Полный текст (691 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) [النور: ٤١] هو من باب ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤٤) [الإسراء: ٤٤] واحتج به من قال بأن من أعتق طائرا زال ملكه عنه؛ لأنه مصل مسبح بهذا النص فصح عتقه كالآدمي، ويعترض عليه بأن الصلاة والتسبيح ليست متحدة فيهما بالحقيقة فلم يتحد جامع القياس فلا يصح.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ (٤٣) [النور: ٤٣] اختلف في كاد فقيل: هي كسائر الأفعال نفيها نفي وإثباتها إثبات، وقيل عكسه: نفيها إثبات وإثباتها نفي، فكاد زيد يقوم معناه ما قام، ولم يكد زيد يقوم معناه قام، والصحيح الأول؛ لأن كاد معناها مقاربة الفعل فإذا دخل عليها نفي انتفت مقاربة الفعل، فانتفاء نفس الفعل أولى إلا بدليل يثبته، وفى الإثبات يثبت مقاربة الفعل ويبقى نفس الفعل على استصحاب النفي إلا بدليل يثبته، فقولنا: كاد زيد يقوم أي قارب القيام أما كونه قام فالأصل عدمه إلا أن يثبت بدليل، وقولنا/ [٣٠٨/ل]: ما كاد زيد يقوم، أي: ما قارب القيام، فانتفاء القيام بنفسه أولى إلا أن يثبت بدليل؛ فههنا ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ (٤٣) [النور: ٤٣] إثبات لمقاربة ذهاب البصر فنفس ذهابه على أصل العدم ولا دليل عليه ثبته، أما ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠) [النور: ٤٠] فمعناه: لم يقارب رؤيتها فانتفاء رؤيتها أولى، لكن ثبت رؤيتها بدليل العادة أن اليد لقربها ترى على كل حال، فهذه قاعدة كاد وحاصلها أن كاد لمقاربة الفعل وهو من لوازم الفعل، وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، وثبوته لا يقتضي ثبوته إلا لدليل منفصل فيهما وقد تبين ذلك، وهذه القاعدة مطردة في كاد حيث وقعت، وعليها يتخرج قول ذي الرمة:
стр. 457
إذا أغير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
أي لم يقارب البراح، وإذا انتفت مقاربة البراح فانتفاء نفس البراح الذي هو ملزوم مقاربته المنفية أولى، وبهذا يتبين خطأ ابن شبرمة في اعتراضه على ذي الرمة حيث قال له:
أراه قد برح، وخطأ ذي الرمة حيث يرجع إلى ابن شبرمة وغير «يكد» «أجد» ما استدرك عليهما/ [١٤٦ أ/م] أبو البختري، والأشبه أن الوهم إنما هو من ابن شبرمة وحده، فأما ذو الرمة فإنما رجع إليه؛ لأنه لما رأى المكان موضع وهم يهم فيه مثل ابن شبرمة مع فضله وأدبه أراد رفع الاستدراك عن كلامه، والوهم فيه بالكلية وتخلصه عن شوائب الاستدراكات والأوهام هذا عذر ذي الرمة.
﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٥) [النور: ٤٥] عام، واعترض عليه بعض النصارى بأن العقرب ونحوها من الحشرات مخلوقة من التراب لا من الماء وجوابه من وجوه.
أحدها: منع أن التراب المحض يتكون منه حيوان أصلا.
الثاني: أنه ليس المراد بتكوين الدواب من الماء البسيط الذي هو أحد العناصر الأربعة بل من الماء المستل من الأبوين وهو النطفة والعقارب تتناسل كغيرها.
الثالث: أن المراد بخلقها من ماء أن بدنها لا يتقوم إلاّ برطوبة مائية، وهذا لازم في كل حيوان.
الرابع: هب أن ما ذكرته صحيح لا جواب عنه فيكون الكلام عاما مخصوصا بالعقرب ونحوها، أو عاما أريد به الخاص، وذلك لا يعد تعارضا ولا تناقضا ولا خلفا من القول ولا يقدح في القرآن، ولا في غيره، من الكلام بوجه.
وأما تناقض إنجيلهم فقد قررنا منه شيئا كثيرا في كتاب مستقل.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤٦) [النور: ٤٦] يحتج به الجمهور في تعليق الهداية/ [٣٠٩/ل] بالمشيئة وجودا وعدما، وأما الآيات فالمقصود بها إقامة الحجة بالكشف عن طريق المحجة لا غير، أما أنها تهدي الهداية المخلصة فلا وإنما هي مرشدة.
стр. 458
ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) [النور:
٥٤] هذا وعيدي محكم نحو: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤١) [يونس: ٤١] وليس بمنسوخ.
﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٥) [النور: ٥٥] يحتج بها الجمهور على صحة خلافة الأشياخ الثلاثة قبل علي، وتقريره: أن الله- -وعد مؤمني هذه الأمة بالاستخلاف في الأرض وتمكين الدين وتبديل خوفهم بالأمن، ووعد الله- -واقع لا محالة، ثم لا يخلو أن يكون المراد بالذين آمنوا المستخلفين في الأرض عليا وحده، أو عموم مؤمني الأمة، أو عموم خلفائها، أو الأشياخ الثلاثة الخصوص وليس المراد عليا وحده؛ لأن الوعد للذين آمنوا، وعلي وحده ليس جمعا ولا يصح التعبير عنه بلفظ الجمع إلا مجازا من باب العام أريد به الخاص ولا ضرورة إليه، سلمنا أنه المراد لكن الآية تضمنت أن استخلافه كاستخلاف من قبله، الذين قبله الأشياخ الثلاثة، فيلزم صحة استخلافهم [كصحة استخلافه] تحقيقا للتشبيه، وإلا لزم بطلان استخلافه تحقيقا للشبيه أيضا وإنه باطل/ [١٤٦ ب/م] باتفاق ولا يجوز أن يكون المراد عموم مؤمني الأمة إذ لم يستخلف كل واحد منهم ولا حاجة إلى ذلك؛ إذ الخلفاء رعاة وواحد من كل عصر يكفي، فتعين أن المراد إما الأشياخ الثلاثة على الخصوص فيحصل المقصود، أو عموم خلفاء الأمة فيحصل أيضا لاندراج الأشباح الثلاثة تحت عموم الخلفاء، هذا أحسن ما قرر به الدليل من هذه الآية.
واعترضت الشيعة [أبعدهم الله] بأن قالوا: لا نسلم أن الاستخلاف هاهنا من الخلافة التي هي الإمامة والسلطنة، وإنما هو من الخلف المقابل للسلف، وقولهم: خلف فلان فلانا على زوجته أو ماله ونحوه، وحينئذ لا دلالة في الآية على ما ذكرتم أصلا، ويكون الخطاب لجميع الأمة أنهم يخلفون من تقدمهم من الأمم في الأرض كما قال : ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤) [يونس: ١٤] وقد أنجز الله- -وعده بأن جعل هذه الأمة خلفاء في الأرض عمن قبلها من الأمم ولا تعرض في ذلك للخلافة والإمرة أصلا، سلمنا ذلك لكن الموعود باستخلافه هو المهدي عند نزول عيسى، يمكن الله له الدين بعد اضطرابه بالدجال، ويبدل به الخوف أمنا والجور عدلا، أما في أول الإسلام فتمكين الدين/ [٣١٠/ل] وتبديل الخوف حصل
стр. 459
بالنبي ﷺ لا بغيره، سلمنا أن المراد الخلفاء الثلاثة بخصوصهم لكن الاستخلاف والوعد به لا يقتضي أن يكون حقا؛ لأن الله-عز جل-قد استخلف في أرضه من عباده محقا ومبطلا، ويعد الإنسان بخير بالنسبة إليه، ثم قد يكون ذلك الخير شرا في نفس الأمر [كما يعد ملكا بفتح مدينة يقتل فيها ويسبي؛ فذلك خير بالنسبة إلى الملك شر في نفس الأمر] فكذلك خلافة هؤلاء جاز أن تكون من هذا القبيل.
هذا هو الكلام على هذه الآية من الطرفين في هذا المعنى، والعموم فيها قوي فلا تدل على خصوصية الأمر المتنازع فيه إلا دلالة لطيفة كما قررناه.
﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) [النور: ٦٣] يحتج به على أن مقتضى الأمر المطلق الوجوب لأنه- -توعد المخالفين لأمر النبي ﷺ بالفتنة والعذاب، والوعيد إنما يكون على ترك واجب أو فعل محرم، وذلك يقتضي أن مخالفة أمره ﷺ حرام فامتثال أمره واجب، وهو المطلوب، وتلخيص الدليل: أن مخالفة أمره متوعد عليه وكل متوعد عليه حرام فمخالفة أمره حرام، فامتثاله واجب.
...
стр. 460
القول في سورة الفرقان
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] يحتج به على أنه منزل غير مخلوق كما سبق.
﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (١) [الفرقان: ١] / [١٤٧ أ/م] يحتج به على عموم الدعوة في العالمين، ثم تخص منه الملائكة والبهائم ونحوهم ممن خرج عن عمومها بدليله.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] فيه نفي الولد والشريك، وقد سبق.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (٢) [الفرقان: ٢] يحتج بعمومه على خلقه- -لأفعال المخلوقين خيرا وشرا، والمعتزلة خصوصا عمومه بدليلهم العدلي، زعموا، وقد سبق القول فيه.
وخلق الشيء اختراعه وإبداعه وإخراجه من العدم إلى الوجود وتقديره: جعله على قدر الحاجة وفق الحكمة زمانا ومكانا وهيئة وشكلا ونحو ذلك.
﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً﴾ (٣) [الفرقان: ٣] استدلال على نفي إلهيتهم بمخلوقيتهم وعدم خالقيتهم، وأنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا، وقد سبق تقريره.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً﴾ (٤) [الفرقان: ٤] فيه اعتراف منهم بإعجاز القرآن؛ لأنهم يعترفون بأن النبي ﷺ أفصحهم أو من أفصحهم، ثم مع ذلك اعتقدوا أنه لم يستقل بالقرآن حتى أعانه عليه قوم آخرون، فاقتضى أنهم كانوا يرونه معجزا للفصيح الواحد، فإذا ادعوا أنه استعان عليه بقوم آخرين؛ قيل لهم: فاستعينوا أنتم على معارضته بمثله بقوم آخرين، وقد أطلقتم في الجن والإنس/ [٣١١/ل] تستعينون بهم، فإذا عجزتم دل على أنه معجز على الإطلاق باعترافكم.
стр. 461
مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) [الفرقان: ٧] جوابه ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ (٢٠) [الفرقان: ٢٠].
وكأن هؤلاء قاسوا قياسا فاسدا؛ فرأوا أن الرسول ملك من ملوك الأرض إذا ورد بلدا برسالته يحتجب حشمه فلا يرى آكلا ولا في سوق؛ فقالوا: رسول الله أولى بذلك؛ لأن الله- -أعظم الملوك. وهذا شبيه بقول القائلين: إن الله- -أكرم من أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت؛ فكان هذا القياس الفاسد فتنة للفريقين، ضربوا بسببه الأمثال فضلوا ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ (٩) [الفرقان: ٩] أي لا يستطيعون طريقا إلى الهدى؛ لأن طريق الهدى اتباع الرسول وقد سد عليهم بما خلق في نفوسهم من القياس الفاسد المانع من اتباعه.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (١٧) [الفرقان: ١٧] إلى قوله: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً﴾ (١٨) / [١٤٧ ب/م] [الفرقان: ١٨] انظر إلى هؤلاء المتخذين آلهة، كيف أنهم لما فهموا سر القدر عدلوا عن القسمين؛ فلم يقولوا: نحن أضللناهم، ولا قالوا:
هم ضلوا السبيل، بل حكوا عين ما وقع، وهو أن الله- -استدرجهم بالنعم والتمتع، وما يتبع ذلك من خلق الدواعي والصوارف حتى شغلهم عن الذكر فنسوه، وهذا هو مستند الجبرية؛ فإن استدراجهم المذكور إن كان موجبا لنسيان الذكر حصل المقصود وإن لم يكن موجبا، فلا أقل من أن يضاف إلى الله- -بقدر ما وجد منه من الاستدراج والشغل عنه.
اللهم إلا أن يقول القدري: إنه إنما متعهم تفضلا عليهم لا ليشغلهم عن الذكر، وإنما هم الذين اشتغلوا بنعمته عن ذكره، فلذلك لزمتهم الحجة، بدليل: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٤٤) [الأنعام: ٤٤].
стр. 462
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٢) [الأعراف: ١٨٢] فلعمري لقد قال مقالا، غير أن نرجع إلى أصل المسألة فنقول: نسيانهم للذكر إما أن يكون مراد الوجود منهم أو مراد العدم، أو لا مراد الوجود ولا مراد العدم، فإن كان مراد الوجود حصل المقصود، لما تقرر من أن القدرة لا تتعلق إلا بما تتعلق به الإرادة، فإن كان مرادا منهم كان مقدورا عليهم، والمقدور واجب الوقوع.
وإن كان مراد العدم لزم أن يكون وجوده منهم مراغما للإرادة/ [٣١٢/ل] والعلم والقدرة الأزلية؛ لاستحالة تعلق الجميع إلا بمتعلق واحد؛ لئلا تتنافى الصفات القديمة أو الذات أو الأحوال في متعلقاتها، وهو محال، وحينئذ يلزم غلبة الحادث للقديم، وهو باطل.
وإن كان لا مراد الوجود، ولا مراد العدم لزم خلو بعض الموجودات عن تعلق الإرادة والعلم والقدرة به؛ لاستحالة تعلق بعضها بما لا يتعلق به البعض، وإنه محال.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً﴾ (١٩) [الفرقان: ١٩] يحتج به القدرية، ووجهه: أن الله- -قسم في سؤال الآلهة تقسيما حاضرا؛ فقال: أأنتم أضللتم هؤلاء أم هم ضلوا السبيل؟ قالوا: ما أضللناهم. فتعين أنه هم ضلوا، فلذلك أكذبهم في دعواهم أن هؤلاء المعبودين من دون الله أضلونا، وحينئذ يلزم نسبة ضلالهم إلى أنفسهم.
والجواب: أنا لا نسلم أن المراد بقوله- : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (١٧) [الفرقان:
١٧] الحصر، بل المراد تكذيب الكفار في أن معبوديهم أضلوهم، وهو حاصل بتنصل المعبودين عن ذلك، والقسمة تقتضي أن الذي أضلهم إما معبودوهم أو أنفسهم، أو الله- -مستقلا بإضلالهم كما/ [١٤٨ أ/م] تقول الجبرية، أو مشاركا فيه، كما تقول الكسبية؛ وحينئذ لا يتعين ما ذكرتموه من أنهم هم ضلوا بأنفسهم.
فإن قيل: فعلى كل حال لم تقم لهم حجة، ولا أقيم لهم عذر، ولو صح ما ذكرتموه لاحتجوا به والتمسوا العذر ولأغنى عنهم شيئا.
وجوابه: أن هذا لا يلزم؛ لأن الكسبي يقول: قامت الحجة عليهم بكسبهم، والجبري يقول: قامت الحجة عليهم بموجب علمه أن لو فوض إليهم خلق أفعالهم لكانوا كفارا عصاة.
стр. 463
الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠) [الفرقان: ٢٠] فيه تصريح بالتسبب إلى إيقاع الفتنة والضلال، ومعناه: جعلنا المرسلين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق لنفتن بهم الكفار، ليقولوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا، فيخالفونهم، فيكفرون فيعذبهم.
وهذه مقدمات صحيحة يستلزم بعضها بعضا، مستندا ذلك إلى ما فطرهم عليه من الكبر وخلق فيهم من صوارف الإيمان ودواعي الكفر.
﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٢٣) [الفرقان: ٢٣] سبق معناه في سورة النور عند ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٣٩) [النور: ٣٩].
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ (٢٥) [الفرقان: ٢٥] فيه دليل على أن السماء والأفلاك تقبل الخرق والالتئام؛ خلافا للفلاسفة، وحجتهم أن حركة الفلك مستديرة والخرق والالتئام إنما يكون بحركة مستقيمة، واجتماعها في موضوع واحد محال؛ ولأن الفلك هو المحدد للجهات، فلو قبل الخرق والالتئام لكان ذلك بحركة قطعا، وتلك الحركة لا بد وأن تكون إلى جهة، ولا جهة وراء محدد الجهات.
والجواب عن الأول: أنه مبني على أن الصانع فاعل بالطبع، وأن العلويات لا تقبل الزوال، وذلك ممنوع/ [٣١٣/ل]، بل الصانع فاعل بالاختيار، فهو باختياره يسلب الفلك حركته المستديرة ويحركه بالمستقيمة، فيقبل الخرق.
وعن الثاني: بأنه مبني على أن الجهة أمر ثبوتي متقرر لا تتجاوزه حركة وهو ممنوع، بل هي أمر اعتباري أو إضافي فلا يلزم فيها ما ذكرتم، ولأن العلويات أجسام، وكل جسم يقبل الخرق والالتئام.
﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً﴾ (٢٩) [الفرقان: ٢٨ - ٢٩] أي بالكسب والتسبب عند الجمهور، وبالخلق عند القدري.
стр. 464
فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) [الفرقان: ٣٢] تضمنت شبهة على الرسالة وجوابها.
أما الشبهة فتقريرها: لو كان هذا الرسول صادقا لنزل عليه القرآن جملة واحدة كتوراة موسى، لكنه يخترعه من عنده شيئا فشيئا على حسب ما يريده ويرد عليه من الحوادث.
وجوابه: ليس كما ذكرتم، بل لتنزيله مفرقا حكمة من وجوه: أحدها: تثبيت فؤاد الرسول ﷺ باتصال نزول الوحي عليه. / [١٤٨ ب/م].
والثاني: ترتيله في التنزيل ليتأدب بذلك في التلاوة ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (٤) [المزمل: ٤].
والثالث: أن الكفار متى أوردوا إشكالا أو شبهة أو أتوا بسؤال أو مثل-كان جوابهم بالمرصاد نأتيك به، وما ذكرتم من أنه لو كان صادقا لجاء بالقرآن جملة واحدة-منتقض طردا وعكسا في الواقع أو في التقدير؛ إذ رب من جاء بكتاب جملة وهو كاذب كالمتنبئين بالباطل، ورب من جاء بكتاب مفرقا وهو صادق، فليس ما ذكرتموه بلازم.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً﴾ (٣٥) [الفرقان: ٣٥] يحتج به الشيعة كما سبق في «طه»: ﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ (٢٩) [طه: ٢٩].
﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ (٤٥) [الفرقان: ٤٥] هذه آية أرضية تابعة لآية سماوية، نبه الله- -عليها؛ لأن حركة الظل وامتداده تابعة لحركة الشمس وغيرها من النيرات، ولما كانت حركته بحركة الشمس مثلا كان سكونه، لو قدر، لسكونها، وسكون الشمس في مجراها مقدور.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ (٥٥) [الفرقان: ٥٥] سبق نظيره أول السورة.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ (٥٨) [الفرقان: ٥٨] يدل على أن حياته معنى زائد؛ لأن الموت مفارقة الحياة فدل على أن له حياة لا تفارق. [وفيه ونظر].
стр. 465
ينوب عنها الباء، وأن الحروف ينوب بعضها عن بعض. ومنهم من يخرج ما وقع من ذلك على قاعدة التضمين، كأنه هاهنا ضمن اسأل معنى ذاكر به خبيرا.
﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ (٦٧) [الفرقان: ٦٧] سبق نظيرها في مدح التوسط في «سبحان».
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً﴾ (٦٨) [الفرقان: ٦٨] الآيتين تضمنتا/ [٣١٤/ل] قبول توبة القاتل عدوانا، وهي عند الجمهور ناسخة لآية النساء في من يقتل مؤمنا متعمدا، كما سبق هناك.
﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ (٧٧) [الفرقان: ٧٧] يقتضي أن لا حكمة ولا مقصود لخلق الناس إلا التوحيد والدعاء بالوحدانية، نحو: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) [الذاريات: ٥٦] وقيل: معناه: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم آلهة سواه، نحو: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً﴾ (١٤٧) [النساء: ١٤٧] وهو يقتضي ألا يعذب إلا مشرك، لكن دل دليل منفصل على تعذيب غير المشرك عذابا منقطعا، والله- -أعلم بالصواب.
...
стр. 466
القول في سورة الشعراء
﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤) [الشعراء:
٤] فيه أن في قدرة الله- -اضطرار خلقه إلى الإيمان بما يبهرهم به من الآيات/ [١٤٩ أ/م]؛ لأن العقل لا يستقر لعجائب القدرة، فإذا غلبت عليه بهرته.
فأجاب: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥) [الشعراء: ٥] سبق نظيرها في «الأنبياء».
﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١٥) [الشعراء: ١٥] يحتج به الاتحادية، كما سبق.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦) [الشعراء: ١٦] وحد الرسول باعتبار الجنس أو الرسالة، و ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى﴾ (٤٧) [طه: ٤٧] في «طه» لتعدد الشخص.
﴿قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٢٠) [الشعراء: ٢٠] لا حجة فيه لنفاة عصمة الأنبياء-﵈-لأن هذا كان قبل النبوة، بدليل: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢١) [الشعراء: ٢١].
﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٣) [الشعراء: ٢٣] أبان بهذا عن جهله، إذ لم يفرق بين من يعلم ومن لا يعلم حتى وضع «ما» في سؤاله موضع «من»، ولما علم موسى خطأ فرعون في السؤال أجابه على مراده، لا على لفظه؛ فقال: ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (٢٤) [الشعراء: ٢٤].
﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٤٣) [الشعراء: ٤٣] هذا أمر تعجيز، أي:
أنتم عاجزون عن معارضتي كيفما فعلتم، وحينئذ لا يرد قول من قال: كيف أمرهم بإلقاء عصيهم وهو منكر؛ والأمر بالمنكر حرام؟
стр. 467
الجمهور، وبالذات والحقيقة عند الاتحادية.
﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣) [الشعراء: ٦٣] أي فضربه فانفلق، وهذا من دلالة الاقتضاء وهى التزامية؛ إذ انفلاقه يستلزم سببا وهو الضرب المأمور به.
فإن قيل: كيف يتصور انفلاق البحر وتماسك أجزاء الماء، وهو بطبعه سيال؟ قلنا: هو ممكن، وكل ممكن مقدور. وبيان إمكانه أن طبع الماء مخلوق، فالخالق له يقدر على إعدامه؛ فيتماسك أو يخلق في الماء كثافة حجرية يستمسك بها، كما يقلب الماء ملحا، وقد سبق وتبرهن أن العناصر الأربعة يجوز انقلاب بعضها إلى بعض، والماء أحدها؛ فجاز انقلاب/ [٣٦٦/ل] طبعه كما ينقلب بغلبة الأرض اليابسة عليه فيصير طينا.
فإن قيل: ما السبب في انفعال البحر وغيره لعصا موسى؟ قلنا: أما على رأي المتكلمين؛ فجعل الله- -استعمال موسى لها أمارة على خوارق يخلقها عند ذلك، فهي سبب وأمارة [لا علة ومؤثرة.
وأما على رأي الاتحادية؛ فالله- -بذاته ظهر فيها وجعلها مظهرا له يتجلى منها لمخلوقاته وهو- -إذا تجلى لشيء خضع له]، فلما تجلى للبحر من العصا خضع له، فانفعل وانفلق، كما أنه لما تجلى للجبل اندك ولموسى أخذه الصعق.
﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٧٣) [الشعراء: ٧٢، ٧٣] إشارة إلى سلب الأصنام الإلهية/ [١٤٩ ب/م] لنقصها، فيقتضي بقياس العكس أن الإله الحق كامل لا نقص فيه.
﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٧٤) [الشعراء: ٧٤] احتجوا بالتقليد الباطل.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٧) [الشعراء: ٧٧] قيل: استثناء منقطع؛ لأن رب العالمين ليس من جنس ما يعبدون هم وآباؤهم الأقدمون، ويحتمل اتصاله؛ لأن آباءهم الأقدمين يتناولهم إلى آدم، وكثير منهم كان يعبد رب العالمين.
وهو داخل في عموم ما كانوا يعبدون، فيكون إخراجه بالاستثناء متصلا.
стр. 468
الهدى، [فالمستقل بالهدى] يستقل بالضلال.
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٨٢) [الشعراء: ٨٢] يحتج به على وقوع الخطيئة من الأنبياء لاعتراف إبراهيم بها على نفسه.
﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦) [الشعراء: ٨٦] هذا إنجاز وعده إياه بالاستغفار في سورة مريم؛ حيث قال: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٤٧) [مريم: ٤٧] المراد: اهد أبي ليصير أهلا للمغفرة، بدليل: ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦) [الشعراء: ٨٦].
﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ (٩٥) [الشعراء: ٩٤ - ٩٥] يعني العابد والمعبود والشيطان المغوي بعبادته يكبكبون في النار لاشتراكهم في كسب الشرك.
﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٩٩) [الشعراء: ٩٩] يحتج به المعتزلة؛ إذ حصروا إضلالهم في المجرمين المسولين لهم.
وأجاب الجمهور بأنهم أضلوهم بالكسب والتسبب.
﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ (١٠٠) [الشعراء: ١٠٠] هذا في حق الكفار، فلا حجة فيه للمعتزلة على نفي الشفاعة على الإطلاق.
﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ (١٣٣) [الشعراء: ١٣٣] فيه إثبات النعمة على الكفار، وقد سبق نظيره في الأعراف.
﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١٥٥) [الشعراء: ١٥٥] قيل:
خرجت هذه الناقة من الجبل تمخض عنها، ثم انصدع فخرجت منه، وذلك ممكن كالدود يعيش في باطن الأحجار.
ويحتمل أن الجبل جعل فيه تخلخل ومسام يدخل منه النسيم إليها ويخرج منه النفس، إن قيل: إنها كانت هناك مدة، وإن قيل: اخترعها في الحال. فلا حاجة إلى التوجيه.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٩٢) / [٣١٧ ل]) [الشعراء: ١٩٢] يحتج به على أنه منزل لا مخلوق، وقد سبق.
стр. 469
الكتب القديمة، فهو آية صدق النبي ﷺ بدليل: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٩٧) [الشعراء: ١٩٧] ولو لم يكن المراد ما ذكرناه لما كان آية، ولا قامت الحجة على الكفار بعلم علماء بني إسرائيل، لأن مجرد كون معاني القرآن في التوراة مثلا لا يكفي في الحجة على صدق الرسول.
﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩٩) / [١٥٠ أ/م]) [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩] هذا شبيه بقوله- : ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٩٧) [يونس: ٩٧] ﴿*وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١١١) [الأنعام: ١١١] لأن إظهار هذا القرآن على لسان رجل أعجمي معجز ضروري، ثم لو كان كذلك لما آمنوا لما يخلق في قلوبهم من الصوارف عن الإيمان، دل على ذلك قوله- : ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢٠١) [الشعراء: ٢٠٠ - ٢٠١] أي سلكنا الشك فيه والتكذيب به في قلوبهم، فلا يدعهم ذلك أن يؤمنوا.
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٢١٢) [الشعراء: ٢١٢] لحراسة الشهب للسماء.
﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (٢١٣) [الشعراء: ٢١٣] يحتج بها على ما سبق في غير موضع من أن عصمة الأنبياء إنما هي من وقوع الكفر لا من جوازه، وإلا لما كان لهذا النهي والوعيد عليه فائدة.
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢١٦) [الشعراء: ٢١٦] وعيدي محكم مثل ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤١) [يونس: ٤١].
...
стр. 470
القول في سورة النمل
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٤) [النمل: ٤] نسب تزيين الكفر إليه؛ فيحتج به الجمهور.
وأجاب المعتزلة: بأن ذلك جزاء على عدم إيمانهم لا ابتداء، وقد عرف. وجوابه:
﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨) [النمل: ٨] احتج بها الاتحادية على أن الله- -يظهر في المظاهر؛ لأنه هاهنا ظهر لموسى في النار، ولذلك قال: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨) [النمل: ٨] مجد نفسه التي في النار، وبارك على موسى الذي هو حولها، ولأنه أخبر أن في النار من يعبر عنه بمن في قوله: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨) [النمل: ٨]، ولا نعلم قائلا بأنه كان فيها ملك ولا جان ولا إنس؛ فتعين أنه هو الذي كان فيها.
والجمهور عندهم أن هذا لو صح لكان إما على جهة الاتحادية أو الحلول، وكلاهما باطل تبرهن بطلانه عندهم.
﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١) [النمل: ١٠، ١١] قيل: هو استثناء منقطع. [وقيل: متصل، فاحتج به من يرى جواز الظلم ونحوه من الأنبياء.]
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (١٦) [النمل: ١٦] احتج به الشيعة على أن الأنبياء يورثون؛ ليبطلوا الحديث المشهور عن النبي ﷺ : «إنا معاشر الأنبياء، لا نورث ما تركنا صدقة» (١) أخرجاه في الصحيحين وغيرهما، وجه احتجاجهم منه قوله- -في داود: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾
стр. 471
﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٢٥١) [البقرة: ٢٥١] ثم قال هاهنا: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (١٦) [النمل: ١٦] فدل على أن الملك الذي أوتيه داود ورثه سليمان هاهنا، وإذا ثبت ذلك كان الحديث المشهور على خلاف نص/ [١٥٠ ب/م] القرآن، فيكون مردودا، واعترض الجمهور بوجهين:
أحدهما: أن المراد: وورث سليمان داود علمه وحكمته، بدليل أن قبل ذلك ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٥) [النمل: ١٥] وبعده ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (١٦) [النمل: ١٦] يعني سليمان.
الوجه الثاني: أن قوله- : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (١٦) / [٣١٨/ل] [النمل: ١٦] مطلق لا عموم له، فيصدق بصورة تتأدى بها وظيفته، وأجمعنا أنه ورثه العلم، فلم يبق لإرث المال ما يقتضيه من اللفظ فتسقط دعواه.
وأجاب الشيعة عن الأول: بأنا لا نسلم المراد إرث العلم لوجهين:
أحدهما: إن إرث العلم مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
الثاني: أن سليمان كان قد أوتي من العلم أكثر من علم داود، بدليل قوله- ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ (٧٩) [الأنبياء: ٧٩] وكان سليمان يستدرك على داود قضاياه، كما في قصة المرأتين اللتين أخذ الذئب ابن إحداهما وغيرها، فلم يكن له حاجة إلى إرث علم داود.
وأما قوله- : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٥) [النمل: ١٥] فحجة لنا؛ لأنه يقتضي
стр. 472
استغناء سليمان عن علم داود لكونه أوتي من العلم مثله. وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (١٦) [النمل: ١٦] إما خاص بسليمان؛ فيؤكد ما قلناه، أو عام فيه وفي داود، وهو لا يقتضي أنه ورثه.
وعن الثاني: بأنا لا نسلم أنه ورثه العلم، وإنما ورثه عندنا الملك الذي أوتيه وبه تأدية وظيفة اللفظ.
قالوا: ومما يقدح في الحديث أن أهل السير اتفقوا على أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا مياسير ذوي ثروة. من إبل وغنم وكراع وأثاث، ثم إن بعضهم ورث بعضا، ولم ينقل قط أن أحدا منهم قال: تصدقوا بتركتي؛ فإني لا أورث، ولو كان ذلك مشهورا لكان متواترا عن الأنبياء كمعجزاتهم.
وقصد الشيعة [لعنهم الله] بذلك تظليم الشيخين بمنع فاطمة إرثها من أبيها، والعباس [إرثه من] ابن أخيه ﷺ اعتمادا على حديث هو على خلاف نص أو ظاهر القرآن. وبين الطائفتين فيه بحث طويل قد سبق نبذة جيدة منه في أول سورة مريم.
﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣) [النمل: ٢٣] يحتج به، وبقوله- : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٥) [الأحقاف: ٢٥] على تخصيص العموم بالحس؛ لأنه من المدرك حسا أن بلقيس هذه لم تؤت من ملكوت السماوات شيئا، وكذلك الريح لم تدمر السماوات والأرض والجبال. والأشبه أن يجعل ذلك من/ [١٥١ أ/م] باب العام أريد به الخاص، وهو خصوص ما أوتيته هذه ودمرته الريح.
﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٢٤) [النمل: ٢٤] أي بالوسوسة، والله- -زينها لهم خلقا، وأي خلقها بما خلق فيهم من دواعيها؛ لقوله- :
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٨].
стр. 473
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣٥) [النمل: ٣٥] قيل: أي منتظرة. ويستشهد به المعتزلة على أن ناظرة في قوله- : ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٢٣) [القيامة: ٢٣] بمعنى منتظرة، أي تنتظر نعم ربها؛ لئلا يلزمهم ثبوت الرؤية.
ويجاب بأن قولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣٥) [النمل: ٣٥] معناه فرائية بم يرجع، كما يقال: قد أرسلت إلى فلان بكذا لأنظر، أي لأرى ما يكون منه، وهى رؤية عين أو قلب، فيسقط استشهادهم.
﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ (٣٩) [النمل: ٣٩] إلى قول الآخر: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٤٠) [النمل: ٤٠] فيه أن التصرف بالقدرة أعظم/ [٣١٩ ل] من التصرف بالأقدار؛ لأن تصرف العفريت لو وقع كان بإقدار الله- -له عليه، وتصرف الذي عنده علم من الكتاب كان بقدرة الله- -بواسطة اسمه الأعظم، فلذلك كان أسرع وأعظم.
﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٠) [النمل: ٥٠] فيه جواز وصف الله- -بالمكر، وهو بلوغ المقصود بطريق لطيف يخفى على الخصم، ثم إن المخلوق إنما يستعمل المكر غالبا لعجزه عن بلوغ المقصود مجاهرة، والله- يفعله على طريق الحكمة وإقامة الحجة ونحوه، لا عجزا عن المجاهرة؛ إذ لا يعجزه شيء.
стр. 474
عز وجل-يحتج بها على وحدانيته ونفي الشريك له، وأنه الإله الحق لا غيره.
ونظم الدليل منه هكذا: إن الله- -يفعل هذه الأفعال، وكل من فعل ذلك فهو الإله الحق لا غيره، فالله- -هو الإله الحق لا غيره.
أو يقال: لا شيء من آلهتكم [تفعل هذه الأفعال، والإله الحق يفعل هذه الأفعال، وكل من فعل ذلك فهو الإله الحق لا غيره، فالله- -هو الإله الحق لا غيره.
أو يقال: لا شيء من آلهتكم [تفعل هذه الأفعال، والإله الحق يفعل هذه الأفعال، فلا شيء من آلهتكم] بإله الحق.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٦٥) [النمل: ٦٥] إنما كان كذلك؛ لأن مدار علم الغيب على كمال القدرة والإرادة والعلم، وهذا الكمال مختص بالله- -فذلك اختص بعلم الغيب.
وبيان ذلك: أن الله- -إذا أراد إيقاع المطر مثلا بعد شهر وإرادته/ [١٥١ ب/م] لا معارض لها يمنعها عن إيقاعه بعد الشهر وقدرته على ذلك تامة لا عجز يلحقها، وعلم أنه لا ينسخ هذا الحكم ولا يلحقه فيه بداء علم قطعا وقوع المطر بعد شهر، وهكذا علم الغيب في سائر الصور، [ولو كان مثل هذه الإرادة والقدرة والعلم لأحد من الخلق لعلم الغيب قطعا، لكن ذلك في المخلوق غير موجود] وإنما من خواص واجب الوجود- .
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٦٥) [النمل: ٦٥] يعني من في السماوات والأرض لا يعلمون متى البعث؛ لأنه عند قيام الساعة وقيام الساعة من مفاتح الغيب الخفي علمها عن الخلق.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ (٦٧) [النمل: ٦٧] هذا إنكار منهم للبعث، وسبق نظيره في «المؤمنون» ودليله في النحل، وتقريره يأتي بعد إن شاء الله .
﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٧٢) [النمل: ٧٢] يستدل به على زيادة اللام؛ إذ تقديره: ردفكم، ويحتمل أنه ضمن ردف معنى بدأ أو غيره مما يتعدى باللام، أي: بدا أو ظهر لكم، ولا يحتاج إلى حمله على الزيادة لأنها خلاف الأصل.
стр. 475
وقد وجهتم كيفية علم الغيب في الأشياء الخارجة، فكيف توجيه علمه بذات الصدور الباطنة؟ قلنا: قد] اختلف في توجيهه، فالمتكلمون [وسائر أهل الحق] قالوا: لأن علمه كامل، وهو صفة قديمة قائمة بذاته عامة التعلق بالمعلومات الظاهرة والباطنة، الكلية والجزئية، كما إرادته عامة التعلق بالمرادات، وقدرته عامة التعلق بالمقدورات.
والفلاسفة والمعتزلة لما كانوا يرون أن لا علم زائد على مفهوم ذاته؛ قالوا: إن ذاته لما استغرقت الأزل والأبد وجودا كذلك استغرقت ما بينهما من المعلومات علما ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ (٨٩) [الأعراف: ٨٩].
[وزعموا أن الفرق بينه وبين غيره في عموم العلم وخصوصه هو هذا، وهو أن علمه بالأشياء بذاته، فعم علمه وعلم غيره بصفة زائدة على مفهوم ذاته، فخص علمه بعض المعلومات دون بعض.
وقد سبق الكلام معهم في هذه المسألة.
وزعم بعض الأوائل: أن أرواح الخلق تعرج إليه كل يوم وليلة حال النوم، فتفضي إليه بما تكنه الصدور، ويأمرها بما يحرك به القلوب. كما حكاه ميخا النبي أو غيره من أهل الكتب الاثني عشر في (مرامية).
وأما الاتحادية فعندهم: أنه سار بذاته في الخلق؛ فلذلك يعلم ما تكنه الصدور/ [١٥٢ أ/م] وتوسوس به النفوس، واستدلوا بنحو: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (٨٥) [الواقعة: ٨٥]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١٦) [ق: ١٦] وغيره مما سبق من حجتهم في سورة الأنعام، فهذا ما حضرنا الآن في هذا الجواب، والأقرب إلى تنزيه الله- -وأدلة الشرع-هو قول المتكلمين، وهو مذهب المسلمين].
﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٧٥) [النمل: ٧٥] اعلم أن علمه- -سبق بالكائنات/ [٣٢٠ ل] في الأزل، ثم أثبتها في الكتاب المبين وهو اللوح المحفوظ على وفق علمه الذاتي، أو كما شاء ثم إنها في الواقع تقع على مطابقة ما سبق في العلم الأزلي والكتاب المبين.
стр. 476
﴿* وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢) [النمل: ٨٢] هذه من غائبات القرآن الواجب وقوعها، ومن معجزات النبي ﷺ وإخباره بالغائبات التي لا بد من وجودها.
﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨٤) [النمل: ٨٤] يحتج به الظاهرية في العقائد ويقولون: إن الله- -خاطبنا من صفات ذاته بما لا نحيط به، فيجب علينا الإيمان بظاهره.
ويجاب عنه: بأن ذلك متشابه، وقوله- : ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١] محكم، فيجب رد المتشابه إليه واستعمال التنزيه عما لا يليق بجلاله- .
﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩٢) [النمل: ٩٢] يحتج به القدرية لنسبة الضلال إلى المكلف ومقابلته بالإنذار، وقد عرف جوابه.
...
стр. 477
القول في سورة القصص
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ (٨) [القصص: ٨] هذه لام العاقبة. أي: لتكون عاقبتهم ذلك؛ نحو:
لدوا للموت وابنوا للخراب .... . .
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠) [القصص: ١٠] أي: ثبتناها عن الإبداء بأمر موسى.
وذلك لما ألهمناها وخلقناه في قلبها من دواعي الكتمان والصوارف عن الإذاعة. واستعارة الربط [هاهنا] من بديع الاستعارة تشبيها للقلب بوعاء ربط لحفظ ما فيه.
ويحتج الجمهور بهذا؛ لأن الله- -إذا كان له من التصرف في القلوب أن يربط عليها ويطلقها-كان له من التصرف فيها أن يهديها ويضلها.
﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣) [القصص: ١٣] فيه تعليل أفعاله- / [١٥٢ ب/م] بالحكم والمقاصد.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (١٥) [القصص: ١٥] احتج به الشيخ شمس الدين الجزري شارح المنهاج في أصول الفقه على الشيخ تقي الدين ابن تيمية-فيما قيل عنه إنه قال: لا يستغاث برسول الله ﷺ ؛ لأن الاستغاثة بالله- -من خصائصه وحقوقه الخاصة به؛ فلا تكون لغيره كالعبادة.
وتقرير الحجة المذكورة: أنه قال: يجب أن ينظر في حقيقة الاستغاثة ما هي، وهي الاستنصار والاستصراخ، ثم قد وجدنا هذا الإسرائيلي استغاث بموسى واستنصره واستصرخه بنص هذه الآيات، وهي استغاثة مخلوق بمخلوق، وقد أقر موسى عليها الإسرائيلي، وأقر الله- -موسى على ذلك، ولم ينكر محمد ﷺ ذلك لما نزلت عليه هذه الآية. أي فكان هذا إقرارا من الله- ورسوله على استغاثة المخلوق
стр. 478
بالمخلوق، وإذا جاز أن يستغاث بموسى فبمحمد ﷺ / [٣٢١ ل] أولى؛ لأنه أفضل بإجماع.
ومما يحتج به على ذلك حديث هاجر أم إسماعيل حيث التمست الماء لابنها؛ فلم تجد، فسمعت حسا في بطن الوادي، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. وهذا في معنى الاستغاثة منها بجبريل، وقد أقرها على ذلك ولم ينكره النبي ﷺ عليها لما حكاه عنها.
ولأن اعتقاد التوحيد من لوازم الإسلام، فإذا رأينا مسلما يستغيث بمخلوق علمنا قطعا / [١٥٣ أ/م] أنه غير مشرك لذلك المخلوق مع الله ، وإنما ذلك منه طلب مساعدة، أو توجه إلى الله ببركة ذلك المخلوق، وإذا استصرخ الناس في موقف القيامة بالأنبياء ليشفعوا لهم في التخفيف عنهم، جاز استصراخهم بهم في غير ذلك المقام، وقد صنف الشيخ أبو عبد الله بن نعمان كتابا سماه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» واشتهر هذا الكتاب وأجمع أهل عصره على تلقيه منه بالقبول، وإجماع أهل كل عصر حجة، فالمنكر لذلك مخالف لهذا الإجماع؛ فإن قيل: الآية المذكورة في قصة موسى والإسرائيلي ليست في محل النزاع من وجهين: أحدهما أن موسى حينئذ كان حيا، ونحن إنما نمنع من الاستغاثة بميت. الثاني أن استغاثة صاحب موسى به كان في أمر يمكن موسى فعله وهو إعانته على خصمه وهو أمر معتاد، ونحن إنما نمنع من الاستغاثة بالمخلوق فيما يختص بالله- -كالرحمة والمغفرة والرزق والحياة، ونحو ذلك: فلا يقال: يا محمد، اغفر لي أو ارحمني أو ارزقني أو أجبني أو أعطني مالا وولدا؛ لأن ذلك شرك بإجماع.
وأجيب عن الأول بأن الاستغاثة إذا جازت بالحي فبالميت المساوي-فضلا عن الأفضل-أولى؛ لأنه أقرب إلى الله- -من الحي لوجوه:
أحدها: أنه في دار الكرامة والجزاء، والحي في دار التكليف.
الثاني: أن الميت تجرد عن عالم الطبيعة القاطعة عن الوصول إلى عالم الآخرة، والحي متلبس بها.
الثالث: أن الشهداء في حياتهم محجوبون، ويعد موتهم أحياء عند ربهم يرزقون.
وعن الثاني: أن ما ذكرتموه أمر مجمع عليه معلوم عند صغير المسلمين-فضلا عن كبيرهم-أن المخلوق على الإطلاق لا يطلب منه ولا ينسب إليه فعل ما اختصت القدرة الإلهية به، وقد رأينا إغمار النار وعامتهم وأبعدهم عن العلم والمعرفة يلوذون بحجرة النبي ﷺ ولا يزيدون على أن يسألوا الشفاعة والوسيلة: [يا رسول]، اشفع لنا، يا الله ببركة نبيك اغفر لنا: فصار الكلام في المسألة المفروضة فضلا لا حاجة بأحد من المسلمين إليه.
стр. 479
وإذا لم يمكن بد من التعريف بهذا الحكم خشية أن يقع فيه أحد، فليكن بعبارة لا توهم نقصا في النبي ﷺ ولا غضا من منصبه، مثل أن يقال: ما استأثر الله- -بالقدرة عليه، فلا يطلب من مخلوق/ [٣٢٢ ل] على الإطلاق أو نحو هذا ولا يتعرض للنبي ﷺ سلب الاستغاثة عنه مطلقا ولا مقيدا، ولا يذكر إلا بالصلاة والسّلام عليه، والرواية عنه، ونحو ذلك.
هذا حاصل ما وقع في هذه المسألة، سؤالا وجوابا، ذكرته بمعناه وزيادات من عندي.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (١٥) [القصص: ١٥] يحتج به المعتزلة في نسبة خلق الأفعال إلى المخلوق: لأن موسى نسب قتله القبطي إلى الشيطان بأنه من عمله.
وأجيب بأن معناه، هذا من جنس عمل الشيطان، أو مما وسوس به [وزينه] الشيطان ونحو ذلك، وإلا فقتل القبطي مخلوق لموسى عندكم [على] الحقيقة، وعندنا الله- -فلم يبق للشيطان إلا التزيين والوسوسة، ولموسى إلا الكسب عندنا.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦) [القصص: ١٦] أي بكسب القتل عندنا وبخلقه عندهم.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٨) [القصص: ١٨] فسّر الاستغاثة السابقة بالاستنصار / [١٥٣ ب/م] والاستصراخ فدل على أنها مترادفة على معنى واحد، كما سبق ذكره.
﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠) [القصص: ٣٠] يحتج بها الصوتية لأن المنادي هاهنا هو الله- -بنفسه، بدليل ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠) [القصص: ٣٠] والنداء لا يعقل إلا بحرف وصوت.
стр. 480
وأجاب الخصم باحتمال أن النداء بواسطة ملك حاك؛ لقوله: ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠) [القصص: ٣٠] أو يكون موسى غاب عن حسه فأدرك النداء بلا صوت ولا حرف في الخارج كما يدرك النائم الكلام كذلك، ولو صح قول الصوتية للزم أن الله- -جسم في ذاته أو أنه يتطور في الأجسام إذا شاء ويتخذها مظهرا له على رأي الحلولية أو الاتحادية، وإنه باطل؛ لأن الجسمية من لوازم الصوت قطعا.
﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٣٢) [القصص: ٣٢] البرهان هو الحجة المركبة من مقدمتين قاطعتين، وعصا موسى ويده البيضاء كذلك؛ إذ يقال في كل واحدة منهما: هذا خارق للعادة، وكل خارق للعادة معجز يدل على صدق صاحبه، فهذا معجز يدل على صدق موسى.
﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (٣٤) [القصص: ٣٤] هذا مما تناقض به الشيعة [لعنهم الله] حيث قالوا: إن قوله ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» أثبت له المنازل الهارونية. فيقال له:
فيجب أن يكون علي أفصح منه، كما كان هارون أفصح من موسى. فإن التزموا ذلك فهو خلاف الإجماع، وخلاف قوله ﷺ : «أنا أفصح من نطق الضاد» (١) وإن لم يلتزموه انقضت دعواهم، اللهم إلا أن يمنعوا كون الفصاحة منزلة من المنازل، أو يسلموا ذلك ويدعوا تخصيصها بدليل كالنبوة، مع أن كثيرا منهم يزعم أن كلام علي في النهج وغيره أفصح الكلام بعد القرآن.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٣٨) / [٣٢٣ ل]) [القصص: ٣٨] يحتج بها أصحاب الجهة كما سبق.
стр. 481
﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠) [القصص: ٤٠] إلى ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ (٤١) [القصص: ٤١] إلى قوله: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (٤٢) [القصص: ٤٢] هذا كله يتناول بعمومه فرعون مع جنوده وهو قاطع في الرد على من زعم أنه مات مؤمنا إيمانا اختياريا نافعا.
﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٤٤) [القصص: ٤٤] إلى ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٦) [القصص: ٤٦] هذا استدلال على صدق محمد-﵊-وتقريره كما سبق في ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٤) [آل عمران: ٤٤] أي أنت لم تشهد موسى حين أوحينا إليه، ولا كتبت ولا دارست ولا أخبرت/ [١٥٤ أ/م]، فما قصصت خبره على وجهه إلا رحمة من ربك وهو الوحي.
واعلم أن في التوراة: أن إسحاق أو يعقوب جرى له في سقي الغنم ولقاء المرأتين، ونكاح امرأة ونحوه شبيها بما تضمنته هذه السورة مما جرى لموسى مع ابنتي شعيب.
وليست قصة هذا السياق في التوراة، فاليهود إذا سمعوا قراء المسلمين يقرءون سورة القصص تغامزوا بينهم، أي انظروا كيف اشتبهت القصة على محمد أو على من لقنه فحرفها وبدلها؛ لأنها عندهم قصة إسحاق أو يعقوب، وأنا رأيتهم ينظر بعضهم إلى بعض [في بعض] الأسواق، وقارئ ضرير يقرأ هذه القصة.
والجواب: أن ما ذكروه غير لازم؛ لجواز أن القصة حرفت في التوراة عن موسى إلى غيره. والتوراة أولى بالتحريف لوجوه:
أحدها: تقادم عهدها.
الثاني: إحراق بخت نصر لها حتى لم يجدوها إلا عند عزيز، فأملاها عن ظهر قلب، فزعموا أنه ابن الله لذلك على ما قيل.
الثالث: أن أحبارهم حرفوا منها كثيرا من صفات محمد ﷺ وأحواله الدالة على نبوته
стр. 482
استزلالا لعامتهم أن يؤمنوا، واستدامة للرياسة عليهم، فلعلهم حرفوا هذه القصة إلى إسحاق لما سمعوها في القرآن مضافة إلى موسى إيقاعا للريبة في قلوب عوامهم.
وقد رأيت لأبي الفخر الإسكندري النصراني-وكان يهوديا فتنصر-أو لغيره جزءا جمع فيه ما حرفه اليهود من التوراة، تحريف تبديل لا تحريف تأويل، رأيت هذا الجزء عند أبي البشائر بن فرج الله النصراني الحكيم بقوص من بلاد الصعيد.
سلمنا أن القصة لم تحرف في التوراة، لكن جاز أنها جرت لإسحاق وموسى جميعا، فذكرت عن إسحاق في التوراة وعن موسى في القرآن دون التوراة، على حسب اختيار المتكلم أو حكمته أو الداعي إلى ذلك.
ومع هذا الاحتمال لا يجوز القطع بالتحريف على أحد الموضعين.
كيف وإن عبد الله بسلام أعلم اليهود/ [٣٢٤ ل] بالتوراة ومن تابعه منهم-مع علمهم بسورة القصص-لم يمتنعوا من الإسلام، ولو صح عندهم ما قلتم لامتنعوا منه، بل قامت عندهم براهين النبي ﷺ من التوراة وغيرها من كتب الأولين: فأسلموا.
قوله- : ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٦) [القصص: ٤٦] احتج بها بعض أهل الذمة في كتاب له على أن محمدا إنما أرسل إلى العرب. لأنهم هم الذين ما أتاهم من نذير قبله، أما/ [١٥٤ ب/م] بنو إسرائيل فالنذر والرسل قبله فيهم كثير.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن المراد ما أتاهم من نذير من قبلك في هذه الفترة التي بينك وبين المسيح، فطال العهد وحرفت الكتب ودخلت الملل، فاحتيج إلى رسول يرشد الناس إرشادا خالصا من الريب، وإليه الإشارة بقوله- : ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٤٥) [القصص: ٤٥].
الوجه الثاني: هب أن المراد بالقوم الذين لم يأتهم نذير قبله هم العرب، لكن ليس في الآية ما يقتضي تخصيص إرساله إليهم إلا بطريق مفهوم ضعيف، لكن ذلك المفهوم لا يعارض نصوص القرآن في عموم الدعوة، ثم إن من اعترف برسالته إلى العرب لزمه القول بعموم دعوته؛ لأن مطلق رسالته ولو إلى قبيلة من العرب يستلزم صدقه، وقد تواتر عنه أنه
стр. 483
ادعى عموم الدعوة، فيجب قبول ذلك منه لثبوت رسالته المطلقة، أو مطلق رسالته.
﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧) [القصص: ٤٧] سبق نظيرها في إقامة الحجة بإرسال الرسل في آخر «طه» و «النساء».
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص: ٥٦] سياق ما قبلها يقتضي أنها في أهل الكتاب؛ لأنه قسمهم قسمين:
أحدهما: معاند للقرآن منكر له، وهو المذكور في قوله- : ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧) [القصص: ٤٧] إلى ﴿*وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥١) [القصص: ٥١].
والثاني: مؤمن بالقرآن. وهم مؤمنو أهل الكتاب، وهو المراد بقوله- :
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢) [القصص: ٥٢] إلى ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥٤) [القصص: ٥٤] إلى ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ (٥٥) [القصص: ٥٥] وهؤلاء كعبد الله بن سلام وأصحابه، ثم جاءت هذه الآية مشتركة بين القسمين فقوله- ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] إشارة إلى القسم الأول الضال منهم، وقوله- : ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص: ٥٦] إشارة إلى القسم الثاني المهتدي منهم، فهذا كلام متجه بشهادة ظاهر الكتاب، غير أن الحديث الصحيح ورد بأن هذه نزلت في أبي طالب حين أحب النبي ﷺ ودعاه إلى الإسلام عند موته، فالمشهور أنه امتنع ومات على ملة عبد المطلب.
وحكى ابن إسحاق أنه نطق/ [٣٢٥ ل] بكلمة الشهادة قبل خروج روحه والعباس عنده فسمعه، فقال العباس: إنه قد أسلم. فقال النبي ﷺ : «ما سمعت شيئا» فلما اختلف النقل في ذلك اختلف [أهل] السنة والشيعة في ذلك، فقال الجمهور: إنه مات كافرا،
стр. 484
واحتجوا بوجوه:
أحدها: هذه الآية نزلت بسببه، وهى تقتضي عدمه إسلامه/ [١٥٥ أ/م] لأن النبي ﷺ كان يحب إسلامه، والآية تضمنت أنه لا يهدي من أحب.
الثاني: الحديث الصحيح أنه ﷺ قيل له: إن أبا طالب كان يحوطك، فهل تنفعه بشيء؟ قال «نعم، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (١) وفي حديث آخر: «في رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه» (٢).
الثالث: ما جاء في بعض الآثار أن أبا طالب لما جاء علي إلى النبي ﷺ فقال: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «فاذهب فواره» (٣) ثم أمر عليا بعد ذلك بالغسل، ولولا أنه مات كافرا لما سماه ابنه علي ضالا، ولا أقره النبي ﷺ على ذلك، ولا تخلف عن شهود أمره ولا أمر عليا بالاغتسال من غسله.
الرابع: أنه روي أن النبي ﷺ لما رفع سرير أبي طالب عارضه النبي ﷺ وقال: «وصلتك رحم يا عم» (٤) ولم يتبعه، ولو مات مسلما لكان أحق وأفضل من تبعه لما كان يحوطه وينصره ويشفق عليه، وقالت الشيعة: إنه مات مسلما، واحتجوا بوجوه:
أحدها: قوله- : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧) [الأعراف: ١٥٧] قالوا: ولا يقدر أحد يدعي أن أحدا نصر محمدا ﷺ ووقره نصرة أبي طالب له حين لا ناصر من الخلق سواه، حتى حارب قريشا بأسرها
стр. 485
في نصرته، وقد فصل في السير المعتبرة من ذلك ما لا نطيل بذكره، ولم ينصره هذه النصرة وقطع فيه رحم قومه إلا وهو مؤمن به، ولكنه أخفى إيمانه تقية؛ لأن تدبير الحرب والمكيدة في نصرة الله ورسوله اقتضت ذلك، ولو أظهر خلافهم في الدين لتمالؤوا عليه، ثم لم يثبت لهم، فلما أيقن بالموت أظهر إسلامه كما رواه عنه العباس فيما رواه ابن إسحاق؛ لأنه لم ييأس من نفسه وحرب قومه إلا ذلك الوقت.
الثاني: أن أبا طالب كفل يتيما، وكل من كفل يتيما فهو في الجنة، أما الأولى فلأن أبا طالب كفل محمدا ﷺ يتيما وهو أفضل الأيتام وغيره. وأما الثانية فلقوله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» (١) وأشار بإصبعيه، فإذن أبو طالب في الجنة، وذلك يستلزم/ [٣٢٦ ل] إيمانه.
الثالث: أن النبي ﷺ أقره على نكاح زوجته فاطمة بنت أسد أم علي، ولولا أنه مؤمن لما أقره، إذ ليس من دينه نكاح الكافر المسلمة.
الرابع: أن الحديث الصحيح ورد بأن المرء مع من أحب، ولا يشك أحد أن أبا طالب كان/ [١٥٥ ل/م] يحب النبي ﷺ حتى إن كان ليؤثره على أولاده، فليكن معه ﷺ عملا بموجب الحديث، وذلك مستلزم لإيمانه.
الخامس: أن النبي ﷺ كان يحب أبا طالب؛ لأنه كافله وناصره ومربيه وعمه صنو أبيه لأبويه، لا يشك أحد في ذلك، وكل من أحبه النبي ﷺ أولى بذلك، وإن شك شاك في حب النبي ﷺ لأبي طالب فلينظر إلى قوله ﷺ : «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها» (٢) ولا أحد أحسن إلى النبي ﷺ إحسان أبي طالب؛ فوجب أنه ﷺ كان يحبه.
السادس: أن أبا طالب جاهد في الله، وكل من جاهد في الله مؤمن، أما الأولى فلأنه نصر رسول الله ﷺ ، وكل من نصر رسول الله ﷺ فهو مجاهد في الله، ومن تأمل السيرة علم أن جهاد أبي طالب في نصرة رسول الله ﷺ وإقامة دينه وذبه عنه، وحياطته له أفضل الجهاد حين رسول الله ﷺ وحده، وقصارى من اتبعه أن يفروا بدينهم إلى الحبشة وغيرها، وقريش بأسرها وأحابيشها وأتباعها ترميه عن قوس واحدة، وأبو طالب يلقى عنه بنحره، هذا مما لا ينكره منصف.
стр. 486
وأما الثانية فلقوله : ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩) [العنكبوت: ٦٩] وحسبك به وعدا يقتضي هداية من جاهد في الله.
السابع: أن أشعار أبي طالب في ديوانه تنادي بإيمانه، كقوله في مدح النبي ﷺ :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
إن اقتضى سياقه أنه مدح فيه ولا أحقق ذلك والظاهر خلافه، وليس هذا بالمقصود، إنما المقصود مثل قوله:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
وفى رواية:
وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا
وقوله:
فاصدع بأمرك ما عليك خصاصة ... وافرح وقر بذاك منك عيونا
فهذا مدح لدينه وتصديق له، وأمر له بإظهاره والصدع به، ولا إيمان فوق ذلك، وأشعاره في المعنى كثيرة لم نستحضرها. فهذا ما نحفظه ونستحضره الآن من حجج الأخرى يطول فلنقتصر/ [١٥٦ أ/م].
وقد رأيت لبعض الشيعة كتابا مستقلا في إسلام أبي طالب، والذي ذكرته لهم جل ما فيه-إن لم يكن كله-فاعلم ذلك.
ثم إن قوله- : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص: ٥٦] يحتج بها الجمهور في أن الهداية إلى الله- -فكذا الضلال مقابل لها هو بقدره خلافا للمعتزلة.
﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ (٥٩) [القصص: ٥٩] سبق نظيرها في الأنعام وهود.
стр. 487
يدل عليه: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٧٠) [القصص: ٧٠] أي فيهما، وإذا كان له الحكم في الدنيا على العموم والإطلاق، فلا حكم لأحد معه، ولا اختيار، وذلك حقيقة الإجبار.
﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٧٥) [القصص: ٧٥] فيه أن المستدل إذا طولب بالدليل على دعواه فلم يذكره أو لم ينهض بتقريره أنه يكون منقطعا؛ لأن هؤلاء ادعوا الشركاء فإذا طولبوا بالبرهان لم يجدوه.
وقد حكم بانقطاعهم ولزوم الحجة لهم.
﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ [القصص: ٧٨] قيل: هو الكيمياء، وقد سبق القول فيها غير مرة، وذكر في السير أن موسى لما أمر ببناء قبة الزمان بالذهب بنى بما مع بني إسرائيل من الذهب الذي كانوا خرجوا به من مصر، فلم يكف، فشكا موسى ذلك إلى ربه فنزل جبريل فعلمه الكيمياء: فعمل منها ما كمل به بناء القبة، ثم تركها، ثم إنه علمها أخته وأخاه هارون، فسأله قارون أن يعلمه إياها، فقال: لا خير لك فيها، فألح عليه حتى علمه فكنز منها الكنوز. ثم كانت سبب هلاكه دنيا وأخرى.
قيل: ومن ثم كان أكثر ما يوجد الكيمياء والزغل في ولد هارون من اليهود.
﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧٨) [القصص: ٧٨] أي بعد إقامة الحجة عليهم، إذ لا فائدة في سؤالهم بعد ذلك.
﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٨) [القصص: ٨٨] قيل: ذاته، وقيل: صفة تسمى وجها، وقيل: إلا ما أريد به جهة التقرب إليه.
...
стр. 488
القول في سورة العنكبوت
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٤) [العنكبوت: ١٤] يحتج به على استثناء الأقل.
﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧) [العنكبوت: ١٧] يحتج به القدرية لتصريحه إضافة خلق الإفك إليهم.
وجوابه: أن معناه: وتكذبون كذبا، أو وتكسبون إفكا، والخلق مشترك بين الاختراع والكذب وغيرهما، ومنه/ [٣٢٨ ل]: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٧) [ص: ٧] ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣٧) [الشعراء: ١٣٧] ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧) / [١٥٦ ب/م]) [العنكبوت: ١٧] احتجاج على التوحيد، ونفي الشرك بأن الشريك لا يملك الرزق، وقد سبق هو أو نحوه.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١٩) [العنكبوت: ١٩] أي ثم هو يعيده، وهو احتجاج على الإعادة بالقياس على الابتداء، وكذا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠) [العنكبوت: ٢٠] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٤) [العنكبوت: ٢٤] لأنه قطعهم وأفحمهم في الجدال والاحتجاج على عادته في حسن النظر والتأييد بالحجة.
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٩) [العنكبوت: ٢٩] إشارة إلى حكمة تحريم اللواط، وذلك من وجهين:
стр. 489
أحدهما: أن ذلك يضعف رجوليتهم وهمتهم، والحاجة داعية إليهم للجهاد، فإذا وجد شجاع أو مجاهد منجب ممن فعل به ذلك لم تنتقض هذه العلة؛ لأنه لو لم يفعل به لكان أشجع وأنجب، والزيادة في ذلك مطلوبة.
والثاني: قطع سبيل النسل؛ إذ ليس في محل الحرث.
﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ (٣١) [العنكبوت: ٣١] مع قول إبراهيم: ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً﴾ [العنكبوت: ٣٢] وقول الملائكة: ﴿قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣٢) [العنكبوت: ٣٢] يحتج به على أن للعموم صيغة؛ لأن إبراهيم فهمه من صيغة أهل هذه القرية حتى عرض بتخصيص لوط.
﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣٨) [العنكبوت: ٣٨] أي بإغوائه ووسوسته.
﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣٨) [العنكبوت: ٣٨] إشارة إلى غلبة القدرة والإرادة، وانقهار العقول تحت مجاري الأقدار بحيث لا ينفع الاستبصار، وربما حمله القدرية على أنهم عاندوا الحق مع استبصارهم به تقريرا للحجة عليهم.
﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤٠) [العنكبوت: ٤٠] يحتج به المعتزلة؛ إذا كان الله- -خالقا لأفعالهم لكان قد ظلمهم ولم يكن آخذا لهم بذنبهم.
وجوابه؛ على ما عرف على أصل الكسبية والجبرية.
стр. 490
متصور في الذهن لا غير.
وبيت العنكبوت موجود في الخارج منه ألوف من البيوت، وما لا وجود له أصلا أوهن مما له وجود على كل حال.
وإنما ذكرت هذا لأن الإنكار المذكور لو لزم الحريري لاقتضى كفره، لتضمنه الرد على الله- -فيما بالغ فيه، والتكفير ونحوه من مسائل أصول الدين.
﴿* وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٤٦) [العنكبوت: ٤٦] فيه مشروعية جدال أهل الكتاب إذا أثاروا شبهة فكشف؛ لئلا يظن أن معهم حقا، ثم إن كانوا ذمة أو مستأمنين وجب/ [٣٢٩ ل] الرفق بهم/ [١٥٧ أ/م]، ولا يعنف عليهم؛ لئلا يظن أنهم استبقوا حجة لم يقدروا على إظهارها، ورعاية لعهد الذمة.
وإن كانوا حربا فحكمهم واضح؛ إذ قتالهم جائز، ومن كان عندهم بدار الحرب، فإن أمن على نفسه كرسول المسلمين جاز أن يصدعهم بالحجة، ويغلظ لهم إعزازا للكلمة، وإن لم يأمن كالأسير والمستأمن إليهم من المسلمين ففيه الخلاف بمن أكره على الكفر، أيهما أفضل له؟ الإجابة أو الامتناع؟
إن قلنا: الإجابة، فهناك الأفضل الرفق في الجدال. وإن قلنا: الامتناع فهناك الأفضل الغلظة.
﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨] هذا احتجاج على صدقه ﷺ ، أي إنك جئت بكتاب خارق للعادة عظيم الوقع، مع أنك لم تكن قبله قارئا ولا كاتبا، وكل من أتى بكتاب على هذا الوجه فهو نبي آت بمعجز، فأنت نبي آت بمعجز.
أما الأولى فلأنه ﷺ أتى بالقرآن، وحسبك به كتاب عجز عن معارضة أيسره فصحاء العرب، وأما أنه ﷺ لم يكن كاتبا ولا قارئا فواضح، وخصومه من الكفار سلموا ذلك، حتى إنهم لما اتهموه، [إنما اتهموه] بأنه يستملي ذلك ممن يقرأ ويكتب، ولو كان قارئا كاتبا لما احتاجوا إلى ذلك، بل قالوا: أنت قارئ كاتب، فلا يستكثر لك هذا القرآن، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨].
стр. 491
وأما الثانية: فلأن من أتى بكتاب على هذا الوجه بهذا الوصف كان خارقا للعادة، كما لو أن راعي غنم لم يكتب قط ولا فارق الصحراء، ولم يجتمع بكاتب قط فكتب خطّا أعجز فيه ابن مقلة وابن البواب وأضرابهم من مبرزي الكتاب-كان خارقا للعادة قطعا.
وكل خارق للعادة من التحدي وعدم المعارضة فهو نبي آت بمعجز، فهذا برهان واضح.
﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ (٤٩) [العنكبوت: ٤٩] يحتج به من قال: إن حقيقة القرآن الذي هو كتاب الله- -وكلامه في الصدور لظاهر الآية مع القول بقدمه، والآخرون قالوا: هذا يوجب حلول القديم في الحادث، وهو قول بالحلول وهو محال، بل إما أن يقولوا بخلقه ليكون حلول مخلوق في مخلوق، أو بقدمه قائما بذات الله- والحاصل منه في الصدور مثال مطابق له أو ذكره وحفظه، كما أن الله- مذكور باللسان والقلب محفوظ فيه، وليست ذاته حالة في شيء.
وقد بالغ بعضهم في التشنيع على من قال بقدم القرآن وحلوله في الصدور، حتى قال:
هؤلاء أكفر من النصارى/ [١٥٧ ب/م]؛ إذ النصارى إنما قالوا بحلول القديم في ذات المسيح/ [٣٣٠ ل] لا غير، وهؤلاء يلزمهم حلول القديم في كل شخص حفظ القرآن أو بعضه ولو آية.
واختلف القائلون بظاهر الآية؛ هل حقيقة القرآن في الصدور كالمظروف في الظرف؟ أو أنه كظهور الوجه في المرآة؟ أو كظهور نقش الخاتم في الشمع؟ على أقوال.
وقال قوم: للقرآن أربع وجودات: وجود عيني، وهو تقرر حقيقته في الخارج، إما بذات الله- -أو غيره على الخلاف في حدوثه وقدمه، ووجود ذهني، هو حصول صورة في الذهن مطابقة له وحفظه هو ذلك مع إمكان استحضاره لفظا ونظما بحسب الاختيار، ووجود لساني وهو تلاوته، وبناني وهو كتابته بالبنان.
стр. 492
عدم الاكتفاء بها، فدل على أنه كاف شاف، وقد تبين وجه كونه معجزا.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٠) [العنكبوت: ٦٠] يحتج به على أن عموم الرزق من الله- -حلالا وحراما، وقد سبق عليه ما هو أدل من هذا.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٣) [العنكبوت: ٦٣] إلى ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤) [العنكبوت: ٦٤] إشارة إلى دليل البعث بقياس إحياء الأرض بالنبات، وليس صريحا فيه كغيره.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٦٦) [العنكبوت: ٦٦] أمر تهديد ووعيد كنظيره في النحل.
...
стр. 493
القول في سورة الروم
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) [الروم: ٤] يحتج به القائلون بقدم القرآن بناء على أن الأمر هو القرآن. ومعنى ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) [الروم: ٤] أي:
من قبل كل شيء وبعد كل شيء، فانتظم الدليل هكذا: القرآن هو الأمر والأمر ثابت لله- -قبل كل شيء وبعده، فالقرآن ثابت لله قبل كل شيء وبعده.
واعترض عليه بأن الأمر لفظ مشترك، والمراد به هاهنا الحكم والتصرف الذي به غلبت الروم وغلبت، نحو ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ (٣٣) [النمل: ٣٣] أي التصرف، سلمناه لكن المراد بمن قبل أي: من قبل غلبهم وبعده، وذلك لا يدل على القدم.
وهب أن المراد قبل كل شيء، لكن ذلك ليس هو الأزل؛ لأن العالم حادث، وقبل حدوثه بلحظة يصدق أنه قبل كل شيء، اللهم إلا أن يعتقدوا قدم العالم فيكون الأمر المذكور قبله بالذات لا بالزمان كما زعمت الفلاسفة في قدم الصانع على العالم، لكنهم لا يقولون بذلك.
﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١١) [الروم: ١١] فيها الإخبار بالبعث ودليله [بعده بيسير] يذكر إن/ [١٥٨ أ/م] شاء الله- .
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١٢) [الروم: ١٢] هاهنا وفى آخر السورة إخبار بقيامها وذكر بعض أحكامها مما ذكر، وسيذكر إن شاء الله، .
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١٩) [الروم: ١٩] فيه دليلان على إمكان البعث والمعاد؛ أحدهما قياس إخراج الموتى من الأرض على إخراج الحي من الميت، ونظمه هكذا: البعث إخراج حي من ميت، وهو ممكن، وكل ممكن مقدور فالبعث مقدور.
أما أن البعث إخراج حي من ميت فلأن الأرض والرمم موات يخرج منها الناس أحياء، وإنما قلنا: إن ذلك ممكن لأنه لا يلزم منه محال لذاته، وقياسا على إخراج الحيوان الحي من حيوان ميت، وهو كثير مشاهد في بني آدم وغيرهم.
стр. 494
وأما أن كل (ممكن) مقدور فواضح.
الثاني: قياس البعث على إحياء الأرض بالمطر بعد موتها.
وقد سبق تقريره في الأعراف وغيرها، فهذا دليل إمكانه، أما وقوعه فإخبار الصادق به.
﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ (٢٢) [الروم: ٢٢] يحتج به على أن اللغات توقيفية؛ لأن الألسنة هي اللغات، وقد أضاف اختلافها إليه، وذلك ظاهر في التوقيف، مع احتمال أنه خلق فيهم دواعي الاصطلاح وأقدرهم عليه، فيكون وضعها اصطلاحيا وخلقه منسوبا إليه؟
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (٢٥) [الروم: ٢٥] ذكره عقيب قوله- : ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢٤) [الروم: ٢٤] فهو ما سبق من قياس الإعادة على إحياء الأرض.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٧) [الروم: ٢٧] أي عندكم، أو هو أهون بمعنى هين، وهذا استدلال على الإعادة بقياسها على البدء بجامع الإمكان والمقدورية، وكونها أهون ضروري؛ إذ إعادة الجدار المستهدم بآلاته أهون على بانيه من ابتدائه أول مرة قطعا. وكذلك قدمنا أن الجسم ينحل إلى جواهر مفردة، كأنقاض الجدار، ثم الله- -يجمع تلك الجواهر ويؤلف منها الجسم فيعود كما كان. وهذا في أول سورة (ق) أبين منه هاهنا، وسيأتي إن شاء الله- .
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢٨) [الروم: ٢٨] من أدلة التوحيد شبيهة بآية النحل ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٧١) [النحل: ٧١].
стр. 495
وتقرير هذه: إن آلهتكم مملوكة لله- -وكما أن عبيدكم وما ملكت أيمانكم لا يشاركونكم في أرزاقكم وأموالكم كذلك الله- -لا تشاركه الآلهة المملوكة له في عبادته وخلقه/ [١٥٨ ب/م] وهو مقياس جلي وكذلك كما لا تخافون عبيدكم فالله- -لا يخاف الآلهة المملوكة له.
ولو كانت آلهة حقا لكان يخافها؛ إذ كانت تكون مثله، فتبغي إلى ذي العرش سبيلا فيخاف غائلتها، والتالي باطل، فالمقدم مثله.
فهذان برهانان في هذه الآية.
﴿بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٩) [الروم: ٢٩] صريح في مذهب الجمهور؛ لأنه أضاف إضلالهم إليه، وهو موجب لضلالهم فيكون سهم القدرة مصيبا، وإلا كان مخطئا وإنه باطل.
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٠) [الروم: ٤٠] فيه إشارة إلى انحتام الرزق كالخلق والموت والبعث لاقتران الرزق بالثلاثة وسرد الجميع في قرن.
وهذا مما يقوي عزائم الفقراء ونحوهم، ولعل بعض الناس من هاهنا أخذ قوله: «الرزق كالأجل يطلبك وأنت [عنه غافل]».
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٠) [الروم: ٤٠] دليل على التوحيد ونفي الشريك.
ونظمه هكذا: آلهتكم لا تفعل شيئا من هذه الأربعة، والإله الحق يفعل هذه الأربعة، فآلهتكم ليست هي الإله الحق.
следующие страницы →