← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

القول في سورة سبحان ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) [الإسراء: ١] فيه إثبات الإسراء ويتبعه المعراج، لاتصاله به، وقد أنكره بعض الفلاسفة والمعتزلة، بناء على أن الجسم الثقيل الكثيف الهابط لا يرتقي إلى العالم اللطيف، وإنما كان مناما بدليل قوله: «فاستيقظت فإذا أنا [نائم] في بيت أم هانئ» (١) ونحوه مما يدل على أنه كان مناما. واعلم أن هذا مثل فلسفة إبليس في قوله: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢] فإن صعود الجسماني الأرضي إلى العالم الروحاني السماوي ممكن لذاته، وكل مقدور، والفاعل عندنا مختار يفعل ما يشاء ويختار، فلا يبقى لامتناع ذلك وجه. وتوجيهه على رأي المتكلمين بأن يخلق الله- -في الجسم الكثيف قوة جاذبة له إلى فوق أو خفة بحيث يحمله اللطيف، أو يخلق في القضاء اللطيف كثافة بحيث يحمل الكثيف، وهذا الغمام والمطر والبرد والصواعق وسائر الآثار العلوية كثيفة أو كثير منها، ويحملها الفضاء اللطيف، وأما المنام فقد لعمري كان مناما مرة توطئة لليقظة، ثم كان يقظة، والأحاديث الصحيحة دلت عليهما جميعا، ولو لم يكن إلا مناما لما أنكرته قريش، وبالإجماع أنهم أنكروه. ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ (١٣) [الإسراء: ١٣] قيل: هي صحيفة عمله تعلق في عنقه في قبره حتى يبعث بها، فيحاسب عليها وهي الكتاب الذي يخرج له يوم القيامة، فيلقاه منشورا. ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥) [الإسراء: ١٥] يحتج بها المعتزلة لإسناد الهدى والضلال إلى المكلف لا إلى الرب- .

стр. 387

وأجيب بأنه أسند إليه باعتبار الكسب، وقد تكرر هذا، والقاعدة الكلية أنه لما أضيف تارة إلى الرب، وتارة إلى العبد، حمل على الأول باعتبار الخلق، وعلى الثاني باعتبار الكسب، أو التفويض التقديري عند أهل الجبر جمعا بين النصوص. ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥) [الإسراء: ١٥] يحتج به الجمهور على أن لا حكم للعقل بإيجاب، ولا حظر ولا تحسين ولا تقبيح، ولا يقتضي شيئا من ذلك، وتقريره أنه لو كان له حكم لتوجه/ [١٢٣ أ/م] التعذيب على من عصى بموجب حكمه قبل بعثة الرسل، واللازم باطل، فالملزوم كذلك، أما الملازمة، فلأنه لو كان له حكم لكان مخالفه/ [٢٦٠/ل] عاصيا قبل البعثة، ولو كان مخالفه عاصيا لتوجه التعذيب عليه حينئذ. وأما انتفاء اللازم، فلهذه الآية، إذ نفي التعذيب قبل البعثة، وقد سبق القول في هذا، وحكاية مذهب المعتزلة فيه في سورة الأعراف. ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (١٦) [الإسراء: ١٦] ظاهرها متروك بالنص والإجماع على أن الله- لا يأمر بالفحشاء والفسق أمر اقتضاء واستدعاء، ولكن في تأويلها أقوال: أحدها: أمرناهم بالطاعة فعصوا ففسقوا، فحق عليهم القول ولزمتهم الحجة فعاقبناهم. الثاني: أمرناهم كثرناهم، ففسقوا، والكثرة سبب الفساد، يقال: أمر بنو فلان أي: كثروا وعظموا. الثالث: أمرناهم: جعلناهم يمورون فيها أي: يسعون ويجولون، من مار يمور، ففسقوا وهذا بخلق الدواعي والصوارف فيهم لذلك. الرابع: أمرناهم بلسان التكوين لا التكليف، ففسقوا كما قلنا في قوله- : ﴿*وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٤٦) [التوبة: ٤٦] مع ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤١) [التوبة: ٤١] وذلك بخلق دواعي الفساد فيهم.

стр. 388

﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ (١٨) [الإسراء: ١٨] هذه قيدت بقيدين: أحدهما: في المراد وهو ما نشاء، والثاني في المريد: وهو لمن نريد، وبذلك قيد مطلق ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥) [آل عمران: ١٤٥]، ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٢٠) [الشورى: ٢٠] ونحوه، وكذلك ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ (١٩) [الإسراء: ١٩] مقيد بقيدين السعي المناسب والإيمان، ولا يبعد أن يفسر المحكم بمثل هذه المقيدات والمتشابه بما يقابلها من المطلقات. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ (٢١) [الإسراء: ٢١] إن قيل: تفاوت الدرجات في الآخرة مما يتأذى به المفضول فيها عادة، وذلك يعارض النص بأن لا نصب فيها ولا حزن، ولا هم، قلنا: العادة ترتفع هناك، ويرضى كل بما حصل له، وثمرة التفاوت تحصل في نفس إدراك النعيم، فإدراك بعضهم أقوى ولذته أتم من بعض، وهذا كما تفاوتوا في الدنيا في العقول، ثم كل منهم راض بعقله، وثمرة التفاوت فيها يظهر في الإدراك العقلي قوة وضعفا.

стр. 389

لأنه- : «قضى» أي: حكم ألا يعبد سواه، وما قضاه لا مخالف له، فما عبد في الوجود إلا هو وهذه الأشياء قد عبدت، فوجب أن تكون هي إياه، وما ذلك إلا لسريانه بذاته في العالم أو كونه عين العالم. ورد عليه بأن الغلط إنما وقع من جهة اشتراك اللفظ، وإنما معنى قضى أمر، ولا يلزم من الأمر الطاعة، فهو أمرهم ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه، وعبدوا سواه. ﴿*وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً﴾ (٢٣) [الإسراء: ٢٣] هذا هو المثال المشهور في مفهوم الموافقة، وهو ما استفيد من غير محل النطق أقوى من المنطوق، فالمنطوق هنا تحريم التأفيف، والمفهوم تحريم الضرب، وهو أقوى من المنطوق بمعنى أن التحريم فيه أولى من تحريم التأفيف، يدرك ذلك بالضرورة. واختلف فيه، أهو قياس، أم لا؟ فقال قوم: هو قياس جلي، ونظمه: إن ضرب الوالدين أذى لهما فكان حراما كالتأفيف لهما وأولى، وأركان القياس موجودة الأصل والفرع والعلة والحكم. وقال آخرون: ليس بقياس، وإنما هو مدلول لفظي، لتفاهم العرب له مع عدم معرفتهم بالقياس، ولأن ذلك يفهمه من لا يتصور القياس، ولا يخطر له ببال، ويحتمل أن يقال: المنطوق في [مثل] هذا أعم، أو كالأعم من المفهوم. فالنهي عنه من باب نفي الأعم المستلزم نفي الأخص، وهذا من باب الدلالة العقلية لا اللفظية. ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ (٢٤) [الإسراء: ٢٤] هذا مجاز [تشبيها للولد] في ذلك بطائر خفض جناحه لأفراخه يظلهم به، وكذا ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨) [الحجر: ٨٨]، ولما قال أبو تمام الطائي في قصيدته المشهورة: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي أنكرت عليه هذه الاستعارة، ولم تستحسن منه، فأرسل إليه العتابي غلاما له، ومعه قارورة وقال له: قل له: احتجنا إلى شيء من ماء الملام فابعث به إلينا في هذه القارورة، فعلم أبو تمام أنه منكر عليه، متهكم مستهزئ به فقال للغلام: ارجع إلى مولاك فقل له: يرسل إليّ بريشة من جناح الذل، أخرجه له بها، فكان في ذلك مناظرة بالكناية شبيهة

стр. 390

بمناظرة القاضي عبد الجبار وأبي إسحاق المذكورة عند قوله- : ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) [الأعراف: ٢٨]. وتوجيهها: أن العتابي قال لأبي تمام: إن الملام لا ماء له فكيف استجزت استعارته؟ ! فقال له أبو تمام: فإن الذل لا جناح له/ [١٢٤ أ/م] فكيف استجيز استعارته في القرآن. واعلم أن المؤاخذة على أبي تمام ليست في نفس الاستعارة، وإنما هي/ [٢٦٢/ل] في حسنها وتمامها وتطبيق المفصل بها، وليست استعارته في ذلك كاستعارة جناح الذل، وبينهما بون بعيد يدرك ذلك حسا وعقلا، وإن شئت تحقق ذلك فتخيل الذل طائرا خفض جناحه، وتخيل الملام ماء في وعاء نخيل تجد الأول أسرع والنفس إليه أبدر، واستقصاء الكلام في هذا غير هاهنا. ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (٢٩) [الإسراء: ٢٩] شاهد على مدح التوسط، وذم الانحراف والتطرف. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (٣٠) [الإسراء: ٣٠] وكيفية ذلك بتقدير الأسباب المفيدة للرزق ومنعها: وهي بيد الله- -وذلك ظاهر، وعلل ذلك بما تضمنه قوله- : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (٣٠) [الإسراء: ٣٠] وهو أن فيهم من لا يصلحه إلا بسط الرزق، وفيهم عكس ذلك، فهو يراعى بذلك مصلحة من يشاء منهم، تفضلا منه من حيث لا يعلمون، ولا يشك عاقل أن قارون لو كان فقيرا لكان أقرب إلى صلاحه، وأن السارق وقاطع الطريق لاضطرار الفقر له إلى ذلك لو كان موسرا لكان أقرب إلى صلاحه. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ (٣١) [الإسراء: ٣١] مفهوم خرج مخرج الغالب فلا يعتبر. ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣٦) [الإسراء: ٣٦] احتج به من رأى الظن نوع علم، لأنه ﷺ نهى عن اتباع غير العلم، ثم إنه كان يحكم بالظن المستفاد من البينة واليمين وخبر الواحد ونحوه.

стр. 391

ولولا أن ذلك نوع علم لكان مرتكبا للنهي، وأنه غير جائز منه. وجوابه أنه سمى الظن علما للرجحان المشترك بينه وبين العلم كما سبق في ﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ (٨١) [يوسف: ٨١]. واحتج بهذا أيضا من منع العمل بخبر الواحد، وهم الشيعة، ومن تابعهم، لأنه إنما يفيد الظن لا العلم وقد نهى عن اتباع غير العلم وذلك يقتضي النهي عن العلم بخبر الواحد. وأجيب بأن هذا عام خص في خبر الواحد بأدلة كثيرة، منها ما سبق في ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٤) [النحل: ٤٤] ﴿*وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١٢٢) [التوبة: ١٢٢] وبالإجماع على قبول خبر المفتي والشاهد والحاكم ثبت عندي، ونحو ذلك. ﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ (٣٩) [الإسراء: ٣٩] يعني الآداب المتضمنة للطاعة واجتناب المعصية، وهذا التفسير لها داخل فيما سبق في تعريفها عند قوله- : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٦٩) [البقرة: ٢٦٩] ﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ (٣٩) [الإسراء: ٣٩] نهى عن الشرك، وأمر بالتوحيد وظاهره يقتضي ما سبق من أن عصمة الأنبياء-﵈ من وقوع الشرك لا من جوازه/ [٢٦٣/ل] خصوصا على رأي من يقول: إن النهي عن الشيء [١٢٤ ب/م] يقتضي صحة وقوعه.

стр. 392

أضافوا إلى الله- -ما هو منزه عنه، ويستحيل عليه واستئثارهم عليه بالأكمل على تقدير جواز ذلك عليه. ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ (٤٢) [الإسراء: ٤٢] هذا من أدلة التوحيد، وتقريره من وجهين: أحدهما: لو كان معه إله غيره لطلب ذلك الغير سبيلا إلى مغالبة ذي العرش على الملك وانفراده بالإلهية دونه واللازم باطل؛ فالملزوم كذلك؛ بيان الملازمة أن العادة اطردت بأن المشتركين في الملك يحاول كل واحد منهما المكر بصاحبه، أو مغالبته على إخراجه من الملك، وانفراده به دونه، واطراد العادة حجة، ولذلك كان انخراقها للأنبياء معجزا، بيان بطلان اللازم أن كل من ادعيتموه إلها مع الله تعالى كالأصنام ونحوها أسير في قبضة قدرته لا يستطيع السبيل إلى الخروج عن عبوديته فضلا عن ابتغاء السبيل إلى مغالبته. الوجه الثاني: لو كان معه غيره لطلب ذلك الغير السبيل إلى الوصول إلى رتبة ذي العرش أو إلى الشفاعة إليه فيما يريد، على العادة في بلوغ النظير رتبة نظيره والشفاعة إليه في بعض أموره، واللازم باطل، والمعول عليه هو الوجه الأول. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤٤) [الإسراء: ٤٤] فيه قولان: أحدهما: أنه عام أريد به الخاص وهم ذوو الحياة المتأتي منهم التسبيح، وعلى هذا يتمسك به الفلاسفة في أن الأفلاك حية ناطقة، لأنها مسبحة بهذا النص، وكل مسبح حي ناطق، فالأفلاك حية ناطقة. وجوابه: بمنع كونها مسبحة على هذا التقدير، وينتقض عليهم بالأرض؛ فإنها مسبحة بهذا النص، وليست حية باتفاق. الثاني: أنه عام مطرد في الحي وغيره كالجمادات، لكن تسبيح كل شيء بحسبه؛ فالحي بالنطق والجماد إما بظهور آثار القدرة فيه والتسخير له قسرا أو بخلق حياة فيه، أو أصوات يسبح بها لا يعلمها ويدركها إلا خالقها، ومن أطلعه عليها، [قال بعض العلماء المحققين ﵃: ] وقد أخبرني الثقة، أنه كان نائما في بستان فاستيقظ ليلا فسمع للنخيل والأشجار وجدار البستان كدوي النحل بالتسبيح، وأخبرني الثقة عن الثقة فيما أحسب أنه مر في أرض/ [٢٦٤/ل] مزروعة حنطة، وهو يسبح، فسمع السنبل جميعه يسبح، وفي تسبيح الجبال مع داود-﵇-غنية عن ذلك كله.

стр. 393

[وعلى هذا فربما احتج به الاتحادية على أنه سار/ [١٢٥ أ/م] بذاته في كل شيء، وأنه يسبح نفسه منها. وجوابه أن ذلك يقتضي اتحاده بها أو حلوله فيها، وهو محال على ما تبرهن في الكلام والحكمة، ويحتج ب ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤٤) [الإسراء: ٤٤] ونحوه على أن الفقه لغة الفهم، وقد قيل: هو العلم كما مر في مقدمة الكتاب]. [قوله تعالى] ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ (٤٥) [الإسراء: ٤٥] قيل: ساترا، فلا يرونك ليؤذوك إذا أرادوا، وقيل: مستورا عن أعين الناظرين، وهو إما خلق الصوارف [في قلوبهم عنك، أو ملائكة يسترونك عنهم كما ستره ملك عن أم جميل امرأة أبي لهب حين جاءته وهو في المسجد لتؤذيه. ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً﴾ (٤٦) [الإسراء: ٤٦] هذه الأكنة والوقر في آذانهم إما حسية، أو عقلية بخلق الصوارف] عن اتباع القرآن كما مر في ختم الله على قلوبهم. ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٤٩) [الإسراء: ٤٩] تضمنت إنكارهم للبعث بشبهتهم السابقة في سورة النحل. ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ (٥١) [الإسراء: ٥١] هذا جوابهم عن إنكار البعث بإثباته والاستدلال عليه، بقياس الإعادة على الابتداء أول مرة، بجامع الإمكان والقدرة على كل ممكن فيهما. ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ (٥١) [الإسراء: ٥١] ليس فيه تحديد لوقت قيام الساعة، إذ القريب أمر إضافي فألف سنة قريب بالإضافة إلى عشرة آلاف سنة، وبعيد بالنسبة إلى مائة سنة، ومائة ألف سنة قريب [إلى ألف ألف سنة بعيد بالنسبة إلى] [عشرة آلاف].

стр. 394

[الإسراء: ٥٢] اعلم أن الأجساد للأرواح كالثياب للأجساد، وكما أن جماعة عراة إذا صاح بهم صائح بادر كل منهم إلى ثوبه فلبسه، ثم أجاب الصائح، كذلك الموتى تتجرد أرواحهم، ثم تبلى أجسادهم فإذا أريد بعثهم أعيدت الأجساد كما كانت، وقد دللنا على إمكانه ووقوعه، ثم بادر كل روح إلى جسده فلبسه، ثم أجاب داعي البعث، وكما خلق الله- -الجسم بالتطوير والتصوير من نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى آخرها، فهو قادر على إعادته بدون ذلك، كما أنه خلق بني آدم بالتطوير ومن قبلهم خلق آدم بدونه، فالقدر المشترك في ذلك كله وغيره هو القدرة/ [٢٦٥/ل] التامة، وما زاد فهو كالآلات لا ينبغي أن يوقف معه، فهذه حقيقة البعث إن شاء الله- . ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ (٥٤) [الإسراء: ٥٤] مورية لزناد الجبرية، حيث قالوا: إنه- -علم أنه لو فوض إلى العاصي عمله لكان معصية، فجبر على ما لو فوض إليه لفعله كما تقرر في/ [١٢٥ ب/م] المقدمة، وبيانه من الآية أن المعنى الظاهر منها ربكم أعلم بكم، لو فوض إليكم خلق أفعالكم، ماذا كان يكون فهو يرحم ويعذب بحسب ذلك العلم. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ (٥٥) [الإسراء: ٥٥] دلت على أن بعضهم أفضل من بعض في الحقيقة، وأما نحن فنهينا عن التفضيل بينهم لما عرف من إيهام ذلك غضّا من المفضول، فقد جاء في الحديث «لا تفضلوا بين الأنبياء» (١). ﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ (٥٦) [الإسراء: ٥٦] هو من أدلة التوحيد، ونفي الشرك، وقد سبق نظيره في غير موضع. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً﴾ (٥٧) [الإسراء: ٥٧] معناه: أن آلهتكم التي تدعونها شركاء عبيد لله- -ضارعون يطلبون القرب إليه ويرجونه ويخافونه، ولا شيء ممن هو كذلك بإله.

стр. 395

﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً﴾ (٥٧) [الإسراء: ٥٧] اعلم أن بعض علماء الظاهر ينكر على بعض أهل العمل قوله: لست أعبد الله- -رجاء جنته، ولا خوفا من ناره. والتحقيق أن الجزم في هذا بأحد الطرفين، أعني الجواز والمنع مطلقا حطأ، بل الحق التفصيل، وهو أن من قال هذا القول إظهارا للاستغناء عن فضل الله ورحمته وجرأة عليه، فهو مخطئ كافر، ومن قاله لاعتقاده أن الله- -أهل للعبادة لذاته حتى لو لم يكن هناك رحمة ولا عذاب ولا جنة ولا نار، لكان أهلا أن يعبد فهو محقق عارف، وتحقيق ذلك أن للحق- -صفتي جلال وجمال، فلو انتفى الخوف من جهة صفة جلاله لوجبت عبادته لما هو عليه من الكمال [من جهة صفة] جماله. ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ (٥٩) [الإسراء: ٥٩] تضمنت الجواب عن استعجال الكفار الآيات في أول الأمر، وقولهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (٧) [الرعد: ٧]. ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٧) [الحجر: ٧] ونحوه، وتقريره: أنه لم يمنعنا من تعجيل الآيات إلا الإبقاء عليكم إذ جرت عادتنا أن من كذب باياتنا أهلكناه كما كذب بها الأولون فأهلكناهم فأخرناها عنكم/ [٢٦٦/ل] مدة لعلكم تراجعون الحق، فلما أصروا على كفرهم، جاءتهم الآيات كانشقاق القمر وإمساك المطر وتسليم الحجر والشجر، ونحوها، [فلزمهم بها] الحجة ثم أهلكوا، سنة الله التي قد خلت من قبل. ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ (٥٩) [الإسراء: ٥٩] يحتج به من زعم أن [لا عذاب] في الآخرة وبقوله- : ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١٦) [الزمر: ١٦] قالوا: لأن هذه الآية دلت على أن ما ثم إلا التخويف، أما إيقاع ما وقع به التخويف فلا. وجوابه: أن هذا الحصر ممنوع بل هناك تخويف، وهو لا ينافي وقوع ما خوف به، وقد

стр. 396

صرحت به/ [١٢٦ أ/م] النصوص فوجب القول به. واحتجوا بأن العقاب إما للطائع وهو غير مناسب، أو للعاصي، وهو إما لا لفائدة وهو عبث، أو لفائدة، وهي إما لله- -وهو غني عما سواه، أو للمكلف فهي إما في الدنيا وقد انقطعت فصارت عدما، أو في الآخرة وهو باطل؛ لأن العقاب ضرر محض مناف للفائدة، فثبت أن العقاب باطل لبطلان جميع أقسامه وأحواله. وجوابه من وجوه: أحدها: أن هذا مخالف للنصوص القاطعة وإجماع العلماء، فلا يلتفت إليه ولا يعارض القاطع. الثاني: أن العقاب لفائدة وحكمة استأثر الله- -بها، ولا نسلم أن العقاب ينافي الفائدة، كما في تأديب الصبي ونحوه. الثالث: أن العظمة الإلهية لذاتها تقتضي العقاب على المعصية. الرابع: أن ما ذكرتموه منتقض بآلام الدنيا ومصائبها ومحنها، هي ضرب من العذاب، وهي إما للطائع أو العاصي إلى آخر ما ذكرتم، فيلزم أن تكون منتفية، وهو باطل، لا يقال: محن الدنيا تعوض عنها بخلاف عقاب الآخرة؛ لأنا نقول: العوض عندنا غير لازم، بل لله- -أن يؤلم ويهلك ويمتحن بما شاء من غير تعويض، وحينئذ جوابكم عن بلاء الدنيا هو جوابنا عن عذاب الآخرة. ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾ (٦٠) [الإسراء: ٦٠] يحتج به الجمهور على أن الله- -يريد ويقصد فتنة بعض الناس وإضلاله، وينصب لهم شراك ذلك، وهذه الرؤيا هي رؤيا النبي ﷺ شجرة الزقوم في النار، فأخبر بها الكفار، فكذبوا وقالوا: النار تأكل الشجر، فلا يكون فيها شجر، وهو غلط منهم، لجواز أن يخلق في النار ضعف عن أكل الشجرة، أو في الشجرة قوة على الثبات في النار؛ وهذا السمندل طائر يعيش في النار، فالشجرة أولى. والشجرة الملعونة في القرآن هي عند الجمهور شجرة الزقوم، كما ثبت في الحديث، وعند الشيعة هي شجرة بني أمية لما صدر عنهم من قطع أرحام بني عبد المطلب، وقاطع الرحم ملعون بالنص والإجماع، ولما ورد في السّنّة أن النبي ﷺ توفي وهو غير راض عن ثقيف وبني حنيفة/ [٢٦٧/ل] وبني أمية.

стр. 397

والأشبه الأول؛ لأن الشجرة فيه على حقيقتها وهي على الثاني مجاز، والحقيقة أولى. ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (٦٤) [الإسراء: ٦٤] قيل: بالربا، (والأولاد) قيل: بالحنث في طلاق الزوجات، وقيل: بمشاركته الرجل في وطء امرأته، إذ لم يسم عند الجماع. روي عن ابن عباس: أن الرجل إذا جامع ولم يسم، قعد الشيطان على فخذه، ينكح معه، ويقوي/ [١٢٦ ب/م] ذلك قوله ﷺ : «لو أن أحدهم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا؛ فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان» حديث صحيح، ومفهومه أنه إذا لم يسم فقضي بينهما ولد ضره الشيطان، ولا ضرر أبلغ من أن يشارك فيه. ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ (٦٥) [الإسراء: ٦٥] أي عبادي المخلصين الخواص عندي المختصين بعنايتي ورعايتي لا سلطان لك عليهم، وحينئذ ادعت الشيعة أن من أبغض عليا فهو ولد زنا، وهو ابن الشيطان لأن عليا لا يبغضه إلا منافق بالنص الصحيح. والمنافق ليس من عباد الله الخواص المنفي عنهم سلطان الشيطان، فهو من العباد المبعدين عن الله المستولي عليهم سلطان الشيطان، فالمنافق داخل تحت سلطان الشيطان، ومن سلطان الشيطان عليه مشاركته لأبيه فيه كما سبق، فمبغض علي يشارك الشيطان فيه؛ فهو ولد زنا وابن الشيطان. ثم أكدوا ذلك بما ذكره القرطبي في تفسيره من حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، قال: بينا علي بن أبي طالب يمشي في بعض سكك المدينة عرض له إبليس، فهم علي بقتله ليريح الناس منه، فقال له إبليس: مهلا يا أبا الحسن ما هذا جزائي منك؛ فقال: وأي جزاء لك عندي يا ملعون؟ قال: والله ما أبغضك أحد إلا وقد شركت أباه في أمه، وهذا من الشيعة تعريض بالخوارج والنواصب. وأجاب الجمهور عن هذا بأن قالوا: نحن نحب عليا [ولا] نبغضه، فلا يلحقنا مما قررتموه معرة، نعم أنتم أولى بما ذكرتم لأنكم ترون إباحة المتعة وهي زنا، وأكثركم أو كثير منكم مولود منها.

стр. 398

تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١) [الأنعام: ٤١] ونحوه. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً﴾ (٦٩) [الإسراء: ٦٩] أي في البحر، وهذا مما يحتج به على أن كسب الإنسان مخلوق لله- -والإنسان مجبور؛ لأن الله- -نسب إعادتهم إلى البحر إليه شاءوا أم أبوا، وذلك إنما يكون بما يجبرهم به على ذلك من خلق الدواعي والصوارف، فإن الإنسان يرى من هول البحر ما يزعجه جدا حتى/ [٢٦٨/ل] [يعزم، وربما حلف الأيمان المغلظة أنه لا يعاود ركوبه، ثم يكذبه الله- ] ويرغمه ويضطره إلى ركوبه خاسئا [مخشوشا بخشاش] القدر كالجمل الذلول، لا يمكنه أن يمتنع، وهو دليل على ما ذكرناه. ﴿* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ (٧٠) [الإسراء: ٧٠] يحتج بها من فضل الملائكة على بني آدم لأنهم/ [١٢٧ أ/م] إنما فضلوا على كثير من المخلوقات لا على جميعها، والإجماع على تفضيلهم على من عدا الملائكة، فدل هذا على أنه لم يفضلوا على الملائكة، ثم إذا انضم إلى هذا الحديث الصحيح: «ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» تم الاستدلال على الملائكة أفضل من بني آدم. ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ (٧٤) [الإسراء: ٧٤] هاهنا مسائل: الأولى: أن العصمة تثبيت وصرف عن المعصية بما يخلق في النفس من شدة الخوف وغيره من الأسباب، بدليل ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ (٧٤) [الإسراء: ٧٤] ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٣) [يوسف: ٣٣]، وليست العصمة امتناع وقوع المعصية عقلا، وإلا لما ظهرت فضيلة التقوى أبدا، ولتعذر ابتلاء أحد بالمعصية؛ إذ الممتنع عقلا لا يدخل تحت المقدورية. الثانية: [أن عصمة الأنبياء إما هي من وقوع المعصية والكفر لا من جواز ذلك؛ لأن الله -أخبر نبيه ﷺ أنه هو الذي ثبته عن الركون إلى الكفار بالافتراء على الله بغير

стр. 399

ما أنزل، وأنه لو لم يثبته لركن إليهم، ثم لأصابه العذاب المضاعف وذلك قاطع فيما ذكرنا. الثالثة: تفاوت الناس في المعصية بحسب مراتبهم، بحيث يستكثر من بعضهم قليلها، لأن الله- -أخبر نبيه ﷺ أنه لو ركن إليهم شيئا قليلا؛ لأذاقه عذابا مضاعفا. ولقائل أن يقول: إن ذلك الركون لقليل لو وقع لكان كفرا عظيما، إذ هو افتراء على الله- -والكفر العظيم لا يستقل منه شيء. قوله- : ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٨٥) [الإسراء: ٨٥] يحتج به من يرى قدم الروح، وقرروه بأن الروح من أمر الله، وأمر الله قديم، فالروح قديم. أما الأولى فلصريح هذه الآية، وأما الثانية فلما سبق في قوله- : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥٤) [الأعراف: ٥٤] وأجيب عنه بأن الأمر مشترك بين الكلام والفعل والخلق وغيرها، فهو مجمل، ويكفي ذلك في سقوط الاستدلال به، ثم إنا نقول: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٨٥) [الإسراء: ٨٥] أي من خلقه، بدليل قوله ﷺ : «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، وكانت روح عيسى في تلك الأرواح» (١) وقوله ﷺ : «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (٢) والجنود المجندة ليست قديمة، ولأنه قد سبق الدليل على جسمية الروح ولا شيء من الجسم بقديم؛ ولأنها لو كانت قديمة لزم القول بالحلول أو الاتحاد وتعدد القديم، وكل ذلك محال، وإنما قيل: الروح من أمر ربي هكذا/ [١٢٧ ب/م] مجملا؛ لأن اليهود سألوا النبي ﷺ عن الروح سؤال تعجيز

стр. 400

وتغليظ؛ إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر يقال له: الروح، وصنف من الملائكة/ [٢٦٩/ل]، والقرآن، وعيسى ابن مريم كل واحد من هذه الستة [يسمى روحا]، فقصد اليهود أن يسألوه فبأي مسمى أجابهم، قالوا: ليس هو الذي قلت: فجاءهم الجواب مجملا [كما سألوا مجملا] ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٨٥) [الإسراء: ٨٥] وأمر ربي يصدق على كل واحد من مسميات الروح، فكان هذا الإجمال كيدا [قوبل به] كيدهم. قوله- : ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٨٨) [الإسراء: ٨٨] هذه أعظم آيات التحدي بالقرآن، لأن بعض هذا مما يوفر دواعي الخصوم على طلب الإتيان بمثله، فلو كان ذلك في وسعهم لفعلوه بالضرورة عادة، لكنهم لم يفعلوا، ولم يأتوا بمثله، ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة مثله، فدل على عجزهم عن معارضته مع كثرتهم وتمكنهم في الفصاحة والبيان، وذلك يقتضي كونه معجزا؛ إذ لا معنى للمعجز إلا أمر ممكن خارق للعادة مقرون بالتحدي خال عن المعارض، وهذه الصفات موجودة في القرآن فكان معجزا مع أن المتحدى به هاهنا هم الجن والإنس، وكل ما عجز عنه الجن والإنس معجز: بالطرد في معجزات الأنبياء، وبالعكس في غيرها؛ إذ كل أمر غريب ليس بمعجز فإن مجموع الجن والإنس لا يعجزون عن مثله. ثم إن اليهود والنصارى وغيرهم من الخصوم [ألفوا] شكوكا على إعجاز القرآن إيرادها يطول، وقد أفرد في ذلك كتب. وهاهنا مسألتان: إحداهما أن تحدي الجن والإنس به يدل على دخولهم تحت دعوته، وأنه ﷺ مرسل إلى الجن والإنس، إذ لم تنتظمهم دعوته لما تحداهم بكتابه كما لم يتحد به الملائكة والشياطين والبهائم، ولأن العجز عن معارضة المعجز كالنكول عن اليمين، وذلك مستلزم لحكم الدعوى. الثانية: احتج بالآية من رأى خلق القرآن؛ لأنها تضمنت إثبات مثل للقرآن، حيث طولبوا بالإتيان بمثله، وأخبروا بالعجز عن مثله، وكل ما له مثل فهو مخلوق، وسئل بعضهم: ما الدليل على خلق القرآن؟ فقال: قدرة الله على مثله، ومعناه أن الله- -إن لم يقدر على مثل القرآن لزم التعجيز، وإن قدر على مثله لزم أنه مخلوق،

стр. 401

والأول محال، فالثاني حق، ولأن القرآن معجز نبوي [وكل معجز نبوي] مخلوق/ [١٢٨ أ/م] أما الأولى فإجماعية، وأما الثانية فاستقرائية الاستقراء التام، إذ معجزات الأنبياء- ﵈-كلها مخلوقة كالعصا واليد البيضاء وإحياء الموتى، والناقة وغيرها. وليس بعد محمد ﷺ نبي يتوقع له معجز قديم ينخرم به هذا الاستقراء فوجب العمل بمقتضاه. واحتج القائلون بقدم القرآن بأن جميع معجزات الأنبياء لم يتحد بها الجن/ [٢٧٠/ل] مع الإنس إلا القرآن، وإنما ذلك لكونه قديما، وبقوله ﷺ : «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا» وإنما أشار بذلك إلى الفرق بين [معجزه، ومعجز] غيره بالقدم والحدوث، ولأن القرآن معجز باق وغيره من المعجزات فان، لم يبق إلا ذكره، فدل على قدم القرآن وحدوث غيره. وقد سبق في هذا المعنى كلام من الطرفين. ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ أي: ليس أمر الآيات التي اقترحتموها إليّ إنما عليّ البلاغ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (٣٨) [الرعد: ٣٨]. ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ (٩٥) [الإسراء: ٩٥] أي لم تستغربون أن يبعث الله إليكم بشرا رسولا، فإن الحكمة لا تقتضي إلا ذلك، أن يرسل البشر إلى مثله، أما إرسال الملك إلى البشر، فيبطل حكمة الإرسال، إذ يصير الإيمان برؤية الملك اضطرارا والحكمة تقتضي الإيمان الاختياري، حتى لو كان في الأرض ملائكة ساكنون مقيمون فيها لأرسلنا إليهم ملكا من جنسهم، إذ الحكمة لا تنافي ذلك؛ لأن إيمان الملائكة بملك منهم لا يصير اضطراريا يخل بحكمة الإرسال؛ إذ نسبتهم إليه نسبة البشر إلى الرسول البشري، ودلت الآية على أن الأرض ليس فيها ملائكة يمشون مطمئنين، أي: قاطنين بها كالإنس، وعلى أن فيها ملائكة يمشون، لكن [لا مطمئنين] قاطنين وشواهده كثيرة.

стр. 402

يضل بعض الخلق ثم يحشرهم يوم القيامة إلى جهنم مع أنه في ذلك ليس بظالم لهم؛ فدل على ما قلناه من أنه عاملهم على ما علم منهم على تقدير التفويض إليهم. وقد حكى ابن خميس في كتاب مناقب الأبرار في ترجمة الجنيد قال: ناظرت قدريا فاشتد بيني وبينه الكلام وقام مصرا على رأيه، فلما كان الليل رأيت إنسانا يقول لي: ما ينكر هؤلاء القدرية أن الله- -علم ممن عصاه من خلقه أنه لو فوض إليهم لعصوه، فجبرهم على وفق الواقع منهم، لو فوض إليهم ثم عاقبهم على تقدير ذلك، أو كلاما هذا معناه بعينه، وهذا/ [١٢٨ ب/م] هو سر القدر الذي قررناه في المقدمة، وكنت أظن أن أحدا لم يسبقني إليه حتى رأيت حكاية الجنيد هذه. ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٩٨) [الإسراء: ٩٨] هذا إنكار منهم للبعث واستبعاد أو إحالة له. ﴿* أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٩٩) [الإسراء: ٩٩] / [٢٧١/ ل]، دليل جواز البعث، وتقريره: أن خلق السماوات والأرض أعظم من إعادتكم وبعثكم، فالقادر على ذلك؛ قادر على بعثكم بطريق أولى، وإنما قلنا ذلك لأن خلق السماوات والأرض أعظم من ابتداء خلقكم، وابتداء خلقكم أعظم من إعادتكم، ينتج خلق السماوات والأرض أعظم من إعادتكم. بيان الأولى: قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٧) [غافر: ٥٧] بيان الثانية: قوله- : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٧) [الروم: ٢٧] وإن شئت فاعكس، واستدل بالأهون فقل: إعادتكم أهون من ابتدائكم، وابتداؤكم أهون من خلق السماوات والأرض، فإعادتكم أهون من خلق السماوات والأرض، والأهون من الأهون أهون، فالقادر على الأعظم الأصعب يكون على الأيسر الأهون أقدر بالضرورة. ﴿*أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٩٩) [الإسراء: ٩٩] يحتج به

стр. 403

على تحتم الأجل المضروب، لا زيادة ولا نقص كما سبق. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ (١٠١) [الإسراء: ١٠١] قيل: هي العصا، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وانفلاق البحر، والظلة. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ (١٠١) [الإسراء: ١٠١] أي: يخيل إليك أشياء لا حقائق لها تظنها آيات، ويحتمل أن مراده: إني لأظنك ساحرا، ويصير هذا كما في ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ (٤٥) [الإسراء: ٤٥] هل هو فاعل أو على أصله مفعول. قال: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ (١٠٢) [الإسراء: ١٠٢] ضم التاء وفتحها تتخرج على القولين في مسحورا، إن أريد به المفعول فالمناسب له ضم التاء أي لقد علمت أنا أن هذه آيات حق من حق، وما أنا بمسحور، وإن أريد به الفاعل ناسبه فتح التاء، أي: لقد علمت يا فرعون أنها آيات حق، وأني غير ساحر، ولكنك معاند مثبور، سيحل بك الثبور، وهو الهلاك. ﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ (١١٠) [الإسراء: ١١٠] يحتج به على أن الاسم غير المسمى، كما مر وعلى تسمية الصفات كالرحمن أسماء إما مجازا لغويا أو حقيقة اصطلاحية، كما سبق تقريره في آخر الأعراف. ﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ (١١٠) [الإسراء: ١١٠] وهو من أدلة التوسط بين الطرفين، وذم الانحراف إلى أحدهما، وقد سبق آخر وهو ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (٢٩) [الإسراء: ٢٩] وبقي آخر في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ﴾

стр. 404

قَواماً (٦٧) [الفرقان: ٦٧]. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ (١١١) [الإسراء: ١١١]، فيه نفي الولد والشريك، والولي من الذل أي/ [١٢٩ أ/م] الناصر، ويجيب به الجمهور عن قوله ﷺ في علي: «إنه مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن/ [٢٧٢/ل] بعدي» أي ناصر كل مؤمن، وكذلك يقولون في قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وهو بعيد من السياق والظاهر.

стр. 405

القول في سورة الكهف ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ (١) [الكهف: ١] يحتج به على أنه منزل غير مخلوق، وقد سبق. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ (١) [الكهف: ١] وكذلك ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨) [الزمر: ٢٨] [قيل: ليس بمخلوق. وأجيب بأن المراد: أنه مستقيم الطريقة لا ضلال فيه ولا اعوجاج عن الحق، وما ادعيتموه من عدم الخلق ليس نصا في الآية ولا ظاهرا، ولا تفسيرا لها عمن يعتد به متواترا]. ﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ (٢) [الكهف: ٢] فيه تعليل الأفعال الإلهية كما سبق. ﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ (٢) [الكهف: ٢] هذا أدل على تغاير الإيمان والعمل الصالح من ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧]، لأن صفة المؤمنين هاهنا بعمل الصالحات مستقلة، وهناك صلة معطوفة على صلة، فلا استقلال لها. ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ (٥) [الكهف: ٥] تعظيم للقول باتخاذ الولد وتكذيب لهم فيه. ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٧) [الكهف: ٧] تعليل للفعل الإلهي بحكمة الابتلاء. ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ (١٤) [الكهف: ١٤] [هذا استدلال بالنظر على وجود الصانع، لأن السماوات والأرض] خلقان عظيمان في العقل يلزمهما وجود، مؤثر فينتقل العقل منهما إليه انتقالا من الملزوم إلى اللازم وهو ضروري، وقد سبق تقريره غير موضع. ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ (١٤) [الكهف: ١٤] هذا توحيد ودليله قولهم:

стр. 406

﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (١٥) [الكهف: ١٥] وتقريره: أن السماوات والأرض دليل على إله قديم كامل، وغيره مما اتخذ آلهة لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يثبت، إذ عدم الدليل على الشيء كدليل عدم الشيء، كما أن عدم البينة كبينة العدم، فكأن أهل الكهف تمسكوا على نفي الإله الثاني باستصحاب الحال، ورأوه كافيا، فكأنهم قالوا: قد ثبت لنا بدلالة السماوات والأرض على صانعهما إله، فمن ادعى ثانيا فصاعدا فعليه الدليل، ويحتمل أنهم أشاروا بذلك إلى طريقة للمتكلمين في نفي ما سوى الله- -إلها، وتقريرها: أن الإله من حيث هو إله قد ثبت وهو يصدق بواحد، فإثبات الثاني ليس أولى من ثالث ورابع إلى ما لا نهاية له، وحينئذ إثبات ما فوق إله واحد من هذه الأعداد والمقادير ترجيح بلا مرجح وإنه محال، ولعلهم إلى هذا أشاروا بقولهم: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ (١٤) [الكهف: ١٤] أي بعيدا محالا للزوم الترجيح منه بلا مرجح منه/ [١٢٩ ب/م]: ﴿* وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ (١٧) [الكهف: ١٧] يحتج به الجمهور على مذهبهم/ [٢٧٣/ل] وهو صريح فيه. ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ (٢١) [الكهف: ٢١] جعل إيقاظهم من نومهم الطويل دليلا على البعث عن الموت؛ لأن النوم أخو الموت بجامع تعطل الحس، غير أن الموت نوم ثقيل، والنوم موت خفيف، ومن ثم قال النبي ﷺ : «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (١) وحكي عن المسيح أنه كان يقول: «يا بني إسرائيل كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون» كل ذلك إشارة إلى تقارب النوم والموت، ولهذا سئل النبي ﷺ أفي الجنة

стр. 407

نوم؟ قل: «لا لأن النوم أخو الموت» (١) وفي الأثر: عجبت لمن ينكر البعث، وهو كل يوم يموت ثم يبعث! فأما قول أبي الطيب: تمتع في حياتك من رقاد ... ولا ترجو كرى تحت الرجام فإن لثالث الحالين معنى ... سوي حال انتباهك والمنام فأشار إلى أن للإنسان ثلاثة أحوال: حال يقظة وموت ونوم، فاليقظة والموت طرفان؛ إذا اليقظة عبارة عن حال تعلق النفس بالبدن مستعملة للحواس، والموت عبارة عن حال انقطاع تعلق النفس بالبدن انقطاعا كليا من كل وجه، ويلزم ذلك تعطل الحواس لعدم تعقل النفس المستعملة لها، وأما النوم فواسطة بينهما؛ لأن النفس لا ينقطع تعلقها بالبدن فيه مطلقا، بل من وجه، وهو أنها تغتنم ركود الحواس بالنوم فتتوجه إلى عالم الغيب لاقتناص العلوم الغيبية مع التفاتها إلى الجسد، وعزمها على معاودته إذا قضت أربها من عالمها، فصار لثالث الحالين-وهو الموت، الذي هو ثالث لحالتي النوم واليقظة-معنى يخالف معنى النوم واليقظة. فالنوم أشبه الموت بجامع التفاتها إلى عالمها، وفارقه وأشبه الحياة من جهة تعلق همها بالجسد. وإن شئت قلت: اليقظة بقاء الحس والحركة، والموت تعطلهما جميعا، والنوم تعطل الحس دون الحركة؛ إذ هو يتحرك متقلبا من جنب إلى جنب، فبتعطل الحس أشبه الموت وببقاء الحركة أشبه اليقظة، والسر في ذلك غريب عجيب، ومن ثم كان من آيات الله- -إذ يقول: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٢٣) [الروم: ٢٣]. ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ (٢٤) [الكهف: ٢٣ - ٢٤] هذا ضرب من التوحيد لأن من علم ألا تصرف له في نفسه، وأن التصرف لله- / [٢٧٤/ل] فيه وفي غيره من العالم على الإطلاق، وأنه مصرف تحت مشيئته لا يستطيع حركة ولا سكونا إلا بإذنه وإرادته/ [١٣٠ أ/م] كان في ذروة من التوحيد،

стр. 408

وعكسه من اعتقد أنه يفعل ما اختار من غير توقف على إرادة القادر المختار، فذلك من المشركين الكفار إما حقيقة كعبدة الأوثان، أو مجازا كالقدرية المحادين للرحمن. ومن ثم قال الفقهاء: إذا حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل وإن شاء ترك، ولا حنث عليه؛ لأنه أعطى [المشيئة حقها من الأدب، بخلاف ما إذا لم يستثن، فإن تألى فأكذب، ثم بالكفارة] عوقب، وقد عود بعض الناس أنه إذا قال: أفعل كذا إن شاء الله- -وفق لفعله غالبا وإلا فلا. ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٢٨) [الكهف: ٢٨] يحتج به الجمهور في أن الله- -هو الذي يغفل من شاء عن ذكره ويضله وينسيه ونحو ذلك، وتأوله المعتزلة على معنى: أصبناه غافلا، على ما عرف من تأويلهم. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (٢٩) [الكهف: ٢٩] يحتج به المعتزلة على أن العبد مختار تام الاختيار؛ لأنه خيره بين الإيمان والكفر، وعلق ذلك بمشيئته، فلو لم يكن والحالة هذه مختارا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، إذ حاصله أنه يتوعده توعد مختار ويسخره تسخير مجبر مكره، والجمهور تأولوا هذا على أنه أمر تهديد نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤٠) [فصلت: ٤٠]، والإلزام باق عليهم إذ لو لم يكن مختارا لما تهدده، وليس لهم إلا الرجوع إلى أصلهم من أنه مختار من حيث الكسب، مجبر من حيث خلق الفعل فيه على وجه لا يمكنه التخلص منه، أو على تفويض الجبرية، وهو أن هذا التخيير على تقدير ذلك التفويض، أي لو فوض إليه التفويض التام حتى كان مختارا بالحقيقة لكان منه ما وقع بالجبر من خير أو شر وإيمان أو كفر.

стр. 409

واحدة، وإنه محال وقد سبق هذا. وجوابه من جهة الجمهور: أن الأجر تفضل من الله- -على كسبهم، وتسميته أجرا لا يضيع مجازا. ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ (٣٦) [الكهف: ٣٦] هذا إنكار للبعث ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ (٣٧) [الكهف: ٣٧] أي يجادله، فيه مشروعية الجدال لإقامة الحق وإنامة الضلال، وجوبا أو ندبا على حسب الحال. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ (٣٧) [الكهف: ٣٧] إشارة إلى إنكار البعث كفر ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ (٣٧) [الكهف: ٣٧] استدلال على جواز البعث/ [٢٧٧/ل] بالقياس على الابتداء: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢٩) [الأعراف: ٢٩]. ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٣٨) [الكهف: ٣٨] أي لكن أنا، فاختصر وأدغم حتى قيل: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٣٨) [الكهف: ٣٨] / [١٣٠ ب/م] توحيد ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٣٨) [الكهف: ٣٨] نفي للشرك، وقد سبق دليلهما ويأتي منه أشياء إن شاء الله . ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾ (٣٩) [الكهف: ٣٩]. توحيد في المشيئة والقوة، ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٤٢) [الكهف: ٤٢]. هذا ندم على الشرك وقع من هذا الشخص المعين، وفيه إشارة إلى أن كل مشرك سيندم في الآخرة، إذا حرم الجنة ودخل النار، وهم جديرون بذلك، فنسأل الله-عز

стр. 410

وجل-الثبات والعصمة والدخول في كنف الرحمة. ويقال: إن هذين الرجلين المتحاورين هما المذكوران في «الصافات» القائل أحدهما للآخر ﴿قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (٥٦) [الصافات: ٥٦]. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٤٧) [الكهف: ٤٧]، هذا من مقدمات الساعة، وهو ممكن غير أنه بعيد في قوة البشر، وإن أردت تقريبه فانظر إلى الغمام المطبق للفضاء كيف يسير، وهو كالجبال أو قريب منها. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٤٧) [الكهف: ٤٧] الآيتين، إخبار بالحشر والعرض على الله- -واجب الوقوع؛ إذ كان خبر معصوم من الكذب. ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (٤٩) [الكهف: ٤٩]، فيه الحساب والمقابلة بصحائف الأعمال أخذا باليمين والشمال ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩] قيل: هما التبسم والضحك، وقيل: الذنب الصغير كالكذبة والكبير كالقذف. ﴿إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] أي تحريره وضبطه ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (٤٩) [الكهف: ٤٩] يحتج به المعتزلة، وحجتهم منه وجوابها معروف كما سبق، وهذه جملة من أحكام اليوم الآخر يجب تسليمها والإيمان بها، لأنها ممكن أخبر به الصادق، وكل ما كان كذلك فهو واجب الوقوع، يجب الإيمان به.

стр. 411

أحدها قوله: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢] مع قوله- ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ (٢٧) [الحجر: ٢٧]، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ (١٥) [الرحمن: ١٥] مع قوله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور» (١) وهذا يقتضي أنه من الجن الناريين، لا من الملائكة النوريين: [٢٧٨/ل]. الثاني: أن إبليس له ذرية بدليل ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٥٠) [الكهف: ٥٠] والملائكة لا ذرية لهم، فإبليس ليس من الملائكة، والقول بأنه منهم لكنه لما أبليس تجدد له النسل؛ ضعيف. الثالث: أن قوله- : ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾ شبيه بالتعليل لفسقه بكون من الجن، من باب اقتران الحكم بالوصف المناسب، وهو يقتضي أن الفسق غالب على الجن أو كثير جدا/ [١٣١ أ/م] حتى كأنهم علة مناسبة لوجوده، وليس أحد من الملائكة كذلك. الرابع: قول الملائكة: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤١) [سبأ: ٤١] يقتضي أن الجن غير جنس الملائكة، وإلا لكانوا قد أحالوا بالذنب على أنفسهم، وهو خلف من الاعتذار. الخامس: أن الجن عند إطلاقهم يبادر الذهن إلى غير الملائكة، وهم الجن الناريون، وهو دليل الحقيقة المرادة. ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ (٥٣) [الكهف: ٥٣] أي: علموا وتيقنوا، وهو من استعمال الظن في موضع اليقين بقرينة. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٥٤) [الكهف: ٥٤] هذا ذم للجدل لا مطلقا، بل إذا عاند الحق؛ لأن الكافر ضرب له أمثال الحق، ونظمت له براهين الصدق، فعاند وجادل بالباطل ليدحض به الحق ﴿يُجادِلُونَكَ فِي﴾

стр. 412

﴿الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٦) [الأنفال: ٦]. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ (٥٧) [الكهف: ٥٧] سبق نظيرها في (سبحان). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ (٥٧) [الكهف: ٥٧] لما صرفوا به عن اتباع الحق، مما خلق في قلوبهم من دواعي الضلال والصوارف عن الهدى. ﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ (٦٣) [الكهف: ٦٣] يعني الحوت، ﴿قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ (٦٤) [الكهف: ٦٤] يستدل به على كون العلة الشرعية عدمية بطريق أولى؛ إذ كان ذهاب الحوت وانعدامه من حيث فقدانه علامة على وجود الخضر الذي طلباه. ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ (٦٥) [الكهف: ٦٥] أي: من عندنا، وهذا هو متعلق الصوفية وأهل السلوك في إثبات العلم اللدني، نسبة إلى ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ (٦٥) [الكهف: ٦٥] وهو إلهام المعرفة بالحقائق الغيبية وغيرها، ثم إن العلم اللدني إذا تقدمها استعداد بالعلوم النظرية أقوى مما إذا ورد على النفس غير مستعدة، والخضر- ﵇-كان قد تقدم له استعداد بذلك على ما حكي في قصته ومبدأ أمره، فلهذا كان علمه اللدني عالي الطبقة بحيث صلح به أن يكون معلما لموسى الكليم-﵇. فإن قيل: سائر علوم الناس من لدن الله- -وعنده؛ فما وجه تخصيص بعض العلوم/ [٢٧٩/ل] باللدني؟ قلنا: اللدنية والعندية متفاوتة في مراتب الخصوص، فهذا العلم اللدني خاص، ألا ترى أن السلطان يعطي جنده وحاشيته ورعيته، ويخلع عليهم على مراتبهم من الصوف إلى ثياب الذهب والجميع من عنده وخزانته، فكذلك هاهنا.

стр. 413

﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (٦٦) [الكهف: ٦٦] فيه استحباب طلب العلم حتى للعالم زيادة على ما عنده والسفر في طلبه وسؤال المشايخ الصحبة لذلك، اقتداء بموسى ﵇. ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (٦٧) [الكهف: ٦٧] الآيتين، فيه جواز الإعراض عن صحبة المريد والتلميذ إذا علم أن الطريق صعب عليه، وطي الأسرار عنه لذلك والاقتصار به/ [١٣١ ب/م] على ما يطيق من ذلك الطريق، اقتداء بالخضر، وهو من سياسة المشايخ والعلماء للمريدين والطلبة. وفي الأثر. «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (١). ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ (٦٩) [الكهف: ٦٩] فيه استحباب تعليق الأمور المطلوبة والأراجي ونحوها بالمشيئة، احترازا من التالي المكذب اقتداء بموسى-﵇-وبما سبق في أوائل السورة. فإن قيل: موسى علق صبره على المشيئة ولم يصبر، وسليمان ترك التعليق في رجاء حصول الأولاد للجهاد فلم يحصلوا؛ فقد استوى التعليق وعدمه، فما فائدته؟ وجوابه: أن التعليق بالمشيئة ليس موجبا لحصول المطلوب، كيف وأن مقتضاه الترديد بين أن يشاء الله فيفعل أو لا يشاء فلا يفعل؟ وإنما فائدته أن الإنسان إذا تأدب مع الله- بتعليق الأمور بمشيئته وتقييدها بإرادته، كان أجدر بحصول مراده وأمنيته، على أنا لا نسلم أن موسى لم يحصل له ما علق على المشيئة، فإنه كان نبيا ذا كتاب وشريعة، وهو إمام عدل وحق يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأنه لما رأى الخضر قد خرق سفينة قوم مساكين، وقتل غلاما لم يبلغ الحلم أخذ برجل الخضر ليلقيه في البحر فيقتله بالغلام، فلولا أن الله- -ثبته وصبره لكان قد أمضى ما هم به من قتل الخضر كما قتل القبطي بوكزه، فالصبر المهم قد حصل وأفاد تعليقه بالمشيئة، ولعله لولا ذلك لم يصبر ولكان قد قتل الخضر. ﴿قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (٧٠) [الكهف: ٧٠] فيه استحباب تأديب المشايخ للمريدين بالوصايا الحسنة من ترك الاعتراض ونحوه،

стр. 414

والتزام المريد ذلك إذا وثق بحسن طريق الشيخ وسلوكه لمقتضى وصية الخضر، [٢٨٠/ل] وفيه وفيما بعد جواز الاعتراض على المشايخ فيما يخالف ظاهر الشرع ممن له ذلك من أولي الأمر العام اقتداء بموسى، وأن فاعل ما يخالف ظاهر الشرع إذا ادعى أن ذلك جائز في العلم الباطن ونحوه، لا يسمع منه إلا بدليل شرعي قاطع كالنص على الخضر. ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (٧٢) [الكهف: ٧٢] فيه تقريع المريد وتذكيره بما يقوي همته على الصبر على صعوبة السلوك؛ لأن ذلك أجدر بالوصول. ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ (٧٣) [الكهف: ٧٣] فيه أن الناسي معذور، وأنه ينبغي مسامحته إذ هو غير منتهك للحرمة، ومن ثم ورد شرعنا بالعفو عنه وأنه غير مكلف. ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ (٧٤) [الكهف: ٧٤] إشارة من موسى إلى ما كان عنده في التوراة أن/ [١٣٢ أ/م] النفس بالنفس إلى قوله- : ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (٣٢) [المائدة: ٣٢] وأن موسى كان يتبع نصوص كتابه عاملا بها. ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (٧٧) [الكهف: ٧٧] هذا تعريض من موسى بالاعتراض والإنكار؛ إذ كان قد التزم له تركه وألا يصاحبه إن عاوده ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٧٨) [الكهف: ٧٨] وذلك فيه ترتيب أحكام التصريح على التعريض إذا أفهم معناه بقرينة؛ لأن الخضر رتب على تعريض موسى بالإنكار من مفارقته ما كان التزمه له بالتصريح به. ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٧٨) [الكهف: ٧٨] فيه استحباب التبرؤ من التهم وإقامة الأعذار بكشف الأسرار.

стр. 415

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ (٧٩) [الكهف: ٧٩] قيل كان خلفهم يطلبهم، وقيل: قدامهم مرصدا لهم، و «وراء» مشترك بينهما؛ لأنه مشتق من المواراة، وكلا الجهتين يحصل ذلك منه. ﴿* وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ (٩٩) [الكهف: ٩٩] فيه إثباته وقد سبق في «الأنعام». ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ (١٠١) [الكهف: ١٠١] فيه وجوب النظر والاستدلال؛ لأنه ذمهم على تركه بما خلقه فيهم من الصارف عنه، إذ معناه كانت أعين رءوسهم وقلوبهم معرضة عن النظر في ملكوتي ليذكروا بذلك وجودي وجبروتي. ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٥) [الأعراف: ١٨٥]. ولا يجوز حمل الذكر على اللساني؛ لأنه ليس بالأعين، ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ (١٠١) [الكهف: ١٠١]. مثل ﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٠) [هود: ٢٠]. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً﴾ (١٠٢) [الكهف: ١٠٢]. أي: وأسكت عنهم ولا أعاقبهم، هذا لا يكون، وفيه تعظيم الشرك قبحا والتوحيد حسنا، وهو مثل ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾ (٤٨) [النساء: ٤٨]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ (١٠٧) [الكهف: ١٠٧] فيه إثبات الجنة والمعاد والنعيم/ [٢٨١/ل] الجسمانيين كما مر.

стр. 416

﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (١٠٩) [الكهف: ١٠٩] يستدل بها من رأى قدم القرآن؛ لأنها اقتضت أن كلماته- -لا تفنى ولا تنفد، وما كان كذلك فهو قديم، واعترض عليه بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، فإنهما لا ينفدان وهما حادثان، وربما فرق بأن نعيم الجنة لا ينفد من طرف لا يزال وهو الأبد، والكلمات لا تنفد من الطرفين، لا تزال ولم تزل وهو الأزل، وهذا الفرق عين محل النزاع. ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١١٠) [الكهف: ١١٠] هذا حصر له في البشرية، باعتبار من نازعه في النبوة، وسأله الآيات عنادا ونحوهم، وأما باعتبار نفسه من حيث هو فلا ينحصر في وصف البشرية إذ له صفات/ [١٣٢ ب/م] أخر ككونه جسما، حيا، متحركا، بشيرا نذيرا، نبيا رسولا وغير ذلك، والحصر يأتي على ضربين: مطلقا باعتبار جميع الجهات، ومقيدا باعتبار بعضها كما في هذه الآية، وهذه من مسائل المفهوم الحصري. ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] إثبات للتوحيد ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١١٠) [الكهف: ١١٠] يحتج به على الرؤية كما سبق. ...

стр. 417

القول في سورة مريم ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً﴾ [مريم: ٥] اعترض به الشيعة على الحديث الصحيح المشهور أن النبي ﷺ قال: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» (١) قالوا: لأن زكريا نبي وقد سأل أن يوهب له وارث فوهب له يحيى، فورثه، وهو يقتضي أن الأنبياء يورثون فيكون الحديث المذكور متروكا لوجوه: أحدها: أنه خبر واحد وهو عندهم غير معتبر. الثاني: أنه على خلاف نص القرآن القاطع فلا يقبل. الثالث: أن العباس وعليا وفاطمة نازعوا أبا بكر في روايته إياه كما ثبت في الصحيحين. الرابع: أنه متناقض في نفسه، لأنه ثبت في الصحيح أن عليا والعباس سمعاه من النبي ﷺ ثم إنهما مع ذلك جاءا يطلبان الإرث من أبي بكر، ولو كانا سمعا لما طلباه من أبي بكر، ثم من عمر بعده، إذ كان معنى ذلك منهما حينئذ أعطونا إرث من لا يورث، وهو خلف من القول، لا ينسب إلى رعاة الإبل، فضلا عن العباس وعلي في علمهما وفضلهما وسؤددهما. وأجاب الجمهور عن الأول: خبر/ [٢٨٢/ل] الواحد عندنا حجة، وعن الثاني بأن زكريا إنما ورث العلم لا المال، فلا يكون الخبر مخالفا للنص، وعن الثالث: لا نسلم أنهم نازعوا أبا بكر-﵁-سلمناه لكنهم نازعوه أولا لعدم علمهم بالخبر، فلما أثبته لهم بكثرة من رواه من الصحابة كعمر، وعثمان، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وأبي هريرة، وعائشة-رضوان الله عليهم-قبلوه وسلموا له، وعن الرابع: بأنهما نسيا الرواية فلما ذكّرا ذكرا فتركا المطالبة وحينئذ لا تناقض. ويشكل على هذا أنه لو كان كذلك لما كررت فاطمة مطالبة أبي بكر مرارا، ولما طلبه العباس وعلى عمر بعد أبي بكر، ثم لما منعهما واحتج عليهما بالحديث رأياه [كاذبا آثما] كما رواه مسلم من حديث مالك بن أوس بن الحدثان البصري. ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (٧) [مريم: ٧] يحتج به من رأى الاسم المسمى مع قوله بعد ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] فنادى الاسم فدل على/ [١٣٣ أ/م] أنه

стр. 418

المسمى، ولا حجة فيه كما سبق، ومعناه يا أيها الشخص المسمى يحيى ونحوه. ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ (٩) [مريم: ٩] يحتج به من رأى المعدوم ليس بشيء؛ لأنه أخبر أن زكريا قبل وجوده لم يك شيئا، وهو حينئذ معدوم، فلو كان المعدوم شيئا لما صح هذا الخبر، وأجاب المعتزلة: بأن معناه لم تك شيئا مذكورا، كما صرح به في موضع آخر، فالمنفي هو المذكورية لا الشيئية، وبعض المعتزلة لم يقتصر على أن المعدوم شيء، بل زعم أنه ذات وجوهر وعرض، وكأنهم زعموا ذلك من قبل أن صدور الموجودات عن عدم محض لا يعقل، فأثبتوا في العدم شيئا يكون مادة للموجودات، وتخيلوا أن المعدومات في بحر العدم كالجواهر في قعر البحر متقررة في ذواتها، وإن غابت عن الحس، وهي نزعة فلسفية تلقوها عن الفلاسفة في إثباتهم قدم الهيولي وهى المادة الإمكانية، ولو كان المعدوم شيئا لكان الموجود لا شيء، أو لاستوى الموجود والمعدوم في الشيئية وإنه محال. ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [مريم: ١٠] أي: على وجود الولد ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ (١٠) [مريم: ١٠] هذه علامة عدمية، وهي نفي الكلام على أمر وجودي، وهو وجود الولد، فيحتج به على جعل علة الحكم الشرعي أمرا عدميا على الأصح فيه؛ لأن علل الشرع أمارات ومعرفات لا موجبات ومؤثرات. ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ (١٧) [مريم: ١٧] قيل هو جبريل، وقيل: روح القدس الذي أيد به عيسى، دخل بطنها فتكون منه المسيح، وبذلك ضلت النصارى حيث اشتبه عليهم/ [٢٨٣/ل] الملك بالإله، وإضافة الروح إلى الله- -إضافة تشريف كما سبق. ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٢٩) [مريم: ٢٩] العادة اطردت بأن مثل هذا لا يتكلم ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (٣٠) [مريم: ٣٠] اعتراف بالعبودية خلافا للنصارى، وربما موهوا بأنه عبد بناسوته دون لاهوته كما سبق من قولهم وهو تمحل. ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (٣٠) [مريم: ٣٠] رد على اليهود حيث أنكروا نبوته.

стр. 419

قال [يحيى؛ تبرئة وتنزيها لمريم عما رميت به من السوء، وكان كلامه هذا معجزا خارقا] للعادة آمن به من آمن وكفر به من كفر. ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣٥) [مريم: ٣٥] أي يمتنع ويستحيل عليه لما مر ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣٥) [مريم: ٣٥] إشارة إلى أن عيسى مخلوق له لا ولد، وفى هذا إشارة/ [١٣٣ ب/م] إلى أن الولادة تنافي الخالقية بحيث إن الوالد لا يخلق الولد؛ لأنه نفى الولدية وأثبت الخالقية، فلو جاز اجتماعهما لما قامت الحجة لاحتمال أنه ولده وخلقه ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣٦) [مريم: ٣٦] هذا حكاية قول المسيح، وهو تصريح منه بالعبودية والمربوبية كما سبق. ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣٦) [مريم: ٣٦] يعني طريق التوحيد ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ (٤٢) [مريم: ٤٢] يحتج به على إثبات السمع والبصر لله- -لأنه أنكر على أبيه عبادة من لا يسمع ولا يبصر، وعرض له بعبادة من يسمع ويبصر هو الله- . واعلم أن المثبت لله- -صفتا السمع والبصر وأنه ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٦١) [الحج: ٦١] يسمع ويبصر لا إثبات الجارحة كالعين والأذن، والإنسان إنما يسمع ويبصر بقوة السمع والبصر لا بالأذن والعين، بل هما محل لتلك القوة، فنظير تلك القوة في حق الله- نسميها صفة له، وهي مجردة من غير جارحة. ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا﴾ (٤٣) [مريم: ٤٣] فيه جواز بل وجوب تقليد العامي للعالم الثقة الأمين.

стр. 420

يقال: بل عذب فعصى، ما سبق من قول القائل: وقع فلان فمات، فقيل: بل مات فوقع. ولعلك تنكر أن تعلق العلم بشيء موجب له فقد سبق أن الإرادة والقدرة لا يتعلقان إلا بما يتعلق/ [٢٨٤/ل] به العلم، ومجموع هذه التعلقات موجبة لوقوع متعلقها. ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٤٧) [مريم: ٤٧] هذا وعد بالاستغفار وفى به في قوله: ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦) [الشعراء: ٨٦] فلما أصر أبوه وتبين إبراهيم أنه عدو لله تبرأ منه كما سبق. ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ (٥٣) [مريم: ٥٣] وسماه في موضع آخر وزيرا وفى موضع رسولا، وكان جامعا للصفات الثلاث، ولكن موسى كان في الدعوة أشهر منه. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ (٥٨) [مريم: ٥٨] هل يجوز أن يكون هذا تفسيرا للمنعم عليهم من النبيين في سورة «النساء» في قوله- : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ (٦٩) [النساء: ٦٩] أم هؤلاء أعم وأكثر لتناولهم جميع النبيين، والذين في سورة مريم/ [١٣٤ أ/م] جماعة منهم؟ فيه نظر. ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (٦١) [مريم: ٦١] إشارة إلى أن النافع هو الإيمان بالغيب إذا العيان لا يكابر، ألا تراه يقول: «عباده» وهو وصف مدح اقترن بالإيمان بالغيب اللازم عن وعده بالجنات وتصديقهم له وهو يقتضي تعليل مدحهم بإيمانهم الغيبي. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٦٢) [مريم: ٦٢] استثناء منقطع، إذا السّلام ليس من جنس اللغو، والاستثناء أحد المخصصات للعموم، وهو متصل ومنقطع؛ فالمتصل ما كان من الجنس، والمنقطع خلافه. هذا المتداول، وله تفسير آخر يأتي إن شاء الله- -ذكره في آخر الدخان.

стр. 421

﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٦٢) [مريم: ٦٢] يحتج به من رأى أن في الجنة ليلا ونهارا، ومن أنكره احتج بقوله- : ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ (١٣) [الإنسان: ١٣] أي: ولا قمرا، وهما المصححان لوجود الليل والنهار، فإذا انتفيا انتفيا لانتفاء الشيء بانتفاء علته. وتأول هذه على معنى: أن رزقهم يأتيهم عند حاجتهم إليه في وقت هو نظير البكرة والعشي في الدنيا. ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦٤) [مريم: ٦٤] يحتج به الجمهور على إثبات زمن الحال، إذا هو المراد ب ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦٤) [مريم: ٦٤] ويقول الشاعر: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم خلافا للفلاسفة، فإنهم قالوا: الزمان إما منقض وهو الماضي، أو غير منقض/ [٢٨٥/ل] وهو المستقبل، ولا حال. ورد بأن غير المنقضي إما حاضر وهو الحال، أو منتظر وهو المستقبل. وقالوا أيضا: الزمان إما منتظر وهو المستقبل أو لا وهو الماضي، ورد بأن غير المنتظر إما حاضر وهو الحال، أو منقض وهو الماضي، وحجتهم المعتمدة أن الزمان حقيقة سيالة لا تستقر، فكل ما ادعيتموه حالا ورد عليه التقسيم إلى ماض ومستقبل وحال، ويلزم منه تسلسل الأحوال، وانقسام الحال إلى الماضي والمستقبل، وإنه محال. والمسألة مبنية على الجوهر الفرد، من أثبته أثبت الحال، ومن لا فلا، ومن حجج النحاة أن العرب وضعت لفعل الحال صيغة، كما وضعت لطرفيه، ونصت على الحال بالآن، كما أخلصت المستقبل بالسين، وسوف، وزعم بعضهم أن «يفعل» مشترك بين الحال والمستقبل، وكل ذلك يدل على أنهم تصوروا الحال وعقلوا إمكانه بالضرورة، حتى وضعوا له. وأجيب بأن ذلك حال تقريبا لا تحقيقا، واحتج/ [١٣٤ ب/م] مثبتو الحال بأن منكر الحال حال إنكاره إما أن يكون في زمن ماض، أو مستقبل وهو محال، وإلا لزم عدمه بعد الماضي، أو أنه لم يوجد بعد تبعا للمستقبل، فتعين أنه في زمن بينهما وهو الحال، وهذه قوية لا مخلص للفلاسفة منها.

стр. 422

﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ (٦٦) [مريم: ٦٦] هذا إنكار للبعث، وجوابه: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ (٦٧) [مريم: ٦٧] أي: كما ابتدأناه عن عدم نوجده، ولو عن عدم، وهو قياس الإعادة على الابتداء. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ (٧١) [مريم: ٧١] يعني النار يمر الناس على الصراط وهو كالجسر مقنطر عليها؛ فالمتقي ناج، وغيره هاو فيها. ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ (٧٥) [مريم: ٧٥]، يحتج بها المعتزلة، إذ نسب الكون في الضلالة إلى الضال، ويجاب بأن الكون فيها أعم من أن يكون بفعله أو بخلق الله- -وجبره إياه، والعام لا يدل على الخاص، وكذا الجواب عن قوله- : ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ (٧٦) [مريم: ٧٦] ثم يحتج به من رأى الإيمان يقبل الزيادة والنقصان، لأن الهدى هو الإيمان. ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ (٧٨) [مريم: ٧٨] استدلال بالسبر والتقسيم كما مر في ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٩) [يونس: ٥٩]. ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ (٩٢) [مريم: ٩٢] هذا وما قبله وبعده دال/ [٢٨٦/ل] على استحالة الولد لله- -ومنافاة الولدية للملكية، واستعظام هذا القول جدا، وقد سبق جميع ذلك. ...

стр. 423

القول في سورة طه ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ (٥) [طه: ٥] سبق القول فيه. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (٨) [طه: ٨]-سبق أيضا. ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (١٥) [طه: ١٥] أي: عن نفسي فكيف أظهرها للخلق، وهو معنى ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٧) [الأعراف: ١٨٧] ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤) [لقمان: ٣٤]. ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ (١٧) [طه: ١٧] سؤال تأنيس، ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ (١٨) [طه: ١٨] هذا جواب السؤال، وباقي كلامه زائد على الجواب المطابق استئناسا من موسى، ويستدل به على الجواب بأكثر مما سئل عنه لفائدة، إما الاستئناس كما هاهنا، أو زيادة فائدة وتمهيد فاعدة، كقوله ﷺ حين سئل عن البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١). ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ (٢٠) [طه: ٢٠] الآيتين، هذا من المعجزات النبوية، وتوجيهه عن المتكلمين أنه يخلق الحياة فيها إذا شاء ويسلبها عنها إذا شاء، وزعم بعضهم أنا العصا كانت من آس الجنة، وفيها حياة كامنة، إذا أريد انقلابها حية ظهرت الحياة وكمنت الجمادية، وإذا أريد عودها عصا انعكس ذلك، وهو بعيد، ولعله/ [١٣٥ أ/م] مأخوذ

стр. 424

من قول أصحاب الكمون، عند الاستدلال على حدوث الأعراض، والفلاسفة ينكرون قلب العصي حية، وصرح لي بعضهم بذلك، وجعل يتعجب من تصديقي به. ﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (٣٢) [طه: ٢٩ - ٣٢] احتجت به الشيعة على أن عليا هو الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ وقرروه بأن هذا النص اقتضى أن هارون شريك موسى في أمره، والحديث وهو قوله ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» اقتضى إثبات المنازل الهارونية من موسى لعلي من محمد ﷺ إلا النبوة، ومن منازل هارون الشركة في أمر موسى، فاقتضى مشاركة علي لمحمد في أمره، ثم النبي ﷺ كانت له النبوة والإمامة، وقد استثنى النبوة عن مشاركة علي فيها، فوجب أن يكون شريكه في الإمامة»، لكن قام الدليل وانعقد الإجماع على أنه لم يكن شريكه فيها حال حياته، فوجب أن يبقى مقتضى الحديث فيها بعد وفاته؛ لزوال المانع، ثم أكدوا ذلك بقوله ﷺ : «إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي» رواه أحمد في المسند من حديث عمران بن/ [٢٨٧/ل] حصين، وفى كتاب فضائل علي من حديث بريدة بن الحصيب «وهو وليكم بعدي». ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٥٠) [طه: ٥٠] أي خلقته وبنيته ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٥٠) [طه: ٥٠] إما بعقل كالعقلاء، أو بإلهام كغيرهم، كالنحل في بناء بيوتها، والعنكبوت في نسجه، وغيرهما. ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ (٥١) [طه: ٥١] هذا إشارة من فرعون إلى إنكار البعث والقول بالدهر، فأجابه موسى بإثبات البعث بقوله: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ (٥٢) [مريم: ٥٢] أي: يعلم تلك القرون علم ضبط، ثم إذا جاء وقت إعادتها أعادها، وبدليل البعث وهو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ (٥٣) [طه: ٥٣] أي يخرجهم من الأرض كما يخرج منها النبات، وهو الدليل العام على البعث في القرآن، وقد سبق وسيأتي إن شاء الله .

стр. 425

[طه: ٦٦] يحتج به من يرى السحر خيالا لا حقيقة له، لقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ، ﴾ المشهور والمشهور أن له حقيقة في الخارج؛ لأنه يقتل، ولا شيء مما يقتل بخيال، أو لا حقيقة له، وقد أوجب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد القصاص في القتل بالسحر عمدا، ولولا أن له حقيقة لما فعلوا، وقد يقال: إن الخيال/ [١٣٥ ب/م] والوهم قد يغلبان فيقتلان ولا حقيقة لهما خارجية، ويجاب بأن القتل أثر وجودي خارجي، والأثر الوجودي استحال أن يكون مؤثره عدميا لاستحالة تأثير العدم في الوجود. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٦٧) [طه: ٦٧] قيل: خاف أن يفتتن الناظرون بذلك السحر، ويلتبس الأمر عليهم فلا يتبين الحق أو لا يتمحض، وقيل: لما أراد السحرة الإلقاء سمع موسى هاتفا يقول: ألقوا يا أولياء الله، فخاف أن يكون ممكورا به، وأن العناية [بخصمه] دونه، وإنما سموا أولياء الله باعتبار مآل حالهم كما وقع. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ (٦٩) [طه: ٦٩] خبر وحكم عام بعدم فلاحه في الدنيا والآخرة ما لم يتب، ومن ثم كان الساحر شبيها بالشيطان خاسئا [مذموما] مدحورا قبيح السمعة سيئ الحالة والقالة. ﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى﴾ (٧١) [طه: ٧١] قيل: أي: على جذوع النخل، وقيل: هي ظرفية على أصلها لتمكن المصلوب على الجذع تمكن المظروف على الظرف. ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾ (٧٧) [طه: ٧٧] وهو من معجزاته، ضرب البحر بعصاه فامتنع، فأوحي إليه أن أكنه، فكناه، وقال: انفلق أبا خالد، وهى كنية البحر، ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣) [الشعراء: ٦٣] وظهرت أرض البحر يابسة ويعايا بها، فيقال: ما أرض لم تر الشمس إلا مرة واحدة؟ ! وهي هذه.
следующие страницы →