← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] بإمالة قلوب الناس إليهم، و ﴿كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] بالتخفيف أي: أخلفهم الله- -وعده في النصرة، وأنهم ليسوا على شيء ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] بإنجائهم ومن اتبعهم، وإهلاك الكافرين. وقد أنكرت عائشة-﵂-هذا التأويل تنزيها للأنبياء عن الشك في أمرهم، واختارت الوجه الأول أو نحوه، وليس ما أنكرته بالمنكر، إذ الإنسان يطرأ عليه لخوف أو حزن أو مرض أو هم وغم-أحوال يقول ويظن فيها أقوالا وظنونا هو فيها معذور؛ لغلبة ذلك الحال، ألا ترى أن النبي ﷺ لما تراخى [عنه الوحي في مبادئ أمره خرج ليتردى من شواهق الجبال وجدا لانقطاع الوحي] والرسل يوم القيامة يقال لهم: ماذا أجبتم؟ فيقولون: لا علم لنا. ينسون أو يشدهون لغلبة تلك الحال عليهم، ثم يتذكرون فيشهدون بما علموا، فكذا ظن الرسل هاهنا أنهم قد كذبوا هو من هذا الباب، والله- أعلم بالصواب. ...

стр. 352

القول في سورة الرعد ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٢) [الرعد: ٢] المشهور أن معناه ترون السماء بغير عمد؛ لأنها كرة مستديرة لا حاجة إلى عمد، قيل: لا عمد لها ترونه، فيفهم أن لها عمدا لا ترى، وليس بشيء؛ إذ كونها بغير عمد أدل على القدرة والحكمة. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) [الرعد: ٣] أي جعل كل واحد منهما يغشى صاحبه، وسبب ذلك دوران الشمس في فلكها؛ فإذا غابت حالت الأرض بينها وبين الفضاء فأظلم فكان الليل، وإذا طلعت قابلت الفضاء فأضاء، فكان النهار. ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤) [الرعد: ٤] يحتج بها المتكلمون على أن الله- -يفعل بالقدرة والاختيار لا بالطبع والإيجاب خلافا للفلاسفة، ووجهه أن الشجر إذا سقي بماء واحد فلو كان المؤثر فيه فاعلا بالطبع لاتفق في الأكل؛ لأن الماء واحد وأثر الطبع يتحد؛ فيتعين الاتفاق في الأكل، فلما اختلف أكله مع اتحاد الماء دل على أن/ [٢٤١/ل] اختلافه من جهة اختيار الصانع. فإن قيل: لعل اختلاف الثمار في طعومها وألوانها من قبيل اختلاف طبائع الشجر، أو اختلاف القوابل كالشمس تفعل بالطبع، وهي تبيض الثوب/ [١١٢ أ/م] وتسود وجه القصار. فالجواب: لا نسلم أن الشمس تفعل بطبعها، ولا الماء ولا النار [يفعل شيئا] من ذلك بطبعه، بل هذه الأشياء أسباب، والفاعل الخالق وهو الله- -ثم إن اختلاف الطبائع والقوابل بفعل الله- -إذ هو خالق كل شيء. وذلك يدل على الفاعل المختار، وإلا لاتحدت الطبائع والقوابل أيضا.

стр. 353

﴿* وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٥) [الرعد: ٥] دل هذا الكلام على البعث والمعاد؛ لأنه لما أنكر تعجبهم منه، دل على أن وقوعه ممكن، وليس بعجب، ثم إنه كفرهم وتوعدهم على إنكار المعاد فدل على وجوب اعتقاد وقوعه، إذ الوعيد لا يكون إلا على محرم، فدل على [أن إنكارهم] للمعاد محرم؛ فيكون الاعتراف به واجبا. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (٧) [الرعد: ٧] ربما احتج به الشيعة على وجوب الإمامة أو وجود الإمام، ولا دلالة فيه على ذلك؛ إذ المراد لكل قوم رسول يرشدهم إلى الحق، أو لكل قوم هاد هو الله- يهدي من يشاء منهم؛ كأنه قال: يسألونك الآيات، وليس ذلك إليك، إنما أنت منذر كسائر الرسل قبلك، أو أنت منذر وأنا الهادي، كما قيل: «فإني واعظ والله هادي». ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ (٨) [الرعد: ٨] هذا من مفاتح الغيب الخمس، وإنما علمه لأنه خلقه ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤]. ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ (١١) [الرعد: ١١] يحتج به الجمهور؛ لأن السوء يعم المعاصي وغيرها من البلاء. وينتظم الدليل هكذا: الله- -يريد المعاصي، وكل ما أراده الله- لا مرد له فالله إذا أراد المعصية من قوم فلا مرد لها، وحينئذ تصير واجبة منهم، وذلك المراد بخلقه إياها، أو هكذا المعاصي مراد الله، وذلك مراد لله [فلا مرد له] فالمعاصي لا مرد لها. والخصم ينازع في المقدمة الأولى. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (١٢) [الرعد: ١٢] قيل: هو سوط ملك السحاب إذا ساقه به، أو (وري) النار، وعند الحكماء هو نار أو نور يحصل باصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض، والسحاب عندهم بخار ودخان يحتقن في الأرض/ [٢٤٢/ل] والجبال؛ فيندفع خارجا؛ فتحمله الريح صاعدا، فإذا لقي

стр. 354

برد الهواء اجتمع وتكاثف؛ ثم انعصر؛ فنزلت رطوبته مطرا، والصواعق نار تتكون عن الدخانية المتراقية من الأرض. ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (١٤) [الرعد: ١٤] أي هو المدعو إلها حقا لا غيره، وما دعي من دونه كالأصنام ونحوها ليست آلهة؛ لأنها لا تستجيب ولا تنفع، وقد سبق نظم الدليل على ذلك. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (١٦) [الرعد: ١٦] يحتج بعمومه على أنه- خالق الأفعال من خير وشر وطاعة ومعصية، وتقريره أن أفعال العباد شيء، وكل شيء مخلوق لله- ؛ فأفعال/ [١٢٢ ب/م] العباد مخلوقة لله- -والخصم يدعي تخصيص الثانية بما سوى المعاصي بدليله العدلي زعم، والصواب طرد العموم فيها، تصحيحا لرأي الجمهور. ﴿وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦] أي واحد لا خالق معه، ولا شريك، قهار لمن سواه على ما يريد منه بخلق الدواعي والصوارف، ونحو ذلك من الأسباب الغالبة، ومع ذلك فله الحجة البالغة، ويحتج على المعتزلة أيضا بقوله- : ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] ولو صح ما قالته المعتزلة من أن الناس خالقون لأفعالهم، لكان له شركاء يخلقون كخلقه، وإنه محال. [وأجاب الخصم بأن الخلق على ضربين، خلق أعيان وخلق أعراض؛ فخلق الأعيان وبعض الأعراض كالألوان ونحوها مختص بالله- -فإثباته لغيره هو الكفر والشرك الذي أنكره في الآية، وخلق بعض الأعراض، وهي أفعال الحيوان غير مختص به بل يشاركه فيه الناس، وذلك ليس بشرك وهذا كما أن معلوماته ضربان: أحدهما: اختص به كالغيوب. والثاني: مشروك فيه معلومات البشر].

стр. 355

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ (٢٧) [الرعد: ٢٧] أي: ليست الآيات موجبة للهداية، ولا عدمها موجبا للضلال، بل ذلك دائر مع المشيئة وجودا وعدما. ويحتج به الجمهور على أن الله- -هو الهادي المضل لمن يشاء بخلق الهدى والضلال. ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٣١) [الرعد: ٣١] فيه حجة لهم كما مر في نظائره. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (٣٨) [الرعد: ٣٨] أي أن الكفار يجهلون، ويظنون أن الأمر المعجز إلى النبي، وليس كذلك، بل أمره إلى الله- -فالنبي لا يستطيع أن يأتي إلا بإذن الله . ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] أي للآيات أجل وقت ستأتيكم فيه، وإليه الإشارة بقوله- : ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٢٠) [يونس: ٢٠] أي وقت مجيئها عند حلول أجله، وهذه ونحوها من مسائل النبوات والمعجزات. ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩) [الرعد: ٣٩] هذا يعم النسخ التكليفي، كنسخ إباحة الخمر بتحريمها، والتكويني كنسخ الإماتة بالإحياء وعكسه، ونقص العمر وزيادته باعتبار ما في اللوح المحفوظ، ويستقر الواقع على مطابقة العلم الأزلي القائم بالذات، المشار إليه بأم الكتاب، فالكتاب يطلق على القرآن وغيره من الكتب المنزلة/ [١١٣ أ/م] وعلى اللوح المحفوظ، وأم الكتاب أي: أصل الكتب هو [العلم] القائم بذاته- .

стр. 356

وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) [الرعد: ٤١] أي لا معارض ممانع ولا مستدرك، ولا طاعن على حكمته كإبليس ونحوه، فحاصله أنه لا ناقض لحكمه ولا طاعن في حكمته، وفيها إشارة إلى نحو ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (٢٣) [الأنبياء: ٢٣] في التسليم للأقدار والأحكام. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣] لما قدح الكفار في رسالته أمر بمحاكمتهم إلى من عنده علم الكتاب، وهم علماء بني إسرائيل ممن عرف الحق فاتبعه كعبد الله بن سلام ونحوه؛ لأنهم يعلمون أنه نبي موعود به في الكتب السابقة على لسان الأنبياء المتقدمين. وقيل: المراد بمن عنده علم الكتاب هو الله- -عنده علم كل شيء في كتاب مبين. أي: إن أنكرتم رسالتي، فيكفيني الله شهيدا على صدقي، وهو يقضي بيني وبينكم بالنصرة في الدنيا والآخرة، وكذلك كان، والله- -أعلم بالصواب.

стр. 357

القول في سورة إبراهيم ﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١) [إبراهيم: ١] فيها تعليل إنزال الكتاب بإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ويحتج به على تعليل الأحكام الإلهية بالحكم والمقاصد. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١] إشارة إلى أن لا خارج عن ظلمة الضلال إلا بإذنه- -ويحتج به على القدرية في أن إذن الله- -وإرادته مدار الضلال والهدى وجودا وعدما. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) [إبراهيم: ٤] يستدل به على أن اللغات اصطلاحية؛ إذ لو كانت توقيفية لكان التوقيف على لسان الرسول؛ فيحتاج إلى توقيف آخر، ويلزم التسلسل، وإذا كانت اصطلاحية لم يلزم ذلك، وانقطع التسلسل بالاصطلاح. ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] يحتج به الجمهور على أن الله- هو الهادي المضل، وأن مدار ذلك على مشيئته.

стр. 358

وكما قال يوسف ﵇: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٣٩) [يوسف: ٣٩] والظاهر أنه إنما أرشد إلى الله- بالطريق النظري الذي عرف به. ﴿*قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠) [إبراهيم: ١٠] هذه شبهة الكفار، وتقريرها: أننا نحن وأنتم بشر؛ فلستم أولى بالرسالة منا، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ﴾ أي حجة ومعجزة وبرهان على صدقكم يكون مرجحا لدعواكم. ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١) [إبراهيم: ١١] أي ما ذكرتموه من أننا وإياكم بشر مسلم، لكن قولكم: لستم أولى بالرسالة منا-ممنوع، وقولكم: يلزم الترجيح بلا مرجح، قلنا: المرجح لنا عليكم منة الله- -علينا دونكم. فإن الله يمن على من يشاء من عباده دون بعض بإرادته واختياره وسابق علمه في خلقه، وأما الآية والمعجز؛ فموقوف على إذن الله- -وأمره ليس إلينا بل هو يؤيدنا بذلك إذا شاء. واعلم أن هذا يوهم أن هؤلاء الرسل دعوا إلى الله- بلا معجز، ثم أحالوا بالمعجز على إذن الله- -وليس كذلك لقوله- في صدر القصة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (٩) [إبراهيم: ٩] وهي الحجج والآيات الظاهرة، لكن لما عاندهم قومهم وطلبوا منهم آيات أخر عنادا، أحالوهم على إذن الله- -وهو كذلك ردا لعنادهم. فإن قيل: لعل البينات التي جاءت بها هذه الرسل بينات نظرية وهي الحجج الاستدلالية كقولهم: ﴿*قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ﴾

стр. 359

لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) [إبراهيم: ١٠] وقومهم سألوهم آيات ومعجزات محسوسة ظاهرة قاطعة، قلنا: عرف القرآن في بينات الرسل أنها المعجزات القاطعة للحجة المثبتة للنبوة، وقد تضمنت الآية أن هؤلاء الرسل جاءوا قومهم بالبينات، وأما الاستدلال بخلق السماوات والأرض فنافلة وزيادة على المعجزات، كما أن نبينا ﷺ جاء بمعجزات كثيرة، ثم كان ينبههم على الحق بالإشارات النظرية، وقد تضمنت هذه القصة جدالا ومناظرة من الرسل لقومهم، واحتجاجا بينا منهم على ما قررناه، وفي ذلك/ [٢٤٥/ل] ما يدل على شرف العلوم النظرية، [ووجوب استعمالها عند الحاجة إليها. ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (١٧) /١١٤ أ/م] [إبراهيم: ١٧] ليس هذا تناقضا؛ لأن سلب الموت حقيقة وإثباته مجاز، ولا تعارض بينهما. ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٢١) [إبراهيم: ٢١] يحتج به الجمهور على أن هداية العبد من الله- -لا من نفسه، وأنها تمتنع إذا لم يردها الله . وربما أجاب المعتزلة بأن هذه حكاية كلام الكفار في الكفار وقد كانوا جبرية مثلكم، فلا حجة فيه؛ لأنكم احتججتم علينا بعين مقالتكم، ونحن كما لم نسلمها في دار التكليف، لا نسلمها في دار الجزاء؛ لأنها باطلة، والباطل لا يتعين حقيقته باختلاف المواطن. ويجاب عنه بأن هؤلاء الكفار لما صاروا في دار الحق، صار كلامهم حجة لوجهين: أحدهما: أن دار الحق لا يقع فيها إلا حق. الثاني: أن الله- -حكاه عنهم غير منكر له منهم، بل مقر لهم عليه، وحسبك بما لم ينكره الله- -أن يكون معروفا، وبما يقر عليه ألا يكون منكرا.

стр. 360

وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) [إبراهيم: ٢٢] يحتج به المعتزلة؛ لأن الشيطان في دار الحق، فلا يقول إلا حقا، وقد ألزم الكفار الملامة، فدل على أن سببها منهم. وأجيب بأن سببها منهم كسبا لا خلقا، ويكفي كسبهم لها في توجيه اللائمة عليهم. ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ (٢٧) [إبراهيم: ٢٧] يحتج به الجمهور، وهو صريح في دعواهم نسبة إضلال الظالمين إلى الله- -ويجيب المعتزلة بأنه إنما أضلهم بعد ثبوت ظلمهم المخلوق لهم عقوبة عليه، ويقال لهم: عندكم يمتنع منه أن يضل أحدا مطلقا؛ فإذا جاز أن يضلهم] [عقوبة جاز أن يضلهم ابتداء، أو يقال: لا نسلم أن ظلمهم مخلوق لهم بل هو كسب لهم لا غير، فهو أضلهم فظلموا، ثم زادهم ضلالا لما ظلموا، كل ذلك بحسب تصرفه وعلمه فيهم. ﴿*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ (٢٨) [إبراهيم: ٢٨] إلى ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ (٣٠) [إبراهيم: ٣٠] يقتضي أن لله- -على الكفار نعما يتمتعون بها، خلافا لمن منع ذلك، وقد سبق الخلاف فيه في الأعراف. ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (٣٤) [إبراهيم: ٣٤] إن جعل هذا عاما مطردا؛ لزم أن كل من سأل شيئا من جميع الخلق يكون قد أوتيه أو أعطي منه، ولا أرى هذا بتحقيق، فالأشبه أنه عام أريد به الخاص، وهو ما شاء الله- -إيتاءهم إياه، فالتقدير إذن: آتاكم من كل ما سألتموه مما شاء يؤتيكموه، وصار هذا من باب ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ (٤١) [الأنعام: ٤١] مع عموم ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦) [البقرة: ١٨٦] ونحوه.

стр. 361

﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (٣٤) [إبراهيم: ٣٤] هذا واضح ولو لم يكن إلا أن للإنسان/ [١١٤ ب/م] حواس خمسا يدرك بها محسوساتها، وعليه بكل واحد منها نعمة، وهو لا يطيق إحصاءها، بل حس البصر وحده أو حس أيها شئت لا يطيق إحصاءه، وأنت تدرك ببصرك نجوم السماء؛ فعليك بإدراك كل نجم نعمة، فهل تحصي نجوم السماء، كلا، فالحمد لله عدد نعمه على جميع خلقه، ما بين الأزل والأبد حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده. ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ (٣٥) [إبراهيم: ٣٥] يستدل به على ما سبق من أن عصمة الأنبياء-﵈-إنما هي من وقوع الكفر، لا من جوازه عليهم، وإلا لم يكن لهذا الدعاء فائدة، ولم يصح كما لا يصح أن يقول: اجنبني أن أكون بشرا حجرا في حالة واحدة. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٦) [إبراهيم: ٣٦] أي: كن سبب ضلالهم، [وإلا] فالمضل لهم بالحقيقة، إما هم لأنفسهم على رأي المعتزلة، أو الله- -على رأي الجمهور. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٩) [إبراهيم: ٣٩] هذا يقتضي أن الولد نعمة يحمد عليها، وقد ثبت الولد من زينة الدنيا، فيقال: هكذا الولد نعمة والولد زينة، ينتج بعض النعمة زينة وينعكس بعض الزينة نعمة، والغرض من هذا التعريف كيفية نظم المقدمات المتفرقة في القرآن واستنتاج نتائجها، وكذلك ثبت أن بعض الولد عدو، والولد نعمة ينتج بعض العدو نعمة، فبعض النعمة عدو. وعلى هذا وإن أمكن تخلف بعض [الشروط] فيما ذكرناه لكن المقصود تعريف تأليف مقدمات القرآن، وعليك أنت باعتبار شروط القياس.

стр. 362

الْكِتابِ (٣٩) [الرعد: ٣٩]. ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٥٢) [إبراهيم: ٥٢] فيه إثبات الوحدانية، وأن القرآن يدل عليها لأنه أخبر أنه أنزل القرآن بلاغا للناس لأجل إنذارهم به وعلمهم بالوحدانية، ولولا تضمنه دليلها لما صح هذا التعليل، وسيأتي بيان دليل التوحيد في «الأنبياء» و «سبحان» و «المؤمنون» وغيرها، وقد مضى شيء من ذلك. ...

стр. 363

القول في سورة الحجر ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) [الحجر: ٣] محكم وعيدي، أو منسوخ بآية السيف. ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٥) [الحجر: ٥] فيه أن القاتل لا يقطع أجل المقتول، وقد سبق القول فيه. ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ (٨) [الحجر: ٨] لأن برؤية/ [١١٥ أ/م] الملائكة يبقى الإيمان اضطراريا غير نافع كما سبق. ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٩) [الحجر: ٩] يحتج بها على أنه منزل غير مخلوق، وقد سبق، وعلى أنه محفوظ من الزيادة والنقص وسائر التغيرات خلافا لمن زعم أنه يغير ببعض هذه الوجوه، والدليل على حفظه ضبط المصاحف والحفاظ له في سائر الأعصار ضبطا متواترا، والتغير يستحيل على ما هذه صفته عادة. ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ (١٤) [الحجر: ١٤] هذا كقوله- : ﴿*وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١١١) [الأنعام: ١١١] والمانع لهم فيهما من الإيمان هو الخذلان بخلق الدواعي والصوارف، وأن الذي عاينوه من البرهان سحر مستمر وفي ذلك حجة للجمهور على مذهبهم المشهور. ﴿وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ (١٨) [الحجر: ١٧ - ١٨] فيه إثبات الشياطين واستراقهم السمع، وحراسة السماء بالشهب من ذلك. وعند الفلاسفة أن الشهب المنقضة سببها مادة دخانية تتراقى من الأرض متصلة بالأبتر وهو كرة النار، فيعلق في تلك المادة وبحسبها قلة وكثرة تكون الشهب صغرا وكبرا، وطول مدة وقصرا، ولم يرد الشرع بما قالوه ولا بنفيه، فالله أعلم بما خلق. ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ (٢٧) [الحجر: ٢٧] فيه أن وجود الجان والجن قبل آدم والإنس.

стр. 364

﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٢٩) [الحجر: ٢٩] يحتج بها من رأى قدم الروح، ويحكى عن أهل جيلان، وحجتهم أنه أضاف الروح إليه، فدل على أنها روح ذاته، وأيضا أن الملائكة لم يؤمروا بالسجود لآدم قبل حلول الروح فيه وأمروا بالسجود له بعد ذلك، والسجود إنما يكون للقديم؛ فدل على أنه الروح القديم حل فيه حتى استحق أن يسجد له. وجوابه أن إضافة/ [٢٤٦/ل] الروح إليه إضافة تشريف، وإلا لزم ما قالته النصارى في المسيح للنص على أنه كلمة الله وروح منه، وللإجماع على أنه روح الله، وأما السجود فإما أن يقال: إنه لله- -وآدم قبلة له، أو يكون لآدم وهو سجود تحية لا عبادة كسجود أبوي يوسف وإخوته له. ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (٣٧) [الحجر: ٣٦ - ٣٧] يحتج به الجمهور على أن الله- -لو لم يرد إضلال بعض الناس وإهلاكهم وإغواءهم، لما أجاب إبليس إلى هذا السؤال، ومن زعم أن حكيما أو غيره يحصر قوما في دار، ويرسل فيها النار العامة أو الأفاعي القاتلة الكثيرة، ولم يرد أذى أولئك القوم بالإحراق أو اللسع، فقد خرج عن فطرة البشر. ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣٩) [الحجر: ٣٩] سبق ذكره في الأعراف. ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤٠) [الحجر: ٣٩ - ٤٠] / [١١٥ ب/م] تزيين الشيطان وإغواؤه بالوسوسة، وإنما يتم ذلك بقدر الله- -وخلقه الدواعي والصوارف. ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢) [الحجر: ٤٢] يحتج به من أجاز استثناء الأكثر مع قوله: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤٠) [الحجر: ٣٩ - ٤٠] فاستثنى تارة المخلصين من عموم العباد، وتارة الغاوين من عموم المخلصين، وأيهما كان أكثر لزم استثناء الأكثر. وأجيب بأن استثناء المخلصين من عموم العباد استثناء الأقل، وأما استثناء الغاوين من

стр. 365

عبادي فليس متصلا، إذ ليس «الغاوين» من العباد الذين ليس لإبليس عليهم سلطان، وإلا لما كانوا غاوين، فهو إذن منقطع، وإنما يتم دليلكم أن لو كان متصلا. واعلم أن استثناء الأقل صحيح، والاستثناء المستغرق باطل، واستثناء الأكثر والنصف محل خلاف، وهو في الأكثر أبعد. ﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٦٠) [الحجر: ٥٨ - ٦٠] هذا استثناء من استثناء، الأول منفي فالثاني مثبت، بناء على أن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات خلافا للحنفية، ومأخذ الخلاف أنا إذا قلنا ما قام أحد إلا زيد، هل زيد محكوم عليه بإثبات القيام، أو أنه مجرد حكم إثبات أو نفي، وهذا قولهم، والأشبه الأول، [لأن الاستثناء] يتضمن جملتين بمقتضى لسان العرب مستثنى منها ومستثناة، فهما إما موجبتان أو سالبتان، وهو باطل؛ إذ هو تطويل محض بلا فائدة، أو الأولى موجبة والثانية سالبة، وهو خلاف الفرض، إذ الكلام في الاستثناء من النفي، فتعين الرابع، وهو أن: الأولى سالبة والثانية موجبة وهو المطلوب. واستدل عليه بأن الاستثناء من النفي لو لم يكن إثباتا لما حصل التوحيد بلا إله إلا الله، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم كذلك. وأجيب بأن ثبوت إلهية الله- -إنما حصلت بدليل العقل لا من هذا اللفظ، واحتج الحنفية بأن الاستثناء من النفي لو كان إثباتا، للزم من قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بطهور» (١) و (لا نكاح إلا بولي) (٢) صحة الصلاة والنكاح بمجرد حصول الطهور والولي، واللازم باطل فالملزوم كذلك، ويجاب بوجهين: أحدهما: أن الخلاف في الاستثناء من ذات متعددة نحو: ما قام القوم إلا زيد، وما

стр. 366

ذكرتموه استثناء من مصدر، فليس محل النزاع. الثاني: هب أنه من محل النزاع لكن منع من لزوم ما ذكرتم مانع، وهو أنه لو لزم ذلك لزم خلاف قاعدة عقلية، وهي أن الشرط لا يلزم من وجوده وجود [المشروط]، إنما يلزم من/ [١١٦ أ/م] عدمه [عدمه]، فتأثيره في عدمه لا في وجوده، وعلى ما ذكرتم كان يلزم من وجود بعض شروط الحكم وجوده وأنه باطل لما ذكرنا، ولاحتمال بطلان الصلاة والنكاح لتخلف شرط آخر، وإذا خصت قاعدة «الاستثناء من النفي إثبات» بقاعدة «الشرط العقلية» بقي حكم الاستثناء فيما عدا ذلك للدليل السالم عن المعارض، وبيان الآية المذكورة من هذا الباب أنه استثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثم استثنى امرأته من آله كأنه قال: أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم، وهم قوم لوط إلا آل لوط فليسوا مجرمين، فنحن منجوهم إلا امرأته من آله، فإنها مجرمة فتهلك؛ فأثبت لها الإجرام والهلاك المنفي عن الآل، وهو استثناء مثبت من منفي، وهو المطلوب. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٥) [الحجر: ٦٥] قد يقال: إنه عام خص بقوله- -في سورة هود: ﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (٨١) [هود: ٨١] والحق/ [٢٤٨/ل] أن هذا ليس بتخصيص؛ لأن امرأته لم يكن مأمورا أن يسري بها، ولا كانت هي منهية عن الالتفات حتى تناولها الخطاب فتخص منه، إنما أمر بالإسراء بغيرها من أهله، لكن هي تبعتهم بغير إذن طمعا في النجاة، فقدر عليها أن التفتت، فهلكت، فصار التقدير: ولا يلتفت منكم أحد وإن امرأتك ستتبعكم وتلتفت؛ فتهلك، فهو خبر آخر لا تخصيص. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (٧٥) [الحجر: ٧٥] قيل: هم المتفرسون؛ فيستدل به على صحة الفراسة واستعمالها والاعتماد عليها في بعض الأحكام، وهي الاستدلال بأمارات خلقية ظاهرة على أخلاق باطنة، كالاستدلال بشقرة اللون وزرقة العين على الشر، على ما اشتهر ونحو ذلك، وقد صنف الناس فيها كتبا كأرسطو ونحوه من القدماء، والإمام فخر الدين من المتأخرين وغيرهم.

стр. 367

فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) [الحجر: ٨٥] فيه وجوب قيام الساعة سمعا. ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٨٥) [الحجر: ٨٥] منسوخ بآية القتال. ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٤) [الحجر: ٩٤] يحتمل أنه وعيدي محكم، [أو منسوخ بما ذكر] أو معناه: اصدع بما تؤمر، ولا تلتفت إليهم [في تثبيطهم] لك عن ذلك.

стр. 368

القول في سورة النحل ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) [النحل: ١] أي قرب وسيأتي، فنزل المستقبل لقربه منزلة الماضي لتحقق وقوعه في علمه. ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) [النحل: ١] فيه ذم الشرك ونفيه وإثبات التوحيد. ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٢) [النحل: ٢] فيها إثبات عموم النبوة والتوحيد خلافا للبراهمة في النبوة فإنهم نفوها، محتجين بأن العقل كاف فيما ينبغي أن يستعمله المكلف؛ لأنه/ [١١٦ ب/م] يأتي الحسن ويجتنب القبيح، ويحتاط في المشتبه بفعل أو ترك، فالأنبياء إما أن يأتوا على وفق العقل، فلا حاجة معه إليهم، أو على خلاف العقل، فلا التفات إليهم. وجوابه: أن هذا مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وهو ممنوع، وبتقدير تسليمه لا نسلم أن العقل يستقل بجميع ما ينبغي خصوصا في حقوق الإله- -فلا بد له من معين على معرفة ما لا يستقل به من مصالح المعاش والمعاد وكيفية شكر المنعم والتعبد له وتعريف المقدرات ونحو ذلك، وحينئذ لا نسلم أنهم إن جاءوا على وفق العقل لا حاجة إليهم؛ لجواز أن يعرفوه بعض ما يخفى عليه مما ينبغي له، أو يؤكدوا حكمه بحكمهم، ودليلان أقوى/ [٢٤٩/ل] من دليل واحد، ولا نسلم أنهم إن جاءوا على خلافه لا يلتفت إليهم؛ لجواز أن يخالفوه فيما يخفى عنه كما مر، على أن ذلك في نفس الأمر فرض محال لإجماع الناس على أن الشرع لا يأتي بخلاف العقل في نفس الأمر، وإنما يأتي بما يقصر عن إدراكه العقل كتفضيل بعض الأمكنة والأزمنة على بعض لأسرار خفيت عنه، وكوجوب صوم آخر يوم من رمضان وإفطار الذي بعده، ونحو ذلك ومع البراهمة كلام أبسط من هذا. وخلافا لبعض المتصوفة حيث زعموا أن الرسل سوى الله، وكل سوى الله حجاب عن الله- -فالرسل حجاب عن الله- -فلا حاجة بالخلق إليهم، وهذا من هؤلاء إما جهل ظاهر، وفساد عقل أصابهم من غلبة الرياضة عليهم، أو زندقة خفية وإلحاد غلب عليهم من نظر فاسد. وأيسر ما يجابون به أن كبرى قياسهم ممنوعة الكلية، وهو كاف في فساد قياسهم، فإن الرسل وسيلة إلى معرفة الله- -والوصول

стр. 369

إليه، لا حجاب عنه، وهل يقبل ذو عقل أن يقال: نائب السلطان في بلاده حجاب عنه، فلا حاجة إليه؟ إذ الأنبياء يسوسون العباد في أمر المعاش والمعاد كنواب الملك في بلاده. وهب أن هذا المتصوف وشرذمة قليلة من أصحابه أمكنهم الوصول إلى الله- -بلا واسطة لقوة رياضتهم واستعدادهم وقابليتهم، فالسواد الأعظم الذين لا يمكنهم ما أمكن هؤلاء يتركون على انقطاعهم وجهلهم من غير موصل ومعرف؟ ! هذا جهل عظيم من هؤلاء، وإنما هذا كمن له عبيد كثيرون سائرون في سفر عرض لهم بحر وفيهم نفر يسير عوامون، والباقون لا يعرفون العوم، فإن مكثوا انقطعوا وإن خاضوا غرقوا، فهل ينكر العقل أن يمدوا بعوامين أو ملاحين يقطعون بهم تلك اللجة/ [١١٧ أ/م]. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧) [النحل: ٧] ربما ظن بعضهم أن المراد بهذا البلد مكة على الخصوص، وليس كذلك، بل عموم البلاد التي تحتاج فيها إلى الظهر، وتلحق المشقة دون بلوغها، وكيف ولعل الخطاب لأهل مكة وما حولها، ولا مشقة عليهم بالنسبة إلى بلوغها، لأنها دارهم وقرارهم. ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨) [النحل: ٨] احتج بها أبو حنيفة ومالك-رحمهما الله-على تحريم لحوم الخيل؛ لأنه- قرنها بما لا يؤكل، وهي البغال والحمير ونص على الحكمة في خلقها [٢٥٠/ل] في سياق الامتنان به، ولو كان في خلقها حكمة سوى الركوب، لاقتضى سياق الامتنان ذكرها كما قال في الأنعام: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٧٩) [غافر: ٧٩] حتى عد لها خمس حكم، ولما لم يذكر لخلق الخيل سوى حكمة واحدة، صار كقوله: لا تنتفعوا من الخيل بغير الركوب، وهو نص في المطلوب. أما الشافعي وأحمد-رحمهما الله-ومن تابعهما، فلما رأوا هذا الاستدلال لا يخرج عنه كونه بالمفهوم وهو لا يعارض المنطوق، رجحوا عليه السّنّة الصحيحة من حديث جابر (١) وأسماء: «نحرنا فرسا على عهد النبي ﷺ فأكلناه» (٢) ومثل هذا ظاهر إن لم يكن

стр. 370

قاطعا في أنه بلغه فأقر عليه، وذلك حجة في إباحة لحم الفرس، وربما علل المانعون بأن في إباحة لحم الخيل إغراء بها وتقليلا لآلة الجهاد، وهو جيد، غير أنه منتقض بالإبل كانت أكثر آلة جهادهم، وقد أبيح أكلها باتفاق، وليس لمانع أن يمنع كون الإبل من آلة الجهاد، لقوله- : ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦) [الحشر: ٦]. ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي إرشاد قصد السبيل، أي عليه أن يرشدكم إلى السبيل الأقصد والطريق الأقوم الأرشد، وهذا وجوب منه لا عليه، خلافا للمعتزلة بناء على وجوب رعاية مصالح التكليف واللطف بالمكلف على الله- -عندهم، وأنشد بعضهم في نحو ذلك: يا من تمكن في علم ومعرفة ... مفرقا بين صدق القول والكذب هل جائز من كريم كل ذي كرم ... عبد له من جميع العجم والعرب يدعو إلى فضله قوما ويمنعهم ... عند ابتداء بلا جرم ولا سبب وتحدى صاحب هذه الأبيات بها جماعة من أهل العلم، فوقفوا إلا عن قوله: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (٢٣) [الأنبياء: ٢٣]. وجواب ذلك لا يخرج عما قررناه في مقدمة هذا التعليق من رأي الجبرية، وهو أنه يمنعهم لعلمه بأن لو فوض إليهم خلق أفعالهم/ [١١٧ ب/م] لامتنعوا من الطاعة و [قارفوا] المعصية، وكذلك من دعا إلى مأدبة قوما جاز أن يمنع بعضهم عنها بأسباب توجب منعه، لعلمه لفساد نية أو خبث طوية، أو لعلمه بأنه إنما أجاب كارها أو متثاقلا، وأنه لو ترك وعزمه لم يجب. ﴿*وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٤٦) [التوبة: ٤٦]. ثم قوله: هل جائز؟ إن أراد الجواز العقلي وهو الإمكان الخاص، فلا شكل في جوازه كذلك، وإن أراد هل حسن؟ فهو تحسين عقلي، وهو ممنوع. ثم إن سؤاله خارج عن/ [٢٥١/ل] محل النزاع؛ لأن فرضه أنه دعاهم ثم منعهم ابتداء بلا موجب، ومحل النزاع فيما إذا منعهم لموجب اختص هو بعلمه، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤].

стр. 371

وهذا كما أشار إليه بقوله- : ﴿*وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٤٦) [التوبة: ٤٦]. ثم بين سبب الكراهة بقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٤٧) [التوبة: ٤٧]. وكما أشار إليه بقوله- ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى﴾ (٣٢) [النجم: ٣٢]. وعند هذا التحقيق سقط ما قاله هذا القائل من التلفيق، والله ولي التوفيق. (ومنها) أي ومن السبل (جائر) أي مائل عن القصد، وهو كقوله- : ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٥٣) [الأنعام: ١٥٣]. ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩) [النحل: ٩]. يحتج به الجمهور كما سبق. ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١١) [النحل: ١١]. هذا عطف عام على خاص، ومثله: ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (٣٤) [إبراهيم: ٣٤]. مع ما قبله و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧٧) [الحج: ٧٧]. عطف عام على خاص، ثم على أخص؛ إذ العبادة أعم مما قبلها، وفعل الخير أعم من العبادة، وكلام العرب إما عطف خاص على عام نحو: وملائكته وجبريل، أو عام على خاص كما ذكر هاهنا، أو عام على عام نحو الإنس والبشر، أو خاص على خاص، نحو: محمد وأحمد.

стр. 372

﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١٧) [النحل: ١٧] هذا من أدلة التوحيد، وقد سبق تقريره. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٧) [النحل: ٢٧] لا ينبغي لعالم أن يغفل عن هذه، فإنها قاطعة بأن لأهل العلم مقالا بين يدي الله- -يوم القيامة، وأنه ربما حكم بقولهم هناك إكراما لهم كما أجرى أحكامه على ألسنتهم في الدنيا. ﴿* وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣٠) [النحل: ٣٠] هو عام في المحسنين مطلق في الحسنة، فكل محسن لا بد له في الدنيا من حسنة جزاء كثيرا أو قليلا، ولو وصف الإحسان. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣١) [النحل: ٣١] عام مطرد، لا يقال: لو شاءوا الظلم أو الزنا لم يكن لهم فيها، لأنا نقول: يصرفون عنه فلا يشاءونه/ [١١٨ أ/م] لغناهم عنه بخير منه، أو لمجرد الصرف عنه. ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥) [النحل: ٣٥] سبق القول على نظيرها في الأنعام.

стр. 373

طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) [الأنعام: ٣٨] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) [النور: ٤١]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤٤) [الإسراء: ٤٤] ونحو ذلك. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٦) [النحل: ٣٦] هو مثل ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٠) [الأعراف: ٣٠]. ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٧) [النحل: ٣٧] يحتج به الجمهور على تقدير أن فاعل يضل هو الله- -والمعتزلة على تقدير أن فاعله راجع إلى «من» لنسبة الضلال إلى المكلف، ويحمله الجمهور على أن معناه يضل بالكسب، أو على تقدير التفويض على ما عرف، وعلى تقدير يضل غير مسمى الفاعل يحتج به الفريقان لتردد فاعل الضلال بين الله- -وغيره كالشيطان نحو ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٨]. ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٢٤) [النمل: ٢٤]. ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٢) [الأنعام: ١٢٢] ونحوه.

стр. 374

بأمرين أحدهما بيان ما يختلفون فيه، والثاني تكذيب الكفار في دعاويهم الباطلة كإنكار البعث ونحوه، وقد دلت هذه على أن كشف الحقائق المختلف فيها إنما يكون في الآخرة، لأن هذه الدار كما أنها دار تكليف لا جزاء كذلك هي دار خلف لا كشف. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١١٩) [هود: ١١٩] ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢٢) [ق: ٢٢]. وشبهتهم في إنكار البعث: أن الأجسام إذا انحل تركيبها تلاشت وصارت عدما محضا ونفيا صرفا، وإعادة ما ذلك شأنه محال. وجوابه: لا نسلم أنها إذا انحلت صارت عدما محضا بل تنحل إلى جواهر مفردة قارة الحقائق حافظة لمواد الأجسام، والإعادة بجمع تلك الجواهر وتأليفها ثانيا كما كانت أولا، ومثاله عقد انقطع سلكه فتفرق حبه، فإعادته عقدا بجمعه ونظمه، سلمنا أنها تصير عدما محضا. لكنها مع ذلك يجوز إعادتها عن عدم، كما جاز ابتداؤها عن عدم، وتمام القول في هذا يأتي إن شاء الله- : ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠) [النحل: ٤٠] هذا بيان لوقوع البعث ومستند صحته، وهو صلاحية القدرة الأزلية لفعل/ [١١٨ ب/م] كل ممكن، فإن قيل: لا نسلم أن إعادة المعدوم وبعث الموتى ممكن حتى يدخل تحت عموم المقدورية، قلنا: بيان إمكانه من وجهين: أحدهما أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته. الثاني: أن كل حقيقة وماهية من جسم وغيره فوجودها من حيث هو إما ممكن أو ممتنع، فإن كان ممكنا حصل المقصود وجاز إيجادها ثانيا كإيجادها أولا، وإن كان ممتنعا فامتناعه إما/ [٢٥٣/ل] لذات تلك الماهية، أو لبعض لوازمها، أو لأمر خارج عنها، فإن كان لذاتها أو للازمها لزم ألا توجد ابتداء، وإنه باطل، لأنها قد وجدت ابتداء فتعين أن امتناع وجودها لأمر خارج عن حقيقتها وعارض من عوارضها، وذلك العارض يجوز انفكاكه عنها ومفارقته لها، فيزول امتناع وجودها لزوال سببه، وحينئذ يبقى وجودها جائزا، وهو المطلوب، أو نقول: يكون وجودها معلقا على أمر ممكن؛ وهو انفكاك ذلك الأمر العارض عنها، والمعلق على الممكن ممكن، فكل ماهية إعادتها ممكنة، وهو المطلوب، ويورد على هذه الآية سؤال، وهو أن الشيء المراد كونه متى يقال له: كن، أفي حال وجوده، أو في حال عدمه؟

стр. 375

إن كان الأول، فتكوينه تحصيل الحاصل، وإن كان الثاني، فليس حينئذ شيئا حتى يقال له: كن، والآية تضمنت أن الذي يقال له: كن شيء، والشيء في اللغة الموجود، وهو نقيض المعدوم. والجواب: على رأي المعتزلة سهل؛ لأن عندهم بين الموجود والمعدوم واسطة تسمى الثابت، وهو لا موجود ولا معدوم، فعلى هذا معنى الآية: إذا أردنا إخراج بعض هذه الأفراد الثابتة إلى الوجود، قلنا له: كن موجودا أو كن خارجا عن حال الثبوت إلى الوجود، فيخرج. أما على رأي الجمهور النفاة لهذه الواسطة؛ فنقول: إن للحقائق بالنسبة إلينا وجودا خارجيا وذهنيا ولسانيا وبنانيا، أي: بالكتابة بالبنان، والوجود الذهني صورة [في الذهن] مطابقة للخارجي، وإذا عرف هذا فنحن نثبت الحقائق بالنسبة إلى الله- -وجودا علميا على وزان وجودها الذهني بالنسبة إلينا، وحينئذ معنى الآية: إذا أردنا إيجاد شيء من الموجودات العلمية إلى الخارج، قلنا له: كن فيكون، فباعتبار وجوده في العلم صح تسميته شيئا وموجودا وباعتبار عدم وجوده في الخارج صح إيجاده وقبوله لتأثير المؤثر. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣) [النحل: ٤٣]. هذا/ [١١٩ أ/م] جواب من قال: ﴿فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ (٢٤) [القمر: ٢٤]. أو جواب من قال: ﴿*وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ (٢١) [الفرقان: ٢١]. أو ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ (٨) [الأنعام: ٨] ونحوه، وتقرير شبهتهم: أن هذا رجل مثلنا، فاختصاصه بالرسالة دوننا ترجيح بلا مرجح، فأجيبوا، بأنا قد أرسلنا قبله رسلا رجالا إلى أممهم السالفة، وقد سلمتم ذلك، فإن لزم المحال من إرسال محمد إليكم، فيلزم من إرسال الرجال إلى من قبلكم، وهذا واف في إبطال شبهتهم، أما بيان عدم لزوم الترجيح بلا مرجح، فقد سبق في سورة إبراهيم، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده.

стр. 376

﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي عن الرسل/ [٢٥٤/ل] المتقدمين، هل كانوا رجالا أم لا، اسألوا عنهم أهل الكتاب إن أنكرتم أو جهلتم ذلك، فهذا الأمر الخاص هو سبب هذا الكلام. ثم احتج العلماء بعموم لفظه على جواز تقليد العامي للعالم، وبمفهومه على أن العالم [لا يقلد العالم] وفي هذه أقوال ثالثها: يقلده لنفسه لا لغيره، ورابعها: يقلده إن ضاق الوقت ولم يجد الحكم في حاصله، واستدلالهم بهذه الآية على هذا الحكم بناء على أن النص الوارد على سبب خاص يعتبر عموم لفظه لا خصوص سببه؛ خلافا لمالك في ذلك وفيه عندهم تفصيل، وهو أن اللفظ إن استقل دون سببه اعتبر عمومه، وإن لم يستقل دونه اختص به. ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٤) [النحل: ٤٤] هذا متعلق «بأرسلنا» لا ب «تعلمون» أي: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣) [النحل: ٤٣] بالبينات أي أرسلناهم ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٤) [النحل: ٤٤]، [هذا متعلق] وليس معناه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون البينات والزبر، وإنما نبهت على هذا؛ لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي في تعليقته في أصول الفقه تأول الآية على هذا، وعلق الباء ب «تعلمون»، وليس الأمر كذلك، والوجه ما ذكرناه. ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٤) [النحل: ٤٤] أي: كما أرسلنا الرسل قبلك بالبينات والزبر أرسلناك بالقرآن. وأنزلناه إليك ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وفي هذا مسائل: الأولى: أن في الكتاب ما يحتاج إلى البيان، وإلا لم يكن للتعليل المذكور وبيان الرسول ﵊-فائدة. الثانية: جواز التكلم بالمجمل لاستلزام الحاجة إلى [بيان ذلك]. الثالثة: ما نزل إليهم، إن كانت «ما» نكرة موصوفة، فالتقدير: لتبين للناس شيئا أو

стр. 377

كلاما نزل إليهم فلا عموم فيها، وإن كانت بمعنى الذي فهو عام أريد به الخاص وهو المجمل/ [١١٩/ب/م] الكتابي؛ إذ فيه كثير مما هو بيّن بذاته، لا يحتاج إلى بيان. الرابعة: أن بيان النبي ﷺ للقرآن إذا وجد كان مقدما على غيره؛ لأنه المخصوص ببيان الكتاب. الخامسة: وجوب العمل بخبر الواحد؛ لأن بيان النبي ﷺ للقرآن واجب القبول، والتواتر فيه نادر، فلو لم تقبل الآحاد لتعطل أكثر البيان. السادسة: جواز بيان المتواتر بالآحاد بخلاف النسخ؛ لأنه رفع والبيان كشف، والأقوى يكشف الأضعف، ولا يرفع به. السابعة: (للناس) عام مخصوص بمن ليس بمكلف، إذ لا حاجة له إلى البيان، وبالكفار لأن البيان فرع الكتاب، وهم ينازعون في الأصل فلا يفيدهم البيان، وإنما يدعون أولا إلى الإيمان بالأصل ثم يبين لهم. الثامنة: قوله- : ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٤) [النحل: ٤٤]. أي: أنزلناه إليك مبلغا، نزل إليهم مكلفين به، وهو ﷺ / [٢٥٥/ل] من حيث هو مكلف بأحكام الكتاب داخل في عموم الناس في التكليف، أو تقديره: أنزلناه إليك لتبلغه، وتعمل به، ونزل إليهم ليعملوا به. ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤٩) [النحل: ٤٩] ليس هذا من باب عطف الخاص على العام، إذ الملائكة ليسوا دواب وإنما هو من باب: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ (١٧٢) [النساء: ١٧٢] في كون كل واحد من المعطوفين أفضل مما قبله. ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٥٠) [النحل: ٥٠] يحتج به مثبتو جهة العلو، حملا للفوقية على المحسوسة خصوصا، وقد أضيفت إلى الملائكة الذين هم غالبا في السماء، وفوقيتهم محسوسة، وحملها الخصم على الفوقية المعقولة بالربوبية والمالكية والقدرة والعظمة ونحوها. ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٥٠) [النحل: ٥٠] يحتج به على عصمتهم، إذ لا معنى

стр. 378

للمعصوم إلا المحفوظ من المعاصي، وهؤلاء إذا فعلوا ما يؤمرون لزم أنهم لا يعصون، لأن الأمر إما بفعل أو كفّ عن فعل فيدخل في فعلهم ما يؤمرون فعل المأمورات وترك المحظورات، ولا شيء من المعصية ينسب إلى من كان كذلك. ﴿* وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١) [النحل: ٥١] هذا نهي عن الشرك، وإثبات للتوحيد يتضمن الأمر به. ﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ (٥٢) [النحل: ٥٢] إشارة إلى برهان التوحيد السابق إثباته، وتقريره: أن كل ما يدعى إلها مع الله- -مملوك له وكل مملوك له ليس بإله معه/ [١٢٠/م] فكل ما يدعى [إلها] معه ليس في الحقيقة إلها معه. بيان الأولى: بالآية إذ تضمنت: أن له ما في السماوات والأرض وما كان له، فهو مملوك له. بيان الثانية: أن الإله مالك، والمملوك من حيث هو مملوك لا يكون مالكا، فالإله ليس بمملوك، فالمملوك من حيث هو لا يكون إلها، وإن شئت قلت: لو كان مع الله إله غيره لكان مملوكا له، واللازم باطل فالملزوم كذلك، بيان الشرطية أن ذلك الغير مما في السماوات والأرض، وكل ما في السماوات والأرض مملوك له، فذلك الغير مملوك له بيان انتفاء اللازم استحالة اجتماع المملوكية مع الإلهية بما سبق. ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥٥) [النحل: ٥٥] هذا أمر تهديد مثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤٠) [فصلت: ٤٠]. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧) [النحل: ٥٧] هذا حكاية مذهب الكفار، زعموا أن الملائكة بنات الله؛ لأنهم أشخاص شريفة، ولا بد لهم أن يصدروا/ [٢٥٦/ل] بالولادة من غيرهم، ولا أشرف من الله يصدرون بالولادة عنه، ثم هم ليسوا بذكور، فكانوا إناثا بنات الله، وهذا تلفيق بحسب عقولهم وما ألفوه، والملائكة صادرون عن الله- -بالخلق والاختراع، لا بالولادة، ثم رد الله عليهم بوجهين: أحدهما: التنزيه الحقيقي العقلي، فقال : ﴿سُبْحانَهُ﴾ أي تنزه عن اتخاذ

стр. 379

الولد؛ لأنه يستدعي ولادة والولادة تستدعي زوجة وافتقارا إلى الوقاع المستلزم للجمسية، وكل ذلك ممتنع في حق الله- . الوجه الثاني: التقريع العرفي بقوله- ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧) [النحل: ٥٧]، ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٥٨) [النحل: ٥٨] أي أنهم يختارون لأنفسهم البنين الذين هم أشرف وأكمل، ويعتقدون لربهم البنات اللاتي هن أخس وأنقص، حتى إن أحدهم إذا بشر أن قد ولدت له بنت اسود وجهه من الكآبة والحزن، يتوارى من أصحابه حياء وخجلا، وظنا أن قد لحقه عار عظيم، ثم يتردد رأيه بين أن يستبقي تلك البنت على هوان وعار يلحقه منها، أو يدفنها في التراب حية، وهي الموءودة كشفا للعار عنه، ومع هذا كله يختارون لربهم نقائص البنات، ويستأثرون عليه باختيار كمال البنين، وقد كان يجب-إن لم يكن بد من سوء القالة، وقبح المقالة-أن يختاروا له أفضل القبيلين، لكن ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ (٢١) / [١٢٠ ب/م) [النجم: ٢١]. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (٦٢) [النحل: ٦٢] فزين لهم الشيطان أعمالهم بالوسواس ومساعدة القدر ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) [النحل: ٦٣] يحتمل أنه وليهم من حين ماتوا، حيث حلوا دار البوار باتباعه؛ فيصح أنه كان وليهم يوم نزلت هذه الآية، ويحتمل أن هذا الكلام قيل في الأزل على جهة الحكاية كما يقال يوم القيامة، أي زين لهم الشيطان أعمالهم، حتى إنه ليقال يوم القيامة: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) [النحل: ٦٣]. ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٦٧) [النحل: ٦٧] منسوخ بالنصوص في تحريم المسكر. ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ (٦٨) [النحل: ٦٨] أي ألهمه، والوحي إما بإلهام أو إرسال أو رؤيا ونحوه.

стр. 380

﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٧١) [النحل: ٧١] شاهد على التوحيد وتقريره: أن الله- -فضل السادة على العبيد في الرزق، ثم إن السادة لا يردون من فضل رزقهم على عبيدهم بحيث يشاركونهم ويساوونهم فيه والأصنام، وسائر الآلهة التي يدعونها مع الله- -عبيد له ومملوكون، فلا ينبغي لكم أن تشركوهم في عبادته التي اختص بها كما [٢٥٧/ل] لا تشركون عبيدكم في فضل رزقكم، وهذا دليل قياسي في التوحيد؛ فيدل على جواز استعمال القياس في الفروع بطريق أولى خلافا للظاهرية. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٧٣) [النحل: ٧٣] دليل آخر على التوحيد، وتقريره: أن الإله هو الرازق، وآلهتكم لا شيء منها برازق، فلا شيء من آلهتكم بإله، وهو واضح. ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧) [العنكبوت: ١٧]. ﴿* ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) [النحل: ٧٥] دليل آخر على التوحيد، وتقريره أن الله- -غني له ملك السماوات والأرض، وآلهتكم عبيد فقراء، فلا يساوونه في رتبة الإلهية، ولا يستحقون معه صفة المعبودية، كما لا يستوي العبد الفقير منكم والموسر الذي ينفق من يساره سرا وجهرا. ويحتج بهذه على أن العبد لا يملك بالتمليك، لأن الفقر جعل وصفا له لازما في دليل التوحيد؛ فلا يجوز زواله، كما لا يزول التوحيد.

стр. 381

قادر كافل لخلقه آمرناه، فلا تساويه أصنامكم العادمة لهذه الصفات، كما لا يستوي رجلان أحدهما جامع لهذه الصفات، وآخر عادمها. ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٨) [النحل: ٧٨] يذكرها بعضهم في أوائل المنطق فيقول: / [١٢١ أ] إن الإنسان في مبدأ الفطرة لا يعلم شيئا، ثم إنه يدرك المحسوسات بحواسه، فيتنبه لمشاركات بينها ومباينات، فيستنتج منها تصورات وتصديقات تحصل علوما عقلية ومطالب نظرية. ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٧٩) [النحل: ٧٩] هذا عند الجمهور على معنى: أنه خلق لها آلة تطير بها، وتستمسك وتنهض بها وتنزل، كما خلق للدواب قوائم تمشي عليها، [وعند الاتحادية إنما أمسكها لحلوله وسريانه بذاته فيها كما مر من حكاية مذهبهم]. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣) [النحل: ٩٣] يحتج بها الجمهور كما سبق. ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١) [النحل: ١٠١] يحتج بها على النسخ. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٠٣) [النحل: ١٠٣] والإشارة إلى سلمان الفارسي، كانت الكفار يقولون: إنه يعلم محمدا أخبار الفرس وقصص الأولين، فأجيبوا بأن لسان الذي أشرتم إليه أعجمي، ولسان القرآن عربي؛ فكيف يكون تعليم البشر، وقد أورد على هذا سؤال/ [٢٥٨/ل]: وهو أن يكون البشر المشار إليه يعلمه بلسانه وهو يلخصه بعبارته وفصاحته، وحينئذ لا يقدح اختلاف اللسانين في تعليم البشر له؟ ويجاب عن هذا: بأن البشر المشار إليه إن كان هو سلمان، فهو إنما أسلم بعد الهجرة بالمدينة بعد استقرار الإسلام وظهور المعجزات، وذلك لا يقدح فيما ثبت، ولو قدر أن سلمان كان يحكي له بعض أيام الفرس وقصصها على جهة التعريف بحالهم فلا يقدح في نبوة قد تقررت، ومن أين لهم أنه كان ينقل ما يسمعه من سلمان قرآنا، ولو كان ذلك

стр. 382

حقا لعورض، ثم ظهرت معارضته وقد كان النضر بن الحارث يتعاطى أن يعارض القرآن بما كان عنده من أحاديث الفرس مثل بهرام وإسفنديار ورستم ونحوهم؛ فعجز وقصر، وإن كان المشار إليه غير سلمان، فهو إما عربي كرحمان اليمامة الذي زعموه، أو عجمي، فالأول باطل، إذ لو صح [ذلك] لكان هذا العربي يدعي الأمر لنفسه، وهو أولى بالعلم الذي عنده يجعله دليلا على نبوته، وما كان ليؤثر بذلك على نفسه أحدا، والثاني باطل، وإلا فقد كان [بينهما ترجمان]، فصاروا في القضية ثلاثة، وكل حديث جاوز اثنين شائع؛ فكان يجب أن يشيع ذلك ويشتهر، ويتعين فاعله، كما اشتهر أمر مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح، وغيرهم من الكذابين. والذي يظهر لي في سبب هذه الشبهة أنها فتنة فتنهم الله- -بها، وإن بعض كفار مكة أو غيرهم/ [١٢١ ب/م] كشف له حتى رأى جبريل يوحي إلى النبي ﷺ على صورة بشر دحية الكلبي أو غيره، فقالوا: إنما يعلمه بشر، وأشاروا إلى شخص كان جبريل على صورته. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤) [النحل: ١٠٤] يحتج بها الجمهور على أنه- -يملك منع الهداية، فلا يهتدي أحد إلا بإرادته، وأجاب المعتزلة بأنه جعل مع هدايتهم عقوبة على كفرهم بآياته؛ فذلك الكفر منهم؟ قلنا: نعم هو منهم بكسبهم، وخلق الله- -إياه فيهم، وإذا ملك سلب هدايتهم عقوبة ملكه ابتداء، ولو كان لهم جهة خلق الكفر لكان لهم جهة خلق الهداية، لما منعهم إياها، وحينئذ كانوا غالبين لله- -وهو محال/ [٢٧٥/ل]. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٦) [النحل: ١٠٦] يحتج بها الشيعة على جواز التقية كما سبق تقريره في آل عمران، واختلف فيمن أكره [على كلمة الكفر] بالقتل، أيما أفضل له: إعزاز الدين بالامتناع والصبر على القتل، أو حفظ نفسه بالإجابة مع اعتقاد الإيمان؟ فيه قولان. ويحتمل أن الأفضل فعل الأثقل على نفسه، ورجح بعضهم حفظ النفس استبقاء للحقوق الإلهية التكليفية فيها، ولقوله ﷺ لعمار: «إن عادوا فعد» مع قوله له ولمن معه: «صبرا فإن موعدكم الجنة» (١) فلو كان الامتناع أفضل لاختاره لهم؛ لأنه أسرع لهم إلى الجنة.

стр. 383

﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٠٨) [النحل: ١٠٨] يحتج بها الجمهور كما سبق أول البقرة. ﴿* يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١١١) [النحل: ١١١] إن قيل: هذا يوجب أن يكون لكل نفس نفس؛ فيلزم التسلسل، قيل: ليس كذلك بل النفس لفظ مشترك بين الهيكل الجسماني ذي الروح، والجوهر البسيط المستوكر له المسمى نفسا؛ فالهيكل نفس تجادل عن الجوهر، الذي هو نفس، ومجادلتها محاجتها عن نفسها بما ترجو أن يخلصها. ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١١٤) [النحل: ١١٤] أي توحدونه بالعبادة، وهي تدل على أن شكر النعمة من التوحيد؛ لأنه يضيف النعمة إلى الله- -وحده كما توجه العبادة إليه وحده، ﴿وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]، لعله إشارة إلى هدايته للنظر والاستدلال بأفول الكواكب على وجود الصانع، ثم إلى طمأنينة القلب برأي العيان، وحينئذ فيه إشارة إلى أن طريق النظر والاستدلال صراط مستقيم، وأنه يرجى إيصاله إلى مقام العيان؛ لأن النفس إذا استعدت لقبول العيان، بالعلوم النظرية صارت كسراج فيه ذبالة مرواة بالزيت، فإذا أشرقت عليها أنوار المعرفة أوقدتها فعادت كمشكاة/ [١٢٢ أ/م] فيها مصباح. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣) [النحل: ١٢٣] يحتج بها من رأى أنه ﷺ كان قبل النبوة غير متعبد بشريعة أحد؛ إذ لو تعبد بشريعة أحد، لكان أولى ما تعبد به شريعة إبراهيم-﵇-لأنها اختيرت له بعد النبوة، ثم لو كان متعبدا بها قبل النبوة؛ لكان مستصحبا لها إلى ما بعدها، فلم يحتج إلى تجديد الأمر باتباعها، وقد اختلف في هذه فقيل: لم/ [٢٧٦/ل] يكن متعبدا بشريعة أحد، لئلا يكون تبعا لغيره، وقيل: كان على ملة إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: كان يتعبد بما يراه، وهو معصوم فيه على جهة التفويض على مذهب موسى بن

стр. 384

عمران الأصولي كما سبق. ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٢٤) [النحل: ١٢٤] اختلف قوم في بقاء تحريم السبت على اليهود، وفيه قولان للعلماء: أحدهما: هو باق، لاعتقادهم له واعترافهم وتدينهم به، مؤاخذة لهم بإقرارهم. والثاني: أنه ليس بباق، لثبوت نسخه بشريعتي المسيح ومحمد-﵉-فلو استباحه يهودي اتجه تعزيره وتأديبه على الأول، لانتهاكه حرمة يعتقدها لله- دون الثاني. ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥) [النحل: ١٢٥] يحتج بها المنطقيون على صحة علمهم ووجوب استعماله في الدعاء إلى الله- -لإقامة الحجة وكشف الشبهة، قالوا: لأن المنطق ليس إلا علما يتعرف فيه أحوال الأقيسة النظرية قوة وضعفا، وصحة وفسادا؛ ليتوصل بها إلى تحقيق الحق وإبطال الباطل، وجملة الأقيسة المبحوث عنها في المنطق خمسة: البرهاني والإقناعي والجدلي والسوفسطائي والشعري، والثلاثة الأول هي المعول عليها في المطالب العلمية، فالبرهان لإدراك اليقين، ويصلح لمن ارتاض بالحكمة، أو كانت له فطرة جيدة يدركه بها، والإقناع للعامة القاصرين عن رتبة البرهان، والجدل لمن يقصد المغالبة أو المغالطة في الحق فيلقى به ليكف عاديته، وأشير في الآية إلى هذه الثلاثة وسمي البرهان حكمة والإقناع الخطابي موعظة، وأشار إلى الجدلي بقوله: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥) [النحل: ١٢٥]. أما السوفسطائي فتشكيك في الحقائق، وإنما يعرف ليجتنب، أو ليبطل إن شكك به. والشعري تخييل يؤثر قبضا وبسطا في النفس يخدع به الناس عن أموالهم، فلا يستعملان في غير ذلك فلم يبق إلا الثلاثة الأول المشار إليها في الآية، وهي المقصود من علم المنطق، وإنما قلنا: إن استعماله في الدعاء إلى الحق واجب؛ لأنه أمر بالدعاء إليه به والأمر للوجوب، ولأن المنطق للمعاني كالنحو للألفاظ/ [١٢٢ ب/م] فبدونه لا تتحرر الحجج، وما لم تتحرر الحجج لا يتضح الحق؛ فلذلك قلنا: إن استعماله واجب، وعلى المنطق

стр. 385

شكوك قد ذكرت غير هاهنا، والتنبيه من الآية على معنى ما ذكرناه وذكره الإمام فخر الدين في أول شرح الإشارات. ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥) / [٢٥٩/ل]) [النحل: ١٢٥] يستدل به على أنه هو خالق الإضلال والهدى لقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤] فلما علم بمن ضل دل على أنه خلق ما به ضل. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١٢٨) [النحل: ١٢٨] معية إعانة وعناية ونصرة ورعاية. ...

стр. 386

القول في سورة سبحان ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) [الإسراء: ١] فيه إثبات الإسراء ويتبعه المعراج، لاتصاله به، وقد أنكره بعض الفلاسفة والمعتزلة، بناء على أن الجسم الثقيل الكثيف الهابط لا يرتقي إلى العالم اللطيف، وإنما كان مناما بدليل قوله: «فاستيقظت فإذا أنا [نائم] في بيت أم هانئ» (١) ونحوه مما يدل على أنه كان مناما. واعلم أن هذا مثل فلسفة إبليس في قوله: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢] فإن صعود الجسماني الأرضي إلى العالم الروحاني السماوي ممكن لذاته، وكل مقدور، والفاعل عندنا مختار يفعل ما يشاء ويختار، فلا يبقى لامتناع ذلك وجه. وتوجيهه على رأي المتكلمين بأن يخلق الله- -في الجسم الكثيف قوة جاذبة له إلى فوق أو خفة بحيث يحمله اللطيف، أو يخلق في القضاء اللطيف كثافة بحيث يحمل الكثيف، وهذا الغمام والمطر والبرد والصواعق وسائر الآثار العلوية كثيفة أو كثير منها، ويحملها الفضاء اللطيف، وأما المنام فقد لعمري كان مناما مرة توطئة لليقظة، ثم كان يقظة، والأحاديث الصحيحة دلت عليهما جميعا، ولو لم يكن إلا مناما لما أنكرته قريش، وبالإجماع أنهم أنكروه. ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ (١٣) [الإسراء: ١٣] قيل: هي صحيفة عمله تعلق في عنقه في قبره حتى يبعث بها، فيحاسب عليها وهي الكتاب الذي يخرج له يوم القيامة، فيلقاه منشورا. ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥) [الإسراء: ١٥] يحتج بها المعتزلة لإسناد الهدى والضلال إلى المكلف لا إلى الرب- .

стр. 387

وأجيب بأنه أسند إليه باعتبار الكسب، وقد تكرر هذا، والقاعدة الكلية أنه لما أضيف تارة إلى الرب، وتارة إلى العبد، حمل على الأول باعتبار الخلق، وعلى الثاني باعتبار الكسب، أو التفويض التقديري عند أهل الجبر جمعا بين النصوص. ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥) [الإسراء: ١٥] يحتج به الجمهور على أن لا حكم للعقل بإيجاب، ولا حظر ولا تحسين ولا تقبيح، ولا يقتضي شيئا من ذلك، وتقريره أنه لو كان له حكم لتوجه/ [١٢٣ أ/م] التعذيب على من عصى بموجب حكمه قبل بعثة الرسل، واللازم باطل، فالملزوم كذلك، أما الملازمة، فلأنه لو كان له حكم لكان مخالفه/ [٢٦٠/ل] عاصيا قبل البعثة، ولو كان مخالفه عاصيا لتوجه التعذيب عليه حينئذ. وأما انتفاء اللازم، فلهذه الآية، إذ نفي التعذيب قبل البعثة، وقد سبق القول في هذا، وحكاية مذهب المعتزلة فيه في سورة الأعراف. ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (١٦) [الإسراء: ١٦] ظاهرها متروك بالنص والإجماع على أن الله- لا يأمر بالفحشاء والفسق أمر اقتضاء واستدعاء، ولكن في تأويلها أقوال: أحدها: أمرناهم بالطاعة فعصوا ففسقوا، فحق عليهم القول ولزمتهم الحجة فعاقبناهم. الثاني: أمرناهم كثرناهم، ففسقوا، والكثرة سبب الفساد، يقال: أمر بنو فلان أي: كثروا وعظموا. الثالث: أمرناهم: جعلناهم يمورون فيها أي: يسعون ويجولون، من مار يمور، ففسقوا وهذا بخلق الدواعي والصوارف فيهم لذلك. الرابع: أمرناهم بلسان التكوين لا التكليف، ففسقوا كما قلنا في قوله- : ﴿*وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٤٦) [التوبة: ٤٦] مع ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤١) [التوبة: ٤١] وذلك بخلق دواعي الفساد فيهم.

стр. 388

﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ (١٨) [الإسراء: ١٨] هذه قيدت بقيدين: أحدهما: في المراد وهو ما نشاء، والثاني في المريد: وهو لمن نريد، وبذلك قيد مطلق ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥) [آل عمران: ١٤٥]، ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٢٠) [الشورى: ٢٠] ونحوه، وكذلك ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ (١٩) [الإسراء: ١٩] مقيد بقيدين السعي المناسب والإيمان، ولا يبعد أن يفسر المحكم بمثل هذه المقيدات والمتشابه بما يقابلها من المطلقات. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ (٢١) [الإسراء: ٢١] إن قيل: تفاوت الدرجات في الآخرة مما يتأذى به المفضول فيها عادة، وذلك يعارض النص بأن لا نصب فيها ولا حزن، ولا هم، قلنا: العادة ترتفع هناك، ويرضى كل بما حصل له، وثمرة التفاوت تحصل في نفس إدراك النعيم، فإدراك بعضهم أقوى ولذته أتم من بعض، وهذا كما تفاوتوا في الدنيا في العقول، ثم كل منهم راض بعقله، وثمرة التفاوت فيها يظهر في الإدراك العقلي قوة وضعفا.

стр. 389

لأنه- : «قضى» أي: حكم ألا يعبد سواه، وما قضاه لا مخالف له، فما عبد في الوجود إلا هو وهذه الأشياء قد عبدت، فوجب أن تكون هي إياه، وما ذلك إلا لسريانه بذاته في العالم أو كونه عين العالم. ورد عليه بأن الغلط إنما وقع من جهة اشتراك اللفظ، وإنما معنى قضى أمر، ولا يلزم من الأمر الطاعة، فهو أمرهم ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه، وعبدوا سواه. ﴿*وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً﴾ (٢٣) [الإسراء: ٢٣] هذا هو المثال المشهور في مفهوم الموافقة، وهو ما استفيد من غير محل النطق أقوى من المنطوق، فالمنطوق هنا تحريم التأفيف، والمفهوم تحريم الضرب، وهو أقوى من المنطوق بمعنى أن التحريم فيه أولى من تحريم التأفيف، يدرك ذلك بالضرورة. واختلف فيه، أهو قياس، أم لا؟ فقال قوم: هو قياس جلي، ونظمه: إن ضرب الوالدين أذى لهما فكان حراما كالتأفيف لهما وأولى، وأركان القياس موجودة الأصل والفرع والعلة والحكم. وقال آخرون: ليس بقياس، وإنما هو مدلول لفظي، لتفاهم العرب له مع عدم معرفتهم بالقياس، ولأن ذلك يفهمه من لا يتصور القياس، ولا يخطر له ببال، ويحتمل أن يقال: المنطوق في [مثل] هذا أعم، أو كالأعم من المفهوم. فالنهي عنه من باب نفي الأعم المستلزم نفي الأخص، وهذا من باب الدلالة العقلية لا اللفظية. ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ (٢٤) [الإسراء: ٢٤] هذا مجاز [تشبيها للولد] في ذلك بطائر خفض جناحه لأفراخه يظلهم به، وكذا ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨) [الحجر: ٨٨]، ولما قال أبو تمام الطائي في قصيدته المشهورة: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي أنكرت عليه هذه الاستعارة، ولم تستحسن منه، فأرسل إليه العتابي غلاما له، ومعه قارورة وقال له: قل له: احتجنا إلى شيء من ماء الملام فابعث به إلينا في هذه القارورة، فعلم أبو تمام أنه منكر عليه، متهكم مستهزئ به فقال للغلام: ارجع إلى مولاك فقل له: يرسل إليّ بريشة من جناح الذل، أخرجه له بها، فكان في ذلك مناظرة بالكناية شبيهة

стр. 390

بمناظرة القاضي عبد الجبار وأبي إسحاق المذكورة عند قوله- : ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) [الأعراف: ٢٨]. وتوجيهها: أن العتابي قال لأبي تمام: إن الملام لا ماء له فكيف استجزت استعارته؟ ! فقال له أبو تمام: فإن الذل لا جناح له/ [١٢٤ أ/م] فكيف استجيز استعارته في القرآن. واعلم أن المؤاخذة على أبي تمام ليست في نفس الاستعارة، وإنما هي/ [٢٦٢/ل] في حسنها وتمامها وتطبيق المفصل بها، وليست استعارته في ذلك كاستعارة جناح الذل، وبينهما بون بعيد يدرك ذلك حسا وعقلا، وإن شئت تحقق ذلك فتخيل الذل طائرا خفض جناحه، وتخيل الملام ماء في وعاء نخيل تجد الأول أسرع والنفس إليه أبدر، واستقصاء الكلام في هذا غير هاهنا. ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (٢٩) [الإسراء: ٢٩] شاهد على مدح التوسط، وذم الانحراف والتطرف. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (٣٠) [الإسراء: ٣٠] وكيفية ذلك بتقدير الأسباب المفيدة للرزق ومنعها: وهي بيد الله- -وذلك ظاهر، وعلل ذلك بما تضمنه قوله- : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (٣٠) [الإسراء: ٣٠] وهو أن فيهم من لا يصلحه إلا بسط الرزق، وفيهم عكس ذلك، فهو يراعى بذلك مصلحة من يشاء منهم، تفضلا منه من حيث لا يعلمون، ولا يشك عاقل أن قارون لو كان فقيرا لكان أقرب إلى صلاحه، وأن السارق وقاطع الطريق لاضطرار الفقر له إلى ذلك لو كان موسرا لكان أقرب إلى صلاحه. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ (٣١) [الإسراء: ٣١] مفهوم خرج مخرج الغالب فلا يعتبر. ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣٦) [الإسراء: ٣٦] احتج به من رأى الظن نوع علم، لأنه ﷺ نهى عن اتباع غير العلم، ثم إنه كان يحكم بالظن المستفاد من البينة واليمين وخبر الواحد ونحوه.
следующие страницы →