← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لذلك؛ فمنه: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخر الآية من الغيوب الكلية والجزئية. واختلف في المقتضي لعموم علمه؛ فقالت المعتزلة: هو ذاته لا لصفة زائدة، وقال الجمهور: هو العلم، وهو صفة قائمة بذاته زائدة على مفهومها، وقد سبق ذلك. قوله- : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦٠) [الأنعام: ٦٠] أي بالنوم، سماه وفاة بجامع تعطل الحس فيهما، ومن ثم قيل: النوم أخو الموت، وقد جاء في بعض كتب الأولين: أن الأرواح تعرج إلى الله- -في حال النوم، فيلقي إليها من أمره [ما يشاء] فإذا عادت إلى الأجسام ألقت ذلك إلى النفوس والقلوب، فحركت له الأعضاء والجوارح. وإن ثبت هذا فلعله المراد بخلق الدواعي والصوارف، وعند الفلاسفة أن النفس عالم علوي مطبوع على حب إدراك العلوم والحقائق، لكنه تعلق بهذا البدن الطبيعي قسرا على جهة التدبير له، فهي مشغولة به حالة اليقظة، فإذا كان النوم تجردت، وإلى عالمها العلوي توجهت؛ لاقتناص المطالب العلمية؛ وتحصيل الحقائق الكشفية الغيبية، فتحصل من ذلك بحسب قوتها واستعدادها، وشبهوا النفس بامرأة مربية لولدها، فلا تزال مشغولة به ما دام يقظان فإذا نام انتهزت فرصة خلوتها وتوجهت إلى ما هو من/ [١٦٥/ل] همتها. وقد اختلف في أن الروح والنفس شيء واحد، أو شيئان مختلفان، فإن صح أنهما شيئان، أمكن صحة القولين، أعني قول الفلاسفة في النفس، وما جاء في بعض الكتب القديمة في الروح، وتكون النفس تحصل العلوم والروح تأتي بالأمر بالمحتوم، وعلم ذلك تحقيقا عند الله- . ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي في النهار عن نوم الليل ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] وهو أجل الحياة، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠] بالموت ثم البعث ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) [المائدة: ١٠٥] أي ويجازيكم عليه، وهذه المسألة مركبة من أنواع من أصول الدين.

стр. 247

مكلف اثنان منهم يحفظون عليه أعماله. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (١٢) [الانفطار: ١٠ - ١٢] ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١٨) [ق: ١٨] وبعض الزنادقة ينكرهم؛ لأنه لا يراهم، ويلزمه أن ينكر الهواء المالئ للفضاء لأنه لا يراه، وأن ينكر عقله/ [٧٨ أ/م] ونفسه وروحه؛ لأنه لا يرى شيئا من ذلك. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٣) [الأنعام: ٦٣] الآيتين من أدلة التوحيد، وتقريره كما سبق في ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٠) [الأنعام: ٤٠]. ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦٦) [الأنعام: ٦٦] يعني القرآن، الدليل على حقيقته وجوه: أحدها: أنه معجز في نفسه، وكل معجز حق. الثاني: ظهور معجزات غيره على يد من جاء به وأخبر بحقيقته. الثالث: ما تضمنه من الأخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، فكان الإخبار مطابقا مع وجوه أخر. ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦٦) [الأنعام: ٦٦] منسوخ بآية السيف. أو خارج مخرج الوعيد، فهو محكم. ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٦٨) [الأنعام: ٦٨] دلت هذه الآية على أن الناسي غير مكلف، لقوله- : ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٦٨) [الأنعام: ٦٨] دل على أن قعوده معهم حال النسيان غير منهي عنه؛ لأنه فيه معذور بالنسيان، ولو كان مكلفا حينئذ لتعلق به النهي، وإذا ثبت هذا في الناسي ألحق به الساهي والمخطئ والجاهل والمكره، يؤكد ذلك

стр. 248

قوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه (١)» ولأن توجه التكليف مع هذه الأعذار تكليف ما لا يطاق، وأنه مرفوع، ويتفرع/ [٦٦/ل] عن هذا الأصل مسائل كثيرة من العبادات والعادات فيسقط لهذه الأعذار الإثم، والحكم المختص بالله- -دون الحكم المتعلق بحقوق الآدميين، كدية الخطأ، وقيمة المتلف خطأ ونحوه، لأن ذلك من باب العدل، والأعذار لا تؤثر في سقوط العدل، بخلاف التكليف. ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧١) [الأنعام: ٧١] هذا من أدلة التوحيد، وقد سبق تقريره في المائدة ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٧٦) [المائدة: ٧٦]. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٧٣) [الأنعام: ٧٣] فيه إثبات النفخ في الصور، [وقد تكرر ذكره] في القرآن، وهو أمر من أحكام اليوم الآخر ورد به القرآن هكذا، وبينته السّنّة بأنه قرن عظيم كسعة السماوات والأرض، قد التقمه ملك يسمى إسرافيل، وجثى على ركبتيه ينتظر متى يؤمر، فينفخ فيه نفخا مزعجا جدا، وعند ذلك تقوم الساعة، ويبعث الموتى ونحو ذلك من أمور الآخرة. ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] أي أن الله- -يعلم ما غاب عن خلقه وما شهدوه، فالغيب إنما هو بالنسبة إليهم [لا إليه، إذ] لا يغيب عنه شيء علما ولا رؤية. واعلم أن العالم على ضربين: عالم غيب، وهو ما غاب عن المخلوق: [٧٨ ب/م] وعالم شهادة، وهو ما شهده كالسماوات والأرض والجبال والبحار وسائر الجزئيات العنصرية، وعالم الغيب أشرف من عالم الشهادة لوجوه: أحدها: أن الله- -من قبيل الغيب، ولذلك جعله أبو عمرو بن العلاء اسما

стр. 249

من أسمائه، فقال في قوله- : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣) [البقرة: ٣] أي: يؤمنون بالله. الثاني: أن ما غاب عنا تشوقت النفس إليه عزيزا، وما شوهد سئمته فصار ملولا وذليلا إلا ما خصه دليل. الثالث: أنه حيث ذكر قدّم فلا يكاد أن يقال: عالم الشهادة والغيب، وذلك لدليل شرفه على طريق العرب في تقديم الأهم، سواء قلنا: الواو للترتيب أو لا، وعالم الغيب [والشهادة هو المشار إليه بقوله- ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ثم لنذكر أقسام العالمين: أما عالم الغيب، فهو إما قديم أو حادث، فالقديم هو الله- -ولا تنكرن إدراجنا له تحت العالم فإنما هذا مجاز والمعنى مفهوم، والحادث على أقسام: أحدها: الملائكة. والثاني: العقول. والثالث: / [١٦٧/ل] النفوس. والرابع: النار، والذي يرى منها إنما هو [مظهر لها] أو أثر من آثارها، وأما حقيقتها فجوهر لا يرى كالهواء، وأولى لأن موضعها أعلى من موضعه. والخامس: الهواء. والسادس: الجن والشياطين؛ لأنهم فرع النار التي هي غير مرئية. السابع: ما وراء العالم من قبيل الغيب، ومن ثم اختلف فيه: هل هو خلاء أو ملاء؟ . الثامن: الآخرة غيب والدنيا شهادة. التاسع: النوم غيب واليقظة شهادة، والحيوان يتقلب بينهما كل يوم وليلة، ويكشف للإنسان في منامه كشوفات غيبية. ولقد أحسن الشيخ نجم الدين بن إسرائيل في قوله: وإذا غدت للمؤمن يقظاته ... حجب فموطن كشفه الأحلام ومما يشبه ذلك المرض المغيب للذهن الذي يعرض فيه الاستغراق «كالبرسام» ونحوه حال الموت وغيره، فإن الكشوفات تحصل فيه كثيرا، وهو مشهور، والمنام من أفضل أحوال الغيب، إذ كان جزءا من النبوة، وقد أوحي إلى الأنبياء في المنام كثيرا. العاشر: الرجال السالكون إلى الله- -إذا تمكنوا حصل لهم سكر، وصحو،

стр. 250

وهما غيب وشهادة، ثم إن الغيب والشهادة قد يلزمان موضعهما من الخفاء والظهور، وقد ينتقلان فيتعاقبان على موضع واحد كالسماء وزينتها النجومية، هي غيب في النهار، وشهادة في الليل، وقد يتعدد موضعهما كزيد وعمرو غاب أحدهما عنك وشاهدت الآخر، فهما غيب وشهادة، وتفصيل ذلك يكثر/ [٧٩ أ/م] وليس هو المقصود، وإنما المقصود أن اللذة ضربان: حسية كالأكل والشرب والنكاح، وعقلية كإدراك الحقائق العقلية، والمعاني الروحانية، والأولى شهادة والثانية غيب. وإذا ثبت لنا أن عالم الغيب أفضل من عالم الشهادة ثبت أن اللذة العقلية أفضل من الحسية، ومن فوائد العلم بذلك الجد في طلبها، وسهولة الموت على النفس في العبور إليها. فإن قيل: قد جعلتم الشياطين من عالم الغيب، وزعمتم أنه أفضل من عالم الشهادة؛ فيلزم أن الشياطين أفضل من الآدميين. قلنا: الشياطين لهم جهتان: إحداهما: كونهم من عالم الغيب. والثانية: كونهم شياطين أشرارا. فمن الجهة الأولى لا يمتنع أنهم أفضل من بني آدم، ومن الجهة الثانية الكلاب/ [١٦٨/ ل] أفضل منهم كما قيل في بني آدم من جهة كونهم أناسا عقلاء هم أفضل من البهائم، ومن غلب هواه منهم على عقله كانت البهيمة أفضل منه. ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥) [الأنعام: ٧٥] هذا يدل على أن قوله: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦٠) [البقرة: ٢٦٠] أراد به طمأنينة العيان كما ذكر في موضعه؛ لأن الله- -أخبر أنه أراه الملكوت ليوقن وإحياء الموتى من قبيل الملكوت الغيبي. ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٧٦) [الأنعام: ٧٦] الآيات، حاصلها أنه استدل بحركات الكواكب وأفولها على عدم إلهيتها وربوبيتها، وذلك بناء على مقدمات: الأولى: إثبات الأعراض، وهي ما لا يقوم بنفسه؛ فيفتقر إلى موضوع يقوم به،

стр. 251

كالحركة والسكون، والألوان والطعوم والأراييج والأكوان، وهي الاجتماع والافتراق وغير ذلك من الأعراض، [وإثباتها شهادة بالحس. [الثانية: أن الأعراض] مغايرة للجواهر بدليل أن الجوهر الواحد يعاقب عليه الأضداد من الأعراض كالحركة والسكون والسواد والبياض، وذاته في الحالين واحدة فالجوهر الباقي غير العرض الفاني. الثالثة: أن الأعراض لا تنفك عن الجواهر؛ إذ لو انفكت عنها لزم قيام العرض بذاته، وأنه محال. الرابعة: أن الأعراض حادثة؛ لأنها تتعاقب على الجواهر وجودا وعدما مسبوقا بعضها ببعض، والحدوث من لوازم المسبوقية، والملزوم موجود قطعا، فاللازم كذلك. الخامسة: أن ما لا ينفك عن الحادث أو لا ينفك عنه الحادث يجب أن يكون حادثا، إذ لو كان قديما مع أنه لم يفارق الحادث لزم تقدمه على الحادث؛ وذلك يوجب انفكاكه عن الحادث فيما قبل وجود الحادث، وذلك يستلزم أنه انفك عن الحادث/ [٧٩ ب/م] على تقدير أنه لم ينفك عنه، وأنه محال؛ ولأن زيدا وعمرا لو ولدا في ساعة واحدة، ثم استمرا إلى تسعين سنة من مولدهما استحال أن يكون أحدهما مائة دون الآخر. وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت حدوث الجواهر لعدم انفكاكها عن الأعراض الحادثة، وينتظم البرهان هكذا: الجوهر لا يفارق الحوادث وكل ما لا يفارق الحوادث حادث، فالجوهر حادث. والعالم إما جواهر وإما أعراض، وقد ثبت حدوثهما فالعالم المؤلف منهما بأسره حادث، والحادث إما أن يكون الموجد له هو، وهو محال، أو غيره فهو إما حادث؛ فيلزم الدور، أو التسلسل، أو قديم، وهو المطلوب، كما سبق تقريره، فهذه الطريقة العامة في إثبات حدوث العالم، وقدم الصانع، وهي مستفادة من إبراهيم-﵇-في مقامه هذا النظري، ولقد أوتي رشده من قبل ومتكلمو الإسلام تلاميذه في هذه الطريقة، وهي من أيسر الطرق وأحسنها، والرشد الإبراهيمي عليها ظاهر، ونور برهانها ساطع باهر.

стр. 252

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) [البقرة: ٢٥٥] على معنى معلومة، ونحو: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (١٦٦) [النساء: ١٦٦] على معنى أنزله وهو يعلمه، وأما هذه الآية، ونحوها فلا يمكنهم تأويلها بذلك إذ لا يصح أن يقال: وسع ربي كل شيء معلوما ولا: وهو يعلم، ولا: وسع ربي كل شيء ذاتا، ولا حالا؛ فتعين إثبات العلم هاهنا معنى قائما بذاته، إذ التقدير: وسع علم ربي كل شيء، كما يقال: طاب زيد نفسا، أي: طابت نفس زيد، وتفقأ الكبش شحما أي تفقأ شحم الكبش، فهذه الآية ونحوها قوية في هذه الآية. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٨٢) [الأنعام: ٨٢] وقد وردت السّنّة بتفسير الظلم هاهنا بالشرك استدلالا بقول لقمان: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣) [لقمان: ١٣] فعلى هذا لا حجة فيه للمعتزلة، وإن حمل الظلم على ظاهره العام، أمكنهم أن يحتجوا به على أن صاحب الكبيرة مخلد في النار، إذا لم يتب منها، إذ يكون مفهوم الآية: أن من آمن وخلط إيمانه بظلم ما؛ فليس له أمن، ولا هو مهتد، وهو ظاهر في دعواهم إن لم يكن قاطعا م [٨٠/أم]. ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٨٣) [الأنعام: ٨٣] هذه الحجة المشار إليها، إما استدلاله المتقدم على عدم ربوبية النجوم، أو حجة أخرى على التوحيد؛ لأن قومه كانوا صابئة مشركين، وهما إنما كان يناظرهم على التوحيد؛ واحتجاجه عليهم إنما كان بدليل العقل، إذ لم يكن هناك سمع يلزمهم، وأدلة العقل هي الطريقة الكلامية، وفي هذا شرف عظيم للكلام وأهله، إذ جعل الله الكلام حجة له أضافها إليه، وجعل صدورها عنه بقوله- ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] فيه إشارة إلى ارتفاع درجة المتكلمين عند الله- -كما رفع درجة إبراهيم على قومه بالحجة البالغة الغالبة.

стр. 253

داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) [الأنعام: ٨٤] أي: ومن ذرية إبراهيم: ﴿داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ إلى ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى﴾ هذا يرد على اليهود دعواهم السابقة: أن النسب في شرع التوراة لا يلحق من جهة الأم، حتى زعموا أن المسيح ليس هو ابن داود، وذلك لأن القرآن شرك بين عيسى وسائر النبيين المذكورين معه في كونهم من ذرية إبراهيم مع أن عيسى (انتمى) إليه من جهة أمه، فدل على بطلان دعوى اليهود، اللهم إلا أن يريدوا أن العصوبة لا تثبت من جهة الأم فهذا نعم؛ لأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود إنما هم أجداد المسيح لأمه، وليسوا بعصبة، وليعلم أن أيوب ذكر في هؤلاء النبيين الذين هم من ذرية إبراهيم، مع أن أيوب ليس من بني إسرائيل إنما هو من بني العيص بن إسحاق؛ فأيوب هو ابن أخي إسرائيل؛ لأن العيص ويعقوب إسرائيل هما ابنا إسحاق بن إبراهيم فأيوب هو ابن عم بني إسرائيل لا أخوهم من ولد إسرائيل، وجميع الأنبياء من بني إسرائيل إلا اثني عشر منهم أيوب، وهم: آدم، إدريس، نوح، وهود، صالح، إبراهيم، لوط، إسحاق، إسماعيل، إسرائيل وهو يعقوب، أيوب، محمد-صلّى الله عليهم أجمعين. ﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٨٦) [الأنعام: ٨٦] يحتمل أن هؤلاء جمعيهم من حيث هم جمع فضلوا على جميع العالمين، ويحتمل أن كل واحد منهم فضل على عالم زمانه أو على من عدا باقي النبيين أو بعضهم. ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٨٧) [الأنعام: ٨٧] هذا العموم لا يتناول عيسى، إذ لا أب له ولا ذرية، فهو مخصوص به. ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٨) [الأنعام: ٨٨] يحتج به على المعتزلة من وجهين: أحدهما: أنه] أضاف الهدى إليه؛ فدل على أنه منه لا من العبد. الثاني: أنه أخبر أنه يهدي بهداه من يشاء، فجعل مناط الهداية المشيئة لا غيرها من طاعة أو استعداد ونحوه، ولا يجوز حمل الهدى هاهنا على الإرشاد؛ لأن/ [٨٠ ب/م] الإرشاد [عام لا يخص؛ بل هو للمؤمن والكافر بدليل ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٧) [فصلت:

стр. 254

١٧] غير أن المؤمن يوفق فيهتدي، والكافر يخذل فلا يهتدي، وبالجملة الإرشاد] لا يلزم منه حصول الرشاد. ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٨) [الأنعام: ٨٨] ظاهر هذا أنه راجع إلى الأنبياء المذكورين وآبائهم وذرياتهم وإخوانهم، فيدل على أن الأنبياء يجوز عليهم الشرك، وأنهم إنما عصموا من وقوعه منهم لا من جوازه عليهم، ونظيره ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٦٥) [الزمر: ٦٥]. قوله- : ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ (٩٠) [الأنعام: ٩٠] يحتج بهذا على أن نبينا محمدا ﷺ أفضل من جميع هؤلاء الأنبياء، لأنه أمر بالاقتداء بجميعهم، والاقتداء بهم فعل مثل ما فعلوا، ولا بد أنه امتثل هذا الأمر لانعقاد الإجماع على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، حينئذ قد فعل وحده من الطاعة مثل ما فعل هؤلاء جميعهم، والواحد إذا فعل مثل ما فعل الجماعة كان أفضل منهم. ويحكى أن هذه المسألة وقعت في زمن الشيخ عز الدين بن عبد السّلام (١) فأفتى فيها بأنه ﵊-كان أفضل من كل واحد منهم، لا أنه أفضل من جميعهم، فتمالأ جماعة من علماء عصره على تكفيره، فعصمه الله- -منهم. ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩١) [الأنعام: ٩١] دعوى منهم عامة، في نفي الإنزال. ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] نقض للدعوى العامة بهذه الصورة الجزئية، ويحتج بهذا من يرى أن العام نص في كل فرد من أفراده، إذ لو لم

стр. 255

يكن كذلك لجاز أن تكون تلك الصورة الخاصة غير مراده من العام، فلا ينتقض بها. وقد اختلف في أن العام نص في أفراده، أم لا؟ على قولين؛ أحدهما: هو نص فيها لما ذكرناه. والثاني: ليس نصا فيها وإلا كان تخصيص العام نسخا للقدر المخصوص منه، إذ هو رفع للحكم في المنصوص عليه. ويحتمل أن يكون نصا في أفراده في النفي دون الإثبات لاعتضاد العام المنفي بالنفي الأصلي دون المثبت، فإذا قيل: لا رجل في الدار [أو: ما في الدار] من رجل، كان نصا في نفي كل رجل فينتقض بزيد إذا كان فيها، لأن النفي اللفظي اعتضد بالنفي الأصلي؛ فحصل منها النص على نفي كل فرد بخلاف قولنا: الرجال في الدار؛ إذ هو إثبات فلم يوافقه النفي الأصلي، فلم يحصل التعاضد على النص على كل فرد، فلا ينتقض بزيد إذا لم يكن فيها، وهذا بحث جيد بادئ الرأي، وعند النظر فيه لا يخلو من كلام. ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ / [٨١ أ/م] [الأنعام: ٩١] الكلام في عمومه كما في ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (١١٣) / [١٧٢/ل]) [النساء: ١١٣] وقد سبق. ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩١) [الأنعام: ٩١] أي قل: أنزله الله ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ يعني المنكرين ﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] ويستشهد به الصوفية، وأهل السلوك على الانقطاع عن الناس بالقلب أو القالب أو بهما؛ فيقولون: ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ.﴾ ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٩٤) [الأنعام: ٩٤] هذا يحتمل أن يقال لهم يوم القيامة؛ فيكون ﴿ما خَوَّلْناكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] عاما مطردا، ويحتمل أنه عقيب الموت فيكون مخصوصا بما يصحب أحدهم من الكفن من جملة من خوله.

стр. 256

﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٩٥) [الأنعام: ٩٥] عام أريد به الخاص، وهو الحب والنوى الذي انفلق عن الشجر والزرع، أما غيره فذلك يتلف في الأرض، فلا يفلق عن شيء. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٩٧) [الأنعام: ٩٧] عام أريد به الخاص، وهي النجوم التي لها هداية، كالقطب والجدي والفرقدين، ونحوها دون ما لا هداية له كالسيارة، فإنها مشرقة ومغربة ومتوسطة، فلا دلالة لها على جهة بعينها. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٩) [الأنعام: ٩٩] هو عام مطرد في أن كل نبات، فإنما هو خارج بماء السماء، إذ ليس المراد بماء السماء المطر وحده، بل كل ما في الأرض من بحر ونهر وعين، وغير ذلك، فأصله من السماء بدليل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (٢١) [الزمر: ٢١]، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ (١٨) [المؤمنون: ١٨]. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١١٧) [البقرة: ١١٧] تضمنت خمس جمل كلها عام مطرد. قوله- : ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٠٣) [الأنعام: ١٠٣] احتج بها [فريقان: أحدهما: ] المعتزلة على نفي الرؤية؛ لأنه -تمدح بأنه يدرك الأبصار [وهو اللطيف] ولا تدركه، ولو جازت رؤيته، لما كان فيه تمدح. وجوابه من وجوه: أحدها: أنه إنما تمدح بأن الأبصار لا تدركه لا بأنها لا يجوز أن تدركه. الثاني: أن الإدراك ينبني على الإحاطة، ونحن لا ندعيها، وإنما ندعي الرؤية وإحداهما

стр. 257

غير الأخرى. الثالث: أن معنى الآية نفي رؤيته في الدنيا لا في الآخرة، ونزاعنا فيه. الرابع: أن الأبصار عام أريد به الخاص، وهو أبصار الكفار في الآخرة، بدليل: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١٥) [المطففين: ١٥] وهو ضعيف. الخامس: أن الآية عام خص بقوله: : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٢٣) / [١٧٣/ل]) [القيامة: ٢٢، ٢٣] وتمام الكلام في هذه المسألة يأتي في الأعراف، وغيرها إن شاء الله- . الفريق الثاني: الاتحادية، وهم القائلون بأن الباري- -سار بذاته في الوجود كسريان الماء في العود/ [٨١ ب/م] ووجه احتجاجهم بها أنه- -أخبر أنه في كل حال من الأحوال يدرك الخلق وهم لا يدركونه، وما ذاك إلا لأنه سار بذاته فيهم كالهواء الساري في العالم المتخلل لأجرامه، ثم بين ذلك بقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤] إشارة إلى أنه للطافة ذاته سرى في العالم؛ فهو يراهم، و [هم] لا يرونه للطافته وكذلك هو للطافته؛ وسريانه فيهم خبير بأحوالهم، وأكدوا هذا الاستدلال، بقوله- : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١٦) [ق: ١٦] ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (٨٥) [الواقعة: ٨٥]. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤) [الحديد: ٤]، ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ (٤٦) [طه: ٤٦] ﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١٥) [الشعراء: ١٥] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧)

стр. 258

[المجادلة: ٧] الآيات مع قوله ﷺ : «إن المصلي يناجي ربه» (١) «إن الله بين أحدكم وبين قبلته» (٢) «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا، إنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٣). قالوا: وهذه نصوص كثيرة ظاهرة في أنه مع العالم بذاته، فلا يجوز تأويلها على أنه معهم بعلمه، لوجهين: أحدهما: أنه خلاف الظاهر، ولا قاطع يوجبه. الثاني: أن المخالف فريقان: أحدهما: لا يرى تأويل آيات الصفات؛ فلا يجوز له تأويل هذه النصوص وإلا لزمه التأويل في الباقي. والثاني: من يرى التأويل لكن التأويل لا بد له من دليل موجب له، قاطع أو راجح على المؤول، وكل دليل يبديه مما يوجب التأويل يلزمه مثله في مذهب التأويل؛ فيستوي التأويل وعدمه في لزوم المحال عليه عنده، وحينئذ يترجح ترك التأويل؛ لأنه الأصل. بيان ذلك المؤول لهذه الآيات على العلم إما مثبت للجهة، أو ناف لها، فإن كان مثبتا للجهة؛ فهو إنما يتأول هذه الآيات على أنها بالعلم؛ لئلا يلزم من سريان الذات القديمة في العالم مباشرتها للمحدثات؛ فيجري عليها ما يجري على المحدثات، أو لئلا يلزمها التحيز والانحصار في داخل كرة العالم. وكلا الأمرين باطل، أما الأول فلأن الزئبق يباشر غيره من الجواهر، وهو / [١٧٤/ل] بطبيعته وصقالته لا يتلوث بها، ولا يتأثر؛ فجاز أن يكون للذات القديمة خاصة تمنعها من التأثر بالمحدثات عن مباشرتها لها، وأما الثاني فلازم لهم في كونه على العرش مختصا بذاته بجهة فوق، فإنه حينئذ لا يخلو من أن يكون مطابقا للعرش في المقدار، أو أصغر أو أكبر، وعلى كل تقدير يلزم منه التحيز والجسمية أو الجوهرية فقد لزمهم من مذهبهم ما فروا منه في مذهب الاتحاد، وإن كان نافيا للجهة؛ فهو إنما يفر من سريانه بذاته في الوجود من لزوم التحيز والانحصار، وهو لازم له قطعا؛ لأن نفاة/ [٨٢ أ/م] الجهة اتفقوا على أن الباري

стр. 259

- -ليس بذاته داخلا تحت الكرة؛ وهذا يقتضي قطعا أن ذاته متناهية من جهة داخل كرة العالم؛ لأن كل ذات خلا منها مكان أو جهة فهي متناهية من جهة ذلك المكان؛ أو تلك الجهة، وكل جهة تناهت من بعض الجهات لزم تحيزها وانحصارها فيما سوى تلك الجهة التي تناهت منها، وينتظم الدليل عليهم هكذا، ذات الله متناهية من جهة كرة العالم، وكل ذات متناهية من جهة ما فهي منحصرة فيما سوى تلك الجهة، ينتج أن ذات الله- -منحصرة فيما سوى كرة العالم؛ فقد لزم هؤلاء من مذهبهم ما فروا من الاتحاد، وإذا لزمهم المحذور مع التأويل فالتزامه مع عدم التأويل أولى لصيرورة التأويل عبثا بلا فائدة، هذا أقصى ما أمكن الآن في تقرير شبهة الاتحادية. والجواب عنها من وجهين: مجمل، ومفصل، أما المجمل؛ فهو أن إجماع المسلمين قاطع بخلاف مذهب الاتحاد؛ وهو يقتضي بطلانه. وهذه الشبهة لا ثبوت لها مع الإجماع، إذ أي شخص من أهل الإجماع تصدى لنقضها. وأما الشبهة لا ثبوت لها مع الإجماع، إذ أي شخص من أهل الإجماع تصدى لنقضها. وأما المفصل؛ فيطول هاهنا، ويصرفنا عما نحن بصدده وقد استقصينا هذه المسألة سؤالا وجوابا في التعليق المسمى «بالباهر في أحكام الظاهر والباطن». وإنما استقصينا شبهة الاتحادية هاهنا؛ لئلا نحتاج إلى ذكرها في موضع آخر، ثم كلما مررنا بآية يحتجون بها أحلنا بالكلام فيها على هذا الموضع. ﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (١٠٤) [الأنعام: ١٠٤] عام مطرد. ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (٨٦) [هود: ٨٦] ونظائره محكم وعيدي أو منسوخ بآية السيف، وكذلك ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٤) [الحجر: ٩٤] والنسخ فيها أظهر/ [١٧٥/ل].

стр. 260

(١٣٧) [الأنعام: ١٣٧] حجة على المعتزلة، سبق تقريرها، والاعتراض عليها عند ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٥) [الأنعام: ٣٥]. ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٨] يحتج بها على سد الذرائع، وحسم مواد الفساد؛ إذ كان معنى الآية: لا تسبوا آلهتهم فيجعلوا ذلك وسيلة وذريعة إلى سب إلهكم. ونظيره ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤) [البقرة: ١٠٤] كما سبق فيه، وقاعدة سد الذرائع عظيمة، وفروعها كثيرة، قال بها مالك وأحمد، ومن تابعهما، خلافا لباقي العلماء، إذ أجازوا الحيل، وصنفوا فيها الكتب. ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] سبق القول فيه. ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٨] فيه إثبات المعاد.

стр. 261

- -في خلقه إما بطرد العادات، كطلوع الشمس من المشرق كل يوم أو بخرق العادات كانشقاق القمر، وطلوع الشمس من المغرب أو بخلق الدواعي والصوارف، وهو غريب بديع عجيب. ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١١١) [الأنعام: ١١١] تدل على أنه هو المانع لهم عن الإيمان إلا أن يشاء، وذلك بما يخلقه في نفوسهم من دواعي الكفر والصوارف عن الإيمان بما يخيل إليهم من أن تلك الخوارق سحر، فلا يؤمنون بها كما قالوا في انشقاق القمر، وغيره: إنه سحر مستمر. ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١١٤) [الأنعام: ١١٤] سبق الكلام في مثله. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١١٥) [الأنعام: ١١٥] يحتج به على قدم الكلام؛ لأنه وصف بالتمام، والحادث ليس بتام؛ فكلام الله- -ليس بحادث فهو قديم، ثم يبقى النزاع في أن الكلام معنى ذاتي أو عبارة مسموعة، [على ما] سبق. ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (١٢٠) [الأنعام: ١٢٠] عام مطرد جامع. ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٤) [الأنعام: ١٢٤] يحتج بها على عصمة الملائكة والأنبياء؛ لأنهم جميعا رسل الله وكل رسول معصوم. والحق أنها إنما تدل على صلاح الرسل، أما العصمة فدليلها غير هذا.

стр. 262

﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٥) [الأنعام: ١٢٥] من قواصم الظهر على المعتزلة؛ لأنها دلت على أن المؤثر في الهدى والضلال إرادة الله- -وفعله من شرح الصدر/ [١٧٦/ل] وتوسعته أو تضييقه وتحريجه. ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ (١٣٠) [الأنعام: ١٣٠] يحتج بها على أن الجن أرسل فيهم رسل منهم كالإنس، وهي ظاهرة في ذلك، وهي مسألة خلاف. فالمثبت لذلك احتج بهذا الظاهر، والمانع تأول إضافة الرسل إلى الفريقين، كإضافة اللؤلؤ والمرجان إلى البحرين، في قوله : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ (١٩) [الرحمن: ١٩]، ثم قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢٢) [الرحمن: ٢٢] وإنما هو خارج من أحدها، وهو الملح، وليس هذا بشيء، بل هو خارج منهما بدليل قوله- : ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢) [فاطر: ١٢] والحلية هنا هي اللؤلؤ والمرجان هناك، وقد أخبر أنها من كل واحد من البحرين، وإنما اعتمد هذا القائل على قول الحكماء الطبيعيين مثل أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية، وكتاب الأحجار وغيره، حيث زعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يتكون إلا في البحر المالح، والله- [أخبر منهم] بمخلوقاته، وعجائب مصنوعاته: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤] غير أن نبينا ﷺ أرسل إلى الجن والإنس؛ لأنهم قصدوه وسمعوا/ [٨٣ أ/م] منه القرآن، وأخذوا عنه الشرائع، ولو كان هناك نبي منهم؛ لامتنع في العادة أن يتركوه، ويقصدوا غير جنسهم، وإذا ثبت أن الجن أرسل إليهم رسل منهم، ثبت أنهم مكلفون مخاطبون كالإنس، وفي كون كفارهم مخاطبين بفروع الدين ما في كفار الإنس من الخلاف، وهذه مسألة

стр. 263

وقعت فذكرناها. ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ (١٣١) [الأنعام: ١٣١] يحتج بها وبنظائرها المعتزلة، ووجه احتجاجهم أن أفعالهم لو كانت مخلوقة لغيرهم، لكان إهلاكهم بها ظلما لهم، واللازم باطل بهذه الآيات، فالملزوم كذلك، وأجاب الكسبية بأنها مكسوبة لهم، والجبرية بأنها لو فوضت إليهم لكانت معاصي يستحقون بها الهلاك، فعاملهم على حسب علمه فيهم. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٢) [الأنعام: ١٣٢] وهذا يدل على ما ورد من أن دخول الجنة بفضل الله- -واقتسام درجاتها بالأعمال. ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (١٣٣) [الأنعام: ١٣٣] يستدل بها على استعمال القياس؛ لأنه قاس إهلاكهم واستخلاف غيرهم بعدهم على إهلاك من قبلهم، واستخلافهم بعدهم، وتلخيصه: يستخلف بعدكم أبناءكم كما استخلفناكم بعد آبائكم، وهو قياس تمثيل [١٧٧/ل]. ﴿* وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١٤١) [الأنعام: ١٤١] يحتج به على جواز عطف الوجوب على الإباحة؛ لأنه عطف إيتاء الحق الواجب على الأكل المباح، وإذا جاز ذلك جاز عكسه؛ نحو: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ و ﴿كُلُوا؛ ﴾ وكذلك عطف سائر الأحكام بعضها على بعض؛ ويحتج به أيضا على جواز الخطاب بالمجمل؛ لأن الحق المذكور مجمل؛ وبينته السّنّة بنصف العشر أو كماله من خمسة أوسق فصاعدا، ونحو ذلك من أحكامه. ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٤٣) [الأنعام: ١٤٣] يحتج بها على الاستدلال بالسبر والتقسيم.

стр. 264

وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) [الأنعام: ١٤٥] حصر المحرمات في هذه الثلاثة؛ فاقتضى إباحة ما عداها، ثم خص من ذلك العام بالسنة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وبالقرآن كل مستخبث، ونقل عن مالك التمسك بهذه الآية في إباحة ما عداها. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] عام مطرد في تحريم ذلك على اليهود. ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦) [الأنعام: ١٤٦] عام خص بالمستثنيات بعده. ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦) [الأنعام: ١٤٦] دل على أن تحريم الطيبات من العقوبات، ثم قد يكون بدون عقاب محسوس كهذه الآية. وقد يكون مع عقاب محسوس كاليهود وغيرهم من الكفار في/ [٨٣ ب/م] الآخرة يحرمون الجنة الطيبة، ويعاقبون بالنار المؤصدة-أعاذنا الله- -وإياكم منها. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (١٤٨) [الأنعام: ١٤٨] قرئت (كذّب) بالتشديد فلا حجة فيها للمعتزلة، وقرئت (كذب) بالتخفيف، وحينئذ يحتجون بها، وتقريره: أن كذبهم في إحالة شركهم على مشيئة الله- -ولو كان شركهم بمشيئته لكانوا صادقين ولم يكذبهم؛ فدل على أن الشرك، وتحريم المباح وغير ذلك من المعاصي ليس بمشيئة الله- -وإنما هو بمشيئة فاعليه وخلقهم، وهذا من عمدهم في المسألة. وأجاب الجمهور عنها بأن تكذيبهم ليس راجعا إلى قولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ (١٤٨) [الأنعام: ١٤٨] وإنما هو راجع إلى ما تضمنه من إخبارهم باعتقاد ذلك؛ كأنه قال: كذبتم في إخباركم/ب ١٧٨/ب] بأنكم تعتقدون نفوذ مشيئة الله بإشراككم وذلك لأن قولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ [الأنعام:

стр. 265

١٤٨] خرج منهم مخرج الاستهزاء والتهكم والإلزام للنبي ﷺ حيث أخبر بذلك، وهذا كما حكي عنهم في قوله : ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤٧) [يس: ٤٧] وشبيه بقوله- -في المنافقين حين قالوا: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ (١) [المنافقون: ١] فإنه لم يكذبهم في أن محمدا رسول الله، إذ ذاك حق نص عليه في سورة الفتح، وإنما كذبهم في دعواهم الشهادة بالرسالة إذا الشهادة قول مطابق للاعتقاد، وهم إنما قالوا ذلك قولا يخالفهم اعتقادهم؛ كذلك هاهنا كذبهم في دعواهم أنهم يعتقدون أن لو شاء الله ما أشركوا لا في نفس هذه القضية، لأنه قد نص عليها قبل هذا بآيات. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [الأنعام: ١٠٧] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (١٤٨) [الأنعام: ١٤٨] يقتضي أن الظن خلاف العلم؛ لأنه نفى أحدهما وأثبت الآخر لكن الظن في اللغة يشمل الاحتمال الراجح من غير جزم والاحتمال المتساوي. وعند الأصوليين الأول: ظن، والثاني: شك. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١٥٠) [الأنعام: ١٥٠] يستدل به على أن العالم بشهود الزور يحرم عليه موافقتهم حاكما كان أو شاهدا أو مشهودا له أو عليه، أو غيرهم، خلافا للمسألة المشهورة عن أبي حنيفة: في أن شاهدي زور لو شهدا أن فلانا مات، جاز لآخر أن يتزوج امرأته مع علمه بكذبهما، وحل له وطؤها؛ لأن عنده الحاكم منشئ للأحكام لا مثبت لها على وفق الواقع.

стр. 266

لَغافِلِينَ (١٥٦) / [٨٤ أ/م]) [الأنعام: ١٥٦] هذا خطاب للعرب، ومعناه أنزلنا عليكم القرآن لئلا تقولوا ما جاءنا من كتاب نتبعه، وإنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، وهم اليهود والنصارى، ونحن غير عارفين بما عندهم، وهذا من باب تقرير الحجة عليهم نحو: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٦٥) [النساء: ١٦٥]، وفيه أن المجوس لم يأتهم كتاب لأنه- -أخبر أن العرب لو احتجوا بأن الكتاب لم ينزل إلا على اليهود والنصارى لكانوا صادقين، وحجتهم قائمة وعذرهم واضح، وبالجملة فهذا تقرير من الله- -لهم على/ [١٧٩/ل] حصر الكتاب في الطائفتين، على تقدير أنهم يحصرونه فيهما، والله- -لا يقر إلا على حق، وهذه مسألة خلاف هل كان للمجوس كتاب ورفع، أو لم يكن لهم كتاب أصلا؟ وهو ظاهر هذه الآية؟ أما المجوس فزعموا أن نبيهم زرادشت جاءهم بكتاب فيه تفصيل ما كان وما يكون، وأنه جلد اثنتي عشرة ألف جلدة على ما حكاه ابن أبي الإصبغ في تاريخ الأطباء، والظاهر أن هذا اختلاق منهم أو عليهم، إذ مثل هذا لا يكتم، فلو كان حقا لتواتر، والمشهور أن زرادشت [هذا] ليس بمحترم حرمة النبيين ولا الصديقين، ولا الشهداء ولا الصالحين، ولا له في أحكام الرقيق نصيب، ولا هو من المختلف في نبوتهم، بل مقطوع بعدم نبوته، وهو من طبقة ماني ومزدك لا شيء في سبه ولعنه. وظاهر كلام القاضي عياض في آخر كتاب «الشفا» أن من سبه عذر وعوقب، وجعله في ذلك كالخضر ونحوه، وأظنه-والله أعلم-وهما منه فإن لم يكن وهما فهو نقل غريب جدا فتأمله.

стр. 267

حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٢٥٨) [البقرة: ٢٥٨] قالوا: هذا من إبراهيم يتضمن قدرة الله تعالى على أن يأتي بها من المغرب وليس كذلك، إذ هو محال لا يدخل تحت المقدورية، فأكذبوا بإخراجها من المغرب في آخر الوقت. وإن ثبت أنها ردت لعلي-﵁-كما حكاه القاضي عياض في الشفاء، فقد تقدم إكذابهم من حينئذ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١٥٩) [الأنعام: ١٥٩] / [٨٤ ب/م] يحتج به من أنكر الخلاف بين الأئمة في الفروع فضلا عن الأصول؛ لأن ذلك تفريق للدين، وهو مذموم. وأجيب بأنه محمول على التفرق في أصول الدين لا في فروعه للإجماع على جوازه. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٢) [الأنعام: ١٦٢] احتج به أبو حنيفة على وجوب الأضحية، لأن الإشارة إلى ما سبق من الصلاة، والنسك، والأضحية من النسك، والآية اقتضت أنها مأمور بها والأمر للوجوب. وأجيب بأن المخاطب/ [١٨٠/ل] بالأمر بها هو النبي ﷺ فإن كان الأمر به على الوجوب فهو خاص به لا يتعدى إلى الأمة. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١٦٤) [الأنعام: ١٦٤] قيل المراد: إلا لها، بدليل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٢٨٦) [البقرة: ٢٨٦]، واستعملت على بمعنى اللام، وقيل: المعنى إلا عليها في الشر ولها في الخير، فاكتفى بأحدهما كقوله: ﴿*وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣)

стр. 268

[الأنعام: ١٣] ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٨١) [النحل: ٨١] ونحوه. ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ فيه إثبات المعاد ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١٦٤) [الأنعام: ١٦٤] فيه أن كشف الحقائق وارتفاع الخلاف إنما يكون في عالم الآخرة، وأوله عقيب الموت بل حال الموت وعيان الملك وهذه في النحل، أوضح منها هاهنا. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٥) [الأنعام: ١٦٥] يحتج به على تعليل أفعاله- -أي فاضل بينكم ليختبر ما عندكم من الطاعة والشكر. ...

стр. 269

القول في سورة الأعراف ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) [الأعراف: ٢] ثم قال- : ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢] وتعليل الإنزال بالإنذار وهو من باب ما سبق آنفا. ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) [الأعراف: ٣] إن أريد باتباعه تصديقه فهو عام مطرد؛ لأن تصديق الجميع واجب بمعنى الاعتقاد أنه حق من حق، وإن أريد به الامتثال التكليفي فهو عام أريد به الخاص وهو الأوامر والنواهي. ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ (٤) [الأعراف: ٤] أي: أهلكناها في الحكم، فجاءها بأسنا في التنفيذ الواقع، وهذا كما حكي: أن شخصا وقع من علو فمات؛ فقيل وقع فلان فمات؛ فقال بعض العارفين: بل مات فوقع، أي لما حكم بموته، جعل وقوعه سببا لتنفيذ ما حكم به. وقيل: المعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، وهو قريب من الأول، وقيل: هو من باب التقديم والتأخير، أي جاءها بأسنا فأهلكناها، وهذه من باب حروف المعاني في أصول الفقه. ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨) [الأعراف: ٨] الآيتين يحتج به ونظيريه في (المؤمنون)، و (القارعة) على وزن أعمال العباد، ثم اختلف فيه: فالجمهور على أنه وزن حقيقي بميزان ذات كفتين ولسان، وأن الموزون صحائف الأعمال أو اعتمادات تساوي حركات الأعمال، أو يخلق الله- -فيهما ثقلا وخفة تكون أمارة على ما يراد/ [٨٥ أ/م] بالعبد من سعادة أو غيرها، والمعتزلة على أنه وزن مجاز/ [١٨١/ل] بمعنى إقامة العدل بحيث لا بخس ولا ظلم بدليل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ (٤٧) [الأنبياء: ٤٧] أبدل القسط من الموازين، والمقصود هو البدل لا المبدل منه كما [اقتضته العربية] كأنه قال: ونضع القسط، وأجيب بأن وضع القسط لا ينافي نصب الموازين لجواز أن سبب القسط هو الميزان.

стр. 270

إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١) [الأعراف: ١١] يحتمل أن الخلق والتصوير لآدم، وأضيفا إلى المخاطبين لتضمن صلب آدم لهم، فالترتيب والتراخي يتم على أصله، ويحتمل أنهما للمخاطبين فيكون الجواب على نحو ما مر في ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ (٤) [الأعراف: ٤] أي خلقناكم في علمنا، أو أردنا خلقكم ثم قلنا أو قلنا ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٤) [البقرة: ٣٤] ثم خلقناكم. ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢] فيه اقتضاء الأمر الوجوب والفور لأنه لامه على تأخير السجود عن وقت أمره به؛ لأن «إذ» للوقت تقديره: ما منعك أن تسجد وقت أمري لك بالسجود، وفيهما خلاف، و «لا» في «أن لا تسجد» زائدة، وإلا لاقتضى أن إبليس سجد ثم ليم على السجود الذي هو طاعة، وأنه محال، ونظيره في زيادة «لا» قول الراجز: فما ألوم البيض أن لا تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا أي أن تسخر. ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢] تضمن هذا من إبليس مخالفة وعنادا واستكبارا واعتراضا وقدحا في الحكمة وجهلا بالحقائق وغلطا في الفلسفة؛ لأن النار خفيفة طائشة محرقة شريرة، والطين رزين ثابت متواضع، ولا جرم رجع كل منهما إلى أصله، فإبليس مذموم وآدم مرحوم. وبالجملة فإبليس استعمل الفلسفة؛ فوقع في السفه، ولو أعطى الفلسفة حقها؛ لأعطى الطاعة مستحقها. ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (١٣) [الأعراف: ١٣] الضمير إما للسماء أو للجنة وعلى التقديرين يدل على أن الجنة دار تواضع وأدب لا كبر فيها، وعلى القول بأن الضمير للجنة، وهو الظاهر يقتضي ظاهرا: أن آدم ومن سجد له وإبليس جميعا كانوا في تلك الحال في الجنة، فما امتنع إبليس من الطاعة على الفور، عوقب بالخروج من الجنة على الفور.

стр. 271

به الجمهور على أن الهادي والمضل والمغوي هو الله- / [٨٥ ب/م]؛ لأنه أقر إبليس على نسبة الإغواء إليه، ولولا أن/ [١٨٢/ل] الأمر كذلك لما أقره بل كان يقول له: ويحك أمعصية وبهتا؛ أتعصيني وتبهتني؟ ! فلما أقره على ذلك دل على صحته. والجمهور إذا تمسكوا بهذا قال لهم المعتزلة: أنتم تلاميذ إبليس، تشنيعا عليهم، وليس احتجاج الجمهور بقول إبليس، وإنما هو بإقرار الله- -عليه. ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ (٢٠) [الأعراف: ٢٠] أي وسوس لهما ليعصيا؛ فتبدو سوآتهما، فذكر الغاية البعدى لاستلزامها القربى، إذا كانت أثرا لهما. ﴿وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] أي لئلا تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين. يحتج بهذا من يرى الملائكة أفضل من البشر حتى آدم. وتقريره أن هذا يدل على أن ذلك كان مشهورا متقررا عند آدم وحواء حتى جعله إبليس سببا لإغرائهما واستذلالهما، وإلا لما قبلاه منه مسارعين إليه، وأيضا لما أقدما على المخالفة حرصا على رتبة الملائكة دل على ما قلناه؛ لأن العاقل إنما يحصر على ما يعتقده كمالا له، وأيضا [لما قرن كونهما ملكين بكونهما من الخالدين، دل على أن الملك أفضل من البشر] كما أن الخالد أفضل من الزائل. ﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢٢) [الأعراف: ٢٢] يحتج به مثبتو الحرف والصوت في كلام الله- -أعني نفس تكلمه؛ لأن النداء لا يعقل إلا كذلك، ومثله: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ ونحوه. وأجاب الآخرون بأنه ناداهما بواسطة [الملك: أو سمى إفهامهما] بكلامه الذاتي نداء بجامع الإفهام.

стр. 272

وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) [الأعراف: ٢٦] تضمنت هذه الآية المجاز بمراتب، وذلك لأن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس إنما هو الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس، وصار ذلك كقول الراجز: الحمد لله العظيم المنان ... صار الثريد في رءوس العيدان سمى السنبل في رءوس العصف الذي تحته ثريدا، وإنما يصير ثريدا بعد أن يحصد، ثم يدرس، ثم يصفى، ثم يطحن، ثم يخبز، ثم يثرد، سمى ابن السيد البطليوسي (١) هذا وأمثاله [مجاز المراتب]، وهو من غرائب مسائل المجاز. ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٧) [الأعراف: ٢٧] أضاف الفتنة إلى الشيطان مع قول موسى: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ (١٥٥) [الأعراف: ١٥٥] وقوله- ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ (٥٣) [الأنعام: ٥٣] وتحقيقه ما سبق من أن فتنة/الشيطان بالوسوسة، وفتنة الله- / [٨٦ أ/م] بالتقدير، وخلق الدواعي والصوارف. ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ / [١٨٣/ل] ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ هذا من جملة الابتلاء والمحنة، وعظيم الفتنة، إذ لو رآهم بنو آدم لاحترزوا منهم كما يحترز بعضهم من بعض، ولكن صاروا كما قيل: رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برامي والسبب في أنهم يروننا ولا نراهم مادتهم نارية لطيفة، ومادتنا طينية كثيفة، والكثيف

стр. 273

لا يرى اللطيف. فإن قيل: فنحن نرى النار التي هي مادتهم فما بالنا لا نراهم؟ ! قلنا: التخليق يلطف المادة، ألا ترى أن البشر ألطف من الطين الذي هو مادته، وكذلك كل فرع هو ألطف من أصله كالزيت من الزيتون، والعصير من العنب، والدبس من الرطب، ونحو ذلك. ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) [الأعراف: ٢٨] يحتج بها المعتزلة، ووجه احتجاجهم أنه كما لا يأمر بالفحشاء لا يريدها. وقال الجمهور: بل هو يريدها ويقدرها بتقدير أسبابها، وخلق دواعيها والصوارف عنها وإن لم يأمر بها، ولعل أصل الخلاف أن المعصية خلاف الأمر عند الجمهور، فلا ينافيه موافقة الإرادة في المعصية، وعند المعتزلة هي مخالفة الإرادة، فلو كان مريدا للمعصية لكان المكلف عاصيا من حيث هو مطيع، وأنه محال. ومذهب الجمهور في أن الطاعة والمعصية دائران مع الأمر والنهي أشبه باللغة والنظر، وهو الصواب. ويحكى أن الشيخ أبا إسحاق الإسفراييني دخل على الصاحب بن عباد، وعنده القاضي عبد الجبار الهمذاني، فلما رآه القاضي قال تعريضا به: سبحان المنزه عن الفحشاء، فقال الشيخ أبو إسحاق: سبحان من يفعل ما يشاء، فاستوفى كل واحد منهما حجته في خمس كلمات، واعلم أن هؤلاء الذين قالوا في فاحشتهم: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) [الأعراف: ٢٨] صدقوا في تقليد آبائهم وكذبوا على ربهم. ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢٩) [الأعراف: ٢٩] يحتمل أمرين: أحدهما: إثبات المعاد، أي كما بدأكم أي: ابتداء خلقكم بعد العدم الأصلي، كذلك يعيدكم بعد العدم الطارئ على وجودكم، وهو أيسر، ولا فرق غير أن الإنسان في ابتداء نشأته يتدرج في الأطوار السبعة. نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى آخرها، وفي إعادته لا يتدرج في الأطوار، غير أن هذا ليس مؤثرا في حكم القدرة التامة، وقد قيل: إن عند إرادة البعث تمطر السماء أربعين يوما ماء كمني

стр. 274

الرجال، فلعل الأرض تجعل فيها حرارة كحرارة الرحم، ثم يتطور العالم في بطنها كتطوره في بطون الأمهات/ [١٨٤/ل]، والأرض تسمى أما، فلعله لذلك أو له ولغيره/ [٨٦ ب/م]، وبالجملة فالقدرة صالحة للتأثير بواسطة التطوير ودون التطوير. الثاني: إثبات القدر أولا وآخرا، أي كما بدأ خلقكم مؤمنا وكافرا، ومهتديا وضالا، كذلك يعيدكم كما بدأكم، يشهد لذلك قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) [التغابن: ٢] وقوله ﷺ : «إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره؛ فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» (١). وقوله ﷺ : «يبعث كل إنسان على ما مات عليه» (٢) أي من هدى وضلال وكفر وإيمان؛ دل على هذا الاحتمال قوله : ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٠) [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]، إشارة إلى افتراقهم في الهدى والضلال من البدء، ثم يعادون على ما بدئوا عليه من ذلك، وانظر إلى لطيف حكمته في قوله: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٠) [الأعراف: ٣٠] نسب الهدى إليه، إذ لا محذور فيه، ولم يقل: وفريقا أضل، بل قال: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٠) [الأعراف: ٣٠] فأحال بضلالهم على علته الكسبية من جهتهم، وأشار إلى علتهم القدرية من جهته؛ فتحرر من ذلك أن علة ضلالهم مركبة من تقديره الجازم المتقادم، وكسبهم الآخر المتراخي، ولو شاء الله ما فعلوه، وإنما ألزموه شبهة في

стр. 275

استحقاق الذم وغير الإرادة الإلهية. ﴿* يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣١) [الأعراف: ٣١] هذا من أصول الطب، وتدبير الأبدان، وهو الاقتصاد في المأكل والمشرب. ويحكى أن جبرائيل بن بختيشوع الطبيب دخل على هارون الرشيد، وعنده قارئ؛ فقرأ هذه الآية؛ فقال الحكيم: يا أمير المؤمنين، ما ترك كتابكم شيئا من الطب إلا استوفاه في هذه الكلمات. ووجه ذلك أن المقصود من الطعام والشراب إنما هو بقاء النفس بما يستحيل منه من الدم ويتجوهر منه من الروح الحاس والمدرك، فإذا اقتصد فيه، قويت المعدة على هضمه، فانصرف أكثره إلى المقصود، وبقي باقية تدفعه الطبيعة [ثفلا] فيبقى البدن خالصا من الفضول بعده كما كان قبله، وإذا أسرف فيه باقية الزائد على المقصود فضولا وأخلاطا في البدن خصوصا إن ضعفت المعدة عن هضمه، فتكون تلك الأخلاط غليظة ثم تتعفن تلك الأخلاط، فتولد أمراضا يكون منها العطب. ويحكى عن جالينوس أنه قال: أنا أحب أن آكل لأعيش، وهؤلاء يحبون أن يعيشوا [١٨٥/ل] ليأكلوا، يعني أن الحكمة تقتضي أن تكون الحياة غاية الأكل والأكل وسيلة لها، والعامة عكسوا ذلك فجعلوا الأكل غاية الحياة، والحياة وسيلة له وهو دأب البهائم/ [٨٧ أ/م]. وقال ابن الرومي: عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] أمر إباحة ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بحتمل أنه نهي إرشاد، ويحتمل الكراهة. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] هذا جامع لكل محرم، والخصال الأربع المذكورة، بعدة معطوفة عليه عطف الخاص على العام. ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٣) [الأعراف:

стр. 276

٣٣] يحتج به من زعم أن خبر الواحد يفيد العلم؛ لأنا إنما نقبل خبر العدل، والعدل قد حرم عليه أن يقول ما لا يعلم، فوجب أن لا يقول إلا ما يعلم، وذلك يفيد العلم، وهو ضعيف ومقدمته الأخيرة ظنية؛ لجواز أن يخالف لداع أو صارف؛ فيقول ما لا يعلم، ثم لو أفادت الآحاد العلم لما احتيج إلى العدد في البينات، وما تفاوتت في العدد ولما كان للاستفاضة والتواتر مزية على الآحاد واللوازم باطلة؛ فالملزوم كذلك؛ ولأنا نجد أنفسنا غير عالمة بموجب خبر الواحد فالقول بإفادته العلم مصادم لهذا العلم الوجداني الضروري؛ فلا يلتفت إليه، وربما احتج بقوله- : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣٢) [الأعراف: ٣٢] من يرى إباحة الطرب وسماع الملاهي، لأن الآية اقتضت إباحة عموم الطيبات من الرزق وهذه الأشياء من طيبات رزق السمع؛ فكانت مباحة كطيبات رزق الذوق والشم والبصر واللمس، وهذه والتي قبلها-أعني إفادة خبر الواحد العلم-يعزيان إلى مذهب الظاهرية، والأشبه أن سماع الملاهي إن دعا إلى حرام، أو أشغل عن واجب فهو حرام، وإن دعا إلى مكروه أو صد عن مندوب فهو مكروه، وإلا فهو مباح، وحيث يحرم يخرج جواز التداوي به من الماليخوليا ونحوه من الأمراض، على الخلاف في التداوي/ [١٨٦/ل] بالمسكر. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٤) [الأعراف: ٣٤] ونظائرها حجة للجمهور على أن المقتول هلك بأجله لم يكن ليستأخر عن ذلك ولا يستقدم، ولو لم يقتله القاتل [لهلك في وقت القتل بسبب غيره، خلافا للمعتزلة فيما حكي عنهم من أن القاتل] قطع عليه أجله، ولو لم يقتله لاستمر حيا إلى آخر أجله؛ استصحابا لحال حياته، والأشبه الأول؛ لأن تفويت هذه الحياة المعينة في هذا الوقت المعين بالسبب المعين معلوم لله- -وكل ما كان معلوما لله- -استحال تغيره بتقدم أو تأخر، وما قاله المعتزلة تخيل ذهني لا وقوع له في الخارج أصلا. ﴿فَمَنِ﴾ / [٨٧ ب /م] ﴿اِتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ أي اتقى الكفر وأصلح العمل فهو في قوة ﴿فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وقد سبق القول فيه.

стр. 277

(٣٦) [الأعراف: ٣٦] لم يشترط مع الكفر نفي العمل الصالح كما اشترط مع الإيمان وجوده، والفرق أن العمل الصالح لا يتصور مع الكفر، إذ الكفر مانع من وجوده فلم يحتج إلى اشتراط نفيه؛ لأنه منفي لوجود مانعه أو انتفاء شرطه، وهو الإيمان بخلاف الإيمان، فإن انتفاء العمل الصالح يصح معه؛ فلذلك اشترط وجوده في تمام الجزاء عليه. وهذا يقتضي أن الكفر في بابه أعظم من الإيمان في بابه، وكذلك النواهي والمعاصي أعظم من الأوامر والطاعات في بابها، وسبب ذلك، عظمة الجناب الإلهي عن الجرأة عليه بالمعاصي واستغناؤه عن الطاعات فالمعاصي تغضبه، والطاعات لا تنفعه إنما هي إحسان من المطيع إلى نفسه، ألا ترى أن السلطان إذا خرج عن طاعته خارجي جهز إليه العساكر، وقام له وقعد، ولو أهدى له ملك الأرض لم يحتفل له بعض ذلك الاحتفال. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ (٣٧) [الأعراف: ٣٧] يحتمل أن المراد نصيبهم من الشقاوة السابقة [لهم في الكتاب] ويحتمل أن المراد نصيبهم من الرزق المقسوم لهم في الكتاب، ويحتمل إرادة الأمرين، والنكتة المقصودة قوله- : ﴿يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧] ولم يقل ينالون نصيبهم، إشارة إلى أن ما سبق في الكتاب من شقاوة وسعادة ورزق هو أشد طلبا للإنسان حتى يناله من الإنسان له حتى يدركه، ولو لم يكن لأهل التفويض والتوكل غير هذه لكفتهم إذا فهموها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤٠) [الأعراف: ٤٠] يعني لأرواحهم عقيب الموت/ [١٨٧/ل] بل ترد فتخر من السماء تهوي بها الريح في مكان سحيق أي بعيد، وهو سجين بخلاف المؤمنين، فإن أبواب السماء تفتح لأرواحهم حتى تنتهي إلى العرش إكراما لها ثم تعاد إلى القبر للسؤال. وتفصيل هذا في حديث البراء بن عازب، وهذه من متعلقات اليوم الآخر. ﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] هو من باب تعليق الشيء المحال، نحو حتى يعود اللبن في الضرع، حتى يشيب الغراب ويبيض القار.

стр. 278

وحتى يؤوب القارصان كلاهما وينشر في القتلى كليب لوائل ونحو ذلك. ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) [الأعراف: ٤٣] يعني كان في الدنيا، وقد يستبعد ذلك وليس ببعيد، أما إن نسب إلى القدرة الإلهية فظاهر، وأما إن نسب إلى الواقع، فكثيرا ما طابت/ [٨٨ أ/م] النفوس عن خبث، واصطلح الناس عن غضب، وتنازلوا عن غل وإحن. وقد حكي في كتاب عجائب المخلوقات أن في البحر سمكة إذا أكلها المتضاغنان زال ما في نفوسهما وعادا أصدقاء. وبالجملة فهذا أمر ممكن، وكل ممكن مقدور، وكل مقدور أخبر الصادق بوقوعه فهو واقع لا محالة. ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) [الأعراف: ٤٣] لعلهم يقولون هذا لما يرون من صعوبة الطريق ووعورة المسلك، فيعلمون أنهم عاجزون عن قطعه لولا إعانة الله- -لهم فيحمدونه على نعمه، ويعترفون بالحمد والحق لأهله. ويحتج به الجمهور على أن الهدى من الله، ويطردون حكمه في مقابله وهو الضلال بقضائه وقدره. ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] عرفوا ذلك عيانا بعد أن كانوا يعرفونه في دار التكليف نظرا وبرهانا وتلك المعرفة أتم. ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] يعني أن الجنة كانت للكفار، بتقدير أن لو آمنوا والنار للمؤمنين أن لو كفروا، فإذا دخل المؤمنون الجنة؛ فكأنهم ورثوا ما كان للكفار لو آمنوا، وذلك هو التغابن يغبن أهل الجنة أهل النار بفوزهم وهلاك أولئك.

стр. 279

﴿وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ (٤٥) [الأعراف: ٤٤، ٤٥] إلى آخر القصة من أحكام اليوم الآخر في محاورة أهل الجنة والنار. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥٣) [الأعراف: ٥٣] [١١٨/ ل] هي في الكفار لا تنفعهم شفاعة، ولا يجدون شافعا. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥٤) [الأعراف: ٥٤]. قيل: هي من أيام ربك كل يوم كألف سنة مما تعدون، وقيل: هي من أيامنا هذه، وهو أشبه وعلى كمال القدرة أدل، وهاهنا سؤال مشهور، وهو كيف خلقها في ستة أيام مع قدرته على خلقها «بكن» فيكون؟ ! وجوابه أن ذلك ليعلم عبيده الأناة والتثبت، ولذلك أمرهم بذلك فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٩٤) [النساء: ٩٤] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (٦) [الحجرات: ٦] وقال النبي ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (١). ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى﴾

стр. 280

﴿الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥٤) [الأعراف: ٥٤] هذه وذكرها في القرآن تعرف بمسألة الاستواء، وهي: أن الله- -هل يقال إنه بذاته استوى على عرشه فوق السماوات، أم لا؟ أثبته الحنابلة والمحدثون، ونفاه المعتزلة والأشعريون ومن تابعهم، وبعضهم يسميها مسألة الجهة، وبعضهم مسألة العلو. احتج المثبتون بوجوه: أحدها: هذه الآيات؛ إذ [٨٨ ب/م] [تقتضي استواءه) على العرش، هو السر الإلهي بذاته. الثاني: أن الله- -والعالم حقيقتان موجودتان، وكل موجودين فإما أن يكون أحدهما ساريا في الآخر، أو مماسا له، أو بائنا عنه، والأولان محال على الله- -فتعين الثالث، وهو أنه مباين للعالم، وقد ورد الشرع بما يصلح أن يكون جهة مباينة له، وهي جهة العلو؛ فتعينت بتعيين الشرع، ولأنها أشرف. الثالث: أن النبي ﷺ عرج به إلى ربه، وأنه-﵊-عرج به إلى جهة فوق ينتج من الشكل. الثالث: أن رب محمد في جهة فوق، ويتعين أنه مستو على العرش بالنص. الرابع: قوله- : ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠) [فاطر: ١٠] مع قوله ﷺ : «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم» (١)، فبين أن صعود الأعمال إليه إلى جهة فوق، وذلك يقتضي أنه فوق. الخامس: قوله- : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ (١٦) [الملك: ١٦] ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (١٧) [الملك: ١٧] مع قوله ﷺ : «أيما امرأة باتت هاجرة لفراش زوجها كان الذي في السماء ساخطا عليها» (٢) رواه مسلم. نظم الدليل منه: أن الله- -هو

стр. 281

المؤثر سخطه، والمؤثر سخطه في السماء، فالله- -في السماء/ [١٨٩/ل] والأولى إجماعية، والثانية: ثابتة بالحديث. السادس: شهادة القرآن بأن فرعون بنى صرحا ليطلع إلى إله موسى في السماوات وأقره موسى على ذلك، والاحتجاج بإقرار موسى لا بفعل فرعون. السابع: تكليم موسى على الجبل، ليكون أقرب إلى جهة الرب، وإلا لم يكن لصعوده الجبل فائدة. الثامن: الله- -ذات موجودة، وكل ذات موجودة، فإما في السماوات، أو في الأرض، أو فيهما، أو لا في واحدة منهما، والكل باطل إلا الأول والخصم يدعي الأخير، وهو أنه لا في واحدة منهما كسائر المجردات. التاسع: حديث الجويرية: إذ قال لها: «أين الله»؟ فأشارت إلى السماء؛ فحكم بإيمانها بذلك، والخصم يكفر من حكم النبي ﷺ بإيمان مثله، وهذه مباينة للشرع. العاشر: أجمع الناس على رفع أيديهم إلى السماء في الدعاء لتلقي الخير والبركة منه، وهي شهادة شرعية فطرية عامة، على أنه فوق السماء. احتج النافون بوجوه: أحدها: أنه لو كان بذاته سبحانه على العرش لكان إما أصغر منه أو أكبر أو مساويا وبكل حال يلزم كونه متحيزا جسما مركبا منقسما، وأنه محال. الثاني: أن الله- -قديم واجب غني فلو كان مستويا بذاته على العرش في جهة فوق لكان متحيزا/ [٨٩ أ/م] وكل متحيز جسم أو جوهر، وكل جسم أو جوهر حادث ممكن مفتقر، فالقديم حادث، هذا خلف. الثالث: أن العرش إن كان قديما لزم تعدد الذات القديمة، وهو محال، وإن كان حادثا، فإن كان الاستواء عليه قديما لزم قدم الحادث أو حدوث [القديم] وأنه محال وإن كان حادثا فإن كان صفة قائمة بذات القديم لزم قيام الحوادث بذاته وهو محال، وإن لم يكن قائما بذاته، فالتقدير حدوثه فهو مسبوق بعدمه فعدمه أزلي والأزلي لا يزول، فعدم الاستواء لم يزل والاستواء لم يكن، وحينئذ يجب تأويل الاستواء على الاستيلاء نحو: قد استوى بشر على العراق ... بغير سيف ودم مهراق وقول لآخر: ولما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وطائر

стр. 282

الرابع: أن الله- : في الأزل لم يكن مستويا على العرش، وهو الآن على ما كان/ [١٩٠/ل) عليه في الأزل، فهو الآن غير مستو على العرش على ما يقوله الخصم، وهذا ضعيف، إذ لقائل أن يعارضه بأنه لم يكن معه عالم في الأزل وهو الآن على ما كان عليه في الأزل، فالعالم ليس معه الآن، لكنه خلاف العيان. وذهب [أبو عبد الله بن حامد] إلى أن معنى استوائه على العرش الاستقرار، كما ذهب إلى أن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا انتقال. واحتج بقوله- : ﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢٨) [المؤمنون: ٢٨] وقد أنكر ذلك على ابن حامد، ورد عليه. واعلم أن السمع قوي في الإثبات، والعقل قوي في النفي، غير أن النفاة قالوا: العقل أصل السمع؛ فيجب تقديمه، وإلا لزم القدح في دلالة الأصل [على الفرع]، وذلك قادح في الفرع أيضا، فتقديم الفرع مبطل لشهادة الأصل والفرع جميعا، وأنه غير جائز. وأجابوا عن حجج المثبتين من حيث الإجمال بأنها شبه وظواهر فلا تعارض الحجج القواطع. قال بعض النفاة: أحد الأمرين لازم، إما بطلان مذهب المثبتين أو صحة مذهب الاتحادية؛ لأن إثبات الجهة والاستواء يستلزم التجسيم، وهو لا يصح إلا على رأي الاتحادية الذين يجيزون ظهور الحق في المظاهر الجسمانية والأطوار الطبيعية، وإليه الإشارة بقول الحلاج للجنيد: يا معلم، من الذي يأتي البشر على رسوم الطبع؟ فقال له الجنيد: اسكت، ويحك! أي خشبة تريد أن تفسد. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥٤) [الأعراف: ٥٤] احتج به من قال: إن القرآن ليس بمخلوق؛ لأن القرآن هو الأمر، والأمر غير الخلق، فالقرآن غير الخلق، فالقرآن غير مخلوق، وأما أن القرآن هو الأمر، فلقوله-عز/ [٨٩ ب/م] وجل-: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٥) [الدخان: ٣ - ٥] ففسر القرآن بالأمر، وأما أن الأمر غير الخلق

стр. 283

فلعطفه عليه في هذه الآية والعطف يقتضي التغاير، وأجاب الخصم بأن الأمر مشترك بين القرآن وغيره. ولا نسلم أن المراد به هاهنا القرآن سلمناه، لكن لا نسلم أن الأمر غير الخلق، وعطفه عليه ليس عطف تغاير، بل عطف خاص على عام. ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥٥) [الأعراف: ٥٥] تنبيه على عظمته التي يستحق بها ضراعة غير له. ﴿وَخُفْيَةً﴾ تنبيه على قربه الذي لا يحتاج معه إلى أن يجهر له، كقوله ﷺ : «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا قريبا، إنه أقرب/ [١٩١، ل] إلى أحدكم من عنق راحلته». ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَاُدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦) [الأعراف: ٥٦] إن كانت الرحمة صفة فعل فهي قريبة بذاتها، وإن كانت صفة ذات، فالقرب أثرها [أو ذاتها على رأي من يرى أن الله- بذاته في كل مكان، أو على رأي الاتحادية؛ لأنها حينئذ لا تفارق الذات؛ فلا يمكن قربها بذاتها إلا على رأي هؤلاء]. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥٧) [الأعراف: ٥٧] هذه من أدلة المعاد؛ قياسا على إحياء الأرض بالمطر والنبات، وقد صرح بالقياس؛ فقال- : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥٧) [الأعراف: ٥٧] أي كإخراج الثمرات بالمطر من الأرض الميتة يخرج الموتى من الأرض، وتوجيه القياس أن حب الثمار مفرق في الأرض كأجزاء الموتى، وهي الجواهر المفردة المنحلة إليها الأجسام، ثم إنه- -يجمع ذلك الحب ويحييه حتى يخرج زرعا وثمرا نافعا، وكذلك يجمع أجزاء الموتى من الأرض، ويحييها حتى يخرج بشرا سويا، [والجامع إمكانهما]، ودخول الممكن تحت المقدورية.

стр. 284

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٥٩) [الأعراف: ٥٩] قول نوح هذا وغيره من الرسل في هذه السورة وغيرها شهادة بالتوحيد، موافقة لقوله- : ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤٥) [الزخرف: ٤٥] وسيأتي برهان التوحيد في موضعه، إن شاء الله- . قول هود لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦٩) [الأعراف: ٦٩] أي نعمه، واحدها نعمة، وقد اختلف العلماء في أن الله- -على الكفار نعمة، أم لا؟ على قولين: أحدهما: نعم لهذه الآية وغيرها مما عدد عليهم فيها. والثاني: لا، لأن ما أعطوه من/ [٩٠ أ/م] متاع الدنيا استدراج لا نعمة، فهو كالعسل المسموم هو آفة لا حلاوة. ومرجع الخلاف إلى أن النعمة ما هي: إن أريد به مجرد اللذة والتنعيم فعلى الكفار نعم عظيمة، وإن أريد بها [التنعيم مع] سلامة العاقبة فيه، فلا نعمة عليهم بل هي نقم في صورة نعم.

стр. 285

عدم إيمانهم مفهوم من تكذيبهم، وإنما أتى به تأكيدا، والتأكيد من أبواب اللغات في أصول الفقه، وكذا: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ (٧٩) [طه: ٧٩] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٤) [النساء: ١٤] / [١٩٢/ل] الثاني فيهما مفهوم من الأول، وجئ به تأكيدا. قول شعيب: ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ (٨٩) [الأعراف: ٨٩] لما كان منشؤه في قوم كفار انعقد له سبب موافقتهم فتجوز به عن ملابسة ملتهم فسمى إعراضه عنها بهداية الله- -إياه نجاة منها ودخوله فيها لو قدّر عودا إليها. وقوله: ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ [الأعراف: ٨٩] يدل على جواز الكفر على الأنبياء إذا شاءه الله- -وإلا لم يكن لاستثنائه معنى، وقد سبق أن عصمتهم إنما هي من وقوع الكفر لا من جوازه. ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠) [الأعراف: ١٠٠] يحتج به المعتزلة على أن الذنوب مخلوقة لأهلها، وإلا لكان مصيبا لهم بما هو مخلوق له، وذلك جور، والطبع على قلوبهم إذا كان من جملة عقوبتهم على ذنوبهم لم يكن فيه حجة، وجوابه قد عرف غير مرة، وقاعدته في مقدمة الكتاب وافية به حيث وقع. ﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ﴾ (١٠١) [الأعراف: ١٠١] يحتج بها الفريقان، أما المعتزلة فلكونه علل الطبع على قلوبهم بكفرهم، فلو كان كفرهم معلولا للطبع على قلوبهم، لزم الدور، فدل على كفرهم معلول لإرادتهم مخلوق لهم، والجمهور منعوا كون الطبع على قلوبهم معللا بكفرهم بل كفرهم معلل بالطبع على قلوبهم، كأنه قال: كذلك يطبع الله على قلوب قوم فيكفرون بسبب الطبع على قلوبهم.
следующие страницы →