← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

﴿لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٨) [الشورى: ٨] يحتج به الجمهور كما سبق من نظائره. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٩) [الشورى: ٩]، فيه إثبات البعث إحالة على القدرة كما سبق، وإثبات التوحيد، ونظمه: أولياؤكم لا يحيون الموتى ولا يقدرون، والإله الحق يحيي ويقدر، فأولياؤكم لا شيء منهم بإله حق. ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٠) [الشورى: ١٠] يحتج به الظاهرية في نفي القياس؛ لأنه ليس هو الله حتى ترد إليه الأحكام، ويجاب عنه بأن المراد: فحكمه إلى دين الله، أو كتاب الله، والقياس من دين الله وكتاب الله، وهذا البعث الذي هو أهم أركان الإيمان يحتج عليه في القرآن بالقياس، فما الظن بفروع مستندها الظن. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١] هذه الآية أولها تنزيه وآخرها إثبات، فمن جمع بينهما بأن أثبت لله ما أثبت، ونزهه عما لا يليق به من مشابهة المخلوقات وأثبت غير ممثل، ونزه غير معطل؛ فقد أصاب، ومن انحرف في التنزيه حتى عطل، أو في الإثبات حتى شبه ومثل، فقد أخطأ، وتوفيقه عنها أبطأ، ونظيرها في الجمع بين طرفين: قوله- : ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤٩) [الأنعام: ١٤٩] إذ أولها اعتزال قدري وآخرها تفويض جبري، فمن توسط بينهما فاعتقد أن لله في خلقه المشيئة الغالبة، وعليهم الحجة البالغة، فقد أصاب، ومن انحرف فاعتزل أو ظلم ربا لم يزل، فقد زل، ومن أوج التوحيد نزل. ثم هنا مسألتان: إحداهما في الكاف في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١] فقيل: زائدة أي: ليس مثله، وقيل: على أصلها في التشبيه، ومثل بمعنى هو أي: ليس كهو أو كذاته شيء، أما أن الكاف ومثل على أصلهما فمحال؛ إذ يبقى تقديره: ليس مثل مثله أو ليس يشبه مثله شيء، وهو محال لوجهين: أحدهما: إثبات مثل له، والقديم/ [٣٧٣/ل] لا مثل له. والثاني: أن له مثلا مع أن مثله لا مثل له [١٨٠ أ/م] فيكون مثله أكمل منه، وإنه

стр. 562

محال، ويحتمل صحة ذلك على طريق الفرض والتقدير، أي: لو فرض له مثل لكان ذلك المثل لا مثل له، وإذا لم يكن لمثله الفرضي مثل فهو أولى ألا يكون له مثل. المسألة الثانية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١] أي يدرك المسموعات والمبصرات، وعند بعضهم: معناه سلب الصمم والعمى عنه، والأول وهو الصواب، وقد سبق جميع هذا. واعلم أن لنا سمعا ومحله ومسموعا وسامعا وسميعا، فالسمع القوة المدركة للمسموع، وهي من الله- -تسمى صفة قديمة، ومحل السمع يسمى جارحة وأذنا، والله- منزه عنها، والمسموع هو الأصوات المدركة بقوة السمع، والسامع هو المدرك للأصوات بالفعل والله- -متصف بذلك من حين وجود الأصوات، أما قبلها فمحال، وإلا لزم قدمها أو وجودها حال عدمها وإنه محال، والسميع من له صفة السمع، والله- متصف بذلك في الأزل؛ إذ لا يلزم من وجود الصفة وجود متعلقها، وإلا للزم قدم المعلومات والمقدورات والمرادات لقدم الصفات المتعلقة هي بها، وهى العلم والقدرة والإرادة، وإنه محال، والكلام في البصير على هذا التفصيل، وهو تحقيق في هذا المكان. ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣]، يحتج بها على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأنها تضمنت أن شرائع أولي العزم الخمسة واحدة. ويعترض عليه بأن ذلك في أصول الدين كالتوحيد ونحوه؛ بدليل قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣] وهذا تفسير لما شرعه لهم وأخبر أنه يكبر على المشركين، وإنما كبر على المشركين التوحيد من الأصول لا من الفروع؛ فإذن شرع من قبلنا شرع لنا في التوحيد ونحوه، وأما في الفروع فهو محل خلاف، ولا دليل في الآية عليه. ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [الشورى: ١٣] يحتج به الجمهور [لتعليق الاجتباء] بالمشيئة. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣] يحتج به الفريقان؛ الجمهور لإضافة

стр. 563

الهداية إليه، والمعتزلة لترتيب الهداية على الإنابة المضافة إليهم. وجوابه: أنها أضيفت إليهم كسبا وهي له خلق، فإذن إنما يهدي إليه من جعله منيبا بخلق الإنابة فيه. ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٥) [الشورى: ١٥] فيه إيجاب الإيمان بجميع الكتب المنزلة لا المبدلة؛ لأن ما أمر به النبي ﷺ فنحن مأمورون به إلا ما خصه دليل، ولقوله- : ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٥٣) [الأنعام: ١٥٣]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣١) [آل عمران: ٣١] وقوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١) [الأحزاب: ٢١] ونحوه. ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٥) [الشورى: ١٥] فيه إثبات البعث والحشر. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (١٨) [الشورى: ١٨] فيه أن من أنكر القيامة ضال كافر؛ لأنها من أركان الإيمان الخمسة، وهذا إجماع حتى قال العلماء: لو قال لامرأته أو أمته: أنت طالق أو حرة إن قامت القيامة، عالما بمقتضى حرف الشرط-كفر؛ بخلاف: إذا قامت-فرقا بينهما بأن «إذا» تقتضي وجوب وقوع ما علق عليها «وإن» تقتضي الخاص الذي لا يقتضي وجوب الوقوع ولا امتناعه، وذلك ينافي وجوب اعتقاد وجوب قيام القيامة، فكان كفرا، كما لو قال: أنت طالق إن كان الله موجودا، أو محمد رسولا.

стр. 564

فيه إشارة إلى أن تخصيصه من يشاء بالرزق وقبضه وبسطه لطف منه بعباده ورعاية لمصالحهم؛ لئلا يفسد الفقر منهم قوما والغنى آخرين، وقد شرح ذلك في قوله- : ﴿*وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٧) [الشورى: ٢٧]، وأشار إليه في آخر العنكبوت في قوله: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦٢) [العنكبوت: ٦٢] وأوضحه النبي ﷺ غاية الإيضاح في الحديث الإلهي: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى» وبالعكس، وكذلك ذكر في العافية والبلاء ثم قال: «إني أدبر عبادي بعلمي فيهم، إني عليم خبير» (١). ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢١) [الشورى: ٢١] يحتج بها الظاهرية على إبطال القياس، لأنه شرع لما لم يأذن به الله، وجوابه بالمنع، والله- -أذن فيه بالأمر باتباع الرسول، وقد فعله الرسول ﷺ في عدة قضايا، والله- -استعمله في أدلة التوحيد والمعاد كثيرا، كما قررناه في مواضعه من هذا الكتاب وغيره. وقد شدد أبو محمد بن حزم النكير على القياسين حتى كاد يكفرهم، معتلا بأنه شرعوا ما لم يأذن به الله- -وذلك في كتاب: «إبطال الرأي» له، ثم إنه زعم أن الله- قادر على أن يتخذ ولدا كما سبق في سورة الزمر، وهذا من أعجب الأشياء وأشد الانحراف عن سنن الاعتدال؛ إذ يكفر المسلمين في مسألة/ [١٨١ أ/م] فرعية تتعلق بالعمل، والتزم الكفر في مسألة أصولية تتعلق بالعلم، فهو كما قيل: وحيث وجب أن تسجد بلت. ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢٣) [الشورى: ٢٣] اختلف في القربى؛ فقيل هي قربى كل مكلف أوصى بمودتها، فهو كالوصية بصلة الرحم.

стр. 565

وقيل: هي قربى النبي ﷺ ثم اختلف فيها؛ فقيل: هي جميع بطون قريش، كما فسره ابن عباس فيما رواه البخاري وغيره، وقيل: هي قرابته الأدنون، وهم أهل بيته: علي وفاطمة وولداهما أوصى بمودتهم، وعند هذا استطالت الشيعة، وزعموا أن الصحابة خالفوا هذا الأمر، ونكثوا هذا العهد بأذاهم أهل البيت بعد النبي ﷺ مع أنه سأل مودتهم، ونزلها منزلة الأجر على ما لا يجوز الأجر عليه، وإلى هذه الآية أشار الكميت بن زيد الأسدي، وكان شيعيا حيث قال: وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقي ومعرب أي: المجاهر ومن تحت التقية جميعا تأولناها على أنكم المراد بها. وأجاب الجمهور: بمنع أن القربى فيها من ذكرتموه، ثم بمنع أن أحدا من الصحابة أذاهم أو نكث العهد فيهم. ﴿* وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٧) [الشورى: ٢٧] سبق القول فيها عند نظيرها قريبا. ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٠) [الشورى: ٣٠] هو كقوله- : ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٦٥) [آل عمران: ١٦٥]، ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٧٩) [النساء: ٧٩] وقد سبق، ونحوه: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٢٣) [النساء: ١٢٣] على ما فسره النبي ﷺ لأبي بكر ﵁-أي مصائبكم جزاء بما كسبتم.

стр. 566

ومن يضلل فلا هادي له» (١) وهو أيضا متكرر في القرآن، وكذلك: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤٦) [الشورى: ٤٦] أي إلى الهدى؛ لأنه إذا خلق الضلال في قلبه استحال أن يدخله الهدى حينئذ؛ لامتناع اجتماع الضدين في محل واحد. ﴿* وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥١) [الشورى: ٥١] يحتج به من يرى أن الله- -يتكلم بحرف وصوت؛ لأنه حصر تكليمه للبشر في ثلاثة أحوال: أحدهما: الوحي، وهو الإلهام وخلق الكلام/ [١٨١ ب/م] في النفس، كقوله ﷺ : «إن روح القدس نفث في روعي» (٢) الحديث. والثاني: أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه كجبريل إلى الأنبياء. الثالث: التكليم من وراء حجاب، كما كلم موسى ولم يره موسى بل سأله الرؤية فقال: ﴿لَنْ تَرانِي، ﴾ وهذه الحال ليست وحيا ولا بواسطة رسول؛ لأنها قسيم لهما فاستحال أن تكون إحداهما، فهي حال ثالثة، [وليس إلا التكليم بحرف وصوت. وأجاب الخصم بأن الحرف والصوت لما دل الدليل على استحالتهما في حقه- -وجب تأويل هذا على] أن المكلم [من وراء حجاب/ [٣٧٦/ل] أخذ عن حسه حتى سمع الكلام من غير صوت في الخارج كالنائم ونحوه، أو على غير ذلك من التأويل. ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

стр. 567

(٥٢) [الشورى: ٥٢] سمى الوحي والقرآن روحا؛ لأنه سبب الروح والرحمة، ولأنه للقلوب كالروح تحيا به، أو تسمية له باسم الروح الأمين النازل به. ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٢) [الشورى: ٥٢] [زعم قوم أخذوا بظاهر هذا أن النبي ﷺ كان قبل أن يوحى إليه غير مؤمن، كما قال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ (٧) [الضحى: ٧] وهذا صعب شديد أن يقال فيه ﷺ ]-مع قوله: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» (١) وأنه حين ولد خرّ ساجدا مشيرا بأصعبه إلى السماء، وأنه لم يزل كارها للأصنام مبغضا لها قبل النبوة، لم يحلف بها ولا أكل مما ذبح لها، وإجماع الناس على أن نبيا من الأنبياء لم يكفر بالله ولا خلا من الإيمان به طرفة عين. [قالوا: يجب تأويل الآية على ما يزيل عنها هذا المحذور، مثل] المراد: ما كنت تدري ما الكتاب ولا ماهية الإيمان وحقيقته، ولا يلزم من كونه مؤمنا معرفة ذلك، بدليل أن أكثر الناس هم كذلك. [أو: ما] كنت تدري ما الكتاب ولا كيفية الدعاء إلى الإيمان؛ إذ كيفية دعاء الناس إلى الإيمان إنما يعلم بالوحي، فقبل الوحي من أين يعلم، ولا يلزم من كون الإنسان مؤمنا في نفسه أن يدري كيف يدعو أو إلى ما يدعو غيره، لجواز أن يتعبد الله- كل إنسان بأمر غير ما يتعبد به الآخر، كما اختص النبي ﷺ بخواص تعبد بها لم تكن لغيره. ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ﴾ (٥٢) [القيامة: ٥٢] يحتج به الجمهور لإضافة الهدى إليه- -وتخصيصه بمن شاء، وعند المعتزلة الهدى منسوب إلى الخلق يهدون أنفسهم. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٢) [الشورى: ٥٢] أي ترشد، وهذا الهدى غير الهدى المسلوب في قوله- : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص: ٥٦] فلا يتناقض هذا الإيجاب مع ذلك السلب. ...

стр. 568

القول في سورة الزخرف ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) [الزخرف: ٣] يحتج به جمهور من قال بخلق القرآن؛ لأن كل مجعول مخلوق، وقد سبق وجوابه. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ (٥) [الزخرف: ٥] يحتج به على بطلان فساد الوضع في الأقيسة، وهو ترتيب خلاف مقتضى العلة عليها. وتقريره/ [١٨٢ أ/م] أنه- -أنكر ترتيب الإضراب والصفح عنهم على إسرافهم، كأنه قال: إسرافكم يناسب أخذكم وتعذيبكم لا الإضراب والصفح عنكم، وكذلك قوله : ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (١٧) [التوبة: ١٧] أي: إن شركهم وشهادتهم على أنفسهم بالكفر لا يناسب عمارتهم للمسجد؛ لأنهم رجس، وإنما يناسب مجانبتهم المسجد تنزيها له عن رجسهم ونجسهم، وكذلك لما قال / [٣٧٧ ل] فرعون لموسى ﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (١٨) [الشعراء: ١٨] قال له موسى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٢) [الشعراء: ٢٢] أي: استعبدتهم، واتخذتهم عبيدا، وإنما ربيتني ولدا حين اتخذت قومي عبيدا، فامتنانك عليّ بذلك غير مناسب، وإنما المناسب أن تعتذر إليّ من ذلك. ومثاله المشهور بين الأصوليين أن يقول الشافعي: لفظ الهبة ينعقد به غير النكاح، فلا ينعقد به النكاح كالبيع، فيقول الحنفي: هذا فاسد الوضع أو الاعتبار، إذ انعقاد غير النكاح به يدل على قوته وتأثيره في العقود وتصرفه فيها، فقد رتبت على العلة نقيض مقتضاها. ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١١) [الزخرف: ١١]، فيه الاستدلال على البعث بقياس إحياء الأرض كما عرف في مواضع. ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ (١٢) [الزخرف: ١٢] فيه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه؛ لأن ركوب الفلك مجاز، وركوب الأنعام حقيقة؛ لمبادرة الفهم إليه عند الإطلاق.

стр. 569

تعليل الفقهاء في بعض أحكامهما بأن بينهما جزئية وبعضية، وأكد ذلك قوله ﷺ «فاطمة بضعة مني» أي: قطعة وجزء. ﴿أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (١٦) [الزخرف: ١٦] الآيتين، سبق نظيره في النحل وسبحان. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١٨) [الزخرف: ١٨] فيه إشارة إلى أمور: أحدها: أن الزينة والترف والعي كالفطرة والغريزة للنساء، إذ معنى الكلام: أتجعلون لله من شأنه هذه الصفات. الثاني: أن البيان مقصود في الخصام، وأن الغلبة في الجدال أعظم منها في الجلاد، لأن الإنسان أكثر ما يصارع بجلاده ألفا، وهو بجداله وحسن بيانه قد يصرع ألوفا بل أمما. الثالث: مدح البيان والثناء على أهله، وهو إفهام المعنى على الوجه التام بطريق سهل عام، ومأخذ ذلك من قياس العكس؛ لأنه لما ذم غير المبين دل على مدح المبين، وإلا استوى النقيضان في الحكم، وإنه محال. ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (١٩) [الزخرف: ١٩] فيها إشارة إلى أمور: أحدها: أن جعل يكون بمعنى سمى/ [١٨٢ ب/م] واعتقد، أي: سموا الملائكة واعتقدوهم إناثا، [وقد نوقض على من احتج على خلق القرآن بقوله: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) [الزخرف: ٣] لأن المجعول مخلوق؛ فقيل له يبطل بقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (١٩) [الزخرف: ١٩] مع أنهم لم يخلقوهم، ولا يصح هذا النقض، وإنما يصح أن لو صح هذا المعنى في: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) [الزخرف: ٣] لكنه لا يصح أن يقال: إنا سميناه أو اعتقدنا قرآنا، وإنما هو بمعنى: صيرناه قرآنا عربيا مع قدرتنا/ [٣٧٨ ل] على أن نصيره عبرانيا أو سريانيا. الثاني: أن الملائكة ذكور لوجهين: أحدهما: أنه سماهم عباد الرحمن، وواحد العباد عبد، هو اسم للذكر العاقل في لسان العرب.

стр. 570

الثاني: أنه نفى عنهم الأنوثة، فتعينت الذكورة لهم، إذ لا واسطة بين القسمين في جنس الحي. الثالث: (ستكب شهادتهم) فسر الجعل بالشهادة، كأنه قال: وشهدوا أن الملائكة إناث، ثم قوله (ستكتب) تقتضي أنها لم تكتب بعد. وإنما ستكتب في المستقبل، وقوله: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١٨) [ق: ١٨]، ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ (٢١) [يونس: ٢١] يقتضي أنها كتبت حين الشهادة، والإجماع على ذلك أن الحفظة يكتبون ما يصور عن الإنسان شيئا فشيئا، وإن أخر كاتب الشمال شيئا فلحظة أو ساعة رجاء التدارك بالتوبة، وحينئذ يلزم أن هذه الشهادة كتبت حين وقوعها، ولم تكتب معا، وإنه محال. والجواب: أن (ستكتب) مجاز عن أنهم سيجزون بها ويعاقبون عليها، لكن لما كان حفظ العمل بالكتابة سببا للجزاء عليه عبر عن المسبب بالسبب. ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (٢٠) [الزخرف: ٢٠] يحتج بها المعتزلة بأنهم لما أضافوا عبادتهم للأوثان إلى مشيئة الله جهلهم وكذبهم، ولو كانت عبادتهم لها مشيئة لما كانت كذلك، ويجاب عنه بنحو ما سبق في نظيره في آخر الأنعام، وهو أنه لم يكذبهم في إضافة ذلك إلى مشيئته، كيف وإنه يقول: ﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٧) [الأنعام: ١٣٧] وإنما أراد أن ما قالوه من إضافة عبادة الأصنام إلى مشيئته، وإن كان حقا في نفس الأمر، لكنهم لم يبلغوا من معرفة الله إلى حيث يعلمون دوران الأشياء مع مشيئته وجودا وعدما، وإنما يقولون خرصا أو تخمينا أو مناقضة للرسول وجدلا؛ فهم وإن أصابوا بغير علم خطأ؛ لقوله ﷺ «من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ» (١) وقال/ [١٨٣ أ/م] الفقهاء: من اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير اجتهاد فيها لزمته الإعادة وإن أصاب؛ لتركه فرض الاجتهاد، على خلاف فيه.

стр. 571

﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢٢) [الزخرف: ٢٢] الآيات دلت على ذم التقليد، والمشهور المطابق لهذه الآية أنه متابعة الغير في قول أو فعل من غير دليل، بل لحسن ظن به، أو غلبة عادة وإلف. وقيل: هو قبول قول القائل، وأنت لا تعلم مأخذه ومستنده، فعلى الأول لا يسمى قبول قول النبي ﷺ / [٣٧٩ ل] تقليدا؛ لأن قوله عين الدليل والحجة، فلا يصح أن يقال: تابعناه وقبلنا قوله بغير حجة أو دليل. وعلى الثاني في تسمية قبول قوله تقليدا وجهان: أحدهما: يسمى تقليدا؛ لأنا لا نحيط بعلمه ومأخذه ومستنده الوحي، بدليل: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) [النجم: ٤]. وأصل الوجهين أنه ﷺ هل كان يجتهد في الأحكام بالنظر ونحوه، فيسمى قبول قوله تقليدا لخفاء مأخذه أم لا، بل يقتصر على الوحي فلا يسمى تقليدا لعلمنا بمغزاه ومأخذه. ذكر هذه النبذة الشيخ أبو محمد الجويني في أول كتابه المسمى ب «المسلسل» في الفقه. وقد اختصرناه. ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (٣٣) [الزخرف: ٣٣]، فيه تعليل أفعاله بالمصالح وامتناعها للمفاسد. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣٦) [الزخرف: ٣٦]، يحتج بها المعتزلة؛ لأنه أضاف الإعراض عن الذكر إليهم، وصدهم عن السبيل إلى الشياطين، وجعل تقييض القرناء لهم عقوبة على إعراضهم. وأجاب الجمهور بأن ذلك كله باعتبار الكسب، وأما الخلق فلمن له الخلق والأمر، وقد دلت النصوص والبراهين على ذلك.

стр. 572

يفسدها، نعم قد تستعمل معارضة الفاسد بالفاسد في الجدل؛ دفعا لشر الخصم وتسلطه. وفى الآية سؤال، وهو أن إذ للزمن الماضي؛ فكيف يصح وقوع النفع اليوم/ [١٨٣ ب/م] فيه؟ إذ يصير تقديره: لن ينفعكم اليوم اشتراككم وقت ظلمكم منذ ألف سنة، أو لا ينفعكم اشتراككم اليوم وقت ظلمكم أمس؟ وجوابه: أن «إذ» هنا التعليل، وخرجت عن الظرفية، فتقديره لن ينفعكم اشتراككم اليوم لعلة ظلمكم أمس. ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤٥) [الزخرف: ٤٥]، إن قيل: قد ماتوا قبله بدهور فأين هم حتى يسألهم؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد: سل كتبهم ومن بقي من أصحابهم، وما حكاه القرآن عنهم. والثاني: / [٣٨٠ ل] أنهم بعثوا له ليلة الإسراء في بيت المقدس أو في السماء فسألهم، وفيها إجماع الأنبياء وأديانهم على التوحيد، ويكفي في ذلك أن النصارى مع شركهم الظاهر يدعون التوحيد، ويصرحون بأن آلهة كل واحد منهم إله كامل، ثم يقولون: هم إله واحد، ويفتتحون كتبهم بقولهم: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد. فلو كان للشرك أصل في ملة من الملل لتعلقت به النصارى احتجاجا واستئناسا، ولا نعلم النور والظلمة إلهين. وقد سبق الكلام معهم. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٥٤) [الزخرف: ٥٤] [فيه أن الفاسق سريع القبول للباطل؛ لأن هذا تعليل لطاعتهم إياه بفسقهم]، كما سبق أن «إن» للتعليل، وسبب ذلك أن الفسق والباطل من واد واحد لخروجها عن الاعتدال ودخولهما في حيز الضلال، والجنس ميال إلى الجنس. ﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٥٨) [الزخرف: ٥٨] فيه ذم الجدل بالباطل، وأن من الجدل ما يقصد به غلبة الخصم لا تحقيق الحق. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٩) [الزخرف: ٥٩] هذا رد على النصارى في تألههم إياه. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٩) [الزخرف: ٥٩] رد على اليهود في تكذيبه وبهته وأمه. ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ (٨١) [الزخرف: ٨١] فيه وجهان:

стр. 573

أحدهما: فأنا أول الجاحدين للولد، أو الآنفين من إثباته. ومنه قول الفرزدق: وأعبد أن تهجى كليب بدارم أي: آنف من ذلك ولا أرضى به لعدم مكافأتهم لنا. والثاني: أنا أول العابدين لله على تقدير ثبوت الولد؛ إذ مقصودي اتباع الحق وطاعة الله- [على أي حال] أو تقدير كان من التقادير الحقة. وهذا هو الصحيح، والأول ضعيف؛ إذ فيه جحد الولد على تقدير ثبوته، وهو تناقض وعناد، اللهم إلا أن يحمل/ [١٨٤ أ/م] على معنى: إن كان له ولد عندكم وفي اعتقادكم فأنا أول الجاحدين له على اعتقادي، وإنما أعبد الله وحده منزها عن ولد وغيره مما لا يليق به، فهذا يصح ويستقيم. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (٨٤) [الزخرف: ٨٤] اختلف في هذا؛ فقيل: هو فيهما بذاته، وهو قول القائلين: إنه في كل مكان بذاته. وقيل: ليس في واحد منهما بذاته، وإلا لزم التحيز والتجسيم، وهو قول الأشعرية ومن وافقهم. وقيل: هو في السماء فوق العرش بذاته وفى الأرض بعلمه وحكمه؛ كما يقال: فلان في مصر سلطان، وفى الشام هو سلطان، أي: في إحداهما بنفسه وفى الأخرى بحكمه. وهو قول أهل الحديث من الحنابلة وغيرهم. [وأما الاتحادية فربما احتجوا بهذا على رأيهم في سريانه في جميع العالم]. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٨٧) [الزخرف: ٨٧]. أي كيف [وإلى أين] ينصرفون عن عبادة خالقهم إلى عبادة غيره؟ وهو من أدلة التوحيد. ونظمه: لا شيء من آلهتكم بخالق لكم، والله خالق لكم، فلا شئ من آلهتكم/ [٣٨٣/ل] بإله وقد سبق في مواضع. ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٨٩) [الزخرف: ٨٩] وعيدي محكم، أو منسوخ بآية السيف. ...

стр. 574

القول في سورة الدخان ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ (٣) [الدخان: ٣] أي أنزلناه يعني القرآن. ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٥) [الدخان: ٥] يحتج به على قدم القرآن المسموع؛ لأنه أمر الله والأمر قديم، وقد سبق القول فيه. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٢١) [الدخان: ٢١] احتج بعض المعتزلة على شرف طائفتهم بأن اسمهم مشتق من عزل والاعتزال، ولم تذكر هذه المادة في القرآن إلا في سياق الخير، نحو: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (٤٨) [مريم: ٤٨]، ﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ (٤٩) [مريم: ٤٩]، ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢٢٢) [البقرة: ٢٢٢] ونحوه، فينتقض عليهم بهذه الآية؛ فإن فيها اعتزال الكفار عن الرسول والهدى، وهو [شر، و] بقوله ﷺ : «إذ سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي» (١) وإنما الاعتزال الانفراد بمعزل، وهو قد يكون في الخير، وقد يكون في الشر، فلا حجة فيه [ولا استشهاد]. وإن ساغ ذلك لهم ساغ للخوارج أن يقولوا: اسمنا مشتق من الخروج ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥٧) [البقرة: ٢٥٧] [وللجبرية أن يقولوا]: اسمنا مشتق من الجبر ضد الكسر، وللشيعة أن يقولوا: اسمنا مشتق من مشايعة الحق، ومن قوله- : ﴿*وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ (٨٣) [الصافات: ٨٣] وللأشعرية أن يقولوا: اسمنا مشتق من الشعور، وهو

стр. 575

العلم، أو من الأشعريين أصحاب النبي ﷺ . والكرامية مشتق من الكرم، بل لليهود أن يقولوا: نحن من قوله: ﴿*وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٥٦) [الأعراف: ١٥٦] أي تبنا. والنصارى من نصرة المسيح، ونحوه كثير لا صيور له إلا النقض على من استند إلى مثله. ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٢٥) / [١٨٤ ب/م] [الدخان: ٢٥] إلى قوله: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ (٢٨) [الدخان: ٢٨] يعني بني إسرائيل، كما صرح به في الشعراء، وهو دليل على أنهم ورثوا أهل مصر من آل فرعون، على ما حكيناه في الأعراف. قوله- : ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ (٥٦) [الدخان: ٥٦] استثناء منقطع، أي لكن الموتة الأولى قد سبق ذوقهم لها وانقطع. وقد اختلف في الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع؛ فقيل: المتصل ما كان من الجنس، نحو: قام القوم إلا زيدا. والمنقطع ما يقابله، نحو: قام القوم إلا حمارا، وقيل في بطلان هذا: إنه لو قال في قوم ليس فيهم زيد: قام القوم إلا زيدا، كان استثناء منقطعا مع أنه من الجنس، فعلى هذا: المتصل هو المخرج مما قبله بإلاّ أو نحوها، والمنقطع هو المذكور بعد إلا أو نحوها غير داخل فيما قبلها. وقال الشيخ شهاب الدين القرافي: المتصل/ [٣٨٤/ل] هو الحكم على جنس ما حكمت عليه أولا بنقيض ما حكمت به ثانيا، والمنقطع ما اختل فيه أحد هذين القيدين، وهو أن تحكم على غير جنس ما حكمت عليه أولا، أو بغير نقيض ما حكمت به أولا. قلت: مثال الأول: جاء القوم إلا الفرس، ومثال الثاني: [جاء القوم] إلا أن زيدا اكل أو شارب، أو نحو ذلك. ...

стр. 576

القول في سورة الجاثية ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١٥) [الجاثية: ١٥] وقد سبق احتجاج المعتزلة به وجوابه. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٣) [الجاثية: ٢٣] يحتج به الجمهور على أن الله- -هو يضل من يشاء، وتأوله الخصم على منع اللطف، وقد عرف جوابه. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٣) [الجاثية: ٢٣] يحتج به الجمهور أيضا، وقد سبق القول أول البقرة. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٣) [الجاثية: ٢٣] هو نحو: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤٤) [الشورى: ٤٤]. ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ (٢٤) [الجاثية: ٢٤] شبهتهم على إنكار البعث، وأسندوها بقولهم: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٥) [الجاثية: ٢٥]. وجوابه: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٦) [الجاثية: ٢٦] ولم يبرهن عليه هاهنا لوجهين: أحدهما: أنهم يلزمهم تصديق قوله في البعث، لقيام دليل صدقه على أيدي الرسل. وبالنظر في آيات الوجود سواء برهن أو لم يبرهن. الثاني: اكتفاء بما قرره من براهين البعث في مواضعه، وقد يحتمل أنه ترك البرهان هاهنا

стр. 577

على البعث إشارة إلى وضوحه وعناد الخصم وعدم قبوله للحق، فالإعراض عنه وترك مكالمته أولى، وهو حكم الخصم المعاند المشاغب. ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٩) [الجاثية: ٢٩] يستدل به على أن النسخ حقيقة في النقل؛ لأن استنساخ الكتاب نقله من أصل إلى فرع. وفيه أقوال؛ أحدها هذا. والثاني: أنه حقيقة في الإزالة لقولهم: نسخت الشمس الظل. أي: أزالته. والثالث: / [١٨٥ أ/م] أنه مشترك بينهما، والإزالة أعم من النقل؛ لأنها قد تكون بالنقل وغيره، كإعدام الجوهر من مكانه من غير نقل، فهي أشبه أن يفسر بها النسخ؛ لأنها القدر المشترك. ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٣٢) [الجاثية: ٣٢] فيه الفرق بين الظن واليقين؛ لإثبات أحدهما ونفي الآخر، وقد سبق الفرق بينهما. ...

стр. 578

القول في سورة الأحقاف ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٣) [الأحقاف: ٣]، يحتج بها على انقراض العالم عند بلوغ أجله المسمى، خلافا للفلاسفة في قولهم: هو أبدي/ [٣٨٥/ل] لا يزال. والخلاف معهم مبني على قدمه، وقد سبق. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤) [الأحقاف: ٤] دليل على التوحيد، وتقريره هكذا: لا شيء من آلهتكم خالق في الأرض، ولا ذو ملك في السماوات، والإله الحق خالق في الأرض ذو ملك في السماوات؛ فلا شيء من آلهتكم بالإله الحق. وهما واضحتان. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤) [الأحقاف: ٤] قيل: معناه حدثني أبي عن جدي، فيحتج به المحدثون على شرف علم الحديث والإسناد. وقيل: هو ضرب الرمل، فيحتج به الرمالون. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٥) [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١٤) [لقمان: ١٤] يحتج به على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو نوع من أنواع كيفية الاستدلال بالخطاب على الحكم مذكور في أصول الفقه.

стр. 579

[الأحقاف: ١٧] إنكار منه للبعث، وجوابه قولهما له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٧) [الأحقاف: ١٧] أي وقد وعد بالبعث. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٩) [الأحقاف: ١٩] يحتج به على أن للأعمال أثرا في تفاوت الدرجات؛ فيقال: إنه يقال لأهل الجنة: ادخلوها برحمة الله واقتسموها بأعمالكم. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٥) [الأحقاف: ٢٥] قيل: وهو عام خص بالحس لمشاهدتنا السماوات والأرض لم تدمر، والأشبه أنه عام أريد به الخاص، وهو ما يختص بقوم عاد من المساكن والأموال والأنفس ونحوها، بدليل: ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٤٢) [الذاريات: ٤٢] فحصر ما دمرته بما أتت عليه، وإنما أتت على أرض عاد. ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٢٩) [الأحقاف: ٢٩] إلى قولهم: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣١) [الأحقاف: ٣١] يحتج به على وجود الجن، وأن منهم مسلمين. وقولهم: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣٠) [الأحقاف: ٣٠] لعلهم كانوا على دين التوراة، فلذلك خصوا بالذكر موسى دون عيسى. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٣) [الأحقاف: ٣٣] استدلال/ [١٨٥ ب/م] على منكري البعث وقد سبق في هذه السورة في قول القائل: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٧) [الأحقاف: ١٧] وقد سبق تقرير هذا الدليل في «يس» وغيرها.

стр. 580

﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٣٥) [الأحقاف: ٣٥] قيل: هم جميع الرسل، وقيل: هم الخمسة المذكورون في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (٧) [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿*شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣]. ويحتمل أنهم المذكورة قصتهم في سورة هود، وهم سبعة لقوله في آخرها: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٢٠) [هود: ١٢٠] والأشبه الأول/ [٣٨٦/ل]؛ لأنه في غالب القرآن إنما يؤسيه بعموم الرسل نحو: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٤) [الأنعام: ٣٤]. ...

стр. 581

القول في سورة محمد ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ (٢) [محمد: ٢] عطف خاص على عام، وهو يدل على أن الإيمان بالقرآن أخص وأفضل أنواع الإيمان، وهو كذلك؛ لأنه يشمل جميع أنواع الإيمان وغيرها من القصص والأخبار والأحكام. ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤) [محمد: ٤] يحتج به على جواز أسر الكفار إذا ظفر بهم في الحرب، وعلى نسخها لآية الأنفال: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٧) [الأنفال: ٦٧] أو أن هذه كان حكمها إلى غاية الإثخان، وقد حصلت فلا يكون نسخا، بل انقضاء حكم بانقضاء مدته كالإجازة. ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤) [محمد: ٤] يحتج بها المعتزلة؛ لأنه لو كان خالقا لأفعالهم لعلم بما يكون منهم قبل ابتلاء بعضهم ببعض، ولم يبق للابتلاء فائدة. وأجيب بأنه خالق لأفعالهم، عالم بما سيكون منهم، غير أنه أراد أن يظهر ما في علمه ليكون أمارة على حكمه وعدله في حكمه. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ (١٥) [محمد: ١٥] يحتج بها على النعيم والعذاب الحسيين، ومثل ذلك كثير؛ خلافا للفلاسفة والنصارى.

стр. 582

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (١٦) [محمد: ١٦] أي خلقا. ﴿وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (١٧) [محمد: ١٧] يستدل به على قبول الإيمان والهدى والزيادة والنقصان. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ (١٨) [محمد: ١٨] يستدل به على قربها؛ لأن علامات الشيء ومقدماته تدل على قربه، وقد سبق أن القرب والبعد أمران إضافيان. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ (١٩) [محمد: ١٩] يحتج به على تقديم/ [١٨٦ أ/م] أصول الدين كالتوحيد على فروعه كالاستغفار وغيره؛ لتقديمه التوحيد هاهنا، ولأن رتبة الأصل قبل رتبة الفرع، وعلى أن المعتبر في الأصول العلم لا غيره؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ (١٩) [محمد: ١٩] وهذا فيه تفصيل، وهو أن ما كان من القضايا الأصولية بديهيّا استوى فيه العالم وغيره، واعتبر فيه العلم، وما كان نظريا فإن كان قريبا من البديهي جاز أن يكلف العامي بالنظر فيه ليعلم، وإن لم يكن قريبا بعد أن يكلف به العامي لإفضائه إلى تعطيل معاشه خصوصا مع كثرة الشبه ودقتها، وقد كان النبي ﷺ يقنع من عامة الناس بمجرد التصديق والانقياد/ [٣٨٧/ل] لما جاء به، ولو وجب العلم النظري عليهم بينه لهم. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ (٢٣) [محمد: ٢٢ - ٢٣] يحتج به على جواز لعن يزيد، وقد اختلف فيها؛ فمنهم من منعه حسما لمادة الترقي إلى من فوقه، ومنهم من أجازه لفجوره وقطعه الرحم الواجب صلتها. وقد حكي عن أحمد أنه سئل عن لعن يزيد؛ فقال: ألا يجوز لعن من لعنه الله في كتابه؟ ثم تلا هذه الآية. فقيل له: [لم لا] تلعنه أنت؟ فقال: ومن لعنت أنا حتى ألعن يزيد. فمن الناس من اقتدى بفعل أحمد في الترك، ومنهم من اقتدى بفتياه في اللعن.

стр. 583

ويحتمل أن يقال: من غلبت عليه الحمية لله ورسوله وإنكار المنكر جاز أن يلعنه، ومن غلبت عليه عصبية الرافضة لم يجز له ذلك؛ فليتفقد الإنسان نيته وقصده، فإنما الأعمال بالنيات (١). ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ (٣١) [محمد: ٣١] علم الله على ضربين: خاص به، وعام يشركه فيه خلقه، وهو الذي يقوم به الحجة عليهم، وهو المراد هاهنا، أي: حتى نعلم المجاهدين وغيرهم علما مشتركا تقوم به الحجة، وأظن هذا قد سبق. ...

стр. 584

القول في سورة الفتح ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٢) [الفتح: ٢] قيل: ما تقدم من ذنب أبيك آدم، وما تأخر من ذنب أمتك. وقيل: على ظاهره في جواز وقوع الصغائر من الأنبياء. ويدل على ضعف الأول مخالفته للظاهر، وأنه ﷺ قام حتى تورمت قدماه فقيل: أليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» (١) فدل على اختصاص الآية به دون غيره. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٤) [الفتح: ٤] يحتج به على قبول الإيمان الزيادة والنقصان/ [١٨٦ م/ب]. قوله- ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٦) [الفتح: ١٦] احتج بها الجمهور على صحة خلافة أبي بكر-رضوان الله عليه-وتقريره: المخلفين من الأعراب أمروا بطاعته أو بطاعة مستخلفه، وكل من كان كذلك فهو صحيح الخلافة؛ فأبو بكر صحيح الخلافة. أما الأولى فلأن المراد بالمخلفين هم الذين تخلفوا عن تبوك، وقد أخبر الله- أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد، وأن الداعي لهم إلى ذلك واجب الطاعة؛ لتوعدهم على مخالفته والتولي عنه، وهذا الداعي إما أبو بكر فيحصل المقصود أو عمر، وهو خليفة أبي بكر وفرع عليه، وإذا وجبت طاعة عمر-﵁-صحت خلافته، ويلزم صحة خلافة مستخلفه أبي بكر/ [٣٨٨/ل]، وإنما قلنا: إن هذا الداعي أحد الرجلين؛ لأن القوم أولي البأس الشديد إما بنو حنيفة والمجاهد لهم أبو بكر، أو فارس والروم والمجاهد لهم عمر. وأما الثانية: فلأن من لا يكون صحيح الخلافة لا تجب طاعته، أو نقول: لأنهم توعدوا على مخالفته بالعذاب الأليم، ووعدوا على طاعته بالأجر الحسن؛ وكل من كان كذلك كان صحيح الخلافة؛ إذ لا نعني بصحيح الخلافة إلا من وجبت طاعته وحرمت مخالفته.

стр. 585

واعترض الشيعة [لعنهم الله] على هذا بأن قالوا: لا نسلم أن المخلفين أمروا بطاعته، قوله: المخلفون هم الذين تخلفوا عن تبوك، قلنا: لا نسلم، وإنما هم المخلفون عن الحديبية، وقد تخلف عنها جماعة من المنافقين كما ذكره المفسرون، والذي يدل على أن هؤلاء المخلفين غير أولئك اختلافهم في علة التخلف، فهؤلاء مخلفو الحديبية قالوا: (شغلتنا أموالنا وأهلونا). وأولئك مخلفو تبوك؛ قالوا: (لا تنفروا في الحر)، ومنهم من قال: (ائذن لي ولا تفتني)، يعني بنساء الروم اذا غزاهم افتتن بهن. وإنما وقع الاشتباه من اشتراك لفظ المخلفين بين مخلفي الحديبية وتبوك. قوله: وهذا الداعي إما أبو بكر أو عمر، قلنا: لا نسلم، وإنما يصح هذا أن لو ثبت أن المخلفين بين مخلفي الحديبية وتبوك. قوله: القوم أولو البأس الشديد إما بنو حنيفة أو فارس؛ قلنا: لا نسلم، وإنما هذا بناء منكم على أن الداعي أبو بكر أو عمر، وهو ممنوع على ما سبق، وإنما أولو البأس الشديد هوازن، والداعي إلى قتالهم هو النبي ﷺ وهو مفترض الطاعة بلا خلاف (١). وقد ذهب جماعة من جلة/ [١٨٧ أ/م] المفسرين إلى أنهم هوازن، وقد ثبت أن الداعي إلى قتالهم هو النبي ﷺ ، وجدير بهوازن أن يكونوا أولي بأس شديد، والله- -يقول للمؤمنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٢٥) [التوبة: ٢٥] وحسبك منهم قوم لم ينتصف منهم إلا بالمعجز الإلهي النبوي حيث رماهم بقبضة تراب، فقال الله- : ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٧) [الأنفال: ١٧] قالوا: فثبت أن هذه الآية في مخلفي الحديبية ورسول الله وهوازن، لا في مخلفي تبوك وأبي بكر وفارس أو بني حنيفة. واعلم أن الخلاف في هذه الآية وهذه المسألة مبني على أولي البأس الشديد من هم؟ وقد اختلف فيه المفسرون-كما ذكره ابن عطية وغيره-ومع الخلاف لا يمكن الجزم بشيء. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ﴾

стр. 586

﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢٩) [الفتح: ٢٩] خلافا لليهود والنصارى. لنا: أنه ﷺ / [٣٨٩/ل] ادعى النبوة وأتى بالمعجز، وكل من فعل ذلك فهو رسول الله؛ فمحمد رسول الله، وجميع هذه المقامات قد سبق تقريرها على اليهود في إثبات المسيح إلا كونه أتى بالمعجز، والدليل عليه من وجوه: أحدها: أنه أتى بالقرآن، وهو غير كاتب ولا قارئ ولا مدارس بالعلوم؛ فتحدى به العرب الفصحاء؛ فأعجزهم أن يعارضوه، وذلك بعد كل شك وسؤال يورد يقتضي أنه معجز، وقد تقرر هذا في مواضع من هذا التعليق. الثاني: أن القمر انشق له معجزا استفاض ذلك في السنة بعد أن تواتر في القرآن. الثالث: تسليم الحجر عليه. الرابع: نبع الماء من بين أصابعه حتى سقى جيشا وتطهروا منه. الخامس: أنه أشبع جيشا عشرين ألفا وزودهم حتى ملؤوا أوعيتهم من نحو سبعة أو ثمانية آصع. السادس: تسليم الشجر عليه. السابع: إخباره بالغائبات فلم يخرج شيء منها. الثامن: إخباره عن قصص الماضين، فوافق ما عند أهل الكتاب. التاسع: تظليل الغمام له [وميل ظل] الشجرة عليه لتظله. العاشر: أنه رمى هوازن-هم عشرون ألفا-بكف تراب فملأ أعينهم جميعهم فانكسروا. وهذا قليل من كثير من معجزاته ﷺ ، فمن وفق علم بالضرورة صحتها لتواترها عند المسلمين على كثرتهم تواترا لفظيا أو معنويا، ثم علم بالضرورة أن من ظهر ذلك على يده نبي صادق. وأيضا فإن محمدا ﷺ إما أن يكون نبيا صادقا أو ملكا ما حقا، فالثاني باطل، فالأول حق، أما الحصر فلأنه لا/ [١٨٧ ب/م] قائل بثالث؛ لأن المسلمين يقولون: هو نبي صادق، والخصم ممن ينكر نبوته يقول: هو ملك ما حق، أعطي نصرة وسعادة حتى قهر أعداءه ومحقهم، ثم استولى على دعوى النبوة. وأما بطلان كونه ملكا كما زعموا فلأن العادة المطردة والاستقراء التام استمر

стр. 587

بانقراض دول الملوك وسياساتهم بموتهم، ودولة محمد ﷺ باقية مستمرة نحو ألف سنة، وهي في زيادة وقوة، وذلك يدل على أنه ليس بملك كما زعموا، وينتظم الدليل هكذا: لا شيء من دول الملوك بباق بعدهم، ودولة محمد باقية بعده؛ وذلك ينتج المطلوب. وإذا انتفى كونه ملكا ما حقا تعين أنه نبي صادق؛ ضرورة انحصار الحكم في أحد القسمين عند انتفائه عن الآخر، وقد بسطت هذا غير هاهنا. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢٩) [الفتح: ٢٩] يحتج به الجمهور على كفر الرافضة المبغضين للصحابة، وتقريره أن من أبغضهم فقد غاظوه، وكل من/ [٣٩٠/ل] غاظوه فهو كافر، فمن أبغضهم فهو كافر [ينضم إليها صغرى: الرافضة يبغضونهم وكل من أبغضهم فهو كافر]، فالرافضة كفار، والمقدمات واضحة. والرافضة لما رأوا قوة هذا الدليل فزعوا إلى التأويل، فتارة حملوا ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ على أهل البيت وأتباعهم ومن أحبهم، دون من تحامل عليهم ونكث عهدهم، وجعلوه من باب العام المخصوص، أو المراد به الخاص، وتارة حملوا الكلام في الكفار على العهد، لا الاستغراق، أي ليغيظ بهم الكفار المعهودين في عصرهم، أو من أبغضهم عنادا بغير حق، أما من أبغضهم بتأويل واجتهاد مستندا إلى حجة أو شبهة، فلا نسلم دخوله تحت هذا الوعيد، وربما منعوا المقدمة القائلة: كل من غاظوه فهو كافر؛ لأن القرآن إنما دل على أن كل كافر يغتاظ من الصحابة بالضرورة، وإنما تنعكس هذه إلى أن بعض من يغتاظ منهم كافر بالإطلاق، لا إلى كل من يغتاظ منهم كافر، وحينئذ يكون كبرى القياس جزئية، فلا ينتج، وهذا المنع أجود من تأويلهم. ...

стр. 588

القول في سورة الحجرات ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) [الحجرات: ١] أي لا تسبقوه بالرأي والكلام، وسبب الآية يدل عليه، وهو تنازع أبي بكر وعمر [كرم الله وجوههما] في تولية الأقرع بن حابس أو القعقاع بن عمرو. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٢) [الحجرات: ٢]، فيه احترام النبي ﷺ وتوقيره وحبوط العمل بالتفريط في حسن الأدب معه/ [١٨٨ أ/م]، وهذا مستمر بعد موته كحال حياته، بلغ أبلغ. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (٦) [الحجرات: ٦] اعلم أن الناس إما معلوم العدالة فيقبل خبره، أو معلوم الفسق فلا يقبل خبره، أو مجهول الحال فيقبل خبره، أبو حنيفة دون الشافعي، ظاهر هذه الآية مع أبي حنيفة؛ لأنه أمر بالتبيين والتثبت عند خبر الفاسق. ومفهومه أن عند غيره لا يجب ذلك بل يقبل، وذلك يتناول القسمين الآخرين كأنه قال: إن أخبركم فاسق فتبينوا وإلا فاقبلوا. ولعل مأخذ الخلاف أن شرط قبول الخبر العلم بعدالة الراوي، فلا يقبل خبر [المجهول لعدم العلم بعدالته، أو عدم العلم بفسقه فيقبل خبر المجهول] إذ ليس معلوم الفسق، وهو ظاهر الآية كما قلنا، ثم يتفرع على هذا قبول المرسل: وهو ما سقط من إسناده راو تابعي عند المحدثين ومطلق عند غيرهم؛ لأن الراوي الذي سقط ذكره مجهول والخلاف والأحوط أن لا يقبل. ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ (٧) [الحجرات: ٧] فيه إثبات تصرف الله- -في القلوب وتقليبها، وأنه يحبب إليها ما يشاء فتحبه/ [٣٩١/ل] فتقبل عليه، ويكره إليها ما يشاء فتكرهه فتعرض عنه، ويترتب على ذلك خلق الأفعال، ومذهب [الجمهور في الكسب] والجبر.

стр. 589

﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٩) [الحجرات: ٩] احتج به من رأى أقل الجمع اثنين، وتقريره أنه رد ضمير الجمع إلى الطائفتين، ولولا أنهما جمع لما حسن ذلك، وبوجوه أخر: أحدها: ﴿*هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (١٩) [الحج: ١٩]. وثانيها: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ (٧٨) [الأنبياء: ٧٨]. وثالثها: قول يوسف ﵇: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٣٩) [يوسف: ٣٩] ثم قال: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٠) [يوسف: ٤٠]. ورابعها: قوله ﷺ : «اثنان فما فوقهما جماعة» (١) فأخبر بالجماعة عن اثنين. وخامسها: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤) [التحريم: ٤]. وسادسها: أن الجمع ضم شيء إلى غيره، وهو موجود في الاثنين. واحتج به الآخرون بوجوه: أحدها: قول ابن عباس لعثمان: ليس الأخوان أخوة في لسان قومك، فلم ينازعه في

стр. 590

ذلك، وإنما احتج بالإجماع وذلك في حجب الأم بالأخوين. الثاني: لو كان الاثنان أقل الجمع لصح أن يقال: رأيت رجلين ثلاثة أو ثلاثة رجلين، أو رأيت الرجلين كلهم أو الرجال كلاهما، وليس كذلك بإجماع. الثالث: أن أهل اللغة وضعوا لكل واحد من التثنية والجمع بابا [وصيغة غير] ما وضعوا للآخر، فقالوا: مسلمان ومسلمون، ورجلان ورجال، فدل على التغاير. والجواب عن حجة الأولين/ [١٨٨ ب/م] أما عن الأول: فإن الطائفة تصدق على الواحد والجماعة، والطائفتان جماعة، فرد إليهما ضمير الجمع باعتبار أفرادهما، ثم عاد إلى ضمير التثنية في: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٩) [الحجرات: ٩] إلى آخره، باعتبار الفريقين، فحاصله أن في الطائفتين جهتي تثنية وجمع فرد إليهما ضمير الجمع والتثنية بالاعتبارين، وكذا القول في: ﴿*هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (١٩) [الحج: ١٩]، ﴿*وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ (٢١) [ص: ٢١] على ما مر في موضعه. وعن الثالث: أن الضمير في ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ (٧٨) [الأنبياء: ٧٨] عائد إلى سليمان وداود المتحاكمين إليهما وهم جماعة. وعن الرابع: أن المراد صاحبا السجن وقومهما. وعن الخامس: أن الاثنين جماعة في حكم الصلاة، وحصول أصل فضيلة الجماعة، لا أنهما جماعة في اللغة؛ لأنه ﷺ إنما بعث لبيان أحكام الشرع لا اللغة. وعن السادس: أن: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤) [التحريم: ٤] كناية عن إرادتكما التي مبدؤها القلب، أو تثنية لفظية لئلا يجمع بين تثنيتين لو قال: قلباكما.

стр. 591

وعن السابع: أن الجمع أخص مما ذكرتم، وهو ضم شيء إلى أكثر منه، وهو غير موجود في التثنية. وقد أورد على هذه/ [٣٩٢/ل] المسألة، إشكال وهو أنه إن أريد أن الاثنين أقل جمع الكثرة فأقله أحد عشر على ما صرح به أهل العربية: أن جمع القلة ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجمع الكثرة ما فوق ذلك. وإن أريد أقل جمع القلة فمقتضى كلامهم أعم من ذلك؛ لأنهم جعلوا من جمع القلة الجمع السالم، نحو مسلمين ومسلمات، ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ (٣٧) [سبأ: ٣٧]. ويمكن أن يجاب عنه بأن الجمع ضم شيء إلى غيره، وهو من حيث هو أعم من جمع القلة والكثرة لانقسامه إليهما، فجاز أن يراد به أن الاثنين أقل الجمع المطلق من حيث هو، وهو ما صح أن يرد إليه ضمير الجمع. واستدل بالآية على أن الفاسق لا يخرج عن وصف الإيمان؛ لأن البغي فسق والباغي فاسق، وقد أطلق عليه وصف الإيمان في قوله- ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٩) [الحجرات: ٩] فسمى الجميع مؤمنين، وكذلك قوله ﷺ للحسن: «إن ابني هذا سيد ولعل الله [يصلح] به بين فئتين [عظيمتين] من المسلمين» (١) يعني أهل العراق وبغاة الشام، وفى الاستدلال بهذا الحديث [نظر]. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (١١) [الحجرات: ١١] احتج به من يرى أن القوم خاص بالرجال؛ لأنه قابله بالنساء فيكون قسيما للقوم، وقسيم الشيء استحال أن يدخل تحته ويكون قسما منه/ [١٨٩ أ/م] ولقول الشاعر:

стр. 592

وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء والاستدلال به كما سبق، ولأن القوم مشتق من القيام بالأمور، وهو وصف الرجال لا النساء، والرجال قوامون على النساء، ولأن العرب تقول: يا لقومي، وإنما يستغاث ويستنجد بالرجال لا النساء. واعترض على الأولين بأنه إنما اختص القوم فيهما بالرجال لقرينة المقابلة والتقسيم؛ فلعله لولا ذلك لما دل. وعلى الثالث بأن النساء لهن حظ في القيام بالأمور: كخدمة المنازل وتربية الأولاد ونحوه. وعن الرابع بأنه معارض بقولهم: هذه امرأة من قومي، ولولا صدق القوم على النساء لما صح ذلك. واحتج الآخرون بوجوه: أحدها: قوله- : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٠٥) [الشعراء: ١٠٥] ونحوه، وهو يتناول النساء. الثاني: ما سبق من قولهم: هذه امرأة من قومي. الثالث: لو وصى لقومه دخل النساء. الرابع: أن الرجال والنساء كل منهما يتقوم بالآخر في التناسل والوجود، فمعنى القوم موجود فيهما/ [٣٩٣/ل]. واعترض على الأولين بدخول النساء في القوم تبعا لتغليب الرجال. وعلى الثالث بأنهن دخلن بقرينة الوصية، وأن مقصودها البر وصلة الرحم. وعلى الرابع بأن القوم راجح في الرجال، ولذلك كان النسب شرفا ودناءة مختصا بهم. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١٣) [الحجرات: ١٣] هذا في مشروعية علم النسب وتفاصيله في الكتب.

стр. 593

الإسلام فاقتضى التغاير، وهو كذلك لغة وشرعا ومركبا منهما. أما لغة: فالإيمان التصديق ومحله القلب، والإسلام الانقياد ومحله القلب والبدن جميعا، فهو أعم، والتغاير حاصل، وهذا وهو المراد بالآية، أي: لم تؤمنوا بقلوبكم، وإنما أسلمتم، أي: انقدتم بظواهركم. وأما شرعا: فلأن النبي ﷺ فسر الإيمان في حديث جبريل بالتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وهي الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج، والتغاير أيضا حاصل؛ لأن عمل القلب غير عمل البدن، وما تعلق بالباطن غير ما تعلق بالظاهر. وأما مركبا منهما: فالإيمان لغة: التصديق، والإسلام شرعا ما ذكر من الأعمال الظاهرة وهما متغايران، وإن كان العمل الظاهر قد [يلزم التصديق] / [١٨٩ ب/م]، والتصديق قد يترتب عليه العمل الظاهر، والإسلام لغة: الانقياد بالباطن أو الظاهر أو بهما، والإيمان شرعا: التصديق بالله- -وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (١)، وهما متغايران، وإن كان التصديق بهذه الأركان قد يترتب عليه الانقياد الظاهر، والانقياد بالظاهر قد يلزمه التصديق بهذه الأركان، أما التصديق بهما والانقياد بالباطن فهما واحد أو متلازمان. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (١٥) [الحجرات: ١٥] إن قيل: هذا تعريف الشيء نفسه. قلنا: ليس كذلك، بل هو تعريف الإيمان الشرعي باللغوي، أي: إنما المؤمنون شرعا الذين آمنوا لغة، أي: صدقوا بالله ورسوله، وهو كقوله-﵊-لجبريل حين سأله عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله» إلى آخره. ...

стр. 594

القول في سورة ق ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٢) [ق: ٢] سبق القول في أول سورة يس وغيرها. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٣) [ق: ٣] هذه شبهة منكري البعث من الكفار وتقريرها: أننا بالموت نصير/ [٣٩٤/ل] ترابا، والتراب استحال أن يرجع بشرا سويا، فنحن نستحيل أن نرجع بعد الموت بشرا كما كنا. والجواب: ما أشار الله- -إليه بقوله- : ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ (٤) [ق: ٤] وتقريره أن يقال: أما قولكم: إنا نصير بالموت ترابا؛ فصحيح، وأما قولكم: التراب استحال أن يرجع بشرا سويا؛ فباطل ممنوع، بل هو ممكن، وبيان إمكانه أن الإنسان ينحل بدنه بعد ما تنقص الأرض والبلى منه إلى جواهر حافظة لصورها باقية، ونحن نعلم أعيان تلك الجواهر وأماكنها من الأرض ومن بدن الإنسان، فنحن نؤلف تلك الأجزاء بعضها إلى بعض بعلمنا وقدرتنا، ثم ننشئ عوضا عما نقصت الأرض منه، ثم نعيده بشرا سويا، وهذا أمر ممكن لا ينكره العقل ولا يقصر عن إدراكه، وإنما ضل هؤلاء من حيث الجهل، إذ نزلوا الممكن البعيد عنهم منزلة المستحيل في نفسه، فاختلط عليهم الحق بالباطل والصواب بالخطأ. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ (٥) [ق: ٥] أي: مختلط، وينتظم الدليل هكذا: الجسم ينحل إلى جواهر معلومة المحال، وكل ما كان كذلك أمكن إعادته، فالجسم أمكن إعادته، والأولى ثابتة بهذه الآية، والثانية واضحة على ما قررنا، ولنضرب لبعث الأجساد أمثلة تقربه: أحدها: أن الأرواح كطيور فارقت أبراجها وأقفاصها وانهدم البرج بعد مفارقتها، فإذا أريد عودها إليه أعيد عامرا ثم عادت إليه. الثاني: / [١٩٠ أ/م] أن الناس في حياتهم وموتهم وبعثهم كقوم تجردوا عن ثيابهم ثم صاح بهم صائح لأمر مهم، فبادر كل منهم إلى ثوبه فدخل فيه ثم أجاب، والجسد كالثوب، وقد بينا إمكان إعادته وأنه سيعود. الثالث: أن الجسم كعقد انقطع سلكه، فإذا أريد إعادته منظوما التقط حبه من مواضعه ثم نظم في سلكه.

стр. 595

الرابع: أن شبكة العنكبوت قد تنخرق وتنقطع فيتجرد عنها ثم تعود فيعود إليها. الخامس: السيف يجرد من غمده ثم يرث الغمد ويخلق، ثم يجدد وإليه يعاد السيف فيغمد. السادس: النحل يفارق بيته الذي بناه فربما خرب ثم يعاد فيعاوده، ونظائره كثيرة ما بين قريب في التمثيل وبعيد ومتوسط، وأقربها التمثيل بالطير والقفص، إذ الروح كطائر في قفص مربوط في رجله خيط طويل فهو يطير ما بين اليوم والليلة مرة أو مرارا ثم يجذب بذلك الخيط فيعود، فإذا انفلت من ذلك الخيط طارت وطالت/ [٣٩٥/ل] غيبته وتكسر القفص، فإذا كان وقت عوده جدد القفص كما كان وعاد الطير إليه كما كان [وهكذا حال النفس مع البدن، تفارق في حال النوم وتعاود لارتباطها بالبدن، وبالموت ينحل رباطها إلى البعث ثم يعاد الجسم بعد بلائه فتعاود سكناه. وربما ضحك الفيلسوف ومنكر البعث من هذا التقريب، وهو أحق أن يضحك من عقله، إذ لا يشك عاقل في إمكان ما ادعيناه وتسهيل تصور البعث بما قربناه. ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ (٦) [ق: ٦] يعني السماء لا فرج فيها، وهو لا ينفي قبولها للخرق والالتئام كما سبق، كالثوب الصحيح يقبل الانقطاع. ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٩) [ق: ٩] إلى ﴿رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (١١) [ق: ١١] هذه حجة أخرى على إمكان البعث ووقوعه، أما وقوعه فمستنده السمع المعصوم المستند إلى دليل المعجز المعقول، وأما إمكانه فبالقياس على إحياء الأرض بعد موتها وقد سبق غير مرة، وتوجيهه أن أجزاء الجسم القارة في الأرض كحب الزرع في الأرض وإخراجه حيّا من الأرض كإخراج الحب نباتا منها، وكيفية ذلك ما سبق، والمقوم له قدرة الفاعل وقابلية القابل والحكمة اللطيفة الرابطة بين تأثير الفاعل في القابل، فالحب/ [١٩٠ ب/م] في الأرض أصل، وأجزاء الجسم فيها فرع، [والحكم إخراجها] نباتا وحبا، والعلة الإمكان وتمام القدرة ولطيف الحكمة، وربما كان ذلك بواسطة ما تمطره السماء كمني الرجال تنبت فيه الأجسام كما تنبت الحبة في حميل السيل، وبعد هذا البيان لا ينكر البعث إلا جاهل أو معاند للبرهان. ثم من العجب قولهم: إن التراب استحال أن يعود بشرا سويا، مع تسليمهم أو أكثرهم

стр. 596

أن آدم خلق من تراب فكان بشرا سويا. ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] هذا دليل آخر على البعث والمعاد بالقياس على ابتداء الخلق كما مرّ في سورة «الروم» وتقريره: لو امتنعت الإعادة لوجب أن نعيا، أي: نعجز عن الابتداء، واللازم باطل فالملزوم كذلك؛ بيان الملازمة أن الإعادة أهون من الابتداء كما تقرر وعرف، ولو امتنعت الإعادة لعجزنا عنها، ولو عجزنا عنها لكنا عن الابتداء الذي هو أصعب منها أعجز، فلو امتنعت الإعادة لعجزنا عن الخلق الأول. وأما بطلان اللازم؛ فلأن الخلق الأول قد وجد منا، ويلزم ذلك أنا لم نعجز عنه، وإلا لما وجد، وأما بطلان الملزوم فلاستحالة وجوده مع انتفاء اللازم، وثم معنى الآية: أننا ما عيينا عن الخلق الأول حتى نعيا عن الثاني. ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] يعني: الكفار ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] أي: في شك واختلاط، وهل: قوله: (خلق)، مصدر/ [٣٩٦/ل] أو مفعول بمعنى مخلوق جديد؟ كلاهما محتمل، فإن صح أن المراد مخلوق جديد أمكن أن يصح قول من زعم أن المعاد ليست هذه الأجسام بعينها بل غيرها مثلها؛ إذ الجسم ليس مقصودا لذاته بل هو آلة لنعم الروح أو عذابها، وإن كان المراد بالخلق المصدر وهو الظاهر لا يلزم ذلك؛ لأن الإنشاء الثاني وإن كان غير الأول لكن المنشأ هو الأول بعينه كجدار ينهدم ثم يعاد بآلته بعينها، فالبناء الثاني غير الأول والمبنى واحد. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١٦) [ق: ١٦]، يحتج بها الاتحادية على ما سبق. وجوابه: أن قربه منه بالعلم والقدرة، وعلمه بوسوسة النفس لتعلق علمه بجميع المعلومات مع مباينة ذاته لسائر الذوات، لا لسريانه بذاته في الموجودات، كما زعموا. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (١٧) [ق: ١٧] الآيتين، فيه الحفظة وكتابهم ما يصدر عن المكلف، يكتبون عليه بسيط اللفظ ومركبه من كلمة/ [١٩١ أ/م] وكلم وكلام، إذا القول يشمل ذلك كله.

стр. 597

الآخر والوعد والوعيد والجنة والنار ونحوه. ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢٢) [ق: ٢٢] هذا كقوله- : ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٤٧) [الزمر: ٤٧] ونحوه، واختلف في هذا الغطاء الذي إذا كشف صار البصر حديدا، فعند الصوفية: هو تجرد النفس عن علائق الأوهام والخيالات؛ ولهذا يستعملون الرياضة والخلوة والمجاهدة في إزالة الوهميات والخيالات، فمن صح له ذلك أشرف على كشوفات عظيمة، قال لي بعضهم: «ارتضت حتى رأيتني أدور بدوران الفلك في مجاري النجوم والشمس والقمر، أطلع إذا طلعت، وأغرب إذا غربت، وأتوسط إذا توسطت» وقال لي بعض الفضلاء منهم ببيت المقدس: «ارتضت حتى رأيتني والعالم كرتين إذا استغرقت فنيت كرته، وبقيت كرتي، وإذا عدت إلى عالم الحس كان بالعكس» وإذا أردت أن ترى العجب العجاب من ذلك فانظر في مرأى الشيخ أبي ثابت محمد بن عبد الملك الديلمي الهمذاني في كتاب «مرآة الأرواح» له. وعند الاتحادية: هو تعلق ذات الحق بهذا الطور البشري، فبعد إدراك العقل له لشدة قربه، فإذا فارق مظهره البشري وصدر انكشف الغطاء عنه وظهر، وشبهوه بالقمر كلما قرب من الشمس استتر وانمحق، وكلما بعد عنها وقرب من مقابلتها استنار وأشرق. وعن الفلاسفة: هو ملابسة النفس والروح اللطيف/ [٣٩٧/ل] للجسم الكثيف، فكان عليه كالغطاء مانعا له من إشراق النور العلوي عليه والضياء؛ فإذا تزايلا كشف الغطاء وتبين من الخير والشر جنس العطاء، ألا ترى أن الأدهان اللطيفة ما دامت سارية في محلها لا تؤثر آثارها المستعدة هي لها كالزيت في الزيتون والشيرج في السمسم ودهن اللوز فيه ونحوه، فإذا استخرجت منه وفارقها كثيفها أثرت تلك الآثار وانكشف عن وجه فعلها الغطاء فاستنار، وكذلك الماء للطافته يصف ما وراءه، والهواء كذلك لا يمنع نفوذ أشعة الإبصار فيرى الحيوان على بعد إزاءه فإذا خالطا الأرض الكثيفة المظلمة محقت ظلمتها تلك الأنوار، واحتجت لطافتهما وراء تلك الأستار وإذا أردت مشاهدة ذلك عيانا فانظر إلى لطافة الماء وصفائه، كيف يستهلكها التراب إذا جمع بينهما/ [١٩٠ ب/م] فصار طينا؟ ! فلو فرض تخليص الماء من الطين على صفته لعاد إلى فعله بموجب لطافته.

стр. 598

وعند المتكلمين: فهو أن الإنسان بين غطاء التكليف وكشف الجزاء، فإذا كشف هذا الغطاء ظهر ذلك الكشف، ولو ظهر ذلك الكشف في زمن التكليف لصار الإيمان ضروريا وبطل التكليف لبطلان حكمته. [فهذا ما استحضرناه من أقوال الناس في الغطاء نقلا عنه أو قياسا على مقتضى قولهم] ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (٣٥) [ق: ٣٥] قيل: هو الزيادة في قوله- : ﴿*لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٦) [يونس: ٢٦] فيستدل به على الرؤية كما سبق. ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٣٩) [ق: ٣٩] وفي «طه»: ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (١٣٠) [طه: ١٣٠] وفي «الروم» ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١٧) [الروم: ١٧] وفى «سبحان» ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ (٧٨) [الإسراء: ٧٨] الآيات، يحتج بها على مواقيت الصلاة، وبعضها أبين من بعض، ثم جاءت السنة فأمعنت في بيانها؛ كحديث ابن عباس وجابر وأبي موسى وغيرهم، وبقي بعض الإجمال، فجاء الفقهاء فأزالوه، فبلغت أحكام الآيات المذكورة بهذا التبيين غايتها من البيان، وكذلك سائر النصوص المجملة بلغت بالتبيين غايتها من البيان، وظهر بهذا أن المجمل والمبين على مراتب في الجلاء والخفاء، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (١) ثم «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، ثم حديث المسيء في صلاته، مترتبة في الإجمال، كل واحد منها أشد إجمالا مما بعده، وهي في البيان على العكس كل واحد منها

стр. 599

أبين مما قبله، ثم قال بعض الأصوليين: «إن البيان في ضمن المجمل حتى إن جميع ما وردت به السنة وقاله الفقهاء في تفاصيل الصلاة وأفعالها في ضمن قوله- : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣) [البقرة: ٤٣] ووجهه أن البيان كاشف عما في ضمن المجمل، كالبحث كاشف عما في ضمن الأرض من المعادن، وكما أن المعادن تستخرج من الأرض بالبحث/ [٣٩٨/ل]، كذلك المعاني والأحكام تستخرج من المجمل بالبيان. ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٤١) [ق: ٤١] الآيات هي في نفخ إسرافيل في الصور وجمع الناس للحشر، ونحوه من أحكام الآخرة. ...

стр. 600

القول في سورة الذاريات ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢١) [الذاريات: ٢٠ - ٢١] إشارة إلى النظر والاستدلال في آيات الله- -وقد سبق أنه واجب، وهو يفيد العلم أو الظن بحسب مواده، إذا استكمل الشرائط. ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣٦) [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] / [١٩٢ أ/م] يحتج به على أن الإيمان والإسلام واحد؛ لأن المشار إليه بالمسلمين والمؤمنين واحد وهم آل لوط. وأجيب بأن الإيمان أخص من الإسلام لغة؛ إذ كل مصدق منقاد وليس كل منقاد مصدقا، وبينهما عموم وخصوص شرعا، وبعض الفاعل للأعمال الظاهرة مصدق بالأركان الخمسة؛ ولما كان الأمر كذلك كان بين الإيمان والإسلام ارتباط، وكانا مجتمعين في أهل هذا البيت المذكور، فذكروا في كل واحد من الآيتين بأحد الوصفين نفيا للتكرار عن الفاصلتين، وتنبيها على اجتماع الوصفين فيهم [لا] لأنهما شيء واحد. ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٤٠) [الذاريات: ٤٠] يرد على من زعم أن فرعون مات مسلما، وإلا لما وصف في هذه الحالة بأنه مليم أي: آت بما يلام عليه، ولم تجر عادة الله- -أن يذم عاصيا بعد توبته، ولا كافرا بعد إسلامه. ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٤٢) [الذاريات: ٤٢] هذا مخصص لقوله- : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٥) [الأحقاف: ٢٥] أي كل شيء أتت عليه، وهي لم تأت على كل شيء على الإطلاق بل على ما كان لعاد كما سبق في «الأحقاف». ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ (٥٤) [الذاريات: ٥٤] وعيدي محكم أو منسوخ بآية السيف. ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) [الذاريات: ٥٦] يحتمل وجهين: أحدهما: أن هذه لام التكليف والتوظيف، أي: ما خلقهم إلا مكلفين موظفا عليهم العبادة: ولا يلزم ذلك القيام بالوظيفة، كما يقال: ما اشتريت هذا العبد إلا ليخدمني، أي: وظيفته ذلك، وقد يعصي أو يأبق فلا يخدم.
следующие страницы →