجة من صفات محمد ﷺ ونحوه، ولا يلزم من تضمنها بعض حكم الله أن يكون جميعها حقا معتبرا، وإنما يلزم ذلك أن لو قال: «في جميعها حكم الله». أو: «فيها جميع»، أو: «كل حكم الله»، لكنه لم يقل ذلك، ثم قوله: وكل ما فيه حكم الله فهو حق معتبر-غلط أو مغالطة؛ لأن قولنا: ﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ ظرف ومظروف فالمظروف الذي هو حكم الله هو الحق المعتبر، أما الظرف الذي فيه الحكم فجاز أن يكون حقا وباطلا، ولو صح ما ذكرت لكان إذا تحقق أن في الإنجيل أو كتاب المجوس ونحوه حكما واحدا حقا هو حكم الله- -
стр. 215
وجب أن يكون جميع الإنجيل ونحوه حقا معتبرا. وأنت لا تقول به.
﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [المائدة: ٤٤] هذا إنما هو في التوراة المنزلة، وهي حق، فلا حجة لليهود فيه على حقية التوراة التي بأيديهم؛ لأنها مبدل فيها ومحرف.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٤٤) [المائدة: ٤٤].
﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٥) [المائدة: ٤٥].
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤٧) [المائدة: ٤٧] في فواصل الآيات الثلاث، وإنما تفاوتت هذه الفواصل إما لأن الكفر يستلزم الظلم والفسق، أو لأنه بحسب مراتب المخالفة في الحكم، فتارك الحكم بما أنزل الله في التوحيد ونحوه من أركان الدين/ [١٤٠/ل] يكون كافرا، وتاركه في أحكام الفروع كالقصاص ونحوه يكون ظلما فاسقا.
وهو عام فيمن لم يحكم بما أنزل الله، أو يحكم بغير ما أنزل الله، ويخص منه المكره والمخطئ في الاجتهاد، وتارك الحكم بين أهل الذمة إذا ترافعوا إليه إذا/ [٦٦ ب/م] قلنا: يخير في الحكم بينهم، أو لإشكال الحكم وتعارض الدليل ونحو ذلك.
قوله- : ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يحتج به من رأى قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، بناء على أصول:
أحدها: أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ إذ النفس بالنفس من شرع التوراة.
الثاني: أن المفهوم ليس بحجة، فمفهوم الحر بالحر لا يخصص هذا العموم.
الثالث: آخر الآية: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٥) [المائدة: ٤٥] يتناول أهل
стр. 216
الإسلام وغيرهم مع أهل التوراة.
وروى أبو حنيفة في مسنده بإسناده أن النبي ﷺ قتل مسلما بذمي، وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» (١).
حجة الآخرين أن القصاص شرطه المكافأة ولفظه ينبئ عن ذلك، والعبد لا يكافئ الحر، والذمي لا يكافئ المسلم، والأصلان الأولان مع الحديث الذي رواه ممنوعة. والأصل الثالث منصوص أو متروك بأقوى منه.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] عام يخص بما تعذر فيه ذلك بأن لا يؤمن فيه الحيف كالجائفة ونحوها، وجروح العبد لا يقتص بها من الحر لعدم التكافؤ بينهما، كما مر.
﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٦) [المائدة: ٤٦] يعني الإنجيل المنزل لا المبدل، فلا حجة في هذه للنصارى كما لا حجة لليهود في التي سبقت.
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤٧) [المائدة: ٤٧] كانوا مأمورين بالحكم بالإنجيل المنزل قبل نسخ شريعتهم أو بعده إذا تحاكموا إلى حاكمهم وأمكنه معرفة الحكم المنزل.
﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٤٨) [المائدة: ٤٨] [يحتمل أن هذا ناسخ لما سبق من تخييره [في الحكم] بينهم، ويحتمل أن المعنى احكم بينهم بما أنزل الله إن اخترت الحكم بينهم، نحو: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ﴾
стр. 217
﴿بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] يحتج به على أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، إذ لو لم يكن كذلك لما خصت كل أمة بشرعة ومنهاج.
وأجيب بأن اختصاص كل أمة بشرعة إنما هو في فروع التكاليف، أما التوحيد ونحوه من أصول الديانات فالشرائع فيه واحدة، ثم إن الآية ليست في محل النزاع؛ إذ/ [١٤١/ل] ما كان لنا فيه شرعة ومنهاج لا يحتاج فيه إلى شرع من قبلنا، إنما محل النزاع هو الحكم الذي لا دليل عندنا فيه، وهو موجود في شرع من قبلنا، ولم يرد شرعنا بنسخه، والآية ليست في ذلك.
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] هو حجة على المعتزلة في أن الله- -أراد اختلاف الأمم، ويلزم من ذلك أنه أراد هداية المهتدي وضلال الضال؛ إذ بهما يتقوم الاختلاف، وفي هذا اللزوم نظر، بل الاختلاف يحصل بإرادته هداية البعض، أما ضلال البعض الآخر فهو منهم عند الخصم، وبالجملة فالآية مراغمة لهم.
﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٤٨) [المائدة: ٤٨] فيه إثبات البعث/ [٦٧ أ/م] والمعاد، وهو عام مطرد في الجميع.
﴿* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥١) [المائدة: ٥١] عام في ترك موالاتهم والاستعانة بهم بطريق الموالاة في أمر دين أو دنيا، إلا حيث يضطر إليهم ولا يوجد مسلم يقوم مقامهم في كتابة أو تطبب ونحوه؛ فيجوز على ما فيه، أما بطريق المعاملة كالمبايعة والإجازة والمناكحة، ونحو ذلك مجردا عن الموالاة فجائز.
والموالاة هي: العناية الظاهرة عن موادة باطنة.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] أي: إنما يصلح موالاة بعضهم لبعض لما بينهم [من جامع الكفر لا للمؤمنين، لا أنهم في الواقع متوالون؛ كيف وقد ألقي بينهم] العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥١) [المائدة: ٥١] ظاهره أنه يكفر بموالاتهم، وهو كذلك؛ إذ موالاتهم تستلزم معاداة المؤمنين، وهي كفر.
стр. 218
أما من اعتنى بأمر بعضهم على جهة الرحمة أو رعاية الذمة، أو استمالتهم إلى الإسلام، ونحو ذلك مجردا عن موالاتهم فلا بأس لقوله- ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٨) [الممتحنة: ٨].
قوله- : ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (٥٥) [المائدة: ٥٥] احتجت بها الشيعة على إمامة علي بعد النبي ﷺ ، وتقرير حجتهم منها من وجوه:
أحدها: حصر وليهم في المذكور بعد الرسول ﷺ وهو علي، والولي هو الإمام؛ لقوله ﵊: «إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي» (١) وفي حديث آخر: «وهو وليكم بعدي» (٢) حديثان مشهوران رواهما أحمد، والمفهوم من الولي هو الرئيس المطاع أو المتصرف النافذ التصرف، كولي اليتيم والمرأة خصوصا، وقد قال: «وليكم بعدي» وهذه البعدية/ [١٤٢/ل] تقتضي في العرف الاستخلاف؛ لأنهم إنما يحتاجون بعد النبي ﷺ إلى إمام يقوم مقامه بأمرهم العام.
الوجه الثاني: قوله- : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٥٦) [المائدة: ٥٦] عام أريد به الخاص، وهو علي ﵇ كقوله- : ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣) [آل عمران: ١٧٣] يعني عروة بن مسعود قال لأبي سفيان، ولأن جميع المؤمنين لما كانوا في رعاية إمامهم وحياطته وهم تابعون له وردا وصدرا؛ جاز أن يعبر عنه بلفظهم خصوصا علي-﵁-في شهرته
стр. 219
وشرفه وكمال فضله، وليس الأمر بمستنكر أن يجمع العالم في واحد، وإنما قلنا: إن المراد بالذين آمنوا علي لقوله- : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (٥٥) [المائدة: ٥٥] فجعل هذه الجملة بدلا من ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] قبلها، ثم إن النقلة اتفقوا-إلا من شذ منهم-على أن عليا هو الذي تصدق في الصلاة/ [٦٧/ب/م] بخاتمه وهو راكع فكان هذا كالعلامة على إمامته، وقد وجدت هذه العلامة في علي دون غيره؛ فوجب أن يكون هو المراد بولاية المؤمنين التي هي عبارة عن إمامتهم، وإنما قلنا: إن المراد بهذه العلامة الصدقة في حال الركوع؛ لأنه- -قال: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (٥٥) [المائدة: ٥٥] أي في حال ركوعهم، والجملة حالية.
الوجه الثالث: قوله- -قبل هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥٤) [المائدة: ٥٤] ثم استطرد الآية المذكورة مع قوله ﷺ يوم خيبر:
«لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يكون الفتح على يديه» (١) مع قوله- -هاهنا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٥٦) [المائدة: ٥٦] فيه دليل واضح على ذلك؛ لأن النبي ﷺ وصفه بما وصفه الله- -به من محبته لله ومحبة الله- -إياه، بالفتح المستلزم لكونه غالبا إشارة من النبي ﷺ إلى أن المراد بالآية هو صاحب هذه الصفات، وصار ذلك كالتفسير والبيان للآية من النبي ﷺ . هذا وجه استدلالهم بهذه الآية.
واعترض الجمهور عليهم بأن قالوا: قولكم: إنه حصر وليهم في المذكور بعد-إنما هو بناء على أن «إنما» للحصر، وهو ممنوع سلمناه، لكن لا نسلم أن المراد/ [١٤٣/ل] بوليهم علي؛ لأن المذكور في الآية الله ورسوله والذين آمنوا فتخصيصه بعلي وحده بعيد
стр. 220
في النظر والاستعمال، سلمناه، لكن لا نسلم أن المراد بالولي الإمام إنما المراد به ضد العدو؛ لأن الآية وردت في سياق: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧) [المائدة: ٥٧] فنهاهم عن موالاة أهل الكتاب، ثم بين لهم من يتولون وهم الله ورسوله والذين آمنوا، فكان مقتضى سياق الآية: أن اتخذوا المؤمنين أولياء لا اليهود ولا النصارى، ويبعد جدا أن يقال: لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ولا أصدقاء، لكن اتخذوا عليا إماما أو المؤمنين أئمة؛ لأنه في هذا المقام فيما يتعلق بالموالاة والمعاداة لا فيما يتعلق بالإمرة والإمامة، سلمناه، لكن لا نسلم أن ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] عام أريد به الخاص؛ إذ هو دعوى خلاف الأصل، سلمناه لكن لا نسلم أن هذا الخاص المراد بالآية هو علي، بل قد نقل أنه أبو بكر-﵁
قوله الصدقة في حال الركوع علامة على أنه هو المراد لوجودها فيه خاصة قلنا: لا نسلم أن المراد بالآية الصدقة في حال الركوع لوجهين:
أحدهما: أن ذلك عمل في الصلاة يبطلها عند بعض العلماء فكيف يجعل صفة مدح تتلى/ [٦٨/أ/م] ويستحق به الإمامة الكبرى.
الثاني: أنا لا نسلم أن قوله- : ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ جملة حالية، بل هي استئنافية.
والوجه الثالث: لهم مناسبة إقناعية لا يعول على مثلها. وقولهم: صار ذلك كالتفسير والبيان للآية من النبي ﷺ اعتراف منهم بأن الآية مجملة تحتاج إلى البيان، والمجمل لا دلالة له، وما ادعوه بيانا لا نسلمه.
واعلم أن جميع ما ذكر في هذا الاعتراض تحقيق إلا الوجهين في منع أن المراد بالآية الصدقة في حال الركوع فإنهما ضعيفان (جدليان) أما الأول فلأن الجمهور من العلماء على أن العمل اليسير في الصلاة لا يبطلها، والصدقة بالدرهم والخاتم ونحوه فيها عمل يسير، فلا تبطل، وأما الثاني فلأن جعل ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] جملة حالية أولى؛ لأنه أقل لعدد الجمل، وأيضا لو جعلت استئنافية لزم عطف الركوع على الصلاة وهو [تكرار أو] عطف خاص على عام، وقد كان السجود أحق بذلك فكان يجب أن يقال:
وهم ساجدون.
стр. 221
واعلم أن هذه الآية من عمد الشيعة، / [١٤٤/ل] وعند التحقيق واعتبار ما سبقها ولحقها لا حجة لهم فيها بوجه، والذي قرروه منها ضرب من الشبهة وإنما مقصودها التعلق بولاية الله ورسوله والمؤمنين والإعراض عن ولاية اليهود والنصارى والمشركين وأخصر ما يرد به على الشيعة أن هذه الآية أعم من دعواكم، والعام لا دلالة له على الخاص بنفي ولا إثبات؛ لأنها دلالة لازم على ملزوم وهي عقيم.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٥٦) [المائدة:
٥٦] عام مطرد، لكن غلبتهم تارة في الدنيا بالظهور، وتارة بالنصرة يوم النشور.
﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ (٥١) [غافر: ٥١] وحينئذ لا يرد سؤال من يقول: قد رأينا كثيرا من أولياء الله- مغلوبين لا غالبين، فليكن هذا العام مخصوصا بهم أو أريد به خصوص الغالبين من أولياء الله- -لا يقال هذا لما ذكرنا.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٦٠) [المائدة: ٦٠] هذا إشارة إلى من مسخ من بني إسرائيل من أصحاب السبت والمائدة.
والمسخ هو: قلب الحقيقة الصورية لا الهيولانية إلى غيرها، كالإنسان قردا ونحوه.
ومعنى ذلك أن أجناس الأعيان العنصرية ثلاثة: جماد ونبات وحيوان، وهيولي الجميع- أعني مادته-واحدة، وهي الجسم، إذ هو مشترك بين الكل، لكن الجماد بقي على مطلق الجسمية، والنبات اختص عنه بقوة نباتية أفادته صورة النبات والحيوان اختص بالنفس الحيوانية، فأفادته صورة الحيوان، وكذلك الإنسان اختص بالنفس الناطقة، / [٦٨ ب/م].
فالمسخ نقل هذه الصورة بعضها إلى بعض على مثال استحالة العناصر الأربعة بعضها إلى بعض، مع أنها لا تخرج عن دائرة الجوهرية، كذلك صور الأجسام الخاصة ينتقل بعضها إلى بعض مع بقائها في دائرة الجسمية كما مسخ هؤلاء قردة وخنازير، وامرأة لوط مسخت فيما نقل في التوراة ملحا، فانقلبت صورتها الإنسانية إلى الجمادية، ولا يستحضر أحد مسخ نباتا، غير أنه ممكن، واحتج أهل الكيمياء على إمكانها بهذا، إذ ليس فيها إلا نقل صورة معدن إلى معدن، كما ينقل صورة عنصر إلى عنصر، كالماء هواء، والهواء نارا وبالعكس، وكانتقال الإنسان خنزيرا وقردا كذلك تنتقل الصورة النحاسية مثلا أو الفضية
стр. 222
ذهبية ونحوه/ [١٤٥/ل].
والفاعل لذلك عند الجمهور هو الله- -والصانع كاسب فلم يبق للمنع من إمكان ذلك وجه.
ومن زعم أن الكيمياء خلق الذهب والفضة أو غيرهما وذلك محال من غير الله- -فقد وهم، وإنما هي كما ذكرنا نقل صورة إلى غيرها من الأعيان لا خلق مادة واختراعها، غير أن الاشتغال في الكيمياء قطع وقت عتيد في طلب أمر بعيد، وذلك جهل شديد، وهذه المسألة وإن لم تكن مشهورة من أصول الدين لكنها ذكرت في سياق ما يناسبها من المسخ، وكلاهما يتعلق بأفعال الله- -وهي مندرجة تحت أركان أصول الدين كما ذكرناه قبل أن الكلام في الله- -إما [في الذات] أو الصفات أو الأفعال.
﴿* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٦٧) [المائدة: ٦٧] عام مطرد في الأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه، وقد فعل ذلك ﷺ ، فمن زعم أنه كتم شيئا من القرآن فقد كذب، أما كونه يؤخر التبليغ أو البيان لمصلحة إما يوحي أو اجتهاد، فذلك جائز.
﴿*يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] أورد بعضهم أن هذا الكلام تضمن إيجاد الشرط والمشروط؛ إذ التقدير: بلغ رسالات ربك، فإن لم تبلغها فما بلغتها، وظاهره غير مفيد.
وجوابه: أن المعنى: وإن لم تبلغها فحكمك حكم من أمر بالتبليغ فلم يفعل، أو: وإن لم تبلغها فقد خالفت أو استحققت الوعيد ونحو ذلك، ولكن الله- -أكرم نبيه عن التصريح بكلام مزعج، فعرض له تعريضا، وأفهمه المقصود من [لفظ يتضمنه] أو يرادفه نحو: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ (١) [عبس: ١] بلفظ الماضي المسند إلى غائب، ولم يقل:
عبست وتوليت إذا جاءك الأعمى، كل ذلك إكراما بالتلطف في خطابه ﷺ .
قوله : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٧٢) [المائدة: ٧٢] سبق القول في هذا.
стр. 223
﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢] هذا اعتراف منه بأنه عبد مربوب، وقد نطق الإنجيل الذي/ [٦٩/أ] بأيدي النصارى بمثل هذا، وحينئذ يقال: المسيح مربوب، ولا شيء من المربوب بإله، فالمسيح ليس بإله. أما الأولى فبنص القرآن والإنجيل، وأما الثانية فبالاتفاق، لكن النصارى زعموا أن المربوب ناسوته لا لاهوته، فلا ينتج الدليل المذكور إلا سلب الإلهية عن الناسوت/ [١٤٦/ل] لا عن جملة المسيح.
وجوابه: أن النص دل على مربوبية المسيح، والمسيح هو مجموع الجملة المركبة من كثيفه ولطيفه، وذلك ينفي أن يكون فيه لطيفا غير مربوب، فينتفي أن يكون فيه شيء من اللاهوت، على أن دعوى حلول اللاهوت فيه باطلة ممنوعة.
﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٧٢) [المائدة: ٧٢] فيه إثبات العذاب الحسي في المعاد خلافا للنصارى والفلاسفة؛ إذ قالوا: لا عذاب إلا العقلي، وهو البعد عن الله- -ونحوه مما سبق، وهذا نص من المسيح على خلاف ذلك، وقد وافق عليه الإنجيل؛ إذ حكي فيه أن المسيح أمر بعض أتباعه بالخروج عن ماله، ثم قال: الحق أقول لكم: من ترك في هذه الدار زوجة أو زرعا أو مالا فله في الآخرة خير من ذلك. أو كما قال. وهو قاطع في إثبات النعيم الحسي فكذا العذاب المقابل له.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣) [المائدة: ٧٣] قد سبق أنهم يريدون بذلك ثالث ثلاثة أقانيم، وهي: الأب، والابن، وروح القدس، وأن كل واحد من هذه الثلاثة إله كامل بالحد والحقيقة، وأنهم مع ذلك ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد، وإن ذلك تناقض وتخليط.
وأما عامة الناس فيظنون أن مرادهم بالثلاثة: الله، ومريم، والمسيح، وليس كذلك.
ووجه كفرهم إشراكهم؛ إذ مقالتهم المذكورة واعتقادهم يلزمه الشرك قطعا، وكذلك نوقضوا بإثبات التوحيد بقوله- : ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة:
٧٣] ثم توعدوا على كفرهم بأن قيل: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: ٧٣]
стр. 224
أي: من الكفر بالإسلام ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧٣] أي: المستمرين على الكفر منهم ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣) [المائدة: ٧٣].
﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٧٥) [المائدة: ٧٥] اعلم أن هذه الجملة تضمنت نفي إلهية المسيح؛ خلافا للنصارى، وإثبات رسالته، خلافا لليهود.
أما نفي إلهيته فقد سبق عليه أدلة، وقد استدل الله- -عليه هاهنا بقوله:
﴿كانا﴾ [المائدة: ٧٥] يعني هو وأمه مريم ﴿يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وهو كناية عن شيئين:
أحدهما: أنهما كانا يفتقران إلى أكل الطعام المقيم للبنية، وكل مفتقر إلى ذلك فليس بإله؛ ينتج أنهما ليسا بإلهين.
الثاني: / [٦٩ ب/م] كانا يحتاجان إلى الخلاء وقضاء الحاجة، وكل من احتاج إلى ذلك فهو حادث، وكل حادث فليس هو بقديم، وكل من ليس بقديم فليس هو بإله؛ ينتج أنهما ليسا بإلهين.
ولما علم النصارى بقوة هذه البراهين/ [١٤٧/ل] وكونها مبطلة لدعواهم-فزعوا إلى شبهة سولها لهم الشيطان؛ فزعموا أن المسيح جملة مركبة من ناسوت ظاهر، ولاهوت باطن، وأنه كان يأكل ويشرب ويقضي الحاجة، ويألم من جهة ناسوته، ويفعل المعجزات ويظهر الخوارق من جهة لاهوته.
قالوا: وحينئذ ما ذكرتموه من البرهان إنما يدل على نفي الإلهية والقدم عن ناسوته فقط لا عن لاهوته، وهذا بناء منهم على أن اللاهوت حل في جسد المسيح، وقد سبق بطلانه.
ولنذكر هاهنا من ذلك وجهين: أحدهما أن المعقول من الحلول إحاطة المحل بالحال كإحاطة الظرف بالمظروف، فلو حل اللاهوت هيكل المسيح لكان جسد المسيح أكبر مما حل فيه، فيكون الجسد البشري أعظم من الذات الإلهية، وأنه محال.
الوجه الثاني: أنه لو عورضوا بمثل دعواهم في جميع الأنبياء وأنهم ركبوا من ناسوت ولاهوت، وأنهم أكلوا الطعام بناسوتهم، وأظهروا المعجزات بلاهوتهم لم يجدوا عن ذلك جوابا، ولا أمكنهم الانفصال عنه بطائل غير أنهم يقولون: ولد من غير أب فينتقض عليهم
стр. 225
بآدم، وأولى إذ كان لا من أب ولا من أم ولا أثر لخروجه من الرحم.
أو يقولون: ورد النص الإلهي بتسميته ابنا والله- -له أبا؛ فيقال لهم: لا نسلم أن النص الإلهي ورد بذلك، ولا نسلم صحة ما تدعونه من النصوص. سلمناه لكنه ينتقض بيعقوب إذ قيل له في التوراة: أنت ابني بكري، وبقول المسيح للحواريين وغيرهم:
إن أباكم السماوي يراكم. وقوله: أذهب إلى أبي وأبيكم: وإلهي وإلهكم. فليكن هؤلاء كلهم آلهة لأجل هذه التسمية، وأنه باطل باتفاق.
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٧٦) [المائدة: ٧٦] هذا دليل آخر على عدم إلهية المسيح، وتقريره أن الإله يملك لكم الضر والنفع والمسيح لا يملك الضر والنفع، فالإله ليس بالمسيح، وينعكس كنفسه المسيح ليس بإله. والمقدمة الأولى واضحة، وأما الثانية فلأن المسيح لم يملك لنفسه ضرا ولا نفعا؛ إذ عند النصارى أنه قتل وصلب وقهر وظلم، فلم يمتنع، غير أن/ [١٤٨/ل] النصارى يتجاهلون ويزعمون أنه لم يعجز عنه نفع نفسه ولكنه هو أسلمها لعدوه إقامة للحجة عليهم، في أمور أخر/ [٧٠ أ/م] يرغب عن ذكرها لسخافتها وضعف عقل قائلها.
وأما إثبات رسالة المسيح-خلافا لليهود-فلأنه ادعى النبوة وأظهر المعجز على وفق دعواه، وكل من فعل ذلك فهو رسول صادق، فالمسيح رسول صادق.
أما أنه ادعى النبوة فبالتواتر، وقد صرح به القرآن في قوله- : ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٦) [الصف: ٦] وأما أنه أظهر المعجز على وفق دعواه، فبالتواتر أيضا كإحياء الموتى وغيره، من الخوارق التي هي كمعجزات موسى-﵇-وأعظم.
وأما أن كل من كان كذلك فهو رسول صادق: فلوجهين:
أحدهما: أن تأييد الله- -من ادعى النبوة بالمعجز يتنزل منزلة قوله: صدق عبدي في دعواه أنه رسولي. بدليل أن إنسانا لو قال لجماعة بحضرة ملك أنا رسول الملك إليكم، ثم قال للملك: صدق دعواي بخرق عادة من عاداتك، ففعل الملك ذلك؛ علم بالضرورة صدق ذلك الإنسان في دعواه.
الثاني: لو لم يكن كل من أتى بالمعجز على وفق دعواه صادقا لجاز أن لا يكون موسى
стр. 226
في مثل ذلك صادقا، لكن ذلك باتفاق منا ومنهم باطل؛ فثبت بما ذكرناه أن المسيح رسول الله، ولزم من ثبوت رسالته ثبوت النسخ الذي يفرون منه.
واعترض اليهود على هذه الحجة بأن قالوا: لا نسلم أن المسيح ادعى الرسالة، وإنما ادعى أنه ابن الله، والمسيح الذي وعدنا به هو ابن داود، فالمسيح ابن مريم ليس هو المسيح الموعود، ولا ادعى الرسالة، بل الإلهية، سلمناه لكن لا نسلم أنه أظهر المعجز على وفق دعواه، ولكنه لما فرت به أمه إلى مصر خدم بعض أحبار اليهود ممن كان قد أوتي الاسم الأعظم فسرقه أو تعلمه منه، فكان يفعل به الخوارق، ويدعي ما شاء، وإذا بطلت المقدمة الأولى من دليلكم لم تنفعكم الثانية وحدها، ولا حاجة بنا نحن إلى منعها.
والجواب: أن كون المسيح-﵇-ادعى أنه ابن الله باطل من أباطيل النصارى، ثم تلقاه اليهود منهم [على جهة الإلزام لهم] من أباطيل النصارى، ولو سلم لكان ذلك مجازا أو تشريفا، كما قيل لإسرائيل: أنت ابني بكري، ولو أن يعقوب-﵇-قال: أنا ابن الله بهذا الاعتبار/ [١٤٩/ل] لم يكن ذلك منافيا لدعواه الرسالة، وأما كون المسيح الذي وعدتم به هو ابن داود فهو صادق على عيسى ابن مريم؛ إذ هو ابن داود من جهة أمه مريم، وقول اليهود: إن دين التوراة أن النسب لا يثبت من جهة/ [٧٠ ب/م] الأم مدافعة هم غير مأمونين عليها، ولو سلم ذلك لم يضر؛ لأن المسيح صاحب دعوة مستقلة وشريعة وملة، والنسب في شرعه يثبت من جهة الأم عل خلاف حكم التوراة؛ فيجب التسليم لما جاء به من المعجز، ثم ينزل كونه ابن داود على مقتضى شرعه، ثم إن صفة المسيح-﵇-واردة في التوراة عند ذكر موت يعقوب- ﵇-ووصيته أولاده حيث قال: لا يزال الملك بين فخذي يهوذا حتى يأتي المنتظر الذي يركب الحمار ويحمر من الحر وجهه، وأشد بياضا من اللبن أسنانه. في صفات أخر موجودة في المسيح، فإنكار اليهود له مكابرة وعناد، وأما كونه سرق الاسم الأعظم من بعض أحبارهم فإن فتحوا هذا عورضوا بمثله في موسى-﵇-وأنه سرق الاسم الأعظم المعظم من شعيب-﵇-حين صاهره ورعى له الغنم عشر سنين، لكن ذلك باطل في حق موسى فكذلك في حق المسيح.
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧٩) [المائدة: ٧٩] تقتضي أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-مع إمكانه والقدرة عليه-كبيرة يستحق بها اللعن.
стр. 227
﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (٨٠) [المائدة: ٨٠] الآيتين، يقتضي أن تولي الكفار كفر موجب للسخط، مخلد في العذاب، مناف للإيمان بالله- ورسله وكتبه.
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٨٢) [المائدة: ٨٢] الآيات، تعلق بها النصارى على جهة الإلزام للمسلمين، وتقرير شبهتهم منها أن قالوا: نحن قد أثنى علينا القرآن، وكل من أثنى عليه القرآن فهو خير محق؛ فنحن خيرون محقون، أما أن القرآن أثنى علينا ففي هذه الآيات أثنى علينا بأن منا قسيسين ورهبانا، وأنا متواضعون لا استكبار عندنا وغير ذلك، وأما أن من أثنى عليه القرآن يكون محقا فلأنه معصوم عند المسلمين، والمعصوم لا يقول إلا حقا، ولا يمدح ولا يقدح إلا بحق.
والجواب أن المراد بالنصارى/ [١٥٠/ل] في الآية نصارى مخصوصون، وهم النجاشي وأصحابه من أهل الحبشة لا جميع النصارى؛ بدليل أنه وصفهم بأنهم أقرب مودة للمسلمين، وأنتم أشد عداوة لهم، ووصفهم بأنهم إذا سمعوا القرآن فاضت أعينهم تصديقا له، وأنتم لا تصدقونه، ووصفهم بأنهم آمنوا بالإسلام وشهدوا بصلاح المسلمين، وأنتم لستم كذلك؛ فدل على أن المراد ما ذكرناه من خصوص النصارى، لا ما ذكرتموه من عمومهم، وكيف يثني عليكم وقد صرح قبل هذا بكفركم [لأجل التثليث] الذي تدينون به. في أول/ [٧١ أ/م] هذه السورة يقول: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١٤) [المائدة: ١٤] وهو ذم لهم؛ فدل على أن الذم والمدح مختلف الموضوع، وأن المذموم غير الممدوح.
وهذه شبهة أوردها عليّ بعض النصارى، فأجبته بنحو هذا الجواب.
стр. 228
ما إذا نذر صوما أو إحراما أو تطوع به فإنه قد حرم على نفسه طيبات، وهو غير منهي عن ذلك. ولقائل أن يقول: ليس هذا من باب تحريم الطيبات، وإنما هي عبادات تبعها تحريم طيبات، فتحريم الطيبات حصل تبعا لا قصدا.
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٨٩) [المائدة: ٨٩] هذا هو المثال المشهور في الواجب المخير، وهو إيجاب أحد أشياء على التخيير لا على التعيين، والخلاف في جوازه مع المعتزلة، وهو عند التحقيق خلاف لفظي؛ لأن الجميع اتفقوا على أنه لو فعل الجميع أو ترك الجميع لما أثيب ولا عوقب إلا على واحد.
وتحقيق المسألة: أن التكليف تعلق بالقدر المشترك بين الأشياء المخير فيها، وهو واحد منها، فمن أتى بهذا المشترك خرج عنه عهدة التكليف، ومن عطل المشترك [بين الأشياء] بترك الجميع أثم، وهذا القول في الواجب الموسع وفرض الكفاية.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٩٠) [المائدة: ٩٠] هذا عام في تحريم هذه الأربعة، خص منه الخمر للتداوي عند بعض العلماء، وبعضهم يطرد فيه [العموم فلا] يبيحه لتداو ولا غيره إلا لدفع لقمة غصّ بها ولم يجد غيره، أو أكره على شربه. / [١٥١/ل].
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩٣) [المائدة:
٩٣] أي من المباحات، فهو مخصوص بها.
стр. 229
تحت عموم التحريم حتى يخص منه؛ لأن العموم إنما يتناول قتله عن قصد، وهذا لم يقصد قتله، لكن يخص بلا خلاف بالصيد الصائل إذا قتله لا تحريم فيه ولا إثم، ولكن هل يضمنه أم لا؟ فيه خلاف الأصح: لا يجب ضمانه.
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] يحتج به على أن الكفارة شرعت عقوبة وزجرا لا جبرا، والتحقيق أن الكفارات منها ما شرع زجرا كهذه، ومنها ما شرع جابرا كفدية/ [٧١ ب/م] الأذى؛ إذ لا معصية هناك يزجر عنها.
وهذه قاعدة في الكفارات حيث كانت عن معصية فالمقصود بها الزجر، وإن كان فيها جبر فهو تبع، وحيث لا معصية فهي جابرة لما نقص من العبادات أو فات من بعض الحقوق التعبدية.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩٦) [المائدة: ٩٦] عام خص منه الضفدع والتمساح والكوسج، وعلى قياسه كل سبع مائي، وإنسان الماء وكلبه، وخنزيره، وكل ما حرم نظيره في البر على خلاف بينهم في بعض هذه الصور المخصوصة.
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦] يعني حرم عليكم أكله وهو عام خص منه صيد الحلال؛ يجوز للمحرم أكله [إذ لم يصده لأجله] لقوله-﵊: «صيد البر حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم» (١).
﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٣) [المائدة: ١٠٣] عامة في نفي الأربعة المذكورة فيها، فلا يشرع في الإسلام شيء منها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ﴾
стр. 230
﴿مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) [المائدة: ١٠٥] ربما احتج بها بعض من لا يعلم على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وليس كذلك، إذ هو خلاف الإجماع على وجوب الأمر والنهي عن المنكر، وإنما معنى الآية: اعملوا على خلاص أنفسكم بالطاعة وترك المعصية، ثم إن ضل ضال لم يضركم إذا اهتديتم، وإن اهتدى مهتد لم ينفعكم إذا ضللتم، كما قيل: عليك بخاصة نفسك.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١٠٩) [المائدة: ١٠٩] عام مطرد.
﴿فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] فيه أن الأنبياء يستشهدون على الأمم نحو:
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦) [الأعراف: ٦] وهذه من أحكام اليوم الآخر.
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١١٠) / [١٥٢/ل].
[المائدة: ١١٠] فيها جملة من معجزات المسيح الدالة على صدقه في دعوى الرسالة كما سبق في آل عمران.
﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١١٠) [المائدة: ١١٠] فيه رد على من زعم أنه قتل وصلب مع ما سبق في آل عمران وفي سورة النساء من النص على ذلك.
﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١١٢) [المائدة: ١١٢] الآيات فيها ذكر المائدة، وهي من معجزات عيسى-﵇-لم تذكر إلا في هذا المكان.
واعلم أن الحواريين قد [ورد الثناء عليهم] فوجب دفع ما لا يليق بحالهم عنهم، فمنه
стр. 231
قولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أما على قراءة الخطاب فلا إشكال؛ إذ تقديره: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك. وأما على الغائب فمعناه: هل يفعل ربك ذلك إن سألته، فعبروا عن الفعل بالاستطاعة؛ لأنها من لوازمه.
ومنه قولهم: ﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (١١٣) [٧٢ أ/م] [المائدة: ١١٣] ظاهر في أنهم كانوا شاكين في صدقه؛ فيجاب عنه بوجوه:
أحدها: أن هذا كان عند أول متابعتهم له، ولما يرسخ الإيمان في قلوبهم، كالمؤلفة قلوبهم من مؤمني الصحابة حتى استقر إيمانهم.
والثاني: أن يكون هذا القول من بعض أتباع الحواريين، إليهم مجازا، كما ينسب إلى الرجل قول بعض حاشيته وأتباعه.
الثالث: أن يجاب عنه بمثل ما أجيب عن قول إبراهيم: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦٠) [البقرة: ٢٦٠] أي بالعيان: وإن كانت قلوبنا مطمئنة بالإيمان.
﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١١٦) [المائدة: ١١٦] اختلف في هذا؛ فقيل:
إنه وقع، وأن الله- -سأل عنه المسيح لما رفع إليه، وقيل: لم يقع، ولكن سيقع يوم القيامة، ويسأله عنه تقريعا للنصارى وتوبيخا لهم، والمعنى: وإذ يقول الله: يا عيسى، واستعمل الماضي موضع المضارع، وعكسه ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ أي: ما تلت.
﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١١٧) [المائدة: ١١٧] هذا مما سبق من الاعتراف بالعبودية والربوبية على ما مر تقريره.
...
стр. 232
القول في سورة الأنعام
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١) [الأنعام: ١] اختلف في أيهما خلق أولا؟ على قولين مشهورين ممكنين تضمنهما القرآن، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله- .
﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فيه سؤلان: أحدهما [لم قدّم] الظلمات على النور؟
وجوابه: أن الظلمة أمر عدمي؛ إذ هي عدم الاستنارة عما من شأنه/ [١٥٣/ل] أن يستنير، والنور أمر وجودي، والعدم قبل الوجود.
الثاني: لم جمع الظلمات ووحد النور؟
والجواب: أن النور أمر واحد حقيقي بسيط: والظلمات أعدام نشأت عن الأجرام المتعددة، إذ الظلمة إنما تحدث في مكان لحيلولة جرم كثيف بينه وبين النير، فإذا حالت عدة أجرام بين النير وعدة أمكنة حدثت ظلمات بالضرورة، واعتبر هذا بعدة أشجار متفرقة يحدث لها في النهار المشمس والليل المقمرم عدة ظلال، والليل ظلمة حدثت لحيلولة الأرض بين الشمس والفضاء، فلذلك أظلم.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١) [الأنعام: ١] أي يجعلون له عدلا يعبد معه، مع أنه مخلوق وإنما الله- -هو خالق كل شيء، وهذا من أدلة التوحيد، وتقريره أن الله- [هو خالق الموجودات. / [٧٢ ب/م] وكل من كان خالق الموجودات، فهو وحده الإله، فالله- ] وحده هو الإله، والمقدمتان واضحتان، وفيه تعريض بالمجوس؛ لنصه على خلق الظلمات والنور اللذين اعتقدهما المجوس إلهين، وتقريره أن الظلمة والنور مخلوقان، ولا شيء من المخلوق بإله، فلا شيء من الظلمة والنور بإله، وإنما اغتر المجوس بأن قالوا: العالم مشتمل على خير وشر، وهما لا يصدران عن مبدأ واحد، فهما صادران عن مبدأين، وليس أولى بهما من النور والظلمة؛ لأن النور خير فناسب أن يصدر عنه الخير، والظلمة شر؛ فناسب أن يصدر عنها الشر.
واعلم أن هذا كلام ركيك لا يستحق جوابا، لكن لا بد من كشف الشبهة، فنقول:
قولكم: «الخير والشر لا يصدران عن مبدأ واحد». إن بنيتم ذلك على رأي الفلاسفة في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فهو أصل باطل وشبهة زائفة، وإن كان شيئا قلتموه
стр. 233
بالمناسبة المجردة، فهو منقوض نقضا كليا وجزئيا.
أما نقضه الكلي؛ فإن العناصر الأربعة التي هي أمهات العالم كل واحد منها يصدر عنه خير وشر مع أنه واحد، فالنار تنضج الطبيخ والخبز وهو خير، وتحرق الثياب ونحوها وهو شر، والهواء ينفس عن الحيوان ويدفع نتن الفضاء ونحوه من منافعه وهو خير، ويعصف ويشتد؛ فيهدم البيوت ويحطم الأشجار ونحوه من مضاره، / [١٥٤/ل] وهو شر، والماء يروي العطشان، ويطهر المغتسل، ويبرد جسم المتبرد به وهو خير، ويغرق كثيرا من الناس والحيوان كما فعل الطوفان وذلك شر، والأرض تقل الحيوان أن يغور فيها، ويخرج منها الزرع والنبات والمعادن، وهو خير، وإذا استولى جرم منها على حيوان قتله غما، وهو شر.
وأما نقضه الجزئي: فقل شيء يعتبر حاله إلا وفي طيه ضر ونفع، وخير وشر؛ كالسباع هي ضارة بالافتراس، نافعة بما فيها من الخواص، والأفعى ونحوها من ذوات السموم فيها السم الضار، والدرياق النافع، ونحو ذلك كثير؛ فبطل قولكم في وجوب تعدد المبدأ.
ثم قولكم: ليس أولى بهما من النور والظلمة، معارض بأن السماء والأرض أولى بهما؛ لأن السماء شفافة علوية لطيفة فهي خير، والأرض سفلية كثيفة، فهي شر، وهما أصلان، أو كالأصلين للنور والظلمة.
ومما يناقضون به أن النهار فاضح بنوره، والليل كاتم بظلمته، وذلك شر صادر عن الخير، وخير صدر/ [٧٣ أ/م] عن شر، ومن ثم قال الشاعر:
لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد
وقال الآخر في صفة هارب تحت الليل:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب
وهم أصحاب ماني الزنديق، طائفة من المجوس، وأيضا لو كان النور والظلمة إلهين لكانا مؤثرين فيما يحدث فيهما؛ فلو ولد مولود في النور وآخر في الظلمة أمكن في العقل أن يكونا خيرين [أو شريرين، أو أحدهما خيرا والآخر شريرا، فبتقدير أن يكونا خيرين] يلزم صدور الخير عن الظلمة الشريرة، وبتقدير أن يكونا شريرين يلزم صدور الشر عن النور والخير، وبتقدير أن يكون المولود في [النور: شريرا و] الآخر خيرا يلزم الأمران جميعا، وكل ذلك ما ينقض قولهم ويهدم أصلهم.
стр. 234
[١٥٥/ل] مشهور، حتى صار الواقف على السماوات يعرف بذلك أنه من مثبتي الجهة، والأشبه من حيث المعنى عدم الوقف عليه كقوله- ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (٨٤) [الزخرف: ٨٤].
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ (٩) [الأنعام: ٩] زعم بعضهم أن المسيح كان ملكا في هيكل بشر إلباسا على الناس، حتى ضلت فيه النصارى. قال: وهذه الآية تشير إلى ذلك، وهذا قول مشتق من قول النصارى؛ لأن أولئك جعلوا الحلول فيه للاهوت وهذا نزل درجة، وجعله للملك.
ثم يحتج بالآية على المعتزلة في أن الله- -هو الذي يهدي ويضل؛ لأنه أخبر أنه لو أجاب الكفار إلى سؤالهم لما نفعهم ذلك في الهداية، مع إلباسه وتشبيهه عليهم.
﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢) [الأنعام: ١٢] هذا إخبار بالبعث، وبرهانه في مواضع أخر تذكر إن شاء الله .
﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣) [الأنعام: ١٣] أي: وتحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر؛ لدلالته عليه بالالتزام، ولعل فيه إشارة إلى دليل حدوث العالم، وتقريره أن كل ما اشتمل عليه الليل والنهار فهو إما ساكن، وإما متحرك وكل ما كان إما ساكنا وإما متحركا فهو حادث، فكل ما اشتمل عليه الليل والنهار حادث.
أما الأولى: فواضحة لاستحالة خلق شيء مما اشتملا عليه من الحركة والسكون، إن كان جوهرا فبالذات، وإن كان عرضا فبالعرض، كالجوهر واللون القائم به.
وأما الثانية: فلأن الحركة والسكون من أمارات الحدوث كما عرف.
﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١٨) [الأنعام: ١٨] احتج بها أصحاب الجهة حملا له على الفوقية الحسية، وحمله الآخرون [وهم كافة أهل الحق] / [٧٣ ب/م] على الفوقية المعنوية، نحو قولهم: الملك فوق الوزير، أي: في الرتبة، وفوقية الله -بالرتبة والقدرة والكمال إذ هو قديم قادر كامل، ومن سواه حادث عاجز ناقص، وفي المسألة مباحث أخر.
стр. 235
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (١٩) [الأنعام: ١٩] هذا قاطع في جواز تسمية الله شيئا، خلافا لبعض المعتزلة والشيعة. لنا أن معنى هذا الكلام: قل الله أعظم شيء أو أعظم الأشياء شهادة/ [١٥٦/ل]. وأفعل التفضيل إنما يضاف إلى ما هو بعضه، ثم ينتظم القياس هكذا: الله أكبر شهادة، والأكبر شهادة شيء، فالله- شيء، ولأن الشيء لغة هو الموجود، والله- -موجود، فالله- -شيء.
احتج الخصم بأن الله- -لو كان شيئا لأشبه الأشياء، ولو من جهة تسميته، وكونه شيئا، وكل ما أشبه الأشياء من جهة ما، فله حكمها وهو الحدوث. وذلك يوجب أن يكون الله- -حادثا، وأنه محال.
والجواب: أن هذا بعينه لازم في كونه موجودا، فإن أثبت كونه موجودا، ألزمك إثباته شيئا، وإلا لزمك اعتقاد أنه معدوم، أو خال من الأحوال، لا موجود ولا معدوم، أو موجود معدوم من جهة واحدة أو من جهتين، والكل محال.
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٩] هذا دليل على عموم دعوة النبي ﷺ لأن القرآن بلغ جميع العالم، ولا أحد ممن بلغه القرآن بخارج عن دعوته، فلا أحد من العالم بخارج عن دعوة القرآن.
فإن قيل: لا نسلم أن القرآن بلغ جميع العالم، بل في أقطار المعمورة من لم يسمع بالقرآن فضلا عن أن يبلغه، قلنا: هب أنا سلمنا ذلك تنزلا لكن المراد: ومن بلغه القرآن بالإمكان، وهو بالغ جميع العالم بالإمكان، كأنه قال: لأنذركم به، ومن بلغه بالقوة أو الفعل، أو من بلغه أو أمكن أن يبلغه، وذلك يستغرق العالم.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (١٩) تضمنت نفي الشرك وإثبات التوحيد، وسيأتي برهانه إن شاء الله- .
стр. 236
عبد الله بن سلام: «إني لأعرف محمدا أشد مما أعرف ابني» قيل له: وكيف ذلك؟ قال:
«لأني أعلم أنه رسول الله بإخبار الله، ولا أعلم/ [٧٤ أ/م] ما تصنع النساء» ثم ينتظم من هذا حجة على كفرهم وتقريره أنهم كذبوا من علموا صدقه، وكل [من كذب] من علم صدقه فهو كافر، فأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ كفار، لكن هل أهل الكتاب عام مطرد، أو عام أريد به الخاص، وهم الأحبار، وأهل العلم منها، وهذا هو الأشبه لأن كثيرا من عوامهم وجهالهم/ [١٥٧/ل] لم يقرأ التوراة وغيرها من الكتب حتى يرى صفة محمد ﷺ فيها، إنما أخذ عن الأحبار تقليدا أن محمدا ليس مذكورا فيها باسم ولا صفة، فاعتقاد مثل هذا العامي جهل مستند إلى كذب، لكن القسمان تحت دائرة اللوم والوعيد، أما العالم: فلكذبه وكتمانه الحق، وأما العامي: فلتركه البحث وسؤال العلماء عن هذا الأمر مع عموم دعوة الإسلام، ووضوح برهانها، وهب أنه عذر لجهله، لكنه لا يعذر في ترك سؤال العلماء حتى يحصل له سكون النفس، إما بإثبات أو نفي.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٢٢) [الأنعام: ٢٢] هي ونظائرها حيث وقعت إخبارا عن البعث والمعاد والجزاء.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٥) [الأنعام: ٢٥] هذا إما على حقيقته على وجه يعلمه الله- -أو كناية عما يخلقه في قلوبهم من دواعي المخالفة والصوارف عن متابعة الحق، وقد سبق القول في ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٧) [البقرة: ٧]، وهو من هذا الباب.
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦) [الأنعام: ٢٦] الأشبه أن المراد به عامة الكفار المشاقين للنبي ﷺ كانوا ينهون الناس عن اتباعه، وينأون أي: يبعدون عنه، فذمهم الله- -على شدة نفورهم وتنفيرهم عن الحق، وقيل: المراد بها أبو طالب، كان ينهى عن أذى النبي ﷺ وينتصر له بجهده، وهو مع ذلك ينأى أي يبعد بنفسه عن متابعته فذمه الله- -على ذلك.
وقد اختلف الجمهور والشيعة في إسلام أبي طالب، ويأتي الكلام عليه-إن شاء الله -في سورة القصص.
стр. 237
﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٢٨) [الأنعام: ٢٨] يحتج بها على أن الله- -يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون على تقدير لو كان كيف كان يكون، وهو كذلك، والاستدلال مطابق، وأصله معرفة كيفية علم الغيب، وهو واضح، لكن شرطه لا يوجد إلا في الله- فلذلك استبد به ، وأما في هذه المسألة الخاصة، فلأنه- -علم أنهم بموجب طباعهم وفطرهم التي فطرهم عليها/ [٧٤ ب/م] من الأشر والبطر والاستكبار عن الحق وغلبة الشهوات والأهواء عليهم لو ردوا من عذاب الآخرة إلى/ [١٥٨/ل] الدنيا لعادوا إلى كفرهم، مع أنه ينسيهم أمر المعاد واليوم الآخر وما جرى لهم في النار، ومثل هذا واقع في الدنيا كثيرا، وهم المفسدون واللصوص، ونحوهم إذا ظفر بهم، ليقتلوا أو يقطعوا، أعطوا التوبة من فسادهم، فإذا تركوا عادوا إلى شر مما كانوا عليه، وكذلك لو فرض أن الحية أو الفأرة تابت عند القتل من اللدغ والفساد لعلم كذبها؛ وأنها إن ردت عادت لغلبة طبعها الفطري عليها.
﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢٩) [الأنعام: ٢٩] وفي آية أخرى ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣٧) [المؤمنون: ٣٧] اعلم أن الناس اختلفوا في المعاد، فمنهم من أثبت المعاد الجسماني والروحاني وهم المسلمون ومن تابعهم، و [منهم] من أثبت الروحاني دون الجسماني وهم الفلاسفة والنصارى، ومنهم من أنكرهما جميعا وهم هؤلاء الدهرية الملحدة؛ قالوا: ما يهلكنا إلا الدهر فهو باق بعدنا، ولا رجعة لنا. وتوقف جالينوس في هذه المذاهب.
أم المعاد الجسماني دون الروحاني فلم نعلم به قائلا؛ لاستحالته وقد قرر الله- -براهين المعاد في مواضعها، ونحن الآن إن شاء الله- -نشير إليها جملة لتعرف، ثم نذكرها مفصلة كلما مررنا بشيء منها، وهي على أضرب أحدها: قياس الإعادة على الابتداء نحو: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢٩) [الأعراف: ٢٩].
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ (١٠٤) [الأنبياء: ١٠٤]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ﴾
стр. 238
يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) [الروم: ٢٧] ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] وما كان من ذلك.
الضرب الثاني: قياس الإعادة على خلق السماوات والأرض بطريق أولى نحو:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٨١) [يس: ٨١].
﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ (٤٠) [القيامة: ٤٠]، ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٧) [غافر: ٥٧].
الضرب الثالث: قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات وهو في كل موضع ذكر إنزال المطر غالبا نحو: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١٩) [الروم: ١٩].
الضرب الرابع: قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر، وهو في موضع واحد في آخر «يس».
هذا الذي استحضرناه من براهين الإعادة، فإن وجدنا شيئا آخر تكلمنا عليه/ [١٥٩/ل] في موضعه إن شاء الله .
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٣١) [الأنعام: ٣١] عام مطرد في المكذبين/ [١٥٩/ل] بشرط الموافاة على ذلك كما دلت عليه الآية.
ويحتج به على المعتزلة في مسألة الرؤيا، بناء على أن اللقاء يقتضي الرؤية، وتقريره أن الله- -ذم من كذب بلقائه وحكم بخسرانه، ثم ينتظم الدليل هكذا: إن كان لقاء الله- -واقعا فرؤيته واقعة، لكن المقدم حق فالتالي مثله، بيان الملازمة ما تقدم من أن اللقاء لغة يقتضي الرؤية، فلقاء الله- -يقتضي رؤيته، وأما حقية المقدم، فبهذه الآية وغيرها من نصوص القرآن على أن لقاء الله حق واقع لا محالة، وأما
стр. 239
حقية التالي؛ فلأن الرؤية قد ثبت أنها من لوازم اللقاء، وقد ثبت الملزوم فوجب ثبوت اللازم بالضرورة.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣٣) [الأنعام: ٣٣] هذا عام معهود أو عام أريد به الخاص، أي: الذي يقولونه من التكذيب والكفر، وإلا فقد كانوا يسلمون عليه ويعظمونه ويقاربونه في أمور كثيرة، ومثل ذلك لا يحزنه.
﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٥) [الأنعام:
٣٥] يحتج به على القدرية من وجهين، أحدهما: أن المانع لهؤلاء من الهدى مشيئته، ومشيئته واجبة فامتناع هداهم واجب، وهو معنى الجبر.
الثاني: أن جمعهم على الهدى أصلح لهم، وعند الخصم يجب عليه رعاية الأصلح، فما باله لم يفعله.
والخصم يجيب عن الأول بمنع وجوب مشيئته- -بل هي عنده حادثة لا في محل، وهو من محالاتهم التي يأباها العقل، وزعم أن معنى الآية، أنه لو شاء لجبرهم على الهدى جبرا وقسرا، لا أن مشيئته مانعة لهم عن الهدى.
﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٣٦) [الأنعام: ٣٦] أي وهؤلاء كالموتى لا يسمعون، ينتج أن هؤلاء لا يستجيبون يعني لداعي الهدى والحق، وهذا يشير إلى قوله- : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣) [الأنفال: ٢٣] أي: هؤلاء لم يسمعهم الله وكل من لم يسمعه الله- -لا يستجيبون.
ومعنى كونه لم يسمعهم، أنه لم يخلق فيهم داعيا لقبول الحق، بل خلق فيهم الصوارف عنه فصاروا كالموتى لا يسمعون.
стр. 240
قد أخبروا أنه لم يأت بآية، ووافقهم هو على ذلك، ولم ينازعهم فيه، بل أحالهم في الآية على مجرد قدرة الله- على إنزالها ومجرد القدرة على إنزالها، لا يقتضي إنزالها، فبقي على أصل العدم وبقي الحال على ما زعمه القوم من أنه لم يأت/ [٧٥/م] بآية.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا إنما كان بعد أن ظهرت آياته، وبهرت، لكن هؤلاء الكفار تلقوها بالعناد المحض، وزعموا أنها سحر مستمر كما عاند فرعون آيات موسى، وعاند اليهود آيات المسيح، فكان قول الكفار: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ بناء منهم على أن ما جاءهم به من الآيات ليس بشيء، بناء على عنادهم، وسوء اعتقادهم.
الوجه الثاني: [أن معنى الآية: لولا نزل عليه آية تضطرنا] إلى الإيمان به مثل أن نرى الملائكة، أو نرى ربنا ونحوه. فأجاب الله- -بأنه قادر على أن ينزل ذلك لكنه يفوت حكمة التكليف؛ إذ المراد منهم الإيمان الاختياري، لا الاضطراري إذ هو غير مراد، ولا نافع، وإلا لنفع فرعون حين أدركه الغرق، وعاين الحق، ولنفع أهل النار، فإنهم يؤمنون حينئذ، لكن إيمانا اضطراريا لا ينفعهم.
وقد نقل عن الإمام أبي حنيفة-﵀-قال: لا يدخل النار إلا مؤمن، فقيل له:
كيف ذلك؟ فتلا: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ (٨٤) [غافر: ٨٤] ولعل الإشارة إلى هذا وقعت بقوله- : ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣١) [الأعراف: ١٣١] أي: لا يعلمون وجه الحكمة في ترك اضطرارهم إلى الإيمان، وفي الجواب وجه آخر أشير إليه في قوله- : ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ (٥٩) [الإسراء: ٥٩] وهو يشير إلى أن الآيات فترت عن كفار العرب فطلبوها، فقيل لهم: إنما أمسكناها عنكم إبقاء عليكم، لئلا تكذبوا بها، فتهلكوا كما هلك من قبلكم.
стр. 241
احتج بها التناسخية؛ وهم القائلون بتناسخ أرواح الحيوان بعضها في أجساد بعض بعد موته، ووجه استدلالهم بها أنها تضمنت أن الدواب والطير أمم أمثال الناس، وإنما يكونون أمثال الناس بتقدير أنهم كانوا على مثل حالهم، ثم انتقلوا إلى صور الدواب والطير/ [١٦١/ل]، وذلك معنى التناسخ.
وجوابه: أن التناسخ على رأي أهله قد تقرر في الكلام والحكمة أنه محال، وأما هذه الآية فليست نصا فيه ولا ظاهرا، فلا وجه للاستدلال بها عليه، ولكن الأشياء نسبة فدليلهم كمدلولهم في الضعف والبعد عن العقل، والآية تحتمل وجوها.
أحدها: أن الدواب والطير أمثالنا في العبادة، بدليل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) [النور: ٤١]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤٤) [الإسراء: ٤٤].
الثاني: أنهم مثلنا في التكليف وإرسال الرسل فيهم، بدليل ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٦) / [٧٦ أ/م]) [النحل: ٣٦]. على ما ذهب إليه بعضهم في عمومه في أمم العقلاء، وغيرهم.
الثالث: أنهم أمثالنا في أنهم عقلاء مدركون، على ما ذهب إليه قوم.
الرابع: أنهم أمثالنا في أنهم يرزقون، بدليل ﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦) [هود: ٦]، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٠) [العنكبوت: ٦٠].
الخامس: أنهم أمثالنا في أنهم يبعثون، ويحشرون كما دل عليه آخر الآية، ويحتمل غير ذلك مما يستبد الله- -بعلمه، [ومع هذه الاحتمالات القريبة الظاهرة، أي شيء يبقى للتناسخ البعيد عنها يحتج عليه منها].
﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي﴾
стр. 242
الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) [الأنعام: ٣٨] يحتج به الظاهرية على إبطال القياس، وتقريره أن كل حكم من أحكام الشرع الممكنة فهو شيء، والكتاب لم يفرط فيه في شيء، ينتج أن كل حكم من أحكام الشرع الممكنة لم يفرط فيه في الكتاب.
وحينئذ لا حاجة إلى القياس؛ لأنا نستفيد الأحكام من نصوص الكتاب وعموماته وظواهره، وبيان السّنّة له، وما لا حاجة بنا إليه فإثباته عبث، والعبث باطل، فإثبات القياس باطل وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ الجامع لكليات العالم وجزئياته، حتى إن الكتب المنزلة جميعها جزء منه، وليس المراد به خصوص القرآن، فلا يتم استدلالهم.
الثاني: سلمنا أنه المراد لكن القياس من جملة الأشياء التي لم يفرط في الكتاب فيها، وهو حجة من حجج الشرع، بدلالة مستفادة من الكتاب، ثم ينتظم الدليل هكذا: القياس شيء والكتاب لم يفرط فيه في شيء، فالقياس لم يفرط فيه في الكتاب.
وسيأتي القول فيه في موضع آخر، إن شاء الله- .
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٠) [الأنعام: ٤٠] هذا من قواصم الاعتزال في نسبة الهداية والإضلال إلى الله -وقد سبق مثله، وسبب ذلك ما يخلقه الله- -من الدواعي.
والصوارف في قلب الإنسان فيهتدي أو يضل بها.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٠) / [١٦٢/ل]) [الأنعام: ٤٠] الآيتين: هذا من أدلة التوحيد، وتقريره أن الإله هو المفزوع إليه عند الشدائد، ولا شيء من الأصنام ونحوها، بل ومما سوى الله- [مفزوع إليه عند الشدائد، تنتج لا شيء من الأصنام، وما سوى الله- ] بإله، والمقدمتان واضحتان.
стр. 243
يَرْشُدُونَ (١٨٦) [البقرة: ١٨٦] أو مقيد لمطلقه، كما مر.
﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) [الأنعام: ٤٣] وما/ [٧٦ ب/م] قبلها تدل على أن الله -قد يمتحن عباده بالبأساء والضراء والمصائب؛ رياضة لأنفسهم على الذل والضراعة، وإليه الإشارة ب ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٩٤) [الأعراف: ٩٤]، ويدل على أن التضرع عند النوازل من أنجع الوسائل، ووجهه أن كبرياء الإله- ﷻ -يقتضي له الضراعة والذل ممن دونه، فمن فعل ذلك رحم، كقوم يونس ﵇ لما أظلهم العذاب تضرعوا، فسلموا، ومن قسى قلبه فلم يتضرع فقد أخل بوظيفة الكبرياء؛ وعرض نفسه للهلاك.
ومثل هذا بعينه يجري مع ملوك الأرض، من ضرع لهم سلم، ومن تجلد عليهم قصم، وهو أنموذج لما ذكرنا، ويقال: إن النمر يواثب الإنسان ما دام منتصب الشخص، فإذا نام تركه، وفي الأثر أن الله- -أوحى إلى داود-﵇: يا داود، خفني كما تخاف الأسد.
ومن كلام بعض الحكماء: القضاء والقدر سبعان، فتماوت بين أيديهما، فإن السبع لا يأكل الميتة. وهذه المسألة تتعلق بصفة الكبرياء.
﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) [الأنعام: ٤٣] مع قوله- ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٨] فالله- يزين ما يشاء بخلق الدواعي إليه والصوارف عن غيره، والشيطان يزين بالوسوسة وهي سبب ضعيف، إنما جيء به لإقامة الحجة على الشيطان وفتنته، من نسب إيجاد الشر إليه بالظلم والعدوان. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ (٧٦) [النساء: ٧٦] والعلة التامة الموجبة لكل شيء هي إرادة الله- -وتصرفه.
стр. 244
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٤٤) [الأنعام: ٤٤] هذا هو حقيقة الاستدراج، وهو ضرب من ضروب القدر، بل بحر من بحاره، غرق فيه الخلائق إلا من تداركه الله- -فأنقذه منه أو حفظه ابتداء عنه.
﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٥) [الأنعام: ٤٥] يحتمل أمرين:
أحدهما: أن الظالمين هلكوا/ [١٦٣/ل] والله- -باق يستحق الحمد أزلا وأبدا، فتكون هذه راجعة إلى صفة البقاء الأزلي الأبدي.
والثاني: أن الظالمين لما هلكوا، كان هلاكهم نعمة من الله- -يستحق الحمد عليها، إذ هلاك الظالم راحة للناس، فهو مستريح ومستراح منه.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ (٤٦) [الأنعام: ٤٦] هي من دلائل التوحيد من جهة الأفعال وكمال القدرة والتصرف. وتقريره: أن الله هو المتصرف في سمعكم وأبصاركم وقلوبكم بالأخذ والرد، وكل متصرف في ذلك فهو الإله فالله- / [٧٧ أ/م] هو الإله.
بيان الأولى: أن هذا التصرف ممكن، وكل ممكن مقدور لله- -فهذا التصرف مقدور لله- .
بيان الثانية: أن المتصرف في ذلك يجب أن يكون تام القدرة، وكل من وجب أن يكون تام القدرة فهو الإله.
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥٠) [الأنعام:
٥٠] يحتج به من يرى الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد سبق ذلك، وتقريره هاهنا أن الكفار كانوا يعتقدون أن الملك أفضل من النبي، ولهذا طلبوا رؤية الملائكة، وأن يرسل إليهم ملك، ثم إن النبي ﷺ أقرهم على هذا الاعتقاد، وقال: أنا لا أدعي أني ملك كما تعتقدون في الملك، بل أنا بشر أتبع ما يوحى إليّ، وحينئذ يقال: النبي ﷺ أقرهم على
стр. 245
اعتقاد تفضيل الملك، وكل ما أقر النبي ﷺ عليه فهو حق، وللخصم منع الأولى.
﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ (٥٣) [الأنعام: ٥٣] يحتج به على المعتزلة في أن الله- -يفتن من يشاء، بأن ينصب له أشراك الضلال ليضل، ولو لم ينصبها لهم لما وقعوا فيها.
وشرح ذلك أن الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه كعمار بن ياسر، وبلال، وصهيب، وسلمان، وخباب ونحوهم، أمر النبي ﷺ بتقريبهم ومخالفة الكفار في طردهم وإبعادهم، فلما فعل ذلك، قال الكفار: لو كان الإسلام منّة ونعمة لما اختص بها هؤلاء دوننا، فكان ذلك الأمر سببا لهذا الاستدلال الفاسد الموجب لفتنتهم والامتناع من الإسلام، ولو أمر النبي ﷺ بإبعاد المذكورين، وتقريب الكفار، لكان أشرح لصدورهم وأرغب لهم في الإسلام، ويشهد لهذا قوله/ [١٦٤/ل] ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣) [الحج: ٥٣] وفي الايتين دليل على أن أفعال الله- -وأحكامه معللة بالحكم والمقاصد، إذ علل فتن الكفار بقولهم أهؤلاء من الله عليهم؟ وعلل إلقاء الشيطان في أمنية النبي-﵇-بفتنة المرضى القلوب.
﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥٤) [الأنعام: ٥٤] يحتج به على لزوم قبول التوبة لأن الله- -أخبر بقبولها بقوله: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥٤) [الأنعام: ٥٤] إذ هو مرادف لقوله: «ثم من تاب قبلت توبته»، وكل ما أخبر الله- -به فهو واقع لا محالة.
ثم المعتزلة يجعلون قبولها واجبا عليه، والجمهور واجبا منه.
стр. 246
لذلك؛ فمنه: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخر الآية من الغيوب الكلية والجزئية.
واختلف في المقتضي لعموم علمه؛ فقالت المعتزلة: هو ذاته لا لصفة زائدة، وقال الجمهور: هو العلم، وهو صفة قائمة بذاته زائدة على مفهومها، وقد سبق ذلك.
قوله- : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦٠) [الأنعام: ٦٠] أي بالنوم، سماه وفاة بجامع تعطل الحس فيهما، ومن ثم قيل: النوم أخو الموت، وقد جاء في بعض كتب الأولين: أن الأرواح تعرج إلى الله- -في حال النوم، فيلقي إليها من أمره [ما يشاء] فإذا عادت إلى الأجسام ألقت ذلك إلى النفوس والقلوب، فحركت له الأعضاء والجوارح.
وإن ثبت هذا فلعله المراد بخلق الدواعي والصوارف، وعند الفلاسفة أن النفس عالم علوي مطبوع على حب إدراك العلوم والحقائق، لكنه تعلق بهذا البدن الطبيعي قسرا على جهة التدبير له، فهي مشغولة به حالة اليقظة، فإذا كان النوم تجردت، وإلى عالمها العلوي توجهت؛ لاقتناص المطالب العلمية؛ وتحصيل الحقائق الكشفية الغيبية، فتحصل من ذلك بحسب قوتها واستعدادها، وشبهوا النفس بامرأة مربية لولدها، فلا تزال مشغولة به ما دام يقظان فإذا نام انتهزت فرصة خلوتها وتوجهت إلى ما هو من/ [١٦٥/ل] همتها.
وقد اختلف في أن الروح والنفس شيء واحد، أو شيئان مختلفان، فإن صح أنهما شيئان، أمكن صحة القولين، أعني قول الفلاسفة في النفس، وما جاء في بعض الكتب القديمة في الروح، وتكون النفس تحصل العلوم والروح تأتي بالأمر بالمحتوم، وعلم ذلك تحقيقا عند الله- .
﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي في النهار عن نوم الليل ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] وهو أجل الحياة، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠] بالموت ثم البعث ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) [المائدة: ١٠٥] أي ويجازيكم عليه، وهذه المسألة مركبة من أنواع من أصول الدين.
стр. 247
مكلف اثنان منهم يحفظون عليه أعماله.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (١٢) [الانفطار: ١٠ - ١٢] ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١٨) [ق: ١٨] وبعض الزنادقة ينكرهم؛ لأنه لا يراهم، ويلزمه أن ينكر الهواء المالئ للفضاء لأنه لا يراه، وأن ينكر عقله/ [٧٨ أ/م] ونفسه وروحه؛ لأنه لا يرى شيئا من ذلك.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٣) [الأنعام: ٦٣] الآيتين من أدلة التوحيد، وتقريره كما سبق في ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٠) [الأنعام: ٤٠].
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦٦) [الأنعام: ٦٦] يعني القرآن، الدليل على حقيقته وجوه:
أحدها: أنه معجز في نفسه، وكل معجز حق.
الثاني: ظهور معجزات غيره على يد من جاء به وأخبر بحقيقته.
الثالث: ما تضمنه من الأخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، فكان الإخبار مطابقا مع وجوه أخر.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦٦) [الأنعام: ٦٦] منسوخ بآية السيف. أو خارج مخرج الوعيد، فهو محكم.
﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٦٨) [الأنعام: ٦٨] دلت هذه الآية على أن الناسي غير مكلف، لقوله- :
﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٦٨) [الأنعام: ٦٨] دل على أن قعوده معهم حال النسيان غير منهي عنه؛ لأنه فيه معذور بالنسيان، ولو كان مكلفا حينئذ لتعلق به النهي، وإذا ثبت هذا في الناسي ألحق به الساهي والمخطئ والجاهل والمكره، يؤكد ذلك
стр. 248
قوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه (١)» ولأن توجه التكليف مع هذه الأعذار تكليف ما لا يطاق، وأنه مرفوع، ويتفرع/ [٦٦/ل] عن هذا الأصل مسائل كثيرة من العبادات والعادات فيسقط لهذه الأعذار الإثم، والحكم المختص بالله- -دون الحكم المتعلق بحقوق الآدميين، كدية الخطأ، وقيمة المتلف خطأ ونحوه، لأن ذلك من باب العدل، والأعذار لا تؤثر في سقوط العدل، بخلاف التكليف.
﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧١) [الأنعام: ٧١] هذا من أدلة التوحيد، وقد سبق تقريره في المائدة ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٧٦) [المائدة: ٧٦].
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٧٣) [الأنعام: ٧٣] فيه إثبات النفخ في الصور، [وقد تكرر ذكره] في القرآن، وهو أمر من أحكام اليوم الآخر ورد به القرآن هكذا، وبينته السّنّة بأنه قرن عظيم كسعة السماوات والأرض، قد التقمه ملك يسمى إسرافيل، وجثى على ركبتيه ينتظر متى يؤمر، فينفخ فيه نفخا مزعجا جدا، وعند ذلك تقوم الساعة، ويبعث الموتى ونحو ذلك من أمور الآخرة.
﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] أي أن الله- -يعلم ما غاب عن خلقه وما شهدوه، فالغيب إنما هو بالنسبة إليهم [لا إليه، إذ] لا يغيب عنه شيء علما ولا رؤية.
واعلم أن العالم على ضربين: عالم غيب، وهو ما غاب عن المخلوق: [٧٨ ب/م] وعالم شهادة، وهو ما شهده كالسماوات والأرض والجبال والبحار وسائر الجزئيات العنصرية، وعالم الغيب أشرف من عالم الشهادة لوجوه:
أحدها: أن الله- -من قبيل الغيب، ولذلك جعله أبو عمرو بن العلاء اسما
стр. 249
من أسمائه، فقال في قوله- : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣) [البقرة: ٣] أي: يؤمنون بالله.
الثاني: أن ما غاب عنا تشوقت النفس إليه عزيزا، وما شوهد سئمته فصار ملولا وذليلا إلا ما خصه دليل.
الثالث: أنه حيث ذكر قدّم فلا يكاد أن يقال: عالم الشهادة والغيب، وذلك لدليل شرفه على طريق العرب في تقديم الأهم، سواء قلنا: الواو للترتيب أو لا، وعالم الغيب [والشهادة هو المشار إليه بقوله- ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ثم لنذكر أقسام العالمين: أما عالم الغيب، فهو إما قديم أو حادث، فالقديم هو الله- -ولا تنكرن إدراجنا له تحت العالم فإنما هذا مجاز والمعنى مفهوم، والحادث على أقسام:
أحدها: الملائكة.
والثاني: العقول.
والثالث: / [١٦٧/ل] النفوس.
والرابع: النار، والذي يرى منها إنما هو [مظهر لها] أو أثر من آثارها، وأما حقيقتها فجوهر لا يرى كالهواء، وأولى لأن موضعها أعلى من موضعه.
والخامس: الهواء.
والسادس: الجن والشياطين؛ لأنهم فرع النار التي هي غير مرئية.
السابع: ما وراء العالم من قبيل الغيب، ومن ثم اختلف فيه: هل هو خلاء أو ملاء؟ .
الثامن: الآخرة غيب والدنيا شهادة.
التاسع: النوم غيب واليقظة شهادة، والحيوان يتقلب بينهما كل يوم وليلة، ويكشف للإنسان في منامه كشوفات غيبية.
ولقد أحسن الشيخ نجم الدين بن إسرائيل في قوله:
وإذا غدت للمؤمن يقظاته ... حجب فموطن كشفه الأحلام
ومما يشبه ذلك المرض المغيب للذهن الذي يعرض فيه الاستغراق «كالبرسام» ونحوه حال الموت وغيره، فإن الكشوفات تحصل فيه كثيرا، وهو مشهور، والمنام من أفضل أحوال الغيب، إذ كان جزءا من النبوة، وقد أوحي إلى الأنبياء في المنام كثيرا.
العاشر: الرجال السالكون إلى الله- -إذا تمكنوا حصل لهم سكر، وصحو،
стр. 250
وهما غيب وشهادة، ثم إن الغيب والشهادة قد يلزمان موضعهما من الخفاء والظهور، وقد ينتقلان فيتعاقبان على موضع واحد كالسماء وزينتها النجومية، هي غيب في النهار، وشهادة في الليل، وقد يتعدد موضعهما كزيد وعمرو غاب أحدهما عنك وشاهدت الآخر، فهما غيب وشهادة، وتفصيل ذلك يكثر/ [٧٩ أ/م] وليس هو المقصود، وإنما المقصود أن اللذة ضربان: حسية كالأكل والشرب والنكاح، وعقلية كإدراك الحقائق العقلية، والمعاني الروحانية، والأولى شهادة والثانية غيب.
وإذا ثبت لنا أن عالم الغيب أفضل من عالم الشهادة ثبت أن اللذة العقلية أفضل من الحسية، ومن فوائد العلم بذلك الجد في طلبها، وسهولة الموت على النفس في العبور إليها.
فإن قيل: قد جعلتم الشياطين من عالم الغيب، وزعمتم أنه أفضل من عالم الشهادة؛ فيلزم أن الشياطين أفضل من الآدميين.
قلنا: الشياطين لهم جهتان:
إحداهما: كونهم من عالم الغيب.
والثانية: كونهم شياطين أشرارا.
فمن الجهة الأولى لا يمتنع أنهم أفضل من بني آدم، ومن الجهة الثانية الكلاب/ [١٦٨/ ل] أفضل منهم كما قيل في بني آدم من جهة كونهم أناسا عقلاء هم أفضل من البهائم، ومن غلب هواه منهم على عقله كانت البهيمة أفضل منه.
﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥) [الأنعام: ٧٥] هذا يدل على أن قوله: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦٠) [البقرة: ٢٦٠] أراد به طمأنينة العيان كما ذكر في موضعه؛ لأن الله- -أخبر أنه أراه الملكوت ليوقن وإحياء الموتى من قبيل الملكوت الغيبي.
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٧٦) [الأنعام: ٧٦] الآيات، حاصلها أنه استدل بحركات الكواكب وأفولها على عدم إلهيتها وربوبيتها، وذلك بناء على مقدمات:
الأولى: إثبات الأعراض، وهي ما لا يقوم بنفسه؛ فيفتقر إلى موضوع يقوم به،
следующие страницы →