← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 13554

رواية صحيح مسلم من طريق ابن ماهان مقارنة برواية ابن سفيان

مصدق الدوري

Полный текст (412 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو على الْمَاءِ الذي حَلَّاتُهُمْ عنه فإذا رسول اللَّهِ ﷺ قد أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ من الْمُشْرِكِينَ وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ وإذا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً من الْإِبِلِ الذي اسْتَنْقَذْتُ من الْقَوْمِ وإذا هو يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ من كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ من الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فلا يَبْقَى منهم مُخْبِرٌ إلا قَتَلْتُهُ قال: فَضَحِكَ رسول اللَّهِ ﷺ حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ في ضَوْءِ النَّارِ فقال: ﴿يا سَلَمَةُ أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا﴾؟، قلت: نعم، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ. فقال: إِنَّهُمْ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ في أَرْضِ غَطَفَانَ قال: فَجَاءَ رَجُلٌ من غَطَفَانَ فقال: نَحَرَ لهم فُلَانٌ جَزُورًا، فلما كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا فَقَالُوا: أَتَاكُمْ الْقَوْمُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فلما أَصْبَحْنَا قال رسول اللَّهِ ﷺ : ﴿كان خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أبو قَتَادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ﴾ قال: ثُمَّ أَعْطَانِي رسول اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْنِ سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لي جميعا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رسول اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ على الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إلى الْمَدِينَةِ قال: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ قال: وكان رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا قال: فَجَعَلَ يقول: ألا مُسَابِقٌ إلى الْمَدِينَةِ، هل من مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذلك قال: فلما سمعت كَلَامَهُ قلت: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا ولا تَهَابُ شَرِيفًا قال: لَا إلا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ قال: إن شِئْتَ قال: ... قلت: اذْهَبْ إِلَيْكَ وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ قال: فَرَبَطْتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ في إِثْرِهِ، فَرَبَطْتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ، ثُمَّ إني رَفَعْتُ حتى أَلْحَقَهُ، قال: فَأَصُكُّهُ بين كَتِفَيْهِ قال: قلت: قد سُبِقْتَ والله قال: أنا أَظُنُّ، قال: فَسَبَقْتُهُ إلى الْمَدِينَةِ قال: فَوَاللَّهِ ما لَبِثْنَا إلا ثَلَاثَ لَيَالٍ حتى خَرَجْنَا إلى خَيْبَرَ مع رسول اللَّهِ ﷺ قال: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ: تَاللَّهِ لَوْلَا الله ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنا وَنَحْنُ عن فَضْلِكَ ما اسْتَغْنَيْنَا ... فَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إن لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فقال رسول اللَّهِ ﷺ : ﴿من هذا﴾ قال: أنا عَامِرٌ. قال: ﴿غَفَرَ لك رَبُّكَ﴾ قال: وما اسْتَغْفَرَ رسول اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إلا اسْتُشْهِدَ، قال: فَنَادَى عُمَرُ بن

стр. 317

الْخَطَّابِ، وهو على جَمَلٍ له: يا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلَا ما مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ قال: فلما قَدِمْنَا خَيْبَرَ قال: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ: قد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قال: وَبَرَزَ له عَمِّي عَامِرٌ فقال: قد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ قال: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ في تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ له، فَرَجَعَ سَيْفُهُ على نَفْسِهِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ فَكَانَتْ فيها نَفْسُهُ قال سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فإذا نَفَرٌ من أَصْحَابِ النبي ﷺ يَقُولُونَ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ قَتَلَ نَفْسَهُ قال: فَأَتَيْتُ النبي ﷺ وأنا أَبْكِي فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ قال رسول اللَّهِ ﷺ : ﴿من قال ذلك﴾؟ قال: قلت: نَاسٌ من أَصْحَابِكَ قال: ﴿كَذَبَ من قال ذلك، بَلْ له أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ﴾، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إلى عَلِيٍّ وهو أَرْمَدُ فقال: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أو يُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ قال: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا، فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وهو أَرْمَدُ حتى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَبَسَقَ في عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فقال: قد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فقال عَلِيٌّ: أنا الذي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المنظرة أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السندرة قال: فَضَرَبَ رَاسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كان الْفَتْحُ على يَدَيْهِ، قال إِبْرَاهِيمُ: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الصَّمَدِ بن عبد الْوَارِثِ، عن عِكْرِمَةَ بن عَمَّارٍ بهذا الحديث بِطُولِهِ ٣/ ١٤٣٣. ــ قال القاضي عياض: "قوله في حديث ابن الأكوع "رأسونا بالصلح" كذا عند

стр. 318

............................................................................................ ــ الطبري بسين مضمومة مشددة، ولغيره بفتح السين مخففة، وعند العذري "راسلونا" بلام زائدة من المراسلة، ولبعضهم عن ابن ماهان "وسونا" بالواو، وهذه الوجوه الأول كلها صحيحة. يقال: رس الحديث يرسه إذا ابتدأه، ورسست بين القوم أصلحت بينهم، ورساً الحديث لك رسوا ذكر لك منه طرفاً، وأما "وأسونا" فلا وجه له ها هنا" (١). فرواية ابن ماهان "واسونا" وجعلها القاضي لا وجه له ها هنا، وروايتي ابن سفيان "راسلونا الصلح"، وهو وجه من إحدى الوجوه الصحيحة، لكن لم تكن رواية ابن ماهان لا وجه لها حقيقية. قال ابن منظور: "يروى "واسونا" بالواو أي: اتفقوا معنا عليه، والواو منه بدل من همزة الأسوة. الصحاح: الرَّس: الإصلاح بين الناس، والإفساد أيضاً، وقد رسست بينهم وهو من الاضداء" (٢). وقال في موضع آخر: "والمواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش ... والرزق، واصلها الهمزة فقلبت واواً تخفيفاً، وفي حديث الحديبية "ان المشركين واسونا للصلح" جاء على التخفيف" (٣). وأما رواية ابن سفيان: فذكر القاضي انها من المراسلة. قال ابن سيده: "قال صاحب العين (٤): الإرسال: التوجيه، وقد أرسلت إليه، وهي الرسالة، والرسَالة، وقد تراسل القوم - أرسل بعضهم إلى بعض -، والرسول: الرسالة والمرسل، والجمع أرسل ورُسُل. قال ابن جني: وقول الهذلي: قد أتتها أرسُلي، أرْسُل: جمع رسول وقياسه رُسل إلا انه لما أراد بالرسل هناء النساء كسًّره تكسير" (٥).

стр. 319

............................................................................................ ــ وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن سفيان الإمام احمد (١). الثاني: قال القاضي عياض (٢): "وقوله: يكن لهم بدء العقوق وثنياه، كذا لابن ماهان، ولغيره "وثناه" بكسر الثاء مقصورا. أي: عودته ثانية وهو الصواب". قال الإمام النووي: "قَوْله ﷺ : ﴿دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْء الْفُجُور وَثِنَاهُ﴾ أَمَّا الْبَدْء: فَبِفَتْحِ الْبَاء وَإِسْكَان الدَّال وَبِالْهَمْزِ، أَيْ اِبْتِدَاؤُهُ، وَأَمَّا "ثِنَاهُ" فَوَقَعَ فِي أَكْثَر النُّسَخ "ثِنَاهُ" مُثَلَّثَة مَكْسُورَة، وَفِي بَعْضهَا: "ثُنْيَاهُ" بِضَمِّ الثَّاء وَبِيَاءٍ مُثَنَّاة تَحْت بَعْد النُّون، وَرَوَاهُمَا جَمِيعًا الْقَاضِي، وَذَكَرَ الثَّانِي عَنْ رِوَايَة اِبْن مَاهَانَ وَالْأَوَّل عَنْ غَيْره. قَالَ: وَهُوَ الصَّوَاب. أَيْ عَوْدَة ثَانِيَة" (٣). فرواية ابن ماهان: "بدء العقوق وثنياه"، ورواية ابن سفيان "بدء الفجور وثناه" بلا ياء، فالبدء من بدأت جاء في اللغة: "وبدئ من بدأتُ والبدئ الأمر البديع، وابدأ الرجل: إذا جاء به. يقال: أمر بدئ قال عبيد بن الأبرص: فلا بدئ ولا عجيب، والبدء السيد، وقيل: الشاب المستجاد الرأي المستشار، والجمع بدوء، والبدءُ السيد الأول في السيادة، والثنيان الذي يليه في السؤدد. قال أوس بن عفراء السعدي (٤): ثنياننا ان أتاهم كان بدأهم ... وبدؤهم ان أتانا ثنيانا" ... (٥). وقال الزبيدي (٦): "يقال: هذا ثاني هذا، أي: الذي شفعه .. قال الراغب: يقال ثنيت كذا ثنياً: كنت له ثانياً". وقال الخليل: "يقال: ما هذا الأمر منك بكراً ولا ثنياً،

стр. 320

............................................................................................ ــ أي: ما هو بأول، ولا ثانٍ" (١). وأما "بدء الفجور وثناه"، فالبدء بان معناه سلفاً، وأما "ثناه" فمعناه: أوله وآخره، قال ذلك القاضي عياض وغيره (٢). ولم يرو أحدكما روى مسلم عند ابن ماهان ما يدل على انها بالمعنى لاسيما أننا عرفنا معناه الثِنيا، والله اعلم. وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن سفيان: أبو عوانه (٣)، والبيهقي (٤). الثالث: قال القاضي عياض: "وقوله فما زلت أرديهم واعقر بهم" بفتح الهمزة "وعلوت الجبل فجعلت أرديهم" وفي رواية أخرى فيهما: أرميهم بالميم وهما بمعنى، يقال: رديت الحجر ورميته، والمرداة بكسر الميم الحجارة والأشبه في الأول: أرميهم، وكذا عند شيوخنا فيه؛ لأنه إنما أخبر عن رميه بالقوس، وفي الثاني: أرديهم؛ لأنه خبر عن رميه من أعلى الجبل، وهي أكثر روايات شيوخنا فيه على هذا الترتيب والترجيح، وقوله في هذا الحديث: "فأرادوا فرسين" بفتح الهمزة وسكون الراء ودال مهملة، كذا روايتنا عن شيوخنا وفي بعض الروايات فيه بالذال المعجمة، وكلاهما صحيح متقارب ومعناه بالمعجمة خلفوهما وتركوهما واستضعفوهما. والرذي بالمعجمة المستضعف من كل شيء، وبالمهملة أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما، وتركوهما، ومنه المتردية. وأرْدَت الخيل الفارس وهو رد، أي: أسقطته وفي بعض الروايات عن ابن ماهان "وإذا فرسان" والصواب =

стр. 321

٣٦ - كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان باب إباحة الضب حدثني محمد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا أبو عقيل الدورقي، حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد: أن أعرابيا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني في غائط مضبة، وإنه عامة طعام أهلي قال: فلم يجبه. فقلنا: عاوده، فعاوده فلم يجبه ثلاثا، ثم ناداه رسول الله ﷺ في الثالثة فقال: ﴿يا أعرابي إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض فلا أدري لعل هذا منها فلست آكلها ولا أنهى عنها﴾ ٣/ ١٥٤٦*. ــ = الأول" (١). فقول القاضي: الصواب الأول من حيث وصف سقوط الفارس من فرسه - هما اثنان -، أما الرواية من طريق ابن ماهان، فوصفت حصول سلمة على فرسين، من باب لقاهما فجأة ففرح بهما، ودليل ذلك انه قال: فجئت أسوقهما إلى رسول الله ﷺ . ولم يرو احد الموضع هذا من الحديث كرواية مسلم عند المشارقة والمغاربة بهذين اللفظين. والله اعلم. * قال القاضي عياض: "وقوله في مسخ الضب أي "في حائط مضبة" كذا لابن ماهان، وهو تصحيف، وصوابه ما لغيره "في غائط" أي مطمئن من الأرض أي كثير الضباب، وسيأتي في بابه" (٢). ثم بين معنى الضب فقال: "وقوله أنا بأرض مضبة بفتح الميم والضاد وتشديد الباء أي: ذات ضباب، والضب بالفتح أيضاً: دوبية معروفة، ويقال: بأرض مضبة أيضاً بضم الميم وكسر الضاد قاله ابن دريد (٣)، والأول أكثر، قال

стр. 322

............................................................................................ ــ سيبويه (١)، ويكون مفعلة لازمة لها الهاء والفتحة إذا أردت تكثير الشيء بالمكان كقوله: ارض مسبعة ومضبة وماسدة" (٢). فالحائط: "ما أحيط به على شيء مثل النخل والكرم" (٣)، والحائط: الجدار (٤). والحائط إن لم يضف إلى شيء فدل على كونه سور، وان أضيف دل على ما أحيط به كما قال الفيروزآبادي آنفاً مثل النخل والكرم، وكما يصح إضافته إلى الزروع، فيصح أيضاً إضافته إلى الحيوان كما جاء في رواية المغاربة "حائط مضبة"، والله اعلم. وقوله: "غائط مُضبة"، قال ابن الأثير: "هكذا جاء في الرواية بضم الميم وكسر الضاد، والمعروف بفتحها. يقال: اضبت ارض فلان إذا كثر ضبابها. هي ارض مضبة: أي ذات ضباب مثل ما سدة، ومذابة، ومربعة أي ذات اسود، وذئاب، ويرابيع، وجمع المضبة: مضاب" (٥). وبهذا يكون المعنى متقارب بين الروايتين، ويكون التصحيف بعيداً، ولاسيما إن رواية المغاربة عرفت عند أهل الحديث في كتبهم، وممن رواه حائط مضبة الطيالسي (٦)، والطحاوي (٧)، وأبو عوانة (٨)، والبيهقي (٩). ... =

стр. 323

٣٧ - كتاب الأشربة باب النهي عن الانتباذ في المزفت ، والدباء، والحنتم، والنقير، وبيان أنه منسوخ، وأنه اليوم حلال ما لم يصر مسكرا حدثنا نصر بن علي الجهضمي، أخبرنا نوح بن قيس، حدثنا ابن عون، عن محمد عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: ﴿أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير - والحنتم المزادة المجبوبة - ولكن اشرب في سقائك وأوكه﴾ ٣/ ١٥٧٧*. ــ = ولم يرو احد الحديث بلفظ غائط مضبة غير مسلم من المحدثين وهي رواية المشارقة. * قال القاضي عياض: "وقوله: والحنتم والمزادة المجبولة، كذا لابن ماهان، ولرواة ابن سفيان: والحنتم المزادة بغير واو، وهو وهم" (١). وقال الإمام النووي: "هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ بِبِلَادِنَا "وَالْحَنْتَم الْمَزَادَة الْمَجْبُوبَة" وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمَاهِير رُوَاة صَحِيح مُسْلِم، وَمُعْظَم النُّسَخ. قَالَ: وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ "وَالْحَنْتَم وَالْمَزَادَة الْمَجْبُوبَة" قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَالْأُولَى تَغْيِير وَوَهْم، قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ، "وَعَنْ الْحَنْتَم وَعَنْ الْمَزَادَة الْمَجْبُوبَة"، وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ "َالْحَنْتَم وَالدُّبَّاء وَالْمَزَادَة الْمَجْبُوبَة" بِالْجِيمِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة الْمُكَرَّرَة، وَقَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضهمْ "الْمَخْنُوثَة" بِخَاءٍ مُعْجَمَة ثُمَّ نُون وَبَعْد الْوَاو ثَاء مُثَلَّثَة كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ اِخْتِنَاث الْأَسْقِيَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث آخَر، وَهَذِهِ الرِّوَايَة لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل إِنَّهَا بِالْجِيمِ" (٢). وفي موضع آخر قال:" وفي حديث الأوعية "أنهى عن الدباء والخنتم المزاده المجبوبة" كذا لكافتهم برفع الحنتم على الابتداء، وما بعده خبره، وعند الهوزني: والمزادة بالواو، وهو الصواب، وكذا في النسائي: والحنتم وعن المزادة المجبوبة

стр. 324

............................................................................................ ــ ونحوه عند أبي داود إذ ليس الحنتم هي المزادة لا مجبوبة ولا غير مجبوبة، .. والمزادة المجبوبة: هي التي جب رأسها، أي قطع فصارت كالدن، فإذا انتبذ فيها لم يعلم غليانه، قاله: ثابت، وقال الهروي: هي التي خيط بعضها إلى بعض، وقال الخطابي: لأنها ليست لها عزال من أسفلها يتنفس منها فقد يتغير شرابها ولا يشعر بها، كذا رويناه عن كافة شيوخنا في هذه الكتب ورواه بعض الرواة في غيرها المخنوثة بالخاء المعجمة، والنون وآخره ثاء مثلثة وهاء كأنه عنده من اختناث الأسقية وليس بشيء هنا" (١). وقال الإمام السيوطي: "والحنتم المزادة المجبوبة في نسخة والمزادة بواو العطف، قال القاضي: وهو الصواب، والأول تغيير ووهم، وفي رواية النسائي: وعن الحنتم وعن المجبوبة، وهي بالجيم والموحدة المكررة التي من أسفلها تنفس الشراب منها فيصير شرابها مسكرا ولا يدرى به، ورواه بعضهم: المخنوثة بخاء معجمة ونون وثاء مثلثة، كأنه أخذه من اختناث الأسقية، والصواب الأول" (٢). فرواية المغاربة بواو العطف بينهما، ورواية المشارقة بلا واو العطف، وقول القاضي بغير واو، وهو وهم، وقول الإمام النووي، والصواب الأول؛ لان الحنتم شيء، والمزادة شيء آخر وليس المزادة وصف للحنتم، وهو ما بينه القاضي "إذ ليس الحنتم هي المزادة لا مجبوبة ولا غير مجبوبة". فالمزادة: هي "التي يحمل فيها الماء، وهي ما فُئم بجلد ثالث بين الجلدين ليتسع، سميت بذلك لمكان الزيادة، وقيل هي المشعوبة من جانب واحد، فان خرجت من وجهين فهي شعيبٌ" (٣). والجبُّ: هي "القطع، جبّه يجبه جباً وجباباً ... ومنه حديث الانتباذ في المزادة المجبوبة التي قطع رأسها وليس لها عزلاء من أسفلها يتنفس منها الشراب، وفي

стр. 325

............................................................................................ ــ حديث ابن عباس ﵄ نهى النبي ﷺ عن الجب، قيل وما الجبُّ؟ فقالت امرأة عنده: هو المزادة يخيط بعضها إلى بعض كانوا ينتبذون فيها حتى خَرِيَت أي تعوَّدت الانتباذ فيها، واشتدت عليه، ويقال لها المجبوبة أيضاً" (١). والحنتم هي الجرار الخضر قال أبو عبيد: "وأما الحنتم فجرار خضر كانت تحمل إلينا فيها الخمر" (٢). وأما المراد بالحديث فقال: جرار حمر، وأما في كلام العرب فهي الخضر (٣). قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: "الحنتم: جِرَار مدْهُونة خُضْرٌ كانت تُحْمَل الخمْر فيها إلى المدينة ثم اتُّسِع فيها فقيل لِلْخَزَف كلّه حنتم واحدَتها حَنْتَمة وإنما نُهي عن الانْتِباذ فيها لأنَّها تُسْرع الشّدّةُ فيها لأجْل دَهْنها، وقيل: لأنها كانت تُعْمل من طين يُعجن بالدَّم والشَّعر فنُهِي عنها ليُمْتَنع من عَملها، والأوّل الوجه" (٤). وقال الرافعي (٥): "والحنتم فنعل الخرف الأخضر، والمراد الجرة ويقال لكل اسود حنتم، والأخضر عند العرب اسود". وقال الزبيدي: "واختلف في نون حنتم فقيل أصلية .. وقبل زائدة، واستند بذلك إلى قول الرافعي: الحنتم فنعل من الحتم وهو الخرف الأخضر" (٦). ومن هذا يتبين الجرار غير الجلود، ويكون الوهم عند المشارقة على الرغم من كون الحديث تفرد به مسلم في الروايتين، والله اعلم. وعند أبي داود تقديم وتأخير " .. والحنتم، والدباء، والمزادة المجبوبة ... " (٧)، فباعد بينهما. وهذا يؤكد الفرق بين المزادة والحنتم. ... =

стр. 326

٣٨ - كتاب الأشربة باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير وبيان أنه منسوخ وأنه اليوم حلال ما لم يصر مسكرا حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، حدثني زاذان، قال: قلت لابن عمر: حدثني بما نهى عنه النبي ﷺ من الأشربة بلغتك، وفسره لي بلغتنا، فإن لكم لغة سوى لغتنا، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن الحنتم، وهي الجرة، وعن الدباء، وهي القرعة، وعن المزفت وهو المقير، وعن النقير وهي النخلة تنسح نسحا وتنقر نقرا، وأمر أن ينتبذ في الأسقية ٣/ ١٥٨٠*. ــ = الخلاصة: يتبين الوهم في رواية ابن سفيان. * قال القاضي عياض: "قوله في تفسير النقير: "هي النخلة تنسح نسحا وتنقر نقرا" بالحاء المهملة، أي ينحى قشرها عنها وتملس، ويحفر فيها للانتباذ، كذا ضبطناه عن كافة شيوخنا، وفي كثير من نسخ مسلم، عن ابن ماهان:" تنسج" بالجيم، وكذا ذكره الترمذي (١)، وهو خطأ، وتصحيف لا وجه له" (٢). وقال الإمام النووي: "قَوْله: (وَنَهَى عَنْ النَّقِير وَهِيَ النَّخْلَة تُنْسَح نَسْحًا أَوْ تُنْقَر نَقْرًا)، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات، (وَالنَّسْح) بِسِينٍ وَحَاء مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ: تُقْشَر ثُمَّ تُنْقَر، فَتَصِير نَقِيرًا، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة فِي بَعْض النُّسَخ (تُنْسَج) بِالْجِيمِ، وذكر قَولَ الْقَاضِي وَغَيْره بأنه تصحيف ونقل إدعاء بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسَخ صَحِيح مُسْلِم، وَفِي التِّرْمِذِيّ بِالْجِيمِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مُعْظَم نُسَخ مُسْلِم بِالْحاءِ" (٣). وقال الإمام السيوطي: "تنسح نسحا بإهمال السينين والحاء أي تنقر ثم تقشر

стр. 327

............................................................................................ ــ فتصير نقيرا وفي نسخة بالجيم" (١). قال الليث: "النّسْحُ والنُّساحُ: ما تَحاتَّ عن التمر من قشره وفُتاتِ أَقماعه ونحو ذلك مما يبقى في أَسفل الوعاء. .. " (٢). وقال الأَزهريّ: "ما ذكرَه اللَّيْث في النسح لم أَسمعْه لغيره قال: وأَرجو أَن يكون محفوظاً. ومما يستدرك عليه: مما نقَله شيخنا عن القاضي أَبي بكْرِ بن العربيّ في عارِضَته فإِنّه قال: نَسجْت الثَّوْبَ بالجِيم: جمَعْت خُيوطَه حتّى يتمَ ثَوباً ونَسخْت بالحَاءِ المهملة إِذا نَحَتّ القِدْرَ حَتى يَصير وِعَاءً ضابطاً لما يُطْرَحُ فيه من طعامٍ وشرابٍ" (٣). ونقل ابن الأثير قول الأزهري: النَّسْج: ما تَحاتَّ عن التَّمر من قِشْره وأقْماعِه مّما يَبْقَى في أسفل الوعاء (٤). وقال ابن منظور:"ونَسَجَت الريحُ الماءَ ضَرَبَتْه فانْتَسَجت فيه طَرائِقُ قال زهير يصف وادياً (٥): مُكَلَّلٌ بعَمِيمِ النَّبْتِ تَنْسِجُه رِيحٌ ... خَريقٌ لِضاحي مائِهِ حُبُك" ... (٦). فيكون المعنى واحداً والنسج أخص من النسح، وليس في الروايتين أو أحدهما خطأ، أو وهم، أو تصحيف، وتأيدت رواية مسلم عند ابن ماهان بما رواه الإمام أحمد (٧)، والطيالسي (٨)، وعبد الرزاق (٩)، والبيهقي (١٠)، وقال في آخره رواه =

стр. 328

٣٩ - كتاب الأشربة باب في شرب النبيذ وتخمير الإناء حدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعبد بن حميد كلهم، عن أبي عاصم قال ابن المثنى: حدثنا الضحاك، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني أبو حميد الساعدي قال: أتيت النبي ﷺ بقدح لبن من النقيع ليس مخمرا فقال: ﴿ألا خمرته ولو تعرض عليه عودا﴾. قال أبو حميد: إنما أمر بالأسقية أن توكأ ليلا وبالأبواب أن تغلق ليلا. وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان وأبي صالح، عن جابر قال: جاء رجل يقال له أبو حميد بقدح من لبن من النقيع فقال له رسول الله ﷺ : ﴿ألا خمرته ولو تعرض عليه عودا﴾ ٣/ ١٥٩٣*. ــ = مسلم في الصحيح عن محمد بن مثنى، وبندار، عن أبي داود ـ يعني الطيالسي ـ وهذا دليل على تعدد مجالس السماع لهذا الصحيح، فما وقع عند ابن ماهان من طريق مسلم وُجِدَ عند البيهقي، والبيهقي لم يكن عنده سنداً إلى ابن ماهان. * قال القاضي عياض: "بقيع الغرقد الذي فيه مقبرة المدينة بباء بغير خلاف وسمي بذلك لشجرات غرقد وهو العوسج كانت فيه، وكذلك بقيع بطحان جاء في الحديث هو بالباء أيضا قال الخليل (١): البقيع كل موضع من الأرض فيه شجر شتى، وأما الحمي الذي حماه النبي ﷺ ، ثم عمر بعده وهو الذي يضاف إليه في الحديث غرز البقيع، وفي الآخر بقدح لبن من البقيع، وحمى البقيع وهو على عشرين فرسخا من المدينة، وهو صدر وادي العقيق، وهو أخصب موضع هناك، وهو ميل في الشهيد وغيره بالنون وبالنون ذكره الهروي والخطابي وغير واحد قال الخطابي (٢): وقد صحفه أصحاب الحديث فيروونه بالباء وإنما الذي بالباء بقيع المدينة بريد وفيه شجر ويستجم حتى يغيب فيه الراكب فاختلف الرواة وأهل المعرفة

стр. 329

............................................................................................ ــ في ضبطه فوقع عند أكثر رواة البخاري بالنون وكذا قيده النسفي وأبو ذر والقابسي وسمعناه في مسلم من أبي بحر بالباء وكذا روي عن ابن ماهان وسمعناه من القاضي موضع قبورها وأما أبو عبيد البكري فقال: إنما هو بالباء مثل بقيع الغرقد قال: ومتى ذكر البقيع دون إضافة فهو هذا، ووقع في كتاب الأصيلي في موضع بالنون والفاء وهو تصحيف قبيح والأشهر في هذا النون والقاف، والبقيع كل موضع يستنقع فيه الماء وبه سمي هذا" (١). والبقيع والنقيع والنفيع أماكن معروفة، قال الحازمي (٢): أما الأَوَّلُ: - بعد الباء قافٌ مكسور -: بقيع الغرقد بالمدينة معروفٌ وقد جاء ذكره في غير حديثٍ. وبقيعُ الزبير بالمدينة أيضاً، فيه دُورٌ ومنار. وأما الثَّاني: - بعد الباء المَضْمُومَة قافٌ مَفْتُوحةٌ -: مَوْضِعٌ وراء اليمامة، متاخمٌ لبلاد اليمن، له ذكر في الأشعار. وأما الثَّالِثُ: - أوله نُوْن مَفْتُوحةٌ ثُمَّ قاف مَكْسُورَة -: حمى النقيع على عشرين ميلاً، أو نحو ذلك من المدينة، كان النَّبِي ﷺ حماه لخيله، وله هناك مسجد يُقَالُ له مُقمل، وهو من دِيَارِ مُزينة. ومَوْضِعٌ آخر قُربَ المدينة يُقَالُ له نقيع الخضمات، قال الخطابي: ومن الناس من يقوله بالباء، وهو تصحيفٌ. وأما الرَّابع: - أوله نُوْن مَضْمُومَة ثُمَّ فاء مَفْتُوحةٌ -: جبل بمَكَّة، كان الحارثُ ابن عبيدٍ بن عمر بن مخزوم يحبس فيه سفهاء قومه. إلا ان البعض جعل البقيع والنقيع والنفيع موضعاً واحداً، قال ياقوت: "وفي حديث "بقدح لبن من النقيع ... "

стр. 330

............................................................................................ ــ كذا في كتاب عياض (١)، ومساحته ميل في بريد، وفيه شجر يستجم حتى يغيب الراكب فيه، واختلف الرواة في ضبطه، فمنهم من قيده بالنون منهم النسقي، وأبو ذر القابسي، وكذلك قيد مسلم عن الصدفي وغيره، وكذلك لابن ماهان، وكذا ذكره الهروي والخطابي. قال الخطابي: وقد صحفه بعض أصحاب الحديث بالباء، وإنما الذي ... بالباء مدفن أهل المدينة، قال: ووقع في كتاب الأصيلي بالفاء مع النون، وهو ... تصحيف وإنما هو بالنون والقاف، قال: وقال أبو عبيد البكري: هو بالباء ... والقاف مثل بقيع الغرقد، وحكى السهيلي: في حديث النبي ﷺ انه حمى ... غرز النقيع، قال الخطابي: النقيع القاع، والغرز نبت شبه النمام بالنون، ... وفي رواية ابن إسحاق مرفوعاً إلى أبي إمامة "ان أول جمعة جمعت ... بالمدينة في هزم بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات ... هكذا هو ... المشهور في جميع الروايات، وقد ذكر ابن هشام بني النبيت ... قال ... السهيلي: وجدته في نسخة شيخ أبي بحر بالباء، وكذا وجدته في رواية ... يونس عن ابن إسحاق قال: وذكر أبو عبيد البكري في كتاب معجم ما استعجم ... من أسماء البقيع انه نقيع بالنون ذكر ذلك بالنون والقاف وأما النفيع بالفاء ... فهو اقرب إلى المدينة منه بكثير .. هكذا هذان الإمامان عن أبي عبيد البكري إلا ... ان يكون أبو عبيد جعل الموضع الذي حماه رسول الله ﷺ وهو حمى ... غرز البقيع بالباء فغظ، والله اعلم به على ان القاضي عياض والسهيلي لم ... أرهما فرقاً بينهما ولا جعلا هما موضعين وهما موضعان لا شك فيهما ان ... شاء الله" (٢). وممن رواه كما وقع لمسلم في رواية ابن ماهان - ولكن بلفظ أتي وليس أتيت -

стр. 331

............................................................................................ ــ أبو عوانة (١)، والبيهقي (٢)، وأبو نعيم الأصبهاني (٣). ومن خلال هذا الكلام يتبين ان رواية ابن ماهان ليس فيها تصحيف، وهي صحيحة أيضاً. وممن رواه كما وقع لمسلم في رواية ابن سفيان البخاري (٤)، الإمام احمد (٥)، وأبو يعلى (٦)، وابن خزيمة (٧).

стр. 332

٤٠ - كتاب الأشربة باب إكرام الضيف وفضل إيثاره حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد قال: أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز فقال النبي ﷺ : ﴿احتلبوا هذا اللبن بيننا﴾ قال: فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه ونرفع للنبي ﷺ نصيبه، قال: فيجيء من الليل، فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان قال: ثم يأتي المسجد، فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل قال: ندمني الشيطان فقال: ويحك ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك، فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك، وعلي شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا فرفع رأسه إلى السماء فقلت: الآن يدعو علي فأهلك فقال: ﴿اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني﴾ قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ... ﷺ فإذا هي حافلة وإذا هن حفل كلهن فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ ما كانوا يطعمون أن يحتلبوا فيه قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة فجئت إلى رسول الله ... ﷺ فقال: ﴿أشربتم شرابكم الليلة﴾؟ قال: قلت: يا رسول الله اشرب، فشرب ثم ناولني فقلت: يا رسول الله اشرب، فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روى وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض قال: فقال النبي ﷺ : ﴿إحدى سوآتك يا مقداد﴾ فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا

стр. 333

فقال النبي ﷺ : ﴿ما هذه إلا رحمة من الله أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها﴾ قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبْتَها وأصبْتُها معك من أصابها من الناس ٣/ ١٦٢٥. ــ قال القاضي عياض: "وقوله: فتعرفنا اثنا عشر رجلاً، أي صرنا عرفاء على غيرنا، أي مقدمين بدليل بقية الحديث، وذكر فيه أيضاً البخاري (١) عن بعضهم فتفرقنا من الافتراق، وقد يخرج له وجه، وكذلك رواه أكثرهم عن البخاري في كتاب الصلاة: ففرقنا اثني عشر رجلاً، وللنسفي فعرفنا، وهو أوجه وأصوب، وفي مسلم: "فعرفنا" بفتح الفاء، وعند ابن ماهان فيه تخليط، ووهم ذكرناه في آخر الكتاب في الأوهام" (٢). وقال: "وفي حديث أضياف أبي بكر: "وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، فعرفنا منه اثني عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس"، أي جعلنا عرفاء، كذا قيدناه عن شيوخنا، وهي رواية الجلودي، وعند الرواة عن ابن ماهان فيه تغيير وتخليط، ونص ما عندهم: "فمضى الأجل، فعرفنا الأجل، فجاء اثنا عشر ... رجلاً"، وكذا جاء في غير موضع من الصحيحين مع اختلاف هذا اللفظ بين عرفنا وفرقنا" (٣). وقال الإمام النووي: "قوله: فعرفنا اثنا عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس، هكذا هو في معظم النسخ "فعرفنا" بالعين وتشديد الراء، أي جعلنا عرفاء. وفي كثير من النسخ "ففرقنا" بالفاء المكررة في أوله، وبقاف في التفريق أي جعل كل رجل من الاثني عشر مع فرقة، فهما صحيحان ولم يذكر القاضي هنا غير الأول. ثم قال: ... وفي نادر منها - أي من النسخ - اثني عشر، وكلاهما صحيح، والأول جار على لغة من جعل المثنى بالألف في الرفع والنصب والجر، وهي لغة أربع

стр. 334

............................................................................................ ــ قبائل من العرب، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] وغير ذلك" (١). وقال الإمام السيوطي: "فعرفنا اثني عشر بالعين وتشديد الراء، أي جعلنا عرفاء، وفي نسخة بفاء في أوله مكررة وقاف بعد الراء من التفريق، أي جعل كل رجل منا مع اثني عشر فرقة" (٢). والكلام الأصوب هو الذي ذهب إليه القاضي عياض؛ لان في رواية ابن ماهان غيرت المعنى، ورواية ابن سفيان والأكثر من الرواة إن النبي ﷺ عرّف اثنا عشر رجلاً، أي جعلهم عرفاء، وكل عريف اخذ ما استطاع ان يأخذ من الرجال من أهل الصفة في حين رواية ابن ماهان جعلت مجيء الاثني عشر رجلاً دون ... تعريفهم، والله اعلم.

стр. 335

٤١ - كتاب اللباس والزينة باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع حدثنا أبو الربيع العتكي، حدثنا أبو عوانة، عن أشعث بن سليم بهذا الإسناد مثله إلا قوله: وإبرار القسم أو المقسم، فإنه لم يذكر هذا الحرف في الحديث، وجعل مكانه وإنشاد الضال ٣/ ١٦٣٥*. ــ * قال القاضي عياض: "في حديث أبي الربيع العتكي:" أمرنا رسول الله ... ﷺ بسبع"، وفيه: وإنشاد الضال، كذا لكافتهم، وعند ابن ماهان: وإنشاد الضالة، قال بعضهم: صوابه وإرشاد الضال بالراء، وكذا أصلحه القاضي الكناني، وهو أوجه، والأول يتجه أيضا ويصح لاسيما مع من رواه الضالة، لكن الرواية الأولى أعرف وأشهر في غير هذا الحديث" (١). وقال الإمام النووي: "وفي رواية وإنشاد الضالة بدل إبراز القسم أو المقسم، [ومعناها] فهو تعريفها. ويجوز ان يكون المراد بالضالة هنا ضالة الإبل ونحوها بما لا يجوز التقاطها للتمليك، بل إنها تلتقط للحفظ على صاحبها (٢)، وفي الحديث: "من أذى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها" (٣). فرواية ابن ماهان بتاء التأنيث، ورواية ابن سفيان بلا تاء للتذكير، وهي بمعنى المناداة والسؤال عنها، قال ابن منظور: "نشدت الضالة إذا ناديت، وسألت عنها، وقال ابن سيده: نشد الضالة ينشدها نشدةً ونشداناً: طلبها وعرفها، وانشدها عرفها ويقال أيضاً: نشدتها إذا عرفتها ... وقيل انشد الضالة استرشد عنها ... فالناشد الطالب: يقال منه نشدتُ الضالة انشدها، وانشدُها نشداً إذا طلبتها، فأنا ناشد وأنشدتها فأنا منشد إذا عرفتها" (٤).

стр. 336

............................................................................................ ــ وقال إبراهيم الحربي: "يقال نشدتُ الضالة إذا سألت عنها وأنشدتها إذا عرفتها. وقال مؤرخ: النشد: المعّرف انشد ينشد إنشاداً، والناشد المعترف نشد ينشد نشدةً، ونشداناً قال الشاعر (١): انشدُ الناس ولا أنشدهم ... إنما ينشد من كل أضل أنشدهم أدل عليهم، وقال آخر (٢): كأنه ناشدٌ نادى لموعده ... عبدى مناف إذا اشتد الحيازيم" ... (٣) وقال الخليل: "ورَشِدَ فلانٌ إذا أصاب وجه الأمر والطريق، والإرشاد والدلالة والهداية" (٤). وقال ابن الأثير: "الراشد: اسم فاعل من رشد مرشد رُشْداً ورَشِدَ يرشد رَشَداً، وأرشَدتْه أنا. والرُّشْد: خلاف الغيِّ ... ومنه الحديث "وإرشاد الضال" أي هدايته الطريق وتعريفه، وقد تكرر في الحديث. فكلا المعنيين يستقيم، فابن ماهان روايته من حيث راحلته أو بهيمته، وابن سفيان من حيث من أضل الطريق، فكلاهما صحيح، والله اعلم، وانفرد مسلم باللفظين" (٥).

стр. 337

٤٢ - كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا ـ ﷺ ـ وصفاته حدثنا أبو غسان المسمعي، ومحمد بن المثنى، وابن بشار (وألفاظهم ... متقاربة) قالوا: حدثنا معاذ (وهو ابن هشام)، حدثني أبي، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن ثوبان: أن نبي الله ـ ﷺ ـ قال: ﴿إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم﴾، فسئل عن عرضه فقال: ﴿من مقامي إلى عمان﴾، وسئل عن شرابه، فقال: ﴿أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يغتُّ فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما: من ذهب، والآخر: من ورق﴾ ٤/ ١٧٩٩*. ــ * قال القاضي عياض: "قوله يثعب دما بعين مهملة أي يتفجر ومثله في حديث الحوض ينثعب منه ميزابان وروى يعب ويغت بالغين المعجمة والتاء وسيأتي ومثاعب المدينة بفتح الميم جمع مثعب وهي مسائل مياهها" (١). وقال أيضاً:" وقوله: "يغت فيه ميزابان"، كذا رويناه من طريق الفارسي والسجزي، بغين معجمة وتاء باثنتين قوقها، وكذا ذكره ثابت والهروي والخطابي (٢) وأكثرهم، ومعناه "اتباع" الصب وأصله: اتباع الشرب الشرب، والقول القول، فاراد أن هذين الميزابين يصبان فيه دائماً، واللفظ يدل على أنه دفعة بعد دفعة. وقال الهروي: معناه: يدفقان فيه الماء دفقاً شديداً متتابعاً. ورويناه من طريق العذري:"يعب" بعين مهملة وباء بواحدة، وكذا ذكره الحربي، وفسره بمعنى ما تقدم، أي لا ينقطع جريهما، قال: والعَبُّ الشرب بسرعة في نفس واحد. ووقع في رواية ابن ماهان: "يثعب" بثاء مثلثة قبل العين، ومعناه يتفجر، كما قال في الحديث الآخر: "وجرحه يثعب دماً" (٣).

стр. 338

............................................................................................. ــ وأكد الإمام النووي ما قاله القاضي، وقال: (يَغُتُّ) بِفَتْحِ الْيَاء، وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَضْمُومَة وَمَكْسُورَة، ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق مُشَدَّدَة، ونسب ذكر هذا القول إلى من ذكرهم القاضي من أئمة، وبين معناه عندهم. وقال أيضاً: وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ نُسَخ بِلَادنَا، وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ: "يَعُبُّ" بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِبَاءٍ مُوَحَّدَة، وذكر ما حكاه القاضي عَنْ رِوَايَة الْعُذْرِيّ. قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَ الْحَرْبِيّ، وَفَسَّرَهُ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ، أَيْ لَا يَنْقَطِعُ جَرَيَانُهُمَا. قَالَ: وَالْعَبُّ: الشُّرْب بِسُرْعَةٍ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ. وذكر َوَقَوعَ "يَثْعَب" بِمُثَلَّثَةٍ وَعَيْن مُهْمَلَة فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان، ومعناه: يَتَفَجَّرُ (١). وبين الإمام السيوطي معاني مفردات هذا الحديث فقال: "لبعقر حوضي" بضم العين وسكون القاف: وهو موضع موقف الإبل من الحوض إذا وردته، وقيل: مؤخره، "أذود": أي أطرد، "ترفض عليهم": أي تسيل، "يغت بفتح أوله وضم الغين المعجمة وكسرها ثم مثناة فوق مشددة": أي يدفق دفقا شديدا متتابعاً، وروي بضم العين المهملة وباء موحدة بمعناه من العب: وهو الشرب بسرعة في نفس واحد، وروي "يثعب بمثلثة وعين مهملة": أي ينفجر، "يمدانه بفتح الياء وضم الميم": أي يزيدانه ويكثرانه (٢). فالعَبُّ: هو التتابع والجريان بسرعة دون توقف. قال ابن دريد: "عَبَّ في الإناء: يَعُبُّ عبّاً، وهو تتابع الجَرعْ. قال الراجز: يَكْرَع فيها ويَعُب عبّا ... مُجَبِّياً في مائها مُنكبّا أي: منَكِّساً رأسَه رافعاً عَجُزَه" (٣)، وفي الحديث: "مصوا الماءَ مصاً، ولا

стр. 339

......................................................................................... ــ تَعبّوه عبًّا، فإن الكُباد من العبّ" (١). وقال الأزهري: "والعبُّ أن يشرب الماء ولا يتنفّس، ... وروى أبو العباس، عن عمرو، عن أبيه أنه قال: العبُّ أن يشرب الماء دغرقة بلا غَنْث، والدغرقة: أن يصبَّ الماءَ مرةً واحدة، والغَنْث: أن يقطّع الجَرْع ... وقال ابن الأعرابيّ: اليعبوب: كلُّ جدول ماءٍ سريع الجري، وبه شبّه الفرس اليعبوب" (٢). والغتُّ: هو التنفس بين الشربتين قال الصاحب بن عباد: "غَتَّ الرَّجُلُ في الماء يَغُتُّ غَتّاً: وهو ما بَيْنَ النَّفَسَيْنِ من الشُّرْب والإِناءُ على فيه" (٣). قال ابن منظور: "وروي في حديث ثوبان أَيضاً عن النبي ﷺ في الحَوْض: "يَغُتُّ فيه ميزابانِ مِدادُهما من الجنة"، ونسب القول عن معنى يغت إلى الأزهري قال: هكذا سمعته من محمد بن إِسحق يَغُتُّ بضم الغين قال: ومعنى يَغُتُّ: يَجْري جَرْياً له صَوْتٌ وخَريرٌ، وقيل: يَغُطُّ، قال: ولا أَدري ممن حَفِظَ هذا التفسير قال الأَزهري: ولو كان كما قال لقيل يَغُتُّ ويَغِطُّ بكسر الغين، ومعنى يَغُتُّ يُتابعُ الدَّفْقَ في الحوض لا يَنْقَطِعُ، ماخوذ من غَتَّ الشاربُ الماءَ جَرْعاً بعد جَرْع، ونَفَساً بعد نَفَس من غير إِبانةِ الإِناء عن فيه، قال: فقوله: (يَغُتُّ فيه مِيزابانِ)، أَي يَدْفُقانِ فيه الماءَ دَفْقاً مُتتابعاً دائماً مِن غير أَن يَنْقَطِعَ كما يَغُتُّ الشاربُ الماءَ" (٤). وقال ابن الأثير: "أي يدُفِقان فيه الماء دفقاً دائما متتابعان" (٥). وفسر القاضي عياض ما في رواية ابن ماهان انثعب بمعنى: يتفجر (٦)، =

стр. 340

٤٣ - كتاب الفضائل باب عرق النبي ﷺ في البرد وحين يأتيه الوحي وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت قال: كان النبي ... ﷺ إذا نزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أتلي عنه رفع رأسه ٤/ ١٨١٧*. ــ = وفي اللغة: "انثعب الماء والدم ونحوهما ثعبا: فجره، فسال، وفي الحديث: "يجيء الشهيد يوم القيامة وجرحه يثعب دما" (١)، انثعب الماء والدم ونحوهما: انفجر، وفي حديث سعد (فقطعت نساه فانثعبت جدية الدم)، والمطر: اندفع، والماء: جرى" (٢). وروى الإمام أحمد الحديث بلفظ يغت وباقي ألفاظه متقاربة من لفظ ما عند مسلم من جهة المشارقة (٣). * قال القاضي عياض: "وقوله في صفة نزول الوحي: "فلما أتلي عنه" بضم الهمزة، وتاء باثنتين فوقها ساكنة، ولام مكسورة. مثل أعطي، كذا قيده شيخنا القاضي أبو عبد الله بن عيسى الجياني، وعند الفارسي مثله، إلا أنه بثاء مثلثة، وعند العذري من طريق شيخنا الأسدي: أثِل بكسر الثاء المثلثة مثل ضرب. وكان عند شيخنا القاضي الحافظ أبي علي أجلي بالجيم مثل أعطي أيضاً، وعند ... ابن ماهان: "انجلى" بالنون، وكذا رواه البخاري، وهاتان الروايتان لهما وجه أي انكشف عنه وذهب وفرج عنه، يقال: انجلى عنه الغم، وأجليته عنه: أي فرجته

стр. 341

........................................................................................ ــ فتفرج، وأجلوا عن قتيل: أي أفرجوا عنه وتركوه، وقال بعضهم: لعله اؤتلي: أي قصر عنه، وأمسك من قولهم لم يأل يفعل كذا: أي لم يقصر، وقال بعضهم: لعله ألعى عنه تصحف منه انجلى أو أجلى، وكذا رواه ابن أبي خيثمة أي نحي عنه، كما قال أبو جهل: أعلى عني أي تنح" (١). وقال الإمام النووي: "قَوْله: أُتْلِيَ عَنْهُ، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم نُسَخ بِلَادنَا: "أُتْلِيَ" بِهَمْزَةٍ، وَمُثَنَّاة فَوْقُ سَاكِنَة، وَلَام وَيَاء، وَمَعْنَاهُ اِرْتَفَعَ عَنْهُ الْوَحْي، هَكَذَا فَسَّرَهُ صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره، وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ "أُجْلِيَ" بِالْجِيمِ، وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان: اِنْجَلَى، وَمَعْنَاهُمَا أُزِيلَ عَنْهُ، وَزَالَ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ: اِنْجَلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (٢). وأيد الإمام السيوطي ما قاله الإمام النووي دون نسبة الخلاف إلى رواية (٣). فرواية ابن ماهان: "انجلى"، ورواية ابن سفيان "اتلي" قال صاحب مرقاة المفاتيح: "اتلي (٤) أي سري عنه وكشف كأنه ضمن الإتلاء، وهو الإحالة معنى الكشف بقرينة عن ... والمعنى ارتفع الوحي على الرواية الأولى، أو الكرب على الرواية الثانية. وقال الطيبي: ضمن أتلي معنى أقلع فعدى بعن وينصره رواية شرح السنة، فلما أقلع عنه. وقال التوربشتي: قوله "فلما أتلي عليه" كذا هو في المصابيح وأرى صوابه "فلما تلي عليه" من التلاوة، وإن كان "أتلي عليه" محققاً فمعناه أحيل يقال: أتليته أحيلته أي أحيل عليه البلاغ، وذلك أن الملك إذا قضى إليه ما نزل به فقد أحال عليه البلاغ". ... =

стр. 342

٤٤ - كتاب الفضائل باب كم أقام النبي ﷺ بمكة والمدينة وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو قال: قلت لعروة: كم لبث النبي ﷺ بمكة؟ قال: عشرا. قلت: فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة قال: فغفره وقال: إنما أخذه من قول الشاعر ٤/ ١٨٢٥*. ــ = ومعنى انجلى: "أزيل وزال عنه" (١). فتكون الروايتان بمعنى فراغ الوحي، والله اعلم. وانفرد الإمام مسلم بهذا الحديث، فلم يروه غيره باللفظين، ورواية انجلى عند ابن ماهان أيدتها رواية البخاري (٢) من حديث عبد الله بن مسعود، وفيه قصة، وفيها: " ... فقال: يا أبا القاسم: ما الروح؟ فسكت، فقلت: انه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه". * قال القاضي عياض: "وفي مقامه ﷺ بمكة، قلت: فإن ابن عباس قال: بضع عشرة سنة، قال - يعني عروة -: فصغره كذا بتشديد الغين المعجمة عند بعض الرواة (٣) وعند السمرقندي فغفره بغين معجمة وفاء مشددة، وللعذري فغفروه مثله لكن بزيادة الواو، كل له معنى صحيح إن شاء الله تعالى، أما الأول: فكأنه استصغر سن ابن عباس عن ضبط ذلك، أي كأنه قال: كان صغيرا ولم يدرك الأمر، ولا شاهده، إذ مولده قبل الهجرة بيسير على خلاف في ذلك، وقوله: فغفره: أي قال له: يغفر الله لك كأنه وهمه فيما قاله، وكذلك بزيادة الواو كأن الحاضرين قالوا ذلك له، ويدل على ما تأولناه قوله بأثر هذا إنما أخذه من قول الشاعر يريد أنه لم يدرك ذلك ولا شاهده، وإنما قلد فيه الشاعر يريد قول صرمة بن

стр. 343

......................................................................................... ــ أنس: ثوى في قريش بضع عشرة حجة" (١). وقال في موضع آخر: "وفي لبث النبي ﷺ بمكة: وإن ابن عباس قال: ثلاثة عشرة سنة فغفره، كذا للسمرقندي والسجزي معناه قال: غفر الله له، ولابن ماهان: "فَصَغَّرَهُ" أي وصفه بالصغر وعدم الضبط إذ ذاك" (٢). وقال الإمام النووي: "هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا: "فَغَفَّرَهُ" بَالِغَيْنِ وَالْفَاء، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْجُلُودِيّ، وَمَعْنَاهُ دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ، فَقَالَ: غَفَرَ اللَّه لَهُ، وَهَذِهِ اللَّفْظَة يَقُولُونَهَا غَالِبًا لِمَنْ غَلِطَ فِي شَيْء، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَخْطَأَ غَفَرَ اللَّه لَهُ، وذكر الإمام النووي ما قَاله الْقَاضِي عياض لما وقع في رواية ابن ماهان، وقال: أَيْ اِسْتَصْغَرَهُ مَعْرِفَته هَذَا، وَإِدْرَاكه ذَلِكَ، وَضَبْطه، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ فِيهِ إِلَى قَوْل الشَّاعِر، وَلَيْسَ لَهُ عِلْم بِذَلِكَ، وَيُرَجِّحُ الْقَاضِي هَذَا الْقَوْل، وذكر اسم الشاعر. وشعره: ثَوَى فِي قُرَيْش بِضْع عَشْرَة حُجَّة ... يَذْكُرُ لَوْ يَلْقَى خَلِيلًا مُوَاتِيا (٣) وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَيْت فِي بَعْض نُسَخ صَحِيح مُسْلِم، وَلَيْسَ هُوَ فِي عَامَّتهَا" (٤). فالصِغَر: هو سن الصبية، قال الأزهري (٥) يقال: هو صغر ولد أبيه أي أصغرهم، وهو كبرة ولد أبيه أي أكبرهم، وكذلك فلان صغرة القوم وكبرتهم، أي أصغرهم وأكبرهم. ويقول الصبي من صبيان العرب - إذا انهى عن اللعب -: اني من الصغرة، أي من الصغار. قال ابن منظور: "المرْء بِأَصْغَرَيْهِ، وأَصْغَراه قلْبُه ولسانه. وأَصْغَرَه غيره، وصَغَّره تَصْغِيراً، وتَصْغِيرُ الصَّغِير: صُغَيِّير الأُولى على القياس، والأُخرى على

стр. 344

............................................................................................. ــ غير قياس حكاها سيبويه، واسْتَصْغَره عَدَّه صَغِيراً، وصَغَّرَه وأَصْغَرَه: جعلَه صَغِيراً" (١). وقال الزبيدي: "وفي حديث عمرو بن دينار قال: قلت لعروة كم لبث رسول الله ﷺ بمكة؟ قال: عشراً، قلت: فابن عباس يقول: بضع عشرة سنة، قال عروة: فصغره: أي استصغر سنة عن ضبط ذلك، وفي رواية فغفره، أي قال: غفر الله له" (٢). وقال ابن الأثير: "إن النبي ﷺ أقام بمكة بضْعَ عشرةَ سنةً قال عُروة: فصَغَّره أي استصْغَر سنَّه عن ضبط ذلك، وفي رواية: فغَفَّره: أي قال: غَفَر الله له وقد تكرر في الحديث (٣). وأيد هذا القول ابن منظور فقال: "وفي رواية فغفره، أي قال: غفر الله له" (٤). ومعنى الغفر: "التغطية والستر، غفر الله ذنوبه أي سترها، والغَفْر ... وقد غفر يغفر ستره، وكل شيء سترته فقد غفرته، ومنه قيل للذي يكون تحت بيضه الحديد على الرأس مِغْفَر، وتقول العرب: اصبغ ثوبك بالسواد فهو اغفر لوسخه أي احمل له وأغطى له، ومنه غفر الله ذنوبه أي سترها" (٥). وكأن الرواية تصح بقوله: غفر الله له كان صغيراً. وانفرد مسلم بهذا الحديث.

стр. 345

٤٥ - كتاب فضائل الصحابة ﵃ باب من فضائل أبي ذر ﵁ - حدثنا هداب بن خالد الأزدي، حدثنا سليمان بن المغيرة، أخبرنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا فنزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له فقلت أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لك فيما بعد فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخير أنيسا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها. قال: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحر وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر قال: فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي فقال الصابئ: فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أسمختهم فما يطوف بالبيت أحد وامرأتين منهم تدعوان إسافا

стр. 346

ونائلة قال: فأتتا علي في طوافهما فقلت أنكحا أحدهما الأخرى قال: فما تناهتا عن قولهما قال: فأتتا علي فقلت: هن مثل الخشبة غير أني لا أكني فانطلقتا تولولان وتقولان لو كان ههنا أحد من أنفارنا قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما هابطان قال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها قال: ما قال: لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته (قال أبو ذر): فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله فقال: ﴿وعليك ورحمة الله﴾، ثم قال: من أنت؟ قال: قلت: من غفار قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت: في نفسي كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده فقد عني صاحبه وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه، ثم قال: ﴿متى كنت ههنا﴾؟ قال: قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال: ﴿فمن كان يطعمك﴾؟ قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبدي سخفة جوع قال: ﴿إنها مباركة إنها طعام طعم﴾. فقال: أبو بكر يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف وكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال: ﴿إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم﴾، فأتيت أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت، فأتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله ﷺ المدينة فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله إخوتنا نسلم على الذين أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله ﷺ : غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله﴾ ٤/ ١٩١٩.

стр. 347

............................................................................................ ــ الحديث فيه خلافان: الأول: قال القاضي عياض: "في إسلام أبي ذر "ألقيت كأني جفاء" كذا في رواية بعضهم عن ابن ماهان بالجيم مضمومة، وهو وهم عندهم، والذي للجماعة: "كأني خفاء" بخاء مكسورة معجمة ممدود، قيل وهو الصواب، ومعناه كأني ثوب مطروح والخفاء الغطاء ما كان، وقال ابن الأنباري: الخفاء كساء يغطي به الرطب وأما الجفاء بالجيم، فهو ما ألقاه السيل من غثائه مما احتمله" (١). قال الإمام النووي: "قَوْله: "حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِر اللَّيْل أَلْقَيْت كَأَنّيَ خِفَاء" هُوَ بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَتَخْفِيف الْفَاء وَبِالْمَدِّ، وَهُوَ الْكِسَاء، وَجَمْعه أَخْفِيَة، كَكِسَاءٍ وَأَكْسِيَةٍ، قَالَ الْقَاضِي: وَرَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ اِبْن مَاهَان (جُفَاء) بِجِيمِ مَضْمُومَة، وَهُوَ غُثَاءُ السَّيْل، وَالصَّوَاب الْمَعْرُوف هُوَ الْأَوَّل" (٢). وقال الإمام السيوطي: "كأني خفاء، بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الفاء، والمد وهو الكساء، وروي بجيم مضمومة، وهو غثاء السيل" (٣). وقد رجعت إلى معاني "جفا" فما وجدت معنى ينطبق من معانيها مع خفاء وبالتالي القول قول القاضي بالخطأ في رواية ابن ماهان. وبالخاء "كأني خفاء" وهي رواية أهل المشرق، فهو مأخوذ من الكساء الذي يخفى به الشيء، قال الزمخشري: "هو الكساء الذي وطب اللبن، من خفي، قال ذو الرمة: عليه زَادٌ وأَهْدَام وأخْفية كأن هي التامة المستغنية عن الخبر" (٤). وقال جلال الدين القزويني: "والخِفَاء الكِساءُ يُلْقَى على الوَطْب وقيل هو الغِطَاء من كِساءٍ أو ثَوْب أو غير ذلك وجمعُه أخْفِيَة وإنما سمى خِفَاءً لأنه يُخْفىِ ما تحتَه قال

стр. 348

............................................................................................ ــ الفارسي ولذلك الأَجْفُن أخْفِيَةً لأنها أوْعِيَة للنوم وأنشد: لقد عَلِم الأيقاظُ أخْفِيَة الكَرَى ... تَزَجُّجَها من حالِكٍ واكْتحِالَها" ... (١). وقال ابن الأثير: "الخفاء: الكِساء وكل شيء غَطَّيت به شيئاً فهو خِفاء" (٢). وهذا المعنى يدل على انه يلقي نفسه كما يلقى الغطاء إذا نزل على شيء، فهو ينزل نزلة واحدة. وممن رواه كما رواه المشرقيون ابن أبي عاصم (٣)، في الآحاد والمثاني (٤)، والبيهقي (٥). وروى الطبراني (٦) بمعناه، وكذلك الحاكم (٧)، وأبو نعيم (٨). الثاني: قال القاضي عياض (٩): "وقوله في إسلام أبي ذر: "فتضعفت رجلا منهم" أي استضعفته، أي لم أخشه، قاله ابن قتيبة (١٠)، وقال بعضهم: تخيرت ضعيفا منهم،

стр. 349

............................................................................................ ــ وعند ابن ماهان: تضيفت، وهو وهم، ورواه البزار تصفحت (١). وقال أيضاً: "وقوله: فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت أين هذا الذي تدعونه الصابىء؟ "، كذا رواية الجلودي، وعند ابن ماهان: "تضيفت" بالياء، ولا معنى لها في هذا الحديث، ورواه البزار في مسنده "تصفحت"، والرواية الأولى أوجه، وهي الرواية التي ذكرها الشارحون" (٢). وقال الإمام النووي: "قوله: أتيت مكة فتضعفت رجلا منهم". يعني نظرت إلى أضعفهم، فسألته، لأن الضعيف مأمون الغائلة غالباً، وفي رواية بن ماهان: "فتضيفت بالياء" وأنكرها القاضي وغيره، قالوا: لا وجه له هنا" (٣). ونقل الإمام السيوطي قول الإمام النووي (٤). فرواية ابن ماهان: تضيفت: أي ملت بمعنى ملت إليه اسأله، قال الشيخ رضي الدين محمد بن الحسن الاستربادي النحوي ت ٦٨٦هـ: "تضيفت الشمس: مالت إلى الغروب، ضيف الشيء: أماله" (٥)، ثم قال: "وقال الزمخشري في مناهيهه على المفصل: هي من ضاف يضيف، إذا مال والتجأ، وأضافه ألجأه" (٦). ورواية ابن سفيان "تضعفت"، أي اخترت رجلاً ضعيفاً، أي استضعفته، قال الزمخشري: "تضعفته: بمعنى استضعفته كتعجلته وتقصيته وتثبته بمعنى

стр. 350

............................................................................................ ــ استفعلته" (١). فتكون الروايتان متقاربة المعنى، في رواية ابن ماهان: ملت إلى الرجل اسأله، ورواية ابن سفيان: اخترت رجلاً ضعيفاً اسأله حتى أأمن جانبه وغائلته، وكلاهما يصح والله اعلم. وممن رواه كما رواه مسلم عند المغاربة: ابن أبي شيبة (٢)، وابن أبي عاصم (٣)، وابن حبان (٤). وممن رواه كما رواه مسلم عند المشارقة: الإمام احمد في مسنده (٥).

стр. 351

٤٦ - كتاب فضائل الصحابة ﵃ باب فضائل حسان بن ثابت ﵁ - حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، حدثني خالد بن يزيد، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال أهجو قريشا فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم، فهجاهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال رسول الله ﷺ : ﴿لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي﴾، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان ﴿إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله﴾ وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿هجاهم حسان فشفى واشتفى﴾، قال حسان (١): هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء ... هجوت محمدا برا تقيا ... رسول الله شيمته الوفاء ... فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء ... ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء ... يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء ... تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء ... فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء ... وإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاء ... وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء

стр. 352

وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء ... ٤/ ١٩٣٥. لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء ... فمن يهجو رسول الله منك ... ويمدحه وينصره سواء ... وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء ــ الحديث فيه خلافان الأول: قال القاضي عياض: "يبارين الأعنة يعني الخيل، هي رواية كافة رواة صحيح مسلم، ومعناه يضاهينها في الجيد لقوة نفوسها وتفسره الرواية الأخرى ينازعن وهي رواية ابن ماهان أو في علك حدائدها ومباراة قوة رؤوسها وصلابة أضراسها لذلك، وقد يكون مباراتها لها مضاهاتها في اللين والانعطاف" (١). فيبارين مأخوذة من يبري: إذا عارضه، وصنع مثل ما صنع جاء في اللغة: "بَرَى له يَبْرِي بَرْياً إِذا عارضه، وصَنع مثل ما صنع ومثله انْبَرَى له، وهما يتباريان إِذا صنع كل واحد مثل ما صنع صاحبه، وفي الحديث: "نهى عن طعام المُتَبارِيَيْنِ أَن يؤكل" هما المتعارضان بفعلهما ليُعَجِّزَ أَحدُهما الآخَر بصنيعه وإِنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء ومنه شعر حسان: يُبارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِداتٍ ... على أَكْتافِها الأَسَلُ الظِّماءُ المُباراة: المُجاراة والمسابقة أَي يُعارِضْنَها في الجَذْب لقوة نفوسها وقوة رؤوسها وعَلْكِ حَدائدها، ويجوز أَن يريد مُشابَهَتَها لها في اللِّين وسُرعة الانقياد" (٢). وينازعن: يجاذبن جاء في شرح شافيه ابن الحاجب: "جئن ينازعن أي يجاذبن" (٣) فكلاهما بمعنى.

стр. 353

............................................................................................ ــ الثاني: قال القاضي عياض: "قوله في شعر حسان: على أكتافها الأسل الظماء، كذا رواية الكافة، وهي الرماح ومعنى الظماء: أي لدنة رقيقة كما قالوا: فيها ذوابل أي أنها للدونتها كالشيء الذابل اللين، ورواه بعضهم عن ابن ماهان: الأسد الظماء: معناها الرجال المشبهون بالأسد العاطشة إلى دمائهم، وقد يتأول مثل هذا في الرماح أيضا، وقد جاء في أشعار العرب كثيراً" (١). وقال الإمام النووي: "قوْله: عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَل الظِّمَاء أَمَّا أَكْتَافهَا فَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقُ. وَالْأَسَلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالسِّين الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا لَام. هَذِهِ رِوَايَة الْجُمْهُور وَالْأَسَل الرِّمَاح، وَالظِّمَاء الرِّقَاق، فَكَأَنَّهَا لِقِلَّةِ مَائِهَا عِطَاش. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالظِّمَاءِ الْعِطَاش لِدِمَاءِ الْأَعْدَاء وَفِي بَعْض الرِّوَايَات "الْأُسْد الظِّمَاء" بِالدَّالِ أَيْ الرِّجَال الْمُشْبِهُونَ لِلْأُسْدِ الْعِطَاش إِلَى دِمَائِكُمْ" (٢). فالقول: "الأسل الرماح، والظماء الرقاق: هو صفة الموصوف، وهو تشبيه قال الزمخشري: "عنده غربال من الأسل، وهو نبات رقيق الأغصان تتخذ من الغرابيل بالعراق، والواحدة أسلة، وقيل للرماح الأسل على التشبيه ... واسلت السلاح حددته وجعلته كالأسل، قال مزاحم العقيلي (٣): يباري سديساها إذا ما تلمجت ... شباً مثل إبزيم السلام المؤسل" ... (٤) وقال الصاحب بن عباد: "الأسلُ: نبات له أغصان كثيرة رقاق لا ورق ... له، الواحدة أسلة وسُمِّيَ القنا أسلا تشبيهاً بطوله واستوائه، وكل ارقَّ من الحديد كالأسنان والسيف: اسلٌ، ومنه قول علي بن أبي طالب ﵇: "لا تود إلا بالأسلِ" (٥).

стр. 354

............................................................................................ ــ على ان أبا عبيد القاسم بن سلامجعل المعنى حقيقة ويشبه به غيره فقال: "في حديث عمر ﵁: هاجروا ولا تهجروا واتقوا الأرنب ان يحذفها أحدكم بالعصا، ولكن ليذك لكم الأسل الرماح والنبل ... فهذا يرد قول من يقول: ان الأسل الرماح خاصة ألا تراه [قد] جعل النبل من الرماح، وقد وجدنا الأسل في غير الرماح إلا ان أكثر ذلك وأفشاه في الرماح، وبعضهم يقول في هذا النبات الذي قال الله تعالى فيه لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، إنما قيل له الأسل؛ لأنه شبه بالرماح" (١). وأيد الزمخشري هذا القول: "الرماح والنبل بدل من الأسل، وتفسير له، قالوا: وهذا دليل على ان الأسل لا ينطلق على الرماح خاصة، ولقائل يقول: الرماح وحدها بدل، والنبل عطف على الأسل" (٢). وأما الرواية عن ابن ماهان: "الأسد الظماء"، فالأسد حيوان معروف، والتشبيه به يدل على شجاعة المشبّه فيه، وقوله الظماء هنا ليس المعنى الأول الذي هو الرقاق، وإنما من الظماء أي العطش. قال ابن منظور: "الظمأ العطش، وقيل هو أخفه وأيسره، وقال الزجاج: هو أشده والظمآن العطشان، وقد ظمئ فلان يظمأ ظمأً، وظماءً وظماءة: إذا اشتد عطشه، ويقال: ظمئتُ اظمأ ظمأً، فأنا ظامٍ، وقوم ظماء. وفي التنزيل ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهو ظمئ وظمآن، والأنثى ظمأى، وقوم ظماء: أي عطاش، قال الكميت: ... =

стр. 355

٤٧ - كتاب البر والصلة والآداب باب النهي عن الشحناء والتهاجر حدثنيه زهير بن حرب، حدثنا جرير ح، وحدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن عبدة الضبي، عن عبد العزيز الدراوردي كلاهما، عن سهيل، عن أبيه بإسناد مالك نحو حديثه، غير أن في حديث الدراوردي "إلا المتهاجرين" من رواية ابن عبدة، وقال قتيبة: "إلا المهتجرين" ٤/ ١٩٨٧*. ــ = ... إليكم ذوي آل النبي تطلعت ... نوازع من قلبي ظماء وأليتُ" (١). وكلا المعنيين صحيح الأول الرماح المدببة المربعة النفاذ في الجسم، والثاني الرجال كالأسد المتعطشة: وهذان المعنيان يلتقيان في كون النتيجة واحدة، وهو الانقضاض على العدو وإراقة دمه. وممن رواه كما وقع لمسلم من طريق المشارقة: الطبراني (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو نعيم الأصبهاني (٤). * قال القاضي عياض: "وقوله: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ولا تهاجروا، من الهجران، وهو إظهار العداوة وقطع الكلام والسلام عنه، كذا لأكثرهم: بفتح التاء، وكذا لابن ماهان في كتاب مسلم، في حديث الداروردي، وكان عند أكثر الرواة فيه: "تهتجروا" من المهاجرة أيضا ومن الهجر، وكذا في رواية قتيبة عنده إلا المهتجرين، كذا لكافتهم، وعند ابن ماهان المتهجرين، وكذا رواه الترمذي وفسره المتصارمين وهو بمعنى ما ذكرناه، وفي غير حديث قتيبة إلا
следующие страницы →