Полный текст (691 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] يحتج به على رؤية الله- -وقد سبق نظائره.
﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٨٠) [التوبة: ٨٠].
هذا ونحوه من المقادير العددية نحو ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٤) [يوسف: ٤].
و﴿*وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٢) [المائدة: ١٢].
و﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (٢٣) [ص: ٢٣].
و﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤) [النور: ٤] يتضمن من حيث هو مفهوما عدديا، وهو انتفاء الخبر أو الحكم عما زاد عليه أو نقص على خلاف في هذا المفهوم، أما هذا الموضع بعينه فلم يرد به المفهوم؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت» (١)، وإنما خرج مخرج المبالغة والتكثير؛ لأن العرب لهجت بالسبعين كثيرا حتى تداولوها في معرض التكثير.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٨١) [التوبة: ٨١] فيه إشارة إلى فقه العباد والمجتهدين والمجاهدين أنفسهم في ذات الله- -المتجشمين متاعب الدنيا خوفا من متاعب الآخرة. وذلك مستفاد من قياس العكس؛
стр. 317
لأنه جعل من عرض نفسه لنار الآخرة بالسلامة من حر الدنيا لا يفقه، فاقتضى أن عكسه وهو من صبر على حر الدنيا في الطاعة خوفا من حر الآخرة فقيه، وهو كذلك.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٢) [التوبة: ٨٢] / [١٠١ أ/م] احتج بها الفريقان أما المعتزلة؛ فلأنه جعل بكاءهم بعلة من جهتهم، وهي أفعالهم، فدل على أنهم خالقوها وموجدوها.
وأما الجمهور/ [٢١٧/ل] فقالوا: هو جزاء على كسبهم كما صرح به في الآية، ولا يلزم من الكسب الخلق.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ (٨٣) [التوبة: ٨٣] أي لعلة رضاكم بالقعود، فيحتج به وبأمثاله نحو: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٤٣) [النمل: ٤٣] و: «إنها من الطوافين» (١) على أن «إن» تفيد التعليل.
﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (٨٥) [التوبة: ٨٥] دلت على أن المال والولد عذاب في الدنيا على خلاف ما في ظن الناس أنها نعمة وراحة، ثم يستفاد من هذه، ومن قوله- : ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (٤٦) [الكهف: ٤٦] أن زينة الدنيا عذاب وينتظم القياس هكذا: المال والبنون زينة الدنيا والمال والولد عذاب. أو: ليس براحة في الدنيا ينتج أن زينة الدنيا عذاب. أو: ليس براحة في الدنيا.
ولقائل أن يقول: العذاب إنما هو سياسة المال، وأما الانتفاع به فهو نعيم لا عذاب، والتقدير حينئذ: إنما يريد الله أن يعذبهم بسياستها وحفظها في الدنيا، وحينئذ لا ينتج
стр. 318
القياس؛ إذ يبقى هكذا: المال والولد زينة، وسياسة المال والولد عذاب، فلا يتحد الأوسط فلا ينتج.
﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) [التوبة: ١٠٠] والأخرى السابقة: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨٨) [التوبة: ٨٨] احتج بها الجمهور على فضل الصحابة-﵃-وأنهم مرضي عنهم، ومن أهل الجنة لتصريحها بذلك وعمومها فيهم.
واعترض الشيعة [أبعدهم الله] بأن عمومها مخصوص بمن عادى أهل البيت وخالف الإمام المنصوص عليه منهم، وأجيب بأن أحدا من الصحابة لم يعاد أهل البيت ولا خالف إماما منصوصا عليه منهم.
﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) [التوبة: ١٠٥] فيه إشارة إلى معنى قوله- : ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٣) [البقرة: ١٤٣] وإلى معنى قوله ﷺ :
«أنتم شهداء الله في الأرض» (١).
﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) [التوبة: ١٠٥] فيه إثبات المعاد.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
стр. 319
(١٠٦) [التوبة: ١٠٦] التردد هاهنا بالنسبة إلى السامعين، أي: لا تدرون أي الأمرين يفعل بهم، أما المتكلم فلا يلحقه التردد في شيء، ولا يخفى عليه شيء، وهذه/ [١٠١ ب/م] ترجع إلى صفة العلم.
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١١٣) [التوبة: ١١٣] إلى ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١١٤) [التوبة: ١١٤] فيه احتراز المتكلم في كلامه عما يرد عليه في حكاية أو تعليل أو نظم أو قياس، وإجابته عن سؤال يتوقع وروده، وبيانه أنه -لما نهى النبي والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين قدر أن قائلا قال: فهذا إبراهيم استغفر لأبيه المشرك بقوله: ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦) [الشعراء:
٨٦] أفلا نتأسى به؟ ويقال: إن هذا وقع من بعض الناس، فأجاب الله- -عنه بأن ذاك كان لأن أباه وعده أن يؤمن، فلما أصر على كفره تبرأ منه وترك استغفاره له، وقد يقال: إن إبراهيم لم يرد باستغفاره لأبيه حقيقة الاستغفار، إنما دعا له بما هو لازم المغفرة، وهو الإيمان، كأنه قال: اهد أبي ليصير أهلا للمغفرة، يدل على هذا قوله:
﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦) [الشعراء: ٨٦] فلما علل بضلاله دل على أنه إنما دعا له بضد الضلال، وهو الهدى والإيمان.
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١١٥) [التوبة: ١١٥] احتج بها الفريقان، أما الجمهور فلأنه- -أسند الإضلال والهداية إلى نفسه.
وأما المعتزلة فلأنه أخبر أن حجته قائمة عليهم بأنه بين لهم ما يتقون، فخالفوا ولم يتقوا، وقد عرف الجواب. وهذا من المتشابه في أحكام الأفعال.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ (١١٩) [التوبة: ١١٩] يقال:
إن أبا بكر-﵁-يوم السقيفة لما طلبت الأنصار الإمرة استدل عليهم بهذه الآية. وتقريره: إننا نحن الصادقون وقد أمرتم أن تكونوا مع الصادقين، فأنتم أمرتم أن تكونوا معنا؛ فتكونون تبعا لنا.
стр. 320
أما الأولى/ [٢١٩/ل] فلقوله في سورة الحشر في صفة المهاجرين:
﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨) [الحشر: ٨].
وأما الثانية/فلهذه الآية.
واعترض على هذا الاستدلال بوجوه: أحدها: لا نسلم أن الصدق وصف خاص بالمهاجرين، بل هو وصف عام للصحابة وغيرهم من أهل التقوى: إذ كل متق صادق، لقوله- : ﴿*لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فذكر خصال التقوى، ثم قال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال- : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢٣) [الأحزاب:
٢٣] وكان أكثرهم من الأنصار يوم أحد.
الوجه الثاني: أن المأمور بالكون مع الصادقين هم عموم الذين آمنوا من المهاجرين والأنصار، فلو صح الاستدلال المذكور للزم إما اختصاص الأنصار بالإيمان دون المهاجرين أو أمر المهاجرين بأن يكونوا مع أنفسهم، وكلاهما محال.
والوجه الثالث: / [١٠٢ أ/م] لا نسلم أن الكون مع الصادقين يقتضي متبوعيتهم، ولا تبعية الكائن معهم، بل هما سواء.
﴿* وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١٢٢) [التوبة:
١٢٢] يحتج بها على أمور أحدها: قبول خبر الواحد؛ لأن الطائفة تصدق على الواحد، وقد جعل منذرا، ووجب الحذر بإخباره، ولولا قبول خبره لما كان كذلك.
واعترض عليه: بأنا لا نسلم بأن الطائفة تصدق على الواحد، سلمناه لكنها تصدق
стр. 321
عليه وعلى غيره، إما بالاشتراك أو التواطؤ أو الحقيقة والمجاز، فيكون مجملا دلالة له، ثم إنذاره وتحذيره يحتمل أنه إنما يقبل بقرينة، فلا يستقل وحده بوجوب القبول.
الأمر الثاني: صحة فرض الكفاية: وهو إيجاب الفعل على جميع المكلفين مع سقوطه بفعل بعضهم. وتقريره من الآية: أنه خص المؤمنين على نفير طائفة منهم للتفقه في الدين، وذلك يقتضي تكليف جميعهم بما يكفى فيه فعل طائفة منهم، وهو المطلوب.
الأمر الثالث: أن التفقه في الدين فرض كفاية، وهو واضح من الآية.
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١٢٤) [التوبة: ١٢٤] هذه ونظائرها تدل على أن الإيمان يقبل الزيادة والنقصان؛ خلافا لقوم، وأصل الخلاف أن حقيقة الإيمان ما هي؟ إن قيل: هو التصديق المجرد لم يقبلهما؛ إذ لا تفاوت في التصديق الجازم، وإن قيل: هو التصديق مع العمل قولا وفعلا-قبلهما؛ لأن القول والعمل/ [٢٢٠/ل] جزء الإيمان وهما يقبلان الزيادة والنقصان، فجزء الإيمان يقبلهما، فالإيمان يقبلهما.
ثم يعترض على المذهب الأول بأن الإيمان هو التصديق الاعتقادي لا العلمي، والاعتقادي يقبل التفاوت قوة وضعفا، وبحسب قبوله للتشكيك وعدمه. سلمنا أن الإيمان هو التصديق العلمي. لكن قد سبق في قصة إبراهيم-﵇-وسؤاله أن يرى إحياء الموتى أن العلم على أضرب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وهذه مراتب متفاوته في القوة والضعف والزيادة والنقص.
وقول المتكلمين: إن العلم لا يقبل التفاوت إنما يريدون به العلم النظري، أما باعتبار مراتبه المذكورة فيقبله.
﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٢٦) [التوبة: ١٢٦] فيه إشارة إلى أن الفتن والبلايا والمحن قد تكون زواجر وروادع وتنبيهات للإنسان على ترك ذنبه والإقبال على ربه- -فمن وفق فعل.
стр. 322
القرآن، والإجابة لداعي الإيمان.
وهو حجة الجمهور على خلق الأفعال بواسطة خلق الدواعي والصوارف.
قالت المعتزلة: إنه لم يصرف قلوبهم إلا بعد أن انصرفوا بأنفسهم، فكان صرف قلوبهم عقوبة على انصرافهم الاختياري.
وأجيب بأن انصرافهم مكسوب لهم، وصرف قلوبهم مخلوق لله- -على ما عرف.
﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢٨) [التوبة: ١٢٨] الآيتين تضمنتا التوحيد والنبوة، أعني رسالة محمد ﷺ وبرهانهما، سيأتي إن شاء الله- -مع ما مضى به.
...
стр. 323
القول في سورة يونس
﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (٢) [يونس: ٢] الإنذار عام، والبشارة خاص.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤) [يونس: ٤] فيه إثبات المعاد.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤) [يونس: ٤] علل إعادة الخلق بمجازاتهم، فدل على جواز تعليل أفعاله بالحكم كما سبق، وكذلك ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥) [يونس: ٥] يدل على التعليل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٩) [يونس: ٩] الباء علية أو عوضية عند المعتزلة، سببية عند الجمهور. / [٢٢١/ل].
﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٦) [يونس: ١٦] هذا من أدلة النبوة، وتقريره: إني قد عشت فيكم عمرا قبل دعواي النبوة، فلو كنت مدعيا متقولا للقرآن من عندي مختلقا له لفعلت ذلك من أول وقت، واللازم باطل، فالملزوم كذلك، وذلك يدل على أنني إنما أتبع ما يوحى إليّ في زمن بتخصيص الله- .
стр. 324
على فعل الله- -والماكر عليه، ومنه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (٥٤) [آل عمران: ٥٤] واشترط بعضهم لذلك أن يقابل بمكر الغير نحو:
﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٠) [النمل: ٥٠] وفيه نظر؛ بدليل قوله- : ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ولم يقابله مكر غيره.
والمكر والاستدراج متقاربان أو مستويان؛ لاشتراكهما في تحصيل المقصود بطريق خفي لطيف.
﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] يعني الحفظة، وقد سبق ذكرهم في الأنعام.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٢٢) [يونس: ٢٢] يحتج به الجمهور؛ لأنه أضاف التسيير إليه مع أنه ظاهرا من الخلق، فدل على أنه يسيرهم خلقا وهم يسيرون كسبا، وتسييره لهم بخلق التسيير والحركات منهم أو بخلق الدواعي والصوارف، أو بكلا الأمرين.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٢٢) [يونس: ٢٢] فيه دليل التوحيد، كما سبق في الأنعام.
﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢٥) / [١٠٣ أ/م] [يونس: ٢٥] هذا من القواصم للمعتزلة؛ لأنه دعاء عاما وهدى خاصا لمن شاء؛ فدل على أن الهدى بفضله والضلال بقدره، كل ذلك مستند إلى سابق علمه.
﴿* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٦) [يونس: ٢٦] ذكر أهل التفسير أن الزيادة هي رؤية الله- -وهذا وإن يكن قاطعا، لكنه يؤكد أدلة الرؤية.
стр. 325
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) [يونس: ٣١] تضمنت دليل التوحيد من وجوه:
أحدها: أن الله- -هو الرازق من السماوات والأرض بالمطر والنبات، وكل من كان كذلك فهو الإله الحق.
الثاني: أنه- -هو الذي يملك السمع والأبصار وكل من ملك السمع والأبصار هو الإله الحق، ومعناه يتصرف في السمع والبصر فلا يدركان شيئا من مدركاتهما إلا بإذنه وإرادته، وتعلق به الاتحادية؛ قالوا: لم يملك ذلك إلا وهو سار في الأجسام/ [٢٢٢/ل]، وليس بلازم، وهذا المغناطيس يتصرف في الحديد من غير سريان ولا ملابسة.
وقد سبق القول معهم في الأنعام.
الثالث: أنه- -يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
الرابع: أنه يدبر الأمر، أي أمر السماوات والأرض بالتحريك والتسكين والتسخير والتصريف، والتقدير. وقد وافق الكفار المخاطبون بهذا الخطاب على هذه الوجوه كلها بقولهم: هو الله، وكل من كان كذلك فهو الإله الحق، فالله- -هو الإله الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال؛ إذ لا واسطة بين الحق والباطل، والهدى والضلال. فإن أجبتم إلى التوحيد وإلا فأنتم ضلال.
﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ [يونس: ٣٣] أي خرجوا عن الإيمان بالكفر ﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] احتج به الجمهور لأنه- أخبر بأن كلمته حقت عليهم بالكفر، وكل من حقت عليه الكلمة بالكفر لا يؤمن واستحال منه الإيمان؛ فهؤلاء لا يؤمنون. ومعنى حقت عليهم الكلمة تعلق العلم والإرادة الأزليان بكفرهم، وكل ما تعلقا به كان واجب الوقوع، فكفر هؤلاء واجب الوقوع، وكل واجب الوقوع من الإنسان فهو مجبور عليه، فهؤلاء مجبورون على كفرهم، والجور غير لازم لما سبق في مقدمة الكتاب.
стр. 326
الإلهية لا تبدأ الخلق ولا تعيده، فشركاؤهم ليسوا آلهة.
الثاني: أن شركاءهم لا يملكون الهداية إلى الحق، والإله- -يهدي إلى الحق؛ فشركاؤهم ليسوا إلها.
وهذه براهين واضحة؛ لأن بدء الخلق والهداية إلى/ [١٠٣ ب/م] الحق وغيرها أمور ممكنة، والله- -قادر على جميع الممكنات، والأصنام جماد لا تقدر على شيء من الممكنات، فالله- -ليس هو الأصنام، وينعكس كنفسه: الأصنام ليست هي الله- .
﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦) [يونس: ٣٦] / [٢٢٣/ل] احتج به من منع العمل بخبر الواحد؛ لأنه إنما يفيد الظن، وهو لا يغني عن الحق.
وأجيب بأن الآية إنما منعت من اتباع الظن في التوحيد ونحوه من القطعيات، أما العمليات فلا.
﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٧) [يونس: ٣٧] أي: لا ينبغي للقرآن أن يكون من عند غير الله؛ لأنه معجز في نفسه عبارة ومعنى، وذلك لا يقدر عليه إلا الله- -وهذا من مسائل القرآن وإعجازه ودلائل النبوة.
ودليل إعجازه الآية بعده:
﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨) [يونس: ٣٨] وتقريره: إنكم إما أن تسلموا أنه من عند الله- -فيلزمكم الإيمان به وبمن جاء به، أو لا تسلموا ذلك وتدعوا أن محمدا افتراه؛ فيلزمكم أن تأتوا بسورة مثله تفترونها لتصححوا دعواكم في افترائه، وإلا فأنتم كاذبون خاطئون في دعواكم. وقد سبق نحو هذا في أول البقرة. ثم إنه تنزل معهم في التحدي بالقرآن من مثله إلى عشر سور إلى سورة مثله.
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤١) [يونس: ٤١] وعيدية محكمة أو منسوخة بآية القتال.
стр. 327
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤٤) [يونس: ٤٤] يحتج بها المعتزلة على مذهبهم؛ لأنه لو خلق أفعالهم، ثم عاقبهم لكان [ظالما لهم] واللازم باطل.
وأجاب المجبرة بأنا لا نسلم ذلك، وإنما يلزمكم أن لو كان يعلم أنه لو فوض إليهم أفعالهم لخلصوا من اللائمة، أما وهو يعلم أنه لو فوض إليهم لكانوا ظالمين أيضا فلا.
والكسبية قالوا: إنما يلزم الظلم أن لو لم يكن لهم مع خلقه كسب، أما ولهم كسب يناسب العقاب عليه فلا.
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤٩) [يونس: ٤٩] أي فأملك لنفسي ضرا ونفعا بمشيئته هو لي كسب وله خلق، وإن كان الاستثناء منقطعا؛ فالنفي قبله عام مطرد.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٩) [يونس: ٥٩] يحتج به وبنظائره على صحة الاستدلال بالسبر والتقسيم، وهو حصر الأقسام وإبطالها سوى المدعى عليه؛ مثاله هاهنا:
إنكم أيها الكفار حرمتم بعض/ [٢٢٤/ل] ما رزقتموه، فلا يخلو تحريمكم لذلك إما أن يكون بإذن شرعي أو افتراء منكم، والأول باطل؛ لأن الشرع خصمكم، وهو ينكر الإذن لكم فتعين الثاني، وهو أنكم حرمتموه افتراء [١٠٤ أ/م] على الله كذبا عليه، وما كان كذلك لا يلتفت إليه، وقد سبق نحو هذا في أواخر الأنعام.
﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] هذا يحتج به الصوفية في وجوب دوام المراقبة لدوام الشهادة، وفي الأثر «اتقوا الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم»، وربما تعلقت الاتحادية بهذا على أنه شاهد بذاته، وما ذاك إلا لسريانه في العالم واستتاره باطنا بهم وظاهرا، وسياق الآية يقتضي أنه شاهد بعلمه وهو ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦١) [يونس: ٦١].
стр. 328
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) [يونس: ٦٤] روي مرفوعا إلى النبي ﷺ أن البشرى في الدنيا هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له (١).
وأما البشرى في الآخرة فقيل: رؤية الله- -كالزيادة في ﴿*لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٦) [يونس:
٢٦] والأشبه أنها قول الملائكة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٨) [يونس: ٦٨] إشارة إلى أن الولد إنما يكون لافتقار إلى نصرته من ذلة أو التكثر به من قلة، والله- -غني بذاته من كل جهة عما سواه، وأشار بأن لهما في السماوات، وما في الأرض إلى أمرين:
أحدهما: بيان مستند غناه الذي أثبته لنفسه.
والثاني: منافاة الملكية للولدية، كما سبق في البقرة.
والغني هو الذي لا يحتاج في وجوده ولا دوامه ولا في كماله إلى غيره، وقيل: هو من لا مزاج له يحتاج لتغيره إلى ما يحتاج إليه ذوات الأمزجة.
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ [يونس: ٦٨] أي لا حجة عندكم على اتخاذه ولدا، وهو يقتضي أن ما لا حجة عليه، لا يثبت.
﴿* وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ (٧١) [يونس: ٧١] يستشهد به على أن الإجماع لغة هو الاتفاق/ [٢٢٥/ل] والعزم، إذ المعنى اتفقوا واعزموا على ما تريدون.
стр. 329
﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٨٤) [يونس: ٨٤] يقتضي أن التوكل من مهمات الإيمان حتى يكاد يكون شرطا فيه أو على كماله، وشواهده كثيرة، وتوجيهه أن التوكل هو التفويض، ومن لا يفوض إلى الله- -فكأنه لم يرض به ربا ومدبرا، فإن كان ذلك عن عمد واحتقار لشأن القدرة فهو كفر، وإن كان من ضعف وغلبة جزع فهو نقص من الإيمان أو كماله.
﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٨٨) [يونس: ٨٨] يقال: إنها انقلبت حجارة وحصى، وهو مسخ في الجماد، وقد [قال بعض العلماء المحققين المتأخرين ﵃: ] رأيت بسفح جبل المقطم بالقاهرة حصى مستديرا منقوشا على هيئة الدنانير، وحتى لم أشك أول ما رأيتها أنها دنانير وهي كثيرة جدا يجمع منها/ [١٠٤ ب/م] قناطير كثيرة، زعم الناس هناك أن هذا موضع خزائن فرعون، وأن هذا مما مسخ [من ماله، ثم إني رأيت] في أحد أهرام الجيزة بمصر أحجارا فيها حصى (ملصق) على هيئة الدنانير، فترددت حينئذ فيما قيل من أن ذلك مما مسخ من مال فرعون، إذ الأهرام قبل فرعون بدهور، ثم زال عني التردد لاحتمال أن مال فرعون مسخ على هيئة تلك الأحجار القديمة، كما مسخ بعض الناس على صورة القردة والخنازير، أو لأن ذلك عذاب عذب الله- -به قوما قبل آل فرعون فمسخ أموالهم، غير ذلك من الاحتمالات.
قوله تعالى: ﴿وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨] أي اربط عليها فلا يدخلها الإيمان كالوعاء المربوط وهو الطبع والختم بما يخلق فيها من دواعي الكفر والصوارف عن الإيمان.
﴿*وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩٠) [يونس: ٩٠] يحتج به من [لا علم له] أن فرعون مات مسلما، وهو خلاف النصوص والإجماع، أما النصوص فقوله- -بعد هذه مقرعا له:
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٩١) [يونس: ٩١] وهذا إنكار من
стр. 330
الله- : يتضمن نفى قبول توبته، وأيضا قوله- ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] يعني فرعون أتى بما يلام عليه وهذا ذم له، ولو مات مسلما لما أثنى عليه بالذم/ [٢٢٦/ل]، وكذلك ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ (٨) [القصص: ٨]، ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ (٤٦) [غافر: ٤٦] وحكمه وحكم آله واحد؛ إذ قد حكم على الجميع بأنهم كانوا خاطئين، وأما الإجماع فمشهور على ذلك وعلى جواز لعنة فرعون، [وإنما أظهر هذه المقالة الشيخ محيي الدين بن العربي الأندلسي الحاتمي صاحب فصوص الحكم]، والإجماع قبله على خلافه، وإن ادعى ذلك كشفا، فالكشف لا يرفع حكم الإجماع الظاهر، كما أن القدر الباطن لا يرفع حكم الكسب الظاهر.
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ (٩٢) [يونس: ٩٢] أي لمن بعدك وسمى البعد خلفا، لأن الناس متوجهون إلى الآخرة، فمن بعدهم متوجه إليها خلفهم، أو لأن من بعده خلفه في ملكه، أو لأن جهة خلف خلاف قدام، [وهذا يقتضي تسمية قدام خلفا، إذ كل منهما خلاف صاحبه، وليس ببعيد، كما يسمى قدام] وراء في نحو ذلك: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ (٧٩) [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم؛ لأن فيهما معنى المواراة وكذا فيهما معنى المخالفة.
стр. 331
المعقول أصلا محكما يرد إليه السمعي الذي هو كالفرع المجمل، ولذلك تراهم إذ لاح لهم في حكم ما يعتقدونه برهانا، عولوا عليه واشتغلوا بتأويل السمعيات المخالفة له توفيقا بين الأدلة. وتقرير احتجاجهم من هذه الآية أن الله- -أخبر عن بني إسرائيل أنهم مكثوا برهة متفقين قبل أن يأتيهم العلم السمعي؛ فلما جاءهم اختلفوا، وإنما كانوا قبل ورود السمع يعتمدون على سياسة العقل والعرف ونحوه، والاتفاق محمود والاختلاف مذموم، فدل على أن تصرف العقل أوثق وأوفق من ظواهر السمع لما في تصرف العقل من الحزم وعدم قبول التأويل، وفي السمعيات من الإجمال والاشتراك والترددات المانعة من الحزم القابلة للتأويل، وهذه مسألة أصولية وهي أن النقليات هل تفيد اليقين أم لا؟ فيه أقوال:
ثالثها: أنها تفيد بانضمام قرائن إليها لا بمجردها، [ووجه النفي مطلقا أن النقليات يتوقف إفادتها اليقين على أمور غير متيقنة لعدم المجاز والإضمار والنقل والاشتراك والتخصيص ونحوها، وكل ما توقف على غير المتيقن فهو غير متيقن.
ثم تفرع على هذا مسألة أخرى وهي إذا تعارض السمع وما أدركه العقل في أحكام العقائد فأيهما يقدم؟ فالمحدثون قدموا السمع لاحتمال غلط العقل في الأمور الإلهية ونحوها، والشرع أوثق منه في ذلك وغيره، والمتكلمون كالأشاعرة والمعتزلة والفلاسفة قدموا مدرك العقل؛ لأن السمع إنما ثبت بدليل العقل فلو قدم السمع عليه كان ذلك قدحا في الأصل بالفرع ثم في الفرع تبعا لأصله، وأنه باطل] والجواب عن شبهتهم من الآية أن العلم أعم من السمعي وغيره، والعام لا يدل على الخاص، فلا نسلم أن المراد: فما اختلفوا حتى جاءهم العلم السمعي، بل هو أعم من ذلك وحينئذ يلزمكم في العلم العقلي ما ألزمتمونا في السمعي، سلمناه، لكن قد سماه علما، وهو في العرف والإدراك الجازم الذي لا يحتمل النقيض، ومثل هذا كيف يختلف فيه أو يكون/ [٢٢٧/ل] سببا للاختلاف؟ ! سلمناه لكن ما ذكرتموه إنما يلزم أن لو كان اختلافهم بعد مجيء العلم من جهة العلم لكن جهة اختلافهم أعم من ذلك، ثم قد عينت بجهة البغي بينهم لقوله- / [١٠٥ ب/م]: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩) [آل عمران: ١٩] والاختلاف بغيا لا يوجب العلم غيا.
стр. 332
لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) [يونس: ٩٤] قد يتوهم من ظاهرها أنه- ﷺ -اعترضه شك في بعض الأوقات فيما أنزل إليه كما توهمه بعض النصارى، فأورده متعلقا به.
وليس كذلك لأنه ﷺ معصوم من الشك والارتياب لقوله- : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١) [الشرح: ١] وإنما وجه الآية صرف الخطاب إلى من يجوز عليه الشك من أتباعه وأخصامه، نحو ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣] ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) [الأنبياء: ٧] فإن لم يكن بد من صرف الكلام إليه على ظاهر اللفظ، فمعناه على تقدير:
إن تشك فاسأل وإن كان ذلك التقدير لا يقع نحو ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٢٢) [الأنبياء: ٢٢] أي لو قدر آلهة أخرى، لزم الفساد، لكن ذلك التقدير ممتنع، وهذا يتخرج على ما سبق من أن الأنبياء معصومون من وقوع الكفر، لا من جوازه عقلا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٦) [يونس: ٩٦] سبق نظيرها في أوائل السورة، والكلام عليه، وحاصله صرفهم عن الإيمان بما يخلقه فيهم من الدواعي والصوارف.
стр. 333
الإيمان عند العيان، يبقى اضطراريا، والمعتبر النافع إنما هو الاختياري دون الاضراري.
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٩٩] احتج الجمهور بها على مذهبهم كنظائرها، ومعناها: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى بما يخلق فيهم من دواعيه، وتأولها المعتزلة على معنى لو شاء/ [٢٢٨/ل] لأجبرهم على الإيمان واضطرهم إليه بدليل ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، لكن الإيمان الاضطراري غير معتبر، فلذلك لم يجبرهم [فالمنفي عنهم] هو إجبارهم على الإيمان وإلجاؤهم واضطرارهم إليه، لا لهدايتهم وإرشادهم إليه، وعند الجمهور المنفي مشيئة [إيمانهم لا غير، ثم إن المشيئة] لا تخلو من التعلق بالضدين جميعا، فلما لم [تتعلق] بإيمانهم لزم أنها تعلقت بكفرهم وتعلقها موجب لوقوع/ [١٠٦ أ/م] متعلقها، فكفر الكفار وعصيان العصاة واجب الوقوع بغيره، وهو تعلق الإرادة به، وهو يقوي مقالة الجبرية.
﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٠) [يونس: ١٠٠] أي يمتنع الإيمان من نفس إلا بإذن الله]، أي إرادته ومشيئته، فهذه اقتضت مع التي قبلها أن إذن الله- -وإرادته ومشيئته، فهذه اقتضت مع التي قبلها أن إذن الله- -وإرادته مناط ومدار للإيمان وجودا وعدما، إن وجدت الإرادة للإيمان وجد، وإن انتفت انتفى. وذلك يقوي مقالة الجمهور، ويحتج بآخر الآية من يرى أن العلوم العقلية سبب للعصمة من رجس الكفر والضلال، بطريق قياس العكس، لأنها اقتضت وقوع الرجس بمن لا يعقل، وهو يقتضي أن من يعقل لا يلحقه رجس، والمراد بمن يعقل أي يستخرج الأحكام الحقة الحقيقية بالأنظار العقلية، وهذا أحق بشرط مساعدة التوفيق، وإلا فكم من حكيم زل وذي نظر ضل.
﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠١) [يونس: ١٠١].
فيه إيجاب النظر؛ لأنه مأمور به، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، وقد سبق هذا في أوامر الأعراف، وكيفية النظر فيما في السماوات والأرض قد سبق أيضا.
﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] أي عن قوم انتفى إيمانهم لتعلق مشيئة الله- -بانتفائه، أي لا ينفع النظر في الآيات والتدبر لعجائب المصنوعات، قوما حقت عليهم كلمة العذاب فضرب بينهم وبين الإيمان حجاب.
стр. 334
﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٦) [يونس: ١٠٦] هذا أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك، وبرهانه معه، وهو الاستدلال بعدم القدرة على النفع الضر على عدم الإلهية، كما تقرر في «المائدة».
﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] أي بوضع الدعاء والعبادة/ [٢٢٩/ل] غير موضعهما، وهو يشير إلى أن العصمة للأنبياء إنما هي من وقوع الكفر لا جوازه.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧) [الأنعام: ١٧] حجة مؤكدة لما قبلها على التوحيد، بدليل الطرد والعكس نحو ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) [فاطر: ٢] وتقريره: أن الله- -هو الذي يدور النفع والضر والخير والشر مع إرادته وجودا وعدما، وكل من كان كذلك فهو الإله الحق، فالله- -هو الإله الحق، ومقدمتاه بينتان.
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (١٠٨) [يونس: ١٠٨] يحتج به المعتزلة؛ إذ نسب الهدى والضلال/ [١٠٦ ب/م] إلى المخلوق لا إلى نفسه، وجوابه: أنه أضافه إليهم باعتبار أنهم محله أو كاسبوه، أو على تقدير أنه لو فوض إليهم خلقه لكان منهم إما ضلالا، وإما هدى.
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (١٠٨) [يونس: ١٠٨] وعيدي محكم أو منسوخ بآية القتال ﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) [التوبة: ٥].
стр. 335
القول في سورة هود
﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) [هود: ١] يستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، إذ ظاهره تراخي التفصيل عن وقت إنزاله؛ لأن (ثم) تقتضي التراخي، ويحتمل أنها لمجرد العطف كالواو أو تنبيها على تعظيم المنة أو العناية بالتفصيل كما تقول: أطعمت فلانا ثم كسوته وآويته، ثم زوجته، ونحو ذلك فلا يدل على المدعى.
﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٢) [هود: ٢] فيه إثبات التوحيد والنبوة، وسيأتي برهانه إن شاء الله .
﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (٣) [هود: ٣] هكذا هو الترتيب الطبيعي، أن يستغفر مما فعل، ثم يتوب عن أن يفعل، إذ الاستغفار طلب المغفرة لما وقع، والتوبة: العزم على ألا يوقع شيئا من الذنوب بعده.
ولما قدم التوبة على الاستغفار في قوله- : ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٤) [المائدة: ٧٤] لم يعطف/ [٢٣٠/ل] الاستغفار، ثم لهذا المعنى ﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦) [هود: ٦] يحتج به على أن عموم الرزق من الله -حلاله وحرامه، خلافا للمعتزلة فيه كما سبق في أول «البقرة».
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: ٧] هذا يحتج به من رأى العرش سريرا أو جرما مستعليا بالجملة، ونفي تفسيره بالملك أو نحوه مما تأوله نفاة الاستواء؛ إذ لا يصح أن يقال:
وكان ملكه على الماء.
وقد جاء في الحديث: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟
стр. 336
قال: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء» (١) والعماء ممدودا هو الغيم الرقيق.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: ٧] هو تعليل لخلق السماوات والأرض بالابتلاء، ويحتج به على تعليل أفعاله، وأحكامه- .
﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] فيه إثبات البعث.
﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٣) [هود: ١٣] فيه إثبات إعجاز القرآن والتحدي به، وإثبات النبوة بذلك على ما سبق في «البقرة» و «يونس».
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٤) [هود: ١٤] يحتج بها الجمهور على إثبات العلم صفة زائدة على مفهوم الذات وعلى قياسه سائر الصفات، تأوله المعتزلة على معنى أنزله، وهو يعلمه إما بذاته أو بعالميته: [١٠٧ أ/م] ولا يلزم من ذلك أن يكون هناك صفة زائدة.
قوله- ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٧) [هود: ١٧] تعلقت به الشيعة في أن علي بن أبي طالب-﵁-هو حليفة رسول الله- ﷺ [لأن الذي على بينة من ربه هو النبي ﵇] بدليل قوله:
﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ (٥٧) [الأنعام: ٥٧] والشاهد منه هو
стр. 337
علي لقوله ﷺ : «إن عليا مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي» وفي رواية «ولي كل مؤمن».
لأن الإمام خليفة النبي-﵇-والنبي شاهد على الأمة فكذا خليفته، فدل ذلك على أن عليا هو الإمام بعد النبي ﷺ .
وأجابت السّنّة عن هذا: بأن المراد بقوله- : ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٧) [٢٣١ ل] [هود: ١٧] هو القرآن من الله- شاهد للنبي ﷺ بالصدق، لأنه معجزه الأكبر، يدل عليه قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ [هود: ١٧] أي: ومن قبل الشاهد كتاب موسى، فدل على أن الشاهد وكتاب موسى من جنس واحد، وعليّ ليس من جنس كتاب موسى، فلا يكون مرادا من الآية.
وهذا بحث جيد من الطرفين، ومن جهة الجمهور أجود، ومأخذ الخلاف أن الضمير في «منه» يحتمل رجوعه إلى من كان والى ربه، فحمله الشيعة على الأول، والجمهور على الثاني، وهو أقرب المذكورين.
ويحتمل أن المراد بقوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] أمة محمد ﷺ بدليل قوله- : ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] فدل على أن المراد بمن كان جمع لا مفرد، وحينئذ يسقط الاستدلال به بالكلية.
و﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٠) [هود:
٢٠] يحتج به الجبرية على أنهم لجبرهم على الكفر لم يستطيعوا الإيمان، وتأوله المعتزلة على أنهم لشدة كراهتهم للإيمان ما كانوا يستطيعون سماع دلائله، كما يقال: فلان ما يستطيع أن يسمع بذكر فلان ونحوه.
﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣١) [هود: ٣١] يحتج به من يرى أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد سبق ذلك.
стр. 338
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٣٢) [هود: ٣٢] يحتج به على مشروعية الجدال في إظهار الحق وإخفاء الباطل؛ لأن الآية دلت على أن نوحا فعله وأكثر منه مع قومه، خصوصا في أصول الدين مع الكفار والمبتدعة، كما فعل نوح ﵇.
﴿*شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣].
﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٤) [هود: ٣٤]، يحتج بها الجمهور على أن الله- يريد إغواء بعض الخلق، ومراد الله- -واجب، فإغواء هؤلاء واجب، هو/ [١٠٧ ب/م] المراد بخلق الأفعال، إذ لا معنى لخلقها إلا إيجادها واختراعها بأسباب موجبة لها، والإغواء منها.
ولعل المعتزلة يتأولون ذلك على أن (يغويكم) معناه يصيبهم غاوين، من باب أجبنت الرجل وأبخلته أي أصبته، ووجدته جبانا وبخيلا.
﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦) / [٢٣٢/ل] [هود: ٣٦] يحتج به من يرى تكليف ما لا يطاق، وتقريره أن نوحا أخبر أن قومه لم يؤمن في المستقبل أحد منهم، وخبر الله- صدق ومتعلقه جازم لا خلف فيه، ثم إنهم مع ذلك لم ينقطع الخطاب التكليفي عنهم، حينئذ هم مأمورون بالإيمان مع استحالة وقوعه منهم، وهو تكليف ما لا يطاق أو تكليف بالمحال، لا يقال: إن تعلق العلم والإخبار الإلهي بعد إيمانهم لا يوجب صيرورته منهم محالا؛ لأن العلم كاشف عن الحقائق لا مؤثر فيها، لأنا نقول: تعلق العلم بعدم إيمانهم يقتضي تعلق الإرادة والقدرة بذلك أيضا؛ لئلا تتنافى الصفات القديمة في متعلقاتها، وحينئذ يبقى إيمانهم خلاف المعلوم والمخبر به والمراد والمقدور، وذلك يوجب استحالته قطعا.
стр. 339
فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) [هود: ٣٨] فيه جواز مقابلة الجاهل والأحمق ونحوهما بمثل فعله، ويشهد له النصوص نحو: ﴿فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩٤) [البقرة: ١٩٤]، و ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠) [الشورى: ٤٠] و ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١٢٦) [النحل: ١٢٦] وأشباهه.
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠) [هود: ٤٠] عام فيهم خص بالاستثناء بعده ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ﴾ [هود: ٤٠] وهو ابنه المذكور أنه غرق بعد.
﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] يحتج به الشيعة في أنهم المصيبون على قلتهم، دون الجمهور على كثرتهم، وقد سبق، وجوابه عند ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في «البقرة».
﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ (٤٥) [هود: ٤٥] يحتج به من يرى العموم، وأن له صيغة والتمسك به؛ لأن نوحا إنما تمسك في هذا السؤال بعموم قوله- : ﴿اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] وهو اسم جنس مضاف يفيد فيه العموم، فصار تقدير سؤال نوح: إن ابني من أهلي وقد وعدتني بإنجاء أهلي، ينتج قد وعدتني بإنجاء ابني.
﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] يحتمل وجوها:
أحدها: أن ابنك مخصوص في علمنا من عموم أهلك [وليس هو من أهلك] الناجين.
الثاني: أنه ليس من أهل دينك بدليل ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] وحينئذ يكون الأهل في قوله- ﴿أَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] مجازا عن الموافقين في الإيمان.
الثالث: ما قيل: إن هذا الولد كان ابن زوجته، أو أنه ولد على فراشه من غيره بدليل (فخانتاهما) [التحريم: ١٠] ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [١٠٨ أ/م]
стр. 340
[هود: ٤٦] برفع عمل ونحوه مما لا يلي [ق: بعضه] بالأنبياء، وعلى كل حال فلا بد [في هذه] القضية من استعمال المجاز في أهلك، أو تخصيص عمومه بالابن المذكور، أو تجوز نوح بولده/ [٢٣٣/ل] عن ابن امرأته، فيحتج بها على استعمال المجاز والتخصيص في الكلام.
﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] كأن نوحا لما قال: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] كان ذلك [نوع اعتراض منه أو تذكيرا لمن لا ينسى]؛ لأن الله- -قد حكم بإنجاء أهله، فحكمه لا يتغير، فلا فرق بين شفاعة نوح في ابنه وعدمها، فلذلك قوبل بهذا الكلام الذي يصعب موقعه فيقال: إن نوحا بكى من هذا الكلام دهرا طويلا.
[﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٩) [هود: ٤٩] سبقت دلالتها على النبوة في «آل عمران».]
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٦) [هود: ٥٦] [زعم الاتحادية أن معنى ذلك سريانه- بذاته في العالم، حتى في الدواب، فلذلك أخذ بنواصيها؛ لأنه الذي يحركها ويتحرك فيها].
[ولذلك زعم ابن العربي في «الفصوص» أن هودا أعلم الأنبياء وأعرفهم بسر الإلهية لأجل هذا الكلام] ومعنى الآية عند علماء التوحيد أنه [ ] لما فطر الدواب على طباع لا مخرج لها عن مقتضاها كان من حيث القدرة آخذا [بنواصيها]، وبحيث لا تتحرك إلا بمقتضى ما طبعها وفطرها عليه، كذا قال الحكيم الترمذي في بعض كتبه.
﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥٩) [هود: ٥٩] لما كان دين الأنبياء واحدا في التوحيد وكلمتهم واحدة، كان عصيان الواحد منهم كعصيان جميعهم، وإلا فعاد ما عصوا بالحقيقة إلا من أرسل إليهم، وهو هود وحده.
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٤) [هود:
٧٤] فيه جواز الجدال حتى مع الأكابر ومن فوق رتبة الشخص إذا لم يعد ذلك إهانة لهم، ولم يثر فتنة أو مفسدة راجحة كجدال إبراهيم ربه، وقد أمرنا باتباع ملته.
стр. 341
بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) [هود: ٧٨] يحتج لها الشيعة على جواز التقية، لأنه إنما سمح بنكاح بناته لاضطراره إلى صيانة أضيافه، ولولا ذلك لما سمح لهم بهن، وقد سبق ذلك في «آل عمران».
﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٩٨) [هود: ٩٧ - ٩٨] قاطعة في الرد على من زعم أنه مات مسلما؛ لأن الله- -سلب عنه الرشاد بعد موته، والمسلم لا يسلب عنه الرشاد بعد موته، وهو ينتج المقصود.
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (١٠١) [هود: ١٠١] يحتج به المعتزلة إذ لو ذمهم على ما خلقه فيهم لكان ظالما لهم، وقد عرف هذا وجوابه مرارا، ثم ينتقض بالشخص القبيح الصورة فإنه مذموم بالطبع كالقرد/ [١٠٨ ب/م] والخنزير، ومن أشبههما من الناس، وصورته مخلوقه لله- -خلقا محضا بلا خلاف.
﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (١٠٤) [هود: ١٠٤] يحتج به على تناهي أيام العالم وانقضاء مدة الدنيا خلافا للدهرية/ [٢٣٤/ل] والفلاسفة حيث زعموا أن الزمان أزلي أبدي، لا ابتداء له ولا انقضاء، ولا أول ولا آخر، وحجتهم أن الزمان لو كان حادثا لكان عدمه قبل وجوده، وتلك القبلية من لواحق الزمان، فيلزم وجود الزمان قبل وجوده وأنه محال.
وجوابه أن القبلية والبعدية من الأمور الإضافية التي هي عدم محض، فلا نسلم أنها تلحق شيئا، ولا يحلقها شيء، سلمناه، لكن قولكم: القبلية من لواحق الزمان تريدون الزمان الحقيقي الخارجي أو التقدير الذهني؟
الأول ممنوع، والثاني مسلم ولا يلزم منه قدم الزمان الخارجي، ولعلك تستغرب إثبات الزمان التقديري والدليل عليه وجهان:
أحدهما: قوله ﷺ : «خلق الله النور يوم الأربعاء» (١) مع أن النور إنما هو حاصل النيرات الفلكية، ومنها الشمس التي حركتها سبب وجود الزمان الحقيقي، وذلك يقتضي
стр. 342
أنه خلق النور قبل الزمان الحقيقي، ثم أخبر بأنه خلقه في زمان وهو الأربعاء؛ ويلزم أن ذلك الزمان التقديري ذهني لا حقيقي خارجي.
الوجه الثاني: أن الزمان من لوازم الفعل، ولذلك دل عليه بالالتزام، ثم إنه يصح أن يقال: خلق الله الزمان فيجب أن يكون خلقه إياه في زمان تقديري، وإلا لكان في زمان خارجي، فيلزم وجوده قبل وجوده، وأنه محال.
﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٠٧) [هود: ١٠٧] في أهل النار والجنة، وقد استشكل هذا الاستثناء، ولبعضهم فيه تصنيف مفرد، والذي يتجه أن يقال فيه: أما في أهل النار فمعناه: إلا ما شاء الله من مقامهم في البرزخ أو في حال الحياة أو فيهما، فإن ذلك كله في مدة دوام السماوات والأرض وليسوا حينئذ في النار، أو معناه إلا ما شاء الله من مقامهم في الزمهرير فإنهم يستغيثون من النار، فيخرجون إلى الزمهرير يعذبون به وهو البرد الشديد، وهم حينئذ ليسوا في النار، وأما في أهل الجنة فيحتمل إلا ما شاء الله من حضورهم في حظيرة القدس عند رؤية الرب- -كل جمعة أو في أوقات الرؤية، وذلك المقام خارج عن الجنة ثم يعودون إليها، ويحتمل إلا: ما شاء الله من تنزههم في أقطار الملكوت فإنه واسع، والجنة جزء يسير منه فيتنزهون فيه/ [١٠٩ أ] ثم يعودون كما يخرج الناس من بساتينهم [للقاء ملوكهم، والسّلام عليهم والتشرف برؤيتهم، وكما يخرج الملوك من بساتينهم] للصيد ونحوه، ثم يعودون إليها، ويحتمل غير ذلك مما في علم الله- مما أراد بكلامه.
﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٢) [هود: ١١٢] كلمة/ [٢٣٥/ل] جامعة لخصال الإيمان والإسلام والإحسان، تقتضي فعل كل مأمور وترك كل محظور، ومن ثم قال النبي ﷺ : «شيبتني هود وأخواتها» (١) أما هود فبهذه الكلمة؛ لأنه خاف ألا يقوم بموجبها، وألا يفي بها، و [أما] أخواتها فسورة التكوير، والانفطار، والانشقاق؛ لتضمنهن حكاية أمر الآخرة وأهوال القيامة، ولذلك قال ﷺ : «من
стр. 343
أحب أن يرى القيامة رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١) [التكوير: ١] (١).
ونظير هذه الكلمة قوله- -لموسى وهارون: ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨٩) [يونس: ٨٩] وفي وصف الأولياء ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣٠) [فصلت: ٣٠].
﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٢) [هود: ١١٢] أي وليستقم من تاب معك كما أمر، وهو أمر بالاستقامة لجميع الأمة، ولن يقوم بذلك إلا معان موفق.
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ (١١٤) [هود: ١١٤] يحتج به من قال بالمحابطة والمقاصة بين الحسنات والسيئات، ومعناه: أنهما إن استويا تساقطا أو حبط أحدهما بالآخر، وإن تفاوتا سقط القدر المشترك من الطرفين وبقي الزائد له أو عليه، وهذا مقتضى العدل ووضع الموازين القسط.
نعم الحسنات والسيئات فيهن كبائر وصغائر، فالصغيرة تسقط بمثلها وكذا الكبيرة، أما الصغيرة مع الكبيرة إذا تقابلتا فالسيئة الكبيرة تسقط الحسنة الصغيرة، وأما العكس ففيه نظر، إلا أن يتفضل الله- -ويسامح.
وهذا كله إذا صح الأساس وهو الإيمان، أما مع الكفر فلا توجد الحسنة، وإن وجدت عادت هباء منثورا.
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١١٦) [هود: ١١٦] تضمنت الذم لأكثر القرون الخالية على ترك إنكار المنكر، وذلك يقتضي وجوبه ونجاة فاعله وهلاك تاركه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أصول الإسلام ومهمات الدين.
стр. 344
﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧) [هود: ١١٧] يحتج به المعتزلة كما في نظيره في «الأنعام» ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (١١٨) [هود: ١١٨] يحتج به الجمهور كنظائره السابقة.
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١١٩) [هود: ١١٨ - ١١٩].
أي وللخلاف خلقهم؛ كقوله- : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٧٩) [الأعراف: ١٧٩] / [٢٣٦/ل، وقيل: للرحمة/ [١٠٩ ب/م] خلقهم، فإن أريد به عموم الناس فباطل، إذ أكثرهم للعذاب كما ثبت، وإن أريد البعض فيبقى تقديره، ولذلك خلق من رحم أي:
وللرحمة خلق من رحم، وهو متجه على ما فيه من ضعف، فالأشبه الأول بدليل تمام الآية:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩].
...
стр. 345
القول في سورة يوسف
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) [يوسف: ٢] يحتج به من قال بقدم القرآن، وأنه منزل غير مخلوق، وعارضه الخصم بنحوه، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢٥) [الحديد: ٢٥].
و﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) [الزخرف: ٣]، والحديد مخلوق، مع أنه منزل، وكل مجعول مخلوق، وقد وقعت المناظرة في هذا بين عبد العزيز المكي وبشر المريسي على ما ذكر في كتاب «الحيدة».
﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٤) [يوسف: ٤] يحتج به على أن النجوم في الرؤيا تدل على قوم أشراف، وذكر في «التوراة والسير» أن يوسف رأى مع رؤية النجوم رؤيا أخرى، وهي أنه رأى كأنه وإخوته احتطبوا حطبا، وربطوا حزمهم وأقاموها ليرفعوها؛ فجاء حزم إخوته حتى سجدت لحزمته، وهي كرؤيا النجوم في التأويل.
﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢١) [يوسف: ٢١].
أي إذا أراد أمرا غلب عليه وفعله نحو ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (٣) [الطلاق:
٣] ويحتج به الجبرية، لأن مقتضاه: أنه إذا أراد فعلا أو حالا من إنسان غلب عليه، وإذا غلب عليه كان الإنسان مجبورا عليه قطعا.
وقيل: غالب على أمره يوسف يدبره وينصره ويحسن عاقبته، والأول أظهر.
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] أي لا يعلمون أن الله غالب على أمره؛ لغلبة أحكام الحس عليهم، فإذا لم يدركوا ذلك بحسهم لم يعلموه، إنما يعلمه أقلهم ممن جاوز حكم الحس إلى حكم العقل نظرا واستدلالا، أو كشفا واطلاعا، كما
стр. 346
حكي عن بعض أهل الكشف أنه قال: «إن هؤلاء المعتزلة يشككوننا في العيان، إنا والله لنرى المعاصي تنزل من السماء على جوارح العباد كالغمام» أو كما قال.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢٤) [يوسف: ٢٤] هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه لولا/ [٢٣٧/ل] رؤية البرهان [لهم إذ همت به، وذلك يقتضي أنه لم يهم بالمعصية.
والثاني: أن الهم بها وجد منه، فلولا رؤية البرهان] لأمضى ما هم به وفعله، فيتعلق به من يتكلم في عصمة الأنبياء، ولا حجة فيه؛ لأن الهم بالمعصية إنما يكون معصية إذا تمكن من القلب/ [١١٠ أ/م] وصار عزما مؤكدا، وما دون ذلك فهو خطرات غير قارة، وحديث نفس معفو عنه، وقد أخبر الله- -أنه صرف عنه السوء والفحشاء، وأنه من عباده المخلصين، ومن هذه صفته فليس لأحد عليه متعلق.
﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٢٦) [يوسف: ٢٦] دليل على تعليق الأحكام بالقرائن والأمارات المناسبة، وعلى ترجيح إحدى الدعوتين أو البينتين [إذا تعارضتا بمرجح مناسب؛ لأنه رجح هاهنا قول يوسف بقد قميصه من دبر مع استوائهما) في عدم البينة، فكذلك في الاستواء في وجود البينة من الطرفين لتكافؤ الطرفين في الصورتين
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٣١) [يوسف: ٣١] يحتج به من فضل الملائكة على البشر ولا حجة فيه لوجهين:
أحدهما: أن هذا قول نساء كوافر قليلات عقل ودين، قد غلب عليهن الهوى فلا يسمع.
الثاني: أن تفضيلهن الملك هاهنا إنما هو في الحسن والجمال؛ لاقتضاء الحال ذلك، وليس محل النزاع، إنما الخلاف في الفضل والكمال وارتفاع الدرجة عند ذي الجلال وذلك إنما يعرف عن الأنبياء لا عن النساء.
стр. 347
﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٣) [يوسف: ٣٣] تقتضي ألا عاصم من المعصية وغيرها إلا الله- -وبقياس العكس وقواطع الأدلة: أن لا موبق فيها إلا الله- وذلك بما يقدر من أسباب العصمة أو الوصمة، ويخلقه من الدواعي والصوارف والهمة.
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٣٧) [يوسف: ٣٧] الآيتين، يستدل بهما على، ترك الباطل واتباع الحق يورث التعليم من الله -لأن يوسف-﵇-علل تعليم الله- -له تأويل الرؤيا بتركه ملة الكفار واتباعه ملة آبائه الأبرار، وتعليمه تأويل الرؤيا يحتمل أنه بالوحي على لسان الملك، ويحتمل أنه بالإلهام، أو بتحريك الفكر على النظر والاستدلال.
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٣٩) [يوسف: ٣٩] استدلال من يوسف-﵇-على التوحيد لإرشاد أصحابه في السجن، فقد كان داعيا إلى الله- -في كل حال من شدة ورخاء.
وتقريره: أن الله- -رب واحد، والرب الواحد خير من الأرباب المتفرقين، أما الأولى فلما سيأتي إن شاء الله- -من براهين التوحيد.
وأما الثانية: فلأن/ [٢٣٨/ل] / [١١٠ ب/م] أحكام الواحد متفقة، وأحكام المتفرقين متفرقة مختلفة، والاتفاق خير من الفرقة، وبالقياس على الشاهد أن الرعية مع ملك واحد أصلح حالا من ملوك، والعبد مع سيد واحد أحسن حالا منه مع جماعة سادة.
﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٠) [يوسف: ٤٠] يحتج به من رأى أن الاسم هو المسمى؛ لأنه المعبود لا الاسم، ولا حجة فيه كما سبق.
﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (٤٢) [يوسف: ٤٢] فيه أن علم التعبير علم مظنون، وقد يقطع بالتأويل بقرائن، أو اطراد عادة، ونحوه.
стр. 348
﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] إنساء الشيطان بوسوسته، والشيطان ووسوسته من قدر الله- -وأسبابه المقدرة، فإلى ربك المنتهى في كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله.
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ (٤٧) [يوسف: ٤٧] قيل: معناه ازرعوا، فهو خبر بمعنى الأمر، أو أمر بلفظ الخبر، وقيل: هو خبر لفظا ومعنى، ففيه إذن جواز إطلاق الخبر بتأويل الرؤيا على تقدير صدقها، ولا يشترط أن يقول: إن صدقت رؤياك يكون كذا وكذا، ولا يكون مسيئا بترك ذلك، كما قال بعض المعبرين.
﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٥٨) [يوسف: ٥٨] يستشهد به الشيعة في غيبة الإمام، وأنه موجود ولكن أكثر الناس لا يعرفونه، وإن رأوه كما أن إخوة يوسف رأوه فعرفهم ولم يعرفوه، وهو قياس تمثيل لا يفيد عندهم في الفرعيات، فما الظن بالدينيات.
﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٦٧) [يوسف: ٦٧] قيل: خشي عليهم من العين؛ لأنهم كانوا ذوي رواء حسن، فخاف عليهم، وهي الحاجة التي كانت في نفسه، فقضاها، وقد أثنى الله- -عليه بذلك، فقال: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٨) [يوسف: ٦٨] ووافق ذلك قوله ﷺ «العين حق» (١)، فاتفق على ذلك شرعنا وشرع من قبلنا، فتأكد حكمها، وفي كيفية الإصابة بالعين خلاف؛ فقيل: هو سم ينفصل عن العين لخبث [في النفس]؛ فيتصل الشي مع الشعاع البصري، فيغيره.
وقيل: وهم قوة نفس تنفعل له الأجسام العنصرية، كانفعال الحديد للمغناطيس،
стр. 349
والعاشق للمعشوق، والنجوم لما تؤثر فيه على رأي أهلها.
وقيل: هو تغير يحدثه الله- -مقارنا لرؤية الرائي تنبيها له على أن الدار دار تغير وزوال، فلا يغتر بما هي عليه من حسن الحال تزهيدا له فيها/ [١١١ أ/م] وترغيبا عنها، وقيل غير ذلك.
﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ (٧٠) [يوسف: ٧٠] إلى آخر القصة، إن كان قوله- :
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (١١٢) [النساء: ١١٢] عاما مطلقا في جميع الشرائع والأمم فيحتمل/ [٢٣٩/ل] أنه مخصوص بهذه الواقعة ونحوها مما أذن الله- -فيه؛ أو تضمن مصلحة لا يسمى خطيئة حتى يخص به عموم الخطيئة.
﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ (٨١) [يوسف: ٨١] يحتج به من رأى الظن نوع علم؛ لأنهم سموا ما حصل لهم علما، وإنما كان ظنا باطلا لظهور كذبه بعد بأن ابنه سرق تهمة ولم يسرق حقيقة.
وأجيب بأنهم سموا الظن علما مجازا لما شابه العلم في قوته، وبالجملة فبين العلم والظن قدر مشترك يصلح علاقة للتجوز، وهو الرجحان ونظير هذه المسألة في «سبحان» و «الامتحان».
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٨٢) [يوسف: ٨٢] أي: أهلها وهو من باب مجاز الحذف والنقصان، والمجاز إما بزيادة نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أو بنقصان نحو ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أو بنقل واستعارة نحو ﴿وَجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] و ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ (٢٤) [الإسراء: ٢٤] وأشباه ذلك.
стр. 350
مُبِينٍ (٨) [يوسف: ٨] وليس المراد ضلالا في الدين، بل في حب يوسف، والمبالغة في الحب تسمى ضلالا.
﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٩٦) [يوسف: ٩٦] يقال: إن هذا القميص كان من حرير الجنة، جاء به جبريل-﵇-فكساه يوسف، أو وضع في قصبة، أو نحوها، وعلق في عنقه.
وبكل حال هذه معجزة [ليوسف-﵇].
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١٠٠) [يوسف: ١٠٠] أي سجود تحية لا عبادة، ولم يزل الناس كذلك حتى حرمه الإسلام تمييزا لله- -بهذه العبادة الخاصة دون غيره، فمن سجد لغير الله- قاصدا لعبادته عالما بتحريم ذلك، كفر.
﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (١٠٢) [يوسف: ١٠٢] حجة على صدق محمد ﷺ كما مر في «هود»، و «آل عمران»، وإنما قال ذلك في موضع، وتلك في آخر، ذهابا إلى القصص تارة وإلى القصة أخرى.
﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣) [يوسف: ١٠٣] أخبر الله [ بذلك لعلمه أنه سيصرف أكثرهم عن الإيمان بما سيخلقه] فيهم من الدواعي والصوارف.
﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٦) [يوسف: ١٠٦] يعني الكفار كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة والإيمان وهو التصديق بالله- -لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد وهم كانوا/ [١١١ ب/م] يؤمنون بالله- -وجودا وخلقا/ [٢٤٠/ل] وغير ذلك، ولكن لا يوحدونه عبادة.
﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] بالتشديد أي: كذبهم قومهم؛ فلا يتابعهم أحد.
стр. 351
﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] بإمالة قلوب الناس إليهم، و ﴿كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] بالتخفيف أي: أخلفهم الله- -وعده في النصرة، وأنهم ليسوا على شيء ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] بإنجائهم ومن اتبعهم، وإهلاك الكافرين.
وقد أنكرت عائشة-﵂-هذا التأويل تنزيها للأنبياء عن الشك في أمرهم، واختارت الوجه الأول أو نحوه، وليس ما أنكرته بالمنكر، إذ الإنسان يطرأ عليه لخوف أو حزن أو مرض أو هم وغم-أحوال يقول ويظن فيها أقوالا وظنونا هو فيها معذور؛ لغلبة ذلك الحال، ألا ترى أن النبي ﷺ لما تراخى [عنه الوحي في مبادئ أمره خرج ليتردى من شواهق الجبال وجدا لانقطاع الوحي] والرسل يوم القيامة يقال لهم: ماذا أجبتم؟ فيقولون: لا علم لنا. ينسون أو يشدهون لغلبة تلك الحال عليهم، ثم يتذكرون فيشهدون بما علموا، فكذا ظن الرسل هاهنا أنهم قد كذبوا هو من هذا الباب، والله- أعلم بالصواب.
...
стр. 352
القول في سورة الرعد
﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٢) [الرعد: ٢] المشهور أن معناه ترون السماء بغير عمد؛ لأنها كرة مستديرة لا حاجة إلى عمد، قيل: لا عمد لها ترونه، فيفهم أن لها عمدا لا ترى، وليس بشيء؛ إذ كونها بغير عمد أدل على القدرة والحكمة.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) [الرعد: ٣] أي جعل كل واحد منهما يغشى صاحبه، وسبب ذلك دوران الشمس في فلكها؛ فإذا غابت حالت الأرض بينها وبين الفضاء فأظلم فكان الليل، وإذا طلعت قابلت الفضاء فأضاء، فكان النهار.
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤) [الرعد: ٤] يحتج بها المتكلمون على أن الله- -يفعل بالقدرة والاختيار لا بالطبع والإيجاب خلافا للفلاسفة، ووجهه أن الشجر إذا سقي بماء واحد فلو كان المؤثر فيه فاعلا بالطبع لاتفق في الأكل؛ لأن الماء واحد وأثر الطبع يتحد؛ فيتعين الاتفاق في الأكل، فلما اختلف أكله مع اتحاد الماء دل على أن/ [٢٤١/ل] اختلافه من جهة اختيار الصانع.
فإن قيل: لعل اختلاف الثمار في طعومها وألوانها من قبيل اختلاف طبائع الشجر، أو اختلاف القوابل كالشمس تفعل بالطبع، وهي تبيض الثوب/ [١١٢ أ/م] وتسود وجه القصار.
فالجواب: لا نسلم أن الشمس تفعل بطبعها، ولا الماء ولا النار [يفعل شيئا] من ذلك بطبعه، بل هذه الأشياء أسباب، والفاعل الخالق وهو الله- -ثم إن اختلاف الطبائع والقوابل بفعل الله- -إذ هو خالق كل شيء. وذلك يدل على الفاعل المختار، وإلا لاتحدت الطبائع والقوابل أيضا.
стр. 353
﴿* وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٥) [الرعد: ٥] دل هذا الكلام على البعث والمعاد؛ لأنه لما أنكر تعجبهم منه، دل على أن وقوعه ممكن، وليس بعجب، ثم إنه كفرهم وتوعدهم على إنكار المعاد فدل على وجوب اعتقاد وقوعه، إذ الوعيد لا يكون إلا على محرم، فدل على [أن إنكارهم] للمعاد محرم؛ فيكون الاعتراف به واجبا.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (٧) [الرعد: ٧] ربما احتج به الشيعة على وجوب الإمامة أو وجود الإمام، ولا دلالة فيه على ذلك؛ إذ المراد لكل قوم رسول يرشدهم إلى الحق، أو لكل قوم هاد هو الله- يهدي من يشاء منهم؛ كأنه قال: يسألونك الآيات، وليس ذلك إليك، إنما أنت منذر كسائر الرسل قبلك، أو أنت منذر وأنا الهادي، كما قيل: «فإني واعظ والله هادي».
﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ (٨) [الرعد: ٨] هذا من مفاتح الغيب الخمس، وإنما علمه لأنه خلقه ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤].
﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ (١١) [الرعد: ١١] يحتج به الجمهور؛ لأن السوء يعم المعاصي وغيرها من البلاء.
وينتظم الدليل هكذا: الله- -يريد المعاصي، وكل ما أراده الله- لا مرد له فالله إذا أراد المعصية من قوم فلا مرد لها، وحينئذ تصير واجبة منهم، وذلك المراد بخلقه إياها، أو هكذا المعاصي مراد الله، وذلك مراد لله [فلا مرد له] فالمعاصي لا مرد لها. والخصم ينازع في المقدمة الأولى.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (١٢) [الرعد:
١٢] قيل: هو سوط ملك السحاب إذا ساقه به، أو (وري) النار، وعند الحكماء هو نار أو نور يحصل باصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض، والسحاب عندهم بخار ودخان يحتقن في الأرض/ [٢٤٢/ل] والجبال؛ فيندفع خارجا؛ فتحمله الريح صاعدا، فإذا لقي
стр. 354
برد الهواء اجتمع وتكاثف؛ ثم انعصر؛ فنزلت رطوبته مطرا، والصواعق نار تتكون عن الدخانية المتراقية من الأرض.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (١٤) [الرعد: ١٤] أي هو المدعو إلها حقا لا غيره، وما دعي من دونه كالأصنام ونحوها ليست آلهة؛ لأنها لا تستجيب ولا تنفع، وقد سبق نظم الدليل على ذلك.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (١٦) [الرعد: ١٦] يحتج بعمومه على أنه- خالق الأفعال من خير وشر وطاعة ومعصية، وتقريره أن أفعال العباد شيء، وكل شيء مخلوق لله- ؛ فأفعال/ [١٢٢ ب/م] العباد مخلوقة لله- -والخصم يدعي تخصيص الثانية بما سوى المعاصي بدليله العدلي زعم، والصواب طرد العموم فيها، تصحيحا لرأي الجمهور.
﴿وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦] أي واحد لا خالق معه، ولا شريك، قهار لمن سواه على ما يريد منه بخلق الدواعي والصوارف، ونحو ذلك من الأسباب الغالبة، ومع ذلك فله الحجة البالغة، ويحتج على المعتزلة أيضا بقوله- : ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] ولو صح ما قالته المعتزلة من أن الناس خالقون لأفعالهم، لكان له شركاء يخلقون كخلقه، وإنه محال.
[وأجاب الخصم بأن الخلق على ضربين، خلق أعيان وخلق أعراض؛ فخلق الأعيان وبعض الأعراض كالألوان ونحوها مختص بالله- -فإثباته لغيره هو الكفر والشرك الذي أنكره في الآية، وخلق بعض الأعراض، وهي أفعال الحيوان غير مختص به بل يشاركه فيه الناس، وذلك ليس بشرك وهذا كما أن معلوماته ضربان:
أحدهما: اختص به كالغيوب.
والثاني: مشروك فيه معلومات البشر].
стр. 355
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ (٢٧) [الرعد: ٢٧] أي: ليست الآيات موجبة للهداية، ولا عدمها موجبا للضلال، بل ذلك دائر مع المشيئة وجودا وعدما.
ويحتج به الجمهور على أن الله- -هو الهادي المضل لمن يشاء بخلق الهدى والضلال.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٣١) [الرعد: ٣١] فيه حجة لهم كما مر في نظائره.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (٣٨) [الرعد: ٣٨] أي أن الكفار يجهلون، ويظنون أن الأمر المعجز إلى النبي، وليس كذلك، بل أمره إلى الله- -فالنبي لا يستطيع أن يأتي إلا بإذن الله .
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] أي للآيات أجل وقت ستأتيكم فيه، وإليه الإشارة بقوله- : ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٢٠) [يونس: ٢٠] أي وقت مجيئها عند حلول أجله، وهذه ونحوها من مسائل النبوات والمعجزات.
﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩) [الرعد: ٣٩] هذا يعم النسخ التكليفي، كنسخ إباحة الخمر بتحريمها، والتكويني كنسخ الإماتة بالإحياء وعكسه، ونقص العمر وزيادته باعتبار ما في اللوح المحفوظ، ويستقر الواقع على مطابقة العلم الأزلي القائم بالذات، المشار إليه بأم الكتاب، فالكتاب يطلق على القرآن وغيره من الكتب المنزلة/ [١١٣ أ/م] وعلى اللوح المحفوظ، وأم الكتاب أي: أصل الكتب هو [العلم] القائم بذاته- .
следующие страницы →