٤٦ - كتاب فضائل الصحابة ﵃
باب فضائل حسان بن ثابت ﵁ -
حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، حدثني خالد بن يزيد، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال أهجو قريشا فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم، فهجاهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال رسول الله ﷺ : ﴿لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي﴾، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.
قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان ﴿إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله﴾ وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿هجاهم حسان فشفى واشتفى﴾، قال حسان (١):
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء ... هجوت محمدا برا تقيا ... رسول الله شيمته الوفاء ... فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء ... ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء ... يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء ... تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء ... فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء ... وإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاء ... وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء
стр. 352
وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء ... ٤/ ١٩٣٥.
لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء ... فمن يهجو رسول الله منك ... ويمدحه وينصره سواء ... وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء
ــ
الحديث فيه خلافان
الأول:
قال القاضي عياض: "يبارين الأعنة يعني الخيل، هي رواية كافة رواة صحيح مسلم، ومعناه يضاهينها في الجيد لقوة نفوسها وتفسره الرواية الأخرى ينازعن وهي رواية ابن ماهان أو في علك حدائدها ومباراة قوة رؤوسها وصلابة أضراسها لذلك، وقد يكون مباراتها لها مضاهاتها في اللين والانعطاف" (١).
فيبارين مأخوذة من يبري: إذا عارضه، وصنع مثل ما صنع جاء في اللغة: "بَرَى له يَبْرِي بَرْياً إِذا عارضه، وصَنع مثل ما صنع ومثله انْبَرَى له، وهما يتباريان إِذا صنع كل واحد مثل ما صنع صاحبه، وفي الحديث: "نهى عن طعام المُتَبارِيَيْنِ أَن يؤكل" هما المتعارضان بفعلهما ليُعَجِّزَ أَحدُهما الآخَر بصنيعه وإِنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء ومنه شعر حسان:
يُبارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِداتٍ ... على أَكْتافِها الأَسَلُ الظِّماءُ
المُباراة: المُجاراة والمسابقة أَي يُعارِضْنَها في الجَذْب لقوة نفوسها وقوة رؤوسها وعَلْكِ حَدائدها، ويجوز أَن يريد مُشابَهَتَها لها في اللِّين وسُرعة الانقياد" (٢).
وينازعن: يجاذبن جاء في شرح شافيه ابن الحاجب: "جئن ينازعن أي يجاذبن" (٣) فكلاهما بمعنى.
стр. 353
............................................................................................
ــ
الثاني:
قال القاضي عياض: "قوله في شعر حسان: على أكتافها الأسل الظماء، كذا رواية الكافة، وهي الرماح ومعنى الظماء: أي لدنة رقيقة كما قالوا: فيها ذوابل أي أنها للدونتها كالشيء الذابل اللين، ورواه بعضهم عن ابن ماهان: الأسد الظماء: معناها الرجال المشبهون بالأسد العاطشة إلى دمائهم، وقد يتأول مثل هذا في الرماح أيضا، وقد جاء في أشعار العرب كثيراً" (١).
وقال الإمام النووي: "قوْله: عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَل الظِّمَاء أَمَّا أَكْتَافهَا فَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقُ. وَالْأَسَلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالسِّين الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا لَام. هَذِهِ رِوَايَة الْجُمْهُور وَالْأَسَل الرِّمَاح، وَالظِّمَاء الرِّقَاق، فَكَأَنَّهَا لِقِلَّةِ مَائِهَا عِطَاش. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالظِّمَاءِ الْعِطَاش لِدِمَاءِ الْأَعْدَاء وَفِي بَعْض الرِّوَايَات "الْأُسْد الظِّمَاء" بِالدَّالِ أَيْ الرِّجَال الْمُشْبِهُونَ لِلْأُسْدِ الْعِطَاش إِلَى دِمَائِكُمْ" (٢).
فالقول: "الأسل الرماح، والظماء الرقاق: هو صفة الموصوف، وهو تشبيه قال الزمخشري: "عنده غربال من الأسل، وهو نبات رقيق الأغصان تتخذ من الغرابيل بالعراق، والواحدة أسلة، وقيل للرماح الأسل على التشبيه ... واسلت السلاح حددته وجعلته كالأسل، قال مزاحم العقيلي (٣):
يباري سديساها إذا ما تلمجت ... شباً مثل إبزيم السلام المؤسل" ... (٤)
وقال الصاحب بن عباد: "الأسلُ: نبات له أغصان كثيرة رقاق لا ورق ... له، الواحدة أسلة وسُمِّيَ القنا أسلا تشبيهاً بطوله واستوائه، وكل ارقَّ من الحديد
كالأسنان والسيف: اسلٌ، ومنه قول علي بن أبي طالب ﵇: "لا تود إلا بالأسلِ" (٥).
стр. 354
............................................................................................
ــ
على ان أبا عبيد القاسم بن سلامجعل المعنى حقيقة ويشبه به غيره فقال: "في حديث عمر ﵁: هاجروا ولا تهجروا واتقوا الأرنب ان يحذفها أحدكم بالعصا، ولكن ليذك لكم الأسل الرماح والنبل ... فهذا يرد قول من يقول: ان الأسل الرماح خاصة ألا تراه [قد] جعل النبل من الرماح، وقد وجدنا الأسل في غير الرماح إلا ان أكثر ذلك وأفشاه في الرماح، وبعضهم يقول في هذا النبات الذي قال الله تعالى فيه لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، إنما قيل له الأسل؛ لأنه شبه بالرماح" (١).
وأيد الزمخشري هذا القول: "الرماح والنبل بدل من الأسل، وتفسير له، قالوا: وهذا دليل على ان الأسل لا ينطلق على الرماح خاصة، ولقائل يقول: الرماح وحدها بدل، والنبل عطف على الأسل" (٢).
وأما الرواية عن ابن ماهان: "الأسد الظماء"، فالأسد حيوان معروف، والتشبيه به يدل على شجاعة المشبّه فيه، وقوله الظماء هنا ليس المعنى الأول الذي هو الرقاق، وإنما من الظماء أي العطش.
قال ابن منظور: "الظمأ العطش، وقيل هو أخفه وأيسره، وقال الزجاج: هو أشده والظمآن العطشان، وقد ظمئ فلان يظمأ ظمأً، وظماءً وظماءة: إذا اشتد عطشه، ويقال: ظمئتُ اظمأ ظمأً، فأنا ظامٍ، وقوم ظماء. وفي التنزيل ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهو ظمئ وظمآن، والأنثى ظمأى، وقوم ظماء: أي عطاش، قال الكميت: ... =
стр. 355
٤٧ - كتاب البر والصلة والآداب
باب النهي عن الشحناء والتهاجر
حدثنيه زهير بن حرب، حدثنا جرير ح، وحدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن عبدة الضبي، عن عبد العزيز الدراوردي كلاهما، عن سهيل، عن أبيه بإسناد مالك نحو حديثه، غير أن في حديث الدراوردي "إلا المتهاجرين" من رواية ابن عبدة، وقال قتيبة: "إلا المهتجرين" ٤/ ١٩٨٧*.
ــ
= ... إليكم ذوي آل النبي تطلعت ... نوازع من قلبي ظماء وأليتُ" (١).
وكلا المعنيين صحيح الأول الرماح المدببة المربعة النفاذ في الجسم، والثاني الرجال كالأسد المتعطشة: وهذان المعنيان يلتقيان في كون النتيجة واحدة، وهو الانقضاض على العدو وإراقة دمه.
وممن رواه كما وقع لمسلم من طريق المشارقة: الطبراني (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو نعيم الأصبهاني (٤).
* قال القاضي عياض: "وقوله: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ولا تهاجروا، من الهجران، وهو إظهار العداوة وقطع الكلام والسلام عنه، كذا لأكثرهم: بفتح التاء، وكذا لابن ماهان في كتاب مسلم، في حديث الداروردي، وكان عند أكثر الرواة فيه: "تهتجروا" من المهاجرة أيضا ومن الهجر، وكذا في رواية قتيبة عنده إلا المهتجرين، كذا لكافتهم، وعند ابن ماهان المتهجرين، وكذا رواه الترمذي وفسره المتصارمين وهو بمعنى ما ذكرناه، وفي غير حديث قتيبة إلا
стр. 356
............................................................................................
ــ
المتهاجرين على ما تقدم" (١).
فالهجر (٢): ضد الوصل، والهِجْر والهجر (٣): ترك ما يلزمك تعاهده، ومنه قوله عز اسمه: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وهجره وهاجره واهتجره (٤) ...
قال السائب اخو الزبير:
يا قوم جدّوا في قتال القوم ... واهتجروا النوم فما من نوم
وقال الجوهري: "والتهاجر التقاطع، والهجر أيضاً الهذيان، وقد هجر المريض يهجر هجراً، فهو هاجر والكلام مهجور قال أبو عبيد: يروى عن ... إبراهيم ما يثبت هذا القول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، قال: قالوا فيه غير الحق، الم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحق، والهُجرٌ بالضم: الاسم من الاهجار، وهو الإفحاش في المنطق والخنا.
قال الشماخ:
كما جدة الأعراف قال ابن ضَرَّه ... عليها كلاماً جاز فيه واهجروا (٥)
وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي ورماه بها جرات ومُهْجرات أي بفضائح" (٦).
الهجر: "خلاف الوصل يقال: هجر أخاه إذا حرمه وقطع كلامه هجراً وهجراناً فهو هاجر ... والهُجْرُ بالضم: الفحش اسم من اهجر في منطقة إذا =
стр. 357
٤٨ - كتاب البر والصلة والآداب
باب النهي عن لعن الدواب وغيرها
حدثني سويد بن سعيد، حدثني حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم أن ... عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده، فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل فدعا خادمه فكأنه أبطأ عليه فلعنه، فلما أصبح قالت له ... أم الدرداء: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة﴾ ٤/ ٢٠٠٦*.
ــ
= أفحش" (١).
وقال الرافعي (٢): الهُجر بالضم: الفحش وهو اسم من هجر يهجر من باب قتل وفيه لغة أخرى: اهجر في منطقة بالألف إذا أكثر منه حتى جاوز ما كان متكلم به قبل ذلك.
وقال ابن منظور (٣): الهجرُ ضد الوصل هجره يهجُرُه هجراً وهجراناً: ... حرمه، وهما يهتجران والاسم الهجرة وفي الحديث لا هجرة بعد ثلاث يريد به الهجر ضد الوصل يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير في حقوق العشرة والصحبة.
وممن رواه كما رواه مسلم عند المغاربة: الترمذي (٤).
* قال القاضي عياض: "وقوله: بعث إلى أم الدرداء بخادم كذا لابن ماهان وللجلودي: بأنجاد بفتح الهمزة جمع نجد وهو متاع البيت من فرش وستور ووسائد ومنه بيت منجدا مزين بها" (٥).
стр. 358
............................................................................................
ــ
قال الإمام النووي: "قَوْله: بَعَثَ إِلَى أُمّ الدَّرْدَاء بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْده بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا نُون ثُمَّ جِيم، وَهُوَ جَمْع نَجَد بِفَتْحِ النُّون وَالْجِيم، وَهُوَ مَتَاع الْبَيْت الَّذِي يُزَيِّنهُ مِنْ فُرُش وَنَمَارِق وَسُتُور، وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيّ بِإِسْكَانِ الْجِيم. قَالَ: وَجَمْعه نُجُود حَكَاهُ عَنْ أَبِي عُبَيْد فَهُمَا لُغَتَانِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان بِخَادِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَالْمَشْهُور الأول" (١).
وذكر الإمام السيوطي معنى إنجاد وهو ما أشار إليه الإمام النووي عن الجوهري وأبي عبيد، ولم يحدد الخلاف في الحديث (٢).
فمعنى أنجاد: هو متاع البيت من فرش وستور ووسائد (٣)، وهو ما أشار إليه الأئمة آنفا، وهذه رواية المشارقة.
ورواية المغاربة: بخادم أيضاً يصح، لان أم الدرداء قالت في نهاية الحديث تكلم عبد الملك: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته ...
وقرينة أخرى الذي يحمل الانجاد وهو الخادم ولعله هو المسمى النّجاد وهو الذي ينجد البيوت والفرش والبسط ... ، أو النّجُود: هو الذي يعالج النجود والنٌّجُود بالنفض والبسط والحشو والتنضيد (٤).
وانفرد مسلم بهذا الحديث.
стр. 359
٤٩ - كتاب البر والصلة والآداب
باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده
حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض﴾.
حدثني عمرو الناقد، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة، فمر عمر بن ... عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه فقلت لأبي: يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس فقال: بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر بمثل حديث جرير، عن سهيل ٤/ ٢٠٣٠.
ــ
قال القاضي عياض: "وفي فضل عمر بن عبد العزيز قال: "بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ " كذا قيدنا هذه الكلمة عن كافة شيوخنا للعذري والسجزي، وكذا في كتاب ابن أبي جعفر وعند السمرقندي أي مكان أنت، وفي بعض الروايات عنهم فأنبئك أني سمعت وكذا لابن ماهان" (١).
ومعنى قولهم بأبي: أي بأبي افديه، وهذه اللفظة يراد بها تكريم الشيخ (٢).
والقول بأن في رواية ابن ماهان وغيره "فأنبئك"، أي قال أبو صالح: "فأنبئك إني سمعت أبا هريرة يحدث ... " الحديث. وهو موافق للحديث الذي قبله. ... =
стр. 360
٥٠ - كتاب القدر
باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز (يعني الدراوردي)، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها﴾ ٤/ ٢٠٤٦*.
ــ
= وممن رواه كما رواه مسلم - وهو ما وقع له عند المشارقة -: الطحاوي (١)، والبيهقي (٢).
* قال القاضي عياض (٣): "وقوله: في المولود: إلا لكن الشيطان في حضنيه بكسر الحاء أي جنبيه وقيل الحضن الخاصرة ورواه ابن ماهان خصييه بالخاء المعجمة والصاد المهملة يعني العورة، وليس بشيء والصواب الأول وقد جاء في البخاري في باب بدء الخلق في جنبيه مفسرا وفي الحديث نفسه ما يدفعه قوله إلا مريم وابنها ومريم أنثى".
وذكر الإمام النووي ما وقع لمسلم في نسخة ابن ماهان "خصييه" وأيده في كونهما وهماً (٤).
وكذلك أيد الإمام السيوطي ما ذكره القاضي عياض (٥).
فالحضن هو ناحية الإنسان قال ابن دريد: "الحِضْنانِ: ناحيتا الإنسان، والجمع أحضان. ونواحي كل شيء أحضانه. قال الشاعر:
стр. 361
............................................................................................
ــ
شَكَكْتُ حِضْنيْه بمطرورةٍ ... مثلِ قُدامَى النَّسر لم تَنْأدِ" .. (١).
وقال الزمخشري: "إحتضن الصبيّ: أخذه في حضنه وهو ما دون الإبط إلى الكشح" (٢).
أما الخُصْيةُ: "واحدة الخُصى، وكذلك الخِصْيَةُ بالكسر. وقال أبو عمرو: الخُصْيَتانِ: البيضتان. والخُصْيَتانِ: الجلدتانِ اللتان فيهما البيضتان. الأموي: الخُصْيَة ُ: البيضة. والجمع خُصىً، فإذا ثنّيت قلت خُصْيانِ ولم تلحقه التاء. وخَصَيْتُ الفحل خِصاءً ممدودٌ، إذا سللتَ خُصْيَيْهِ. يقال: برئتُ إليك من الخِصاءِ. والرجل خَصيٌّ، والجمع خِصْيانٌ وخِصْيَةٌ. وموضع القطع مَخْصيٌّ" (٣).
الخلاصة: فيكون رواية ابن ماهان وهماً، لان المعنى ينطبق على الذكور فقط والحديث يذكر فيه مريم، وهي انثى، ولذلك جعلها القاضي وهماً.
وممن رواه كما رواه مسلم عند المشارقة: الإمام احمد (٤)، والبيهقي (٥).
стр. 362
٥١ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
باب الحث على ذكر الله تعالى
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا تَلَقَّانِي عَبْدِي بِشِبْرٍ تَلَقَّيْتُهُ بِذِرَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِذِرَاعٍ تَلَقَّيْتُهُ بِبَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ جِئْتُهُ أَتَيْتُهُ بِأَسْرَعَ﴾ ٤/ ٢٠٦١.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله: في باب من تقرب إلي شبرا وإذا تلقاني بباع جئته بأسرع، كذا لابن ماهان والفارسي وعند العذري أتيته بأسرع، كذا عنده قيل لعله بباع حيث أتيته بأسرع والظاهر أنها لفظة بدل من الأخرى جمعهما الخط غلطا" (١).
وقال الإمام النووي: "قوله تعالى في رواية محمد [يعني ابن رافع]: "إذا تلقاني بباع جئته أتيته، هكذا هو في أكثر النسخ بأسرع فقط، وفي بعضها أتيته وهاتان ظاهرتان، والأول صحيح أيضاً والجمع بينهما للتوكيد وهو حسن لاسيما عند اختلاف اللفظ، والله اعلم" (٢).
وأيد الإمام السيوطي ما قاله الإمام النووي (٣).
ومن معاني أتيت: المجيء برغبة، قال الراغب الأصفهاني: "الإتيان مجيء بسهولة ومنه قيل للسيل المار على وجهه أتِيٌّ وأتاويٌ" (٤).
والمجيء: "الإتيان جاء جيئاً ومجيئاً ... وجاء في فجئته أجيئه أي غالبني بكثرة المجيء فغلبته" (٥). وقال الفيروز آبادي: "جاءني فجئته: غالبني بكثرة المجيء
стр. 363
............................................................................................
ــ
فغلبته" (١).
وجمع المناوي المعنيين فقال: "الإتيان مجيءٌ بسهولة فهو اخص من المجيء إذ الإتيان قد يقال باعتبار القصد، وان لم يكن من حصول والمجيء يقال: اعتبار بالحصول، والإتيان يقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير وفي الخير والشر والأعيان والأعراض" (٢).
وهذا الذي قاله المناوي اقرب إلى قول الإمام النووي من حيث كون التكرار توكيداً لا بدلاً.
وممن رواه كما وقع لمسلم عند ابن ماهان الإمام أحمد (٣).
стр. 364
٥٢ - كتاب التوبة
باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه
حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح مولى بني أمية، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك، وهو يريد الروم، ونصارى العرب بالشام قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ... ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا
стр. 365
خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوكاً فقال وهو جالس في القوم بتبوك " ﴿ما فعل كعب بن مالك﴾؟ قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه براده والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ ، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله ﷺ : ﴿كن أبا خيثمة﴾، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون.
فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقة، وصبح رسول الله ﷺ قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: ﴿تعال﴾، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ﴿ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك﴾؟ قال: قلت يا رسول الله: إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله ﷺ : ﴿أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك﴾، فقمت وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى
стр. 366
رسول الله ﷺ بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك.
قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة قال: فمضيت حين ذكروهما لي.
قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه قال: فاجتنبنا الناس وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله رسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته، فسكت، فعدت فنا شدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه "أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا ... مضيعة، فالحق بنا نواسك قال: فقلت: حين قرأتها وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور، فسجرتها بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك قال:
стр. 367
فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك قال: فقلت: لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: ﴿لا، ولكن لا يقربنك﴾ فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
قال: فقال: لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال: فقلت: لا استأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال: فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجاً فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: ﴿أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك﴾ قال: فقلت: أمن عندك؟ يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: ﴿لا، بل من عند الله﴾ وكان رسول الله ﷺ إذا
стр. 368
سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك قال: فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ﴿أمسك بعض مالك فهو خير لك﴾ قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال: وقلت يا رسول الله: إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
قال: فأنزل الله ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨] حتى بلغ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين ... كذبوا إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد وقال الله: ... ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾،
стр. 369
............................................................................................
ــ
وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه ٤/ ٢١٢٠.
قال القاضي عياض: "وقوله في حديث كعب: ليتأهبوا أهبة عددهم، كذا لابن ماهان، ولسائر الرواة: غزوهم بالزاي وهما صحيحان" (١).
يقول ابن منظور: قال ابن الإعرابي: الغزو: السير إلى قتال العدو وانتهابه .. ورجل غاز من قوم غزي، وغزي على مثال فعيل حكاه سيبويه، وقال: قلبت فيه الواو ياء لخفة الياء وثقل الجميع، وكررت الزاي لمجاورتها الياء، والغزي اسم للجميع قال الشاعر (٢):
سريت بهم حتى تكل غزيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان" ... (٣).
وقال الرافعي: "غزوت العدو غزواً، فالفاعل غازٍ والجمع غزاة، وغُزّى مثل قضاة، وركّع وجمع الغزاة غزّيٌ على فعيل مثل الحجيج، والغزوة المرة والجمع غزوات مثل شهوة وشهوات، والمغزاة كذلك، والجمع المغازي، ويتعدى بالهمزة فيقال: اغزيته إذا بعثته يغزو وإنما يكون غزو العدو في بلاده" (٤).
فيكون المعنى ليتأهبوا أهبة غزو عدوهم في عقر داره، والله اعلم.
وممن رواه كما وقع لمسلم في رواية ابن ماهان: البخاري (٥) مختصراً.
وكرواية البخاري رواه الإمام احمد بن حنبل (٦) وابن أبي شيبه (٧)،
стр. 370
............................................................................................
ــ
والطبراني (١)، والبيهقي (٢).
وممن رواه كما رواه مسلم عند المشارقة: البخاري (٣)، والإمام احمد بن حنبل (٤)، والنسائي (٥)، وعبد الرزاق (٦)، وابن حبان (٧)، والطبراني (٨).
стр. 371
٥٣ - كتاب التوبة
باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف
حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد الأيلي ح، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد (قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا) عبد الرزاق، أخبرنا معمر والسياق حديث معمر من رواية عبد وابن رافع قال يونس ومعمر جميعا: عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا وكلهم، حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضا، ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل هودجي، وأنزل فيه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه قالت وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثة ... السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فادلج فأصبح عند منزلي فرأى
стр. 372
سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول.
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم، ثم يقول: ﴿كيف تيكم﴾؟ فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبين رجلا قد شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول الله ﷺ فسلم، ثم قال: ﴿كيف تيكم﴾؟ قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ... ﷺ فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها. قالت: قلت: سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا. قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله
стр. 373
وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: ﴿أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة﴾؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول الله ﷺ على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: ﴿يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي﴾، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان في الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت.
قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: ﴿أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تابَ الله عليه﴾ قالت: فلما قضى رسول الله ... ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول الله
стр. 374
- ﷺ فيما قال. فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقونني وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها.
قالت فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه ﷺ فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت: فلما سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: ﴿أبشري يا عائشة، أما الله فقد برأك﴾ فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي قالت: فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] عشر آيات، فأنزل الله هؤلاء الآيات براءتي قالت: فقال أبو بكر: وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢].
стр. 375
قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله، فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري ما علمت؟ أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا.
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت حجش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك.
قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. وقال: في حديث يونس احتملته الحمية ٤/ ٢١٢٩.
ــ
الحديث فيه خلافان:
الأول:
قال القاضي عياض: "وفي حديث الإفك في البرية بغير شك، وفي كتاب مسلم: في التنزه من غير شك لكن في رواية ابن ماهان في التبرز وهو صحيح المعنى" (١).
فرواية ابن سفيان التنزه، "والنزه: مكانٌ نزةٌ نزيه، نَزُهَ نزاهة: إذا خرج إلى البساتين .. ونَزَهْتُ الإبلَ باعدتها عن الماء، وتنزهوا بحرمكم أي اطلبوا لها مكاناً نزيهاً أي خلاءً" (٢).
قال ابن سيده: "التنزه التباعد، والاسم النُزْهَةُ، ومكان نزه ونزيه، وقد نَزِه نزاهة، ونزاهية وارض نزهة ونزِهة بعيدة عذبة نائية عن الانداء والمياه والغمق" (٣).
وقولها "في التنزه" أي كانوا يذهبون إلى الغائط بعيداً عن مكانهم.
стр. 376
............................................................................................
ــ
ورواية ابن ماهان التبرز هو ارتياد الغائط، قال الأزهري: "وكان الرجل إذا ارتاد غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، ثم قيل للبراز نفسه، "وهو الحدث" (١).
فيكون المعنى صحيحاً أي إذا أرادوا الغائط ذهبوا بعيداً، وممن رواه كما رواه مسلم عند المغاربة: البخاري (٢)، والنسائي (٣)، وابن حبان (٤)، والطبراني (٥)، والبيهقي (٦).
الثاني:
قال القاضي عياض: "وقوله في حديث الإفك في كتاب الشهادات: "ولكن اجتهلته الحمية"، كذا هو هاهنا في نسخ من البخاري بالهاء والجيم، ووقع عند أكثر الرواة وفي غير هذا الموضع منه: "احتملته الحمية" بالحاء المهملة والميم، وهي روايتنا عن شيوخنا، وذكره مسلم في حديث صالح "احتملته"، وفي حديث فليح "اجتهلته"، وكذا ذكره في رواية يونس احتملته بالميم، كذا لشيوخنا، وفي بعض النسخ هنا اجتهلته، وكذلك في رواية معمر عن الزهري في الحديث الطويل اجتهلته، وعند ابن ماهان احتملته، وصوب الوقشي "اجتهلته"، وكلاهما صواب فمعنى احتملته: أي اغضبته يقال إذا غضب قال يعقوب ومعنى اجتهلته مثله، وقد قال ابن المبارك في تفسير الحديث: من استجهل مؤمنا فعليه إثمه يقول من حمله على شيء ليس من خلقه فيغضبه، وقد يكون من الجهل الذي هو ضد العلم أي حملته
стр. 377
............................................................................................
ــ
على ما قاله من قول الجاهلين وصيرته مثلهم كما قيل في المثل: نزو الفرار استجهل الفرار حمله على النزو وفعل ما لا يعقل مثل فعله ومنه في الصوم "فلا يرفث ولا يجهل" أي لا يقل قول أهل الجهل من سفه الكلام ورفثه" (١).
قال الخليل: "الجهل نفيض العلم تقول: جهل فلان حقه، وجهل عليّ وجهل بهذا الأمر، والجهالة ان تفعل فعلاً بغير علم" (٢).
وقال الرازي: "وتجاهل أرى نفسه ذلك وليس به، واستجهله عدّه جاهلاً واستخفه أيضاً، والتجهيل: النسبة إلى الجهل" (٣).
وقال الصاحب بن عباد: "احتمل الرجل: غَضِبَ، واحتمل لونه وامتقَع: واحدٌ" (٤).
وجعل ابن سيده: الغضب إذا كان الفعل (احتمل) مضموم التاء.
نقلها احتملته أو اجتهلته: غضب بسرعة دون التأني (٥).
وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن ماهان: البخاري (٦).
وممن رواه كما رواه مسلم عند المشارقة: أبو يعلى (٧)، والإمام احمد (٨)، وإسحاق بن راهويه (٩)، والطبراني (١٠).
стр. 378
٥٤ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن القاري)، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله غير أنه قال: ﴿تكر في هذه مرة وفي هذه مرة﴾ ٤/ ٢١٤٦.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله في حديث المنافق "يكبن في هذه مرة وفي هذه مرة" كذا في حديث قتيبة من رواية ابن ماهان من طريق الهوزني بكاف ساكنة وباء مرفوعة وآخره نون، وعند العذري يكر آخره راء وكاف مكسورة وعند الفارسي يكير بزيادة ياء ورواه بعضهم يكون والأوجه رواية ابن ماهان أي يسير سيراً خفيفاً لينا، قال صاحب العين: الكبن عدو لين وقد كبن يكبن كبونا ورواية العذري أيضاً صحيحة بمعناه يقال كر على الشيء وعليه عطف عليه وكر عنه والكسر في مستقبله على الأصل في المضاعف الذي لا يتعدى وأما رواية الفارسي فلها وجه أيضاً بمعناه قال صاحب الأفعال: كار الفرس إذا جرى رافعاً ذنبه" (١).
فقوله تكر في رواية ابن سفيان: أي يجري مرة هنا ومرة هنا قال ابن منظور: "الكيار رفع الفرس ذنبه في حُضْره والكِيرِّ الفرس إذا فعل ذلك .. وهما يتكايران بالياء وفي حديث المنافق يكير في هذه مرة وفي هذه مرة أي يجري يقال: كار الفرسُ يكير إذا جرى رافعاً ذنبه ويروى يكبن" (٢).
ورواية ابن ماهان: يكبن أيضاً بمعناه قال الفيروز آبادي: "كَبَنَ الفرسُ يكبنُ كَبْناً وكبوناً: عدا في استرسال اقَصِّرَ في عدوه" (٣).
وفي تاج العروس من جواهر القاموس (٤): "كَبَنَ الفرسُ يكبن كبناً وكبوناً عدا في استرسال اقصر في عدوه، وقال الأزهري الكبن في العدو: ان لا يجهد نفسه ويكف بعض عدوه وكبن الرجل كبوناً وكبناً لين عدوه، وفي حديث المنافق يكبن =
стр. 379
٥٥ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
باب مثل المؤمن مثل النخلة
حدثني محمد بن عبيد الغبري، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن أبي الخليل الضبعي، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوما لأصحابه: ﴿أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن﴾، فجعل القوم يذكرون شجرا من شجر البوادي، قال ابن عمر: وألقي في نفسي أو روعي أنها النخلة، فجعلت أريد أن أقولها، فإذا أسنان القوم، فأهاب أن أتكلم، فلما سكتوا قال رسول الله ... ﷺ : ﴿هي النخلة﴾ ٤/ ٢١٦٤*.
ــ
= في هذه مرة وفي هذه مرة أي يعدو".
وذكر ابن الأثير الوجهين فقال في يكبن: "أي يعدو، ويقال: كبن يكبن كبنوناً إذا عدا عدواً ليناً، وقال في يكير: أي يجري يقال: كار الفرس يكرُّ إذا جرى رافعاً ذنبه ويروى يكبن" (١).
الخلاصة: فما روي عند غير ابن ماهان فهو من باب جواز رواية الحديث بالمعنى.
* قال القاضي عياض: "في حديث مثل المؤمن كمثل النخلة قول ابن عمر "وأرى أسنان القوم"، كذا لابن ماهان ولغيره فإذا، والأول الصواب" (٢).
وقال أيضاً (٣): "وارى أسنان القوم فأهابه" يريد المشيخة ذوي الأسنان، أي الأعمار، كذا لابن ماهان، وعند الجلودي: "فإذا أسنان القوم" والأول أليق الكلام، فيه توفير الأكابر وإلا بتقدم الصغير بين أيديهم بالكلام كما قال ﵇: "كبر كبر"، و "الكبر الكبر".
فرواية ابن ماهان أرى أسنان القوم وجعلها القاضي اصح الروايتين بمعنى أبصرهم قال الزمخشري: "رايته بمعنى أبصرته وكذلك أريت الشيء بمعنى
стр. 380
............................................................................................
ــ
بصرته، ومنه قوله : ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] ... " (١)
ورواية المشارقة: "فإذا أسنان القوم"، فهي إذا الفجائية المختصة بالأسماء وما بعدها واجب الرفع، كقولك: خرجت فإذا زيدٌ يضرُبُه عمرو (٢).
وأراد بقوله فإذا أسنان القوم، انه تفاجأ بحضورهم فلم يتكلم فيكون سياق الجملة واضح المعنى ومسار الرواية لا اختلال فيه، لكن من رواه أرى أسنان القوم نصب أسنان على المفعولية، ومن رواه فإذا أسنانُ القوم، رفع أسنان على الابتداء والله اعلم.
الخلاصة: فهو من باب جواز الرواية بالمعنى.
وممن رواه كما في رواية ابن ماهان: ابن منده (٣)، وافرد ابن سفيان بلفظ "فإذا أسنان القوم" وهي رواية المشارقة.
стр. 381
٥٦ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها﴾ ٤/ ٢١٦٢.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل كذا لهم ولابن ماهان فيعطى بحساب" (١).
فرواية ابن ماهان عامة بمجازاته في الدنيا بكل أصناف الحياة ورواية ابن سفيان وكلا المعنيين يدلان على ان الكافر يعجل له في فعله للخير في الدنيا ولا يدخر له شيء في الآخرة.
وتفرد الإمام مسلم بهذا الحديث.
стр. 382
٥٧ - كتاب الفتن وأشراط الساعة
باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض
حدثنا أبو الربيع العتكي، وقتيبة بن سعيد كلاهما، عن حماد بن زيد (واللفظ لقتيبة)، حدثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاَ ويسبي بعضهم بعضا﴾ ٤/ ٢٢١٥.
ــ
قال القاضي عياض: "قوله لو اجتمع عليهم من بين أقطارها، بفتح الميم وعن ابن ماهان: مِنْ أقطارها" (١)، فرواية الأولى مروية على اللفظ، ورواية ابن ماهان مقاربة ودلت على معنى واحد وهو من يجتمع من أطراف الأرض".
ورواية ابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣) الحديث " ... من أقطارها أو من بين أقطارها" بدون باء في الأولى وهي على المعنى أيضاً.
ورواه الحاكم (٤) "مَنْ بأقطارها حتى يكون بعضهم ... "، وكذلك أبو نعيم (٥).
стр. 383
............................................................................................
ــ
وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن سفيان: الترمذي (١)، أبو داود (٢)، وابن ماجة (٣) لكنه بلفظ مختلف في غير هذا الموضع، وللإمام احمد (٤) تقديم وتأخير، وللطبري (٥)، والبيهقي (٦) أيضاً رواية لموضع واحد.
وجمع الروايتين ابن أبي شيبة (٧).
стр. 384
٥٨ - كتاب الفتن وأشراط الساعة
باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن حجر كلاهما، عن ابن علية (واللفظ لابن حجر)، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة العدوي، عن يسير بن جابر قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة فجاء رجل ليس له هجيري ألا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكئا فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا (ونحاها نحو الشام) فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام قلت الروم تعني؟ قال: نعم وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة - إما قال لا يرى مثلها، وإما قال لم ير مثلها - حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم ... ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله ﷺ : ﴿إني لأعرف أسمائهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ﴾.
قال ابن أبي شيبة في روايته، عن أسير بن جابر ٤/ ٢٢٢٣.
стр. 385
............................................................................................
ــ
قال القاضي عياض: "وفي الملاحم ويجتمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام، كذا للسجزي والسمرقندي، وعند ابن ماهان: الشام في الأول والإسلام في الآخر، وعند العذري فيهما أهل الشام والإسلام فيهما وهو أشبه" (١).
ففي رواية ابن ماهان خصصت أهل الشام من المسلمين، وهذا يجوز فيمن سكن الشام منهم ان ينسب إليهم، ومثل ذلك ترجم المحدِّثون في المسانيد وغيرها عناوين منها على سبيل المثال لا الحصر مسند الشاميين أو مسند البصريين للدلالة على وجود الحديث عند هؤلاء المحدثين ممن سكن الشام أو سكن البصرة منهم، وليس مشهوراً في مكان آخر، ورواية ابن سفيان عامة في المسلمين دون تحديد المكان أو الموضع.
وروى أبو يعلى (٢)، والحاكم (٣) الحديث " ... وقال: عدو يجتمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام - ونحى بيده إلى الشام - ... "
الخلاصة: رواية ابن ماهان خاصة ورواية ابن سفيان عامة فكلاهما تصح به الرواية.
стр. 386
٥٩ - كتاب الزهد والرقائق
باب في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل
حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر الصديق إلى أبي في منزله فاشترى منه رحلا فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي فقال لي: أبي احمله، فحملته وخرج أبي معه ينتقد ثمنه فقال له أبي: يا أبا بكر، حدثني كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله ﷺ قال: نعم، أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحد حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه النبي ﷺ في ظلها ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعي غنم مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت؟ يا غلام فقال: لرجل من أهل المدينة قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم. فأخذ شاة فقلت له: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى، (قال: فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض)، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن قال: ومعي إدواة أرتوي فيها للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ قال: فأتيت النبي ﷺ وكرهت أن أوقظه من نومه فوافقته، استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ﴿ألم يأن للرحيل﴾؟ قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك قال: ونحن في جلد من الأرض فقلت: يا رسول الله أتينا. فقال: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه إلى بطنها أرى فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما علي فادعوا لي فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله فنجى، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما ههنا فلا يلقى أحدا إلا رده قال: ووفى لنا ٤/ ٢٣٠٨.
стр. 387
............................................................................................
ــ
قال القاضي عياض: "وفي الهجرة قوله "فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله" كذا هو الصواب، وفي رواية ابن ماهان: فصببت من اللبن على الماء فقدم وأخر، وهو وهم" (١).
وهذا الذي ذكره القاضي عياض تؤيده رواية البخاري (٢)، وابن الجعد (٣).
الخلاصة: فالوهم في رواية ابن ماهان.
стр. 388
٦٠ - كتاب التفسير
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب (واللفظ لأبي بكر) قال حدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر لو علينا معشر يهود نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة] نعلم اليوم الذي أنزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: فقال عمر: فقد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والساعة، وأين رسول الله ـ ﷺ ـ حين نزلت، نزلت ليلة جمع، ونحن مع رسول الله ـ ﷺ ـ بعرفات ٤/ ٢٣١٢.
ــ
قال القاضي عياض: "في التفسير في كتاب مسلم في نزول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، في حديث ابن أبي شيبة:"نزلت ليلة جمعة ونحن بعرفات"، كذا لابن ماهان، ولغيره:"ليلة جمع"، والأول أوجه؛ لموافقة سائر الأحاديث" (١).
وقال الإمام النووي: "قَوْله: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، إِنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَة جَمْع، وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ بِعَرَفَاتٍ)، هَكَذَا هُوَ النُّسَخ، ... الرِّوَايَة: (لَيْلَة جَمْع)، وَفِي نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ: (لَيْلَة جُمْعَة)، وَكِلَاهُمَا ... صَحِيح. فَمَنْ رَوَى (لَيْلَة جَمْع)، فَهِيَ لَيْلَة الْمُزْدَلِفَة، وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: ... (وَنَحْنُ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْم جُمْعَة)؛ لِأَنَّ لَيْلَة جَمْع هِيَ عَشِيَّة يَوْم عَرَفَات، ... وَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: (لَيْلَة جُمْعَة) يَوْم جُمْعَة، وَمُرَاد عُمَر ـ ﵁ ـ إِنَّا قَدْ اِتَّخَذْنَا ... ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا مِنْ وَجْهَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَوْم عَرَفَة، وَيَوْم جُمْعَة، وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا ... عِيد لِأَهْلِ الْإِسْلَام" (٢).
وذكر موضع الاختلاف هذا الإمام السيوطي أيضاً (٣).
وسواء أكان يوم جمعة أو يوم جمع، فكلاهما صحيح لموافقة ذلك اليوم =
стр. 389
٦١ - كتاب التفسير
حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن ... النعمان، عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، فرحلت إلى ابن عباس، فسألته عنها فقال: لقد أنزلت آخر ما أنزل، ثم ما نسخها شئ ٤/ ٢٣١٧*.
ــ
= حجاً أكبراً، فكان العيد عيدين عليهم، قال ابن عباس: "فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة" (١). والله أعلم.
وممن رواه ـ كما رواه مسلم عند ابن ماهان ـ الطبري (٢)، وساق عدة روايات.
* قال القاضي عياض: "وقوله في الحديث: "فرحلت إلى ابن عباس"، هذا هو الصواب بالراء والحاء المهملة، وعند ابن ماهان: "فدخلت" بالدال والخاء المعجمة" (٣).
قال الإمام النووي: - "قَوْله: (فَرَحَلْت إِلَى اِبْن عَبَّاس)، هُوَ بِالرَّاءِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات، وَفِي نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ: (فَدَخَلْت) بِالدَّالِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، وَيُمْكِن تَصْحِيحه بِأَنْ يَكُون مَعْنَاهُ دَخَلْت بَعْد رِحْلَتِي إِلَيْهِ" (٤).
فرواية ابن ماهان تتكلم عن الدخول، ورواية ابن سفيان تتكلم عن الرحلة، ورواية ابن ماهان أيدتها رواية الطبراني (٥)، وأيدت رواية النسائي (٦) ما عند ابن سفيان.
فيتبين صواب كلا الروايتين، والله أعلم.
стр. 390
الخاتمة
إن رواة الصحيح لهم دور كبير في نشر صحيح مسلم في المشرق والمغرب، فحصل له حظ عظيم في قبوله في البلاد الإسلامية، وعلى الرغم من كثرتهم، فإن رواياته اقتصرت على أربعة طرق قد ذكرتها في الدراسة.
عملت في هذه الدراسة "رواية صحيح مسلم من طريق ابن ماهان مقارنة برواية ابن سفيان" وكما هو واضح من عنوانها مقارنة بين هذه الروايتين لكي يتحدد عدد الأحاديث المختلف فيها، وقد ثبتنا الملاحظات الآتية:
١ - عند دراستنا وجدنا اختلاف النسخ، وهذا راجع إلى تعدد الرواة.
٢ - إن الاختلاف الحاصل راجع إلى ضبط الرواة والى جواز الرواية بالمعنى كما في الاختلاف في الحديث السابع والخمسين من هذه الدراسة.
٣ - إن رواة صحيح مسلم هم ثقات، وعلى هذا تكون دراستنا بعيدة عن التصحيح والتضعيف.
٤ - إن الاختلاف الحاصل دلنا على إمكانية التوفيق بين الروايات ما أمكن.
٥ - عناية الأئمة الفائقة وتنبيههم على الاختلافات الحاصلة، وأنها لا تضر في الصحة.
٦ - التأكيد على أن الاختلافات الحاصلة هي نسبة ضئيلة جداً جداً إذا ما قورنت بعدد أحاديث الصحيح.
٧ - وجدنا اختلافات بين الروايتين بأسانيد الأحاديث ومتونها بلغ مجموعها (١١٧) اختلافاً، وبعد التتبع لها تبين أن الاختلاف محتمل فتقلص العدد إلى (٢٨) في الأسانيد و (٨) في المتون عند ابن ماهان، و (٣) في الأسانيد و (١) في المتون عند ابن سفيان، وهذه الاختلافات هي بسبب الخطأ، والوهم، والتصحيف.
٨ - من خلال دراستنا وجدنا نسخاً خطية كثيرة حاصلها يعود إلى الروايتين (ابن سفيان، وابن ماهان).
٩ -