← Тафсир

Тафсир · id 13550

الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية

الطوفي

Полный текст (691 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أن آدم خلق من تراب فكان بشرا سويا. ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] هذا دليل آخر على البعث والمعاد بالقياس على ابتداء الخلق كما مرّ في سورة «الروم» وتقريره: لو امتنعت الإعادة لوجب أن نعيا، أي: نعجز عن الابتداء، واللازم باطل فالملزوم كذلك؛ بيان الملازمة أن الإعادة أهون من الابتداء كما تقرر وعرف، ولو امتنعت الإعادة لعجزنا عنها، ولو عجزنا عنها لكنا عن الابتداء الذي هو أصعب منها أعجز، فلو امتنعت الإعادة لعجزنا عن الخلق الأول. وأما بطلان اللازم؛ فلأن الخلق الأول قد وجد منا، ويلزم ذلك أنا لم نعجز عنه، وإلا لما وجد، وأما بطلان الملزوم فلاستحالة وجوده مع انتفاء اللازم، وثم معنى الآية: أننا ما عيينا عن الخلق الأول حتى نعيا عن الثاني. ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] يعني: الكفار ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) [ق: ١٥] أي: في شك واختلاط، وهل: قوله: (خلق)، مصدر/ [٣٩٦/ل] أو مفعول بمعنى مخلوق جديد؟ كلاهما محتمل، فإن صح أن المراد مخلوق جديد أمكن أن يصح قول من زعم أن المعاد ليست هذه الأجسام بعينها بل غيرها مثلها؛ إذ الجسم ليس مقصودا لذاته بل هو آلة لنعم الروح أو عذابها، وإن كان المراد بالخلق المصدر وهو الظاهر لا يلزم ذلك؛ لأن الإنشاء الثاني وإن كان غير الأول لكن المنشأ هو الأول بعينه كجدار ينهدم ثم يعاد بآلته بعينها، فالبناء الثاني غير الأول والمبنى واحد. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١٦) [ق: ١٦]، يحتج بها الاتحادية على ما سبق. وجوابه: أن قربه منه بالعلم والقدرة، وعلمه بوسوسة النفس لتعلق علمه بجميع المعلومات مع مباينة ذاته لسائر الذوات، لا لسريانه بذاته في الموجودات، كما زعموا. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (١٧) [ق: ١٧] الآيتين، فيه الحفظة وكتابهم ما يصدر عن المكلف، يكتبون عليه بسيط اللفظ ومركبه من كلمة/ [١٩١ أ/م] وكلم وكلام، إذا القول يشمل ذلك كله.

стр. 597

الآخر والوعد والوعيد والجنة والنار ونحوه. ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢٢) [ق: ٢٢] هذا كقوله- : ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٤٧) [الزمر: ٤٧] ونحوه، واختلف في هذا الغطاء الذي إذا كشف صار البصر حديدا، فعند الصوفية: هو تجرد النفس عن علائق الأوهام والخيالات؛ ولهذا يستعملون الرياضة والخلوة والمجاهدة في إزالة الوهميات والخيالات، فمن صح له ذلك أشرف على كشوفات عظيمة، قال لي بعضهم: «ارتضت حتى رأيتني أدور بدوران الفلك في مجاري النجوم والشمس والقمر، أطلع إذا طلعت، وأغرب إذا غربت، وأتوسط إذا توسطت» وقال لي بعض الفضلاء منهم ببيت المقدس: «ارتضت حتى رأيتني والعالم كرتين إذا استغرقت فنيت كرته، وبقيت كرتي، وإذا عدت إلى عالم الحس كان بالعكس» وإذا أردت أن ترى العجب العجاب من ذلك فانظر في مرأى الشيخ أبي ثابت محمد بن عبد الملك الديلمي الهمذاني في كتاب «مرآة الأرواح» له. وعند الاتحادية: هو تعلق ذات الحق بهذا الطور البشري، فبعد إدراك العقل له لشدة قربه، فإذا فارق مظهره البشري وصدر انكشف الغطاء عنه وظهر، وشبهوه بالقمر كلما قرب من الشمس استتر وانمحق، وكلما بعد عنها وقرب من مقابلتها استنار وأشرق. وعن الفلاسفة: هو ملابسة النفس والروح اللطيف/ [٣٩٧/ل] للجسم الكثيف، فكان عليه كالغطاء مانعا له من إشراق النور العلوي عليه والضياء؛ فإذا تزايلا كشف الغطاء وتبين من الخير والشر جنس العطاء، ألا ترى أن الأدهان اللطيفة ما دامت سارية في محلها لا تؤثر آثارها المستعدة هي لها كالزيت في الزيتون والشيرج في السمسم ودهن اللوز فيه ونحوه، فإذا استخرجت منه وفارقها كثيفها أثرت تلك الآثار وانكشف عن وجه فعلها الغطاء فاستنار، وكذلك الماء للطافته يصف ما وراءه، والهواء كذلك لا يمنع نفوذ أشعة الإبصار فيرى الحيوان على بعد إزاءه فإذا خالطا الأرض الكثيفة المظلمة محقت ظلمتها تلك الأنوار، واحتجت لطافتهما وراء تلك الأستار وإذا أردت مشاهدة ذلك عيانا فانظر إلى لطافة الماء وصفائه، كيف يستهلكها التراب إذا جمع بينهما/ [١٩٠ ب/م] فصار طينا؟ ! فلو فرض تخليص الماء من الطين على صفته لعاد إلى فعله بموجب لطافته.

стр. 598

وعند المتكلمين: فهو أن الإنسان بين غطاء التكليف وكشف الجزاء، فإذا كشف هذا الغطاء ظهر ذلك الكشف، ولو ظهر ذلك الكشف في زمن التكليف لصار الإيمان ضروريا وبطل التكليف لبطلان حكمته. [فهذا ما استحضرناه من أقوال الناس في الغطاء نقلا عنه أو قياسا على مقتضى قولهم] ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (٣٥) [ق: ٣٥] قيل: هو الزيادة في قوله- : ﴿*لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٦) [يونس: ٢٦] فيستدل به على الرؤية كما سبق. ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٣٩) [ق: ٣٩] وفي «طه»: ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (١٣٠) [طه: ١٣٠] وفي «الروم» ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١٧) [الروم: ١٧] وفى «سبحان» ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ (٧٨) [الإسراء: ٧٨] الآيات، يحتج بها على مواقيت الصلاة، وبعضها أبين من بعض، ثم جاءت السنة فأمعنت في بيانها؛ كحديث ابن عباس وجابر وأبي موسى وغيرهم، وبقي بعض الإجمال، فجاء الفقهاء فأزالوه، فبلغت أحكام الآيات المذكورة بهذا التبيين غايتها من البيان، وكذلك سائر النصوص المجملة بلغت بالتبيين غايتها من البيان، وظهر بهذا أن المجمل والمبين على مراتب في الجلاء والخفاء، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (١) ثم «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، ثم حديث المسيء في صلاته، مترتبة في الإجمال، كل واحد منها أشد إجمالا مما بعده، وهي في البيان على العكس كل واحد منها

стр. 599

أبين مما قبله، ثم قال بعض الأصوليين: «إن البيان في ضمن المجمل حتى إن جميع ما وردت به السنة وقاله الفقهاء في تفاصيل الصلاة وأفعالها في ضمن قوله- : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣) [البقرة: ٤٣] ووجهه أن البيان كاشف عما في ضمن المجمل، كالبحث كاشف عما في ضمن الأرض من المعادن، وكما أن المعادن تستخرج من الأرض بالبحث/ [٣٩٨/ل]، كذلك المعاني والأحكام تستخرج من المجمل بالبيان. ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٤١) [ق: ٤١] الآيات هي في نفخ إسرافيل في الصور وجمع الناس للحشر، ونحوه من أحكام الآخرة. ...

стр. 600

القول في سورة الذاريات ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢١) [الذاريات: ٢٠ - ٢١] إشارة إلى النظر والاستدلال في آيات الله- -وقد سبق أنه واجب، وهو يفيد العلم أو الظن بحسب مواده، إذا استكمل الشرائط. ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣٦) [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] / [١٩٢ أ/م] يحتج به على أن الإيمان والإسلام واحد؛ لأن المشار إليه بالمسلمين والمؤمنين واحد وهم آل لوط. وأجيب بأن الإيمان أخص من الإسلام لغة؛ إذ كل مصدق منقاد وليس كل منقاد مصدقا، وبينهما عموم وخصوص شرعا، وبعض الفاعل للأعمال الظاهرة مصدق بالأركان الخمسة؛ ولما كان الأمر كذلك كان بين الإيمان والإسلام ارتباط، وكانا مجتمعين في أهل هذا البيت المذكور، فذكروا في كل واحد من الآيتين بأحد الوصفين نفيا للتكرار عن الفاصلتين، وتنبيها على اجتماع الوصفين فيهم [لا] لأنهما شيء واحد. ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٤٠) [الذاريات: ٤٠] يرد على من زعم أن فرعون مات مسلما، وإلا لما وصف في هذه الحالة بأنه مليم أي: آت بما يلام عليه، ولم تجر عادة الله- -أن يذم عاصيا بعد توبته، ولا كافرا بعد إسلامه. ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٤٢) [الذاريات: ٤٢] هذا مخصص لقوله- : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٥) [الأحقاف: ٢٥] أي كل شيء أتت عليه، وهي لم تأت على كل شيء على الإطلاق بل على ما كان لعاد كما سبق في «الأحقاف». ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ (٥٤) [الذاريات: ٥٤] وعيدي محكم أو منسوخ بآية السيف. ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) [الذاريات: ٥٦] يحتمل وجهين: أحدهما: أن هذه لام التكليف والتوظيف، أي: ما خلقهم إلا مكلفين موظفا عليهم العبادة: ولا يلزم ذلك القيام بالوظيفة، كما يقال: ما اشتريت هذا العبد إلا ليخدمني، أي: وظيفته ذلك، وقد يعصي أو يأبق فلا يخدم.

стр. 601

والثاني: أنها لام العلة [أو] العاقبة، والجن والإنس عام أريد به الخاص، وهم العابدون المطيعون منهم، ثم العبادة هل المراد بها عمومها أو خصوص التوحيد؟ فيه خلاف. ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٨) [الذاريات: ٥٨] عموم والحصر فيه يقتضي أن لا رازق للحلال والحرام إلا الله- -خلافا للمعتزلة في الرزق الحرام ما سبق أول «البقرة» / [٣٩٩/ل]. ...

стр. 602

القول في سورة الطور ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً﴾ (٩) [الطور: ٩] أي: تموج وتضطرب، وذلك مستلزم لتحركها حركة مستقيمة، خلافا للفلاسفة في أن الأفلاك لا تقبل الحركة المستقيمة، اللهم إلا أن يدعوا أو يثبت في الهيئة أن السماء غير الفلك، فلا يكون في هذه حجة عليهم، لجواز أن تضطرب السماء بحركة مستقيمة دون الفلك. ﴿اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٦) [الطور: ١٦] هذا/ [١٩٢ ب/م] أمر بمعنى التسوية، وهو من أقسام ما وردت له صيغة «افعل». ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (١٧) [الطور: ١٧] الآيات، فيها إثبات النعيم والعذاب المحسوسين. ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ (٢٩) [الطور: ٢٩] فيه الشهادة الإلهية بصدق النبي ﷺ وأن النبوة نعمة، وأن الكهانة والجنون بلاء، كأنه- -يقول: ما أنت بنعمة ربك مصاب في دينك بالكهانة ولا في عقلك بالجنون. ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٣٤) [الطور: ٣٣ - ٣٤] هذا من آيات التحدي [بالقرآن المصحح لكونه معجزا، فلما لم يأتوا بمثله مع هذا التحدي] دل على عجزهم وأنه معجز، ولو أن شخصا أتى بما يعجز عنه الجن والإنس وسائر العالم ولم يتحدهم به لم يسم ذلك معجزا شرعيا، ولا الآتي به نبيا. ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ (٣٥) [الطور: ٣٥] هذا من أدلة إثبات الصانع، وتقريره: أن هؤلاء الكفار لا يخلو: إما أنهم خلقوا من غير خالق، أو أنهم خلقوا أنفسهم، أو خلقهم غيرهم، والأول باطل، إذ خلق بلا خالق تناقض، ووجود معلول بلا علة وهو محال. والثاني باطل؛ لأن خلقهم أنفسهم يستلزم اجتماع وجودهم وعدمهم معا حال الخلق، وإنه محال؛ لأن كونهم أثرا يقصد إخراجه إلى الوجود يقتضي عدمهم، وكونهم مؤثرا يقتضي وجودهم؛ فتعين الثالث، وهو أن غيرهم خلقهم وهو الصانع القديم، وهذه الآية التي لما سمعها جبير بن مطعم من النبي ﷺ يتلوها في صلاة المغرب قال: «كاد ينخلع لها

стр. 603

قلبي» (١) أو كما قال؛ لأنه فهم منها هذا الاستدلال، وهو بالسبر والتقسيم. ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ (٣٦) [الطور: ٣٦]، دليل آخر على ذلك، وهو أن السماوات والأرض أثر فلا بد له من مؤثر، ثم ذلك المؤثر إما هي أو هم أو غيرهما، والأولان باطلان فتعين الثالث وهو الصانع القديم، وهو أيضا سبري تقسيمي، ولذلك جعلنا تأثيرهما في وجودهما داخلا في التقسيم ليكون تاما لا ناقصا، ويقطع على أنه مراد من الآية لذلك، إذ الله- -لا يحتج بدليل [ناقص ولا فاسد]. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (٣٧) [الطور: ٣٧] هذا جواب عما تضمنه إنكارهم لنبوته ﷺ / [٤٠٠ ل] من إنكار اختصاصه عليهم بالنبوة، وأنه لو اختص بها دونهم لزم الترجيح بلا مرجح، فأجيب بأن المرجح فضل الله- -ورحمته، وليست خزائن الرحمة عندكم و [لا] بأيديكم حتى تتحجروا منها واسعا عن الخلق، وهذا / [١٩٣ أ/م] السؤال وجوابه قد سبق في مواضع. ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (٣٩) [الطور: ٣٩] هذا إنكار لقول الكفار: «الملائكة بنات الله- » وقد تضمن الجواب: بأنكم استأثرتم بالأكمل، وجعلتم لربكم -ما هو أنقص، وهو خلاف الأدب والعدل، فإذا لم يكن بد من سوء الاعتقاد فهلا تأدبتم وآثرتموه بالأكمل، أو جعلتم له مثل ما جعلتم لكم. ﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٣) [الطور: ٤٣] هذا توحيد، ودليله أن ما تشركون معه من الآلهة إما ناقص لا يملك ضرا ولا نفعا فهو لا يصلح للإلهية لنقصه، أو كامل مساو للإله الح [ق: ] من كل وجه، فيلزم فساد العالم بدليل التمانع أو تركيب القديم بدليل الحكماء، وكلاهما باطل؛ فإذن لا شريك له- لا كامل ولا ناقص، والآية إنما دلت على تنزهه- -عن الشريك، فأما خصوصية هذا الاستدلال فشيء استحضرناه هاهنا، فذكرناه.

стр. 604

القول في سورة النجم ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ (١) [النجم: ١] قيل: هو قسم بالشهاب المنقض على مسترق السمع، والمراد القسم بالقدرة الإلهية على ذلك، وقيل: هو قسم بنجوم القرآن النازلة في أوقاتها، والمراد القسم بالكلام الأزلي القديم، [وزعمت الشيعة أن: النبي ﷺ قال: «الخليفة بعدي من يهوي النجم الليلة في داره»، فهوى النجم-أي: انقض-في دار علي، ثم أقسم الله- -به تعظيما له وتأكيدا لحقه، وهذا لا يعرف إلا من جهتهم أو من يتأوّله عنهم، وقد ذكره صاحب اللباب في خصائص أبي تراب وغيره منهم بأسانيد لا تثبت] (١). ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾ (٢) [النجم: ٢] نفي للضلال والغي عن النبي ﷺ يستلزم إثبات الهداية له مراغمة للكفار. ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) [النجم: ٣، ٤] يحتج به على أنه كان لا يحكم بالاجتهاد بل بالوحي، وأن السنة الواردة عنه كانت توحى إليه كما قال-﵊: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، وإن جبريل يأتيني بالسنة كما يأتيني بالقرآن»، وأن قوله ﷺ في الرضى والغضب والجد والمزاح حق؛ لقوله ﵇: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا» (٢)، وقوله لعبد الله بن عمرو: «اكتب فو الذي نفسي بيده، ما خرج منه إلا حق» (٣) وأشار إلى لسانه. ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾ (٥) [النجم: ٥] قيل: جبريل، وقيل: الله- -لأنه ذو القوة المتين، وقال- : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (١١٣) [النساء: ١١٣]، ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ﴾

стр. 605

﴿يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١١٤) / [١٩٣ ب]) [طه: ١١٤]، [ومن قال: إنه جبريل، ربما استدل بأنه أفضل من الأنبياء الذين أوحى إليهم؛ لأنه معلم وهم متعلمون، وعورض بأنهم أفضل؛ لأنه رسول وهم مرسل إليهم، ونقض ذلك بالرسل مع الأمم، وقد سبقت هذه المسألة. ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٩) [النجم: ٨، ٩] يحتج به على إثبات الجهة، إذ لا يتصور هذا التقدير إلا معها، ولا يجوز حمله على جبريل وأن ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ كان بينه وبين النبي ﷺ ؛ لأن جبريل-﵇-قرب من النبي ﷺ في الأرض حتى تماست ركبهما، وذلك أقرب من قاب قوسين ففي السماء، فتعين حمله على أنه بينه وبين الله -ويلزم الجهة، والخصم إنما يدفع هذا بما مر من لزوم التحيز والتجسيم]. ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ (١١) [النجم: ١١] إشارة إلى أنه ﷺ -رأى ربه- -بقلبه، والفؤاد عين القلب، كما أن البصر عين القالب. ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (١٥) [النجم: ١٤ - ١٥] فيه إثبات الجنة موجودة قبل القيامة/ [٤٠١/ل] خلافا للمعتزلة كما سبق. ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ (١٧) [النجم: ١٧] إشارة إلى أنه ﷺ رأى ربه- ببصره الظاهر، وقد اختلف في ذلك، فحكي عن ابن عباس وجماعة: «[أنه رآه] بعين رأسه لظاهر هذه الآية، وحكي عن عائشة أنها أنكرت ذلك؛ مستدلة بقوله- : ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٠٣) [الأنعام: ١٠٣] وحملت هذه الآية على أنه رأى جبريل مرتين في صورته الأصلية العظيمة الهائلة. والأشبه الأول، ويحكى عن أحمد أنه قيل له: بم ترد قول عائشة في إنكار الرؤية؟ فقال: بقول ابن عباس في إثباتها أو كما قال، وحكى عن بعضهم أنه قال: كان النبي ﷺ يضع كل حديث عند أهله، ويحدث الناس على قدر عقولهم، وابن عباس رجل كامل فأفشى إليه هذا الحديث، وعائشة إذ هي امرأة ليست كالرجال في الكمال لم يحدثها به. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى﴾ (١٩) [النجم: ١٩] قيل: اشتقوا اللات من اسم الله- -والعزى من العزيز، وقيل: إن رجلا كان يلت السويق للحاج فسمي اللات اسم فاعل من ذلك مشدد التاء، ثم سموا به الصنم، وخففوه.

стр. 606

﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (٢٠) [النجم: ٢٠] «تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهم لترتجى»، فقالت قريش: قد قاربنا محمد وأحسن القول في آلهتنا، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجدوا معه مقاربة له، فلما نسخ ما ألقاه/ [١٩٤ أ/م] الشيطان، وعادوا إلى المباعدة والعداوة، وقد اختلف الناس في هذا، فمنهم من قدح في صحته ولم يثبته، إذ لم يرد من طريق وثيق، ومنهم من أثبته ثم اختلفوا في تأويله، وأقرب ما قيل فيه: إن الشيطان تكلم بتلك الكلمات والنبي ﷺ يتلو فاشتبه [صوته بصوته]، فظنوا أنه ﷺ قاله، فقاربوه معتقدين لذلك، فلما نازعهم وأنكر أنه قاله عادوا إلى المباعدة، وليست جرأة الشيطان في هذا بأضعف من جرأته عليه حين عرض له في الصلاة بشعلة نار ليقطع عليه صلاته، والجميع بإذن الله- -وإرادته وقضائه وقدره. ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣) [الحج: ٥٣] كما سبق. ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (٢٢) [النجم: ٢٢] أي: جائرة، والعدل إذا لم يكن بد أن تؤثروه بالبنين أو تساووه. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ (٢٣) [النجم: ٢٣] احتج به من منع بخبر الواحد والقياس؛ لأنهما إنما يفيدان الظن، واتباعه مذموم/ [٤٠٢/ل]. وأجيب بأن ذلك في العقائد العلمية كالتوحيد ونحوه لا مطلقا، وقد سبق الدليل على اعتبار خبر الواحد والقياس. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ (٢٣) [النجم: ٢٣] احتج به من أنكر الاستحسان في الشرع؛ لأنه اتباع الهوى بغير مستند، والصحيح اعتباره والفائز به أهل العراق من أصحاب أبي حنيفة، وقد قرروه أحسن تقرير، ولا نسلم أنه اتباع الهوى، بل هو استماع القول واتباع أحسنه، وحاصل الاستحسان أنه العمل بأقوى الدليلين أثرا أو نحو ذلك على ما قرره البزدوي وغيره، ولا جرم أنه لما كان كذلك استعمله منكروه، فتراهم كثيرا ما يقولون: يجوز استحسانا لا قياسا، والاستحسان كذا، وأشباه ذلك، فإذن الاستحسان كما قيل في المثل: «الشعير يؤكل ويذم» وكذا الاستحسان يستعمل ثم ينكر.

стр. 607

﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ (٢٦) [النجم: ٢٦]، تقتضي أن للملائكة شفاعة، بإذن الله- ، وأنها لا تغني شيئا، ولا تنفع إلا بإذنه- -وإرادته ورضاه، وله نظائر نحو: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢٣) [سبأ: ٢٣]، ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢٥٥) [البقرة: ٢٥٥] وأشباه ذلك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ (٢٧) [النجم: ٢٧] تبين بهذا أن قوله- : ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (١٩) [الزخرف: ١٩] معناه سموهم إناثا كما سبق. ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٢٨) [النجم: ٢٨] هو لازم لقوله- : ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (١٩) [الزخرف: ١٩] إذ عدم علمهم بأنوثتهم من لوازم عدم شهادتهم خلقهم. ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٢٨) / [١٩٤ ب/م]) [النجم: ٢٨] يحتج به من منع العمل بالأدلة الظنية كالقياس وخبر الواحد والاستحسان والاستصلاح وقول الصحابي وشرع من قبلنا والبراءة الأصلية، ونحو ذلك. والجواب ما سبق آنفا.

стр. 608

يؤدي إلى الاقتصار على إرادتها، وهو كقوله : ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧) [الروم: ٧]، إذ جعل علمهم بظاهر الحياة الدنيا كلا علم. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى﴾ (٣٢) [النجم: ٣٢] يحتج به على انقسام المعاصي إلى كبائر وصغائر، وهو مذهب الجمهور كما سبق، واقتضت الآية أن من اجتنب الكبائر والفواحش محسن، وإن قارف الصغائر؛ لأنه -فسر: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٣١) [النجم: ٣١] بهؤلاء المجتنبين للكبائر إلا اللمم، وهو استثناء/ [٤٠٣/ل] منقطع، أي: يجتنبون الكبائر لكن اللمم لا يسلمون منه. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣٢) [النجم: ٣٢] يعني عند خلق آدم، ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى﴾ (٣٢) [النجم: ٣٢] ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤] ويحتمل أن المراد: وهو أعلم بكم حيث خلقكم من الأرض الكثيفة [الثقيلة] المظلمة المقتضية المناسبة لصدور ظلمة المعاصي منكم، والمراد هو أعلم بكم قبل وجودكم، علم المتقي منكم من غيره. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (٣٩) [النجم: ٣٩] واحتج به الشافعي ومن وافقه على أن من تطوع بقربة كقراءة أو صلاة ونحوه، وأهدى ثوابها لميت مسلم لا تصله، ولا ينتفع بها، خلافا لأبي حنيفة وأحمد، وعن مالك قولان، وجه استدلاله أن هذا ليس من سعيه، وما ليس من سعيه لا ينفعه لظاهر الآية. حجة الآخرين: أن هذا من سعيه، وما كان من سعيه كان له وانتفع به، لمفهوم الآية بل لمنطوقها، فإنها استثناء من نفي، وهو عند الشافعي وأحمد إثبات، أما أنه كسبه فلأن

стр. 609

كسبه يصدق على ما باشره أو نسب إليه، وهذه الطاعة المهداة إليه مما تسبب إلى حصولها، ولو لم يكن إلا بواسطة الإسلام المكتسب له فيهدي إليه الحي لكونه مسلما فضلا، عن أنه قد يكون ملكا عادلا أو وزيرا أحسن السياسة أو عالما أو حاكما انتفع بعلمه، أو غنيا شاكرا، أو فقيرا صابرا ذا خلق حسن، فيهدى إليه ثواب الطاعات بهذه الوسائط المكتسبة له، وأما أن كسبه سعيه فواضح، وأما أن سعيه يكون له وينفعه؛ فلظاهر الآية كما بينا. واحتجوا بأن الثواب المهدى للميت إما عمل له أو لا، فإن كان عملا له فقد انقطع بموته / [١٩٥ أ/م] لقوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، وإن لم يكن عملا له لم ينفعه لقوله- : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (٣٩) [النجم: ٣٩]. والجواب: أنا قد ندعي أنه عمل له ولم ينقطع بموته، والحديث عام خص بالمحرم لا ينقطع إحرامه بموته؛ ولذلك يجنب ما كان يتجنبه حيا، ونقيس محل النزاع على محل التخصيص بدليلنا، وقد ندعي أنه ليس عملا له ويصل إليه بطريق الهدية، والآية محمولة على شرع إبراهيم، لأنها مضافة إلى صحفه، والنظر الصحيح يقتضي صحة قولنا، لأن من عمل طاعة وتفضل الله- -عليه بثواب بسببها صار حقّا له كماله الدنيوي، وكما لا يمنع من الإيثار بماله من الإيثار بثواب أعماله، ولو أهدى الحي ذلك لحي مسلم ففي نفعه إليه وجهان في مذهب أحمد، الأشبه بالصحة أنه يصل وينفع. ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٤٥) / [٤٠٤/ل]) [النجم: ٤٥] يحتج به من لا يورث الخنثى، لأن الإرث إنما ورد في الشرع لذكر أو أنثى، وهذا ليس واحد منهما لاختصاصه باسم وخلقه دونهما. والجواب: أنه قسم ثالث في الظاهر، أما في نفس الأمر فهو [واحد من] القبيلين لا محالة. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى﴾ (٤٧) [النجم: ٤٦ - ٤٧] احتجاج على الإعادة بقياس الإبداء. ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ (٦١) [النجم: ٦١] قيل: مغنون، بلغة حمير، فاستدل به على تحريم الغناء، وفيه نظر. ...

стр. 610

القول في سورة القمر ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١) [القمر: ١] فيه مسائل: الأولى: اقتراب الساعة بأمارة انشقاق القمر عليها، ثم قد بينا أن القرب أمر إضافي لا حد له، ولا تقدير فيه. الثانية: أن القمر يمكن انشقاقه، لأنه جسم وكل جسم يمكن انشقاقه، وما زعمه الفلاسفة من أن الفلك لا يقبل الخرق والالتئام، وربما طردوا ذلك في جميع الأجرام العلوية-ضعيف، وقد سبق القول فيه. الثالثة: أن القمر انشق على عهد النبي- ﷺ -معجزا له، وشاهد كفار مكة ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢) [القمر: ٢] ثبت ذلك بهذا النص المتواتر وبالأخبار الصحيحة المستفيضة من حديث ابن مسعود (١) وابن عباس (٢) ومن عساه وافقهما. ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ (١٤) [القمر: ١٤] وقوله- : ﴿وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٤٨) [الطور: ٤٨] أي نحن نراها ونراك، وقد تقرر أن الله- -سميع بصير، وربما تمسك بعض المشبهة بهذا على إثبات العين جارحة الله- -وهو باطل، أو صفة كاليد والوجه وفيه ما في نظائره من الكلام/ [١٩٥ ب/م] وقد سبق. ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ (٢٥) [القمر: ٢٥]، هي شبهتهم المعروفة التي يلزم منها الترجيح بلا مرجح على زعمهم، وقد مر جوابها غير مرة. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٤٢) [القمر: ٤٢] ظاهره أنه عام أريد به الخاص وهي الآيات التي جاء بها موسى-﵇-ويحتمل أنها آيات الرسل أجمعين؛ لاستلزام تكذيبهم بآيات موسى التكذيب بها.

стр. 611

﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤٥) [القمر: ٤٥] هذا من إخباراته-﵊-بالغيوب، قاله يوم بدر عن هذا الوحي قبل التحام الحرب، والمشركون ظاهر حالهم الغلبة لكثرة عددهم، ثم أنزل الله- -نصره تصديقا لوحيه ونبيه. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ (٤٧) [القمر: ٤٧] إلى ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤٩) [القمر: ٤٩] نزلت في مشركي مكة خاصموا النبي ﷺ في القدر، فنزلت هذه الآيات، ومعناها إنا خلقنا كل شيء بقدر، فتقتضي عموم الخلق للأشياء وأنها خلقت بقدر، ويدخل/ [٤٠٩/ل] في ذلك أفعال العباد فهي مخلوقة لله- -بقدر، فيحتج بذلك الجمهور، وفيه إشارة إلى وعيد القدرية وليس بقاطع لاحتمال أن الوعيد لأولئك القدرية الكفار الذين هم سبب نزول هذه الآيات ويرجع ذلك إلى أن الاعتبار بعموم اللفظ أو بخصوص السبب. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٥٢) [القمر: ٥٢] أي: في علم الله- -وكتابه المبين الحفيظ الجامع لوقائع الوجود جزئيا وكليا، ويحتج به الجمهور؛ لأن أفعال الخلق إذا سبق بها العلم وتضمنها الكتاب الحفيظ تعلقت بها القدرة والإرادة على وفق تعلق العلم بها؛ لاستحالة تناقض هذه الصفات في متعلقها، وحينئذ يلزم الجبر، وإلا لكانت الإرادة والقدرة الحادثان غالبتين للأزليتين، وإنه محال. ...

стр. 612

القول في سورة الرحمن ﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ (٣) [الرحمن: ١ - ٣] يحتج به من يرى القرآن المسموع قديما؛ لأنه- -لما خص الإنسان بالخلق والقرآن بالتعليم دل على ذلك؛ وإلا لقال: خلق القرآن. وأجاب الخصم بأن هذا لا يلزم؛ لأن الإخبار إنما تعلق بتعليم القرآن لا بخلقه، والتعليم قد يتعلق بالمخلوق، بل ربما اختص تعلقه بالمخلوق نحو: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (١١٣) [النساء: ١١٣] كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، وبالجملة فالاستدلال هاهنا بالمفهوم أو نحوه، وهو دليل لين. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ (٤) [الرحمن: ٤] اعلم أن البيان قد قيل في حده: إنه إخراج المعنى من حيز الخفاء إلى حيز التجلي، وقيل فيه غير ذلك، وأجود ما يقال فيه: إنه/ [١٩٦ أ/م] إيضاح المعنى الخطابي، أو ما قام مقامه بحيث لا يخلق سامعه لبس، ولا يحتاج في فهمه إلى تخمين وحدث، وربما استغنى عن هذا الأخير وهو لا يحتاج إلى آخره. وقولنا: ما قام مقامه يعني: كالكتابة، فإنها تقوم مقام الخطاب في البيان، وكذا الإشارة ونحوها. ويحتج به النحاة والمنطقيون على شرف علمهم؛ لأن كل واحد من النحو والمنطق بيان، والبيان ممدوح في القرآن، فالنحو والمنطق ممدوحان في القرآن. أما الأولى: فلأنه لا يشك من له أدنى فهم أن النحو والمنطق آلتان لإيضاح المعاني. ومن ثم سمي النحو علم «الإعراب»؛ لأن الإعراب البيان والمنطق آلة لبيان صحيح الأدلة من فاسدها، ويوضح الحق من الباطل. وأما الثانية: فلهذه الآية، إذ دلت على الامتنان على الإنسان بتعليم البيان، ولا يقع الامتنان إلا بنعمة، وبما هو شريف ممدوح، وقد بسطت القول في هذا/ [٤٠١٧/ل] في كتاب «رفع الملام عن أهل المنطق والكلام».

стр. 613

[الرحمن: ١٤ - ١٥] قد سبق نظيره في «الحجر»، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «خلق الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما قص عليكم» (١) أي: من تراب، ثم هو طين لازب ثم حمأ مسنون، ثم صلصال كالفخار، كأنه ﷺ أشار بعموم قوله: «ما قص عليكم» إلى هذه الأطوار، ولو قال: من تراب أو طين لما استوعبها. واعلم أن أكثر الفلاسفة والأطباء أنكروا وجود الجن على ما ورد به الشرع، لأنه ورد بأنهم خلقوا من نار، والنار عنصر واحد، والجسم إنما يتقوم من العناصر الأربعة بتفاعل كيفياتها بعضها في بعض، وذلك لا يمكن في العنصر الواحد. ورد عليهم بوجهين: أحدهما: بما نبه الله- -عليه في هذه الآية، وهو أنهم خلقوا من مارج من نار، وهو النار المختلفة بالدخان كأنهما مزجا، أي: خلط أحدهما بالآخر، وأنت ترى بين آخر لهيب النار وأول الدخان شيئا يجمع بين الحمرة والسواد ولطافة النار وكثافة الدخان، كأنه مركب منهما، فذلك هو المارج، وليس ذلك نارا صرفا بل خالطه لطيف العناصر الأربعة؛ لأن الدخان لطيف الوقود والوقود جسم طبيعي مؤلف من العناصر الأربعة، فالدخان لطيف العناصر، وذلك يمكن تأليف الجسم منه وإن كان لطيفا للطف مادته، ومن ثم كان للجن قوة النفوذ في بعض الكثائف والطيران في الهواء والتشكيل/ [١٩٦ ب/م] بالأشكال المختلفة؛ لأن الدخان كذلك، ألا تراه يخرج من مسام الجدران ويرتفع في الهواء شبيها بالغمام، ويتشكل بالأشكال، تارة مستديرا، وتارة مستطيلا، وتارة مربعا، ومن ثم كانوا أصبر على النار، وأقوى على علاجها وسياستها من البشر؛ لأنها والدخان الذي هو من آثارها مادتهم، ألا ترى أن البشر لما غلبت عليهم الطينية والمائية كانوا أصبر على الماء منهم على النار للمناسبة بينهما، وقياس العكس يقتضي أن الجن أصبر على النار منهم على الماء للمضادة بينهما. الوجه الثاني: أنهم من العناصر، غير أن الجزء الناري لما غلب عليهم، قيل: خلقوا من نار؛ تغليبا له في الذكر تبعا للواقع في الحقيقة، كما قيل للإنسان: خلق من تراب لغلبته عليه، وإن كان مخلوقا من العناصر. [والشيخ علاء الدين بن النفيس من متأخري الفلاسفة رد في كتابه: «الشاهد» على

стр. 614

من أنكر وجود الجن]. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١٧) [الرحمن: ١٧] اختلف في أي الجهتين أشرف المشرق أو المغرب. احتج المشارقة بوجوه: أحدها: أن الله- -لم يذكر الجهتين في موضع إلا قدم ذكر/ [٤٠٨/ل] المشرق نحو: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١٧) [الرحمن: ١٧]، و ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ (٤٠) [المعارج: ٤٠]، ﴿قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٨) [الشعراء: ٢٨]، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٢٥٨) [البقرة: ٢٥٨] الأهم والأفضل وبدايتهم بالأشرف. الوجه الثاني: أن الفضاء يكون مظلما بوجود الليل، فلا يضيء إلا بطلوع الشمس من المشرق. الوجه الثالث: أن أئمة الفقه الأربعة من المشرق؛ وأئمة الحديث الستة من المشرق، وأئمة العربية والقراءات من أهل المصرين من المشرق. الوجه الرابع: أن المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، والأرضين الثلاث التي بورك فيها بنص القرآن وهى أرض مصر والشام وأرض الجزيرة كما بيناه في سورة (قد أفلح) كل ذلك في أرض المشرق؛ لأن الناس اتفقوا على أن أرض مصر حد ما بين المشرق والمغرب. فما كان من مصر إلى جهة مطلع الشمس فهو مشرق يتناول اليمن والحجاز والشام والعراقين وما بعدها، والمصر في اللغة: الحد، ولما ذكرنا سميت مصر مصرا، قال الشاعر: وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا أي: حدا بينهما/ [١٩٧ أ/م]. واحتج المغاربة بوجوه:

стр. 615

أحدها: أن الله- -بدأ بالمغرب في سيرة ذي القرنين فقال- : ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ (٨٦) [الكهف: ٨٥ - ٨٦] ثم ذكر بعده المشرق. وأجيب: بأن ذلك تبع للواقع، وهو أن ذا القرنين أول ما افتتح وغزا جهة المغرب فوقع الخبر على وفق ذلك، ولا دلالة له على الشرف والفضيلة. الثاني: قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (١)، وفي رواية: «لا يزال أهل المغرب ظاهرين» وهو يقتضي تفضيل المغرب. وأجيب بأن الصحيح في ذلك في كتاب البخاري من رواية مالك بن يخامر السكسكي عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: «وهم بالشام» (٢) وهي من حساب المشرق، وأما لفظ الغرب فلا يثبت، وإن ثبت فهو محمول على العرب وهم أهل الغرب، أي: الدلو التي تسقى بها الإبل، وأكثرهم باليمن والشام ونجد ونحوها. الثالث: أن المغرب اختص بظهور الأهلة منه التي جعلت مواقيت للناس والحج، وترمقها أبصار الناس دون المشرق؛ كما قال الفرزدق: ترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما الخطب في الحدثان غالا قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا وأجيب بأنه معارض بأن القمر يبدو من المغرب ممحوقا لا يرى إلا بالمضارة، وإنما يكمل/ [٤٠٩/ل] بدرا بالمشرق حين يقابل الشمس، وبأن باب التوبة سعتها أربعين عاما، ثم إنها تغلق بالمغرب. الرابع: أن المهدي الذي يملأ الأرض عدلا يظهر من المغرب. وأجيب بأن المشهور ظهوره من مكة أو اليمن أو العراق، ونسبة ظهوره إلى المغرب ضعيفة جدا. قالت المغاربة: نحن لا يظهر الدجال من عندنا، ولا يأجوج ومأجوج ولا سائر الفتن،

стр. 616

ولا أشار النبي ﷺ إلى بلدنا وقال: «الفتنة من هاهنا» (١). أجابت المشارقة بأن هذا عدول عن تقرير المناقب إلى التعريض بالمثالب فإن لم يكن الأمر كذلك فيكفيكم أن الشمس التي هي آية النهار، إنما تغرب عندكم فتظلم الأقطار، وتغلق باب التوبة من جهتكم فلا ينفع بعد ذلك توبة ولا استغفار، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٥٨) [الأنعام: ١٥٨]. ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢٢) [الرحمن: ٢٢] / [١٩٧] قيل: من الملح منهما دون الحلو، وقد بينا أن الصواب خلاف ذلك في فاطر. ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ (٢٧) [الرحمن: ٢٧] قيل: ذاته، وقيل: صفة له، وقد سبق القول فيه في آخر الزمر. ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢٩) [الرحمن: ٢٩] ينبغي ألا يغفل عن هذه الموحدون، فلا يطلبون من غير الله- -ولا يسألون، ومن يسأله الملوك كيف يعرض عن سؤاله الصعلوك. ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢٩) [الرحمن: ٢٩] ليس هذا على جهة البداء، بل هو على جهة التصرف الأحق على وفق التقدير السابق. ﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ (٣٧) [الرحمن: ٣٧]، و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ (١) [الانشقاق: ١] ونحوه يدل على أن الأجرام العلومية تقبل الخرق والالتئام، خلافا للفلاسفة كما سبق. ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (٥٦) [الرحمن: ٥٦] فيه أن الجن يطمثون النساء، وربما أشعر هذا بأن مؤمنيهم في الجنة، وليست دلالته بالقوية

стр. 617

على ذلك، والنصوص وردت بأن عصاتهم في النار، أما أن مؤمنيهم في الجنة فاختلف فيه؛ فقيل، نعم بالقياس على مؤمني الإنس بجامع الإيمان والطاعة، وقيل: لا لعدم النص فيه، ومثله لا يثبت بالقياس، فعلى هذا قيل: يصيرون ترابا أو يفنون بوجه من وجوه الفناء كالبهائم، وهو بعيد، والأشبه مشاركتهم في الرضوان لمشاركتهم في الإيمان. ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ (٦٨) [الرحمن: ٦٨] يحتج به على جواز عطف الخاص على العام، وهو المثال المشهور فيه. وقال بعض الفضلاء: ليس هذا من أمثلة ذلك؛ لأن شرطه أن يكون المعطوف عليه عاما يتناول المعطوف بعمومه ثم يعطف بعد ذلك، تخصيصا له بالذكر كجبريل وميكائيل عطف على عموم ملائكته، وليس هذا كذلك؛ لأن فاكهة نكرة في سياق إثبات، فهي مطلق لا عام، فلم يتناول النخل والرمان/ [٤١٠/ل] حتى يكون عطفهما عليها عطف خاص على عام، وهذا كلام صحيح وتحقيق جيد، غفل عنه أكثر الناس، بل كل من رأينا كلامه فيه، وإنما نبه عليه الشيخ الإمام العالم الفاضل شهاب الدين القرافي المالكي في بعض كتبه. ﴿تَبارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ (٧٨) [الرحمن: ٧٨] يحتج به من رأى أن الاسم هو المسمى لأن التسبيح له لا لاسمه، فحيث أوقع التسبيح والتنزيه على الاسم دل على أنه المسمى وقد سبق جوابه، ويحتمل أنه عبر عن المسمى باسمه مجازا للعلاقة بينهما. ...

стр. 618

القول في سورة الواقعة ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (٤٧) [الواقعة: ٤٧] هذا إنكار منهم للبعث، وقد سبقت أدلته، والله- -أجاب بإثباته مراغمة لهم بقوله/ [١٩٨ أ/م] ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٥٠) [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] ثم برهن عليه بقوله- : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ (٥٩) [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] وهو احتجاج على الإعادة بالإبداء، أي: كما خلقكم نطفا ثم ما بعدها من الأطوار حتى سواكم بشرا كذلك يعيدكم ثانيا، وفيه دليل على أن الخالق للولد هو الله- لا أبواه، خلافا لمن ظن ذلك، ومما يدل عليه أن الأبوين قد يريدان الولد فلا يوجد، وقد يكرهانه فيوجد، وكذلك صفاته تخالف [إرادتهما]، ولو خلقاه لكان بحسب [إرادتهما] وجودا وصفة. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦١) [الواقعة: ٦٠ - ٦١] يحتج به التناسخية على رأيهم في تنقل أرواح الحيوان بعضها في بعض لتكمل ثم تلحق بعالمها، واحتجوا بوجهين: أحدهما: أن القرآن ورد بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وصحت السنة المبينة للقرآن أن «أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تعلق من شجر الجنة، وتأوي إلى قناديل تحت العرش» (١) قالوا: ولا نعني بالتناسخ إلا هذا ولا زدنا عليه، وهو انتقال روح حيوان إلى حيوان آخر. الثاني: أن كتب كالكتب الاثني عشر وتواريخ المتأخرين كتاريخ ابن عساكر تضمنت أن بختنصر البابلي بقي منتقلا في أنواع الحيوان سبعا ثم فرسا ثم جارحا وغير ذلك سبع سنين ثم أعيد إنسانا، وكان يخلفه في الملك في مدة نسخ روحه دانيال النبي، وكان من جملة أسراه الذين أسرهم من بيت المقدس، قالوا: وهذا حقيقة النسخ. وأجيب عن الأول بأنه نسخ أمد والذي تدعونه أنتم نسخ أبد.

стр. 619

وبيانه أن الله- -أراد إكرام الشهداء، فعلق أرواحهم بأبدان طير يتنعمون/ [٤١١/ل] بواسطتها إلى حين البعث، ثم تعاد أرواحهم إلى أجسادهم الأصلية، وأنتم تثبتون تناسخكم أبدا معطلا للبعث والمعاد، فأحد النسخين غير الآخر. وعن الثاني بأن كتب الأولين وتاريخ المتأخرين لا يعتمد عليها في مثل هذه المطالب المهمة، ولئن سلم فذلك في حق بختنصر مسخ لا نسخ، مسخ في تلك الأطوار ليحدث له بذلك اعتبار، والفرق بينهما أن المسخ قلب الصورة مع بقاء النفس والمادة بحالهما، كقلب الإنسان قردا أو خنزيرا، والنسخ نقل النفس عن هيكلها إلى هيكل آخر، وهو فرق واضح، والمسخ ثبت في الشرع في بني إسرائيل. والنسخ لم يثبت إلا في أرواح الشهداء على ما زعمتم وألزمتم، وهو أمدي لا أبدي. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢) [الواقعة: ٦٢] احتجاج على الإعادة بالإبداء كما سبق/ [١٩٨ ب/م] آنفا. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ (٦٣) [الواقعة: ٦٣] يحتمل على أنه احتجاج على البعث بقياس إحياء الأرض بالزرع؛ لأن إنكار البعث قد تقدم من الكفار آنفا، ويحتمل غير ذلك كالامتنان عليهم. ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣) [الواقعة: ٨٣] إلى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (٨٥) [الواقعة: ٨٥] يحتج به الاتحادية كما مر، [ومعناه عند الجمهور]: نحن أقرب إليه منكم بقدرتنا ورسلنا وعلمنا ونحو ذلك. ...

стр. 620

القول في سورة الحديد ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) [الحديد: ١] هو ونظائره كقوله : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤٤) [الإسراء: ٤٤]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) [النور: ٤١]، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) [الحديد: ٢] إسناد للإحياء والإماتة إلى القدرة، وأما توجيهه عقلا، فإن الروح عالم لطيف يقال: إن الملائكة لا ترى الروح كما أنّا نحن لا نرى الملائكة، فذلك العالم اللطيف إذا شابك هذا العالم الجسماني الكثيف حركه وصرفه فعد حيا، وإذا فارقه عد ميتا، وإذا لم يحله ابتداء سمي مواتا، ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٨٥) [الإسراء: ٨٥]. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) [الحديد: ٣] أي هو الأزلي الأبدي، فالأول هو الذي لم يسبق وجوده عدمه، والآخر من لم يلحق وجوده عدمه. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) [الحديد: ٣] هو عند الجمهور ظاهر آثاره الدالة عليه، باطن بذاته إذ لا يصل الحسن ولا الوهم إليه، وعند الاتحادية هو باطن ظاهر بحسب الأطوار والمظاهر، فإذا تطور ظهر، وإذا لم يتطور بطن، أو هو ظاهر بحسب تحريكه للعالم، باطن بحسب سريانه في الوجود سريان الماء في العود. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) [الحديد: ٣] استدل به الجمهور على أن ظهوره/ [٤١٢/ل] وبطونه بحسب آثاره وعلمه. والاتحادية على أنهما بحسب ذاته السارية في العالم، ولذلك علم كل شيء لتخلله الأشياء بذاته، وهكذا الخلاف في قوله- : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾

стр. 621

﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤) [الحديد: ٤] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ بذاته عندهم، وبعلمه عند الجمهور. ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٠) [الحديد: ١٠] احتج بها الجمهور على أن أبا بكر أفضل من علي؛ لأن أبا بكر كان موسرا مثريا، فأنفق وقاتل قبل الفتح، [وكان علي] فقيرا لا مال له ينفقه قبل الفتح، وإنما حصل له القتال فقط. ففاز أبو بكر عليه بمجموع الوصفين، ولم يحصل لعلي إلا أحدهما. واعترضت الشيعة بأن قالوا: لا نسلم أن أبا بكر كان موسرا، والمنقول عندنا خلاف ذلك، سلمناه لكن لا نسلم أنه أنفق شيئا لا قبل الفتح ولا بعده، سلمناه لكن لا نسلم أن عليا فقيرا، لأنه نهض في المغازي والحروب مع/ [١٩٩ أ/م] النبي ﷺ في أوائل الناس، ولم يزل يغنم ويفاء عليه وينفل، وقال: كنت إذا سألت النبي ﷺ أعطاني، وإذا تركت ابتدأني، وقد كان له سهم من تلك الغنائم والأنفال، وهي كثيرة جدا وبدون ذلك يثرى المثري، وكيف وقد روي عن علي أنه قال: إن زكاة مالي اليوم أربعون ألفا، رواه أحمد في المسند، وهذا يقتضي أن ماله بلغ ألف وستمائة ألف لا تنافي زهده في الدنيا؛ لأن الزهد راجع إلى احتقار الدنيا وعدم الاكتراث والاحتفال وتعلق الهمة بها، وكانا ملكين، وملك سليمان الدنيا، فمن زعم والحالة هذه أن عليا كان فقيرا، قد كابر. غاية ما في هذا الباب أنه كان يؤثر بماله، فيمر عليه الوقت [بعد الوقت] ولا شيء له، ثم يفتح عليه عن قريب، وكانت ثروته بعد [تزوجه بفاطمة] فلا ينافيها دفعه لها درعه الحطيمة مهرا، سلمنا أنه كان فقيرا فلم ينفق قبل الفتح لكن ما ذكرتموه يقتضي أن ما بعده في الفضيلة [عندكم من العشرة] وغيرهم ممن كان موسرا فأنفق وقاتل قبل الفتح أفضل منه كطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، كلهم كانوا موسرين، وكلهم أنفق وقاتل قبل الفتح، فيلزمكم أنهم أفضل من علي لما عللتم به، وهو خلاف مذهبكم، ثم ذكرتموه لو دل لكان معارضا بقوله- : ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾

стр. 622

فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) [النساء: ٩٥] / [٤١٣/ل] وهو يقتضي أن الأكثر جهادا أفضل ولا يشك منصف عالم أن عليا كان أكثر جهادا من أبي بكر وأحسن أثرا فيه، وأشهر أياما، وأكثر قتلى مشهورين وغيرهم، فيكون أفضل بهذا الاعتبار. والكلام في هذه المسألة من الطرفين طويل، وهذا حظ هذه الآية منه. ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٧) [الحديد: ١٧] لعل هذا دليل على قوله- : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١٥٦) [آل عمران: ١٥٦] في أول السورة، إذ لم يذكر دليله هناك، وهو الدليل المشهور بالقياس على إحياء الأرض. ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢١) [الحديد: ٢١] يحتج به على أن الجنة موجودة قبل الساعة خلافا للمعتزلة، وقد سبقت المسألة في أوائل البقرة. ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢١) [الحديد: ٢١] يدل على أن دخول الجنة بالفضل المحض، وهو على ضربين: أحدهما: من يتفضل الله- -عليه بدخولها بمجرد السابقة من غير عمل/ [١٩٩ ب/م] أصلا. والثاني: من يتفضل عليه بالتوفيق لعمل صالح، ثم يرتب له على ذلك دخول الجنة، وفى أيهما أفضل خلاف متجه، وجه تفضيل الأول أنه فقير محض وضيف للكريم محض، ليس له سبب يشركه مع كرم الكريم، بخلاف صاحب العمل؛ فإنه ربما عرض له عمله مع

стр. 623

الكرم فيكون نقضا في الرتبة؛ ولأن نسبة الأول إلى الثاني نسبة الضيف المحض إلى صاحب الهدية، والكريم أشد عناية بضيفه المحض من غيره. ووجه تفضيل الثاني انه امتثل الأوامر وقام في خدمة الآمر، فكان أفضل من البطال القاعد والكسلان المتقاعد، ولا نسلم أن مثل هذا يرى عمله مع الكرم، لأن الحق سبحانه أول ما يوفق من يتفضل عليه للمعرفة والتبصير بآفات الأعمال، فلا يرى غير كرم ذي الجلال، وأما صاحب الهدية فهو ضيف خاص فهو أفضل من الضيف المجرد، وأوفر حظا من العناية به. ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٢٢) [الحديد: ٢٢] إلى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (٢٣) [الحديد: ٢٣] هي عظيمة النفع لمن تأملها في التعزية عن المصائب ولحوق المكاره، وتنبني على ذلك مقدمات: الأولى: أنه- -أزلي العلم. الثانية: أنه- -عام العلم بما كان وما يكون، وما هو كائن من كليات العالم وجزئياته. الثالثة: أن ما سواه- -ممكن لذاته. الرابعة: أن الممكن لذاته قد يكون حالا لغيره، بأن يتعلق العلم الأزلي بوقوعه، فيجب أو بعدمه فيمتنع. إذا ثبتت هذه المقدمات فالعارف بها يعلم أن مصائبه واجبة الوقوع، وكل واجب الوقوع لا ينبغي أن يحزن لوقوعه كالممتنعات، ألا ترى أن العاقل لا يحزن لكون الجبل لم ينقلب له ذهبا، أو ماء البحر لبنا أو عسلا، أو أحجار الجبال كتبا نافعة ونحو ذلك لعلمه بامتناع ذلك عادة، فكذلك ينبغي ألا يحزن/ [٤١٤/ل] لمصيبة أو مكروه لحقه، لأن عدم وقوع ذلك كان ممتنعا. واعلم أن الإنسان بين خير يرجوه أو شر يتوقعه، وكل واحد منهما إما أن يحصل أو يفوت، فهي أربعة، فما كان من ذلك واجب الحصول فهو ممتنع الفوات، وما كان ممتنع الحصول فهو واجب الفوات، والممتنع لا ينبغي أن يحزن على فواته، والواجب لا يفرح بحصوله، إذ لا بد منه، فالحزن أو الفرح المتعلق به تحصيل الحاصل، وما كان ممكن الحصول والفوات لذاته فهو يرجع إلى أن يكون واجب الحصول أو ممتنعه لغيره، فتخلص

стр. 624

أن الإنسان دائر بين أمر واجب الحصول من خير أو شر، وأمر ممتنع الحصول من خير أو شر، وكلاهما لا يليق الحزن عليه ولا/ [٢٠٠ أ/م] الفرح به، اللهم إلا أن يتعلق بالحزن أو الفرح استدعاء شرعي فيكون ذلك من باب القربة التكليفية، وعند هذا يظهر سر قوله- ﷺ «لا يؤمن أحدكم» أو «لا يكمل إيمانه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (١). ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢٥) [الحديد: ٢٥] إشارة إلى أن كتاب الشريعة، وسيف السياسة رضيعا لبان وفرسا رهان، لا يستغني أحدهما عن الآخر، فكتاب بلا سيف كال، وسيف بلا كتاب ضال، ويستدل على نفوذ أحكام البغاة والخوارج والأئمة الفجرة ونحوهم، لأن الحكم الشرعي المرشد والسيف السياسي المنفذ إذا اجتمعا وجب نفوذ الحكم في طريقه، فلا وجه لتعويقه. ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٧) [الحديد: ٢٧] احتج به أبو حنيفة على أن النفل يلزم بالشروع؛ لأنه- -ذم أتباع المسيح على تركهم رعاية ما شرعوا فيه مما لم يكتب عليهم، وهو عين لزوم النفل بالشروع. وهذا استنباط حسن، ولذلك ذكرناه وإن لم يكن [من موضوع] هذا التعليق، لكن إنما يتم الاستدلال به بعد ثبوت مقدمتين: إحداهما: أن الاستثناء في ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما﴾

стр. 625

﴿كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٧) [الحديد: ٢٧] منقطع وهو خلاف الأصل، وإذا ثبت أنه متصل، اقتضى أنها بعد ابتداعهم إياها عقدا كتبت ابتغاء رضوان الله- -ثم شرعوا فيها فعلا، وحينئذ يكون ذمهم على ترك رعايتها ذما على ترك واجب شرعوا فيه ثم أهملوه، لا على نفل شرعوا فيه كذلك. الثانية: أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن ما ذكره تقريع على ذلك، فإن لم تثبت هذه المقدمة جاز أن يكون ذلك حكم شرعهم دون شرعنا، فلا يلزمنا حكم شرعهم، ولا التأسي بهم. ...

стр. 626

القول في سورة المجادلة ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١) [المجادلة: ١] فيه إثبات صفة السمع ووقوعه بالفعل من الله- -وقد سبق. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٦) [المجادلة: ٦] فيه ضبط الأعمال وحفظها والمقابلة عليها. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) [المجادلة: ٧]، معناه بعلمه لاكتناف ذكر العلم ما قبل ذلك وبعده، [وبذاته السارية في الوجود عند الاتحادية/ [٢٠٠ ب]. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١) [المجادلة: ١١] قد يحتج به على استواء الإيمان والعلم في حصول الدرجات؛ لترتب حصولها على كل واحد منهما، وذلك فيما إذا فرض مؤمن ضعيف العلم، وعالم ضعيف الإيمان بعد اشتراكهما في أصل الإيمان، فيكونان متساويين، وفيه نظر. أما مؤمن غير عالم، وعالم غير مؤمن أصلا، فلا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، والمؤمن ناج والعالم هاهنا هالك. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢) [المجادلة: ١٢] نسخت بالتي بعدها إلى غير بدل، ويحتج به على أن النسخ ليس من شرطه المنسوخ إليه وهو البدل، وهو قد سبق تعلق الشيعة بها في أنه لم يعمل بهذه الآية إلا علي، وأنه دليل على أنه كان أشدهم طلبا للعلم، وأكثرهم تحصيلا منه.

стр. 627

الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) [المجادلة: ١٩] أي: بوسوسته، وخالق النسيان فيهم هو الله -وهم كاسبوه. ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢٢) [المجادلة: ٢٢] فيه أن مودة العصاة حرام، ثم إن كانت مودة فاسق لفسقه فهي فسق أو كافر لكفره فهي كفر، أما ودهما لسبب آخر دنيوي أو صفة أو خلق حسن كعلم يكتسب منهما، أو سخاء أو شجاعة فيهما فيرجى عفو الله- -عن ذلك، وأن لا يؤاخذ، ويكون عموم الآية مخصوصا بهذا. ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ﴾ (٢٢) [المجادلة: ٢٢] أي: أثبته ورسمه في قلوبهم ثبوت الكتابة ورسمها في المكتوب فيه، ويحتمل أن المراد: أوجبت في قلوبهم خلق الإيمان، وكتب يكون بمعنى أوجب نحو: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٨٣) [البقرة: ١٨٣] ونحوه، والمعنى أن قوة إيمانهم أوجبت لهم إيثار الله- -على غيره حتى أقرب أقاربهم، فأبغضوا في الله- -وأحبوا في الله- -ومن فعل ذلك فقد استكمل الإيمان. ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢٢) [المجادلة: ٢٢] أي قواهم بإعانة وعناية منه، وقيل: الأرواح أربعة: روح الحياة مشتركة بين جميع الحيوان، وروح الإيمان يختص به المؤمن على الكافر، وروح الولاية، وروح النبوة كل مختص بروح ومؤيديه، ومنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ (٨٧) [البقرة: ٨٧] فإذا زنى المؤمن أو سرق خرج منه روح الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا/ [٤١٦/ل] أقلع عاد

стр. 628

إليه، وهو معنى قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١) الحديث؛ لأن بخروج روح الإيمان عنه/ [٢٠١ أ/م] خرج عن وصف الإيمان الكامل، فيرجع حاصله إلى أنه لا يزني وهو كامل الإيمان، وإلا فلو قتله حال الزنا أفضل المؤمنين أقيد به، ولو خرج بالزنا عن الإيمان بالكلية لما كان كذلك. ...

стр. 629

القول في سورة الحشر ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢) [الحشر: ٢] أي: أتاهم بأسه وأمره، عند الجمهور، وأتاهم بذاته عند الاتحادية؛ لأنه سار فيهم بذاته، فلما غضب عليهم ظهر لهم بمظهر البأس والغضب فأهلكهم، والصواب أنه حرك عليهم جنده بخلق دواعي الجهاد في قلوبهم فأهلكوهم، وقذف في قلوبهم الرعب ما خلق فيها من الأسباب الموجبة لذلك. ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢) [الحشر: ٢] احتج مثبتو القياس بهذه الآية، وتقريره أن الاعتبار مأمور به والقياس اعتبار، فالقياس مأمور به، أما الأولى فلهذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢) [الحشر: ٢] وأما الثانية: [فإن القياس عبور] بالحكم من الأصل إلى الفرع، كما أن الاعتبار عبور بالنظر من حال الحاضر إلى حال الغائب، فصح أن القياس اعتبار وثبت أن القياس مأمور به، وإن شئت قلت: القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به، والتقرير كما سبق. وهذا أجود؛ لأنه من الشكل الأول، واعترض عليه بوجوه: أحدها: لا نسلم أن القياس اعتبار؛ لأنه إن أريد ذلك لغة فالقياس في اللغة إنما هو التقدير نحو: قست الثوب بالذراع، أي: قدرته، وإن أريد اصطلاحا فهو في الاصطلاح: حمل معلوم على معلوم، أو إلحاق غير المنصوص به بجامع مشترك، ولقائل أن يقول: الحلم والإلحاق هو معنى الاعتبار. الثاني: قولكم: الاعتبار مأمور به، إن عنيتم بعض الاعتبار صارت كبرى قياسكم جزئية

стр. 630

فلم تنتج وهو ظاهر، وإن عنيتم أن كل اعتبار مأمور به لم نسلم هذه الكلية؛ لأن قوله- ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢) [الحشر: ٢] ليس بعام، بل هو مطلق لا عموم له، فلا يقتضي عموم الأمر بالاعتبار، إنما يقتضي الأمر باعتبار ما، وذلك لا يلزم منه الأمر بالقياس. الثالث: أن سياق الآية لا يقتضي إثبات القياس؛ إذ قوله- : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢) [الحشر: ٢] لا يناسب: فقيسوا السمسم على البر في منع التفاضل في البيع، وإذ لم يكن الكلام منتظما لم يجز نسبته إلى القرآن. الرابع: لو دلت هذه الآية على القياس/ [٤١٧/ل]، [٢٠١ ب/م] لدل قوله- : ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣] عليه وما في معناه، وهو بعيد لتوغله في العموم، فلا يدل على القياس إلا على بعد. الخامس: ما ذكرتموه من الدليل لو دل لكان عندنا ما يعارضه، وهو أن القياس إنما يفيد الظن، والظن لا يجوز اتباعه في أحكام الله- -ولأنا مأمورون عند التنازع والاختلاف بالرجوع إلى الله- -ورسوله، والقياس ليس كذلك، وقد سبقت هذه المعارضة وجوابها. واعلم أن القياس في الفروع دليل قوي جيد، غير أن هذه الآية لا تدل عليه إلا دلالة ضعيفة من وراء وراء.

стр. 631

فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) [الحشر: ٧] هذا عام مطرد إلا ما خص منه بنسخ أو غيره، وهو أصل كبير وقاعدته كلية في استخراج الأحكام من الكتاب بواسطة السنة، وهو مقدمة كبرى في كل قياس حكم أردنا إثباته بأن نقول: هذا الحكم آتاناه الرسول، وكل ما كان كذلك لزمنا الأخذ به، أو هذا الحكم نهانا عنه الرسول، وكل ما كان كذلك لزمنا اجتنابه، ومتى ثبتت الصغرى بالسنة أو نحوها فالكبرى ثابتة بهذه الآية، مثاله أن نقول: إفراد الإقامة، وصحة الصوم مع الأكل ناسيا، وجواز الخروج من النوافل بعد الشروع فيها-أحكام آتاناها الرسول؛ وكل ما آتاناه الرسول نحن مأمورون بالأخذ به، فهذه الأحكام نحن مأمورون بالأخذ به، وكذلك نقول: بيع الغرور وبيع الكلب والسنور نهانا عنه الرسول [وكل ما نهانا عنه الرسول] لزمنا الانتهاء عنه، فهذه البيوع يلزمنا الانتهاء عنها، وتقرير الصغرى بالأحاديث الواردة فيها، وقد اعتمد السلف على هذه القاعدة في استخراج الأحكام، فلما لعن ابن مسعود النامصة نحوها، أنكرت عليه أم يعقوب-امرأة من الأنصار- وقالت: «قد قرأت ما بين الدفتين فلم أجد لعنة من لعنت، فقال: إن كنت قرأته فقد وجدته، ألم تسمعي قول الله- : ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٧) [الحشر: ٧]؟ ولقد سمعت رسول الله ﷺ يلعن النامصة والمتنمصة [والواشرة والمستوشرة] المغيرات لخلق الله- -أو كما قال، ونظم قياسه هكذا: لعن هذه جاء به الرسول، وكل ما جاء به الرسول شرع الأخذ به، فلعن هذه شرع الأخذ به، وكذلك حكي عن الشافعي-﵁-أنه جلس في المسجد/ [٢٠٢ أ/م] يفتي وقال: لا تسألونني عن شيء إلا جئتكم/ [٤١٨/ل] به من كتاب الله- ؟ فقال الشافعي [: قال الله ]: ﴿وَما آتاكُمُ﴾ [الحشر: ٧]، ثم روى بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» (١) منها الحية والعقرب، والزنبور مثلهما فيقتل ولا شيء فيه، وهذا دليل مركب من نص كتاب وسنة وقياس، وشبيه بهذا الدليل في كليته وعمومه قوله ﷺ : «من

стр. 632

عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) إذ هو مقدمة كبرى في كل حكم أردنا إبطاله، بأن يقال: هذا الفعل أو هذا الحكم عمل ليس عليه أمر الشرع، وكل ما ليس عليه أمر الشرع فهو مردود، فهذا الفعل مردود. ومثاله الوضوء غير المنوي، والنكاح بلا ولي، وبيع الغائب والفضولي، كل واحد منها ليس عليه حكم الشرع فيكون مردودا، ويحتاج أيضا إلى تقرير الصغرى بدليلها، والكبرى ثابتة بهذا الحديث، ثم الحديث راجع إلى مادة الآية المذكورة؛ إذ معنى قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، «ما أتيتكم فخذوه وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» كما صرح به في حديث آخر. ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨) [الحشر: ٨] إلى: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠) [الحشر: ١٠] استدل به مالك على كفر الرافضة، ووجه أن ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨) [الحشر: ٨] متعلق بقوله- : ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٧) [الحشر: ٧] ثم قال- ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨) [الحشر: ٨] وعطف عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩) [الحشر: ٩] وهم الأنصار، ثم عطف ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا﴾

стр. 633

﴿بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠) [الحشر: ١٠] بشرط أن يستغفروا لمن قبلهم من إخوانهم السابقين لهم بالإيمان، والرافضة خارجون عن الأصناف الثلاثة، فليس القوم مهاجرين ولا أنصارا ولا مستغفرين لمن سبقهم بالإيمان، بل يسبون السلف ويبغضونهم، فإذن لا حظ لهم في الفيء، وكل من لا حظ له في الفيء كافر، إذ الفيء حق المسلمين، فمن لا حق له فيه ليس بمسلم، وأجابت الشيعة [لعنهم الله] بأن (للفقراء) لو كان متعلقا بما أفاء الله لكان بدلا منه، ولو كان بدلا منه لزم صرف الفيء عن الجهات الست المنصوص عليها في المبدل منه إلى عموم الثلاث المذكورة في البدل، وهم المهاجرون والأنصار/ [٢٠٢ ب/م] والتابعون لهم لا غير، وإنه باطل، إذ فيه إسقاط خصوص تلك الجهات الست فيبقي ذكرها/ [٤١٩ ل] لغوا، ولأن ظاهر الآيات يختص بقوم ماضين وهم: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠) [الحشر: ٨ - ١٠] فلا يتناول من يتجدد، ثم حاصل نظم الدليل المذكور أن المذكور أن الرافضة لا حظ لهم في الفيء، وكل من لا حظ له في الفيء كافر، والأولى ممنوعة، لأن الله- -أضاف الفيء إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهو يتناول الرافضة كغيرهم، فهذه الدعوى على خلاف القرآن، فلا تسمع. والثانية: باطلة بعبيد المسلمين، إذ لاحظ لهم في الفيء وليسوا كفارا، وإذا تقرر هذا الجواب، وجب حمل قوله- : ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ الآيات، على مدح مستن أنف لهذه الفرق غير متعلق بما قبله، نحو: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ صفة الصدق بدليل آخر الآية، أو غيره من التأويل (١).

стр. 634

﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١٣) [الحشر: ١٣]، تدل على أن من خاف غير الله- -فليس بفقيه بل هو جاهل؛ لأن الخوف إنما يكون من شر أو ضرر يلحق والله- -هو خالق كل شيء، شر وخير ونفع وضرّ، لا يكون شيء من ذلك إلا بإذنه، فمن خاف معه غيره فتوحيده مدخول، وإنما يطرأ ذلك على الإنسان لنقص في توحيده أو غلبة من طبعه عليه. ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠) [الحشر: ٢٠] ذهب قوم إلى أن هذا يقتضي عموم نفي المساواة بين الفريقين من كل وجه، حتى أدرجه تحته أن الذمي لا يكافئ المسلم ليقتل به. وذهب آخرون إلى أنه لا يقتضي العموم، وقد انتفت المساواة بينهما في أحكام كثيرة، ولا دليل على عدم التساوي بين المسلم والذمي في القصاص حتى تندرج تحت نفي التسوية المستفاد من الآية، فيقتل المسلم بالذمي لثبوت المكافأة بينهما بدليل منفصل، وهو ما سبق في البقرة. حاصل الأمر أن نفي التسوية في هذه الآية عام، فيتناول نفي التسوية بينهما في القصاص، أو مطلق فلا يتناول، والظاهر أنه عام؛ لأن قولنا: لا يستوي فلان وفلان، معناه: لا استواء بينهما؛ إذ الفعل يدل على المصدر، وهو الاستواء، فهو نكرة في سياق نفي فتعم، والخصم يقول: إن قولنا: لا يستوي فلان وفلان-أعم من أن يكون من كل جهة، أو من جهة خاصة، بدليل قبوله للاستفسار والتقسيم/ [٢٠٣ أ/م] بأن يقال: هل هما لا يستويان مطلقا أو من بعض الجهات، وان يقال: إذا كانا لا يستويان فلا يخلو إما ألا يستويا من كل جهة أو من بعض الجهات دون بعض؟ ولو اقتضى عموم نفي المساواة بينهما لما قيل ذلك. وقد رجع/ [٤٢٠/ل] الخلاف إلى أن صيغة لا يستويان هل تقتضي عموم نفي التسوية أو نفي عموم التسوية، والفرق واضح بين عموم السلب وسلب العموم، فعموم سلب الحقيقة يمنع ثبوت شيء من أفرادها، وسلب عموم الحقيقة لا يمنع ثبوت بعض أفرادها، وقد ظهر ذلك في قوله: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليّ ذنبا كله لم أصنع برفع كله على عموم السلب وبنصبه على سلب العموم، وقوله ﷺ في حديث ذي اليدين: «كل ذلك لم يكن» (١) برفع كل لا غير على عموم السلب؛ لأنه أراد نفي

стр. 635

النسيان وقصر الصلاة جميعا، وقول الشاعر: . . . ... وما كل من وافى منى وأنا عارف على سلب العموم، والفرق بينهما من جهة التركيب أن العموم والسلب أيهما تقدم لفظه أضفته إلى الآخر، فإن تقدم لفظ العموم على أداة السلب، فهو عموم السلب كما في الحديث، وإن تقدم لفظ السلب فهو سلب العموم كالبيت الأخير، وأما البيت الأول فيحتلهما، بناء على أن تقديره: كله لم أصنعه أو لم أصنع كله؛ فعلى الأول: هو عموم سلب الصنع، وعلى الثاني: هو سلب عموم الصنع وعلى هذا التقدير ربما ظن أن لا يستوي كذا وكذا من باب سلب العموم لتقدم حرف السلب، وليس كذلك، والفرق بينهما أن سلب العموم شرطه أن يدخل حرف السلب على لفظ عام تحته متعدد، فإذا سلب عمومه بقي الحكم في بعض أفراده، نحو: لم أضرب كل الرجال بخلاف لا يستويان؛ فطن حرف السلب دخل في المعنى على ماهية الاستواء فنفاها، الماهية من حيث هي هي لا تعدد فيها ولا اتحاد فلم يبق بعد سلبها شيء يثبت له الحكم، فلهذا قلنا: إن صيغة لا يستوي كذا وكذا، من باب عموم السلب لا سلب العموم، وهذا بحث استطردناه بديهة فلك النظر فيه. ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١) [الحشر: ٢١] هذا خرج مخرج المبالغة في تعظيم القرآن وغفلة الكفار عنه، أي أن هذا القرآن عظيم تتصدع لسماعه الجبال، وأنتم عنه غافلون، فهو كقوله- : ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٨) [ص: ٦٨]. ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤) / [٢٠٣ ب/م]) [البقرة: ٧٤] هذا مع إمكان خشوع الجبال وتصدعها من خشية الله- -إذا اقترنت بها إرادة ذلك، ويشهد لذلك وقوعه ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) [الأعراف: ١٤٣]. ...
следующие страницы →