← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٦٢) [مريم: ٦٢] يحتج به من رأى أن في الجنة ليلا ونهارا، ومن أنكره احتج بقوله- : ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ (١٣) [الإنسان: ١٣] أي: ولا قمرا، وهما المصححان لوجود الليل والنهار، فإذا انتفيا انتفيا لانتفاء الشيء بانتفاء علته. وتأول هذه على معنى: أن رزقهم يأتيهم عند حاجتهم إليه في وقت هو نظير البكرة والعشي في الدنيا. ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦٤) [مريم: ٦٤] يحتج به الجمهور على إثبات زمن الحال، إذا هو المراد ب ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦٤) [مريم: ٦٤] ويقول الشاعر: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم خلافا للفلاسفة، فإنهم قالوا: الزمان إما منقض وهو الماضي، أو غير منقض/ [٢٨٥/ل] وهو المستقبل، ولا حال. ورد بأن غير المنقضي إما حاضر وهو الحال، أو منتظر وهو المستقبل. وقالوا أيضا: الزمان إما منتظر وهو المستقبل أو لا وهو الماضي، ورد بأن غير المنتظر إما حاضر وهو الحال، أو منقض وهو الماضي، وحجتهم المعتمدة أن الزمان حقيقة سيالة لا تستقر، فكل ما ادعيتموه حالا ورد عليه التقسيم إلى ماض ومستقبل وحال، ويلزم منه تسلسل الأحوال، وانقسام الحال إلى الماضي والمستقبل، وإنه محال. والمسألة مبنية على الجوهر الفرد، من أثبته أثبت الحال، ومن لا فلا، ومن حجج النحاة أن العرب وضعت لفعل الحال صيغة، كما وضعت لطرفيه، ونصت على الحال بالآن، كما أخلصت المستقبل بالسين، وسوف، وزعم بعضهم أن «يفعل» مشترك بين الحال والمستقبل، وكل ذلك يدل على أنهم تصوروا الحال وعقلوا إمكانه بالضرورة، حتى وضعوا له. وأجيب بأن ذلك حال تقريبا لا تحقيقا، واحتج/ [١٣٤ ب/م] مثبتو الحال بأن منكر الحال حال إنكاره إما أن يكون في زمن ماض، أو مستقبل وهو محال، وإلا لزم عدمه بعد الماضي، أو أنه لم يوجد بعد تبعا للمستقبل، فتعين أنه في زمن بينهما وهو الحال، وهذه قوية لا مخلص للفلاسفة منها.

стр. 422

﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ (٦٦) [مريم: ٦٦] هذا إنكار للبعث، وجوابه: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ (٦٧) [مريم: ٦٧] أي: كما ابتدأناه عن عدم نوجده، ولو عن عدم، وهو قياس الإعادة على الابتداء. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ (٧١) [مريم: ٧١] يعني النار يمر الناس على الصراط وهو كالجسر مقنطر عليها؛ فالمتقي ناج، وغيره هاو فيها. ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ (٧٥) [مريم: ٧٥]، يحتج بها المعتزلة، إذ نسب الكون في الضلالة إلى الضال، ويجاب بأن الكون فيها أعم من أن يكون بفعله أو بخلق الله- -وجبره إياه، والعام لا يدل على الخاص، وكذا الجواب عن قوله- : ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ (٧٦) [مريم: ٧٦] ثم يحتج به من رأى الإيمان يقبل الزيادة والنقصان، لأن الهدى هو الإيمان. ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ (٧٨) [مريم: ٧٨] استدلال بالسبر والتقسيم كما مر في ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٩) [يونس: ٥٩]. ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ (٩٢) [مريم: ٩٢] هذا وما قبله وبعده دال/ [٢٨٦/ل] على استحالة الولد لله- -ومنافاة الولدية للملكية، واستعظام هذا القول جدا، وقد سبق جميع ذلك. ...

стр. 423

القول في سورة طه ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ (٥) [طه: ٥] سبق القول فيه. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (٨) [طه: ٨]-سبق أيضا. ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (١٥) [طه: ١٥] أي: عن نفسي فكيف أظهرها للخلق، وهو معنى ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٧) [الأعراف: ١٨٧] ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤) [لقمان: ٣٤]. ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ (١٧) [طه: ١٧] سؤال تأنيس، ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ (١٨) [طه: ١٨] هذا جواب السؤال، وباقي كلامه زائد على الجواب المطابق استئناسا من موسى، ويستدل به على الجواب بأكثر مما سئل عنه لفائدة، إما الاستئناس كما هاهنا، أو زيادة فائدة وتمهيد فاعدة، كقوله ﷺ حين سئل عن البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١). ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ (٢٠) [طه: ٢٠] الآيتين، هذا من المعجزات النبوية، وتوجيهه عن المتكلمين أنه يخلق الحياة فيها إذا شاء ويسلبها عنها إذا شاء، وزعم بعضهم أنا العصا كانت من آس الجنة، وفيها حياة كامنة، إذا أريد انقلابها حية ظهرت الحياة وكمنت الجمادية، وإذا أريد عودها عصا انعكس ذلك، وهو بعيد، ولعله/ [١٣٥ أ/م] مأخوذ

стр. 424

من قول أصحاب الكمون، عند الاستدلال على حدوث الأعراض، والفلاسفة ينكرون قلب العصي حية، وصرح لي بعضهم بذلك، وجعل يتعجب من تصديقي به. ﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (٣٢) [طه: ٢٩ - ٣٢] احتجت به الشيعة على أن عليا هو الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ وقرروه بأن هذا النص اقتضى أن هارون شريك موسى في أمره، والحديث وهو قوله ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» اقتضى إثبات المنازل الهارونية من موسى لعلي من محمد ﷺ إلا النبوة، ومن منازل هارون الشركة في أمر موسى، فاقتضى مشاركة علي لمحمد في أمره، ثم النبي ﷺ كانت له النبوة والإمامة، وقد استثنى النبوة عن مشاركة علي فيها، فوجب أن يكون شريكه في الإمامة»، لكن قام الدليل وانعقد الإجماع على أنه لم يكن شريكه فيها حال حياته، فوجب أن يبقى مقتضى الحديث فيها بعد وفاته؛ لزوال المانع، ثم أكدوا ذلك بقوله ﷺ : «إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي» رواه أحمد في المسند من حديث عمران بن/ [٢٨٧/ل] حصين، وفى كتاب فضائل علي من حديث بريدة بن الحصيب «وهو وليكم بعدي». ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٥٠) [طه: ٥٠] أي خلقته وبنيته ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٥٠) [طه: ٥٠] إما بعقل كالعقلاء، أو بإلهام كغيرهم، كالنحل في بناء بيوتها، والعنكبوت في نسجه، وغيرهما. ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ (٥١) [طه: ٥١] هذا إشارة من فرعون إلى إنكار البعث والقول بالدهر، فأجابه موسى بإثبات البعث بقوله: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ (٥٢) [مريم: ٥٢] أي: يعلم تلك القرون علم ضبط، ثم إذا جاء وقت إعادتها أعادها، وبدليل البعث وهو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ (٥٣) [طه: ٥٣] أي يخرجهم من الأرض كما يخرج منها النبات، وهو الدليل العام على البعث في القرآن، وقد سبق وسيأتي إن شاء الله .

стр. 425

[طه: ٦٦] يحتج به من يرى السحر خيالا لا حقيقة له، لقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ، ﴾ المشهور والمشهور أن له حقيقة في الخارج؛ لأنه يقتل، ولا شيء مما يقتل بخيال، أو لا حقيقة له، وقد أوجب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد القصاص في القتل بالسحر عمدا، ولولا أن له حقيقة لما فعلوا، وقد يقال: إن الخيال/ [١٣٥ ب/م] والوهم قد يغلبان فيقتلان ولا حقيقة لهما خارجية، ويجاب بأن القتل أثر وجودي خارجي، والأثر الوجودي استحال أن يكون مؤثره عدميا لاستحالة تأثير العدم في الوجود. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٦٧) [طه: ٦٧] قيل: خاف أن يفتتن الناظرون بذلك السحر، ويلتبس الأمر عليهم فلا يتبين الحق أو لا يتمحض، وقيل: لما أراد السحرة الإلقاء سمع موسى هاتفا يقول: ألقوا يا أولياء الله، فخاف أن يكون ممكورا به، وأن العناية [بخصمه] دونه، وإنما سموا أولياء الله باعتبار مآل حالهم كما وقع. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ (٦٩) [طه: ٦٩] خبر وحكم عام بعدم فلاحه في الدنيا والآخرة ما لم يتب، ومن ثم كان الساحر شبيها بالشيطان خاسئا [مذموما] مدحورا قبيح السمعة سيئ الحالة والقالة. ﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى﴾ (٧١) [طه: ٧١] قيل: أي: على جذوع النخل، وقيل: هي ظرفية على أصلها لتمكن المصلوب على الجذع تمكن المظروف على الظرف. ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾ (٧٧) [طه: ٧٧] وهو من معجزاته، ضرب البحر بعصاه فامتنع، فأوحي إليه أن أكنه، فكناه، وقال: انفلق أبا خالد، وهى كنية البحر، ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣) [الشعراء: ٦٣] وظهرت أرض البحر يابسة ويعايا بها، فيقال: ما أرض لم تر الشمس إلا مرة واحدة؟ ! وهي هذه.

стр. 426

﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ (٧٨) [طه: ٧٨] هذه من الإشارات/ [٢٨٨/ل] جوامع الكلم. ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ (٧٩) [طه: ٧٩] بالكسب والتسبب، عند الجمهور، وبخلق الضلال عند المعتزلة، و ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ (٧٩) [طه: ٧٩] يحتمل أنه تأكيد لمعني ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) [طه: ٨٥]، ويحتمل أن «أضل» لما كان في سياق الإثبات كان مطلقا لا عموم له، يصدق بمرة واحدة بين إرادة العموم منه بعموم لازمه، وهو سلب الهداية، إذ الضلال يلزمه عدم الهدى. ﴿قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ (٨٤) [طه: ٨٤] يستفاد منه أن الأمر للفور؛ لأن موسى كان مأمورا بالسعي لميقات ربه، ثم إنه علل عجلته برضى ربه، وجعلها سببا له، وإذا كانت الفورية في امتثال الأمر سببا للرضى، كان التراخي سببا للغضب عملا بموجب قياس العكس، وغضب الله- -واجب الاجتناب، ورضاه واجب التحصيل، وسببه فورية الامتثال، وسبب الواجب واجب، ففورية الامتثال واجبة، وهو المطلوب. ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) [طه: ٨٥] يحتج به الجمهور لإضافة الله- -فتنتهم إلى نفسه، وربما أجيب بأن الفتنة هاهنا الاختبار لا الضلال، اختبرهم فلم يثبتوا على محك الامتحان. ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) [طه: ٨٥] يحتج به المعتزلة لإضافة الضلال/ [١٣٦ أ/م] إلى السامري، ويجاب عنه بأنه أضيف إليه باعتبار التسبب والكسب، وقد سبق في «الأعراف» أن موسى قال: «يا رب هذا السامري صاغ العجل فمن أنطقه؟ » قال: أنا، قال: فما فتن قومي إلا أنت ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، قال: أحسنت يا حكيم الحكماء.

стр. 427

جمعا كثيرا من بني إسرائيل أدركوا بفطرتهم أن هذا هو الإله وهم كانوا أهل التحقيق والمعرفة منهم. وأجيب بأن قبل هذا وبعده ما يقطع ببطلانه، وهو قوله- ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) [طه: ٨٥] فجعل ذلك فتنة ضلالا، وهو قول هارون لهم ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (٩٠) [طه: ٩٠] وانتظم الدليل هكذا: الرحمن ربكم، والعجل ليس بربكم، ينتج أن الرحمن ليس هو العجل، وأن العجل ليس هو الرحمن، ولو صح ما زعمه الاتحادية لكان عبدة العجل المتوعدون بالغضب والذلة أعرف بالله- -من موسى وهارون، وأنه محال. ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ (٨٩) [طه: ٨٩] يستدل به الصوفية على أن الله- -متكلم بحرف وصوت؛ لأن دل/ [٢٨٩/ل] من باب قياس العكس على أن الله- -متصف بأنه يرجع إليهم القول لو شاء، وحقيقة ذلك المتعارفة المتبادر إليها الفهم هو القول بحرف وصوت، وأجاب الخصم بأن حاصل هذا أنه استدلال بالمفهوم، وهو ضعيف وإنما سلب النطق والكلام عن العجل، وذلك لا يقتضي إثباته لله- -إلا بطريق المفهوم، ودل على التوحيد بنفي الضر والنفع، عن غير الله- -ونظمه هكذا: الإله يملك الضر والنفع، والعجل غيره لا يملك الضر والنفع، فالإله ليس هو العجل، فالعجل ليس هو الإله. ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (٩٠) [طه: ٩٠] فيه أن الطاعة موافقة الأمر ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣) [طه: ٩٣] يفيد أن المعصية مخالفة الأمر لا الإرادة، خلافا لما يحكى عن المعتزلة. وفيه أيضا أن الأمر على الوجوب والفور، أما الأولى فلعقاب موسى لهارون بالأخذ بلحيته ورأسه على مخالفة أمره. وأما الثاني: فلقوله: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣) [طه: ٩٢، ٩٣] وإذ وقتية أي: ما منعك حين أو وقت ضلالهم من اتباعي لتخبرني، أو من سلوك طريقي فيهم بالردع والمنع

стр. 428

والجهاد، فعاقبه على تأخير اتباعه عن وقت ضلالهم/ [١٣٦ ب/م]، وأخبر أنه بذلك عصى أمره. ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٩٤) [طه: ٩٤] فيه جواز التصرف في الأحكام والسياسات بحسن رعاية المصالح؛ لأن هارون حصل أعلى المصلحتين عنده، وهو جمع بني إسرائيل وتأليفهم، ودفع أعظم المفسدين، وهو التفريق بينهم، وإن استلزم ذلك مخالفة أمر أو ارتكاب نهي، وأن المتصرف بحسب المصلحة مؤديا للنصيحة معذور، وأشار هارون بقوله: ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٩٤) [طه: ٩٤] إلى قول موسى له ﴿*وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤٢) [الأعراف: ١٤٢] وللشيعة هاهنا كلام، وهو أن النبي ﷺ نزل عليا منه منزلة هارون من موسى، وعلي هو الإمام الحق بعده ﷺ ومقتضى استخلافه أن يسوس الأمة بالأصلح فالأصلح، وأن يجمعها ولا يفرقها، فلما خرج عليه، وغدر به رأى الأصلح جمع الكلمة، وعدمه الفرقة، فلذلك لم يجاهدهم معتذرا إلى النبي ﷺ إذا لقيه يوم القيامة بما اعتذر به هارون إلى موسى، وهو قوله: إني خشيت أن تقول: فرقت بين الأمة ولم ترقب مقتضى استخلافي لك اعتبار السياسة بالأصلح فالأصلح. ويجاب عن هذا بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن موسى كان/ [٢٩٠/ل] منتظر العودة، فأخر هارون الجهاد والإنكار حتى يعود فيرى رأيه، ومحمد ﷺ غير منتظر العودة إلى الدنيا، فقد كان الواجب على علي إن كان هو الإمام الحق، كما زعمتم أن يجاهد بمن أطاعه، وإن قل من عصاه، وإن كثروا إن كانوا كفارا أو بغاة كما قاتل الخوارج وأصحاب صفين والجمل، وإلا لكان تاركا لواجب الجهاد، وهاهنا بحث من الطرفين يطول.

стр. 429

الاختصاص بذلك قد يكون معجزا وكرامة لنبي أو ولي، وقد يكون فتنة واستدراجا كما في السامري، وبلعام الذي قال فيه تعالى: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (١٧٥) [الأعراف: ١٧٥] فلا ينبغي لأحد أن يغتر بما كوشف به من الأسرار والحقائق لما ذكرنا، بل ينظر في حال نفسه، فإن كان موافقا للشرع رجا خيرا وخشي المكر الخفي، وسوء العاقبة وإن كان مخالفا للشرع، فليحذر وليرتدع وليعلم أنه ممكور به، ثم لا ييأس من اللطف والتدارك/ [١٣٧ أ/م] ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٧) [يوسف: ٨٧] والذي بصر به السامري هو أن جبريل-﵇-كان يوم أغرق فرعون وقومه على حجرة تسمى الحياة مهما وطأت شيئا تحرك حيا تحت حافرها، فألهم أن تراب حافرها يفيد الجمادات حياة فلما صاغ العجل، وقد كان أخذ من ذلك التراب شيئا ألقاه عليه فتحرك وخار، وصار عجلا جسدا له خوار، فذلك معنى قوله: ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (٩٦) [طه: ٩٦] أي: من أثر حافر فرس الرسول ﴿فَنَبَذْتُها﴾ [طه: ٩٦] أي: على العجل لما صغته ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (٩٦) [طه: ٩٦] أي: ألهمت أو خطر لي، فكان ذلك التراب إكسير الحياة (كإكسير) الذهب، ويحتج بهذا أصحاب الكيمياء، لأن الجماد إذا جاز أن ينتقل إلى الحيوان بجوهر يضاف إليه، فانتقاله إلى رتبة أخرى من رتب الجماد بجوهر يضاف إليه أولى بالجواز. ﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ (٩٧) [طه: ٩٧]، إنما سمى العجل إلها باعتبار اعتقاد السامري وتهكما به، وأحرقه ونسفه في البحر تحقيقا لما سبق من أنه لا يملك ضرا ولا نفعا لنفسه فكيف لغيره؟ ! ويلزم ذلك أنه ليس بإله لما مر.

стр. 430

[طه: ١٠٠]، فيه إيجاب الإيمان بالقرآن واتباعه بدليل الوعيد على الإعراض عنه، وفيه/ [٢٩١/ل] وفيما بعده إثبات القيامة والصور والمحشر ونحوه من أحكام اليوم الاخر. ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (١١٣) [طه: ١١٣] يحتج به من رأى أن لا معرب في القرآن، وهو ما أصله أعجمي ثم عرب، وإلا لما كان جميع القرآن عربيا، وهو خلاف ظاهر الاية. وأجيب بأن الاية عام مخصوص بما ثبت تعريبه: كالسجيل والقسطاس والمشكاة ونحوه، أو عام أريد به الخاص، وهو أكثره، أي: وكذلك جعلنا أكثر القرآن عربيا، أو لأن المعرب فيه استولى عليه لسان العرب فصار عربيا حقيقة أو حكما، كما أن إبليس وإن كان من الجن غلب عليه حكم الملائكة، حتى تناوله أمرهم بالسجود لادم، والشيء قد ينتقل عن حكمه الأصلي بالغلبة الطارئة عليه. ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١١٤) [طه: ١١٤] دليل على شرف العلم، وأنه إنما يحصل بتعليم الله- -كشفا أو إلهاما أو توفيقا لأسباب التعلم، وهذا من خواص العلم على المال؛ إن العلم تحمد الزيادة منه. ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ (١١٥) [طه: ١١٥] أي: ترك العهد، وقيل: هو نسيان حقيقي، ورد بأنه لو كان كذلك لما عصي، ولا عوقب لرفع حكم النسيان في موجب العدل. ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ (١١٥) [طه: ١١٥] أي: على رعاية العهد، وحفظه، كقوله: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ (١١٧) [طه: ١١٧] إشارة إلى تحمل الرجل مؤونة المرأة، لتخصيصه بالشفاء دونها، ولم يقل: فتشقيا، وهذا شبيه بدلالة المفهوم وهو اختصاص الشيء بالحكم لتخصيصه بالذكر. ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى﴾ (١١٨) [طه: ١١٨] قرن بينهما؛ لأن الجوع عري الباطن وخلوه، كما أن عدم الثياب عري الظاهر.

стр. 431

﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ (١١٩) [طه: ١١٩] لأن الضحى هو البروز للشمس ظمأ الظاهر، والظمأ ضحى الباطن، بجامع لحوق الحرارة لهما. ﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ (١٢١) [طه: ١٢١] يحتج به من رأى أن الأنبياء غير معصومين من الكبائر؛ لأن هذه كانت كبيرة من آدم، ولذلك سميت غيّا، وهو الضلال، وعوقب عليها بالإخراج من الجنة. وأجيب بأن آدم حينئذ لم يكن نبيا، فهو في ذلك كبني يعقوب، فيما فعلوا، وحينئذ الاية خارجة عن محل النزاع]. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ (١٢٤) [طه: ١٢٤] يحتج به على عذاب القبر، وتقريره أن للإنسان ثلاثة أحوال: معاشه في الدنيا، ومعاده يوم الحشر، وما بينهما، وهو البرزخ وفى القبر، وليس المراد بالمعيشة الضنك المعاش في الدنيا/ [٢٩٢/ل]؛ لئلا يخالف الخبر المخبر؛ إذ أكثر المعرضين عن الإيمان، والذكر في أوسع معيشة ولا معاده يوم الحشر؛ لتعقيب المعيشة الضنك به، وهو دليل التغاير، فتعين أن المراد ما بينهما، وهو في حاله القبر وسماه معيشة؛ لأنه لا يدرك عذاب القبر إلا وهو حي، فهو يعيش عيشا نكدا فيه.

стр. 432

بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) [طه: ١٣١] فيه تعليل تمتعهم بفتنتهم، وهو تعليل للفعل الإلهي، وإضافة الفتن إلى الله- -وقد سبق. ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٣٣) [طه: ١٣٣] يعني أن ذكر محمد ﷺ في الكتب القديمة: أنه نبي آية واضحة على نبوته كافية يعلمها أهل الكتاب، فيلزمهم بها الحجة، ويخبرون بها المشركين فيحصل لهم العلم بذلك، فيلزمهم الحجة-أيضا-لكن أهل الكتاب عاندوا وكتموا فلهذا كانوا / [١٣٨ أ/م] أشد جرما، وأعظم دركا. ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (١٣٤) [طه: ١٣٤] وهو نظير ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٦٥) [النساء: ١٦٥] ونظيرها في القصص. ...

стр. 433

القول في سورة الأنبياء ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١) [الأنبياء: ١] هو كقوله: ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ (٥١) [الإسراء: ٥١]، في أنه لا تحديد ولا تقدير فيه لمدة الساعة، بل هو تقريب إضافي. ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢) [الأنبياء: ٢] يحتج به من رأى خلق القرآن، لأن الذكر هاهنا هو القرآن بدليل ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢) [الأنبياء: ٢] وقد وصفه بالحدوث وأجيب بأنا لا نسلم أن الذكر هو القرآن بل هو الرسل بدليل ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٣) [الأنبياء: ٣] ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً﴾ (١١) [الطلاق: ١٠، ١١] و ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢) [الأنبياء: ٢] أي / [٢٩٣/ل]: سمعوه أو استمعوا إليه، يقال: سمعت زيدا، استمعت إليه. سلمنا أنه القرآن، لكن لا نسلم أنه وصفه بحدوث الوجود بل بحدوث النزول، فهو محدث النزول قديم الوجود، وقد سبق فيه كلام من الطرفين. ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) [الأنبياء: ٦] أي: أنا نريد هلاكهم فلا يؤمنون، كما لم يؤمن قبلهم الأمم الهالكة، وهذا حكم منه بأنهم لا يؤمنون، وما ذاك إلا لما يعلم أن سيخلقه فيهم من الصوارف عن الإيمان، ويحتج به الجبرية كما عرف من مذهبهم، واستدلالهم.

стр. 434

﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) [الأنبياء: ٧] هذا جواب لقولهم: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٣) [الأنبياء: ٣] أي: فإرساله إليكم دون العكس، ترجيح بلا مرجح، وقد سبق القول فيه. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (١٩) [الأنبياء: ١٩] يحتج بظاهره من يرى أن الله- -ليس في السماوات ولا في الأرض، وإلا لكان ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (١٩) [الأنبياء: ١٩] تكرارا. ويجاب: بأنه من باب عطف الخاص على العام، أو يريد ومن عنده في الملأ الأعلى بين يدي العرش، وذلك فوق السماوات لا فيها ولا في الأرض، والإشارة ب ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (١٩) [الأنبياء: ١٩] إلى الملائكة المقربين. ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (٢٠) [الأنبياء: ٢٠] يقتضي أنهم لا ينامون لاستغراق التسبيح زمانهم ويقتضي أنهم زمانيون أي: يعمهم حقيقة الزمان، وإذ جعل الليل والنهار ظرفا لتسبيحهم، وأنهم معصومون، إذ من لا يفتر عنه الطاعة متى يتفرغ للمعصية. قوله- : ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (٢١) [الأنبياء: ٢١] أي: يبعثون الموتى، وهو استدلال على نفي الشريك، بأن الإله الحق هو الذي ينشر الموتى، وسائر ما اتخذا إلها لا ينشر الموتى، فالإله الحق ليس هو سائر ما اتخذ إلها، فما اتخذ إلها ليس هو الإله الحق. ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٢٢) [الأنبياء: ٢٢] هذا هو والدليل المشهور على التوحيد، ويسمى/ [١٣٨ ب/م] دليل التمانع، وتقريره من وجهين: أحدهما: لو كان مع الله إله غيره لفسد العالم، واللازم باطل فالملزوم كذلك، بيان الملازمة: أنه لو كان معه غيره، فليفرض أنهما اختلفا في الإرادة بأن أراد أحدهما تحريك جسم أو

стр. 435

إحياؤه، والاخر تسكينه أو إماتته، فإن تم مرادهما، اجتمع النقيضان أو انتفى مرادهما، ارتفع النقيضان، أو تم مراد أحدهما فقط فهو الإله الحق دون العاجز، فالإله الحق واحد. فإن قيل: فرض اختلافهما محال، والمحال جاز أن/ [٢٩٤/ل] يلزمه المحال، ونحن إنما نثبتهما قديمين حكيمين لا يختلفان ولا يتناقضان ولا تتعلق إرادة أحدهما بنقيض ولا ضد ما تتعلق به إرادة الاخر، فلا يلزم ما ذكرتم من المحال. قلنا: إن كان اتفاقهما في الإرادة على جهة المصانعة من كل منهما لصاحبه، واتقاء الخلاف والمنافرة له، فهما عاجزان؛ إذ هذا شأن المصانع المداري، وإن كان اتفاقهما لقدم إرادتهما بحيث لا تتعلق إرادة أحدهما بغير ما تعلق به إرادة الاخر لزم إذا تعلقت إرادتهما بتحريك جسم في وقت بعينه أن تتعلق قدرتهما أيضا بتحريكه لئلا تتناقض الإرادة والقدرة في متعلقهما، وهو محال، وحينئذ يلزم توارد القدرتين القديمتين على مقدور واحد، والعلتان المستقلتان على معلول واحد وأنه محال، وإنما قلنا: إن توارد مؤثرين مستقلين على أثر واحد محال؛ لأن وجوده بكل واحد منهما يقتضي استغناءه عن الآخر، فلو وجد [بهما جميعا] لاستغنى عنهما جميعا، فيكون موجودا بكل واحد منهما غير موجود بواحد منهما وأنه محال. الوجه الثاني: أنه لو كان ثم إلهان لكانا مشتركين في خلق العالم وللزم العالم طاعتهما، فلو أمر أحدهما بشيء ونهى الآخر عنه، لم تتصور طاعتهما من الجميع، وإن أطاع كل واحد بعض العالم دون بعض، أوشك أن يعاقب من عصاه وأطاع الآخر، وأوشك الآخر أن يدافع عمن أطاعه، فيقع الحرب بينهما كسلطانين كل منهما يدافع عن رعيته، وذلك يفضي إلى فساد العالم لاختلافهما كما تفسد الرعية عند اختلاف ملوكها، واللازم باطل بما نراه من انتظام العالم، و [هذا تقرير الشيخ محيي الدين بن العربي في بعض كتبه المختصرة]. وأما الفلاسفة فاحتجوا على التوحيد بأنه لو كان في الوجود إلهان لكانا قديمين، ولو كانا قديمين لاشتركا في وجوب الوجود، وامتاز كل منهما [بعين ماهيته وبعينه وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيلزم أن يكون كل منهما] مركبا مما به/ [١٣٩ أ/م] الاشتراك والامتياز، وهما الوجوب والتعين فيلزم أن يكون القديم الواجب مركبا وأنه محال، واعترض عليه بجواز أن يكون تعينهما أمرا عدميا وهو كون عين كل واحد منهما ليست غيرها والعدم لا يتركب مع الوجود، فلا يلزم التركيب المنافي للوجوب، وهو سؤال قوي على دليلهم فتبين أن الطريقة الجيدة الثابتة على محل النظر هي طريقة القرآن

стр. 436

والتصرف في خلقه فلا يعترض عليه وهذه/ [٢٩٥/ل] عمدة الجمهور في القدر وإليها يرجعون ويسمونها آية الدبوس. وعند النظر فيما قررناه من سر القدر يتبين أن الأمر واضح بالمعقول لا بالدبوس. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤) [الأنبياء: ٢٤] أي: طالبهم بالدليل على إلهية آلهتهم فسيعجزون عن إقامته ثم قل: ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤) [الأنبياء: ٢٤] أي احتج عليهم بإجماع الأنبياء المتقدمين على التوحيد، وهو كقوله- : ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤٥) [الزخرف: ٤٥] وتقريره: أن التوحيد مجمع عليه بين الرسل وكل مجمع عليه بين الرسل، فهو حق فالتوحيد حق بيان الأولى قوله- بعد: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢٥) [الأنبياء: ٢٥]. بيان الثانية: أن الأنبياء معصومون جماعة وفرادى فلا يقولون إلا صدقا، ولا يعتقدون إلا حقا. ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢٦) [الأنبياء: ٢٦] يعنى قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢٦) [الأنبياء: ٢٦] أي: هم عباد مكرمون؛ فعباد، رد على من تألههم، ومكرمون: رد على من تنقصهم، كاليهود حين استعدوا جبريل. ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢٧) [الأنبياء: ٢٧] رد على من زعم أن لهم تصرفا في العالم بالاستقلال فبين أنهم لا يفعلون شيئا إلا بإذنه- وفيه من الأدب أن العبد والتلميذ والرعية والولد وكل ذي رتبة دنيا لا يسابق من فوقه بالقول، بل يكون تبعا له في كلامه. ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢٧) [الأنبياء: ٢٧] رد على من

стр. 437

قدح في عصمتهم بمخالفة ونحوها. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٢٨) [الأنبياء: ٢٨] أي: ما قبلهم وبعدهم إشارة إلى أن لوجودهم ابتداء وانتهاء ردا على من اعتقد قدمهم، وأنهم أزليون أبديون ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٢٨) [الأنبياء: ٢٨] فيه إثبات الشفاعة لبعض الناس، وأن الملائكة تشفع لهم بإذن الله- ، وهم من خشيته مشفقون إشارة إلى أدبهم، وكمال خشيتهم التي هي سبب عصمتهم؛ إذ العصمة هي اجتناب المعصية/ [١٣٩ ب/م] لكمال المعرفة، وكمال المعرفة توجب الخشية، ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٢٨) [فاطر: ٢٨]. ﴿* وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (٢٩) [الأنبياء: ٢٩] تحتمل وجوها: أن على تقدير أن يقول ذلك منهم قائل نعذبه، إشارة إلى تعظيم الشرك قبحا، وأنه- -لا يحابي فيه أحدا حتى أكرم الخلق عنده، وإن كان ذلك لا يقع منه لعصمتهم، لكنه مفروض. الثاني: أن ذلك إشارة إلى/ [٢٩٦/ل] إبليس على القول بأنه من الملائكة، وأنه هم في نفسه بالمنازعة بالإلهية؛ فجوزي الخزي واللعنة. الثالث: التنبيه على أن هذا القول جائز الوقوع منهم إشارة إلى أن عصمتهم من وقوع المعصية، والكفر لا من جوازهما كما سبق في الأنبياء.

стр. 438

أو تقريعا لهم على ترك ذلك وتقريره: أن هذه آيات وآثار عظيمة تدل على مؤثر عظيم كامل، ومن عظمته وكماله أن لا يكون معه شريك؛ إذا الوحدانية كمال والشرك نقص بالضرورة؛ إذ ما يكون للواحد وحدة يكون له مع الشريك نصفه. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣٣) [الأنبياء: ٣٣] وهو مما يقرأ بالانعكاس مثل ساكب كأس، وهو من محاسن وأنواع البديع. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥) [الأنبياء: ٣٥] يحتج به الجمهور في أن الشر والخير من عند الله- -عدلا وفضلا. ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ (٤٧) [الأنبياء: ٤٧] تمسك الجمهور بلفظ الموازين في إثبات الميزان والوزن حقيقة وتأوله المعتزلة على إقامة العدل؛ لأنه أبدل القسط من الموازين والمقصود في الجملة البدلية هو البدل لا المبدل منه كأنه قال: ونضع القسط، أي العدل. ﴿قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٥٤) [الأنبياء: ٥٣، ٥٤] فيه ذم التقليد وبطلانه خصوصا إذا قابله النظري القاطع ونحوه: ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٥٦) [الأنبياء: ٥٦] هذا استدلال من إبراهيم-﵇ عليهم أو تنبيه لهم على صانعهما كما عرف في غير موضع وفطرهن: أنشأهن. ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (٦٣) [الأنبياء: ٦٣] هذه إحدى الكذبات المنسوبة إليه في الحديث الصحيح، والأخريان قوله: ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٨٩) [الصافات: ٨٩] وقوله لسارة: هي أختي، والتحقيق أن هذه معاريض، وإنما سماها النبي ﷺ كذبات مجازا وتعظيما لشأن/ [١٤٠ أ/م] إبراهيم-﵇-بحيث إن مثله يسمى تعريضه كذبا لارتفاعه عنه شبيه بقولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ (٦٦) [الأنبياء: ٦٦] استدلال على نفي إلهية الأصنام بعدم ضرها ونفعها وقد سبق مرارا.

стр. 439

﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (٦٩) [الأنبياء: ٦٩] سلبها قوتها المحرقة، ثم لو لم يقل: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (٦٩) [الأنبياء: ٦٩] لأهلكته ببردها لمبالغتها في امتثال أمر ربها. ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ (٧٩) [الأنبياء: ٧٩] احتج بها من يرى أن كل مجتهد مصيب وغيره/ [٢٩٧/ل]، أما الأول؛ فلأنه أثنى عليهما بالعلم، وأما الثاني؛ فلأنه خص سليمان بالتفهيم، ولو كان داود مع ذلك مصيبا لما كان لتخصيص سليمان بالتفهيم معنى. وصورة المسألة أن غنما لقوم وقعت ليلا في كرم قوم فرعته فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، وقضى سليمان بأن تسلم الغنم إلى صاحب الكرم ينتفع بصوفها ولبنها، ويعمل صاحب الغنم في إصلاح الكرم حتى يعود كما كان يوم رعته، ولا شك أن هذا أقرب إلى التحقيق والعدل، لأن الغنم أتلفت فرع الكرم وهو ورقه وأغصانه ونحو ذلك، فإذا من فروعها صوفا ولبنا ما يقابل ما أتلفت حتى يعاد الكرم إلى حاله يوم أتلفته كان مناسبا، أما أخذ الغنم أصلا ورأسا بالكرم مع احتمال تفاوتهما في القيمة، ففيه ما لا يخفى والثناء عليهما بالعلم لا يدل على إصابة داود، لأنه لم يقل: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ (٧٩) [الأنبياء: ٧٩] في هذه الواقعة، وإنما المراد أصاب سليمان وقد كان داود عالما، ولا يقتضي ذلك إصابته في هذا الحكم بعينه، ثم إن قولهم: كل مجتهد مصيب، ليس معناه: أن قول المجتهدين المختلفين مطابق لما في نفس الأمر وإلا لكان الشيء المختلف في تحريمه حراما في نفس الأمر وأنه محال، وإنما المراد إصابتهما في ظاهر الاجتهاد بحيث يخرجان عن العهدة مع أن للمصيب أجر الإصابة وفضلها والمخطئ حظه في أنه لا يأثم على خطئه وإن أجر على اجتهاده. وقد استدل بعضهم على أن ليس كل مجتهد مصيبا بأن القائل: ليس كل مجتهد مصيبا إما مصيب أو مخطئ. فإن كان مصيبا صح أنه ليس كل مجتهد مصيبا لمطابقة خبره مخبره وحكمه الواقع، وإن كان مخطئا، فقد اختلت كلية دعواه به نفسه، فليس كل مجتهد مصيبا. ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ (٧٩) [الأنبياء: ٧٩] قد سبق أن كل شيء يسبح بحمد

стр. 440

ربه، وأن خلق التسبيح في الجبال ممكن إما بإظهار حياة كامنة فيها، أو بخلق حياة لم تكن. ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (٨٥) [الأنبياء: ٨٥] يحتج به على أن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه حكى عن/ [١٤٠ ب/م] الذبيح أنه قال عند إرادة ذبحه: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢) [الصافات: ١٠٢] ثم وصفه هاهنا بالصبر الموصوف به هناك، فكان ظاهرا في أن الصابر هنا هو الصابر هناك. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٧) [الأنبياء: ٨٧] [حمله بعضهم على ظاهره في نفي القدرة، وتأوله] الأكثرون على معنى لن نضيق عليه من قوله- : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (٧) [الطلاق: ٧]، ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ﴾ (٢٦) [الرعد: ٢٦] أي يضيق، تنزيها لنبي الله يونس عن أن يعتقد نفي قدرة الله- -عن شيء، هو أليق بحال الأنبياء، بل المتعين في حقهم، إذ لا يجوز أن يكون نبيا من يجهل صفات ربه، وما يجوز عليهن وما يمتنع. فأما ذلك النباش الذي قال لبنيه: إذ مت فاحرقوني وذروني في البحر؛ فإن ربي إن قدر عليّ عذبني، ثم إن الله- -غفر له فإنه عذره لجهله مع أن ذلك منه أيضا قد تأوله بعض الناس.

стр. 441

يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) [الزمر: ٢٣] والأشبه أن النبوة نعمة مرتبة على طاعة وتزكية اقتضاها التوفيق، وإلا لجاز أن ينالها الشيطان وأنه بعيد. ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨) [الأنبياء: ٩٨]. لما نزلت قال عبد الله بن الزبعرى: «يا محمد، فقد عبدت الملائكة والمسيح أفتراهم حصب جهنم؟ ! فيقال: إنه نزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ (١٠١) [الأنبياء: ١٠١] مخصصة للعموم المذكور، ويقال إنه ﷺ قال لابن الزبعرى: «ما أجهلك بلسان قومك، إنما قال الله- : ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨) [الأنبياء: ٩٨] ولم يقل: ومن «تعبدون» يعني أن «ما» لما لا يعقل، فلا يتناول العقلاء كالملائكة والمسيح وهذا أحسن الجوابين، ولعلهما اجتمعا بمنع ورود السؤال ثم تسليمه، وتخصيص العموم. ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ (٩٩) [الأنبياء: ٩٩] أي أن الإله لا يرد النار وهؤلاء المتخذون من دون الله يردون النار، فالإله ليس هو هؤلاء فهؤلاء ليسوا آلهة. ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠) [الأنبياء: ١٠٠] إن كانت عامة في كل ما عبد من دون الله- -جماد أو غيره، فهذا يقتضي أن الجماد يخلق فيه حياة يصبح بها/ [١٤١ أ/م] منه الزفير في جهنم، والأشبه أن يختص ذلك بالأحياء من الآلهة. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ (١٠٤) [الأنبياء: ١٠٤] استدلال على الإعادة بالقياس على الابتداء. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٧) [الأنبياء: ١٠٧] تصريح برسالة محمد ﷺ وإثباتها بالبرهان في آخر الفتح إن شاء الله- . ...

стр. 442

القول في سورة الحج / [٢٩٦/ ل] ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [الحج: ١] يحتج بها المعتزلة على أن المعدوم شيء، لأنه سمى الساعة شيئا، وهي معدومة لم توجد بعد. وأجيب بأنه إنما سماها شيئا على تقدير وجودها، أو لتحقيق وجودها في علمه؛ فنزل المتحتم الوجود منزلة الوجود. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ (٢) [الحج: ٢] نفي السكر حقيقة وإثباته مجاز، فلا تعارض. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣) [الحج: ٣] منطوقه ذم الجدل بغير علم، ومفهومه جواز الجدل حتى في الله- -بعلم. ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٤) [الحج: ٤] يعني الشيطان يضل وليه بالوسوسة والضلال مخلوق لله، . ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٥) [الحج: ٥] يستدل على جواز البعث بدليلين: أحدهما: القياس على ابتداء الخلق من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة، والجامع بينهما الإمكان والمقدورية، ولا أثر للفرق بأن ابتداء الخلق على طريق التنقل في الأطوار لانتقاضه بآدم وحواء لم ينتقلا في الأطوار ولإمكان التزام مثل ذلك في الإعادة بأن تمطر الموتى، ويجعل في الأرض قوة مربية كما في الرحم وينقلوا في الأطوار، ثم تنشق الأرض عنهم. الدليل الثاني: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾

стр. 443

وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) [الحج: ٥] وهو قياس إخراج الموتى أحياء من الأرض على إخراج الزرع من الأرض، والجامع الإمكان والمقدورية، ووجه الشبه أن أجزاء الموتى تتفرق في الأرض كالحب فيها ثم تجمع الأجزاء، وتخرج بشرا كما ينبت الحب ويخرج زرعا [وقد سبق]. وقوله- : ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٥) [الحج: ٥] ظاهر في أن إخراج الموتى يكون بمطر يمطرونه، كما حكي أن السماء تمطر مطرا كمني الرجال أربعين يوما، فتخرج به الموتى نباتا، ولما ذكر [هذين القياسين] قال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦) [الحج: ٦] هذا هو النتيجة أي: كما بدأ الخلق وأحيا الأرض يحيي الموتى، ثم أحال بذلك على القدرة التامة، فقال: ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦) [الحج: ٦]، ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ (٧) [الحج: ٧] إثبات للقيامة لمحاسبة الناس، والعدل فيهم ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٧) [الحج: ٧] تأكيد لما تقدم من أنه يحيي الموتى. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٠) [الحج: ١٠] أي: بما كسبت ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٠) [الحج: ١٠] أما على رأي العدلية/ [١٤١ ب/م] فظاهر، وأما على رأي الجمهور فإما باعتبار كسبهم، أو على تقدير أن لو فوض إليهم لعصوا. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٠) [الحج: ١٠] استدلال على عدم الإلهية بعدم النفع والضر، وبقياس العكس أن من ملك النفع والضر مستقلا فهو الإله. ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (١٣) [الحج: ١٣] لأن الصنم يحتاج إلى خدمة في الدنيا على ما/ [٣٠٠/ل] التزمه له الكفار، وهو سبب العذاب في الآخرة، فصار ضره محققا ونفعه معدوما.

стр. 444

الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) [الحج: ١٨] تضمنت سجود الجمادات كالجبال والنبات والشجر، والحيوان كالدواب، والعقلاء كالناس، ومن في السماء والأرض والعلويات كالشمس والقمر والنجوم، ومن في السماوات والسفليات كمن في الأرض والجبال ونحوها. وللسجود مسميان: أحدهما لغوي وهو الذل كقول الشاعر: ترى الأكم فيها سجدا للحوافر يعني أن الجبال الصغار تذل لحوافر الخيل حين تصعدها. والثاني: شرعي وهو وضع الجبهة على الأرض تقربا إلى الله- -وعبادة له، والمشهور أن سجود العقلاء بالمعنى الشرعي لتصوره منهم، وسجود غيرهم بالمعنى اللغوي لظهور الذل والتسخير والانقياد للقدرة لتصوره منهما دون الشرعي، ثم يحتج بالآية من أجاز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا معا؛ لأن قوله- : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (١٨) [الحج: ١٨] هو بالنسبة إلى العقلاء شرعي وإلى غيرهم لغوي، وقد استعمل في مفهوميه معا، وكذلك ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٥٦) [الأحزاب: ٥٦] إذ الصلاة من الله- -الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار وقد أريدا من لفظ يصلون. وأجاب المانع لذلك: بأن التقدير تكرار الفعل أي: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات والأرض، ويسجد له الشمس والقمر والنجوم، ويسجد له الجبال وكذلك باقيها، وكذا: إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون على النبي.

стр. 445

أول مبارز، وأبو بكر في العريش مع النبي ﷺ فعلي أعظم جهادا، فليكن أفضل من أبي بكر لقوله- : ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٩٥) [النساء: ٩٥]. وأجيب بأنه يلزمكم مثله، في النبي ﷺ وأن عليا أفضل منه وإنه محال؛ فإن قيل: / [١٤٢ أ/م] النبي ﷺ كالإمام شأنه أن يقاتل بين يديه، قيل: وأبو بكر كالوزير شأنه أن يكون مع الإمام. ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ (٢٤) [الحج: ٢٤] هو قولهم في فاطر ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٣٤) [فاطر: ٣٤] وهو الكلم الطيب المذكور في «إليه يصعد الكلم الطيب» أو منه فينبغي المحافظة على الحمد خصوصا [بلفظ الآية خصوصا] عند اندفاع البلاء وتجدد النعماء. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤٠) [الحج: ٤٠] احتج بعض النصارى من هذه بوجهين: أحدهما: أنه قدم ذكر الصوامع والبيع، وهي من شعار النصارى على المساجد التي هي شعار المسلمين، وذلك يقتضي أن النصارى ودينهم أفضل. الثاني: أنه وصف الصوامع/ [٣٠١/ل] والبيع بذكر الله فيها كثيرا كالمساجد على جهة المدح، وهو يقتضي مدح النصارى وصحة عباداتهم وأذكارهم وإلا لما مدحت. والجواب عن الأول: أن العطف بالواو، وهى لا تفيد الترتيب، ثم يلزمهم من قوله- : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١٧) [الحج: ١٧] أن تكون هذه الطوائف الثلاث أفضل من النصارى لتقديمها عليهم.

стр. 446

وعن الثاني: أن ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيراً﴾ عائدا إلى المساجد لأنها الأقرب دون غيرها، سلمنا رجوعه إلى الجميع لكنه [محمول على] بيع المؤمنين من النصارى قبل الإسلام مثل بحيرا الراهب وأشباهه ممن قبل وصية المسيح في الإيمان بمحمد ﷺ بالنية. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٤٦) [الحج: ٤٦] أي بخلق الصوارف عن النظر والاعتبار. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥٢) [الحج: ٥٢] فيه مسائل: الأولى: الفرق بين الرسول والنبي وإلا لم يكن لعطف أحدهما على الآخر معنى، وليس عطف خاص على عام بل بالعكس، ثم قيل: الفرق بينهما أن الرسول من له شريعة وكتاب، وقيل: هو من يوحي إليه يقظة بخلاف النبي فيهما. الثانية: جواز النسخ، وقد سبق، ولقائل أن يقول: المنسوخ هنا ما يلقيه الشيطان فلا يدل على نسخ كلام الرحمن. الثالثة: جواز فتنة بعض الناس واستدراجهم إلى الضلال بتقدير الأسباب الموجبة لذلك لأنه- -علل إلقاء الشيطان في أمنية النبي، ونسخ ذلك بفتنة الذين في قلوبهم مرض، وهو كقوله- : ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ (٥٣) / [١٤٢ ب/م] [الأنعام: ٥٣] كما ذكر في الأنعام. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ (٦٦) [الحج: ٦٦] فيه إثبات البعث ونظائره عديدة. ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٦٨) [الحج: ٦٨] لم يؤمر هاهنا بمجادلتهم لعنادهم وشغبهم، وكذلك ينبغي ترك جدال كل مشاغب ما لم يلزم من تركه مفسدة.

стр. 447

اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) [الحج: ٧٣] فيه الجدال والمناظرة بضرب الأمثال، وهي بالحقيقة أقيسة جلية إذ قوله- : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] إشارة إلى عجز الآلهة وأنها لا تخلق، فنظمه إذن هكذا: الالهة التي تدعونها عاجزة لا تخلق شيئا، والله- -وهو قياس في الشكل الثاني. ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٧٥) [الحج: ٧٥] هذا جواب من يقدح في الرسل بقوله: ﴿بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ / [٣٠٢/ل] فليس أولى بالرسالة منا إذا يلزم الترجيح بلا مرجح. وجوابه: أن إرسال من الناس والملائكة مستند إلى اختيار الله- -فهو المرجح، فلا يلزم ما ذكرتم. وربما استدل بهذه من رأى تفضيل الملائكة رسلا وأمما على غيرهم لتقديمهم في الذكر وفيه ما عرف. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٧٧] خاص ﴿اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧] أعم منه ﴿وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧٧) [الحج: ٧٧] أعم منه فهو من باب عطف الأعم على الأخص وقد سبق. ...

стр. 448

القول في سورة المؤمنون قوله- : ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ (٥) [المؤمنون: ٢ - ٥] يحتج به المعتزلة في إضافة الأفعال إلى الناس وجوابه أن ذلك من جهة الكسب، أو كونهم محلها كما يقال: تدحرج الحجر وتحرك الشجر، والمحرك له غيره. ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦) [المؤمنون: ٦] الآيتين: [يحتج به الجمهور] على تحريم المتعة، لأن ذات المتعة لا ملك يمين بإجماع، ولا هي زوجة لعدم التوارث بينهما فتكون داخلة في حد العدوان، وأجاب القائلون بالمتعة بأن ﴿فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٧) [المؤمنون: ٧] عام خص بالمتعة بما سبق من دليلها، كما خص ﴿*وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٢٤) [النساء: ٢٤] بتحريم نكاح الأخت والعمة ونحوهما، والاستدلال بعدم الإرث منقوض بالزوجة الذمية لا ترث مع أنها زوجة بإجماع. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ (١٣) [المؤمنون: ١٢، ١٣] الإنسان هاهنا مطلق بالاستخدام على آدم وذريته، فآدم خلق من سلالة من طين وذريته جعلوا نطفة في قرار مكين. ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (١٤) [المؤمنون: ١٤] يحتج به القدرية؛ لأنه/ [١٤٣ أ/م] أثبت خالقين هو أحسنهم، ولا خالق للأعيان سواه، فتعين أن الخالقين للأفعال وهم الناس يخلقون أفعالهم. وأجيب بأن هذا خرج على اعتقاد الخصم المعتقد أن ثم خالقين، أو على جهة التنزل أي على تسليم أن هناك خالقين فالله- -هو أحسنهم وأحكمهم، فيجب

стр. 449

ترجيحه بذلك فيتعين للعبادة دون غيره. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (١٦) [المؤمنون: ١٥، ١٦] فيه إثبات البعث، يقال هاهنا: [لم أكد] الموت مع الإجماع عليه دون البعث مع الاختلاف فيه، [وقد كان العكس أنسب؟ ! ]. وأجيب بوجوه: أحدها: أن ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (١٦) [المؤمنون: ١٦] فعل و «ميتون» اسم فاعل ودلالته على المصدر الذي هو الموت بواسطة الفعل، فاحتاج إلى تقويته بلام التأكيد، بخلاف يبعثون فإن قوة دلالته بنفسه على البعث أغناه عن التأكيد/ [٣٠٣/ل]. الوجه الثاني: أن هذا الكلام مع من ينكر الموت كالتناسخية القائلين بانتقال الروح من حيوان إلى غيره، فاحتيج إلى تأكيد وقوعه في إخبارهم به. الوجه الثالث: أن ترك تأكيد البعث إشارة إلى أنه لقوته في نفسه كالمجمع عليه الغني عن التأكيد. الوجه الرابع: أن المخاطب بالبعث إما مصدق للرسول المخبر به فلا حاجة له إلى التأكيد، أو مكذب له فلا يفيد معه التأكيد، فسقط التأكيد لسقوط فائدته في هذا المكان. ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤) [المؤمنون: ٢٤] هذا قدح في النبوة بلزوم الترجيح من غير مرجح، وقد سبق جوابه في غير موضع. ﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢٨) [المؤمنون: ٢٨] استشهد به أبو عبد الله بن حامد على الاستواء على العرش استقرار كاستواء راكب الفلك عليها، وقد رد عليه ذلك لاستلزامه التجسيم]. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٢٩) [المؤمنون: ٢٩] فأنزل الله- -نوحا أرض الجزيرة وهى الموصل وما حولها، فصارت البلاد المنصوص على بركتها أرض مصر لما مر في الأعراف، وما حول المسجد الأقصى لما ذكر في سبحان، وأرض الجزيرة لهذه الآية وهى تعد من مناقب الجزيرة. [قال بعض العلماء المحققين-﵃]: وأخبرني بعض المشايخ الصلحاء أنه صعد إلى جبل الجودي فوجد مسمارا كبيرا من مسامير سفينة نوح، وهو إذا فرك تناثرت

стр. 450

أجزاؤه لاستيلاء البلى عليه لطول العهد واستمرار الدهر، وأنه جعله في صندوق لأجل البركة، فلم يزل عنده حتى فقد في غزاة قازان للشام عام سبعمائة أو نحوه للهجرة المحمدية صلوات الله على/ [١٤٣ ب/م] من نسبت إليه. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣٧) [المؤمنون: ٣٧] قد سبقت شبهة منكري البعث وجوابها في النحل وهي قولهم هاهنا: ﴿قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨٣) [المؤمنون: ٨٢ - ٨٣] قوله : ﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٩١) [المؤمنون: ٩١] هذا من براهين التوحيد المشهورة، وتقريره: لو كان مع الله إله آخر لكان كل منهما خالقا لبعض العالم، ثم لانحاز كل منهما بما خلق ثم طلب العلو على صاحبه، ويلزم الاختلاف المستلزم لفساد العالم وإنه محال كما مر، لا يقال: لا نسلم أنه يلزم أن كلا منهما يكون خالقا لبعض العالم، بل كلاهما خالق لجميع العالم لأنا نقول: يلزم توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد وإنه محال. ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ (١٠١) [المؤمنون: ١٠١] الآيات تضمنت نفخ الصور ووزن الأعمال وعذاب النار وتقريع أهلها. ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (١٠٥) [المؤمنون: ١٠٥] يحتج به المعتزلة لإضافة التكذيب إليهم. ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ (١٠٦) [المؤمنون: ١٠٦] يحتج به الجبرية ونحوهم، إذ معناه: غلبتنا أقدارك وما خلقته/ [٣٠٤/ل] فينا من دواعي الكفر والصوارف عن الإيمان فلم نستطع هداية فضلنا.

стр. 451

العالم لا يكون غايته مجرد وجوده ثم عدمه بالكلية؛ لأن مثل هذه الغاية تقصر عن مثل هذا الفعل العظيم؛ فإذن للعالم غاية عظمى أعظم من مجرد وجوده، وما ذاك إلا إعادته ثم إظهار أسرار الوجود فيه. وقد قرر هذا المعنى بوجهين: أحدهما: أن العالم ما بين مطيع يناسبه الثواب وعاص يناسبه العقاب، وهذه الدار لا تصلح لثواب المطيع ولا لعقاب العاصي؛ إذ لذاتها التي ارتبطت بها عقول الناس إنما هي دفع آلام لا لذات في الحقيقة كالأكل والشرب والنكاح إنما هي رفع ألم الجوع والعطش والشبق، وحينئذ يجب عقلا أن يكون للناس دار ينالون فيها ثواب طاعاتهم، وينالهم عقاب معاصيهم لذات وآلام حقيقية، وهي الدار الآخرة وإليه الإشارة بقوله- : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١٨٥) [آل عمران: ١٨٥]. الوجه الثاني: أن في الناس ظالما/ [١٤٤ أ/م] ومظلوما، والظالم يناسبه العقاب على ظلمه عقلا، ثم نرى كثيرا من الظالمين يخرج من الدنيا سالما موقرا لم تصبه قارعة ولم ترزأه رزية، فدل على أن هناك دارا يستوفى منه فيها جزاء ظلمه، وإليه الإشارة بما حكي عن ابن عباس أنه رأى جنازة، فقال: من هذا؟ قيل: فلان، لرجل ظالم لم يصب في حياته بمكروه، فقال ابن عباس: الله أكبر أشهد أن للناس معادا يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم، من الظالم، أو كما قال. ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (١١٧) [المؤمنون: ١١٧] ليس المراد أن ثم إلها آخر عليه برهان، بل المراد أن إثبات آخر لا برهان عليه، فمن ادعاه والحالة هذه فهو كافر تقليدا أو عنادا، وحسابه عند ربه- -ثم إنه لا يفلح. ...

стр. 452

القول في سورة النور ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) [النور: ٢] عام خص بالمكره ومن ليس بمكلف ونحوهم. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) [النور: ٤، ٥] هذا استثناء تقدمه جمل تصلح لرجوعه إليها، وفيه وفي نظائره أقوال: أحدها: يرجع إلى جميعها إلا لمانع، وهو مذهب الشافعي وأحمد. والثاني: يختص بالأخيرة فقط لقربها وحصول المقصود، وهو تعليق الاستثناء بها، وهو قول أبي حنفية/ [٣٠٥/ل]. والثالث: أن رجوعه إلى الجميع وإلى الأخيرة وقد استعمل فهو مشترك بين الأمرين، فالوقف على مرجح واجب، وهو قول القاضي أبي بكر. والرابع: الوقف لتردد الحال بينهما، وهو قول الشريف المرتضى من الشيعة، فهو وقف ترددي وما قبله اشتراكي، وعلى هذا فاتفقوا في هذه الآية على أن القاذف إذا تاب لا يسقط الجلد عنه؛ لأنه حق آدمي كالدين وعلى أن فسقه يزول، واختلفوا في قبول شهادته فقبلها الشافعي وأحمد ردا لحكم الاستثناء إليها لصلاحيته لذلك من غير مانع بخلاف الجلد؛ إذ كونه آدميّا مانعا من السقوط، ولم يقبلها أبو حنيفة لاختصاص الاستثناء بزوال الفسق، فلم يتعد إلى قبول الشهادة، ووجهوه بأن استمرار رد شهادته عقوبة على جنايته فلم ترتفع كالجلد، ولا يلزم من زوال الفسق قبول الشهادة؛ لأنها قد ترد لمانع كشهادة الوالد لولده وعكسه والرجل على عدوه ونحوه، ردت شهادتهم للمانع الخاص مع ثبوت العدالة، فحاصله: أن قبول / [١٤٤ ب/م] الشهادة هل يلحق بالجلد في استمراره أو بالفسق في زواله وهو أشبه؛ لأن الظاهر أن المراد بهما شيء واحد، وإنام عبر تارة باللازم، وهو رد الشهادة وتارة بالملزوم، وهو الفسق تعظيما للقضية وتقبيحا لها، كما يقال: الذي يسرق فأقم عليه حده واقطعه ونكل به، واحرمه الانتفاع بجارحته وكف عاديته عن الناس والكل واحد.

стр. 453

﴿* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢١) [النور: ٢١] أي: لاتبعتم الشيطان وخطواته فلم يزك منكم أحد، فاقتضى أن العصمة من الشيطان بفضله، والوصمة بوساوس الشيطان ومكائده بقدر الله- -وعدله، ويحتج به الجمهور ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢١) [النور: ٢١] يؤكد ذلك لاختصاص التزكية بمن شاء. ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢) [النور: ٢٢] احتج بها الجمهور على فضل أبي بكر لأنها نزلت فيه؛ إذ ترك الإنفاق على مسطح وقد وصف فيها بأنه من أولي الفضل [أي والله الذي لا إله إلا هو أنه من أولي الفضل أعظم أولي الفضل من هذه الأمة-﵁ وأرضاه-] وأجابت الشيعة [لعنهم الله] بأن المراد فضل المال وكثرته بدليل اقترانه بالسعة لا الفضل الذي هو الكمال وضد النقص، لكن يحتج بها الجمهور من موضع-آخر وهو قوله- : ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢) [النور: ٢٢] وهو يدل على أنه مغفور له. ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢٦) [النور: ٢٦] هذا مع قوله في أول القصة ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١١) [النور: ١١] وما بينهما يحتج به الجمهور على براءة عائشة رضوان الله عليها/ [٣٠٦/ل] مما رميت به، والأحاديث الصحيحة دلت على ذلك حتى قال بعض الحنفية بكفر من قذف عائشة لمخالفته القاطع دون غيرها.

стр. 454

إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) [النور: ٣١] فيه مسألتان: إحداهما وجوب التوبة على كل مؤمن، لأنها مأمور بها والأمر للوجوب، ولأن المؤمن لكونه غير معصوم لا يخلو من ذنب يوجب التوبة، كيف وإن أكثر أحواله ذنوب إلا من وفق. الثانية: احتج بها من رأى التوبة من الأعمال الصالحة، وزعم أن ذلك شأن الأبرار والمقربين، وتقرير حجته أن المخاطب بالتوبة هم المؤمنون ولا تتجه توبة المؤمن إلا من العمل الصالح، وهذا ضعيف، وإنما يصح لو كان المؤمن معصوما من المعاصي أما وهو غير معصوم فتتجه توبته من معاص تقع منه، نعم لو احتج بأن الآفات المفسدة للأعمال كالرياء والعجب ونحوهما خفية عن المؤمن غالبة عليه جدا؛ فالظاهر أن عمله لا يسلم منها، ثم إن القسمة العقلية/ [١٤٥ أ/م] تقتضي أن العمل إما أن يقطع بسلامته من المفسدات، أو بفساده بها، أو يتردد فيه بين الأمرين، والعلم بسلامة العمل عزيز نادر أو متعذر في العادة، فصار الغالب في العمل إما القطع بفساده أو التردد فيه، فوجب الاستغفار والتوبة منه بناء على الغالب؛ لأن الطاعة إذا فسدت صارت معصية كالعصير إذا فسد صار خمرا، وصار الجهل بسلامة العمل كالقطع بفساده فتجب التوبة كما قيل في باب الربا: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فيجب اجتناب المعاملة فيه-لكن هذا تقرير جيد غير خارج عن قواعد الشرع والنظر وهذا المذهب يعزى إلى المحققين من أهل الطريق، ويرجع إلى أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فالعارف المقرب يرى الحسنات بالإضافة إلى غيره سيئات بالإضافة إليه فيتوب منها. واحتج الآخرون بأن التوبة هي الندم على الفعل والعزم على تركه، والطاعات لا يجوز الندم على فعلها ولا العزم على تركها فالتوبة منها لا تجوز. والجواب: أن هذا خارج عن محل النزاع، لأن الطاعة التي يقطع بصحتها وسلامتها من مفسد لا تجب التوبة منها، وإنما تجب التوبة من الطاعة لا من حيث هي طاعة، بل من حيث

стр. 455

اشتملت غالبا على معصية كالرياء ونحوه من المفسدات، وهذا كمن اشترى دراهم أو سلعة مغشوشة وجب له ردها على صاحبها لا من حيث هي فضة بل من حيث هي مغشوشة، فينبغي للإنسان أن يتوب بهذا الاعتبار من جميع أفعاله احتياطا، ولا يعول/ [٣٠٧/ل] منها على شيء، ولا يلقى الله- -إلا فقيرا إلى رحمته غير ملتفت إلى غيرها، أما توبته من المعاصي فلقبحها، وأما من الطاعات فلعدم القطع بسلامتها لغلبة المفسدات الخفية والظاهرة عليها، ولا يلتفت إلى إنكار الظاهريين لهذا فإنه مقام نظري لم يصلوا إليه. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٣) [النور: ٣٣] هذا عطف واجب على مندوب؛ إذ الكتابة ندب والإيتاء فيها واجب. ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٣) [النور: ٣٣] يحتج به من لم ير المفهوم حجة؛ لأن مفهوم هذا: إن لم يردن تحصنا فأكرهوهن على البغاء وليس الحكم كذلك. وأجيب بأن هذا المفهوم لا يتصور، فبطلانه لعدم تصوره، لا لأن المفهوم ليس حجة، وبيانه أن الإكراه إنما يكون على خلاف الإرادة والاختيار، فالأمة إذا أرادت التحصن صح إكراهها على الزنا، أما إذا لم ترد التحصن وأرادت الزنا فلا يصح إكراهها عليه؛ لأن الإكراه/ [١٤٥ ب/م] حينئذ على وفق مرادها، فهو تحصيل الحاصل، وهذا كما إذا امتنع الإنسان من دخول الدار صح أن يدفع في قفاه أو يلبب ويجر ليدخلها، أما إذا دخلها مختارا فلا يصح ذلك منه وكان تحصيل الحاصل. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٣٩) [النور: ٣٩] فيه أن الكفر لا يزكو معه عمل ولا تنفع معه حسنة، وأخذ بقياس عكسه قوم، فقالوا: الإيمان لا تضر معه سيئة فأرجأوا العمل وأبطلوا الوعيد عن العصاة وهم المرجئة، وليس كذلك.

стр. 456

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) [النور: ٤١] هو من باب ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤٤) [الإسراء: ٤٤] واحتج به من قال بأن من أعتق طائرا زال ملكه عنه؛ لأنه مصل مسبح بهذا النص فصح عتقه كالآدمي، ويعترض عليه بأن الصلاة والتسبيح ليست متحدة فيهما بالحقيقة فلم يتحد جامع القياس فلا يصح. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ (٤٣) [النور: ٤٣] اختلف في كاد فقيل: هي كسائر الأفعال نفيها نفي وإثباتها إثبات، وقيل عكسه: نفيها إثبات وإثباتها نفي، فكاد زيد يقوم معناه ما قام، ولم يكد زيد يقوم معناه قام، والصحيح الأول؛ لأن كاد معناها مقاربة الفعل فإذا دخل عليها نفي انتفت مقاربة الفعل، فانتفاء نفس الفعل أولى إلا بدليل يثبته، وفى الإثبات يثبت مقاربة الفعل ويبقى نفس الفعل على استصحاب النفي إلا بدليل يثبته، فقولنا: كاد زيد يقوم أي قارب القيام أما كونه قام فالأصل عدمه إلا أن يثبت بدليل، وقولنا/ [٣٠٨/ل]: ما كاد زيد يقوم، أي: ما قارب القيام، فانتفاء القيام بنفسه أولى إلا أن يثبت بدليل؛ فههنا ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ (٤٣) [النور: ٤٣] إثبات لمقاربة ذهاب البصر فنفس ذهابه على أصل العدم ولا دليل عليه ثبته، أما ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠) [النور: ٤٠] فمعناه: لم يقارب رؤيتها فانتفاء رؤيتها أولى، لكن ثبت رؤيتها بدليل العادة أن اليد لقربها ترى على كل حال، فهذه قاعدة كاد وحاصلها أن كاد لمقاربة الفعل وهو من لوازم الفعل، وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، وثبوته لا يقتضي ثبوته إلا لدليل منفصل فيهما وقد تبين ذلك، وهذه القاعدة مطردة في كاد حيث وقعت، وعليها يتخرج قول ذي الرمة:

стр. 457

إذا أغير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح أي لم يقارب البراح، وإذا انتفت مقاربة البراح فانتفاء نفس البراح الذي هو ملزوم مقاربته المنفية أولى، وبهذا يتبين خطأ ابن شبرمة في اعتراضه على ذي الرمة حيث قال له: أراه قد برح، وخطأ ذي الرمة حيث يرجع إلى ابن شبرمة وغير «يكد» «أجد» ما استدرك عليهما/ [١٤٦ أ/م] أبو البختري، والأشبه أن الوهم إنما هو من ابن شبرمة وحده، فأما ذو الرمة فإنما رجع إليه؛ لأنه لما رأى المكان موضع وهم يهم فيه مثل ابن شبرمة مع فضله وأدبه أراد رفع الاستدراك عن كلامه، والوهم فيه بالكلية وتخلصه عن شوائب الاستدراكات والأوهام هذا عذر ذي الرمة. ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٥) [النور: ٤٥] عام، واعترض عليه بعض النصارى بأن العقرب ونحوها من الحشرات مخلوقة من التراب لا من الماء وجوابه من وجوه. أحدها: منع أن التراب المحض يتكون منه حيوان أصلا. الثاني: أنه ليس المراد بتكوين الدواب من الماء البسيط الذي هو أحد العناصر الأربعة بل من الماء المستل من الأبوين وهو النطفة والعقارب تتناسل كغيرها. الثالث: أن المراد بخلقها من ماء أن بدنها لا يتقوم إلاّ برطوبة مائية، وهذا لازم في كل حيوان. الرابع: هب أن ما ذكرته صحيح لا جواب عنه فيكون الكلام عاما مخصوصا بالعقرب ونحوها، أو عاما أريد به الخاص، وذلك لا يعد تعارضا ولا تناقضا ولا خلفا من القول ولا يقدح في القرآن، ولا في غيره، من الكلام بوجه. وأما تناقض إنجيلهم فقد قررنا منه شيئا كثيرا في كتاب مستقل. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤٦) [النور: ٤٦] يحتج به الجمهور في تعليق الهداية/ [٣٠٩/ل] بالمشيئة وجودا وعدما، وأما الآيات فالمقصود بها إقامة الحجة بالكشف عن طريق المحجة لا غير، أما أنها تهدي الهداية المخلصة فلا وإنما هي مرشدة.

стр. 458

ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) [النور: ٥٤] هذا وعيدي محكم نحو: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤١) [يونس: ٤١] وليس بمنسوخ. ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٥) [النور: ٥٥] يحتج بها الجمهور على صحة خلافة الأشياخ الثلاثة قبل علي، وتقريره: أن الله- -وعد مؤمني هذه الأمة بالاستخلاف في الأرض وتمكين الدين وتبديل خوفهم بالأمن، ووعد الله- -واقع لا محالة، ثم لا يخلو أن يكون المراد بالذين آمنوا المستخلفين في الأرض عليا وحده، أو عموم مؤمني الأمة، أو عموم خلفائها، أو الأشياخ الثلاثة الخصوص وليس المراد عليا وحده؛ لأن الوعد للذين آمنوا، وعلي وحده ليس جمعا ولا يصح التعبير عنه بلفظ الجمع إلا مجازا من باب العام أريد به الخاص ولا ضرورة إليه، سلمنا أنه المراد لكن الآية تضمنت أن استخلافه كاستخلاف من قبله، الذين قبله الأشياخ الثلاثة، فيلزم صحة استخلافهم [كصحة استخلافه] تحقيقا للتشبيه، وإلا لزم بطلان استخلافه تحقيقا للشبيه أيضا وإنه باطل/ [١٤٦ ب/م] باتفاق ولا يجوز أن يكون المراد عموم مؤمني الأمة إذ لم يستخلف كل واحد منهم ولا حاجة إلى ذلك؛ إذ الخلفاء رعاة وواحد من كل عصر يكفي، فتعين أن المراد إما الأشياخ الثلاثة على الخصوص فيحصل المقصود، أو عموم خلفاء الأمة فيحصل أيضا لاندراج الأشباح الثلاثة تحت عموم الخلفاء، هذا أحسن ما قرر به الدليل من هذه الآية. واعترضت الشيعة [أبعدهم الله] بأن قالوا: لا نسلم أن الاستخلاف هاهنا من الخلافة التي هي الإمامة والسلطنة، وإنما هو من الخلف المقابل للسلف، وقولهم: خلف فلان فلانا على زوجته أو ماله ونحوه، وحينئذ لا دلالة في الآية على ما ذكرتم أصلا، ويكون الخطاب لجميع الأمة أنهم يخلفون من تقدمهم من الأمم في الأرض كما قال : ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤) [يونس: ١٤] وقد أنجز الله- -وعده بأن جعل هذه الأمة خلفاء في الأرض عمن قبلها من الأمم ولا تعرض في ذلك للخلافة والإمرة أصلا، سلمنا ذلك لكن الموعود باستخلافه هو المهدي عند نزول عيسى، يمكن الله له الدين بعد اضطرابه بالدجال، ويبدل به الخوف أمنا والجور عدلا، أما في أول الإسلام فتمكين الدين/ [٣١٠/ل] وتبديل الخوف حصل

стр. 459

بالنبي ﷺ لا بغيره، سلمنا أن المراد الخلفاء الثلاثة بخصوصهم لكن الاستخلاف والوعد به لا يقتضي أن يكون حقا؛ لأن الله-عز جل-قد استخلف في أرضه من عباده محقا ومبطلا، ويعد الإنسان بخير بالنسبة إليه، ثم قد يكون ذلك الخير شرا في نفس الأمر [كما يعد ملكا بفتح مدينة يقتل فيها ويسبي؛ فذلك خير بالنسبة إلى الملك شر في نفس الأمر] فكذلك خلافة هؤلاء جاز أن تكون من هذا القبيل. هذا هو الكلام على هذه الآية من الطرفين في هذا المعنى، والعموم فيها قوي فلا تدل على خصوصية الأمر المتنازع فيه إلا دلالة لطيفة كما قررناه. ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) [النور: ٦٣] يحتج به على أن مقتضى الأمر المطلق الوجوب لأنه- -توعد المخالفين لأمر النبي ﷺ بالفتنة والعذاب، والوعيد إنما يكون على ترك واجب أو فعل محرم، وذلك يقتضي أن مخالفة أمره ﷺ حرام فامتثال أمره واجب، وهو المطلوب، وتلخيص الدليل: أن مخالفة أمره متوعد عليه وكل متوعد عليه حرام فمخالفة أمره حرام، فامتثاله واجب. ...

стр. 460

القول في سورة الفرقان ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] يحتج به على أنه منزل غير مخلوق كما سبق. ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (١) [الفرقان: ١] / [١٤٧ أ/م] يحتج به على عموم الدعوة في العالمين، ثم تخص منه الملائكة والبهائم ونحوهم ممن خرج عن عمومها بدليله. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] فيه نفي الولد والشريك، وقد سبق. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (٢) [الفرقان: ٢] يحتج بعمومه على خلقه- -لأفعال المخلوقين خيرا وشرا، والمعتزلة خصوصا عمومه بدليلهم العدلي، زعموا، وقد سبق القول فيه. وخلق الشيء اختراعه وإبداعه وإخراجه من العدم إلى الوجود وتقديره: جعله على قدر الحاجة وفق الحكمة زمانا ومكانا وهيئة وشكلا ونحو ذلك. ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً﴾ (٣) [الفرقان: ٣] استدلال على نفي إلهيتهم بمخلوقيتهم وعدم خالقيتهم، وأنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا، وقد سبق تقريره. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً﴾ (٤) [الفرقان: ٤] فيه اعتراف منهم بإعجاز القرآن؛ لأنهم يعترفون بأن النبي ﷺ أفصحهم أو من أفصحهم، ثم مع ذلك اعتقدوا أنه لم يستقل بالقرآن حتى أعانه عليه قوم آخرون، فاقتضى أنهم كانوا يرونه معجزا للفصيح الواحد، فإذا ادعوا أنه استعان عليه بقوم آخرين؛ قيل لهم: فاستعينوا أنتم على معارضته بمثله بقوم آخرين، وقد أطلقتم في الجن والإنس/ [٣١١/ل] تستعينون بهم، فإذا عجزتم دل على أنه معجز على الإطلاق باعترافكم.
следующие страницы →