← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المخلوقة له. والجمهور قالوا: أراد بذلك الإخبار [بعموم إلهيته] وقدرته على العامل وعمله ومحل عمله، حتى لا يخرج عن دائرة قدرته شيء، كما قال: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١٠٢) [الأنعام: ١٠٢] وهم تمسكوا بظاهر اللفظ وعمومه، والمعتزلة تمسكوا بمعناه على ما قلناه، وغايتها/ [٣٥١ ل] أن تكون من متشابه هذا الباب، فيرد إلى محكمه، وهو مع الجمهور كما عرف في مواضعه. ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٩٩) [الصافات: ٩٩] يعارض به نفاة الجهة مثبتيها إذا احتجوا بأن النبي ﷺ عرج به إلى ربه إلى فوق فدل على أنه فوق، قالوا: فقد أخبر إبراهيم أنه ذاهب إلى ربه، ثم ذهب إلى الشام؛ فيلزمكم أنه في الشام. وقد يجاب بأن إبراهيم يظهر من كلامه وحاله أن ذهابه مجاز، وأن مراده: إني ذاهب إلى قدرة ربي [أو رضى] ربي، بخلاف عروج محمد ﷺ فإنه إلى ذات ربه قطعا. ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢) / [١٦٨ ب/م]) [الصافات: ١٠٢] أي إني رأيت، فعبر عن الماضي بالمضارع، ثم تابعه ابنه على ذلك. فقال ﴿اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي ما أمرت ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (١٠٣) [الصافات: ١٠٣]: أي استسلما لأمر الله- -وطاعته ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (١٠٣) [الصافات: ١٠٣] أضجعه للذبح ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٠٥) [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] أي: صدقت فرأى عزمك على ذبح ابنك، وإنما المقصود امتحان صدقك لا ذبحه، وقد حصل ذلك بصدق عزمك ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠٧) [الصافات: ١٠٧] هو كبش هابيل المذكور في قصة ابني آدم في التفسير. واحتج الجمهور بهذه القصة على جواز نسخ الفعل قبل وقوعه؛ لأن إبراهيم-﵇-أمر بذبح ابنه، ثم نسخ عنه قبل أن يفعل، ومنع ذلك المعتزلة. ومأخذ الخلاف نظرا أن مثل هذا الفعل هل له فائدة أم لا؟ فالجمهور قالوا: له فائدة وهي امتحان المكلف بصدق العزم على الامتثال كما كان

стр. 527

من إبراهيم. والمعتزلة قالوا: لا فائدة لذلك؛ إذ حاصله افعل لا تفعل، وهو تهافت، ثم أجابوا عن القصة بوجوه: أحدها: لا نسلم أنه رأى أنه مأمور بذبحه وإنما ظن أن سيرى بدليل قوله: إني أرى وهو مستقبل لا ماض، ولهذا قال ابنه: افعل ما تؤمر بصيغة المستقبل، أي إن أمرت بذبحي كما خطر لك أنه سيكون، فافعل. الثاني: سلمنا أنه أمر بشيء، لكنه لم يؤمر بنفس الذبح بل بمقدماته كأخذ المدية والإضجاع والربط ونحوه، وقد فعل ذلك بدليل: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٠٥) [الصافات: ١٠٥] ولو كان مأمورا بنفس الذبح لما كان صدقها. الثالث: سلمنا أنه أمر بذبحه؛ لكن لا نسلم أنه نسخ قبل فعله، بل فعله، وكان كلما قطع جزءا من عنقه التحم، فلم يفرغ من قطعها حتى التحمت جزءا فجزءا، واعلم أن من تأمل القصة/ [٣٥٢ ل] وسياقها علم بطلان هذه الوجوه بالضرورة واستغنى عن تكلف الجواب، لكن لا بد من جوابها على العادة. والجواب عن الأول ما سبق من استعمال المضارع بمعنى الماضي، والمضارع أريد به الحال لا المستقبل؛ لأنه لما رأى رؤياه في الليل أصبح وهو يتذكرها ويتخيلها في الحال، وهو حال كل ذي رؤيا يذكرها، فلذلك عبر عن الماضي بلفظ الحال، وكذا قول ابنه ﴿يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢) [الصافات: ١٠٢] أي ما أنت مأمور به في الحال؛ لأنه مأمور في الحال بما كان أمر به في الماضي استصحابا لحاله، إذ لم ينسخ عنه بعد، وعن الثاني بأنه خلاف نص قوله: ﴿قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ (١٠٢) [الصافات: ١٠٢] ولم يقل، إني أعزم على ذبحك، ولأنه لو كان مأمورا بمقدمات الذبح لا غير/ [١٦٩ أ/م] لما كان فيه امتحان، ولا بلاء مبين، والنص مصرح بأنه كان بلاء مبينا، وأيضا لما كان فيه مزية لإبراهيم- ﵇-على غيره، إذ صغار الناس إذا علم أنه مأمور بمقدمات ذبح نفسه لا غير، لم يتوقف في فعل ذلك، ورأى أنه مأمور بأنه يلعب. وعن الثالث بأنه لو صح، لكان أولى ما ذكر في القصة هو، إذ هو أعظم وأعجب وأغرب وأتم نعمة على إبراهيم وابنه من الفداء بالكبش، وقد ذكر وعظم إذ قال:

стр. 528

﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠٧) [الصافات: ١٠٧] سلمنا أنه لا يلزم ذكره، لكن لو صح ما ذكرتموه، لما كان للفداء بالكبش معنى؛ لأن معنى الآية: وفديناه من الذبح بذبح عظيم فلو كان قد ذبح كما زعمتم لكان هذا الإخبار غير مطابق. ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١١٢) [الصافات: ١١٢] يحتج به من رأى أن الذبيح إسماعيل، لأنه لما فرغ من قصة الذبيح بشر بإسحاق، وهو يدل على أن الذبيح غيره، وليس إلا إسماعيل وليس بنص، إذا العطف بين القصتين، أعني: قصة الذبح والبشرى بالواو، وهي لا تفيد الترتيب واحتمل أنه بشر بإسحاق أولا ثم أمر بذبحه ثانيا، وقد اختلف الناس في الذبيح، فالمسلمون على أنه إسماعيل، وأهل الكتاب على أنه إسحاق وعن أحمد فيه القولان: احتج الأول بوجوه: أحدها: ما ذكرناه من سياق القصة وهو إن لم يكن نصا فهو ظاهر. الثاني: أن إسماعيل هو أكبرهما؛ [فالظاهر أن] الامتحان كان فيه؛ لأنه الأنفس والأفضل عند الأب عادة. الثالث: قوله: ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (١٠١) / [٣٥٣ ل]) [الصافات: ٩٩ - ١٠١] ثم استطرد قصته دل على أن المذبوح هو أول ما وهب له من الولد وهو إسماعيل، وهذا الوجه كالدليل والمستند للذي قبله وبينهما اشتباه وتغاير. الرابع: قوله: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (١٠١) [الصافات: ١٠١] والأب تظهر أخلاقه في أولاده، والعرب الذين هم بنو إسماعيل أحلم من بني إسرائيل الذين هم بنو إسحاق فالظاهر أن الحليم المأمور بذبحه هو إسماعيل. الخامس: من قوله هاهنا: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢) [الصافات: ١٠٢] مع قوله في الأنبياء: ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (٨٥) [الأنبياء: ٨٥] فوصف بالصبر هنا مبهما، وفى الأنبياء مبينا والمبين يقضي على المجمل المبهم، فالظاهر أن الصابر هناك هو الصابر المذبوح هنا. السادس: قوله ﷺ : «أنا ابن الذبيحين ولا فخر» وهو من ولد إسماعيل لا إسحاق.

стр. 529

السابع: قوله: : ﴿وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٧١) [هود: ٧١] والظاهر أنها بشرت بيعقوب على صفته من أنه [من] ولد إسحاق، ثم لا يخفى مثل ذلك عن/ [١٦٩ ب/م] إبراهيم وحينئذ يكون إسحاق معلوم الحياة إلى أن يولد له بالبشرى الإلهية، ومثل ذلك لا يفيد الامتحان بالأمر بذبحه، لأن من علم قطعا أن ابنه يعيش إلى بعد البلوغ لا يخشى عليه قبل البلوغ من أمر بذبحه، ولا غيره، فتعين إسماعيل للقصة. واحتج الآخرون بقوله- : ﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ (٤٦) [ص: ٤٥ - ٤٦] فذكر إسحاق مع من أخلص بالامتحان؛ ثم قال: ﴿وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ (٤٨) [ص: ٤٨] ولم يذكر ما يقتضي امتحانا فدل على أن الذبيح هو إسحاق، وهذا ليس بشيء وجوابه من وجوه: أحدها: أن ذكره من المخلصين لا يدل على أن إخلاصه بالامتحان بجواز أنه وصف له بالإخلاص في العبادة والطاعة. الثاني: سلمناه لكن لا نسلم أن امتحانه بخصوصية الذبح لجواز أنه امتحن بالعمى كابنه يعقوب، وقد عمي إسحاق فلم يمت إلا مكفوفا أو بغير العمى. الثالث: أن ما ذكرتموه منقوض بيوسف وأيوب وذي النون وداود وموسى، وغيرهم ممن أخلص بالامتحان ولم يذكر هاهنا. الرابع: أن ما ذكرتموه معارض بوصف إسماعيل بالصبر في قوله- : ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (٨٥) [الأنبياء: ٨٥] أي: قد أتى بما يلام عليه يحتج [به من يرى وقوع المعاصي من الأنبياء ولحوق اللائمة لهم على بعض أفعالهم، وقد سبق القول فيه، وأن معاملة الله- -لهم على طريق حسنات الأبرار سيئات المقربين]. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ (١٥٠) [الصافات: ١٤٩ - ١٥٠] إنكار على من زعم أن الملائكة بنات الله وقد سبق.

стр. 530

﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٥٢) [الصافات: ١٥١ - ١٥٢] لاستحالة ذلك في حقه ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١٥٤) [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤] هو كما سبق من قوله- : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧) [النحل: ٥٧] أي كيف هذا الحكم الفاسد يجعلون الأنقص للأكمل وبالعكس والحكم الجيد إذا لم يكن بد من هذا الاعتقاد الرديء خلاف ذلك ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ (٤٠) [الإسراء: ٤٠] ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (٢٢) [النجم: ٢٢]، ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٥٨) [الصافات: ١٥٨] زعموا أن الملائكة، وهذا إنما جاءهم من قبل أنهم تكلموا في الإلهيات بغير دليل شرعي، ولا نظر عقلي، فإن النظر العقلي يفضي إلى بطلان ما قالوه كالفلاسفة لم يقولوا بالشرع، وقد أبطلوا ما زعمه هؤلاء الكفار / [١٧٠ أ/م] إذ النكاح والولادة يستلزم الجسمية، وهي محال في حق القديم الواجب الوجود سبحانه. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٥٨) [الصافات: ١٥٨] أي لعذاب من كفر منهم، ولو كانوا كما زعم الكفار لكانوا صهرا له ونسبا، فلم يعذبهم، أو المراد [أن الكفار] يكذبون على الجن بأنهم أصهار الله- -والجن تعلم كذبهم في ذلك، إذ يعلمون أنه لا نسبة لهم إليه إلا بالعبودية، وأنهم ما بين محضر العذاب يوم القيامة مرحوم. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (١٥٩) [الصافات: ١٥٩] أي تنزه عن قولهم إذ لا يليق به وهو محال في حقه- ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٠) [الصافات: ١٦٠] مستثنى من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٥٨) [الصافات: ١٥٨] أي لمحضرون النار والعذاب إلا المخلصين منهم فلا يعذبون، وهذه قسمة للجن إلى مخلص وغيره كانقسام الإنس إليهما في قوله: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٨٣) [ص: ٨٢ - ٨٣].

стр. 531

﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ (١٦٣) [الصافات: ١٦١ - ١٦٣] يحتج به الجمهور على أن لا فتنة من مخلوق، إذ معنى ذلك أنكم أيها الكفار لا تفتنون أحدا بعبادة معبودكم إلا من سبق عليه القول بأنه يصلى الجحيم، فيكون المؤثر في فتنته إرادة الله- -لا إغواؤكم وفتنتكم أنتم. والمعتزلة يوجهونها على مذهبهم؛ فيقولون معناها: أنكم لا تفتنون من يعبد آلهتكم بل هو يفتن نفسه ويضلها. ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (١٦٤) [الصافات: ١٦٤] هذا حكاية قول الملائكة، وهم متفاوتون في مقاماتهم كالإنس في درجاتهم ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (١٦٣) [آل عمران: ١٦٣] ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٢) [الأنعام: ١٣٢] وقياسا على حاشية الملك مقاماتهم عنده متفاوتة. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (١٦٦) [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] هذا كالتفسير ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا (١) فَالزّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتّالِياتِ ذِكْراً﴾ (٣) في أول السورة، وأنهم الملائكة يصفون أجنحتهم أو أقدامهم ويتلون تسبيح الرب . ...

стр. 532

القول في سورة ص ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ (٤) [ص: ٤] نظيره: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (٢) [يونس: ٢] ووجه عجبهم لزوم الترجيح بلا مرجح في زعمهم، وقد سبق، وجوابه في سورة إبراهيم وغيرها. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ (٥) [ص: ٥] لما ألفت نفوسهم الكثرة نفرت من التوحيد فهم في ذلك على محض التقليد ولو وفقوا لحسن النظر لعلم كل منهم ما يأتي ويذر. ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ (٨) [ص: ٨] هو إلزام الترجيح بلا مرجح بزعمهم، وهو غير لازم وجوابه ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ﴾ (٩) [ص: ٩] / [١٧٠ ب/م] أي أنت خصصت من بينهم [بالنبوة] برحمة ربك. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ﴾ (٩) [ص: ٩] أي أنت خصصت بإنزال الذكر دونهم برحمة الله وإرادته، وهو ذو الملك المتصرف فيه بما يختار، فإن كانوا هم أهل التصرف في الملك أو شركاء صاحب الملك. ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ (١٠) [ص: ١٠] أي في الحبال إليه لينازعوه ملكه، ويحتمل أن الارتقاء في الأسباب مثل ومعناه كمعنى قوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ (٣٩) [المرسلات: ٣٩]، وحاصل الكلام أن اعتراضهم في تخصيصي إياك بالنبوة دونهم شأن منازع لي في ملكي لا شأن من يعترف بأنه عبدي.

стр. 533

فاعِلِينَ (٧٩) [الأنبياء: ٧٩] ﴿*وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١٠) [سبأ: ١٠] وقد سبق توجيه ذلك. ﴿* وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ (٢١) [ص: ٢١] يحتج به على أن أقل الجمع اثنان لأن هذا الخصم كان اثنين، وقد رد إليهم ضمير الجمع؛ فقال: تسوروا. وأجيب بأنه يحتمل كان معهم غيرهم؛ فصاروا جمعا، ويحتمل أن جمع الضمير باعتبار لفظ الخصم، فإنه من المصادر يصدق على القليل والكثير. ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ (٢٢) [ص: ٢٢]، لأنهم دخلوا عليه في غير وقت التحاكم فأنكرهم، ففزع إما لما تخشاه الملوك من غوائل الإنس، أو لما تفرسه وكان يتوقعه من إلزام الحجة له على لسان بعض خلق الله- . ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ قيل حقيقة، وقيل: كنى عن المرأة بالشاة لما ذكر في القصة، وكقوله: يا شاه ما قنص لمن حلت له .... . . وقوله: والشاه ممكنة لمن هو مرتمي .... . . البيتين. ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها﴾ / [٣٥٦ ل] [ص: ٢٣] أي أعطنيها، واجعلني أكفلها ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (٢٣) [ص: ٢٣] أي غلبني، وفى المثل: من [عزيز]، أي: من غلب سلب. ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ (٢٤) [ص: ٢٤] أي علم أننا أصبناه بالمحنة، وألزمناه الحجة. وتلخيص القصة أن داود فيما حكي في السير قال: يا رب نوه بذكري كما نوهت بذكر آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب: فقال له: أولئك ابتليتهم، فصبروا، قال داود: فابتلني حتى أصبر، قال: فاستعد لذلك يوم كذا وقت كذا؛ فلزم داود محرابه في ذلك الوقت محترزا يقرأ في الزبور؛ فبينا هو كذلك، إذ

стр. 534

وقع بين يديه طائر صغير، بديع الخلقة جدا؛ فأعجبه فمد يده ليأخذه لبعض صغار ولده؛ فتأخر الطائر يسيرا؛ فتقدم له داود؛ فتأخر يسيرا، فلم يزل كذلك يستتبع داود مطعما له، حتى صعد سطح المحراب، ثم طار فأتبعه داود بصره؛ فوقعت/ [١٧١ أ/م] عينه على امرأة تغتسل، فأعجبه جمالها، وكان زوجها: أوريا بن حنان في الجهاد؛ فكتب داود إلى أمير الجيش: أن قدم أوريا بن حنان في الجهاد؛ فكتب داود إلى أمير الجيش: أن قدم أوريا بالتابوت، وكان لا يتقدم به أحد، فيرجع إلا مفتوحا عليه أو مستشهدا؛ فقدمه بالتابوت مرارا، ويفتح عليه؛ ثم قتل بعد ذلك، لما ألظ الأمر به؛ فتزوج داود امرأته، وكان له غيرها تسع وتسعون امرأة؛ ولم يكن لأوريا إلا تلك المرأة، فلذلك جاءه الخصمان، فألزماه الحجة على لسانه بقياس جلي واضح. وقد اختلف الناس فمنهم من صحح هذه القصة [وجوز على الأنبياء الكبائر بسببها وما أشبهها]، ومنهم من منع صحتها، لأنه من أخبار القصاص وغبرات أهل الكتاب أهل التحريف والتبديل، وهم لا يرون عصمة الأنبياء؛ فلا يتحاشون من نسبة مثل هذا وأعظم منه إليهم، فقد ذكر في توراتهم على ما شاهدته أن روبيل بن يعقوب وطأ سرية لأبيه فغضب عليه يعقوب، وقال: نجست فراشي وإن بعض كنائن يعقوب وقفت لزوجها في الطريق من حيث لا يعرفها فوطئها، غير عالم أنها زوجته، وأعطاها جديدا من المعز، وإن لوطا لما نجا بابنتيه إلى مغارة في الجبل، قالت إحداهما للأخرى: إن أبانا لا زرع له فهلمي نسقيه خمرا فيواقعنا؛ فيحصل له منا زرع؛ فأسكرتاه فواقعهما فأحبلهما، فكان من ولد إحداهما من ذلك الحمل بنو موات يعني المواتين، وزعموا أن داود من ذلك النسل وحينئذ فلعل هذه القصة في حق داود من أكاذيبهم على الأنبياء فلا يترك لها ما ثبت من دليل عصمتهم، وهذا هو اللائق بحالهم. وإن كان الظاهر من حال داود-﵇-وقوع ذلك منه؛ لأن الذي حكاه ثقات المسلمين، كوهب بن منبه/ [٣٥٧ ل] وكعب الأحبار، وغيرهم، وكانوا أئمة أثباتا نقادا، فلو علموا فيها مغمزا لما حكوها عنه، ولأنه لولا مثل هذه القصة من مثل داود لما بكى ذلك البكاء، وناح ذلك النواح المحكي عنه فالله- -أعلم بحقائق المغيبات بما كان، وما هو آت، وبتقدير صحة القصة يحتج بها على إثبات القياس، إذ حاصلها أنك ما كان لك أن تغلب أوريا على امرأته مع أن لك تسعا وتسعين امرأة كما لم يكن لأحد الخصمين أن يغلب صاحبه على نعجته مع أن له تسعا وتسعين نعجة.

стр. 535

فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) [ص: ٢٦] فيه إشارة إلى أن عصمتهم من وقوع الضلال [لا من جوازه]، وقد سبق له نظائر. ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ﴾ (٣٤) [ص: ٣٤] / [١٧١ ب/م] قيل: هو صخر المارد الذي أخذ خاتمه، وتشكل بشكله، وجلس على سريره؛ فسلب ملكه بسببه مدة، ثم عاد إليه، وقيل: هو ولده الذي حصل له من طوافه على تسعين امرأة في ليلة ثم أشفق عليه من الموت فسلمه إلى الغمام تكفله فقبض ثم ألقي ميتا على سريره. ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٣٥) [ص: ٣٥]. تكلم الناس في هذا فربما ظن قوم أنه [حب للدنيا]، وآخرون أنه استئثار على أبناء الجنس، وآخرون غير ذلك وكله مما لا يليق نسبته إلى سليمان خصوصا مع حكمته، وتمام معرفته بالله- . والأشبه أن ذلك كان أمارة على عناية الله- -به وحظوته عنده، فلذلك سأله، كما قيل: إن سؤال إبراهيم إحياء الموتى كان لكونه أمارة على خلته، أو لأن هذا جرى من سليمان مجرى الاستكثار من فضل الله وبركته، والتخصص بمزيد فضله كما أن أيوب مع كثرة ماله لما أمطر الله عليه جرادا من ذهب جعل يحثي في حجره؛ فلما قيل له: ألم نكثر مالك قال: بلى، يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك. ﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٤٩) [ص: ٤٩] الآيات، فيها إثبات النعيم الحسي، وفيما بعدها من ذكر الحميم والغساق ونحو إثبات العذاب الحسي خلافا للنصارى والفلاسفة كما سبق. ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾ (٥٤) [ص: ٥٤] فيه دوام رزق الجنة وأكلها من غير انقطاع، وأن المعدوم منقطع إذ لا يجوز انقلابه دائما أبدا، واعلم أن المعلوم إما أزلي أبدي، وهو الحق ، أو لا أزلي ولا أبدي كالأعراض تحدث وتفنى على الفور، أو أزلي لا أبدي كعدم العالم، أو أبدي لا أزلي كنعيم الجنة وعذاب النار وأهلهما، والله- -أعلم بالصواب. ...

стр. 536

القول في سورة الزمر ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ (٣) [الزمر: ٢، ٣] فيه الاهتمام بالإخلاص لوصية الله- -رسوله به مع أنه معصوم من الرياء وغيره. ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ (٣) [الزمر: ٣] أي يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى هذا رأي الوثنيين وعبدة الكواكب من الصابئين يحتجون بذلك [تنصلا] من الشرك. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ (٣) [ص: ٣] فإن الله- -إنما يتقرب إليه بعبادته وطاعته من غير واسطة، ثبت ذلك بتواتر الرسل والكتب، ومن ذلك قوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (١٩) [ق: ١٩]. قوله- : ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٤) [الزمر: ٤]، زعم/ [١٧٢ أ/م] أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب «الملل والنحل» له أن الله- -قادر على أن يتخذ ولدا لظاهر هذه الآية، وهو قول شنيع باطل. أما شناعته فلمضارعته النصرانية؛ فإنهم إذا حاجوا في ذلك قالوا: الولد صفة كمال، فانتفاؤه في حق الله- -نقص وامتناعه على الله- -عجز. وأما بطلانه، فلأن ما زعمه إنما يصح أن لو قال: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لولد أو لتزوج ونسل، أو لاتخذ ونحو ذلك، لكنه إنما قال: لاصطفى مما يخلق ما يشاء، [ونحن قد بينا قبل أن الولدية تنافي المخلوقية كما تنافي المملوكية، فلو قدر أنه اتخذ ولدا مما يخلق لم يكن ذلك الولد ولدا، وإنما يكون على جهة التبني، لا على حقيقة البنوة والولدية، فإن زعم هذا القائل أن معنى الآية: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق زوجة، فأولدها ولدا كما قال: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ﴾

стр. 537

لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ (١٧) [الأنبياء: ١٧] أي: زوجة نلهو بها لزمه أن يجيز عليه التزوج والنكاح والنسل ونحوه من لوازم الأجسام، وذلك محال باطل بإجماع، وإنما يصح ذلك على رأي الاتحادية الذين يجيزون عليه الظهور في المظاهر الطبيعية، وابن حزم لا يقول ذلك]، وإن قال: إن الولد الذي يقدر على اتخاذه روحاني لا جسماني كالنور مولود للشمس، والحكمة مولودة للعقل، فلا يلزم التجسيم. قلنا: هذا هو عين مذهب النصارى، فإنهم لما ألزموا ما ألزمت من التجسيم، ادعوا ما ادعيت من الولادة الروحانية، فإن قال: النصارى ادعوا وقوع اتخاذ الولد، وأنا إنما ادعيت القدرة عليه وجوازه؛ قلنا: يلزمك أن مذهب النصارى جائز، وأجمع المسلمون-بل العقلاء- على أنه محال، فقد كنت بدعواك هذه تخالف الشرع، فالآن خالفت الشرع والعقل جميعا، فإن قال: لو لم يقدر على اتخاذ ولد، لكان عاجزا، قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأن اتخاذ الولد عليه محال، والمحال لا يدخل تحت المقدورية أي: لا يقبل تأثير القدرة فيه ليكون عدم تأثيرها فيه عجزا فإن تأثير القدرة في الشيء تارة ينتفي لقصورها عنه وتارة لعدم قبول ذلك الشيء لتأثيرها فيه لعدم إمكانه بوجوب أو امتناع، والعجز هو الأول لا الثاني، وإلا لزمك أن/ [١٧٢ ب/م] تجيز عليه جميع المحالات بعلة أنه لو لم يقدر عليها، لكان عاجزا. [فإن قال: فما معنى قوله: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٤) [الزمر: ٤] إذن قلنا معناه: لو احتاج إلى ولد لاستغنى عنه بمن يختاره من مخلوقيه، كما لو قيل لرجل: لو تزوجت لجاءك ولد يخدمك؛ فقال: لو أردت ولدا يخدمني أو لو احتجت إلى خدمة الولد، لاشتريت بمالي عبيدا يخدموني. وهذا التأويل قريب من ظاهرها جدا، وهو خير من اقتحام الشناعة والمحال. ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٤) [الزمر: ٤] أي: تنزه عن اتخاذ الولد وقوعا وجوازا إذ ﴿هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٤) [الزمر: ٤] أي: أن حكمة الولد التكثر به من قلة أو الاستعانة/ [٣٥٩ ل] به عن غلبة وانقهار، والله- -واحد لا يجوز عليه الكثرة، ولا التكثر؛ قهار لا يلحقه الانقهار، وإذا انتفت حكمة الولد في حقه، وجب انتفاؤه وقوعا وجوازا، إذ ما لا حكمه فيه، لا يجوز وجوده. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا﴾

стр. 538

يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) [الزمر: ٧] احتج به المعتزلة؛ لأن من لا يرضى لهم الكفر، لا يخلقه فيهم، ولا يقدره عليهم، ولا يتسبب إليه بوجه كما أن في الشاهد من لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر لسابق علمه فيهم بالعصمة منه. الثاني: لا يرضى لهم الكفر عبادة وطاعة وقربة، وإن رضيه ابتلاء ومنحة بدليل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥) [الأنبياء: ٣٥]. الثالث: أن لا يرضى معناه: يكره، وكراهته الشيء لا تقتضي عدم فعله بدليل أن الله -خالق عين الكافر، وهو يكرهه، كذلك جاز أن يخلق الكفر وهو يكرهه. ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١٦) [الزمر: ١٦] الكلام كما في ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً﴾ (٥٩) [الإسراء: ٥٩] وقد سبق هناك. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٢) [الزمر: ٢٢] شرح الصدر هو كشف حجاب القلب بما يخلق فيه من براهين الحق ودواعي اتباعه، وهو النور المذكور، وقد أخبر الله- أنه الذي يشرح الصدر، فكذا هو الذي يجعله ضيقا حرجا، بضد ما يشرحه به من الطبع عليه، وخلق ظلمات الشكوك والريب فيه؛ فيقسو عن اتباع الحق. ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ (٢٣) [الزمر: ٢٣]: يشبه، ويصدق بعضه بعضا. ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٢٣) [الزمر: ٢٣] هو يخلق الخوف في قلوبهم، ثم/ [١٧٣ أ/م] يترتب على الخوف الاقشعرار، ثم

стр. 539

لين الجلود والقلوب إلى ذكر الله، كل ذلك بفعل الله- -وإرادته. ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] أضاف هذا الهدى إليه لأنه مرتب على أسباب مخلوقة له. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٢٣) [الزمر: ٢٣] صريح في إضلاله من يشاء؛ بأن يخلق في قلبه ضد ما خلق في قلب المهتدي. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨) [الزمر: ٢٨] قيل: غير مخلوق، وقد سبق القول فيه. ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٩) [الزمر: ٢٩] هو من أدلة التوحيد؛ وبيانه أن التوحيد أصلح للموحد، كما أن المالك الواحد للعبد أصلح له من تعدد الملاك؛ لأن كثرة الأرباب / [٣٦٠ ل] والملاك تتنازع الواحد؛ فيهلك، أو يشقى ويتعب؛ بخلاف الرب الواحد؛ والمالك الواحد، إذ لا تنازع مع الوحدة وهذه المادة شبيهة بمادة ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٢٢) [الأنبياء: ٢٢]. ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣٣) [الزمر: ٣٣] الآيات تنازعها الفريقان: السنة: فزعموا أنها لأبي بكر الصديق؛ لأنه الصديق، والشيعة [لعنهم الله] فزعموا أنها لعلي لأنه عندهم الصديق الأكبر، وأول من أسلم. واعترض الجمهور عليهم بأن في سياق هذا ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٥) [الزمر: ٣٥] وعلي عندكم معصوم، لا سيئة له؛ فليست الآية له، فهي لأبي بكر-﵁، وأجاب الشيعة بأنا قد أثبتنا عصمة علي فيما سبق، والعصمة لا تنافي اليسير من سوء العمل، [بدليل: أن الأنبياء عندكم تجوز عليهم الكبائر والصغائر، و] وقوله- : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٢) [الفتح: ٢]. والجواب مشترك، والحق أن الآية ليست لواحد بعينه، بل هي عامة لكل من اتصف بالصدق والتصديق، بدليل ما اكتنف الآية قبلها وبعدها.

стр. 540

أما قبلها فقوله- : ﴿*فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٣٢) [الزمر: ٣٢] وهو ذم ووعيد عام، ثم قابله بالذي جاء بالصدق وصدق به، وأي صدق وصدق، وهو مقابل لمن كذب وكذب في الآية قبلها، وهو مدح ووعد عام، وأما بعدها، فقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٤) [الزمر: ٣٣ - ٣٤] الآيات بصيغة الجمع المقتضي للعموم، ولا مقتضى لاختصاصها بأحد الرجلين، إلا عصبية الفريقين، نعم هما داخلان تحت الوعد فيها، ومن أحق الناس بها. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ﴾ (٣٧) [الزمر: ٣٦ - ٣٧] صريح في مذهب الجمهور، وتأوله المعتزلة على أنه يهدي بفعل الألطاف، ويضل بمنعها. وقد سبق القول في ذلك. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٣٨) [الزمر: ٣٨] / [١٧٣ ب] هي شبيهة بقول إبراهيم: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٧٣) [الشعراء: ٧٣] وقول صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ (٢٣) [يس: ٢٣] وهو استدلال على التوحيد، ونفي إلهية الشركاء بعدم ملكهم التصرف بالضر والنفع أي: هؤلاء لا تصرف لهم، وكل من لا تصرف له؛ فليس بإله، فهؤلاء ليسوا آلهة.

стр. 541

أنا فلنفسه ومن أضللته فعليها، وهذا محض جور لا تقوم به حجة في حكم العدل، ويجاب بأن جميع ذلك أعني نسبة الضلال إليهم والاحتجاج والوعيد لهم يتعلق بالكسب عن الكسبية وبالخلق على تقدير التفويض عند المجبرة، كما تقرر في مقدمة الكتاب/ [٣٦١ ل]. ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٢) [الزمر: ٤٢] أي: أن الله- -تارة يقبض الأرواح بالكلية، وهو الموت، وتارة تعرج إليه على عزم معاودة البدن، وهو النوم ثم قد يقضي الموت على النائم، فيمسك روحه عنده فيموت، وقد لا يقضي عليه الموت؛ فيرسل روحه إلى جسده؛ فيستيقظ حيا، وهو ضرب من الموت والبعث، يقال: إن النفس تعرج والروح تبقى يتحرك به النائم، فإن قضى عليه الموت نائما قبض الروح إلى النفس، وإلا عاد النفس إلى الروح، وقد سبق نحو هذا في الأنعام. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٢) [الزمر: ٤٢] هو كقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٢٣) [الروم: ٢٣]. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٣) [الزمر: ٤٣] أي: شركاء يرجون شفاعتهم، قل: أتتخذونهم شركاء، وإن كانوا لا يملكون ضرا ولا نفعا، ولا يعقلون شيئا، إذ هم أصنام جماد، فإن قالوا: نعم فقد لزمهم غاية السفه والضلال، وإن قالوا: لا، فقل: فإن شركاءكم كذلك لا يعقلون ولا يملكون فلا تتخذونهم. وهو دليل على التوحيد تلخيصه: أن اتخاذكم لهؤلاء الآلهة، إما مع علمكم بأنهم لا يملكون ولا يعقلون، فهو سفه وضلال، أو مع عدم علمكم بذلك، فقد أعلمناكم فدعوهم ولا تدعوهم آلهة.

стр. 542

أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) [النساء: ٤٨]. وأما في المغفور له؛ فلقوله- : ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾ (٤٨) [النساء: ٤٨] فمن لا يشاء أن يغفر له مخصوص من عموم العباد المغفور لهم هاهنا. فإن قيل: فما فائدة قوله: (جميعا) قلنا: يعني يغفر جميع ما سوى الشرك لمن شاء أن يغفر له، أو جميع الذنوب حتى الشرك بالإيمان. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ (٥٦) [الزمر: ٥٦] زعم أبو عبد الله/ [١٧٤ أ/م] بن حامد: أن لله- -صفة ذاتية تسمى الجنب، كما قال في اليد والوجه، وهو ضعيف جدا، لغلبة المجاز على هذه الكلمة، إذا يقال: طمع فلان في جنب فلان وجانبه، وخذ هذا الدرهم في جنب الله، فإثبات صفة ذاتية بمثل ذلك لا وجه له. ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاِسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٥٩) [الزمر: ٥٩] احتج المعتزلة بهذا، ووجهه أنه- -رد على الكافر قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥٧) [الزمر: ٥٧] بقوله هذا، ومعناه: قد هديتك بمجيء آياتي، فكذبت واستكبرت، فلو كان هو الذي أضله أو منع عنه الهدى لما اتجه هذا التكذيب حتى قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٦٠) [الزمر: ٦٠] أي الذين كذبوا عليه بقولهم: ما هدانا؛ فدل على أنه هداهم/ [٣٦٢ ل]، ولم يضلهم. والجواب: أن الهدى مشترك بين الإرشاد و [بين] العصمة من الضلال بما يخلق في القلوب من موجبات الإيمان، والكافر إنما أنكر الهدى بمعنى الإرشاد، ولا شك في أنه كذب، لأن الله- -قطع الحجة وأوضح المحجة بالإرشاد بالكتب على ألسنة الرسل، وإنما الذي فات الكافر هو الهدى بالمعنى الثاني، فالله- -هداه تكليفا، ولم يهده تكوينا، فلا تناقض، وعدنا إلى قاعدة الكسب والجبر في قيام الحجة على الكافر.

стр. 543

بالإجماع بذات الله وصفاته، ثم اختلف فيه بعد ذلك؛ فطرده الجمهور فيما عدا ذلك، حتى أفعال الناس مخلوقة له، وخصها المعتزلة منه بدليلهم العدلي فيما زعموا. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٦٥) [الزمر: ٦٥] يحتج بظاهره على جواز الشرك من الأنبياء، وإن عصموا من وقوعه، وتأول بعضهم هذه على أن الخطاب فيها له، والمراد أمته، وهو ضعيف؛ لأن قوله- : ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٦) [الزمر: ٦٦] عطف عليه، وهو مراد منه باتفاق فكذا ما قبله يكون مرادا منه. ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٧) [الزمر: ٦٧] اختلف الناس في آيات الصفات مثل هذه في القبضة واليمين، ونحو: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ (٢٧) [الرحمن: ٢٧] ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٦٤) [المائدة: ٦٤] و ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٤٢) [القلم: ٤٢] «يضع الجبار قدمه» (١) «يحمل السماوات على إصبع» (٢) الحديث، ونحو ذلك على أقوال: أحدها: إمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل، وهو مذهب أهل الحديث. الثاني: حملها على ظاهرها في التشبيه وصرحوا به، وهو قول الكرامية، ورد عليهم ب ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١] وباستحالة

стр. 544

التجسيم على القديم. الثالث: حملها على صفات لله- -حقيقة مقولة على صفات المخلوقين/ [١٧٤/م] بالاشتراك اللفظي، [اللهم كأنهم] قالوا: لله يد هي صفة لائقة به لا تشبه يدنا، ولنا يد هي هذه الجارحة مستحيلة في حقه . وهو محكي عن الظاهرية، وإليه يرجع المذهب الأول. الرابع: تأويل ما أوهم منها التشبيه على ما يزيل تلك الشناعة مما يحتمله اللفظ في كلام العرب، وهو مذهب الأشعرية، ومن وافقهم. الخامس: أن اللفظ إن ظهر منه إرادة الحقيقة حمل عليها على المذهب الأول، أو إرادة المجاز حمل عليه كلفظ الجنب، «وقلب المؤمن بين إصبعين» (١) و «الحجر يمين الله في الأرض» (٢) ونحوه، وإن لم يظهر منه أحدهما اجتهد فيه المجتهد في الأصول، وقلد فيه المقلد، والأشبه الأخذ بالمذهب الثالث. ولعلك تقول: هل يجوز التقليد في أصول الدين حتى يقول: وقلد فيه المقلد؟ فنقول: نعم. وتحرير ذلك أن مسائل الشريعة إما/ [٣٦٣ ل] ظني كالفقهيات، أو علمي قاطع كالتوحيد والنبوات، أو واسطة بينهما، كهذه المسائل الدائرة بين أهل الحديث والمعتزلة والجهمية ونحوهم، فهذه ارتفع دليلها عن القسم الأول، وانحط عن القسم الثاني، لكن تعارضت فيها الشبه وتصادمت الحجج؛ فجاز فيها التقليد للعامي، ولم يسغ فيها التكفير، والله- -أعلم بالصواب. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٦٨) [الزمر: ٦٨] هذه نفخ الصعق ونفخة البعث، وقبلها نفخة الفزع المذكورة في سورة النمل، فهي ثلاث نفخات، وهذا من أحكام اليوم الآخر ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ﴾ قيل: من في الجنة، وقيل: بعضه الملائكة.

стр. 545

﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٦٩) [الزمر: ٦٩] إن قيل: ما يمنعها الآن أن تشرق به؟ قيل: دون أنواره الخاصة حجاب العزة، بدليل قوله ﷺ : «حجابه النور لو كشف عنه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (١) أو كما قال. ويوم القيامة يكشف هذا الحجاب؛ فتشرق الأرض بنور رب الأرباب. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٧١) [الزمر: ٧١] احتج عليهم بالعدل، واحتجوا بالجبر، فلم ينفعهم لما قررناه في سورة يس. ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٥) [الزمر: ٧٥] هذا يمنع من تأويل العرش على الملك على ما زعمه قوم. ...

стр. 546

القول في سورة غافر ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ (٤) [غافر: ٤] فيه ذم الجدال بالباطل، إذ المراد يجادل في آيات الله ليبطلها، كما قال بعد: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ (٥) [غافر: ٥]. ﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ (٦) [غافر: ٦] أي: وجبت ولزمهم/ [١٧٥ أ/م] حكمها مع تعلق العلم والإرادة بكفرهم، ويلزم الجبر. واعلم أن الجبر على ضربين: جبر محسوس، كمن يقبض على أطواق شخص ويجره إلى الدار، وجبر معقول كمن يزين له دخولها بما يخيله إليه من الأسباب المقتضية لذلك، أو يجذبه إلى ذلك بجاذب حالي نفساني، ونحوه. والضرب الأول من الجبر مجمع على عدمه في أحكام القدر، وإنما النزاع في الضرب الثاني فالجبرية أثبتوه، والمعتزلة نفوه. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ (٧) [غافر: ٧] احتج بها من فضل مؤمني البشر على الملائكة؛ لأنهم لم يستغفروا لهم إلا وقد علموا أنهم أشق عملا وأفضل منزلة. وقال بعضهم: بل الملائكة أتقياء، فتقواهم حملتهم على الاستغفار للمؤمنين، جبرا لما وقع منهم في حقهم بقولهم في البدء: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٠) [البقرة: ٣٠] وهذه كلمة استرسلت على جميع أفراد بني آدم/ [٣٦٤ ل]، فالكافر ونحوه وقعت منه موقعها، والمؤمن لم تقع منه موقعها؛ فرأوها غيبة أو قذفا؛ فاستدركوها بالاستغفار لهم، وهذا حكم من اغتاب شخصا أو قذفه أو يعرفه ما قال فيه، ويستوهب منه، فإن لم يمكنه تعريفه استغفر له حتى يعلم أنه قد

стр. 547

تدارك أمره معه. فإن قيل: فما يمنع الملائكة أن تستوهب ذلك من بني آدم؟ قيل: لأنهم من أركان الإيمان، وهم غيب، فلو ظهروا ليستوهبوا صار الإيمان بهم وبسائر أركان الإيمان ضروريا، وبطلت فائدة التكليف؛ فلذلك عدلوا إلى التدارك بالاستغفار. ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١١) [غافر: ١١] سبق ذكره في أوائل البقرة عند: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨]. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ (١٥) [غافر: ١٥] يحتج بظاهره مثبتو الجهة حملا له على الرفعة الحسية بدليل اقترانه بذكر العرش، وتأوله الآخرون على الرفعة المعنوية]. ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ (١٥) [غافر: ١٥] فيها إثبات النبوات على ما تقرر في نظيرها في أول النحل. ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٧) [غافر: ١٧] يحتج به المعتزلة، ويجيب الجمهور بما قبله، وهو ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٧) [غافر: ١٧] فلا ظلم عليهم إذ هم مجزيون على كسبهم. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ (١٨) [غافر: ١٨] احتج به المعتزلة في إنكار الشفاعة؛ للمذنبين لعموم لفظ الظالمين. وأجيب بأن المراد الكفار؛ بدليل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٥٤) [البقرة: ٢٥٤]، ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣) [لقمان: ١٣]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ﴾

стр. 548

قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) [الرعد: ٦] أي كفرهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٨٢) [الأنعام: ٨٢] أي: كفر ونحوه، لا الظالمون من أهل الإيمان، فإذن / [١٧٥ ب/م] احتجاجهم بعام مخصوص، أو أريد به الخصوص، وهو غالب ما يعتمدون عليه في هذه المسألة، ونحوها من السمعيات. ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ (٢٨) [غافر: ٢٨] احتجت بها الشيعة على جواز التقية؛ لأن هذا المؤمن استعملها، وقد أثنى الله- عليه ومدحه، وعلى أن أبا طالب كان مؤمنا، لكنه استعمل التقية مع قريش في نصرة محمد ﷺ كما استعملها هذا المؤمن في نصرة موسى، وقد سبق المسألتان في موضعهما من آل عمران والقصص. ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ (٢٨) [غافر: ٢٨] يحتج بها على أن لا واسطة بين الصدق والكذب؛ لأنه احتج عليهم بالسبر والتقسيم، ولو كان هناك واسطة لما كان تقسيمه حاصرا، ولكانت حجته فاسدة، لكن القرآن، يقتضي صحتها، فيكون التقسيم حاصرا، فلا يكون بين الصدق والكذب واسطة، وقد سبق تفصيل هذا في أول سورة سبأ، والمراد هنا بالصدق والكذب مطلق المطابقة، وإلا مطابقة من غير تقييد، فمن ثم انتفت الواسطة. ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ (٣٧) [غافر: ٣٧] / [٣٦٥ ل] على ما لم يسم فاعله يحتج بها الجبرية. ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ (٣٨) [غافر: ٣٨] دعاهم إلى التوحيد، والإيمان بالله واليوم الآخر، وإلى الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، على ما هو ظاهر في كلامه.

стр. 549

﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ (٤٦) [غافر: ٤٥ - ٤٦] أي: في البرزخ، ويستدل به على عذاب القبر؛ بدليل: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ (٤٦) [غافر: ٤٦] فإنه يقتضي أن عرضهم على النار غدوا وعشيا قبل يوم القيامة، وليس ذلك في الدنيا فتعين أنه في البرزخ، وهو ما بينهما. ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ (٥٢) [غافر: ٥٢] يحتج به المعتزلة، إذ لو كانت أعمالهم مخلوقة لله- -لنفعتهم معذرتهم بأن يقولوا: خلقت فينا ما لا خروج لنا عنه، فكنا مجبورين فعلام تعذبنا؟ وجوابه ما سبق من أن جبره إياهم جبر معقول يدركه ولا تنكره العقول، فعقولهم تقضي عليهم باللائمة بحسب كسبهم ولا يعذرهم بجبرهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥٦) [غافر: ٥٦] فيها وفى نظيرتها قبل بقليل دليل على ذم الجدال بغير علم وبغير الحق، وأن ذلك إما عن جهل أو/ [١٧٦ أ/م] عناد واستكبار. ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٧) [غافر: ٥٧] مع قوله بعد: ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٩) [غافر: ٥٩] إشارة إلى دليل البعث والمعاد، وينتظم هكذا: إعادة الناس أهون من ابتداء خلقهم، وابتداء خلقهم أهون من خلق السماوات والأرض، فإعادتهم أهون من خلق السماوات والأرض، فهو عليها أقدر. أو هكذا: خلق السماوات أكبر من خلقكم وخلقكم أكبر من إعادتكم، فخلق السماوات أكبر من إعادتكم، فالقادر عليه يكون عليها أقدر، وقد سبق هذا في آخر سورة يس وغيرها.

стр. 550

عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) [البقرة: ١٨٦]، ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ (٦٠) [غافر: ٦٠] ظاهر في تسمية الدعاء عبادة، وأن الاستكبار عنه حرام، إذ فيه إظهار الاستغناء عن الله- -وفى الحديث: «الدعاء مخ العبادة» (١) وذلك لأنه إنما يكون عن محض التوحيد. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٦٢) [غافر: ٦٢] يحتج به الجمهور كما سبق في آخر الزمر وغيره. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٦٧) [غافر: ٦٧] إلى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦٨) [غافر: ٦٨] احتجاج على البعث والإعادة بقياس الابتداء كما في أول الحج. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٠) [غافر: ٦٩ - ٧٠] الآيات منطبقة على الفلاسفة، صادقة عليهم، إما بخصوصهم/ [٣٦٦ ل]، أو في عموم مدلولها؛ لأن الفلاسفة بنوا أمرهم على أن البرهان العقلي لا يعارضه شيء، ثم تسامحوا حتى عدوا ما ليس ببرهان برهانا، إما وهما منهم أو هوى، أو عصبية، أو غير ذلك، فإذا قرروا شبهة هي عندهم برهان؛ جادلوا بها الكتب المنزلة على الأنبياء، إما بالتكذيب المحض، أو بالتأويل الباطل، فإذا سمعوا الكتب تثبت الصفات لله، تأولوها على أن مقاصدها ثابتة له لذاته؛ لئلا يلزم تعدد القدماء، ويتأولون الملائكة على قوى الأفلاك ونحوها، والرسل على قوم حكماء، ذوي سياسة ونفوس قوية، تنفعل لها العنصريات يضعون قوانين حافظة لنظام

стр. 551

العالم، وأنها دائمة أبدا بدوام العالم أبدا لا تنقطع، وكلما دثرت ملة ظهرت أخرى. [وإذ سمعوا من يقول: إن محمدا خاتم النبيين لا نبي بعده، سخروا من عقله، كما حكي عن بعضهم أنه رأى الناس يركضون عند إقامة الجمعة، ليدركوها، فوقف متعجبا يقول: سبحان الله، ما فعل هذا العربي بالناس؟ يعني النبي ﷺ نسبة إلى العرب-إنما يستخف عقول الناس حتى أجابوه إلى مثل هذه الخفة/ [١٧٦ ب/م]: زعم. ويتأولون المعاد على الروحاني دون الجسماني، ويثبتون قدم العالم، وأنه أزلي أبدي، وأن الله- -إنما يفعل بالطبع والإيجاب، لا بالقدرة والاختيار، وغير ذلك من أصولهم، كقولهم: ] إن النعيم والعذاب فيما بعد الموت عقلي لا حسي، كل ذلك على خلاف ما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب. وإذا تأدبوا مع الشرائع تأولوا نصوصها على ما يوافق أصولهم، ثم لا يبالون كان التأويل قريبا من الظاهر، أو بعيدا جدا شبيها بالتلاعب، كقول بعضهم في عصا موسى: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (٤٥) [الشعراء: ٤٥]-: إنه كناية عن حجته غلبت حجة فرعون وقومه، وفى انفجار اثنتي عشرة عينا من الحجر، إنه إشارة إلى منافذ الإنسان كعينيه وأذنيه ومنخريه وفمه وقبله ودبره وسرته، وليت شعري هذه عشر فأين الآخران؟ ! ! وأشباه ذلك من تلاعبهم، فالآية بالضرورة صادقة عليهم مع نظرائهم من المشركين.

стр. 552

اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) [غافر: ٧٨] فرأيته ضحك حتى رأيت أسنانه، فترددت في النوم في ضحكه: هل هو استقصار لعلمي أو لأني تحريت الصدق، ولم أعد الحق وهذا هو أظهر الاحتمالين، ثم لما استيقظت نظرت / [٣٦٧ ل] في تأويل هذه الرؤيا، فذكر فيها بعض المعبرين أن من رأى المسيح في النوم، فقدر له الاشتغال بالطب في ذلك العام برز فيه، فشرعت من حينئذ في قراءة القانون في الطب، فقرأت فيه يومين أو ثلاثة، ثم لم يقدر لي الاستمرار. ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٧٨) [غافر: ٧٨] سبق نظيرها والكلام فيه. ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٨٣) [غافر: ٨٣] إشارة إلى أنه لا ينبغي لأحد أن/ [١٧٧ أ/م] يعارض علم الرسل بغيره، فإنه حينئذ كمن يعارض طب بقراط وجالينوس بطب العجائز، بل أسخف عقلا وأضعف رأيا؛ إذ الأنبياء يستندون في علمهم إلى كشف عياني مستند إلى قدرة وعلم رباني، وهذا المعارض له بعلمه مستند إلى عقله وفهمه، وأين عقل الإنسان الضعيف من علم الحكيم اللطيف. ...

стр. 553

القول في سورة فصلت ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) [فصلت: ٦، ٧] يحتج بها على أن الكفار مكلفون بفروع الدين، لأنه ذمهم وتوعدهم على منع الزكاة وهي فرع، كما توعدهم على الشرك وترك الإيمان، وهو أصل فدل على أنهم مكلفون بهما، إذ ما لا مدخل له في العلة لا يعلل به، وما ليس بواجب لا يتوعد على تركه. احتج الخصم بأنهم لو كلفوا بالفروع لصحت منهم حال الكفر، أو لوجب عليهم قضاؤها بعد الإسلام، واللازم باطل فالملزوم كذلك، بيان الملازمة أنهم لو كلفوا بها لم يكن للتكليف بها بد من فائدة، ولا فائدة إلا صحة أدائها أو وجوب قضائها، بيان انتفاء اللازم الإجماع على أن الأداء لا يصح منهم، والقضاء لا يجب عليهم. وجوابه: أنا لا نسلم انحصار فائدة التكليف بها فيما ذكرتم. بل له فوائد المشهور منها تضعيف العذاب عليهم في الآخرة لأجلها مثل: إن استحق أن يجلد على الكفر سوطين من نار؛ فيجلد عليه وعلى ترك الزكاة ثلاثة أسواط ونحو هذا مثلا، [وبواقي فوائده] ذكرها القرافي في شرحه نحو ثنتي عشرة فائدة، فلتطلب من هناك. وأما عدم صحتها منهم، حال الكفر فلأنها عبادات لا بد فيها من النية، ولا نية لكافر، فانتفاء صحتها منهم لانتفاء شرط الصحة، لا لعدم وجوبها كانتفاء صحة الصلاة من المحدث، وأما عدم وجوب قضائها، فإما لأن القضاء بأمر جديد، ولم يرد في حقهم، أو لأن الإسلام يجب ما قبله، أو لأن الكافر كالميت فالإسلام كابتداء/ [٣٦٨ ل] وجوده وولادته ولا قضاء عليه لما قبل ولادته، أو لئلا ينفر الكفار عن الإسلام لكثرة ما يلزمهم قضاؤه في أزمنة كفرهم المتطاولة، أو لغير ذلك من حكمة الشرع، وفى المسألة أقوال: ثالثها: أن الكفار مكلفون بالنواهي دون الأمر، لصحة الترك منهم لعدم توقفه على النية، دون الفعل لتوقفه عليها وفيه كلام. والطرفان قد وجهناهما. ﴿* قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٩) [فصلت: ٩] الآيات اقتضت أنه خلق السماوات/ [١٧٧ ب/م] والأرض في ثمانية أيام؛ هذين اليومين والأربعة بعدهما، وهو مخالف لباقي النصوص على أنه خلقها في ستة أيام.

стр. 554

والجواب: أن اليومين الأولين داخلان في الأربعة بعدهما، وذلك مع اليومين الآخرين ستة أيام، كأنه قال: خلق الأرض في يومين، وقدّر فيها أقواتها في تمام أربعة أيام، أو في أربعة أيام مع اليومين السابقين. وبعضهم يسمي هذا فذلكة الحساب، مشتق من قولهم مثلا: أضف اثنين إلى اثنين فذلك أربعة، وإنما قلنا ذلك لأن هذه الآية مجملة لاحتمالها إرادة ثمانية أيام، واحتمالها إرادة ستة، وباقي النصوص مبينة ناصة مجمعة على الستة. والقاعدة: حمل المجمل على المبين. ثم تضمنت هذه الآيات خلق الأرض قبل السماء، وفى النازعات ذكر خلق السماء، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ (٣٠) [النازعات: ٣٠]. وجوابه: أنه خلق الأرض غير مدحوة، ثم بنى السماء ثم دحا الأرض، ودحوها غير خلقها إنما كانت كحصير ملفوف، ثم فرش، ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ (٤٨) [الذاريات: ٤٨]. وقد اختلف الناس في أيهما خلقت قبل الأخرى على قولين، أظنهما سبقا. ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ (١١) [فصلت: ١١] ظاهره أنهما نطقا حقيقة بحياة خلقت فيهما، وحمله قوم على مجاز سرعة الإجابة والانقياد للقدرة والإرادة، فكأنهما لذلك مصرحتان بالطاعة. ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (١٤) [فصلت: ١٤] هذه شبهة الكفار على الرسل، وهي لزوم الترجيح بلا مرجح، وقد سبق وجوابه.

стр. 555

﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٣٠) [الإنسان: ٣٠]. ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢١) [فصلت: ٢١] قد سبق في آخر يس الإشارة إلى كيفية إنطاق الجوارح، وقد أحاله هاهنا على مجرد القدرة والحكمة. ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢١) [فصلت: ٢١] عام أريد به الخاص، وهو الأعيان بخلاف الأعراض، فإنها لا يتصور منها النطق/ [١٧٨ أ/م] فلعله أشار إلى كيفية إنطاقها بأنه خلق النطق في الناطق، وذلك يستوي فيه جميع الأعيان من جارحة وغيرها، ونظمه هكذا: الجارحة عين، وكل عين يمكن أن يخلق فيها النطق فتنطق، فالجارحة يمكن أن يخلق فيها النطق فتنطق. ﴿قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢١) [فصلت: ٢١] إن كان هذا من قول الجوارح يوم القيامة-عطفا على: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢١) [فصلت: ٢١] فهو توجيه ثان لإنطاقها، وتقريره: أن إنطاق الجوارح أيسر من خلقها أول مرة، فالقدرة عليه أولى، وإن كان ابتداء كلام من الله- -فهو مع ما بعده دليل على الإعادة بقياس الابتداء، أي: أنه يبعثكم كما خلقكم أول مرة، ثم ترجعون إليه، [وأما على رأي الاتحادية فهو الناطق منها؛ لأنه سار بذاته فيها.] ﴿* وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ (٢٥) [فصلت: ٢٥] يحتج به الجمهور على أن الله- -يضل خلقه بتقدير الأسباب، فإن تقييض القرناء، وهم الشياطين، للتزيين كان مع خلق فيهم من الأكساب الظاهرة، وفى قلوبهم من الدواعي والصوارف، كان علة تامة لضلالهم، وكون القول حق عليهم، وكل ذلك منه لا شيء لهم فيه إلا حركات اكتسابية مقارنة لاختيارات جبرية.

стр. 556

أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) [فصلت: ٢٩] أي تسببا في ضلالنا بالإغواء والوسوسة والمشورة والقدوة. ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ (٣١) [فصلت: ٣١]، أما في الآخرة فبالإكرام والسّلام والخدمة ونحوها، وأما في الدنيا فبلمة الملك المشار إليها في الحديث النبوي: «إن لكل إنسان لمة من الملك ولمة من الشيطان والمعصوم من عصم الله» (١) أو كما قال، وهذا يدل على أن استقامة من استقام في الدنيا بإعانة من الله بتولي الملائكة له، ينفثون في روعه بالخير وتقبيح الشر. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣٣) [فصلت: ٣٣] هذا يدخل فيه الملائكة يدعون الأنبياء إلى الله- -بما يوحون إليهم، والأنبياء يدعون الأمم إلى الله بما يبلغونهم، / [٣٧٠ ل] والعلماء والأولياء يدعون إلى الله هؤلاء بأقوالهم وهؤلاء بأحوالهم، فيكشفون عن القلوب الغيابات ويبلغون في البيان أقصى الغايات. والدعاء إلى الله- -هو اجتذاب القلوب إلى معرفته وطاعته، بتنبيهها على آياته وعظيم ربوبيته، وإنما كان هذا القول أحسن الأقوال/ [١٧٨ ب/م] لأنه وسيلة إلى المعرفة التي هي أحسن الأحوال. ﴿فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٣٨) [فصلت: ٣٨] إشارة إلى الملائكة، وهو من باب: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ (١٧٢) [النساء: ١٧٢] أي الملائكة مع شرفهم لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم أولى ألا تستكبروا. ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٩) [فصلت: ٣٩] استدلال على البعث بإحياء الأرض كما سبق في مواضع، وينتظم القياس اقترانيا واستثنائيا.

стр. 557

أما الاقتراني فهكذا: إحياء الموتى كإحياء الأرض، وإحياء الأرض ممكن مقدور، فإحياء الموتى ممكن مقدور. أما الأولى فلأن الأرض تكون يابسة قد غلب عليها اليبس والغبار، وهي هامدة خاشعة، أي: متواطئة، فينزل عليها ماء المطر، فيتخلل أعماقها فتربو وترتفع، وتنبت الحب الذي فيها، فإذا هي تهتز خضراء، وكذلك الموتى غلب عليهم اليبس الذي هو طبيعة الأرض؛ فيجمعها الله- -ثم يمطر عليها ماء قدرته، إما حسا كما قيل: إن السماء تمطر أربعين يوما ماء كمني الرجال، أو عقلا كما يشاء الله- فيعود إلى العظام ما كان لها حال الحياة من رطوبة وغيرها، ثم تعاد إليها الأرواح، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٦٨) [الزمر: ٦٨] وأما الثانية فمشاهدة؛ إذ الأرض تكون مواتا فتحيا. وأما الاستثنائي فهكذا: إن كان إحياء الأرض بعد موتها ممكنا، فإحياء الموتى ممكن، والمقدم حق؛ فالتالي مثله، والتقرير ما سبق إنه على كل شيء قدير، إشارة إلى الجامع في القياس، وهو المقدورية وتمام القدرة، أي: أن المصحح لإحياء الأرض المقدورية والإمكان، وهو وإحياء الموتى في ذلك سيان. ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤٢) [فصلت: ٤٢] أي: لم يتضمن كذبا في إخباره بما كان ولا إخباره بما سيكون، والمراد لا يلحقه الباطل ولا الإبطال بجهة من الجهات، لا بمناقضة، ولا معارضة، ولا تنكيت، ولا تبكيت، ولا شيء من جنس ذلك. وربما احتج بهذا من منع النسخ في القرآن كأبي مسلم الأصفهاني؛ لأن النسخ إبطال للنص، وهو باطل منفي عن الكتاب بالنص، ويجاب بمنع أن النسخ إبطال/ [٣٧١ ل]، ثم بمنع أن هذا الإبطال باطل، بل هو حق من حق ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩) [الرعد: ٣٩]، وقد سبق القول في مسألة النسخ.

стр. 558

معرب في القرآن، لاقتضائها نفي الأعجمية عنه، وإثبات العربية له. / [١٧٩ أ/م] ولا حجة فيها على ذلك؛ لجواز أن يكون فيه ألفاظ يسيرة من المعرب كالمشكاة والسجيل ونحوها، لا يوجب له لقلتها العجمية، ولا تسلبه، وبالجملة فالاحتجاج بعمومها، وباب التخصيص مفتوح وطريقه مهيع فسيح. ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤٦) [فصلت: ٤٦] ونظيرتها في سورة الروم: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (٤٤) [الروم: ٤٤]، يحتج بهما المعتزلة، وإلا لكان الوعد والوعيد فيهما على فعله وما هو مخلوق له، وإنه محال. وجوابه ما عرف من تعلق الوعيد بالكسب تحقيقا عند الكسبية، أو تقديرا عند الجبرية. ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤٦) [فصلت: ٤٦] وقد عرفت شبهتهم منها، وجوابها. ﴿* إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ (٤٧) [فصلت: ٤٧] الآية. أي لا يعلم هذه الأشياء سواه، وهي من مفاتح الغيب. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٤٨) [فصلت: ٤٨] أي: علموا وتيقنوا، وقد سبقت نظائره. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٥٠) [فصلت: ٥٠] يحتج بها القدرية لنسبة كفرهم، وعملهم إليهم، وتعذيبهم عليه. وجوابه باعتبار الكسب. ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٥٣) [فصلت: ٥٣]، أي في الآفاق بفتحها، وفي أنفسهم بهلاكهم حتى يتبين لهم أن الله ودينه ورسوله هو الحق. ويحتمل أن معناه: سنريهم آياتنا في آفاق السماوات والأرض وأقطارها من بديع

стр. 559

الصنعة، ولطيف الحكمة، وفى أنفسهم من عجائب خلق الإنسان التي أفادها علم التشريح وغيره؛ ويشهد لهذا التأويل-قوله- : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢١) [الذاريات: ٢١] وهذه الآية لشدة إجمالها وكثرة احتمالها يستشهد بها المتكلمون والفلاسفة والصوفية، كل على بعض مطالب علمه، فلكل منها ورد وعنها صدر. ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (٥٤) [فصلت: ٥٤] فيه عموم العلم، أحاط بكل شيء علما. ...

стр. 560

القول في سورة الشورى ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) [الشورى: ٥] أي: لكثرة الملائكة، ما فيها موضع قدم إلا فيه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد. «أطت السماء، وحق لها أن تئط» (١). ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ (٣١) [المدثر: ٣١] وهذا يدل على جسمية الملائكة، وأن لهم ثقلا تئط منه السماء حتى تكاد تتفطر، وإذا جاز أن يكون في الملائكة ثقل، جاز أن يكون في السماء والأفلاك / [٣٧٢/ل]؛ لأن الجميع عالم سماوي. وزعم الفلاسفة أن الفلك لا ثقيل ولا خفيف، لأنه غير متحرك عن الوسط كالنار. ولا إلى الوسط كالأرض، وكل ما/ [١٧٩ ب/م] كان كذلك، فلا ثقل فيه، وإلا لتحرك إلى الوسط، ولا خفة وإلا لتحرك عن الوسط. والجواب بمنع عموم الثانية، فإن قولهم: كل ما كان كذلك؛ إن أرادوا بطبعه فنعم، وإن أرادوا بتسخير القادر المختار فممنوع، لجواز أن يوجد جسم ثقيل أو خفيف، ثم يتحرك بإرادة القادر المختار حركة دورية كرية لا إلى الوسط، ولا عنه. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) [الشورى: ٥] سبق القول على نظيره في سورة غافر. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما﴾

стр. 561

﴿لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٨) [الشورى: ٨] يحتج به الجمهور كما سبق من نظائره. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٩) [الشورى: ٩]، فيه إثبات البعث إحالة على القدرة كما سبق، وإثبات التوحيد، ونظمه: أولياؤكم لا يحيون الموتى ولا يقدرون، والإله الحق يحيي ويقدر، فأولياؤكم لا شيء منهم بإله حق. ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٠) [الشورى: ١٠] يحتج به الظاهرية في نفي القياس؛ لأنه ليس هو الله حتى ترد إليه الأحكام، ويجاب عنه بأن المراد: فحكمه إلى دين الله، أو كتاب الله، والقياس من دين الله وكتاب الله، وهذا البعث الذي هو أهم أركان الإيمان يحتج عليه في القرآن بالقياس، فما الظن بفروع مستندها الظن. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١] هذه الآية أولها تنزيه وآخرها إثبات، فمن جمع بينهما بأن أثبت لله ما أثبت، ونزهه عما لا يليق به من مشابهة المخلوقات وأثبت غير ممثل، ونزه غير معطل؛ فقد أصاب، ومن انحرف في التنزيه حتى عطل، أو في الإثبات حتى شبه ومثل، فقد أخطأ، وتوفيقه عنها أبطأ، ونظيرها في الجمع بين طرفين: قوله- : ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤٩) [الأنعام: ١٤٩] إذ أولها اعتزال قدري وآخرها تفويض جبري، فمن توسط بينهما فاعتقد أن لله في خلقه المشيئة الغالبة، وعليهم الحجة البالغة، فقد أصاب، ومن انحرف فاعتزل أو ظلم ربا لم يزل، فقد زل، ومن أوج التوحيد نزل. ثم هنا مسألتان: إحداهما في الكاف في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١] فقيل: زائدة أي: ليس مثله، وقيل: على أصلها في التشبيه، ومثل بمعنى هو أي: ليس كهو أو كذاته شيء، أما أن الكاف ومثل على أصلهما فمحال؛ إذ يبقى تقديره: ليس مثل مثله أو ليس يشبه مثله شيء، وهو محال لوجهين: أحدهما: إثبات مثل له، والقديم/ [٣٧٣/ل] لا مثل له. والثاني: أن له مثلا مع أن مثله لا مثل له [١٨٠ أ/م] فيكون مثله أكمل منه، وإنه

стр. 562

محال، ويحتمل صحة ذلك على طريق الفرض والتقدير، أي: لو فرض له مثل لكان ذلك المثل لا مثل له، وإذا لم يكن لمثله الفرضي مثل فهو أولى ألا يكون له مثل. المسألة الثانية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١] أي يدرك المسموعات والمبصرات، وعند بعضهم: معناه سلب الصمم والعمى عنه، والأول وهو الصواب، وقد سبق جميع هذا. واعلم أن لنا سمعا ومحله ومسموعا وسامعا وسميعا، فالسمع القوة المدركة للمسموع، وهي من الله- -تسمى صفة قديمة، ومحل السمع يسمى جارحة وأذنا، والله- منزه عنها، والمسموع هو الأصوات المدركة بقوة السمع، والسامع هو المدرك للأصوات بالفعل والله- -متصف بذلك من حين وجود الأصوات، أما قبلها فمحال، وإلا لزم قدمها أو وجودها حال عدمها وإنه محال، والسميع من له صفة السمع، والله- متصف بذلك في الأزل؛ إذ لا يلزم من وجود الصفة وجود متعلقها، وإلا للزم قدم المعلومات والمقدورات والمرادات لقدم الصفات المتعلقة هي بها، وهى العلم والقدرة والإرادة، وإنه محال، والكلام في البصير على هذا التفصيل، وهو تحقيق في هذا المكان. ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣]، يحتج بها على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأنها تضمنت أن شرائع أولي العزم الخمسة واحدة. ويعترض عليه بأن ذلك في أصول الدين كالتوحيد ونحوه؛ بدليل قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣] وهذا تفسير لما شرعه لهم وأخبر أنه يكبر على المشركين، وإنما كبر على المشركين التوحيد من الأصول لا من الفروع؛ فإذن شرع من قبلنا شرع لنا في التوحيد ونحوه، وأما في الفروع فهو محل خلاف، ولا دليل في الآية عليه. ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٣] يحتج به الجمهور [لتعليق الاجتباء] بالمشيئة. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣] يحتج به الفريقان؛ الجمهور لإضافة

стр. 563

الهداية إليه، والمعتزلة لترتيب الهداية على الإنابة المضافة إليهم. وجوابه: أنها أضيفت إليهم كسبا وهي له خلق، فإذن إنما يهدي إليه من جعله منيبا بخلق الإنابة فيه. ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٥) [الشورى: ١٥] فيه إيجاب الإيمان بجميع الكتب المنزلة لا المبدلة؛ لأن ما أمر به النبي ﷺ فنحن مأمورون به إلا ما خصه دليل، ولقوله- : ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٥٣) [الأنعام: ١٥٣]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣١) [آل عمران: ٣١] وقوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١) [الأحزاب: ٢١] ونحوه. ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٥) [الشورى: ١٥] فيه إثبات البعث والحشر. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (١٨) [الشورى: ١٨] فيه أن من أنكر القيامة ضال كافر؛ لأنها من أركان الإيمان الخمسة، وهذا إجماع حتى قال العلماء: لو قال لامرأته أو أمته: أنت طالق أو حرة إن قامت القيامة، عالما بمقتضى حرف الشرط-كفر؛ بخلاف: إذا قامت-فرقا بينهما بأن «إذا» تقتضي وجوب وقوع ما علق عليها «وإن» تقتضي الخاص الذي لا يقتضي وجوب الوقوع ولا امتناعه، وذلك ينافي وجوب اعتقاد وجوب قيام القيامة، فكان كفرا، كما لو قال: أنت طالق إن كان الله موجودا، أو محمد رسولا.

стр. 564

فيه إشارة إلى أن تخصيصه من يشاء بالرزق وقبضه وبسطه لطف منه بعباده ورعاية لمصالحهم؛ لئلا يفسد الفقر منهم قوما والغنى آخرين، وقد شرح ذلك في قوله- : ﴿*وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٧) [الشورى: ٢٧]، وأشار إليه في آخر العنكبوت في قوله: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦٢) [العنكبوت: ٦٢] وأوضحه النبي ﷺ غاية الإيضاح في الحديث الإلهي: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى» وبالعكس، وكذلك ذكر في العافية والبلاء ثم قال: «إني أدبر عبادي بعلمي فيهم، إني عليم خبير» (١). ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢١) [الشورى: ٢١] يحتج بها الظاهرية على إبطال القياس، لأنه شرع لما لم يأذن به الله، وجوابه بالمنع، والله- -أذن فيه بالأمر باتباع الرسول، وقد فعله الرسول ﷺ في عدة قضايا، والله- -استعمله في أدلة التوحيد والمعاد كثيرا، كما قررناه في مواضعه من هذا الكتاب وغيره. وقد شدد أبو محمد بن حزم النكير على القياسين حتى كاد يكفرهم، معتلا بأنه شرعوا ما لم يأذن به الله- -وذلك في كتاب: «إبطال الرأي» له، ثم إنه زعم أن الله- قادر على أن يتخذ ولدا كما سبق في سورة الزمر، وهذا من أعجب الأشياء وأشد الانحراف عن سنن الاعتدال؛ إذ يكفر المسلمين في مسألة/ [١٨١ أ/م] فرعية تتعلق بالعمل، والتزم الكفر في مسألة أصولية تتعلق بالعلم، فهو كما قيل: وحيث وجب أن تسجد بلت. ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢٣) [الشورى: ٢٣] اختلف في القربى؛ فقيل هي قربى كل مكلف أوصى بمودتها، فهو كالوصية بصلة الرحم.

стр. 565

وقيل: هي قربى النبي ﷺ ثم اختلف فيها؛ فقيل: هي جميع بطون قريش، كما فسره ابن عباس فيما رواه البخاري وغيره، وقيل: هي قرابته الأدنون، وهم أهل بيته: علي وفاطمة وولداهما أوصى بمودتهم، وعند هذا استطالت الشيعة، وزعموا أن الصحابة خالفوا هذا الأمر، ونكثوا هذا العهد بأذاهم أهل البيت بعد النبي ﷺ مع أنه سأل مودتهم، ونزلها منزلة الأجر على ما لا يجوز الأجر عليه، وإلى هذه الآية أشار الكميت بن زيد الأسدي، وكان شيعيا حيث قال: وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقي ومعرب أي: المجاهر ومن تحت التقية جميعا تأولناها على أنكم المراد بها. وأجاب الجمهور: بمنع أن القربى فيها من ذكرتموه، ثم بمنع أن أحدا من الصحابة أذاهم أو نكث العهد فيهم. ﴿* وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٧) [الشورى: ٢٧] سبق القول فيها عند نظيرها قريبا. ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٠) [الشورى: ٣٠] هو كقوله- : ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٦٥) [آل عمران: ١٦٥]، ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٧٩) [النساء: ٧٩] وقد سبق، ونحوه: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٢٣) [النساء: ١٢٣] على ما فسره النبي ﷺ لأبي بكر ﵁-أي مصائبكم جزاء بما كسبتم.
следующие страницы →