Полный текст (691 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المؤثر سخطه، والمؤثر سخطه في السماء، فالله- -في السماء/ [١٨٩/ل] والأولى إجماعية، والثانية: ثابتة بالحديث.
السادس: شهادة القرآن بأن فرعون بنى صرحا ليطلع إلى إله موسى في السماوات وأقره موسى على ذلك، والاحتجاج بإقرار موسى لا بفعل فرعون.
السابع: تكليم موسى على الجبل، ليكون أقرب إلى جهة الرب، وإلا لم يكن لصعوده الجبل فائدة.
الثامن: الله- -ذات موجودة، وكل ذات موجودة، فإما في السماوات، أو في الأرض، أو فيهما، أو لا في واحدة منهما، والكل باطل إلا الأول والخصم يدعي الأخير، وهو أنه لا في واحدة منهما كسائر المجردات.
التاسع: حديث الجويرية: إذ قال لها: «أين الله»؟ فأشارت إلى السماء؛ فحكم بإيمانها بذلك، والخصم يكفر من حكم النبي ﷺ بإيمان مثله، وهذه مباينة للشرع.
العاشر: أجمع الناس على رفع أيديهم إلى السماء في الدعاء لتلقي الخير والبركة منه، وهي شهادة شرعية فطرية عامة، على أنه فوق السماء.
احتج النافون بوجوه:
أحدها: أنه لو كان بذاته سبحانه على العرش لكان إما أصغر منه أو أكبر أو مساويا وبكل حال يلزم كونه متحيزا جسما مركبا منقسما، وأنه محال.
الثاني: أن الله- -قديم واجب غني فلو كان مستويا بذاته على العرش في جهة فوق لكان متحيزا/ [٨٩ أ/م] وكل متحيز جسم أو جوهر، وكل جسم أو جوهر حادث ممكن مفتقر، فالقديم حادث، هذا خلف.
الثالث: أن العرش إن كان قديما لزم تعدد الذات القديمة، وهو محال، وإن كان حادثا، فإن كان الاستواء عليه قديما لزم قدم الحادث أو حدوث [القديم] وأنه محال وإن كان حادثا فإن كان صفة قائمة بذات القديم لزم قيام الحوادث بذاته وهو محال، وإن لم يكن قائما بذاته، فالتقدير حدوثه فهو مسبوق بعدمه فعدمه أزلي والأزلي لا يزول، فعدم الاستواء لم يزل والاستواء لم يكن، وحينئذ يجب تأويل الاستواء على الاستيلاء نحو:
قد استوى بشر على العراق ... بغير سيف ودم مهراق
وقول لآخر:
ولما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وطائر
стр. 282
الرابع: أن الله- : في الأزل لم يكن مستويا على العرش، وهو الآن على ما كان/ [١٩٠/ل) عليه في الأزل، فهو الآن غير مستو على العرش على ما يقوله الخصم، وهذا ضعيف، إذ لقائل أن يعارضه بأنه لم يكن معه عالم في الأزل وهو الآن على ما كان عليه في الأزل، فالعالم ليس معه الآن، لكنه خلاف العيان.
وذهب [أبو عبد الله بن حامد] إلى أن معنى استوائه على العرش الاستقرار، كما ذهب إلى أن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا انتقال. واحتج بقوله- : ﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢٨) [المؤمنون: ٢٨] وقد أنكر ذلك على ابن حامد، ورد عليه.
واعلم أن السمع قوي في الإثبات، والعقل قوي في النفي، غير أن النفاة قالوا: العقل أصل السمع؛ فيجب تقديمه، وإلا لزم القدح في دلالة الأصل [على الفرع]، وذلك قادح في الفرع أيضا، فتقديم الفرع مبطل لشهادة الأصل والفرع جميعا، وأنه غير جائز.
وأجابوا عن حجج المثبتين من حيث الإجمال بأنها شبه وظواهر فلا تعارض الحجج القواطع.
قال بعض النفاة: أحد الأمرين لازم، إما بطلان مذهب المثبتين أو صحة مذهب الاتحادية؛ لأن إثبات الجهة والاستواء يستلزم التجسيم، وهو لا يصح إلا على رأي الاتحادية الذين يجيزون ظهور الحق في المظاهر الجسمانية والأطوار الطبيعية، وإليه الإشارة بقول الحلاج للجنيد: يا معلم، من الذي يأتي البشر على رسوم الطبع؟ فقال له الجنيد: اسكت، ويحك! أي خشبة تريد أن تفسد.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥٤) [الأعراف: ٥٤] احتج به من قال: إن القرآن ليس بمخلوق؛ لأن القرآن هو الأمر، والأمر غير الخلق، فالقرآن غير الخلق، فالقرآن غير مخلوق، وأما أن القرآن هو الأمر، فلقوله-عز/ [٨٩ ب/م] وجل-: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٥) [الدخان: ٣ - ٥] ففسر القرآن بالأمر، وأما أن الأمر غير الخلق
стр. 283
فلعطفه عليه في هذه الآية والعطف يقتضي التغاير، وأجاب الخصم بأن الأمر مشترك بين القرآن وغيره. ولا نسلم أن المراد به هاهنا القرآن سلمناه، لكن لا نسلم أن الأمر غير الخلق، وعطفه عليه ليس عطف تغاير، بل عطف خاص على عام.
﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥٥) [الأعراف: ٥٥] تنبيه على عظمته التي يستحق بها ضراعة غير له.
﴿وَخُفْيَةً﴾ تنبيه على قربه الذي لا يحتاج معه إلى أن يجهر له، كقوله ﷺ : «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا قريبا، إنه أقرب/ [١٩١، ل] إلى أحدكم من عنق راحلته».
﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَاُدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦) [الأعراف: ٥٦] إن كانت الرحمة صفة فعل فهي قريبة بذاتها، وإن كانت صفة ذات، فالقرب أثرها [أو ذاتها على رأي من يرى أن الله- بذاته في كل مكان، أو على رأي الاتحادية؛ لأنها حينئذ لا تفارق الذات؛ فلا يمكن قربها بذاتها إلا على رأي هؤلاء].
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥٧) [الأعراف: ٥٧] هذه من أدلة المعاد؛ قياسا على إحياء الأرض بالمطر والنبات، وقد صرح بالقياس؛ فقال- : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥٧) [الأعراف: ٥٧] أي كإخراج الثمرات بالمطر من الأرض الميتة يخرج الموتى من الأرض، وتوجيه القياس أن حب الثمار مفرق في الأرض كأجزاء الموتى، وهي الجواهر المفردة المنحلة إليها الأجسام، ثم إنه- -يجمع ذلك الحب ويحييه حتى يخرج زرعا وثمرا نافعا، وكذلك يجمع أجزاء الموتى من الأرض، ويحييها حتى يخرج بشرا سويا، [والجامع إمكانهما]، ودخول الممكن تحت المقدورية.
стр. 284
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٥٩) [الأعراف: ٥٩] قول نوح هذا وغيره من الرسل في هذه السورة وغيرها شهادة بالتوحيد، موافقة لقوله- : ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤٥) [الزخرف: ٤٥] وسيأتي برهان التوحيد في موضعه، إن شاء الله- .
قول هود لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦٩) [الأعراف: ٦٩] أي نعمه، واحدها نعمة، وقد اختلف العلماء في أن الله- -على الكفار نعمة، أم لا؟ على قولين:
أحدهما: نعم لهذه الآية وغيرها مما عدد عليهم فيها.
والثاني: لا، لأن ما أعطوه من/ [٩٠ أ/م] متاع الدنيا استدراج لا نعمة، فهو كالعسل المسموم هو آفة لا حلاوة.
ومرجع الخلاف إلى أن النعمة ما هي: إن أريد به مجرد اللذة والتنعيم فعلى الكفار نعم عظيمة، وإن أريد بها [التنعيم مع] سلامة العاقبة فيه، فلا نعمة عليهم بل هي نقم في صورة نعم.
стр. 285
عدم إيمانهم مفهوم من تكذيبهم، وإنما أتى به تأكيدا، والتأكيد من أبواب اللغات في أصول الفقه، وكذا: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ (٧٩) [طه: ٧٩] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٤) [النساء: ١٤] / [١٩٢/ل] الثاني فيهما مفهوم من الأول، وجئ به تأكيدا.
قول شعيب: ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ (٨٩) [الأعراف: ٨٩] لما كان منشؤه في قوم كفار انعقد له سبب موافقتهم فتجوز به عن ملابسة ملتهم فسمى إعراضه عنها بهداية الله- -إياه نجاة منها ودخوله فيها لو قدّر عودا إليها.
وقوله: ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ [الأعراف: ٨٩] يدل على جواز الكفر على الأنبياء إذا شاءه الله- -وإلا لم يكن لاستثنائه معنى، وقد سبق أن عصمتهم إنما هي من وقوع الكفر لا من جوازه.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠) [الأعراف: ١٠٠] يحتج به المعتزلة على أن الذنوب مخلوقة لأهلها، وإلا لكان مصيبا لهم بما هو مخلوق له، وذلك جور، والطبع على قلوبهم إذا كان من جملة عقوبتهم على ذنوبهم لم يكن فيه حجة، وجوابه قد عرف غير مرة، وقاعدته في مقدمة الكتاب وافية به حيث وقع.
﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ﴾ (١٠١) [الأعراف: ١٠١] يحتج بها الفريقان، أما المعتزلة فلكونه علل الطبع على قلوبهم بكفرهم، فلو كان كفرهم معلولا للطبع على قلوبهم، لزم الدور، فدل على كفرهم معلول لإرادتهم مخلوق لهم، والجمهور منعوا كون الطبع على قلوبهم معللا بكفرهم بل كفرهم معلل بالطبع على قلوبهم، كأنه قال: كذلك يطبع الله على قلوب قوم فيكفرون بسبب الطبع على قلوبهم.
стр. 286
﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ (١٢٧) [الأعراف: ١٢٧] / [٩٠ ب/م] يستشهد به من يحمل الفوقية في حق الله- حيث وقعت على المعنوية لا الحسية.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١٣٧) [الأعراف: ١٣٧] يعني أرض مصر أورثها بني إسرائيل؛ لأنهم هم المستضعفون كانوا فيها بدليل: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (٥) [القصص:
٥] إلى ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٦) [القصص: ٦] وبدليل ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ (٥٨) [الشعراء: ٥٧ - ٥٨] ذكر السهيلي في «الأعلام» أنه الفيوم.
﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٩) [الشعراء: ٥٩] يعني جنات فرعون وكنوزه، أورثها الله تعالى بني إسرائيل، لا يقال: إن بني إسرائيل بعد أن جاوزوا البحر فارين من فرعون، لم ينقل أنهم عادوا إلى مصر فكيف ورثوها؟ لأنا نقول: هذه دعوى مجردة، بل قد نقل وثيمة بن موسى في قصص الأنبياء: أن فرعون/ [١٩٣/ل] لما هلك وقومه وأمنت بنو إسرائيل غائلته ندب نقيبين من نقبائه الاثني عشر: أحدهما: ثالب بن يوفنا والثاني:
يوشع بن نون، مع كل واحد من سبطه اثنا عشر ألفا، وأرسلهما إلى مصر، وقد خلت من حامية لغرق أهلها مع فرعون، فأخذوا ذخائر فرعون وكنوزه، وعادوا إلى موسى، فذلك توريثهم أرض مصر.
стр. 287
بعدي» (١) وهارون خليفة موسى على أمته عند ذهابه لميقات ربه، فكذلك عليّ يجب أن يكون خليفة محمد ﷺ على أمته عند إجابته داعي ربه، وربما قرروه بطريق آخر، وهو أنه لما استثنى النبوة من منازل هارون، دل على أنه أثبت لعلي منه باقي المنازل الهارونية من موسى، ومن تلك المنازل أنه خليفته في حياته، ولو عاش بعد وفاته، فكذلك النبي ﷺ استخلف عليا في حياته عند خروجه إلى تبوك، ثم إنه عاش بعده مدة، فوجب أن يكون خليفته بعد وفاته لتثبت له المنزلة الهارونية تحقيقا في الحياة وتقديرا بعد الوفاة.
وأجاب الجمهور عن الطريقة الأولى بأن استخلاف موسى لهارون كان في حياته، ودعواكم استخلاف عليّ بعد وفاة النبي ﷺ والحياة والوفاة نقيضان لا يصح قياس أحدهما على الآخر، وعن الطريقة الثانية بأنا لا نسلم أن هارون/ [٩١ أ/م] لو عاش بعد موسى كان خليفة بعده، وحينئذ لا تثبت هذه المنزلة لهارون، فلا تثبت لعلي لأنه مشبه به، وفرع عليه.
﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) [الأعراف: ١٤٣] يحتج به الجمهور على جواز رؤية الله- وإلا لكان موسى غير عارف بما يجوز على الله وما لا يجوز، أو مجترئا عليه بسؤال ما لا يجوز عليه، وكلاهما باطل، واعترض المعتزلة بأن قالوا: لم يكن سؤال موسى الرؤية لنفسه، إنما كان لقومه حين قالوا: أرنا الله جهرة. وقد قوبلوا عليه بالصعق والموت ولم يلزم من ذلك جهل ولا جرأة من موسى؛ إذ كان مبلغا عن غيره، ومبلغ الكفر والمعصية ليس بكافر ولا عاص.
والجواب: أن هذا جهل بمراتب آي الكتاب ووقائعه، أو تجاهل بذلك، وذلك أن موسى-﵇-كان له مع الله- -في هذا المقام ميقاتان: أحدهما هذا وكان فيه وحده، وسأل الرؤية فيه لنفسه، والثاني بعد هذا، وهو مذكور بعد على ترتيب / [١٩٤/ل] الواقع عند قوله- : ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما﴾
стр. 288
﴿فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ (١٥٥) [الأعراف: ١٥٥] وهنالك سأل قومه الرؤية، فأخذتهم الصاعقة، فهذا الاعتراض من المعتزلة فاسد، إما عن غلط أو مغالطة.
﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) [الأعراف: ١٤٣] احتج به المعتزلة على عدم جواز رؤيته- -لأنه نفى رؤية موسى له بلن المقتضية لتأبيد النفي، وذلك يقتضي انتفاء رؤيته إياه في الدنيا والآخرة، وإذا لم يره موسى في الدارين مع أن الكليم القريب، فغيره ممن هو دونه بطريق أولى وغيره ممن هو مثله كذلك؛ إذ حكم المثلين واحد، ولعدم القائل بالفرق.
وجوابه: لا نسلم أن «لن» تقتضي تأبيد النفي بدليل ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٩٥) [البقرة: ٩٥] على ما قرر هناك، على أنا لا نسلم أنه نفى جواز الرؤية بل وقوعها في الدنيا لا غير، ثم إن محمدا ﷺ والمسيح ﵇ أفضل من موسى ﵇ للإجماع في محمد ﷺ وما سبق في تقريره في المسيح، فلا يلزم من انتفاء الرؤية [في حق موسى] انتفاؤها في حقهما، وإذا جازت لهما حصل المقصود إذ النزاع في جوازها.
﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) [الأعراف: ١٤٣] احتج [به الفريقان]: أما الجمهور فقالوا: علق رؤيته على استقرار الجبل حال التجلي: واستقراره حينئذ ممكن، فالرؤية إذن معلقة على أمر ممكن وكل معلق على ممكن فهو ممكن فالرؤية ممكنة، وهو المطلوب، وأما المعتزلة فقالوا:
إن الله- -علم أن الجبل لا يستقر عند تجليه له وحينئذ إنما علق الرؤية على استقرار الجبل حال اضطرابه واندكاكه للتجلي، واستقراره/ [٩١ ب/م] حال اضطرابه
стр. 289
محال، فالرؤية إنما علقت على محال [والمعلق على المحال محال] فالرؤية محال.
واعلم أن الجمهور لاحظوا إمكان استقرار الجبل لذاته حال التجلي، ولا شك في إمكان ذلك بهذا الاعتبار.
والمعتزلة لاحظوا استحالة استقراره حال اضطرابه بحسب ما عرض له من هيبة التجلي، واعتبار الشيء لذاته أولى من اعتباره بعارض له، فتلخص أن الدست هاهنا للجمهور.
﴿فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قالت المعتزلة معناه: تبت إليك [مطلقا أو] من سؤال الرؤية [في الدنيا] وأنا أول المؤمنين [بأنك لا ترى، وليس نصا فيما قالوه لاحتمال أن المعنى: تبت إليك مطلقا أو من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا أول المؤمنين] بعظمتك حتى لا يثبت لتجليك الجبال.
﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) [الأعراف: ١٤٤] عام أريد به الخاص أي على ناس عصره؛ إذ لم يكن فيه نبي/ [١٩٥/ل] غيره، أما الأنبياء والرسل قبله وبعده فكثير، وأما الكلام فخص به كفاحا على من عداه، إلا من خصه الدليل كنبينا ﷺ ليلة المعراج.
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٥٣) [الأعراف: ١٥٣] ظاهرها وجوب قبول التوبة من التائب، لكن وجوبه [من الله- ] عند الجمهور وعليه عند المعتزلة كما سبق.
﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ (١٥٥) [الأعراف: ١٥٥] يحتج به الجمهور على ما عرف من مذهبهم في الضلال والهدى، وهو وأشباهه قاطع لأحبلة المعتزلة.
ويقال: إن الله- -أخبر موسى بافتتان قومه من بعده بالعجل وهو يكلمه على الطور فقال موسى: يا رب، هذا السامري صنع صورة العجل فمن نفخ فيه الروح حتى خار؟ قال: أنا يا موسى، قال: فما أرى أضل قومي إلا أنت! فقال: أحسنت يا حكيم الحكماء. وهذا نص في المدعي، وفيه أن الإيمان بالقدر وتفويض الأمر إلى الله-عز
стр. 290
وجل-من الحكمة.
﴿* وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٥٦) [الأعراف: ١٥٦] فيه أن مناط العذاب والرحمة ومدارهما هو المشيئة لا الطاعة والمعصية ولا الاستعداد ونحوه، ويدل على هذا أن الرحمة قد تلحق من لم يعمل خيرا ظاهرا قط ككافر يؤمن عند الموت، والعذاب يلحق من تعبد طول عمره، كمؤمن كفر عند الموت وإنما الأعمال أمارات قد تصدق وقد لا.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧) [الأعراف: ١٥٧] أما التوراة فالنبي ﷺ مذكور فيها باسمه وصفته في عدة مواضع على ما استخرجه العلماء في دلائل النبوة، ورأينا بعضه فيها من ذلك قوله: واستعلن الله من جبال فاران، أي ظهر دينه من هناك، والمراد جبال مكة. [٩٢ أ/م] وأما الإنجيل فصفة النبي ﷺ في فصل البارقليط من إنجيل يوحنا على ما قررناه منه في مناقضة الإنجيل، هذا مع ما لحق الكتابين من التحريف والتبديل، لكن بقاء ما ذكرناه من ذكر النبي ﷺ فيهما من قبيل المعجز؛ لأن اجتهاد أمتين عظيمتين على إزالة ذكره من كتابين لطيفي الحجم، ثم لا يستطيعون ذلك معجز لا شك فيه، وتعجيز إلهي لا ريب فيه.
ومعنى الآية: يجدون ذكره أو اسمه أو وصفه مكتوبا/ [١٩٦/ل] عندهم؛ إذ لا يمكن أن تكون ذاته وعينه البشرية في الكتابين لما سبق من استحالة كون الاسم هو عين المسمى.
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يحتج به من يرى تحسين العقل وتقبيحه، ووجهه أن معنى الآية: يأمرهم بما يعرفون وينهاهم عما ينكرون، إذ لو لم يكن كذلك لكان تقديره: يأمرهم بما جاء به، وينهاهم عما لم يجئ به، أو يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم، وهو إما خلف من القول أو تقصير في الوصف، فتعين أن المراد ما ذكرنا.
стр. 291
ثم لا يخلو إما أن يكون المراد: يأمرهم بما يعرفون في الشرائع السابقة، أو بما يعرفون في عقولهم، والأول باطل وإلا لكان شرع النبي ﷺ تابعا لشرع من قبله، وهو باطل؛ فتعين الثاني، وهو المطلوب. والقول بالتحسين والتقبيح هو رأي المعتزلة ومن تابعهم.
والجمهور قالوا: إن الحسن والقبح يطلق باعتبارات ثلاثة:
أحدها: بمعنى الكمال والنقص؛ كقولنا: العلم حسن، والجهل قبيح، والثاني: بمعنى ما يلائم الطبع وينافره كقولنا اللذة حسن والألم قبيح، والثالث: بمعنى المدح والثواب على العمل شرعا أو الذم والعقاب شرعا، والحسن والقبح بالاعتبارين الأولين عقليان، أي يدركان بالعقل، وبالاعتبار الثالث شرعيان، أي لا يدركان إلا بالشرع، وهو محل النزاع، أما الأولان فمحل وفقا معهم، وحينئذ يجوز حمل الآية على الاعتبار الأول أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر اللذين هما من باب الكمالات والنقائص؛ لأن ذلك هو الذي يحتاج إليه في إقامة الدعوة، ويستميل القلوب إلى الإجابة، وأما المعروف والمنكر اللذان بحسب الذم والمدح والثواب والعقاب، فيثبت حكمها بدليل منفصل.
وتحقيق مذهب المعتزلة في هذا أنهم لا يقولون: إن العقل حاكم موجب أو محرم، وإنما يقولون: إنه مدرك بما جعل الله- -فيه القوة/ [٩٢ ب/م] أن هذا الفعل ينبغي أو لا ينبغي، ويدرك إدراكا حكميا أي من حجة الحكمة أن هذا الفعل مما تقتضي السياسة الشرعية أن يثاب أو يعاقب عليه لا أنهم يقولون: إن الشارع إن لم يثب أو يعاقب عليه عوقب أو استحق العقاب، قالوا: وإنما قلنا ذلك؛ لأن المعلومات/ [١٩٧/ ل] على ضربين حقائق وتكاليف؛ فالحقائق ثلاث: واجب: وهو ما يلزم من عدمه محال لذاته، وممتنع: وهو ما لا يلزم من عدمه محال لذاته، وممكن خاص: وهو ما لا يلزم محال وجوده ولا عدمه، والتكاليف ثلاث: مأمور به، ومزجور عنه، ومخير فيه بين فعله وتركه، ثم لما كان العقل يدرك أحكام الحقائق من حيث الجواز والامتناع والوجوب، فكذلك يدرك أحكام التكاليف من حسن وقبح وما بينهما.
وأجاب الجمهور: بأنا لا نسلم أنه يلزم من إدراكه أحكام الحقائق العقلية أنه يدرك أحكام التكاليف الشرعية، وهل محل النزاع بيننا إلا هذا بعينه؟
стр. 292
في عموم دعوة الإسلام مع نصوص أخر من الكتاب والسّنّة، وعارضه اليهود والنصارى بقوله- : ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٦) [القصص: ٤٦] وذلك يقتضي اختصاص دعوته بالعرب الأميين دون غيرهم من الأمم والفرق الذين سبقت فيهم النذر، وأنزلت فيهم الكتب، وسيأتي جوابه في موضعه إن شاء الله- .
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٦١) [الأعراف: ١٦١] يحتج به مع نظيره في البقرة على أن الواو لا تقتضي الترتيب؛ لأن السجود قدم في إحداهما وأخر في الأخرى والقصة واحدة، فلو كان للترتيب لزم اختلاف الخبر، والكذب في أحد النصين وإنه محال.
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٦٣) [الأعراف: ١٦٣] يحتج بها الجبرية ونحوهم؛ لأن هذا اضطرار أو شبيه بالاضطرار لهم إلى المعصية؛ لأنه ألقى عليهم شهوة السمك وحرم عليهم العمل يوم السبت، ومنع الحيتان ألا تأتي إلا فيه فصار شبيها بما قيل:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
وقد صرح بمعنى هذا حيث قال- : ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [١٦٣] قالت المعتزلة الفرق بينهما أن هؤلاء المعتدين في السبت مختارون لصيد السمك بخلاف الملقى في الماء مكتوفا؛ إذ لا اختيار له، ثم باقي الآية لنا وهو ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] دل على [أن ابتلاءهم] بذلك عقوبة على فسق صدر عنهم باختيارهم/ [١٩٨/ل] وهم علته التامة.
وجواب الكسبية/ [٩٣ أ/م] والجبرية عنه قد عرف.
ثم إن في ضمن هذه القصة احتيال أصحاب السبت على الصيد المحرم بأن نصبوا
стр. 293
المصائد يوم الجمعة فوقع فيها الحيتان، ثم أخذوها يوم الأحد، وغالطوا أنفسهم وظنوا أن ذلك [يخلصهم من اللائمة] فلم يخلصوا ولم يعذروا، ولم يعد ذلك منهم كياسة وتلطفا في حصول المقصود، بل عد منهم مكرا قوبلوا بمثله ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (٤٣) [فاطر: ٤٣] فمسخوا قردة؛ لأنهم مسخوا حكم الله فأحالوه عن صورته بحيلتهم فأحال الله- -صورهم بحوله.
ويحتج بهذا من منع الحيل في أحكام الشرع، وهو مالك وأحمد ومن تابعهما، خلافا للباقين في إجازتها، كالمخالعة والتحليل والمعاملة الربوية، ونحوها، ولعلهم رأوا أن المنع من مثل ذلك تضييق في شرع من قبلنا من قبيل الآصار والأغلال التي كانت عليهم، واستباحته لنا من باب الرخصة والتوسعة علينا؛ لأن آصارهم وأغلالهم رفعت عنا ببركة نبينا ﷺ كما سبق في هذه الصورة قريبا، ولعل الخلاف مبني على مسألة شرع من قبلنا شرع لنا.
وأيضا العقود لها صور ومعان فاعتبار صورة العقد ومعناه كالعزيمة كما في النكاح والبيع المجمع عليهما، واعتبار صورته فقط كالرخصة كما في التحليل وبيع المعاملة، ونظيره من العقليات الحد التام من الجنس والفصل جميعا، والفصل وحده حد ناقص، ولأن الصورة أمارة يدور الحكم عليها.
ولما قيل لهم: الحيلة قنطرة الحرام، قالوا: فقد حصل مقصودنا؛ لأن القنطرة إنما وضعت لتمنع من الوقوع في الماء فالحيلة تخلصنا من الحرام.
واعلم أنهم غلطوا في هذا الفهم أو غالطوا؛ لأن أولئك إنما أرادوا أن الحيلة قنطرة إلى الحرام: موصلة إليه لا أنها قنطرة عليه مخلصة منه، وفي هذه المسألة بحث طويل هذا حاصله، وتعظيم الشعائر والحرمات في طرف من حرّم الحيل المخيلات.
﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١٦٤) [الأعراف: ١٦٤] تدل على وجوب إنكار المنكر على من أصر عليه وعلم أنه لا يزدجر بشرط أمن المفسدة الراجحة؛ وتفصيله أن الإنكار إن خلا عن مفسدة أصلا وجب، وإن استلزم مفسدة/ [١٩٩/ل] راجحة لم يجب، وإن تضمن مفسدة مساوية لمصلحة احتمل الخلاف والتخيير والأولى الترك؛ لأن تحريك الساكن يخشى منه التفاقم.
стр. 294
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٦٥) [الأعراف: ١٦٥] اعلم أن أصحاب السبت انقسموا إلى: مباشر للمعصية/ [٩٣ ب/م] ومنكر لها ناه عنها، ولا مباشر ولا منكر، فلم ينج من العذاب إلا الناهون، وأما العصاة فعوقبوا بمعصيتهم والساكتون عنها عوقبوا لتركهم الإنكار الواجب. وتعلقت الشيعة بهذا؛ إذ زعموا أن الصحابة انقسموا إلى: مؤذ لأهل البيت ومعين له، وساكت عن الإنكار والنصرة مع القدرة، ومنكر منتصر بلسانه أو قلبه. قالوا: والفرق الثلاث الأول هالكة والناجية هي الرابعة وهم الشيعة أولا وآخرا كما في أصحاب السبت.
وأجاب أهل السّنّة: بأنا لا نسلم أن أحدا من الصحابة ﵃ آذى أهل البيت، ولو سلمناه لكن القرآن ورد بمدحهم، وذم أصحاب السبت فلا يصح قياس أحدهما على الآخر؛ إذ هو قياس ضد على ضد، أو جمع حيث فرق النص، وهو فاسد الاعتبار.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٦٩) [الأعراف: ١٦٩] تضمنت أن الكذب على الله- -وكتبه ورسله حرام لا يجوز أخذ الأجرة عليه، فيحتج به على أن تحريف التأويل والنصوص من الكتاب والسّنّة والأحكام والفتاوى لا تجوز بعوض ولا محاباة ولا غيرهما، خلافا لما حكي عن بعض الفقهاء أنه يفتى الأجانب بالعزائم والأقارب والأصدقاء بالرخص، وإن ضعف مستندها في النظر.
قوله- : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (١٧٢) [الأعراف: ١٧٢] دلت على أن الذرية أخذت من ظهور بني آدم، والتفسير بأنها أخذت من ظهر آدم، وكلاهما حق؛ لأن الذرية استخرجت في هذا المقام على ترتيبها وتفصيلها ذرية آدم من ظهره، ثم ذرية كل واحد من بنيه من ظهره؛ كما إذا فرضنا ألف صندوق بعضها في بعض في كل صندوق شيء من الجوهر فاستخرجنا بعضها من بعض.
стр. 295
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (١٧٢) [الأعراف: ١٧٢] تقرير لهم بالتوحيد والربوبية ﴿قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] المشهور أن بلى حرف إيجاب يجاب به النفي، فيقرر خلاف مضمونه، فلست بربكم مضمونه سلب الربوبية، وبلى قررت خلاف هذا السلب وهو إثبات الربوبية ونعم لكونها مقررة لمضمون ما قبلها لم تصلح هاهنا، وإلا كان تقريرا لسلب الربوبية/ [٢٠٠/ل] وإنه كفر.
ويحكى أن ابن الأنباري (١) دعي في جماعة ليشهد على شخص، فقال بعضهم للشخص: ألا [نشهد عليك؟ فقال: نعم، فشهدوا عليه إلا ابن الأنباري امتنع، فقيل له في ذلك؛ فقال: هذه الشهادة لا تصح على موجب اللغة؛ لأنه إنما قرركم على ألا] تشهدوا عليه، كأنه قال: نعم لا تشهدوا علي.
واعلم أن حكم هذه الشهادة على موجب الفقه أنها تصح على عامي لا يفرق بين بلى ونعم دون عالم يفرق بينهما، فلعل ابن الأنباري أخذ بالأحوط الذي لا يعترض فيه/ [٩٤ أ/م] احتمال خلاف، أو أنه أراد بيان هذا الحكم اللغوي لأصحابه.
وقد ذكر ابن الأنباري في بعض كتبه أن بلى مركبة من بل الإضرابية ولا النافية، ويتضح معناها في مواردها مطردة على ذلك، فإذا وقعت في جواب السلب كان معناها سلب سلب ما بعدها، وسلب السلب إيجاب؛ فمعناها الإيجاب، مثاله في هذه الآية لما قيل: (ألست بربكم قالوا بلى) أي بل لا لست ربنا وهو في قوة. بل أنت ربنا؛ لأن لا للسلب و «لست» للسلب وسلب السلب إيجاب، فسلب سلب الربوبية إيجاب لها، فاعلم ذلك، ثم في الآية سؤلان أحدهما أنه لو سبق للناس مقام شهدوا فيه بالتوحيد، وأخذ إقرارهم به لكانوا الآن يذكرون ذلك، وجوابه: أنهم كانوا حينئذ نفوسا، أو أرواحا مجردة، والذكر إنما هو بحاسة بدنية أو متعلقة بالبدن، والبدن وقواه ومتعلقاته إنما حدث بعد ذلك، فلذلك لم يذكروا ذلك المقام الآن، وإنما هذا السؤال كمن يقول: لو كان زيد حضر عند السلطان لكان ثوبه عليه، وهو غير لازم لجواز حضوره مجردا عن لباس،
стр. 296
ويحتمل أن يكون تجرد النفس شرطا في ذكر ذلك، أو تعلقها بالبدن مانعا منه، فإذا تجردت بالموت كشف عنها غطاؤها فأبصرت ما بين يديها ووراءها.
السؤال الثاني: كيف قامت عليهم الحجة الآن بذلك الإقرار وهم لا يذكرونه؟
وجوابه: أن المراد ليس إقامة الحجة عليهم الآن، بل تقوم يوم القيامة ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (١٧٢) [الأعراف: ١٧٢] وهم يومئذ يذكرون ذلك المقام إما بخلق الذكر فيهم أو بإزالة الموجب للنسيان، ثم لا يمتنع قيام الحجة عليهم بما لم يذكروا كما لزمهم الإيمان بما لم يدركوا، ولأن الصادق أخبرهم بوقوع ذلك المقام فلزمهم تصديقه ثم تقوم/ [٢٠١/ل] الحجة عليهم بذلك، كما لو علم الشاهد أن هذا خطه ولم يذكره.
ثم ربما ظن ظان أن الذرية إنما تكون للرجال دون النساء؛ لقوله- : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولم يقل من بناته، ولا من ولده، وليس كذلك بدليل قوله- : ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣٦) [آل عمران: ٣٦] وإنما قال: بني آدم، تغليبا لجانب الذكورية على ما هو المعتاد فيه.
﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٧٨) [الأعراف:
١٧٨] يحتج به الجمهور في أن الهدى والإضلال من فعل الله- -وخلقه وأنهما ينسبان إليه من هذه الجهة.
والمعتزلة يتأولون ذلك على أنه يهدي ويضل بفعل الألطاف أو منعها، ثم إذا قيل لهم:
منع اللطف إما موجب/ [٩٤ ب/م] للضلال فيلزمكم المحذور كما لو كان هو الخالق له، أو غير موجب له فلا يؤثر. قالوا: منع اللطف واسطة بين ما ذكرتم، وهو أنه مرجح للضلال غير موجب له، وإنما الموجب له اختيار العبد وفعله، وحينئذ يقال لهم: الموجب له فعل المكلف وحده أو مع منع اللطف، الأول باطل؛ لأنه إنما فعل شيئا يرجح وقوعه فاستحال استقلاله به بعد ذلك فتعين الثاني، وهو أن الموجب للفعل العبد مع منع اللطف؛ فيلزمكم إيقاع المقدور من قادرين، وأن ينسب إلى الله- -من الجور الذي
стр. 297
تفرون منه بقدر تأثيره في الفعل بمنع اللطف.
أو يقال لهم: العبد هو الموجب الكامل للفعل، أو يشاركه فيه منع اللطف ويعود ما ذكرناه، وهذا تحقيق مع المعتزلة في البحث، وهو صعب عليهم.
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٧٩) [الأعراف: ١٧٩] يحتج به الجمهور أيضا، وتقريره أن هذا يقتضي أن الإرادة والعلم تعلقا بأن هؤلاء للنار ثم خلقوا لأجلها، فكان تعلق الإرادة والعلم بأنهم للنار موجبا لصدور المعاصي التي هي أمارة العقاب منهم، وإلا انقلب العلم الأزلي جهلا والإرادة غير مؤثرة وإنه محال.
ويجاب بأن اللام في: «لجهنم» للعاقبة، أي: ذرأناهم للجنة على تقدير أن يطيعوا فعصوا فكانت عاقبتهم إلى النار، ثم لا نسلم أن تعلق العلم والإرادة بشيء ما يكون موجبا له؛ إذ شأن العلم الكشف، وشأن الإرادة التخصيص وإنما الإيجاب والتأثير/ [٢٠٢/ل] للقدرة فلا يعترض عليها غيرها من الصفات؛ إذ لكل صفة وظيفة تختص بها، ويعترض على هذا الجواب بأن لام التعليل أكثر من لام العاقبة، فحمل هذا اللازم على الأكثر أولى.
وأما قولهم: العلم والإرادة ليسا موجبين، قلنا: نعم لكنهما يستتبعان تعلق القدرة على وفق ما تعلقا به، وإلا تناقض مقتضى الصفات الأزلية أو الأحوال أو الذات على الخلاف في ذلك، وإنه محال، مثاله: لو تعلق العلم والإرادة به بأن زيدا في النار، فالقدرة إن تعلقت بذلك فهو المطلوب، وإن تعلقت بخلافه تناقضت الصفات في مقتضاها ولزم النقص في [هذه الصفة] التي لا يوجد متعلقها أو الجمع بين المتعلقات المتنافية وأنه محال هذا بحث جيد فتدبره.
стр. 298
الحسنى كلها أسماء بالاصطلاح النحوي، وعلى التفسير اللغوي ليس فيها اسم إلا الله والباقي صفات: إما ثبوتية، أو سلبية، أو إضافية، أو مركبة من ذلك.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٢) [الأعراف:
١٨٢] إن قيل: استدراجهم إما إلى كمال المعصية، فتكذيبهم الآيات كفر عظيم، فلا فائدة للاستدراج، [أو إلى الإهلاك فالله- -قادر على إهلاكهم مجاهرة على كفرهم في الحال، فلا فائدة للاستدراج].
ويجاب بأن فائدته الإملاء لهم ليؤخذوا على غرة وغفلة من غير توبة؛ كما قال- : ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١٨٣) [الأعراف: ١٨٣] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٤) [الأنعام:
١٤٤] [وحينئذ يقال] للمعتزلة: أنتم توجبون رعاية الأصلح، والأصلح لهؤلاء أن يؤخذ بقلوبهم إلى الطاعة والإيمان، لا أن يستدرجوا إلى الموت على الكفر والعصيان، لكن إن كانوا لا يقولون بوجوب رعاية الأصلح مطلقا، بل بوجوبها في مقدمات التكليف وما يتوقف عليه لم يلزمهم هذا السؤال، غير أن المشهور عنهم الإطلاق حتى التزمه/ [٢٠٣/ل] بعضهم في دخول النار لأهلها، وقال: هو أصلح لهم، وقد حصل. ثم يقال:
استدراجهم إلى أخذهم على غرة وغير توبة، إما موجب لمقصوده فيلزم الجبر وعدم رعاية الأصلح، أو غير مؤثر أصلا، وهو نقص في القدرة والإرادة، وهو محال أو مرجح لمقصوده من غير إيجاب، فيلزم مقدور بين قادرين، وإعانة الله- -لهم على فعل القبيح فيستحق من الذم ونسبة الجور إليه بقدر مشاركته في ذلك، وكله محال، فدل على صحة مذهب الجبر والتفويض.
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٥) [الأعراف: ١٨٥] في هذه الجملة مسائل: الأولى: وجوب النظر على المكلفين؛ لأنه- -أنكر تركه على هؤلاء المكذبين، وذلك يقتضي وجوبه.
الثانية: أن النظر طريق إلى العلم بالمنظور فيه، وإلا لم يكن لإيجابه وإنكار تركه معنى،
стр. 299
والواقع قاطع في ذلك؛ إذ قد أدرك بالنظر علوم كثيرة.
الثالثة: أن المخلوقات بأسرها من حيث هي حكمة ومن حيث هي كل فرد فرد تدل على وجود الصانع وقدمه؛ لأن/ [٩٥ ب/م] كل فرد من أفراد المخلوقات هو إما جوهر أو عرض على رأي المتكلمين، وهو إما هيولي أو صورة أو جسم أو عقل أو نفس على رأي الفلاسفة، وعلى كل تقدير فذلك الفرد موجود فله موجد وليس موجده نفسه، وإلا لزم الدور، فهو غيره وهو إما معدوم وهو محال إذ المعدوم لا يؤثر، أو موجود، وهو إما حادث؛ فيلزم الدور أو التسلسل، أو قديم وهو المطلوب.
وهذا مستفاد من قوله- : ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] أي: كل شيء من المخلوقات يدل على صانعه هذه الدلالة، والنظر إما بالبصر وهو الرؤية أو بالقلب وهو العطف والرحمة، أو البصيرة وهو المراد هاهنا، وهو ترتيب أكثر من تصديق معلوم ترتيبا خاصا لاستعلام مجهول.
﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٨٧) [الأعراف:
١٨٧]، يحتج بها الجمهور على رأيهم المشهور: وهو أن الله- -خالق الضلال.
стр. 300
عدد أيام الأسبوع، غير أن كل يوم منها اثنان وسبعون ألف سنة، وأن المنقضي منها إلى وقت الطوفان المائي النوحي ستة أيام وقد بقي منها يوم واحد قد انقضى منه إلى عامنا هذا وهو عام «ست عشرة وسبعمائة» للهجرة ما بينه وبين الطوفان وهو نحو ثلاثة آلاف سنة تقريبا؛ فالباقي على قوله من أيام العالم نحو تسعة وستين ألف سنة، وزعم هذا القائل أن هذا أمر مبرهن، وذكر برهانه عليه في تاريخه، غير أن هذا بعيد لوجوه يستغنى عن ذكرها بأن هذا القول دهرية صغرى، فالأشبه الأول إن شاء الله، .
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٨) [الأعراف: ١٨٨] يعني أن علم الغيب من خواص الإله لا من شأن الرسل؛ إذ إنما شأنهم التبليغ، كما قال: ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
ورأيت بعض من ينسب إلى فضيلة ما يستشكل هذه الملازمة المذكورة [في الآية]، وهي الاستكثار من الخير على تقدير علم الغيب، وما ظننت أحدا يستشكل ذلك لوضوحه، فإن من علم الغيب/ [٩٦ أ/م] علم أسباب الخير فتلقاها وأسباب الشر (فتحاماها)، ألا ترى أن من مر بأرض فعلم أن بها كنزا سعى في إخراجه لينتفع به، ولو علم أن فيها نارا محرقة أو بئرا مهلكا أو ثعبانا ناهشا حاد عنها، فهذا أمر واضح لا يخفى عن ذي لب.
﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٩٠) [الأعراف: ١٩٠] [زعم بعضهم أن المراد آدم وحواء؛ كانا لا يعيش لهما ولد فقال لهما إبليس: سموه عبد الحارث وهو اسمه؛ فإنه يعيش. فسمياه، فعاش فنقم الله- عليهما ذلك، ويحتج به من يجيز الكبائر على الأنبياء؛ لأن هذا كبيرة، وقد صدر من آدم وهو نبي، ولا برهان على ثبوت هذا عن آدم سمعي ولا نظري، غير أن ظاهر الآية ونظمها يقتضيه، فالله- -أعلم].
وحمله بعض المفسرين على إشراك المشركين عموما بدليل أن في سياقه متصلا به:
﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١٩١) [الأعراف: ١٩٠ - ١٩١] وهو جمع يطابق كثرة المشركين لا تثنية آدم وحواء.
стр. 301
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ (١٩٥) [الأعراف: ١٩٥] احتج بها بعض المشبهة على إثبات الرجل واليد والعين والأذن لله- -محتجا بأن الآية دلت على أن عدم هذه الجوارح صفة نقص للأصنام تمنعها من استحقاق الإلهية فإثباتها يجب أن يكون صفة كمال لله- -مصححة لاستحقاق الإلهية عملا بموجب قيام العكس، ويجاب عنه بأن ليس معنى الآية ما فهمتم إنما معناه: أن الإنسان مع ثبوت هذه الجوارح قاصر عن رتبة الإلهية، والأصنام لفقد هذه الجوارح وغيرها/ [٢٠٥/ل] قاصرة عن رتبة الإنسان، والقاصر عن الشيء أولى بالقصور عن ذلك الشيء، أو نقول: الصنم قاصر عن رتبة الإنسان، والإنسان قاصر عن الإلهية، فالصنم قاصر عن الإلهية. وهذا أبلغ في الاستدلال، وإذا أمكن حمل الآية على هذا الوجه التنزيهي لم يجز حملها على تفسيركم التشبيهي.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٩٨) [الأعراف: ١٩٨] يحتج به المعتزلة على أن قوله- : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٢٣) [القيامة: ٢٢، ٢٣] لا يقتضي رؤية الله- وإبصاره؛ لأن الآية المذكورة تضمنت إثبات النظر المقرون بإلى مع نفي الرؤية والإبصار، فدل على أن الأول لا يلزمه الثاني.
وجوابه: أن المشار إليه في الآية هم الأصنام، كأنهم ينظرون إلى الإنسان إذا قابلهم، لكونهم مصنوعين على صورة الإنسان، و [هم] لا يبصرون إبصارا حقيقيا لكونهم جمادا، بخلاف الحي إذا نظر إلى شيء فإن إبصار ذلك الشيء يحل لا محالة عند انتفاء موانع الرؤية.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (١٩٩) [الأعراف: ١٩٩] وعيدي محكم أو منسوخ بآية السيف.
﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٠٠) [الأعراف:
٢٠٠] فيه إثبات الشيطان ونزغه وتعريضه بالإنسان في يقظته ومنامه، وإن الإنسان إذا وجد بعض ذلك يتعوذ بالله- -من الشيطان وبذكر/ [٩٦ ب/م] الله -يذهب غيّه الشيطاني ويبصر رشده الرحماني.
стр. 302
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢٠٦) [الأعراف: ٢٠٦] إشارة إلى الملائكة أو إلى الملأ الأعلى منهم.
واحتج به من رأى الملائكة أفضل من البشر؛ لأنهم وصفوا بعندية مضافة إلى الله- -دون البشر، فكانوا أشرف وأفضل.
[ويحتج به من يثبت الجهة حملا للعندية على المكانية، وحملها خصمه على العندية المكانية القربية التشريفية، والله- -أعلم بالصواب].
...
стр. 303
القول في سورة الأنفال
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) [الأنفال: ١] كانت كذلك يوم بدر، ثم نسخت بقوله- : ﴿*وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤١) [الأنفال: ٤١] على ذلك التفصيل.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) [الأنفال: ٢] هذا حصر للمؤمن الكامل لا لمطلق المؤمن؛ بدليل أن المؤمن يصدق بدون بعض هذه الصفات بدليل قوله ﷺ : «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» (١) لا يقال: إن من كان بهذه الصفة استلزم الصفات التي في الآية لأنا لا نمنع من ذلك، ولا دليل عليه.
﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٦) [٢٠٦/ل] [الأنفال: ٦] إشارة إلى كراهة ذلك من فاعله فيقتضي تحريم الجدال في الحق بعد بيانه، وذم من فعله، وأن الجدال كذلك هو المذموم، لا مطلق الجدال كما مر.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٧) [الأنفال: ١٧] يحتج به الفريقان، أما المعتزلة فبقوله- : ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] أضاف الرمي إليه، وأما الجمهور فبقوله- : ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] نفى الرمي عن النبي ﷺ ، وأثبته لنفسه، وقد حقق ذلك بعض المفسرين فقال: الرمي بالتراب أو الحجر اشتمل على قبض وإرسال، وهما من النبي صلّى الله عليه وسلّم
стр. 304
وعلى تبليغ وإصابة، وهما لله- -ف ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ باعتبار هذين ﴿إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ باعتبار الأولين، وهما عند الجمهور كسب له لا خلق.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣) [الأنفال: ٢٣] هذا ظاهره مشكل لأنه على صورة قياس مركب من شرطيتين؛ ينتج من الشكل الأول: لو علم الله فيهم خيرا لأعرضوا عن الحق، وذلك يستلزم خلاف مقتضى العلم الأزلي، وأنه محال، وأجيب عنه من وجهين: أحدهما: أن معناه: لو أسمعهم على تقدير أن لا يعلم فيهم خيرا لأعرضوا، وتقريره: أن الجملة المذكورة متضمنة قياسين استثنائيين حذف من كل واحد منهما مقدمته الاستثنائية لظهورها، أحدهما: لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، لكنه لم يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم.
والثاني: لو أسمعهم لتولوا، أي: على تقدير ألا يعلم فيهم خيرا كما دل عليه الاستثناء قبله، لو أسمعهم لتولوا لكنه لم يسمعهم، يعني الدواب البكم الصم، فلم يتصور منهم التولي والإعراض. هذا تقريره على رأي المفسرين.
الثالث: على رأي المنطقيين: أن شرط إنتاج/ [٩٧ أ/م] الشكل الأول كلية كبراه، والكبرى هاهنا وهي ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] ليست كلية إذ ليست مسورة بكلما ونحوها على ما عرف في موضعه، فلذلك لم تنتج الأشكال المذكورة.
وفي هذه الآية إشارة إلى ما قررناه في سر القدر في مقدمة هذا الكتاب، وهو أن الله- -لو فرض أعمال العصاة إليهم لما كانت إلا معصية بحسب علمه فيهم، فرجح جانب الجبر، وأجراهم على مقتضى العلم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤) [الأنفال: ٢٤] أي:
يخلق الدواعي والصوارف في القلب يحول بين المرء وإرادته، فربما أراد الإنسان بطبعه، أو عقله شيئا فيخلق فيه الصارف عنه والداعي إلى خلافه.
ومن هاهنا أخذ بعض العارفين حين سئل: بماذا عرفت ربك؟ فقال: بنقض العزائم، أي إنه يعزم على شيء فينقضه الله- -عليه بما يخلقه في قلبه من الصارف عنه، وهذا من أدلة الجمهور على المعتزلة؛ لأن فعل الإنسان إنما يتم بإرادته، وإذا حال الله- -بينه وبين إرادته امتنع مقتضاها ووجب مقتضى الصارف، مثاله لو أراد أن يصلي
стр. 305
فصرفه الله- -عن الصلاة إلى الأكل لامتنعت منه الصلاة حينئذ، ووجب الأكل، والممتنع لا يوجد سواء امتنع لذاته أو لغيره.
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] فيه إثبات المعاد.
﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢٥) [الأنفال: ٢٥] يحتمل أن المراد: اتقوا معصية لا يختص عقابها بمباشريها، بل يتعدى إلى من ترك إنكارها، فيكون فيها حجة على وجوب إنكار المنكر، وأن تارك الإنكار مع القدرة في حكم فاعل المنكر في لحوق الوعيد، كما أن الردء كالمباشر في قطاع الطريق، وسامع الغيبة أحد المغتابين، وراوي الكذب عالما به أحد الكذابين، ونحو ذلك.
ويدل على هذا التأويل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا ظهر فيكم المنكر فلم تنكروه أوشك أن يعمكم الله بعقاب من عنده» (١).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٩) [الأنفال: ٢٩] أي: هداية تفرقون بها بين الحق والباطل، وهذه أدل على هذا المطلوب من قوله- : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها﴾
стр. 306
﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٢) [البقرة: ٢٨٢] لاحتمال أن هذه اتفاقية اقترانية فقط لا لزوم فيها بين التقوى والتعليم بخلاف/ [٢٠٨/ل] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] فإنها شرطية لزومية.
وتوجيه ذلك: أن المتقي ولي الله، وولي الله- -مهدى إلى الحق، فالمتقي مهدي إلى الحق، أما الأولى فلقوله- : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢) [يونس: ٦٢] وصف الأولياء بالتقوى فالولي متق، والمتقى ولي، لأنهما متساويان، فينعكس أحدهما على الآخر لخصوص المادة، وإن كان/ [٩٧ ب/م] الموجب الكلي لا ينعكس كليا.
وأما الثانية فلقوله : ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (٢) [الطلاق: ٢] أي، من المضايق الحسية والعقلية؛ لأن اللفظ يعمهما، واشتباه الحق بالباطل من المضايق العقلية، فالمتقي يجعل له منها مخرجا بأن ينصب له علم فرقان بين الحق والباطل. وأيضا: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١١) [التغابن: ١١].
﴿* وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤١) [الأنفال: ٤١] عام خص بسلب المقتول مبارزة تغريرا فإنه لقاتله غير مخموس وما كان أن من جنس هذه الصورة.
стр. 307
والصوارف. وذلك لأن الله- -لما أراد بموجب علمه السابق هلاك الكفار ببدر ونصرة دينه ورسوله والمؤمنين-حرك قريشا على إرسال عيرهم إلى الشام مع أبي سفيان على عادتهم في التجارة، ثم حرك لأخذها النبي ﷺ وأصحابه من المدينة فأرصدوا لها على ماء بدر، فعلمت قريش، فتحركت لحفظ مالها، فجاءوا حتى التقى الجمعان بعدوتي بدر المذكورتين هاهنا.
كل ذلك بإرادة الله- -وما خلقه في قلوب الفريقين من الدواعي والصوارف، ولولا ذلك لكانوا لو تواعدوا إلى هناك لاختلفوا في الميعاد؛ ليعلم أن لا مراد لله إلا كائن، ولا كائن إلا مراد.
فإذا شغب هاهنا ذو اعتزال حكم على/ [٢٠٩/ل] عقله عنه بالانعزال.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤٣) [الأنفال: ٤٣] قيل: المنام هاهنا محل النوم وهو العين والرؤية، لذلك كانت يقظة، وقيل: المنام على ظاهره في أنه خلاف اليقظة فكان ذلك رؤيا لا رؤية. لكن رؤيا النبي ﷺ حق ووحي، فعلى كلا التقديرين يستدل بالآية على أن لله- -أن يظهر الأشياء على خلاف حقائقها في نفس الأمر لحكمة، كما أظهر هاهنا قلة الكفار، وهم في نفس الأمر كثيرون لئلا يفشل ويتنازع المؤمنون. ثم لا يعد ذلك منه خطأ ولا كذبا ولا جهلا، ولا يعد بالكلية نقصا، بل يعد حكمة وحكما، ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ (٨٩) [الأعراف: ٨٩].
стр. 308
عز وجل-والجميع ممكن مقدور.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤٨) [الأنفال: ٤٨]، جاء في التفسير: أن إبليس تراءى لكفار قريش/ [٩٨ أ/م] على صورة سراقة بن مالك بن جعشم؛ فغرهم بغروره حتى شركوه في ثبوره، ففي ذلك دليل على أن الشياطين تظهر لبعض الإنس، وتتصور بما شاءت من الصور، وشواهده كثيرة، والكل ممكن مقدور.
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٣) [الأنفال: ٦٣]، اعلم أن الحق لما كان هو الواحد بالحقيقة والوحدة من خواصه-كانت قوته وبطشه في وحدته فلا يحتاج إلى تكثير من قلة، ولا تقوية من ضعف، والخلق لما كان التعدد والكثرة والتركيب من لوازمهم-كانت قوتهم في اجتماعهم وكثرتهم، وشرط اجتماعهم اتفاقهم، واتفاقهم إنما يكون بميل القلوب بعضها إلى بعض، وقد سبق الله- -هو المتصرف في القلوب بخلق الدواعي والصوارف، وأنه يحول بين المرء وقلبه، فكان أمر الله تأليف القلوب وتفريقها إليه- -لا إلى غيره، ثم خلق دواعي الميل والألفة قد يكون مجردا عن سبب/ [٢١٠/ل]، وقد يكون مبنيا على سبب، إما (صالح كالإسلام) وظهور المعجزات في تأليف قلوب الصحابة ونحوهم من أتباع الرسل، أو فاسد كأكل الحرام ونحوه في تأليف قطاع الطريق ونحوهم من المفسدين.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤) [الأنفال: ٦٤] قيل:
معناه يكفيك ويكفي من اتبعك، فمن عطف على الكاف في ﴿حَسْبُكَ﴾ [الأنفال: ٦٤] محلا. وقيل: هي عطف على الله، أي: ويكفيك المتبعون من المؤمنين؛ بدليل ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] فالكفاية هاهنا مضافة إلى الله- -خلقا، وإلى المؤمنين سعيا وكسبا على رأي الجمهور.
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] نسخت بما بعدها
стр. 309
إحداهما: نسخ الحكم إلى أخف منه؛ لأن ثبوت الواحد لاثنين أخف من ثبوته لعشرة، ويجوز أيضا إلى الأثقل والمساوي.
الثانية: قوله- : ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ [الأنفال: ٦٦] احتج بها هشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة على حدوث علم الله- -وأنه لا يعلم شيئا حتى يكون؛ استدلالا بقوله: ﴿خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ [الأنفال: ٦٦] عطف العلم على التخفيف ثم التخفيف حادث لتقييده بالآن، فكذا ما عطف عليه.
وجوابه: أن المعطوف إنما يشارك المعطوف عليه وجوبا في الإعراب ونحوه؛ أما في الأحكام العقلية فلا، وإنما معنى الآية: الآن خفف الله عنكم، وقد علم-أي في الأزل- أن فيكم الآن ضعفا عما كلفتموه فخففه/ [٩٨ ب/م] عنكم بالنسخ. غاية ما يلزم منه استعمال الفعل الماضي في موضع الحال بدون قد، وهو مذهب الكوفيين خلافا للبصريين، وشاهده: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ (٩٠) [النساء: ٩٠] مع شواهد أخر في كلام العرب. وعلى رأي البصريين] تكون قد مقدرة، ولعل هشاما بنى ذلك على جواز قيام الحادث بذات الله- -أو على أنه يعلم بعلم حادث لا في محل كالإرادة عنده وعند أصحابه، وكلا الأمرين فاسد، وتأسيس بنيان جوار على شفا جرف هار.
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٧) [الأنفال: ٦٧] يحتج بهما على أمرين:
أحدهما: أن الأنبياء/ [٢١١/ل] يجوز منهم الصغائر. الثاني: وقوع الخطأ منهم في الاجتهاد. ثم ينبهون عليه، وقد سبق هذا في سورة النساء.
والحق أن الأنبياء-﵈-معصومون مطلقا، وما عوتبوا عليه، فإنما هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو نحو ذلك والله- -أعلم بالصواب.
...
стр. 310
القول في سورة براءة
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) [التوبة: ٦] يحتج به الصوفية، وقد سبق القول فيه.
﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١١) [التوبة: ١١] يحتج به من رأى تكفير تارك الصلاة تكاسلا، وهو مذهب أحمد، وتقريره أنه علق كونهم إخواننا في الدين على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بحرف إن، والمعلق بها عدم عند عدم ما علق عليه عملا بموجب مفهوم الشرط، فكونهم إخواننا في الدين منتف عند انتفاء إقامتهم الصلاة، وذلك يقتضي كفرهم؛ لأن المؤمنين إخواننا وهؤلاء ليسوا إخواننا، فهؤلاء ليسوا مؤمنين، وأكد ذلك قوله ﷺ : «بين العبد والكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر» حديث صحيح؛ ولأنه ركن يدخل في الإسلام بفعله فخرج منه بتركه كالشهادتين.
واعترض عليه بأن الآية في الكفار الأصليين ونحوهم بعلة الكفر، وترك الصلاة وغيرها من أعمال الكفار، فلا يلزم مثله في غيرهم.
وعن الحديث بحمله على التغليظ أو كفر النعمة، بدليل قوله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» (٢) ونحوه من العمومات المانعة من تكفير تارك الصلاة.
وعن القياس: بأنا لا نسلم دخوله في الإسلام بفعل الصلاة، سلمناه لكن لا نسلم أن كفره بترك الشهادتين معلل بأنه يدخل في الإسلام بهما، بل لأن امتناعه منهما دل على كفر باطن؛ فحكم بكفره لذلك.
وقد نقل عن أحمد أنه رجع عن هذا القول إلى موافقة باقي الأئمة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ﴾
стр. 311
﴿عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٨) / [٩٩ أ/م] [التوبة: ٢٨] فيه أن شعائر الله- -يجب تعظيمها، ولا يتسامح فيها بجعل يؤخذ من الكفار، وقد جرت عادة اليهود ببيت المقدس أن يدخلوا المسجد فيصلون إلى قبة/ [٢١٢ ل] الصخرة آمنين يرفعون أصواتهم بكتابهم يجعل يبذلونه لولي الأمر، وهذه الآية نص أو كالنص في منع ذلك.
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣٠) [التوبة: ٣٠]، اليهود فهاهنا طائفة مخصوصة منهم يقال لهم: العنابة فيما أقول، وليس ذلك قولا لجميعهم، وإنما زعموا ذلك في عزير؛ لأن بخت نصر لما أحرق التوراة أملاها عزير من حفظه، فقالوا: ما حفظها إلا وهو ابن الله، تعالى الله عن قولهم.
ويحكى عن ابن كمونة شارح التلويحات السهروردية أنه مر على قارئ يقرأ ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٠] فقال والله، ما قالت اليهود هذا، فتبعه من سمعه من المسلمين ليقتلوه، فأعجزهم وتحصن منهم.
وهذا جهل منه من وجهين:
أحدهما: حمل اللام في اليهود على الاستغراق، وإنما هي للعهد كما قلنا.
الثاني: جهله بمقالات أهل دينه وفرقهم، ولو عرف أن ذلك مقالة طائفة من اليهود لما أنكر.
وأما النصارى فقد سبق القول معهم غير مرة ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣١) [التوبة: ٣١] أما المسيح فاتخذوه ربا معبودا بالحقيقة، وأما الأحبار لليهود والرهبان للنصارى؛ فإنما اتخذوهم أربابا مجازا، لأنهم أمروهم بتكذيب محمد ﷺ وإنكار رسالته، فأطاعوهم، وغير ذلك مما أطاعوهم فيه، فصاروا كالأرباب لهم بجامع الطاعة.
والنصارى يزعمون أن المسيح قال لتلاميذه عند صعوده عنهم ما حللتموه فهو محلول في السماء، وما ربطتموه فهو مربوط في السماء فمن ثم إذا أذنب أحدهم ذنبا جاء
стр. 312
بالقربان إلى البترك أو الراهب، وقال. يا أبونا، اغفر لي: بناء على أن خلافة المسيح مستمرة فيهم، وأنهم أهل الحل والعقد في السماء والأرض، على ما نقلوه عن المسيح، وهو من ابتداعاتهم في الدين ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣١) [التوبة: ٣١] بدليل قول المسيح: ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٧٢) [المائدة: ٧٢].
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣٣) [التوبة: ٣٣] أي على جميع الأديان والملل بالحجة والسيف حيث انتهى حكمه. وتأول/ [٢١٣/ل] عمر بن الخطاب-﵁-هذه الآية في موت النبي ﷺ وقال: إن رسول الله لم يمت ولن يموت حتى يظهر الله على الدين كله، كما وعده، وكان تأويلها إظهار أمته بدينه على الأمم والأديان/ [٩٩ ب/م] لأن الكلمة والدعوة له ﷺ والأمة بسيفه يضربون وببركته ينتصرون، فقد تحقق وعد الله- -له ولو كره الكافرون.
﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠].
احتج به أهل السّنّة على فضل أبي بكر-﵁-من وجوه:
أحدها: النص على ثبوت صحبته حتى قال بعض العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر؛ لتكذيبه النص المتواتر القاطع بإثباتها، بخلاف من أنكر صحبة غيره لعدم ذلك، وفيه نظر؛ لأن غيره كعمر وعثمان وعلي وباقي العشرة ثبتت صحبتهم بالتواتر، وهو قاطع أيضا فإنكار مدلوله كفر.
الوجه الثاني: قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] فكان له في هذه المعية اختصاص لم يشاركه فيها صحابي. وقد يقال بأن هذا التشريف حصل لجميع الصحابة
стр. 313
بقوله- : ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٥) [محمد: ٣٥] غير أن لقائل أن يقول: معية أبي بكر [رضوان الله عنه] أخص من هذه، فيمتاز بها.
الوجه الثالث: ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] قالوا: فيه إشارة إلى شيئين:
أحدهما: أنه ثانيه من بعده في الإمرة.
الثاني: أن اسمه لم يفارق اسمه؛ إذ كان يقال له: خليفة رسول الله، حتى توفي، فقيل لمن بعده-وهو عمر-﵁: أمير المؤمنين، وانقطعت خصيصة ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠].
الوجه الرابع: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠] قال بعضهم: الضمير في (عليه) لأبي بكر، لأن النبي ﷺ لم تفارقه السكينة أبدا حتى يحتاج إلى نزولها عليه، وإنما أنزلت على أبي بكر-﵁-وهو ضعيف، أما أولا فلقوله- :
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٢٦) [الفتح: ٢٦] فقد أنزلت عليه ﷺ السكينة مع ما ذكروه من عدم مفارقتها له، ولا امتناع من أن يزاد سكينة على سكينة، ونورا على نور، وأما ثانيا:
فلأن ذلك يقتضي أن الضمير في ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة: ٤٠] لأبي بكر أيضا، وهو خلاف الظاهر/ [٢١٤/ل] بل القاطع، ولا أظن أحدا قال بذلك.
أما الشيعة فطعنوا على أبي بكر-﵁-من الآية بوجه واحد، وهو قوله:
﴿لا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: ٤٠] دل على أنه حزن لأجل طلب الكفار لهما مع أنه رسول الله ﷺ بعين الله تحت رعاية الله، وقد سمع النبي ﷺ يخبر بأنه سيظهر على أعدائه ويظهر دينه على جميع الأديان؛ فحزن أبي بكر والحالة هذه، إما شك في هذا الخبر، أو ضعف منه وخور.
قالوا: وإنما الشجاع المؤمن واللبيب الموقن علي بن أبي طالب-﵁ حيث كان حينئذ نائما على فراش النبي ﷺ / [١٠٠ أ/م] معرضا نفسه من أيدي الكفار لشرب كؤوس الحمام، فما شك وما خار، ولا تبلد ذهنه ولا حار.
وأجاب أهل السّنّة بأن حزن أبي بكر-﵁-لم يكن ضعفا ولا شكا، وإنما
стр. 314
كان رقة غالبة وشفقة على النبي ﷺ ، ولو كان ذلك عن شك أو ضعف لكان أولى ما صدر منه يوم بدر حين قال النبي ﷺ : «اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد» (١) وأبو بكر آخذ بردائه يقول: كفاك مناشدتك ربك، إن الله سينجز لك ما وعدك. وهذا غاية الشجاعة، والإيمان ثبوت الجنان عند قراع الأقران.
﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ (٤٣) [التوبة: ٤٣] يحتج بها على أمرين:
أحدهما: كرامة النبي ﷺ على ربه؛ حيث بدأه بالعفو قبل العتاب. وقيل: لولا ذلك لتقطع قبله ﷺ فرقا وخشية من الله- .
الثاني: الخطأ في الاجتهاد حيث أذن لهم في التخلف عن الغزو في غير موضع الإذن، بدليل أنه عوتب عليه؛ وجوابه ما سبق في آخر الأنفال.
﴿* وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٤٦) [التوبة: ٤٦] فيه مسائل:
الأولى: إثبات الكراهة صفة لله- -ثم هل هي ذاتية أو فعلية؟ فيه خلاف، ويحتمل أن كراهته للشيء عبارة عن سلب إرادته له، أو عن إرادة/ [٢١٥/ل] سلبه.
الثانية: أن تثبيط هؤلاء هو تحليل عزائمهم بما يخل [ق: في قلوبهم] من دواعي القعود والصوارف عن الخروج، ثم إن تثبيطه لا بد وأن يكون مؤثرا، إما وحده فيكون حجة للمجبرة، أو مع فعل العبد كما يقوله المعتزلة؛ فيلزم المقدور بين قادرين واستحقاق جزء من التجويز، بحسب للتثبيط من التأثير وهما باطلان، وقد سبق تقرير هذا في آخر الأعراف.
الثالثة: ﴿وَقِيلَ اُقْعُدُوا﴾ [التوبة: ٤٦] ظاهره التناقض مع قوله لهم ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ [التوبة: ٤١] وجوابه: أن قوله ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ [التوبة: ٤١] بلسان التكليف، و ﴿وَقِيلَ اُقْعُدُوا﴾ [التوبة: ٤٦] بلسان التقدير والتكوين؛ فلا تناقض.
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥١) [التوبة: ٥١] هذا أصل في التفويض والتسليم لتقدير العزيز العليم،
стр. 315
وهو عام في مصائب الدنيا والدين غير أن ما لا كسب للعبد فيه، كالمرض والموت-لا لائمة عليه فيه، وما له فيه كسب كالمعاصي تلحقه فيه اللائمة باعتبار كسبه على ما عرف من رأى الكسبية والمجبرة.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٦٦) [التوبة: ٦٥ - ٦٦] قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] يحتمل أنه إخبار عن كفرهم بأسباب معروفة، ويحتمل أنه إنشاء للحكم بكفرهم عقب استهزائهم/ [١٠٠ ب/م] فيحتج به على أن من استهزأ بالله أو رسول من رسله أو بشيء من كتبه المنزلة-كافر، ولا نعلم فيه خلافا.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٧٧) [التوبة: ٧٧] فيها إشارة إلى أن الكذب وخلف الوعد الحرام يعقب النفاق؛ [لأن هؤلاء عقبوا النفاق] بخلف الوعد والكذب، ويشهد له قوله ﷺ : «أربع من كن فيه فهو منافق، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق: من إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» وانظر إلى هذه المناسبة، وهي أن الأربع المذكورة فيها معنى النفاق من مخالفة الظاهر للباطن، وهو ظاهر في الثلاث الأول، وأما الرابعة فلأن الإنسان في حال/ [٢١٦/ل] اعتداله وعدم الخصومة يعتقد فيه تقوى وعفاف واقتصاد باطن، فإذا فجر في خصومته تبين ظاهره مخالفا لما اعتقد في باطنه.
﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] يستدل به على أن الجملة الشرطية خبرية يلحقها الصدق والكذب؛ لأن كذبهم وإخلافهم إنما هو في قوله: ﴿*وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٧٥) [التوبة: ٧٥] وهي قضية شرطية، وقد سمى تركهم مضمونها إخلافا وكذبا، وذلك من خواص الخبر فدل على ما قلناه.
стр. 316
﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] يحتج به على رؤية الله- -وقد سبق نظائره.
﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٨٠) [التوبة: ٨٠].
هذا ونحوه من المقادير العددية نحو ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٤) [يوسف: ٤].
و﴿*وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٢) [المائدة: ١٢].
و﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (٢٣) [ص: ٢٣].
و﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤) [النور: ٤] يتضمن من حيث هو مفهوما عدديا، وهو انتفاء الخبر أو الحكم عما زاد عليه أو نقص على خلاف في هذا المفهوم، أما هذا الموضع بعينه فلم يرد به المفهوم؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت» (١)، وإنما خرج مخرج المبالغة والتكثير؛ لأن العرب لهجت بالسبعين كثيرا حتى تداولوها في معرض التكثير.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٨١) [التوبة: ٨١] فيه إشارة إلى فقه العباد والمجتهدين والمجاهدين أنفسهم في ذات الله- -المتجشمين متاعب الدنيا خوفا من متاعب الآخرة. وذلك مستفاد من قياس العكس؛
стр. 317
لأنه جعل من عرض نفسه لنار الآخرة بالسلامة من حر الدنيا لا يفقه، فاقتضى أن عكسه وهو من صبر على حر الدنيا في الطاعة خوفا من حر الآخرة فقيه، وهو كذلك.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٢) [التوبة: ٨٢] / [١٠١ أ/م] احتج بها الفريقان أما المعتزلة؛ فلأنه جعل بكاءهم بعلة من جهتهم، وهي أفعالهم، فدل على أنهم خالقوها وموجدوها.
وأما الجمهور/ [٢١٧/ل] فقالوا: هو جزاء على كسبهم كما صرح به في الآية، ولا يلزم من الكسب الخلق.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ (٨٣) [التوبة: ٨٣] أي لعلة رضاكم بالقعود، فيحتج به وبأمثاله نحو: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٤٣) [النمل: ٤٣] و: «إنها من الطوافين» (١) على أن «إن» تفيد التعليل.
﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (٨٥) [التوبة: ٨٥] دلت على أن المال والولد عذاب في الدنيا على خلاف ما في ظن الناس أنها نعمة وراحة، ثم يستفاد من هذه، ومن قوله- : ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (٤٦) [الكهف: ٤٦] أن زينة الدنيا عذاب وينتظم القياس هكذا: المال والبنون زينة الدنيا والمال والولد عذاب. أو: ليس براحة في الدنيا ينتج أن زينة الدنيا عذاب. أو: ليس براحة في الدنيا.
ولقائل أن يقول: العذاب إنما هو سياسة المال، وأما الانتفاع به فهو نعيم لا عذاب، والتقدير حينئذ: إنما يريد الله أن يعذبهم بسياستها وحفظها في الدنيا، وحينئذ لا ينتج
стр. 318
القياس؛ إذ يبقى هكذا: المال والولد زينة، وسياسة المال والولد عذاب، فلا يتحد الأوسط فلا ينتج.
﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) [التوبة: ١٠٠] والأخرى السابقة: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨٨) [التوبة: ٨٨] احتج بها الجمهور على فضل الصحابة-﵃-وأنهم مرضي عنهم، ومن أهل الجنة لتصريحها بذلك وعمومها فيهم.
واعترض الشيعة [أبعدهم الله] بأن عمومها مخصوص بمن عادى أهل البيت وخالف الإمام المنصوص عليه منهم، وأجيب بأن أحدا من الصحابة لم يعاد أهل البيت ولا خالف إماما منصوصا عليه منهم.
﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) [التوبة: ١٠٥] فيه إشارة إلى معنى قوله- : ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٣) [البقرة: ١٤٣] وإلى معنى قوله ﷺ :
«أنتم شهداء الله في الأرض» (١).
﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) [التوبة: ١٠٥] فيه إثبات المعاد.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
стр. 319
(١٠٦) [التوبة: ١٠٦] التردد هاهنا بالنسبة إلى السامعين، أي: لا تدرون أي الأمرين يفعل بهم، أما المتكلم فلا يلحقه التردد في شيء، ولا يخفى عليه شيء، وهذه/ [١٠١ ب/م] ترجع إلى صفة العلم.
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١١٣) [التوبة: ١١٣] إلى ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١١٤) [التوبة: ١١٤] فيه احتراز المتكلم في كلامه عما يرد عليه في حكاية أو تعليل أو نظم أو قياس، وإجابته عن سؤال يتوقع وروده، وبيانه أنه -لما نهى النبي والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين قدر أن قائلا قال: فهذا إبراهيم استغفر لأبيه المشرك بقوله: ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦) [الشعراء:
٨٦] أفلا نتأسى به؟ ويقال: إن هذا وقع من بعض الناس، فأجاب الله- -عنه بأن ذاك كان لأن أباه وعده أن يؤمن، فلما أصر على كفره تبرأ منه وترك استغفاره له، وقد يقال: إن إبراهيم لم يرد باستغفاره لأبيه حقيقة الاستغفار، إنما دعا له بما هو لازم المغفرة، وهو الإيمان، كأنه قال: اهد أبي ليصير أهلا للمغفرة، يدل على هذا قوله:
﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦) [الشعراء: ٨٦] فلما علل بضلاله دل على أنه إنما دعا له بضد الضلال، وهو الهدى والإيمان.
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١١٥) [التوبة: ١١٥] احتج بها الفريقان، أما الجمهور فلأنه- -أسند الإضلال والهداية إلى نفسه.
وأما المعتزلة فلأنه أخبر أن حجته قائمة عليهم بأنه بين لهم ما يتقون، فخالفوا ولم يتقوا، وقد عرف الجواب. وهذا من المتشابه في أحكام الأفعال.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ (١١٩) [التوبة: ١١٩] يقال:
إن أبا بكر-﵁-يوم السقيفة لما طلبت الأنصار الإمرة استدل عليهم بهذه الآية. وتقريره: إننا نحن الصادقون وقد أمرتم أن تكونوا مع الصادقين، فأنتم أمرتم أن تكونوا معنا؛ فتكونون تبعا لنا.
стр. 320
أما الأولى/ [٢١٩/ل] فلقوله في سورة الحشر في صفة المهاجرين:
﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨) [الحشر: ٨].
وأما الثانية/فلهذه الآية.
واعترض على هذا الاستدلال بوجوه: أحدها: لا نسلم أن الصدق وصف خاص بالمهاجرين، بل هو وصف عام للصحابة وغيرهم من أهل التقوى: إذ كل متق صادق، لقوله- : ﴿*لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فذكر خصال التقوى، ثم قال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال- : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢٣) [الأحزاب:
٢٣] وكان أكثرهم من الأنصار يوم أحد.
الوجه الثاني: أن المأمور بالكون مع الصادقين هم عموم الذين آمنوا من المهاجرين والأنصار، فلو صح الاستدلال المذكور للزم إما اختصاص الأنصار بالإيمان دون المهاجرين أو أمر المهاجرين بأن يكونوا مع أنفسهم، وكلاهما محال.
والوجه الثالث: / [١٠٢ أ/م] لا نسلم أن الكون مع الصادقين يقتضي متبوعيتهم، ولا تبعية الكائن معهم، بل هما سواء.
﴿* وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١٢٢) [التوبة:
١٢٢] يحتج بها على أمور أحدها: قبول خبر الواحد؛ لأن الطائفة تصدق على الواحد، وقد جعل منذرا، ووجب الحذر بإخباره، ولولا قبول خبره لما كان كذلك.
واعترض عليه: بأنا لا نسلم بأن الطائفة تصدق على الواحد، سلمناه لكنها تصدق
следующие страницы →