← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأما الثانية: فلأن من أتى بكتاب على هذا الوجه بهذا الوصف كان خارقا للعادة، كما لو أن راعي غنم لم يكتب قط ولا فارق الصحراء، ولم يجتمع بكاتب قط فكتب خطّا أعجز فيه ابن مقلة وابن البواب وأضرابهم من مبرزي الكتاب-كان خارقا للعادة قطعا. وكل خارق للعادة من التحدي وعدم المعارضة فهو نبي آت بمعجز، فهذا برهان واضح. ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ (٤٩) [العنكبوت: ٤٩] يحتج به من قال: إن حقيقة القرآن الذي هو كتاب الله- -وكلامه في الصدور لظاهر الآية مع القول بقدمه، والآخرون قالوا: هذا يوجب حلول القديم في الحادث، وهو قول بالحلول وهو محال، بل إما أن يقولوا بخلقه ليكون حلول مخلوق في مخلوق، أو بقدمه قائما بذات الله- والحاصل منه في الصدور مثال مطابق له أو ذكره وحفظه، كما أن الله- مذكور باللسان والقلب محفوظ فيه، وليست ذاته حالة في شيء. وقد بالغ بعضهم في التشنيع على من قال بقدم القرآن وحلوله في الصدور، حتى قال: هؤلاء أكفر من النصارى/ [١٥٧ ب/م]؛ إذ النصارى إنما قالوا بحلول القديم في ذات المسيح/ [٣٣٠ ل] لا غير، وهؤلاء يلزمهم حلول القديم في كل شخص حفظ القرآن أو بعضه ولو آية. واختلف القائلون بظاهر الآية؛ هل حقيقة القرآن في الصدور كالمظروف في الظرف؟ أو أنه كظهور الوجه في المرآة؟ أو كظهور نقش الخاتم في الشمع؟ على أقوال. وقال قوم: للقرآن أربع وجودات: وجود عيني، وهو تقرر حقيقته في الخارج، إما بذات الله- -أو غيره على الخلاف في حدوثه وقدمه، ووجود ذهني، هو حصول صورة في الذهن مطابقة له وحفظه هو ذلك مع إمكان استحضاره لفظا ونظما بحسب الاختيار، ووجود لساني وهو تلاوته، وبناني وهو كتابته بالبنان.

стр. 492

عدم الاكتفاء بها، فدل على أنه كاف شاف، وقد تبين وجه كونه معجزا. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٠) [العنكبوت: ٦٠] يحتج به على أن عموم الرزق من الله- -حلالا وحراما، وقد سبق عليه ما هو أدل من هذا. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٣) [العنكبوت: ٦٣] إلى ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤) [العنكبوت: ٦٤] إشارة إلى دليل البعث بقياس إحياء الأرض بالنبات، وليس صريحا فيه كغيره. ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٦٦) [العنكبوت: ٦٦] أمر تهديد ووعيد كنظيره في النحل. ...

стр. 493

القول في سورة الروم ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) [الروم: ٤] يحتج به القائلون بقدم القرآن بناء على أن الأمر هو القرآن. ومعنى ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) [الروم: ٤] أي: من قبل كل شيء وبعد كل شيء، فانتظم الدليل هكذا: القرآن هو الأمر والأمر ثابت لله- -قبل كل شيء وبعده، فالقرآن ثابت لله قبل كل شيء وبعده. واعترض عليه بأن الأمر لفظ مشترك، والمراد به هاهنا الحكم والتصرف الذي به غلبت الروم وغلبت، نحو ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ (٣٣) [النمل: ٣٣] أي التصرف، سلمناه لكن المراد بمن قبل أي: من قبل غلبهم وبعده، وذلك لا يدل على القدم. وهب أن المراد قبل كل شيء، لكن ذلك ليس هو الأزل؛ لأن العالم حادث، وقبل حدوثه بلحظة يصدق أنه قبل كل شيء، اللهم إلا أن يعتقدوا قدم العالم فيكون الأمر المذكور قبله بالذات لا بالزمان كما زعمت الفلاسفة في قدم الصانع على العالم، لكنهم لا يقولون بذلك. ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١١) [الروم: ١١] فيها الإخبار بالبعث ودليله [بعده بيسير] يذكر إن/ [١٥٨ أ/م] شاء الله- . ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١٢) [الروم: ١٢] هاهنا وفى آخر السورة إخبار بقيامها وذكر بعض أحكامها مما ذكر، وسيذكر إن شاء الله، . ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١٩) [الروم: ١٩] فيه دليلان على إمكان البعث والمعاد؛ أحدهما قياس إخراج الموتى من الأرض على إخراج الحي من الميت، ونظمه هكذا: البعث إخراج حي من ميت، وهو ممكن، وكل ممكن مقدور فالبعث مقدور. أما أن البعث إخراج حي من ميت فلأن الأرض والرمم موات يخرج منها الناس أحياء، وإنما قلنا: إن ذلك ممكن لأنه لا يلزم منه محال لذاته، وقياسا على إخراج الحيوان الحي من حيوان ميت، وهو كثير مشاهد في بني آدم وغيرهم.

стр. 494

وأما أن كل (ممكن) مقدور فواضح. الثاني: قياس البعث على إحياء الأرض بالمطر بعد موتها. وقد سبق تقريره في الأعراف وغيرها، فهذا دليل إمكانه، أما وقوعه فإخبار الصادق به. ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ (٢٢) [الروم: ٢٢] يحتج به على أن اللغات توقيفية؛ لأن الألسنة هي اللغات، وقد أضاف اختلافها إليه، وذلك ظاهر في التوقيف، مع احتمال أنه خلق فيهم دواعي الاصطلاح وأقدرهم عليه، فيكون وضعها اصطلاحيا وخلقه منسوبا إليه؟ ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (٢٥) [الروم: ٢٥] ذكره عقيب قوله- : ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢٤) [الروم: ٢٤] فهو ما سبق من قياس الإعادة على إحياء الأرض. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٧) [الروم: ٢٧] أي عندكم، أو هو أهون بمعنى هين، وهذا استدلال على الإعادة بقياسها على البدء بجامع الإمكان والمقدورية، وكونها أهون ضروري؛ إذ إعادة الجدار المستهدم بآلاته أهون على بانيه من ابتدائه أول مرة قطعا. وكذلك قدمنا أن الجسم ينحل إلى جواهر مفردة، كأنقاض الجدار، ثم الله- -يجمع تلك الجواهر ويؤلف منها الجسم فيعود كما كان. وهذا في أول سورة (ق) أبين منه هاهنا، وسيأتي إن شاء الله- . ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢٨) [الروم: ٢٨] من أدلة التوحيد شبيهة بآية النحل ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٧١) [النحل: ٧١].

стр. 495

وتقرير هذه: إن آلهتكم مملوكة لله- -وكما أن عبيدكم وما ملكت أيمانكم لا يشاركونكم في أرزاقكم وأموالكم كذلك الله- -لا تشاركه الآلهة المملوكة له في عبادته وخلقه/ [١٥٨ ب/م] وهو مقياس جلي وكذلك كما لا تخافون عبيدكم فالله- -لا يخاف الآلهة المملوكة له. ولو كانت آلهة حقا لكان يخافها؛ إذ كانت تكون مثله، فتبغي إلى ذي العرش سبيلا فيخاف غائلتها، والتالي باطل، فالمقدم مثله. فهذان برهانان في هذه الآية. ﴿بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٩) [الروم: ٢٩] صريح في مذهب الجمهور؛ لأنه أضاف إضلالهم إليه، وهو موجب لضلالهم فيكون سهم القدرة مصيبا، وإلا كان مخطئا وإنه باطل. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٠) [الروم: ٤٠] فيه إشارة إلى انحتام الرزق كالخلق والموت والبعث لاقتران الرزق بالثلاثة وسرد الجميع في قرن. وهذا مما يقوي عزائم الفقراء ونحوهم، ولعل بعض الناس من هاهنا أخذ قوله: «الرزق كالأجل يطلبك وأنت [عنه غافل]». ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٠) [الروم: ٤٠] دليل على التوحيد ونفي الشريك. ونظمه هكذا: آلهتكم لا تفعل شيئا من هذه الأربعة، والإله الحق يفعل هذه الأربعة، فآلهتكم ليست هي الإله الحق.

стр. 496

على الجامع وهو الإمكان والقدرة بقوله- : ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥٠) [الروم: ٥٠] والإمكان من لوازم المقدورية. ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٩) [الروم: ٥٩] أي يختم عليها، وقد سبق معناه. فإن قيل: أي فائدة في الطبع على قلب من لا يعلم؟ وهل هو إلا تحصيل الحاصل، أو شبيه به؟ والجواب: أن المراد يطبع على قلب من لا يستعمل العلم بالنظر في آيات الحق، فعبر بالعلم عن استعماله، ألا ترى أن هذا وقع عقيب قوله- : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨) [الروم: ٥٨] أي: يبادرون بالإنكار والعناد، ولا ينظرون في أدلة الحق ليعرفوه. ...

стр. 497

القول في سورة لقمان ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦) [لقمان: ٦] يحتج بها الفقهاء على تحريم السماع، وليست نصا فيه، ولأهل السماع فيه تفاصيل، ثم هو معارض بقوله- : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٨) [الزمر: ١٨] فلو كان في السماع قول وعظي فاتبعه السامع لدخل تحت هذه الآية. ﴿هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١١) [لقمان: ١١] استدلال على عدم إلهيتهم بعدم كونهن خالقين، وتقريره هكذا/ [٣٣٣/ل]: آلهتكم لا تخلق، أو لا شيء من آلهتكم بخالق، والإله/ [١٥٩ أ/م] الحق خالق، فلا شيء من آلهتكم بإله حق، وهذا يقتضي أن الخلق والإبداع من لوازم الإله وخواصه. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١٢) [لقمان: ١٢] قد سبق الخلاف في نبوته والمشهور أنه ليس نبيا بل حكيم صالح. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١٤) [لقمان: ١٤] أي اشكر لي على خلقي ورزقي لك، واشكر لهما على كسبها لك وكونهما سبب وجودك، وهذا يدل على أن الأكساب والأسباب ليس مطرحة الاعتبار كما هو المشهور. ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٧) [لقمان: ١٧]. يحتمل أن الصبر جملة مستقلة أمرا بالصبر على الإطلاق، ويحتمل ارتباطها بما قبلها؛ أي: اصبر على ما أصابك من الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن هذا مراد على التقديرين لدخول هذا الصبر الخاص في الصبر على الإطلاق.

стр. 498

﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤) [لقمان: ٣٤] تضمنت مفاتح الغيب الخمس المذكورة في الحديث الصحيح (١). ...

стр. 499

القول في السورة السجدة ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢) [السجدة: ٢] تضمنت أن الكتاب حق منزل، ويحتج به على أنه غير مخلوق، وفيه ما سبق مرارا. ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣) [السجدة: ٣] سبق الكلام عليه في القصص. ﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ (١٠) [السجدة: ١٠] تضمنت حكاية إنكارهم للبعث، وقد سبق غير مرة. ﴿* قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١١) [السجدة: ١١] فيه إثبات المعاد إلى الله- -بعد الموت، خلافا للتناسخية القائلين بانتقال الأرواح في الأجسام جسما بعد جسم، فما كمل منها لحق بعالمه العلوي، وما لم يكمل بقي مترددا في الأجسام أبدا، وهو رأي خيالي لا مستند له يعتمد. ثم قد ذكر هنا: ﴿*قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١١) [السجدة: ١١] وفى الأنعام: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦١) [الأنعام: ٦١] وفى موضع آخر: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٢) [الزمر: ٤٢] ووجه الجمع أنه- -يتوفى الأنفس بقدرته بواسطة الملائكة وملك الموت بحق التقدم على ملائكة القبض والملائكة الأعوان بالمباشرة، فيقال: إنهم يعالجون حتى تبلغ الفم فيقبضه ملك الموت بيده، وهذا كما يقال: قتل السلطان فلانا، ويكون ذلك بواسطة الوالي والنائب، إمرة ثم بمباشرة الجند، واختلف في البهائم ونحوها هل يقبضها ملك الموت أم لا؟ فقيل: لا، لعدم السمع فيه ولخصوص يتوفاكم، وقيل: بلى لعموم: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٨) / [١٥٩ ب/م]) [الأنعام: ٣٨] ولأنها تحشر للقصاص/ [٣٣٤ ل] بينها؛ فكان القابض

стр. 500

لها ملك الموت كالعقلاء، ولعل الخلاف فيها مبني على أنها عاقلة مكلفة تكليفا خفيا عن البشر أم لا، وفيه خلاف مشهور. ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣) [السجدة: ١٣]، يحتج بها الجمهور على أن مشيئته هي المانعة لمن شاء هداه، وقد سبق هو واعتراض القدرية عليه. ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣) [السجدة: ١٣]، أي فوجب تصديق قوله السابق بمنع الهدى الخاص من سبق أنه من أهل جهنم بحسب المشيئة وخلق الدواعي والصوارف، هذه كله مع اعتقاد أن لله- -في خلقه المشيئة النافذة، وله عليهم الحجة البالغة. ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (٢٣) [الأنبياء: ٢٣] وقد سبق توجيه ذلك في مقدمة الكتاب. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١) [السجدة: ٢١] زعم بعضهم أن العذاب الأدنى عذاب القبر، والعذاب الأكبر عذاب النار، وهو ضعيف بل باطل، لأنه علل إذاقتهم العذاب الأدنى برجوعهم عن كفرهم بقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١) [السجدة: ٢١] وفى القبر استحال رجوعهم إلى الدنيا، وإنما العذاب الأدنى يشبه أن يكون السنين التي أصابتهم على عهد النبوة المذكورة في سورة الدخان. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٨) [السجدة: ٢٨] هي في سياق: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٧) [السجدة: ٢٧] يشير إلى دليل البعث المشهور وهو القياس على إحياء الأرض. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ (٣٠) [السجدة: ٣٠] وعيدي محكم. ...

стр. 501

القول في سورة الأحزاب ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١) [الأحزاب: ١] أي استدم على ما أنت عليه من التقوى، لأن التقوى لم تفارقه لعصمته حتى يؤمر بها أمر استئناف. ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٦) [الأحزاب: ٦] احتجت الشيعة بهذا مع قوله ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» قالوا: لأنه صدر هذا الحديث بالإشارة إلى هذه الآية فقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا: بلى. قال: «فمن كنت مولاه فعلي مولاه» فاقتضى ذلك بموجب هذا السياق أنه جعل لعلي عليهم من الطاعة بعده ما جعله لنفسه. والجمهور منعوا صحة هذا الحديث بالكلية، ثم دلالته على ما قالوه، والبحث فيه طويل. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٦) [الأحزاب: ١٦] هذا كقوله- : ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (٧٨) [النساء: ٧٨] و ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٥٤) / [١٦٠ أ/م]) [آل عمران: ١٥٤] الآيتين على ما مر.

стр. 502

﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١) [الأحزاب: ٢١] يحتج بها على التأسي به في أفعاله، ثم اختلف في فعله ﷺ فقيل: يقتضي الوجوب/ [٣٣٥ ل]، وقيل: الندب، وقيل: الإباحة، والصحيح أن ما كان عاديا كالأكل والشرب والجماع فللإباحة، وهيئاته للندب كالأكل مستوفزا غير متكئ، والشرب في ثلاثة أنفاس، وما كان وجه القربة، فإن وقع بيانا لمجمل فحكمه حكم المبين، وإن لم يقع بيانا فإن صرح بحكمه وجوبا أو ندبا أو غيره، أو دل عليه قرينة فهو ذاك، وإلا فالإباحة متيقنة، والندب والوجوب في محل الإجمال موقوف على البيان. احتج من قال بأن فعله للوجوب مطلقا بقوله- : ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١) [الأحزاب: ٢١] فإنه جار مجرى الوعيد على ترك التأسي به وذلك يقتضي وجوب التأسي به. واعلم أن الاستدلال بهذه الآية على التأسي مبني على أن الآية في نفسها عامة، ثم على أن الاعتبار في العام بعموم لفظه لا بخصوص سببه؛ لأن هذه الآية إنما وردت على سبب خاص، وهو اعتزال المنافقين القتال في غزوة الأحزاب مع مباشرة النبي ﷺ لها، فقيل لهم: هلا تأسيتم برسول الله في لقاء العدو، فلقد كان لكم فيه أسوة، ألا تراه يقول: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً (٢٠) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١) [الأحزاب: ٢٠ - ٢١] وما قيل ذلك يدل على هذا من تقاعد المنافقين وأراجيفهم، لكن الأصلان ممنوعان، أما عموم الآية فلأن ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١) مطلق لا عام، إذ هي نكرة في سياق إثبات، والمطلق تتأدى وظيفة العمل به في صورة ما، وقد تأسى به الناس في الإيمان والإسلام وكثير من الأحكام، فلم يبق في الآية ما يقتضي وجوب التأسي به في عموم الأفعال، وأما اعتبار عموم اللفظ دون خصوص السبب ففيه من الخلاف مع المالكية وغيرهم ما قد عرف وسبقت إليه الإشارة.

стр. 503

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣) [الأحزاب: ٣٣] تتعلق به الشيعة [أخزاهم الله] على عائشة رضى الله عنها، يقولون: أمرت أن تقر في بيتها فخالفت وخرجت إلى تفريق المؤمنين وقتال علي بالبصرة، حتى قتل بسببها من قتل وهم نحو عشرين ألفا. والجمهور أجابوا بأنها خرجت/ [١٦٠ ب/م] مصلحة للفساد مطفئة للثائرة مجتهدة في ذلك، فهي لا تنفك من أجر أصاب اجتهادها أو أخطأ. قوله- : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣) [الأحزاب: ٣٣] احتج بها الشيعة على أن أهل البيت معصومون، ثم على أن إجماعهم حجة. أما أنهم معصومون فلأنهم طهروا وأذهب الرجس عنهم، وكل من كان كذلك فهو معصوم، أما الأولى/ [٣٣٦ ل] فلنص هذه الآية، وأما الثانية فلأن الرجس اسم جامع لكل شر ونقص، والخطأ وعدم العصمة بالجملة شر ونقص، فيكون ذلك مندرجا تحت عموم الرجس الذاهب عنهم، فتكون الإصابة في القول والفعل والاعتقاد والعصمة بالجملة ثابتا لهم. وأيضا فلأن الله- -طهرهم وأكد تطهيرهم بالمصدر حيث قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣) [الأحزاب: ٣٣] أي: ويطهركم من الرجس وغيره تطهيرا، وهو يقتضي عموم تطهيرهم من كل ما ينبغي التطهير منه عرفا أو عقلا أو شرعا، والخطأ وعدم العصمة داخل تحت ذلك، فيكونون مطهرين منه، ويلزم من ذلك عموم إصابتهم وعصمتهم، ثم أكدوا دليل عصمتهم من الكتاب بالسنة في علي وحده، وفي فاطمة وحدها، وفي جميعهم. أما دليل العصمة [في علي] فيما ثبت أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن قاضيا قال: يا رسول الله، كيف تبعثني قاضيا ولا علم لي بالقضاء؟ قال: «اذهب فإن الله سيهدي قلبك

стр. 504

ويسدد لسانك» ثم ضرب صدره وقال: «اللهم اهد قلبه وسدد لسانه» (١) قالوا: قد دعا له بهداية القلب وسداد اللسان، وأخبره بأن سيكونان له، ودعاؤه مستجاب وخبره حق وصدق، ونحن لا نعني بالعصمة إلا هداية القلب للحق ونطق اللسان بالصدق، فمن كان عنده للعصمة معنى غير هذا أو ما يلازمه فليذكره. وأما دليل العصمة في فاطمة-﵂-فكقوله- ﷺ : «فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» (٢) والنبي ﷺ -معصوم فبضعته أي جزؤه والقطعة منه يجب أن تكون معصومة. وأما دليل العصمة في جميعهم-أعني عليا وفاطمة وولديهما فلقوله- ﷺ : «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (٣) رواه الترمذي، ووجه دلالته أنه لازم/ [١٦١ أ/م] بين أهل بيته والقرآن المعصوم، وما لازم فهو معصوم، قالوا: وإذا ثبت عصمة أهل البيت وجب أن يكون إجماعهم حجة لامتناع الخطأ والرجس عنهم بشهادة المعصوم، وإلا لزم وقوع الخطأ فيه وإنه محال. واعترض الجمهور بأن قالوا: لا نسلم أن أهل البيت في الآية هم من ذكرتم، بل هم نساء النبي ﷺ بدليل سياقها وانتظام ما استدللتم به معه، فإن الله- -قال: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٣٢) [الأحزاب: ٣٢]، ثم استطردها إلى أن قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾

стр. 505

﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (٣٤) / [٣٣٧ ل]) [الأحزاب: ٣٣ - ٣٤]، فخطاب نساء النبي ﷺ مكتنفا لذكر أهل البيت قبله وبعده منتظما له، فاقتضى أنهن المراد به، وحينئذ لا يكون لكم في الآية متعلق أصلا، ويسقط الاستدلال بها بالكلية، سلمناه لكن لا نسلم أن المراد بالرجس ما ذكرتم، بل المراد به رجس الكفر أو نحوه من المسميات الخاصة، وأما ما أكدتم به عصمتهم من السنة فأخبار آحاد لا يقولون بها مع أن دلالتها ضعيفة. وأجابت الشيعة بأن قالوا: الدليل على أن أهل البيت في الآية هم من ذكرنا النص والإجماع، أما النص فما ثبت عن النبي ﷺ أنه بقي بعد نزول هذه الآية ستة أشهر يمر وقت صلاة الفجر على بيت فاطمة فينادي: «الصلاة يا أهل البيت ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣) [الأحزاب: ٣٣] رواه الترمذي وغيره، (١) وهو تفسير منه لأهل البيت بفاطمة ومن في بيتها، وهو نص، وأنص منه حديث أم سلمة أنه ﷺ أرسل خلف فاطمة وعلي ولديهما، فجاءوا فأدخلهم تحت الكساء ثم جعل يقول: «اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي، اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي» (٢) وفي رواية: «حامتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول [الله]، ألست من أهل بيتك؟ قال: «أنت إلى خير» (٣) رواه أحمد وهو نص في أهل البيت وظاهر في أن نساءه «أنت إلى خير» [رواه أحمد] ولم يقل: بلى أنت منهم. وأما الإجماع فلأن الأمة اتفقت على أن لفظ أهل البيت إذا أطلق إنما ينصرف إلى من ذكرناه دون النساء، ولو لم يكن إلا شهرته فيهم كفى، وإذا ثبت بما ذكرنا من النص

стр. 506

والإجماع أن أهل البيت علي وزوجته وولداه فما استدللتم به من سياق الآية ونظمه على خلافه لا يعارضه؛ لأنه مجمل الأمرين/ [١٦١ ب/م]، وقصاراه أنه ظاهر فيما ادعيتم؛ لكن الظاهر لا يعارض النص والإجماع، ثم إن الكلام العربي يدخله الاستطراد والاعتراض وهو تخلل الجمل الأجنبية بين الكلام المنتظم المتناسب، كقوله- : ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣٤) [النمل: ٣٤] فقوله: ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣٤) [النمل: ٣٤] جملة معترضة من جهة الله- / [٣٣٨ ل] بين كلام بلقيس، وقوله- : ﴿*فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (٧٧) [الواقعة: ٧٥ - ٧٧] أي فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم، وما بينهما اعتراض على اعتراض، وهو كثير في القرآن وغيره من الكلام العربي، فلم لا يجوز أن يكون قوله- : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣) [الأحزاب: ٣٣] جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي ﷺ على هذا النهج؟ وحينئذ يضعف اعتراضكم بمرة. وأما الرجس فإنما يجوز حمله على الكفر أو على مسمى خاص لو كان له معهود، لكن لا معهود له، فوجب حمله على عمومه، إذ هو اسم جنس معرف باللام وهو من أدوات العموم. وأما ما ذكرناه من أخبار الآحاد فإنما أكدنا به دليل الكتاب، ثم هي لازمة لكم فنحن أوردناها إلزاما لا استدلالا. واعلم أن الآية ليست نصا ولا قاطعا في عصمة أهل البيت، وإنما قصاراها أنها ظاهرة في ذلك بطريق الاستدلال الذي حكيناه عنهم.

стр. 507

فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥) [الأحزاب: ٣٥] يحتج به على إن الإناث لا يدخلن في جمع المذكر السالم، وإلا لكان والمسلمات تكرارا، ولأنه حكي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، ما بال النساء لا يذكرن مع الرجال؟ أو كما قالت، فنزلت هذه الآية، ففهمت أم سلمة أن صيغة المذكر لا تتناول الإناث، وأقرت على ذلك ووافقها التنزيل فدل على ما قلنا. وتفصيل المسألة أن اللفظ المختص بأحد القبيلين لا يتناول غيره كالرجال والذكور وكالنساء والإناث، واللفظ الموضوع لهما يتناولهما كلفظ من، واختلف في نحو المؤمنين والمسلمين، هل تتناول الإناث ما لم يدل على قرينة؟ على قولين؛ أحدهما: لا، لما ذكرنا، وكما لا يتناول نحو المسلمات والمؤمنات الذكور. والثاني نعم، لأن أكثر خطاب القرآن بهذه الصيغة والحكم فيها يتناول النساء. وأجيب عنه بأن ذلك إن ثبت فهو بطريق التغليب لا بالوضع، والنزاع إنما هو فيه لا في دلالة القرائن، وأما لفظ القوم فهل يختص الرجال أو يتناول القبيلين؟ فيه خلاف موضع ذكره/ [١٦٢ أ/م] في سورة الحجرات، إن شاء الله . ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (٣٩) [الأحزاب: ٣٨ - ٣٩] قال بعضهم: هذا تعريض من الله- -برسوله ﷺ حيث قال له: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (٣٧) / [٣٣٩ ل]) [الأحزاب: ٣٧] كأنه قال: لم تفعل ذلك، وهلا تكون كهؤلاء الذين يبلغون، ولا يخشون أحدا إلا الله. وجوابه: أن المعلوم من هذا الكلام: أنه مدح لهؤلاء الرسل وثناء عليهم، وأما كونه تضمن تعريضا بالنبي ﷺ فغير معلوم، وبتقدير أن الأمر كذلك [لا يضر]، إذ لا قدح بذلك في منصب ولا عصمة، والله- -له التصرف في عباده، رسلا كانوا أو

стр. 508

غيرهم، بالفعل والقول، تصريحا وتعريضا، وإشارة وكناية وكيف شاء. ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٤٠) [الأحزاب: ٤٠] احتج به الحجاج على أن الحسن والحسين ليسا ابني رسول الله ﷺ ، ولا يرد عليه قوله ﷺ للحسن: «إن ابني هذا سيد» (١)؛ لأن إثبات بنوته مجاز، باعتبار أنه سبطه ومن ذريته، وسلب الآية ثبوت بنين النبي ﷺ كإبراهيم والقاسم والطيب؛ لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال، والآية إنما سلبت أبوته عن الرجال، وعند التحقيق فالآية ما سيقت لهذا، إنما المراد منها نفي أبوته الحقيقية عن زيد بن حارثة؛ لأنه لما تبناه ثم تزوج امرأته، أرجف به المنافقون، وقالوا: تزوج امرأة ابنه، وذلك حرام في دينه؛ فعرفوا أنه ليس ابنه لصلبه، والمحرم إنما هي زوجة ابنه لصلبه، كما صرح به في سورة النساء. والدليل على أن الحسن من ذرية النبي نص القرآن على أن المسيح من ذرية إبراهيم، مع أنه إنما ينتسب إليه من جهة أمه مريم في قوله- : ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٨٤) [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿وَعِيسى، ﴾ ونسبة الحسن إلى النبي ﷺ نسبة المسيح إلى إبراهيم فكان من ذريته. ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٤٠) [الأحزاب: ٤٠] تضمنت هذه الجملة إثبات رسالته ﷺ وموضع تقريره سورة الفتح إن شاء الله- -وأنه خاتم النبيين أي: لا نبي بعدي» (٢). والدليل عليه هذا النص المعصوم، وقوله ﷺ «أنا خاتم النبيبن لا نبي بعدي» (٢). فإن قيل: هذا إثبات الدعوى/ [١٦٢ ب/م] بنفسها فهل من دليل عليها غير ذلك، [فإن اليهود والنصارى كل واحد من الفريقين يدعي أن نبيه خاتم النبيين لا نبي بعده، وقد ظهر كذبهم عندكم فبما تنفصلون أنتم عمن يلزمكم ما لزمهم، وهؤلاء الفلاسفة يدعون قدم العالم ودوامه، وأن النبوات لا تنقطع بل هي متصلة مستمرة بحسب الحاجة إليها في

стр. 509

كل حين. والجواب: أن معتمدنا في أن محمدا خاتم النبيين لا نبي بعده، إنما هو السمع؛ إذ العقل لا يمنع من ذلك، غير] أن السمع الذي هو معتمدنا، ينتهي إلى دليل العقل، وتقريره: أن القرآن دل دليل النبوة-وهو المعجز النبوي-على أنه كلام الله- ، ودل السمع والعقل على أن كلام الله- -حق وصدق، لا يلحقه باطل ولا كذب / [٣٤٠ ل]، وقد صرح بأنه خاتم النبيين الذي لا نبي بعده، فوجب القطع بصحته بهذا الدليل الذي بذاته السمع وغايته العقل، [ولم يثبت لنا مثل هذا الدليل على ما ادعته اليهود والنصارى في أن لا نبي بعد نبيهم، بل الواقع كذبهم بظهور محمد ﷺ نبيا بعد المسيح، والمسيح بعد موسى، وأما الفلاسفة فدعواهم مبنية على قدم العالم أو أبديته، فإن كان صاحب هذا السؤال منهم ناظرناه في ذلك الأصل كما سبق، وإن كان من غيرهم؛ فقد اتفقنا وإياه على بطلان قولهم، وزال السؤال واندفع الإشكال. فإن قيل: قد اعترفتم أن العقل لا يمنع من تجدد النبوة، ثم زعمتم أن دليلكم على عدم تجددها ينتهي إلى العقل، فلزم أن العقل يمنع من تجددها ولا يمنع معا، وهو تناقض. قلنا: ليس تناقضا، لأن الذي يمنعه وقوع النبوة فيما بعد، والذي لا يمنعه جواز وقوعها، ولا تناقض بينهما، ولا يلزم من نفي الوقوع نفي الجواز]. ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ (٤٤) [الأحزاب: ٤٤] يحتج به الجمهور على رؤية الله- -في الآخرة، بناء على أن اللقاء يقتضي الرؤية لغة أو عرفا، وقد سبق. ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ (٤٦) [الأحزاب: ٤٦] يحتمل أمرين: أحدهما: تصديقه ﷺ في الرسالة وأنه إنما دعا إلى الله- -بإذن الله [لا فضوليا ولا متقولا]، فيكون من باب إثبات الرسالة. ويحتمل أن المراد: وداعيا إلى الله، ثم لا يصل أحد إليه إلا بإذنه، أو لا يهتدي بدعائك أحد إلا بإذنه، كقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٦) [المائدة: ١٦] فيحتج به على القدرية في أن أحدا لا يستقل بالهداية بدون إذن الله- .

стр. 510

غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣) [الأحزاب: ٥٣] أي غير منتظرين نضجه وفراغه، وهذا أدل للمعتزلة على/ [١٦٣ أ/م] مطلوبهم من قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣٥) [النمل: ٣٥] على ما ذكر هناك. ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٥٦) [الأحزاب: ٥٦]، يحتج بها على استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا على ما سبق، وجوابه في سورة الحج عند: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (١٨) [الحج: ١٨]. وفى المسألة خلاف، والأشبه الجواز إذا لم يورث لبسا أو خللا في الكلام يخل بالإفهام. ويحتج بها أيضا على جواز ما يفعله بعض الناس عقب الصلاة من قوله: السّلام عليك يا رسول الله جهرا أو خفية، مشيرا بإصبعه، أو غير مشير، لأن الله- -عطف الأمر بالسلام عليه على الأمر بالصلاة عليه، فكما كانت الصلاة عليه مشروعة في الأحوال المذكورة، كذلك السّلام عليه، خلافا لمن منع ذلك وأغلظ فيه. ويحتج بها على أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة للأمر بها المقتضي للوجوب، ثم هل وجوبها على العين أو الكفاية فيه نظر، والأشبه على الأعيان؛ لأن الصلاة عليه جرت مجرى العظيم له والتوقير، وذلك فرض العين، ثم إذا وجبت على العين خرج تكرارها على أن الأمر يقتضي التكرار أم لا؟ ، والأشبه أنه لا يقتضيه؛ فيخرج المكلف عن عهدة وجوبها عليه بالصلاة عليه مرة في عمره.

стр. 511

مُهِيناً (٥٧) [الأحزاب: ٥٧] ههنا كلام للشيعة نرغب عن ذكره لصعوبته. ﴿* لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٦٠) [الأحزاب: ٦٠] يحتمل أن يكون ذلك الإغراء بالأمر التكليفي، ويحتمل أن يكون بالأمر التكويني، وهو خلق دواعي حربهم في قلبه، فيجليهم عن المدينة. ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (٦٢) [الأحزاب: ٦٢] يحتج به على اطراد العادات، لأن السنة هي الطريقة والعادة، وقد نفى أن تتبدل، وهو المراد من اطرادها. ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (٦٧) [الأحزاب: ٦٧] أي/ [٣٤١ ل] بالإغواء والكسب عند الجمهور، وبالخلق عند المعتزلة. ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (٧٢) [الأحزاب: ٧٢] قيل: كان إشارة إلى أن الظلم والجهل غريزة في طبيعة الإنسان كالشيء المتقادم في معدنه [وكذلك هي في صفات الله- -نحو ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٧٣) [الأحزاب: ٧٣] إشارة إلى أنها في معاني قديمة، لم تفارق ذاته]. ...

стр. 512

القول في سورة سبأ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٣) [سبأ: ٣]، فيه إنكار البعث من الكفار، وإثباته عليهم بقوله: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]. وبيانه: أنه عالم بكل شيء، فهو يعلم أجزاء الموتى المنحلة إليها أجسادهم، ثم إذا أراد بعثهم/ [١٦٣ ب/م] ضم تلك الأجزاء بعضها إلى بعض، فعادوا كما كانوا أول مرة. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤) [سبأ: ٤] بيان لغاية البعث وعلته الحكيمة، وحكمته العلية، فإذا مبنى البعث على العلم لجمع الأجزاء والقدرة لنظمها وتأليفها كما كانت. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٧) [سبأ: ٧] هذا إنكار آخر منهم استغنى عن جوابه بجواب الأول. ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ (٨) [سبأ: ٨] احتج به الجاحظ على أن بين الصدق والكذب واسطة، وهى الجنة التي ادعوها، إذ ليست صدقا قطعا ولا كذبا لمقابلتها الكذب، فلزم أنها واسطة بينهما لا صدقا ولا كذبا، وقد اختلف في الصدق والكذب؛ فقيل: هما الخبر المطابق واللا مطابق مطلقا فعلى هذا لا واسطة بينهما؛ لأن الخبر إن طابق فصدق، وإلا فكذب، وقيل: إن طابق فصدق وإن لم يطابق، فإن علم المتكلم بعدم مطابقته فكذب، وإن لم يعلم فخطأ لا كذب، وهذا الاصطلاح وعليه الآية، لأنهم نسبوه إلى أنه أخطأ في إخباره عن البعث عن غير عمد للكذب فصار في خطئه كذي الجنة، لا يدري ما يقول.

стр. 513

ابتداء، أو بنار كامنة فيه، أو بتغليب الجزء المائي عليه ونحوه والكل ممكن. [وعند الاتحادية أنه سرى بذاته في الجبال والطير، وسبح منها نفسه كما مر]. ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١٣) [سبأ: ١٣] يحتج به على أن الشكر بالعمل والحمد بالقول بدليل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣) [النمل: ٩٣] وقيل: الشكر الاعتراف بالنعمة، وضده الكفر. والحمد: الثناء على الحي بأوصافه الجميلة وضده الذم. ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٠) [سبأ: ٢٠] يعني قوله: ﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٦٢) [الإسراء: ٦٢] ودلت هذه الآية على أنه قال ذلك ظنا وحسدا، وهو شأنه وشأن كل مخلوق، إذ لا يعلم الغيب إلا الله- / [٣٤٢ ل]. ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٢١) [سبأ: ٢١] أي من قوة وتصرف يجبرهم به على المعصية، إنما كان يدعوهم ويوسوس لهم، وهو موافق لقوله: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٢) [إبراهيم: ٢٢]، ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٢١) [سبأ: ٢١] أي لنعلم العلم [العام] المشترك بيننا وبينهم، الذي تلزمهم به الحجة في ظاهرة العدل، وإلا فالله- -لم يزل عالما بالمؤمن من غيره قبل خلقهم/ [١٦٤ أ/م] لكن علما اختص به لا تلزمهم به الحجة في

стр. 514

ظاهر العدل، وإن لزمتهم به في باطن العدل، كما قالته الجبرية، إذا الله- -غير متهم على خلقه. ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٢١) [سبأ: ٢١] اعلم أن المكلف إما مصدق بالآخرة جازم أو مكذب بها جازم أو شاك فيها متردد، وهو ملحق بالمكذب، لأن الإيمان هو التصديق الجازم والشك والتردد ينافي الجزم. ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢٥) [سبأ: ٢٥] هذا وعيدي محكم. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) [سبأ: ٢٨] قيل: معناه للناس كافة، ففيه التصريح بعموم الدعوة وقيل: كافا لهم عن الشرك والشر، والتاء للمبالغة مثلها في: علامة ونسابة وداهية. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٤٠) [سبأ: ٤٠]، تقتضي أن الجن ليسوا من الملائكة، وإلا كان ذلك ضعفا في حجة الملائكة، إذ ينفون المعبودية عنهم ويضيفونها إلى طائفة منهم، ويتبع هذا أن إبليس من الجن، لا من الملائكة كما سبق. ...

стр. 515

القول في سورة الملائكة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) [فاطر: ١] دليل على عصمتهم إذ لا يؤمن على الوحي يبلغه إلا معصوم. ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) [فاطر: ١] هذا خرق لعادة الناس، فبين أن ذلك زيادة في الخلق، وأنه إلى اختياره ومشيئته، فقال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) [فاطر: ١]. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣) [فاطر: ٣] من أدلة التوحيد كما سبق. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ (٨) [فاطر: ٨] يحتج به الجمهور كما سبق ودل على أنه هو الذي يزين للمجرم سوء عمله، في قوله- ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ (٨) [فاطر: ٨] إلى ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ (٩) [فاطر: ٩] إثبات للبعث والمعاد بالقياس على إحياء الأرض بالمطر والنبات. ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠) [فاطر: ١٠] يحتج به أصحاب الجهة؛ لأن حقيقة الصعود إلى فوق، وقد بينه النبي ﷺ بقوله: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم الحديث، وينتظم الدليل هكذا الأعمال تصعد إلى [الله، والأعمال تصعد إلى] فوق، فالله في جهة فوق. وأجيب/ [٣٤٣ ل] عنه بما سبق من أن الصعود والفوقية معنويان لا حسيان، وإلا لزم التحيز والجسمية.

стр. 516

﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١١) [فاطر: ١١] احتج به المعتزلة على أن القاتل يقطع حياة المقتول، وينقص من عمره، وقد دلت هذه الآية على جوازه وإليه وإلى نحوه الإشارة بها كالطبيب يسيء تدبير مزاج المريض، فيقتله ونحو ذلك. وجوابه أن الأجل/ [١٦٤ ب/م] والعمر لا ينقص عما في علم الله- -لما مر من النصوص عليه نحو: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤٩) [يونس: ٤٩]، ومعنى هذه الآية، ما يعمر من معمر، ولا ينقص غيره عن عمره بأن يعيش المعمر مائة سنة، وينقص آخر من عمر ذلك المعمر فيعيش خمسين، وقيل: ينقص الإنسان من عمره بالنسبة إلى بنيته الصالحة لتعميره أكثر من ذلك مثل أن يعيش خمسين وبنيته وتركيبه يصلح لتعمير مائة، وقيل غير ذلك، وبالجملة ليست نصا فيما قالوه، فلا تعارض النصوص فيما قلناه. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٣٢) [فاطر: ٣٢] إن قيل: كيف يكون المصطفى ظالما؟ قيل: إنما يمتنع ذلك في شخص واحد من وجه واحد، والمصطفى هاهنا أمة متعددة الأفراد، فاصطفاؤها من حيث جملتها وظلمها من جهة أفرادها، وذلك لا يمتنع. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٣٢) [فاطر: ٣٢]، أي: بإرادته، ويحتج به الجمهور في أن إذن الله وإرادته وعلمه وقدرته هي المؤثرة في السبق والظلم والاقتصاد والشقوة والسعادة، وأن الإنسان لا يستقل بشيء من ذلك. ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ (٣٥) [فاطر: ٣٥] يحتج به على أن دخول الجنة بفضل من الله- -لا عوض عن الطاعات. ...

стр. 517

القول في سورة يس ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) [يس: ٣] إثبات لرسالته ﷺ وبرهانها يأتي إن شاء الله . ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (٦) [يس: ٦] احتج بها بعض النصارى على اختصاص رسالة محمد بالعرب؛ لأنهم هم الذين لم ينذر آباؤهم، أما بنو إسرائيل من اليهود والنصارى فقد أنذر آباؤهم بالرسل والكتب، فليس هو مرسلا إليهم. والجواب أن المراد ما أنذر آباؤهم [بالرسل والكتب] في الفترة، وهى ما بين عيسى ومحمد؛ فيعم الأمم كلها ثم هذا [الاستدلال] بمفهوم ضعيف؛ فلا يعارض النصوص على عموم دعوته، وأيضا من سلم أنه رسول إلى العرب لزمه تصديقه في دعوى عموم الرسالة والدعوة. ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٧) [يس: ٧] يعني القول المذكورين/ [٣٤٤ ل] في قوله: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢) وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٣) [يس: ١٢، ١٣]، ولما حق القول القديم عليهم بذلك وجب تحقيقه عند وجودهم بإجبارهم على المراد منهم بخلق الدواعي والصوارف في قلوبهم الموجبة لذلك، وإليها الإشارة بالأغلال في أعناقهم والسد من بين أيديهم ومن خلفهم ومن أراد أن ينظر إلى عظمة الله- / [١٦٥ أ/م] فلينظر إلى هذا حيث جبر خلقه على ما يريد منهم، بحيث لا خروج لهم عنه ولا خلاص لهم منه، ثم هو يحاكمهم إلى عقولهم فتقضي عقولهم عليهم، ما ذاك إلا لأن الخلق عبيده والعقول خلقه وجنوده، فلم يجعل في فطرها إلا ما عليه فطرها، وهو القضاء على ذويها بحكم كسبها الظاهر، وعدم إقامة عذرهم بالجبر الإلهي الباطن، فلله فيهم الإرادة الغالبة وعليهم الحجة البالغة. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ (٢٣) [يس: ٢٣] استدلال على التوحيد، وتقريره هكذا: لا شيء من الآلهة بنافذ الإرادة، والإله الحق نافذ الإرادة، فلا شيء من الآلهة بإله حق. ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٣٢) [يس: ٣٢] هذا إثبات للبعث.

стр. 518

﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٣٧) [يس: ٣٧] إشارة إلى دليل البعث المذكور قبلها، وهو الدليل المشهور في قياس البعث على إحياء الأرض. وكذلك ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٣٧) [يس: ٣٧] حجة على البعث؛ لأن الليل مظلم كثيف كالعظام البالية مظلمة، لعدم الحياة، كثيفة لتمحض طبيعة الأرض فيها، ثم إن النهار مشرق لطيف، كالجسم الحي مشرق بنور الحياة، لطيف بما فيه من العنصر المائي اللطيف ثم لما كان سلخ النهار من الليل ممكنا، فكذلك إخراج الأجساد الحية من العظام البالية، ثم ذكر مع هاتين الحجتين على البعث حججا أخر على وجود الصانع لمن ينكره، وهي جريان الشمس لمستقر لها، وتقدير القمر منازل، وحمل الناس في الفلك المشحون وتقريره: أن هذه أفعال وآثار عظيمة؛ فتستدعي مؤثرا قطعا، ثم يستدل على قدمه ووحدانيته كما سبق. ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (٤٩) [يس: ٤٩] الآيات فيهن إثبات البعث ونفخ الصور ونحوه. من أحكام الآخرة. ﴿* أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦٠) [يس: ٦٠] أي تطيعوه، وفيه إشارة إلى أن العبادة هي الطاعة، وهى كذلك، غير أنها في العرف العام هي الطاعة على جهة الذل والخضوع. ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٢) [يس: ٦٢] يعني بالإغواء والوسوسة، إذ لم يكن له عليهم سلطان إلا أن دعاهم فاستجابوا له، فبقيت الأفعال مترددة بين الله- -بالخلق، والعباد بالكسب. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٦٥) [يس: ٦٥] / [٣٤٥ ل] هذا من خوارق العادات في الآخرة؛ لأن العادة اطردت اليوم بظهور الكلام من فم وشفتين ولسان ومخارج وأسنان، فإذا سمع العقل بصدور كلام على غير هذه الصفة استغربه، وحقيقة الكلام إنما [هي صوت] مفهم خارج من / [١٦٥ ب/م] جسم، وهو من اليد والرجل وسائر الأعضاء ممكن، قريب بأن يخلق فيها الصوت المفهم، وقد يمكن أن ينقل الفم إلى اليد؛ فتنطق به، وهل اختصاص الفم بالوجه إلا عادة اطردت، وإلا فنسبته من حيث هو إلى سائر الأعضاء واحدة.

стр. 519

٦٦]، يقطع مادة الروح الباصر عنها، أو بالتحام الجفنين أو غير ذلك. ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٦٧) [يس: ٦٧] بسلب الحياة والرطوبة من أجسادهم، فتتمخض طبيعة الأرض فيها فيعودون جمادا. ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦٩) [يس: ٦٩] يعني صيانة لمعجز القرآن أن ينسب إلى الشعر، فتمكن الشبهة وتضعف الحجة، وهو من باب ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨] وعلى هذا اختلف فيما ورد عن النبي [من قوله]: «أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب» (١) وقوله: «هل أنت إلا إصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت» (٢) وقوله: «إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما» (٣) وقوله: «اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا» (٤) فمن أهل العلم من قال: هذا رجز، وحكم بأن الرجز ليس بشعر، طردا ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦٩) [يس: ٦٩] ومنهم من سلم أن الرجز شعر، وهو مذهب الخليل والأكثرين، ولكن أجابوا بوجوه: أحدها: أن هذا كلام موزون كان يصدر عنه اتفاقا لا قصدا لوزنه، ويسمى انسجاما

стр. 520

لجودة القريحة وكمال الفطرة، وقد وقع مثله في القرآن كثير، نحو ﴿*نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤٩) [الحجر: ٤٩]، وفى كلام الناس قول بعض المرضى لأهله: اذهبوا بي إلى الطبيب، وقولوا قد اكتوى. ويحكى أن جماعة من الشعراء جاءوا إلى منزل أوس بن حجر ليشاعروه؛ فخرجت إليهم بنت له صغيرة، فقالت: ما تريدون من أبي، قالوا: جئنا لشاعره؛ فقالت: تجمعتم من كل أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد فعادوا مغلوبين، وهذا شعر جيد متين صدر عنها انسجاما، ما لم تقصده، فهذا سبيل ما صدر عنه ﷺ من الرجز على قلته وندوره. والوجه الثاني: أن الشعر هو ما سمي به الإنسان شاعرا، وهو نظم القصيد المتعدد الأبيات اللازم للوزن والروي، ويطرد ذلك من صاحبه [٣٤٦ ل] وليس كذلك ما صدر عنه ﷺ فإن مجموع ما صدر عنه من ذلك هذا الذي أوردناه لا نحفظ عنه غيره، وهو أبيات رجزية، فاذة في أغراض مختلفة. الثالث: أنهم أوردوا/ [١٦٦ أ/م] الكلام المذكور عنه بتحريك أواخره، أو سكونها ليخرج عن حد النظم إلى حد النثر؛ فقالوا: أنا النبي لا كذب، بفتح الباء أنا ابن عبد المطلب بكسرها، وكذلك دميت ولقيت بسكون التاء فيهما، وما عدا هذين البيتين فمسموع قبله لغيره، فقوله: «إن تغفر اللهم» البيت محفوظ عن زيد بن عمرو بن نفيل، أو عن أمية بن أبي الصلت، وقوله: لولا أنت ما اهتدينا، محفوظ عن عامر بن الأكوع رجزية في طريقهم إلى خيبر، وحينئذ يكون النبي ﷺ حاكيا له متمثلا به لا منشئا له، كما كان يتمثل بقول طرفة: ويأتيك من لم تزود بالأخبار، وبكسره هكذا تحقيقا لقوله : ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦٩) [يس: ٦٩] وكذا قوله: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» وهو نثر لا نظم، وربما قال: فاغفر للمهاجرين والأنصار».

стр. 521

النار» (١)، فنزلت هذه الآيات مشتملة على جملة من أدلة البعث أحدها هذا وهو قياس الإعادة على الإبداء أي الذي ابتدأها، أولا يعيدها ثانيا بجامع الإمكان والقدرة التامة، وقد سبق هذا. ثم احتجت النصارى بهذه الآية على إلهية المسيح إلزاما للمسلمين، وتقريره: أن المسيح أحيا العظام وهي رميم، وكل من أحيا العظام وهي رميم فهو الذي أنشأها أول مرة، فالمسيح هو الذي أنشأها أول مرة، أما الأولى فلنصوص القرآن والإنجيل إجماع الملتين على أن المسيح [أحيا الموتى، وأما الثانية فلهذه الآية إذ اقتضت أن لا محيي للعظام إلا منشئها أول مرة؛ فثبت أن المسيح] منشئ العظام أول مرة، ومنشئ العظام أول مرة هو الله فالمسيح هو الله، وهذه شبهة روجوها هكذا والغلط فيها واضح، فإن قولهم: المسيح أحيا العظام وهي رميم، إن أرادوا أنه أحياها مستقلا بإحيائها، فهو ممنوع، وإن أرادوا أنه أحياها بإذن الله كما صرح به القرآن، فإن أخذوا المقدمة الأخرى مقيدة بهذا القيد منعناها أيضا، وإن أخذوها بدونه لم يتحد الأوسط/ [٣٤٧ ل] في القياس، فلا تنتج، إذا يصير هكذا: المسيح أحياها بإذن الله، وكل من أحياها مطلقا هو الذي أنشأها، فالوسط كما تراه غير متحد، ثم ما ذكروه معارض بأن الله يحيي العظام/ [١٦٦ ب/ل] مستقلا بإحيائها والمسيح أحياها غير مستقل بإحيائها، فالله غير المسيح فالمسيح غير الله، أو نقول المسيح أحياها بإذن الله، ولا أحد ممن أحياها بإذن الله بإله؛ فالمسيح ليس بإله، أما الأولى فلنص كتابنا ونص الإنجيل أنه كان إذا أراد إحياء ميت صلى ودعا وبكى وخضع، وذلك دليل على عدم استقلاله بذلك بدون إذن الله، وأما الثانية؛ فلأن الحاجة إلى الإذن دليل على قصور في القدرة، ولا أحد ممن هو قاصر القدرة بإله فهذا هو البرهان الواضح لا ما روجوه وغالطوا فيه. ثم قوله- : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٩) [يس: ٧٩]، إشارة إلى ما ذكرناه في قوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي﴾

стр. 522

﴿الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٣) [٣] في سبأ. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٨٠) [يس: ٨٠] تضمنت الدليل الثاني على البعث، وبيانه أن الذي أحاله منكر. والبعث هو إخراج الجسم الحي المشتمل على الحرارة والرطوبة من عظم نخر، قد استولت عليه طبيعة التراب الباردة اليابسة، وذلك إخراج ضد من ضد وإيجاد طبع الحياة من طبع الموت، وأنه محال فيما زعموا فقيل لهم: هذا الشجر الأخضر الرطب قد أخرجنا لكم منه نارا في غاية اليبوسة، أنتم تستخرجونها بأيديكم من المرخ والعفار وغيرهما من الأشجار وهو إخراج يابس من رطب وضد من ضد؛ فإذا جاز إخراج يابس الناس من رطب الشجر، فلم لا يجوز إخراج رطب الحي من يابس العظم النخر؟ فإما أن تأتوا بفرق صحيح بين الصورتين ولن تجدوا، أو تمنعوا الجواز في الصورتين ولن تستطيعوا لثبوته عيانا في إخراج النار من الشجر أو تسلموا الجواز في الصورتين وهو المطلوب. فإن قال قائل: إن إخراج الجسم الرطب الحي من العظم اليابس، محال لاحتياج الجسم إلى الرطوبة وهي معدومة في العظم الترابي اليابس بخلاف إخراج النار من الشجر الأخضر لجواز كمون النار في الشجر لغلبة العنصر الناري عليه، فتقاوم رطوبة الشجرة ما يقابلها من النار وتبقى بقية النار لا معارض لها تخرج عند استخراجها بالقدح، ومثل هذا التوجيه لا يتأتى في إخراج الحي من العظم فظهر الفرق [٣٤٨ ل]. فالجواب أن الاحتياج لم يقع على توجيه إخراج الحي من العظم [الميت] بالتوجيه الطبيعي الذي ذكرتموه، حتى يصح مقتضى هذا الفرق، وإنما وضع على جواز إخراج الضد الطبيعي من ضده على مشترك بين الصورتين، إذ إخراج اليابس/ [١٦٧ أ/م] من الرطب، وإخراج الرطب من اليابس كلاهما يجمعه إخراج ضد من ضد. أما توجيه حصول الرطوبة للجسم، فذاك ثبت بدليل آخر، وهو أنه ممكن، وكل ممكن مقدور، وبيان إمكانه أنه يجوز أن تستخرج له رطوبية مائية في الأرض، أو تمطر عليه من السماء، أو تخترع له اختراعا، وقد ورد أن الأرض تمطر عند إرادة البعث أربعين يوما مطرا كمني الرجال. وحينئذ لا يبعد أن تجعل في الأرض حرارة كحرارة الرحم يتولد منها، ومن ذلك الماء الغليظ اللزج ما تقوم به الأجسام حية، ثم هذا البذر يقع يابسا في أرض يابسة فتهتز بعد أيام خضراء يعصر فيخرج منه الماء، فمن أين ذلك؟

стр. 523

والجواب مشترك، أما قولكم لجواز كمون النار في الشجر: فالكمون عندنا باطل، وأنتم عند المحاقة لا تقدرون على إثباته، فإنا لو قطعنا شجرة النار وشرحناها بأبلغ ما يكون ما وجدنا للنار أثرا لا عيانا ولا لمسا ولا غيره، وإنما النار يخلقها الله- عند القدح، وغاية ذلك أن يكون اختصاص هذه الشجرة بإخراج النار منها طبيعة مناسبة للنار لكن ذلك لا يدل على كمون النار فيها على أن في كل شجر نارا، فلا اختصاص لبعضه دون بعض بذلك، وإنما هو كما قلنا مخترع عند استخراجه. قوله: لغلبة الجزء الناري عليه، قلنا: العنصر الناري الكامن في الشجرة إما فاسد الصورة أو موجود الصورة؛ فإن كان فاسد الصورة فليس ذلك بنار كالعنصر الناري في الإنسان لا يسمى نارا موقدة ولا يوقد منها. وإن كان موجود الصورة قائمها، فإما أن يكون غالبا للجزء المائي، أو مغلوبا له أو مكافئا مقاوما، فإن كان غالبا له، وجب أن يحرقه ثم يستولي على أثره في الشجرة، وهو رطوبتها فيذهبها ثم على جرم الشجرة فيحرقها بالكلية، والعيان بخلافة، وإن كان مغلوبا للمائي وجب أن ينطفئ لغلبة المائي عليه. وحينئذ [يجب] أن لا تخرج النار من الشجرة بالقدح والاستخراج، والعيان بخلافه، وإن كان مكافئا مقاوما، وجب إذا شرحنا الشجرة أن نحسه عيانا، أو لمسا/ [٣٤٩ ل] لأن الفرض أن صورته النارية قائمة لا فاسدة والعيان خلافه، فهذه الأقسام حاصرة وكلها باطلة، فبطل قولكم بكمون النار في الشجر لغلبة العنصر الناري عليه، ثم قوله: تبقى بقية النار لا معارض لها يخرج عند استخراجها، قلنا: إن بقيت فاسدة الصورة، فليست بنار، وإن بقيت بصورتها النارية، وجب أن تحرق ما تلاقيه من أجزاء الشجرة/ [١٦٧/م] إذ الفرض أنه لا معارض لها، فتبين بطلان الفرق المذكور من كل وجه. ثم إن المزاج هو كيفية متوسطة حاصلة عن تفاعل العناصر بعضها في بعض وإذا تفاعلت كسر كل منها صورة الآخر وذهبت صورته بالكلية، ففرض كمون أحد العناصر بصورته في الجسم محال، نارا كان ذلك أو غيره. وإنما أطلنا الكلام هاهنا لوجهين: أحدهما: لئلا يظن ظان أن الفرق المذكور مؤثر، فلا يثق بدليل القرآن، الثاني: الإعلام بأن براهين القرآن بعد كل سؤال وجواب وتشكيك من ذي ارتياب تظهر أنها قوية متينة واضحة سالمة عن المبطلات، مستولية بالإبطال على الشبهات.

стр. 524

الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١) [يس: ٨١] تضمن الدليل الثالث على البعث، وقد سبق، وتقريره: أن خلق السماوات والأرض أعظم من إعادتهم يعني منكري البعث، والقادر على الأعظم هو على الأيسر أقدر، أو يقال: إعادتهم أهون من خلق السماوات والأرض، فهو قادر عليها بطريق أولى، ودليل ذلك النص النظر، أما النص فقوله- : ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٧) [غافر: ٥٧] وأما النظر فلأن الإنسان عالم صغير والسماوات والأرض هما العالم الأكبر، أعظم من الأصغر، كما أن الأصغر أيسر من الأكبر، ومن أتقن علم الهيئة والطب بحيث يقف على عجائب أشكال الأفلاك ودوائرها، وبدائع عجائبها وأجناس ما في السماوات والأرض وأنواعها وأصنافها وأشخاصها علم أن في ذلك من الحكمة وبديع الصنعة أضعاف ما في بدن الإنسان من الحكمة التي عرفت بالتشريح. ثم إنه- -لما قرر أدلة البعث، ذكر مستندها جملة وهو عموم القدرة على جميع الممكنات فقال: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٨٢) [يس: ٨٢] أي، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إلى غيره من الآلات/ [٣٤٩ ل] والعلاجات. وربما قال قائل: إنما دل هذا الدليل على أنه قادر على أن يخلق مثل الناس، وهو ابتداء خلق والنزاع في الإعادة لا في ابتداء الخلق، فيقال: لعله نبه بهذا على أنه على الإعادة أقدر، إذ قد تقرر في سورة الروم وغيرها أن الإعادة أهون من الابتداء، أو يكون مراده بيخلق مثلهم يعيدهم مثل ما كانوا، والأمر قريب، والله- -أعلم بالصواب. ...

стр. 525

القول في سورة الصافات ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ (٥) [الصافات: ٤، ٥] احتجاج على/ [١٦٨ أ/م] الوحدانية أي أن رب هذا الملك لا ينبغي أن يكون إلا واحدا بدليل التمانع السابق ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ (٧) [الصافات: ٧] الآيات فيها إثبات الشياطين واستراقهم السمع ورميهم بالشهب. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (١٦) [الصافات: ١٦] فيه إنكار البعث من الكفار. ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (١٩) [الصافات: ١٩] إشارة إلى نفخة البعث في الصور. ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٧) [الصافات: ٣٧] إثبات لنبوته ﷺ وتصديقه الرسل في التوحيد. ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ (٣٨) [الصافات: ٣٨] إلى ﴿فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (٧٠) [الصافات: ٧٠] متضمن لإثبات العذاب والنعيم الحسيين خلافا للفلاسفة والنصارى. ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (٦٤) [الصافات: ٦٢ - ٦٤] وجه الفتنة فيها أنهم قالوا: النار تأكل الشجر، فلا تبقى شجرة الزقوم فيها؛ فكذبوا بها، وإنما فتنهم الارتباط بالمعتاد، والآخرة تنخرق فيها العادات. ﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ (٩٦) [الصافات: ٩٥ - ٩٦] تنازع الفريقان في هذا؛ فالجمهور قالوا: معناه والله خلقكم وعملكم، وجعلوا ما مصدرية؛ فتدل على أن أعمالهم مخلوقة لله . والمعتزلة قالوا: [معناه] خلقكم والذي تعملون فيه يعني: الأصنام؛ لأن المعنى عليه، إذ المراد: أن الله خلقكم وخلق معبودكم، ومعبودهم هو الوثن المنحوت المعمول فيه النحت، لا نفس العمل الذي هو النحت، قالوا: ولو كان المراد: خلقكم وأعمالكم، لقالوا لإبراهيم: إذا كان قد خلقنا وأعمالنا فلا لوم علينا في أعمالنا كما لا لوم علينا في ذواتنا

стр. 526

المخلوقة له. والجمهور قالوا: أراد بذلك الإخبار [بعموم إلهيته] وقدرته على العامل وعمله ومحل عمله، حتى لا يخرج عن دائرة قدرته شيء، كما قال: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١٠٢) [الأنعام: ١٠٢] وهم تمسكوا بظاهر اللفظ وعمومه، والمعتزلة تمسكوا بمعناه على ما قلناه، وغايتها/ [٣٥١ ل] أن تكون من متشابه هذا الباب، فيرد إلى محكمه، وهو مع الجمهور كما عرف في مواضعه. ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٩٩) [الصافات: ٩٩] يعارض به نفاة الجهة مثبتيها إذا احتجوا بأن النبي ﷺ عرج به إلى ربه إلى فوق فدل على أنه فوق، قالوا: فقد أخبر إبراهيم أنه ذاهب إلى ربه، ثم ذهب إلى الشام؛ فيلزمكم أنه في الشام. وقد يجاب بأن إبراهيم يظهر من كلامه وحاله أن ذهابه مجاز، وأن مراده: إني ذاهب إلى قدرة ربي [أو رضى] ربي، بخلاف عروج محمد ﷺ فإنه إلى ذات ربه قطعا. ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢) / [١٦٨ ب/م]) [الصافات: ١٠٢] أي إني رأيت، فعبر عن الماضي بالمضارع، ثم تابعه ابنه على ذلك. فقال ﴿اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي ما أمرت ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (١٠٣) [الصافات: ١٠٣]: أي استسلما لأمر الله- -وطاعته ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (١٠٣) [الصافات: ١٠٣] أضجعه للذبح ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٠٥) [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] أي: صدقت فرأى عزمك على ذبح ابنك، وإنما المقصود امتحان صدقك لا ذبحه، وقد حصل ذلك بصدق عزمك ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠٧) [الصافات: ١٠٧] هو كبش هابيل المذكور في قصة ابني آدم في التفسير. واحتج الجمهور بهذه القصة على جواز نسخ الفعل قبل وقوعه؛ لأن إبراهيم-﵇-أمر بذبح ابنه، ثم نسخ عنه قبل أن يفعل، ومنع ذلك المعتزلة. ومأخذ الخلاف نظرا أن مثل هذا الفعل هل له فائدة أم لا؟ فالجمهور قالوا: له فائدة وهي امتحان المكلف بصدق العزم على الامتثال كما كان

стр. 527

من إبراهيم. والمعتزلة قالوا: لا فائدة لذلك؛ إذ حاصله افعل لا تفعل، وهو تهافت، ثم أجابوا عن القصة بوجوه: أحدها: لا نسلم أنه رأى أنه مأمور بذبحه وإنما ظن أن سيرى بدليل قوله: إني أرى وهو مستقبل لا ماض، ولهذا قال ابنه: افعل ما تؤمر بصيغة المستقبل، أي إن أمرت بذبحي كما خطر لك أنه سيكون، فافعل. الثاني: سلمنا أنه أمر بشيء، لكنه لم يؤمر بنفس الذبح بل بمقدماته كأخذ المدية والإضجاع والربط ونحوه، وقد فعل ذلك بدليل: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٠٥) [الصافات: ١٠٥] ولو كان مأمورا بنفس الذبح لما كان صدقها. الثالث: سلمنا أنه أمر بذبحه؛ لكن لا نسلم أنه نسخ قبل فعله، بل فعله، وكان كلما قطع جزءا من عنقه التحم، فلم يفرغ من قطعها حتى التحمت جزءا فجزءا، واعلم أن من تأمل القصة/ [٣٥٢ ل] وسياقها علم بطلان هذه الوجوه بالضرورة واستغنى عن تكلف الجواب، لكن لا بد من جوابها على العادة. والجواب عن الأول ما سبق من استعمال المضارع بمعنى الماضي، والمضارع أريد به الحال لا المستقبل؛ لأنه لما رأى رؤياه في الليل أصبح وهو يتذكرها ويتخيلها في الحال، وهو حال كل ذي رؤيا يذكرها، فلذلك عبر عن الماضي بلفظ الحال، وكذا قول ابنه ﴿يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢) [الصافات: ١٠٢] أي ما أنت مأمور به في الحال؛ لأنه مأمور في الحال بما كان أمر به في الماضي استصحابا لحاله، إذ لم ينسخ عنه بعد، وعن الثاني بأنه خلاف نص قوله: ﴿قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ (١٠٢) [الصافات: ١٠٢] ولم يقل، إني أعزم على ذبحك، ولأنه لو كان مأمورا بمقدمات الذبح لا غير/ [١٦٩ أ/م] لما كان فيه امتحان، ولا بلاء مبين، والنص مصرح بأنه كان بلاء مبينا، وأيضا لما كان فيه مزية لإبراهيم- ﵇-على غيره، إذ صغار الناس إذا علم أنه مأمور بمقدمات ذبح نفسه لا غير، لم يتوقف في فعل ذلك، ورأى أنه مأمور بأنه يلعب. وعن الثالث بأنه لو صح، لكان أولى ما ذكر في القصة هو، إذ هو أعظم وأعجب وأغرب وأتم نعمة على إبراهيم وابنه من الفداء بالكبش، وقد ذكر وعظم إذ قال:

стр. 528

﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠٧) [الصافات: ١٠٧] سلمنا أنه لا يلزم ذكره، لكن لو صح ما ذكرتموه، لما كان للفداء بالكبش معنى؛ لأن معنى الآية: وفديناه من الذبح بذبح عظيم فلو كان قد ذبح كما زعمتم لكان هذا الإخبار غير مطابق. ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١١٢) [الصافات: ١١٢] يحتج به من رأى أن الذبيح إسماعيل، لأنه لما فرغ من قصة الذبيح بشر بإسحاق، وهو يدل على أن الذبيح غيره، وليس إلا إسماعيل وليس بنص، إذا العطف بين القصتين، أعني: قصة الذبح والبشرى بالواو، وهي لا تفيد الترتيب واحتمل أنه بشر بإسحاق أولا ثم أمر بذبحه ثانيا، وقد اختلف الناس في الذبيح، فالمسلمون على أنه إسماعيل، وأهل الكتاب على أنه إسحاق وعن أحمد فيه القولان: احتج الأول بوجوه: أحدها: ما ذكرناه من سياق القصة وهو إن لم يكن نصا فهو ظاهر. الثاني: أن إسماعيل هو أكبرهما؛ [فالظاهر أن] الامتحان كان فيه؛ لأنه الأنفس والأفضل عند الأب عادة. الثالث: قوله: ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (١٠١) / [٣٥٣ ل]) [الصافات: ٩٩ - ١٠١] ثم استطرد قصته دل على أن المذبوح هو أول ما وهب له من الولد وهو إسماعيل، وهذا الوجه كالدليل والمستند للذي قبله وبينهما اشتباه وتغاير. الرابع: قوله: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (١٠١) [الصافات: ١٠١] والأب تظهر أخلاقه في أولاده، والعرب الذين هم بنو إسماعيل أحلم من بني إسرائيل الذين هم بنو إسحاق فالظاهر أن الحليم المأمور بذبحه هو إسماعيل. الخامس: من قوله هاهنا: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢) [الصافات: ١٠٢] مع قوله في الأنبياء: ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (٨٥) [الأنبياء: ٨٥] فوصف بالصبر هنا مبهما، وفى الأنبياء مبينا والمبين يقضي على المجمل المبهم، فالظاهر أن الصابر هناك هو الصابر المذبوح هنا. السادس: قوله ﷺ : «أنا ابن الذبيحين ولا فخر» وهو من ولد إسماعيل لا إسحاق.

стр. 529

السابع: قوله: : ﴿وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٧١) [هود: ٧١] والظاهر أنها بشرت بيعقوب على صفته من أنه [من] ولد إسحاق، ثم لا يخفى مثل ذلك عن/ [١٦٩ ب/م] إبراهيم وحينئذ يكون إسحاق معلوم الحياة إلى أن يولد له بالبشرى الإلهية، ومثل ذلك لا يفيد الامتحان بالأمر بذبحه، لأن من علم قطعا أن ابنه يعيش إلى بعد البلوغ لا يخشى عليه قبل البلوغ من أمر بذبحه، ولا غيره، فتعين إسماعيل للقصة. واحتج الآخرون بقوله- : ﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ (٤٦) [ص: ٤٥ - ٤٦] فذكر إسحاق مع من أخلص بالامتحان؛ ثم قال: ﴿وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ (٤٨) [ص: ٤٨] ولم يذكر ما يقتضي امتحانا فدل على أن الذبيح هو إسحاق، وهذا ليس بشيء وجوابه من وجوه: أحدها: أن ذكره من المخلصين لا يدل على أن إخلاصه بالامتحان بجواز أنه وصف له بالإخلاص في العبادة والطاعة. الثاني: سلمناه لكن لا نسلم أن امتحانه بخصوصية الذبح لجواز أنه امتحن بالعمى كابنه يعقوب، وقد عمي إسحاق فلم يمت إلا مكفوفا أو بغير العمى. الثالث: أن ما ذكرتموه منقوض بيوسف وأيوب وذي النون وداود وموسى، وغيرهم ممن أخلص بالامتحان ولم يذكر هاهنا. الرابع: أن ما ذكرتموه معارض بوصف إسماعيل بالصبر في قوله- : ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (٨٥) [الأنبياء: ٨٥] أي: قد أتى بما يلام عليه يحتج [به من يرى وقوع المعاصي من الأنبياء ولحوق اللائمة لهم على بعض أفعالهم، وقد سبق القول فيه، وأن معاملة الله- -لهم على طريق حسنات الأبرار سيئات المقربين]. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ (١٥٠) [الصافات: ١٤٩ - ١٥٠] إنكار على من زعم أن الملائكة بنات الله وقد سبق.

стр. 530

﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٥٢) [الصافات: ١٥١ - ١٥٢] لاستحالة ذلك في حقه ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١٥٤) [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤] هو كما سبق من قوله- : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧) [النحل: ٥٧] أي كيف هذا الحكم الفاسد يجعلون الأنقص للأكمل وبالعكس والحكم الجيد إذا لم يكن بد من هذا الاعتقاد الرديء خلاف ذلك ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ (٤٠) [الإسراء: ٤٠] ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (٢٢) [النجم: ٢٢]، ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٥٨) [الصافات: ١٥٨] زعموا أن الملائكة، وهذا إنما جاءهم من قبل أنهم تكلموا في الإلهيات بغير دليل شرعي، ولا نظر عقلي، فإن النظر العقلي يفضي إلى بطلان ما قالوه كالفلاسفة لم يقولوا بالشرع، وقد أبطلوا ما زعمه هؤلاء الكفار / [١٧٠ أ/م] إذ النكاح والولادة يستلزم الجسمية، وهي محال في حق القديم الواجب الوجود سبحانه. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٥٨) [الصافات: ١٥٨] أي لعذاب من كفر منهم، ولو كانوا كما زعم الكفار لكانوا صهرا له ونسبا، فلم يعذبهم، أو المراد [أن الكفار] يكذبون على الجن بأنهم أصهار الله- -والجن تعلم كذبهم في ذلك، إذ يعلمون أنه لا نسبة لهم إليه إلا بالعبودية، وأنهم ما بين محضر العذاب يوم القيامة مرحوم. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (١٥٩) [الصافات: ١٥٩] أي تنزه عن قولهم إذ لا يليق به وهو محال في حقه- ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٠) [الصافات: ١٦٠] مستثنى من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٥٨) [الصافات: ١٥٨] أي لمحضرون النار والعذاب إلا المخلصين منهم فلا يعذبون، وهذه قسمة للجن إلى مخلص وغيره كانقسام الإنس إليهما في قوله: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٨٣) [ص: ٨٢ - ٨٣].
следующие страницы →