خلاف، الأصحُّ أنه يتعوذ. الرابع: المختار أن القراءة في الثانية تكون أقلّ من الأولى، وفيه الخلاف الذي قدَّمناه، والله أعلم.
٤٣ ـ بابُ القُنوتِ في الصُّبح
اعلم أن القنوتَ في صلاة الصبح سنّة للحديث الصحيح فيه:
[١/ ١٣٠] عن أنس ﵁:
أن رسول الله ﷺ لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا. رواه الحاكم أبو عبد الله في كتاب الأربعين، وقال: حديث صحيح.
واعلم أن القنوت مشروع عندنا في الصبح وهو سنّة متأكدة، لو تركه لم تبطل صلاته لكن يسجد للسهو سواء تركه عمدًا أو سهوًا. وأما غير الصبح من الصلوات الخمس فهل يقنت فيها؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي رحمه الله تعالى: الأصحُّ المشهورُ منها أنه إن نزل بالمسلمين نازلة قنتوا، وإلا فلا. والثاني: يقنتون مطلقًا. والثالث: لا يقنتو مطلقًا، والله أعلم.
ويستحبُّ القنوت عندنا في النصف الأخير من شهر رمضان في الركعة الأخيرة من الوتر، ولنا وجه أن يقنت فيها في جميع شهر رمضان، ووجه ثالث في جميع السنة وهو مذهبُ أبي حنيفة، والمعروف من مذهبنا هو الأوّل، والله أعلم.
[فصل]: اعلم أن محل القنوت عندنا في الصبح بعد الرفع من
стр. 107
الركوع في الركعة الثانية. وقال مالك ﵀: يقنت قبل الركوع. قال أصحابنا: فلو قنت شافعي قبل الركوع لم يُحسبْ له على الأصحّ، ولنا وجه أن يحسب، وعلى الأصحّ يعيده بعد الركوع ويسجد للسهو، وقيل لا يسجد، وأما لفظه فالاختيار أن يقول فيه:
[٢/ ١٣١] ما رويناه في الحديث الصحيح في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرها بالإِسناد الصحيح، عن الحسن بن عليّ ﵄ قال:
علّمني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوتر: "اللَّهُمَّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وعَافِني فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلّني فِيمَن تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ ما قَضَيْتَ، فإنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنا وَتَعالَيْتَ". قال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: ولا نعرف عن النبيّ ﷺ في القنوت شيئًا أحسن من هذا. وفي رواية ذكرها البيهقي أن محمد بن الحنفية، وهو ابن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن هذا الدعاء هو الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته. ويستحبُّ أن يقولَ عقيب هذا الدعاء: اللَّهُمَّ صَلّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ وَسَلِّم، فقد جاء في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد حسن (١) "وَصَلَى اللَّهُ على النَّبِيّ".
قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁
стр. 108
كان حسنًا، وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: " اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُد، ولَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّارِ مُلْحِقٌ. اللَّهُمَّ عَذّبِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، ويُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقاتِلُونَ أوْلِيَاءَكَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ للْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ والمُسْلِمِيَ والمُسْلِماتِ، وأصْلِح ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِم الإِيمَانَ وَالحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ على مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَوْزِعْهُمْ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ على عَدُّوَكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الحَقّ وَاجْعَلْنا مِنْهُمْ (١)
واعلم أن المنقول عن عمر ﵁: عذِّب الكفرة أهل الكتاب؛ لأن قتالهم ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب؛ وأما اليوم فالاختيار أن يقول: "عذّب الكفرة" فإنه أعمّ. وقوله نخلع: أي: نترك، وقوله يفجر: أي: يلحد في صفاتك، وقوله نحفِد بكسر الفاء: أي: نُسارع، وقوله الجِدّ بكسر الجيم: أي: الحق، وقوله مُلْحِق بكسر الحاء على المشهور ويقال بفتحها، ذكره ابن قتيبة وغيره، وقوله: ذات بينهم، أي: أمورهم ومواصلاتهم، وقوله الحكمة: هي كل ما منع من القبيح، وقوله وأوزعهم: أي: ألهمهم، وقوله واجعلنا منهم: أي: ممّن هذه صفته. قال أصحابنا: يستحبّ الجمع بين قنوت عمر وما سبق، فإن جمع بينهما فالأصحّ تأخير قنوت عمر، وإن اقتصر فليقتصر على الأوّل، وإنما يُستحبّ الجمع بينهما إذا كان منفردًا أو إمامَ محصورين يرضون بالتطويل، والله أعلم.
стр. 109
واعلم أن القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار، فأيّ دعاء دعا به حصل القنوت ولو قَنَتَ بآيةٍ أو آياتٍ من القرآن العزيز وهي مشتملة على الدعاء حصل القنوت، ولكن الأفضل ما جاءت به السنّة. وقد ذهب جماعة من أصحابنا إلى أنه يتعين ولا يجزىء غيره.
واعلم أنه يستحبّ إذا كان المصلِّي إمامًا أن يقول: اللَّهمّ اهدِنا بلفظ الجمع وكذلك الباقي، ولو قال اهدني حصل القنوت وكان مكروهًا، لأنه يكره للإِمام تخصيص نفسه بالدعاء.
[٣/ ١٣٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن ثوبان ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فإنْ فَعَلَ فَقَدْ خانَهُمْ" قال الترمذي: حديث حسن.
[فصل]: اختلف أصحابنا في رفع اليدين في دعاء القنوت ومسح الوجه بهما على ثلاثة أوجه: أصحّها أنه يستحبّ رفعهما ولا يمسح الوجه. والثاني: يرفع ويمسحه. والثالث: لا يمسحُ ولا يرفع. واتفقوا على أنه لا يمسح غير الوجه من الصدر ونحوه، بل قالوا: ذلك مكروه.
وأما الجهر بالقنوت والإِسرار به فقال أصحابنا: إن كان المصلي منفردًا أسرّ به، وإن كان إمامًا جهر على المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الأكثرون. والثاني أنه يسرّ كسائر الدعوات في الصلاة. وأما المأموم فإن لم يجهر الإِمام قنت سرًّا كسائر الدعوات، فإنه يوافق فيها الإمام سرًّا. وإن جهر الإِمام بالقنوت فإن كان المأموم يسمعه أمَّن على دعائه وشاركه في الثناء في آخره، وإن كان لا يسمعه قنت سرًّا، وقيل
стр. 110
يؤمِّن، وقيل له أن يشاركه مع سماعه، والمختار الأوّل.
وأما غير الصبح إذا قنت فيها حيث نقول به، فإن كانت جهريّة وهي المغرب والعشاء فهي كالصبح على ما تقدّم، وإن كانت ظهرًا أو عصرًا فقيل يُسرّ فيها بالقنوت، وقيل إنها كالصبح. والحديث الصحيح في قنوت رسول الله ﷺ على الذين قتلوا القرَّاء ببئر معونة يقتضي ظاهرُه الجهرَ بالقنوت في جميع الصلوات، ففي صحيح البخاري في باب تفسير قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] عن أبي هريرة: أن النبيَّ ﷺ جَهَرَ بالقنوت في قنوت النازلة (١).
٤٤ ـ بابُ التشهّدِ في الصَّلاة
اعلم أن الصلاة إن كانت ركعتين فحسب كالصبح والنوافل فليس فيها إلا تشهّدٌ واحد، وإن كانت ثلاث ركعات أو أربعًا ففيها تشهّدان: أوّل، وثاننٍ. ويتصوّر في حقّ المسبوق ثلاثة تشهّدات، ويتصور في حقه في صلاة المغرب أربعة تشهّدات، مثل أن يُدركَ الإِمام بعد الركوع في الثانية فيتابعه في التشهّد الأوّل والثاني ولم يحصل له من الصلاة إلا ركعة، فإذا سلَّم الإِمام قام المسبوق ليأتي بالركعتين الباقيتين عليه، فيصلي ركعة ويتشهّد عقبها لأنها ثانيته، ثم يصلِّي الثالثة ويتشهد عقيبها. أما إذا صلَّى نافلة فنوى أكثر من أربع ركعات ولو نوى (٢) مئة ركعة، فالاختيار أن يقتصر فيها على تشهّدين، فيصلِّي ما نواه إلا ركعتين ويتشهد، ثم يأتي بالركعتين ويتشهد التشهد الثاني ويسلِّم. قال جماعة من أصحابنا: لا يجوز أن يزيد على تشهدين، ولا يجوز أن يكون بين التشهد الأوّل والثاني أكثر من
стр. 111
ركعتين، ويجوز أن يكون بينهما ركعة واحدة، فإن زاد على تشهدين أو كان بينهما أكثر من ركعتين بطلت صلاته. وقال آخرون: يجوز أن يتشهد في كل ركعة، والأصحّ جوازه في كل ركعتين لا في كل ركعة، والله أعلم.
واعلم أن التشهد الأخير واجب عند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء، وسنّة عند أبي حنيفة ومالك؛ وأما التشهد الأوّل فسنّة عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأكثرين، وواجب عند أحمد؛ فلو تركه عند الشافعي صحَّت صلاته، ولكن يسجد للسهو سواء تركه عمدًا أو سهوًا، والله أعلم.
[فصل]: وأما لفظ التشهد فثبت فيه، عن النبيّ ﷺ ثلاث تشهدات.
[١/ ١٣٣] أحدها رواية ابن مسعود ﵁،
عن رسول الله ﷺ : "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلام عَلَيْنا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحين، أشْهَدُ أن لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
[٢/ ١٣٤] الثاني رواية ابن عباس ﵄،
عن رسول الله ﷺ : "التَّحِيَّاتُ المُبارَكاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّباتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وعلى عِبادِ الله الصَّالِحينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" رواه مسلم في صحيحه.
[٣/ ١٣٥] الثالث في رواية أبي موسى الأشعري ﵁،
عن
стр. 112
رسول الله ﷺ : "التَّحِيَّاتُ الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّه وأنَّ محَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" رواه مسلم في صحيحه.
[٤/ ١٣٦] وروينا في سنن البيهقي بإسناد جيد، عن القاسم قال: علمتني عائشةُ ﵂ قالت:
هذا تشهُّدُ رسول الله ﷺ : "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحين، أشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه". وفي هذا فائدة حسنة، وهي أن تشهُّدَه ﷺ بلفظ تشهُّدُّنا.
[٥/ ١٣٧] وروينا في موطأ مالك وسنن البيهقي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الرحمن بن عمر القاريِّ ـ وهو بتشديد الياء ـ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر وهو يعلِّم الناس التشهد يقول: قولوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَاّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
[٦/ ١٣٨] وروينا في الموطأ وسنن البيهقي وغيرهما أيضًا بإسناد
стр. 113
صحيح عن عائشة ﵂
أنها كانت تقول إذا تشهَّدتْ: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، أشْهَدُ أن لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلامُ عَلَيكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَركاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ" وفي رواية عنها في هذه الكتب: "التَّحِيَّاتُ الصَّلَوَاتُ الطَيِّباتُ الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ".
[٧/ ١٣٩] وروينا في الموطأ وسنن البيهقي أيضًا بالإِسناد الصحيح، عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄
أنه كان يتشهد فيقول: بِاسْمِ اللَّهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيات لِلَّهِ، السَّلامُ على النَّبِيّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، شَهِدْتُ أنْ لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ، شَهِدْتُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. والله أعلم.
فهذه أنواع من التشهد. قال البيهقي: والثابت عن رسول الله ﷺ ثلاثة أحاديث: حديث ابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى. هذا كلام البيهقي. وقال غيره: الثلاثة صحيحة وأصحّها حديث ابن مسعود.
واعلم أنه يجوز التشهّد بأيّ تشهّد شاء من هذه المذكورات، هكذا نصّ عليه إمامنا الشافعي وغيره من العلماء ﵃. وأفضلُها عند الشافعي حديث ابن عباس للزيادة التي فيه من لفظ المباركات. قال الشافعي وغيره من العلماء ﵏: ولكون الأمر فيها على السعة والتخيير اختلفت ألفاظ الرواة، والله أعلم.
[فصل]: الاختيار أن يأتي بتشهد من الثلاثة الأُول بكماله، فلو حذفَ
стр. 114
بعضَه فهل يجزئه؟ فيه تفصيل، فاعلم أن لفظ المباركات والصلوات والطيبات والزاكيات سنّة ليس بشرط في التشهّد، فلو حذفها كلَّها واقتصر على قوله التحيات للَّه السلام عليك أيُّها النبيّ إلى آخره أجزأه. وهذا لا خلاف فيه عندنا. وأما في الألفاظ من قوله: السلام عليك أيُّها النبيُّ، إلى آخره فواجب لا يجوز حذف شيء منه إلا لفظ ورحمة الله وبركاته، ففيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا. أصحها لا يجوز حذف واحدة منهما، وهذا هو الذي يقتضيه الدليل لاتفاق الأحاديث عليهما. والثاني يجوز حذفهما. والثالث يجوز حذف وبركاته دون ورحمة الله. وقال أبو العباس بن سُريْج من أصحابنا: يجوز أن يقتصر على قوله: التحيات للَّه، سلام عليك أيّها النبيّ، سلام على عباد الله الصالحين، أشهدُ أنْ لا إله إلاّ اللَّه وأنَّ محمدًا رسول الله. وأما لفظ السلام فأكثر الروايات: السلام عليك أيُّها النبيّ، وكذا السلام علينا بالألف واللام فيهما، وفي بعض الروايات: سلام بحذفهما فيهما. قال أصحابنا: كلاهما جائز، ولكن الأفضل: السلام بالألف واللام لكونه الأكثر، ولما فيه من الزيادة والاحتياط.
أما التسمية قبل التحيات فقد روينا حديثًا مرفوعًا في سنن النسائي والبيهقي وغيرهما بإثباتها، وتقدم إثباتها في تشهّد ابن عمر، لكن قال البخاري والنسائي وغيرهما من أئمة الحديث: إن زيادة التسمية غير صحيحة عن رسول الله ﷺ ، فلهذا قال جمهور أصحابنا: لا يُستحبّ التسمية، وقال بعض أصحابنا: يستحبّ، والمختار أنه لا يأتي بها، لأن جمهور الصحابة الذين رووا التشهّد لم يرووها.
[فصل]: اعلم أن الترتيب في التشهد مستحبٌّ ليس بواجب، فلو قدم بعضه على بعض جاز على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في الأم. وقيل لا يجوز كألفاظ
стр. 115
الفاتحة، ويدلّ للجواز تقديم السلام على لفظ الشهادة في بعض الروايات، وتأخيره في بعضها كما قدّمناه. وأما الفاتحة فألفاظها وترتيبها معجز فلا يجوز تغييره، ولا يجوز التشهّد بالعجمية لمن قدر على العربية، ومن لم يقدر يتشهد بلسانه ويتعلم كما ذكرنا في تكبيرة الإِحرام.
[فصل]: السنّة في التشهد الإِسرار لإِجماع المسلمين على ذلك، ويدلُّ عليه من الحديث:
[٨/ ١٤٠] ما رويناه في سنن أبي داود والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: من السنّة أن يخفي التشهد. قال الترمذي: حديث حسن.
وقال الحاكم: صحيح. وإذا قال الصحابي من السنّة كذا كان بمعنى قوله: قال رسول الله ﷺ ، هذا هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء والمحدّثين وأصحاب الأصول والمتكلمين ﵏؛ فلو جهر به كره ولم تبطل صلاته ولا يسجد للسهو.
٤٥ ـ بابُ الصلاة على النبيّ ﷺ بعد التشهّد
اعلم أن الصلاة على النبيّ ﷺ واجبة عند الشافعي ﵀ بعد التشهّد الأخير، فلو تركها فيه لم تصحّ صلاته، ولا تجب الصلاة على آل النبيّ ﷺ فيه على المذهب الصحيح المشهور، لكن تستحبُّ. وقال بعض أصحابنا: تجب. والأفضل أن يقول: " اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيّ الأُمِّي وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِه، كما صَلَّيْتَ على
стр. 116
إِبْرَاهِيمَ وَعلى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبارِكْ على مُحَمَّدٍ النَّبِيّ الأُمِّيّ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرّيَّتِهِ، كما بارَكْتَ على إِبْرَاهِيمَ وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
وروينا هذه الكيفية في صحيح البخاري ومسلم (١)، عن كعب بن عُجْرَة عن رسول الله ﷺ إلا بعضها، فهو صحيح من رواية غير كعب. وسيأتي تفصيله في كتاب الصلاة على محمد ﵌ إن شاء الله تعالى والله أعلم. والواجب منه: اللَّهمّ صلِّ على النبي، وإن شاء قال: صلى الله على محمد، وإن شاء قال: صلى الله على رسوله، أو صلى الله على النبي. ولنا وجه أنه لا يجوز إلا قوله: اللَّهم صلِّ على محمد. ولنا وجه أنه يجوز أن يقول: وصلى الله على أحمد. ووجه أنه يقول: صلَّى الله عليه، والله أعلم.
وأما التشهدُ الأول فلا تجب فيه الصلاة على النبي ﷺ بلا خلاف، وهل تستحبّ؟ فيه قولان: أصحُّهما تستحبُّ، ولا تستحبُّ الصلاة على الآل على الصحيح، وقيل تستحبُّ، ولا يُستحبّ الدعاء في التشهّد الأول عندنا، بل قال أصحابنا يُكره لأنه مبني على التخفيف، بخلاف التشهد الأخير، والله أعلم.
٤٦ ـ بابُ الدُّعَاء بعدَ التشهّدِ الأخير
اعلم أنَّ الدعاء بعد التشهّد الأخير مشروعٌ بلا خلاف.
[١/ ١٤١] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن
стр. 117
مسعود ﵁:
أن النبي ﷺ علّمهم التشهّد ثم قال في آخره: "ثُمَّ يُخَيّرُ منَ الدُّعَاءِ" وفي رواية البخاري: "أعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو" وفي روايات لمسلم "ثُمَّ ليَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ ما شاءَ".
واعلم أن هذا الدعاء مستحبٌّ ليس بواجب، ويستحبُّ تطويلُه، إلا أن يكون إمامًا؛ وله أن يدعوَ بما شاء من أمور الآخرة والدنيا، وله أن يدعوَ بالدعوات المأثورة، وله أن يدعو بدعوات يخترعها والمأثورة أفضل. ثم المأثورة منها ما ورد في هذا الموطن، ومنها ما ورد في غيره، وأفضلُها هنا ما ورد هنا.
وثبت في هذا الموضع أدعية كثيرة منها:
[٢/ ١٤٢] ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا فَرَغَ أحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأخِيرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَماتِ، وَمِنْ شَرّ المَسِيحِ الدَّجَّالِ" رواه مسلم من طرق كثيرة. وفي رواية منها: "إِذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيا
والمَماتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَة المَسِيحِ الدَّجَّالِ".
[٣/ ١٤٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂:
أن النبيّ ﷺ كان يدعو في الصلاة: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسيحِ الدَّجَّال، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيا
стр. 118
والمَماتِ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ من المأثمِ والمَغْرَمِ".
[٤/ ١٤٤] وروينا في صحيح مسلم، عن عليّ ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهّد والتسليم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ".
[٥/ ١٤٥] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكر الصديق ﵃:
أنه قال لرسول الله ﷺ : علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: "قُلِ اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحمْنِي إنَّك أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيم" هكذا ضبطناه "ظُلْمًا كَثِيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم "كَبِيرًا" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يُجمع بينهما فيُقال: "ظُلْمًا كَثِيرًا كَبِيرًا" وقد احتجّ البخاري في صحيحه والبيهقيّ وغيرهما من الأئمة بهذا الحديث للدعاء في آخر الصلاة وهو استدلال صحيح، فإن قوله في صلاتي يعمّ جميعها، ومن مظانّ الدعاء في الصلاة هذا الموطن.
[٦/ ١٤٦] وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود، عن أبي صالح ذكوان، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ قال:
قال النبيّ ﷺ لرجل: "كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ؟ " قال: أتشهَّد وأقول: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ
стр. 119
بِكَ مِنَ النَّارِ، أما إني لا أحسنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ معاذ، فقال النبيّ ﷺ : "حَوْلَهَا دَنْدِنْ".
الدندنة: كلام لا يُفهم معناه، ومعنى "حولها دَنْدِنْ" أي حول الجنة والنار، أو حول مسألتهما: إحداهما سؤال طلب، والثانية سؤال استعاذة، والله أعلم.
ومما يستحبُّ الدعاء به في كل موطن: اللَّهمّ إني أسألُك العفوَ والعافية، اللَّهمّ إني أسألُك الهدى والتقى والعفافَ والغنى، والله أعلم.
٤٧ ـ بابُ السَّلام لِلتحلُّل من الصَّلاة
اعلم أن السلام للتحلّل من الصلاة ركنٌ من أركانها وفرضٌ من فروضها لا تصحُّ إلا به، هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهيرِ السلف والخلف، والأحاديثُ الصحيحةُ المشهورة مُصرّحة بذلك.
واعلم أن الأكمل في السلام أن يقول عن يمينه "السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" وَعَنْ يَسارِهِ "السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" ولا يُستحبّ أن يقول معه: وبركاته، لأنه خلاف المشهور عن رسول الله ﷺ ، وإن كان قد جاء في رواية لأبي داود. وقد ذكره جماعة من أصحابنا منهم إمام الحرمين وزاهر السرخسي والرويّاني في الحلية، ولكنه شاذ، والمشهور ما قدّمناه، والله أعلم.
وسواء كان المصلّي إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا في جماعة قليلة أو كثيرة في فريضة أو نافلة ففي كل ذلك يُسلِّم تسليمتين كما ذكرنا ويلتفتُ بهما إلى الجانبين، والواجب تسليمة واحدة، وأما الثانية فسنّة لو تركها لم يضرّه؛ ثم الواجب من لفظ السلام أن يقول: السلام عليكم، ولو قال:
стр. 120
سلام عليكم لم يجزئه على الأصح. ولو قال: عليكم السلام أجزأه على الأصح، فلو قال: السلام عليك أو سلامي عليك، أو سلامي عليكم، أو سلام الله عليكم، أو سلامُ عليكم بغير تنوين، أو قال: السلام عليهم، لم يجزئه شيء من هذا بلا خلاف، وتبطل صلاته إن قاله عامدًا عالمًا في كل ذلك، إلا في قوله: السلام عليهم، فإنه لا تبطل صلاته به لأنه دعاء، وإن كان ساهيًا لم تبطل ولا يحصلُ التحلّل من الصلاة، بل يحتاج إلى استئناف سلام صحيح، ولو اقتصر الإِمام على تسليمة واحدة أتى المأموم بالتسليمتين. قال القاضي أبو الطيب الطبري من أصحابنا وغيره: إذا سلَّم الإِمام فالمأموم بالخيار إن شاء سلَّم في الحال، وإن شاء استدام الجلوس للدعاء وأطال ما شاء، والله أعلم.
٤٨ ـ بابُ ما يقولُه الرجلُ إذا كلَّمه إنسانٌ وهو في الصَّلاة
[١/ ١٤٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ" وفي رواية في الصحيح: " إِذَا نَابَكُمْ أمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجالُ، ولْتُصَفِّقِ (١) النِّساءُ" وفي رواية: "التَّسْبِيحُ للرّجالِ وَالتَّصْفِيقُ للنِّساءِ".
стр. 121
٤٩ ـ بابُ الأذكارِ بعدَ الصَّلاة
أجمع العلماءُ على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعدّدة، فنذكرُ أطرافًا من أهمها:
[١/ ١٤٨] روينا في كتاب الترمذي عن أبي أمامة ﵁ قال:
قيل لرسول الله ﷺ : أيّ الدعاء أسمع؟ قال: "جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِر، وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ المَكْتوبات" قال الترمذي: حديث حسن.
[٢/ ١٤٩] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵄ قال:
كنتُ أعرفُ انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير. وفي رواية مسلم "كنّا" وفي رواية في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄: أن رفعَ الصوت بالذكر حين ينصرفُ النَّاسُ من المكتوبة كانَ على عهدِ رسول الله ﷺ . وقال ابن عباس: كنتُ أعلمُ إذا انصرفوا، بذلك، إذا سمعتُه.
[٣/ ١٥٠] وروينا في صحيح مسلم عن ثوبان ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبارَكْتَ يا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرامِ" قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: اسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
стр. 122
[٤/ ١٥١] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن المغيرة بن شعبة ﵁:
أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة وسلّم قال: "لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ".
[٥/ ١٥٢] وروينا في صحيح مسلم، عن عبد الله بن الزبير ﵄
أنه كان يقول دُبُرَ كلّ صلاة حين يسلم: "لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَة كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بالله، لا إِلهَ إِلَاّ الله وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ ولَهُ الفَضْلُ، وَلَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ، لا إلهَ إِلَاّ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ" قال ابن الزبير: وكان رسول الله ﷺ يهلّل بهنّ دُبُرَ كُلِّ صلاة.
[٦/ ١٥٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁:
أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهبَ أهل الدُّثُور بالدرجات العُلى والنعيم المقيم، يُصَلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون، فقال: "ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَاّ مَنْ صَنَع مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ؟ قالوا: بلى يارسول الله! قال: تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثينَ".
стр. 123
قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة لما سئل عن كيفية ذكره؟ يقول: سبحان اللَّه والحمدُ للَّه واللَّه أكبر، حتى يكون منهنّ كلُّهن ثلاث وثلاثون. الدثور: جمع دَثْر بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة، وهو المال الكثير.
[٧/ ١٥٤] وروينا في صحيح مسلم، عن كعب بن عُجْرَة ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "مُعَقِّباتٌ لَا يَخِيبُ قائِلُهُنَّ أوْ فاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً، وأرْبعًا وَثَلاثِينَ تَكْبِيرةً".
[٨/ ١٥٥] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثينَ، وكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَقالَ تَمامَ المئة: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطاياهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ".
[٩/ ١٥٦] وروينا في صحيح البخاري في أوائل كتاب الجهاد، عن سعد بن أبي وقاص ﵁:
أن رسول الله ﷺ كان يتعوّذ دُبُرَ الصلاة بهؤلاء الكلمات: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العمُرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فتْنَةِ الدُّنْيا، وأعُوذُ بِكَ منْ عَذَابِ القَبْرِ".
стр. 124
[١٠/ ١٥٧] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن عبد الله بن عمرو ﵄،
عن النبيّ ﷺ قال: "خَصْلَتانِ أوْ خَلَّتانِ لا يُحافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إلَاّ دَخَلَ الجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبِّحُ اللَّهُ تَعالى دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، ويُكَبِّر عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسُونَ ومِئَةٌ باللِّسانِ، وألْفٌ وخَمْسُمِئَةٍ في المِيزَاِ. وَيُكَبِّرُ أرْبَعًا وَثَلاثِينَ إذَا أخَذَ مَضْجَعَهُ وَيحْمَدُ ثَلاثًا وَثَلاثينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلاثًا وَثَلاثينَ، فَذَلكَ مِئَةٌ باللِّسانِ، وألفٌ بالميزَانِ". قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يارسول الله! كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: "يأتِي أحَدَكُمْ ـ يعني الشيطان ـ في مَنامِهِ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أنْ يَقُولَهُ، ويأتِيهِ في صَلاتِهِ فَيُذَكِّرَهُ حاجَةً قَبْلَ أنْ يَقُولَهَا" إسناده صحيح، إلا أن فيه عطاء بن السائب وفيه اختلاف بسبب اختلاطه، وقد أشار أيوبُ السختياني إلى صحة حديثه هذا.
[١١/ ١٥٨] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم، عن عقبة بن عامر ﵁ قال:
أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوّذتين دُبُرَ كل صلاة. وفي رواية أبي داود "بالمعوّذات" فينبغي أن يقرأ: قل هو الله أحد، وقل أعوذ بربّ الفلق، وقل أعوذ بربّ الناس.
[١٢/ ١٥٩] وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود والنسائي، عن
стр. 125
معاذ ﵁:
أن رسولَ اللَّه ﷺ أخذ بيده وقال: "يا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنّي لأُحِبُّكَ، فَقالَ: أُوصِيكَ يا مُعاذُ! لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ".
[١٣/ ١٦٠] وروينا في كتاب ابن السنيّ، عن أنس ﵁ قال:
كانَ رسولُ اللَّه ﷺ إذا قَضى صلاتَه مسحَ جبهتَه بيده اليمنى، ثم قال: "أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنِّي الهَمَّ والحزنَ".
[١٤/ ١٦١] وروينا فيه عن أبي أُمامة رضى الله عنه قال:
ما دنوتُ من رسول الله ﷺ في دُبُر مكتوبة ولا تطوُّع إلا سمعتُه يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذُنُوبي وَخَطايايَ كُلَّها، اللَّهُمَّ انْعِشْنِي واجْبُرْنِي وَاهْدِنِي لِصَالِح الأعْمالِ وَالأخْلاقِ، إنَّهُ لَا يَهْدِي لِصَالِحها وَلَا يَصْرِفُ سَيِّئَها إِلَاّ أَنْتَ".
[١٥/ ١٦٢] وروينا فيه عن أبي سعيد الخدريّ ﵁:
أن النبيّ ﷺ كان إذا فرغ من صلاته ـ لا أدري قبل أن يسلِّم أو بعد أن يسلِّم ـ يقول: "سُبْحانَ ربِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ على المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ".
[١٦/ ١٦٢] م وروينا فيه عن أَنس ﵁ قال:
كان النبي ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ عُمُرِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَواتِمَهُ، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامي يَوْمَ ألْقاكَ".
стр. 126
[١٧/ ١٦٣] وروينا فيه عن أبي بكرة ﵁:
أن رسول الله ﷺ كان يقول في دُبر الصلاة: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ".
[١٨/ ١٦٤] وروينا فيه بإسناد ضعيف عن فضالة بن عبيد الله قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ تَعالى وَالثَّناء عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي على النَّبيّ ﷺ ثُمْ ليَدْعُو بِمَا شَاءَ".
٥٠ ـ بابُ الحثِّ على ذكرِ اللَّه تعالى بعدَ صَلاةِ الصُّبح
اعلم أن أشرفَ أوقات الذكر في النهار، الذكرُ بعد صلاة الصبح.
[١/ ١٦٥] روينا عن أنس ﵁ في كتاب الترمذي وغيره قال:
قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صَلَّى الفَجْرِ في جَماعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى حتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كانَتْ كأجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تامَّةٍ تامةٍ تامةٍ" قال الترمذي: حديث حسن.
стр. 127
[٢/ ١٦٦] وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أبي ذر ﵁
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قالَ فِي دُبُرِ صَلاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ ثانٍ رِجْلَيهِ قَبْلَ أنْ يَتَكَلَّمَ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مرَّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وكانَ يَوْمَهُ ذلكَ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطانِ ولَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أنْ يُدْرِكَهُ في ذلكَ اليَوْمِ إِلَاّ الشِّرْكَ باللَّهِ تَعالى". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ: صحيح.
[٣/ ١٦٧] وروينا في سنن أبي داود، عن مسلم بن الحارث التميمي الصحابي ﵁،
عن رسول الله ﷺ أنه أسرّ إليه فقال: إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلاةِ المَغْرِبِ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذلكَ ثُمَّ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْها، وإذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كذَلِكَ، فإنَّكَ إنْ مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْها".
[٤/ ١٦٨] وروينا في مسند الإِمام أحمد وسنن ابن ماجه وكتاب ابن السنيّ، عن أُمّ سلمة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح قال: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ عِلْمًا نافِعًا، وعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا".
стр. 128
[٥/ ١٦٩] وروينا فيه، عن صُهيب ﵁:
أن رسول الله ﷺ كان يحرّك شفتيه بعد صلاة الفجر بشيء، فقلت: يارسول الله! ما هذا الذي تقول؟ قال: "اللَّهُمَّ بِكَ أُحاوِلُ، وَبِكَ أُصَاوِلُ، وَبِكَ أُقاتِلُ" والأحاديث بمعنى ما ذكرته كثيرة، وسيأتي في الباب الآتي من بيان الأذكار التي تقال في أوّل النهار ما تقرّ به العيون إن شاء الله تعالى.
وروينا عن أبي محمد البغوي في شرح السنّة قال: قال علقمة بن قيس: بلغنا أن الأرض تعجّ إلى الله تعالى من نومة العالِم بعد صلاة الصبح (١). والله أعلم.
٥١ ـ بابُ ما يُقال عند الصَّباحِ وعندَ المساءِ
اعلم أن هذا البابَ واسعٌ جدًا ليس في الكتاب بابٌ أوسعَ منه، وأنا أذكرُ إن شاء الله تعالى فيه جملًا من مختصراته، فمن وُفِّق للعمل بكلّها فهي نعمة وفضل من الله تعالى عليه وطوبى له، ومن عجز عن جميعها فليقتصرْ من مختصراتها على ما شاء ولو كان ذكرًا واحدًا.
والأصلُ في هذا الباب من القرآن العزيز قولُ الله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه:١٣٠] وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالْعَشِيّ والإِبْكارِ﴾ [غافر:٥٥] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بالغُدُوّ والآصَالِ﴾ [الأعراف:٢٠٥] قال أهل اللغة: الآصال جمع أصيل: وهو ما بين العصر والمغرب. وقال تعالى: ﴿وَلاتَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالْغَدَاةِ
стр. 129
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] قال أهل اللغة: العشيّ: ما بين زوال الشمس وغروبها. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ، يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بالْغُدُوّ والآصَالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٦] الآية.
وقال تعالى: ﴿إنَّا سَخَّرْنا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالْعَشِيّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨].
[١/ ١٧٠] وروينا في صحيح البخاري عن شدّاد بن أوس ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأبُوءُ بِذَنبي، فاغْفِرْ لي فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما صَنَعْتُ. إذا قال ذلك حين يُمسي فمات دخل الجنة، أو كان من أهل الجنة، وإذا قال حين يُصبح فمات من يومه، مثله"معنى أبوء: أقرُّ وأعترف.
[٢/ ١٧١] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ لَمْ يأْتِ أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ بأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إِلَاّ أحَدٌ قالَ مثْلَ ما قالَ أوْ زَادَ عَلَيْهِ" وفي رواية أبي داود "سُبْحانَ اللَّهِ العَظيمِ وبِحَمْدِهِ".
[٣/ ١٧٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الله بن خُبيب ـ بضم الخاء المعجمة ﵁ قال:
خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب النبيّ ﷺ ليصلي لنا
стр. 130
فأدركناه فقال: "قُلْ، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قُلْ، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قُلْ، فقلت: يارسول الله! ما أقول؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلّ شَيْءٍ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[٤/ ١٧٣] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الصحيحة، عن أبي هريرة ﵁،
عن النبيّ ﷺ أنه كان يقول إذا أصبح: "اللَّهُمَّ بِكَ أصْبَحْنا، وَبِكَ أمْسَيْنا، وَبِكَ نَحْيا، وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ؛ وإذا أمسى قال: اللَّهُمَّ بِكَ أمْسَيْنا، وَبِكَ نَحْيا، وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٥/ ١٧٤] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁:
أن النبيّ ﷺ كان إذا كان في سفر أو سحر يقول: "سَمَّعَ سامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ وَحُسْنِ بَلائِهِ عَلَيْنا، رَبَّنا صَاحِبْنا، وأفْضِلْ عَلَيْنا، عائِذًا باللَّهِ منَ النَّارِ" قال القاضي عياض وصاحب المطالع وغيرهما: سمَّعَ بفتح الميم المشدّدة، ومعناه: بلّغ سامع قولي هذا لغيره، تنبيهًا على الذكر في السحَر والدعاء في ذلك الوقت، وضبطه الخطابي وغيره سَمِعَ بكسر الميم المخففة؛ قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: سَمِعَ سامِعٌ معناه: شهدَ شاهدٌ. وحقيقته: ليسمعِ السامعُ وليشهد الشاهدُ حَمْدنا الله تعالى على نعمته وحسن بلائه.
[٦/ ١٧٥] وروينا في صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله
стр. 131
عنه قال:
كان النبيّ ﷺ إذا أمسى قال: "أمْسَيْنا وأمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ" قال الراوي: أراه قال فيهنٌ: "لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلَّ شَيْءٍ قَديرٌ، رَبّ أسألُكَ خَيْرَ ما فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَها وأعُوذ بِكَ مِنْ شَرّ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرّ مَا بَعْدَهَا، رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَل وَالهَرَمِ وَسُوءِ الكِبَرِ، أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ وَعَذَابٍ في القَبْرِ، وَإذَا أصْبَحَ قالَ ذلكَ أيْضًا: أصْبَحْنا وأصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ".
[٧/ ١٧٦] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: يارسول الله! ما لقيتُ من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: "أما لَوْ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرّ ما خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ" ذكره مسلم متصلًا بحديث لخولة بنت حكيم ﵂ وهكذا.
ورويناه في كتاب ابن السني، وقال فيه: "أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرّ ما خَلَقَ ثَلاثًا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ".
[٨/ ١٧٧] وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة ﵁
أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يارسول الله! مُرْني بكلمات أقولهنّ إذا أصبحتُ وإذا أمسيت، قال: "قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أشْهَدُ أن لا إلهَ إِلَاّ أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطانِ وَشِرْكِهِ. قالَ: قُلْها
стр. 132
إذَا أصْبَحْتَ وَإذَا أمْسَيْتَ وَإذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[٩/ ١٧٨] وروينا نحوه في سنن أبي داود من رواية أبي مالك الأشعري ﵃ أنهم قالوا:
يارسول الله! علِّمنا كلمة نقولها إذا أصبحنا وإذا أمسينا واضطجعنا، فذكره، وزاد فيه بعد قوله: وَشِرْكِهِ "وأنْ نَقْتَرِفَ سُوءًا عَلى أنْفُسِنا أوْ نَجُرَّهُ إلى مُسْلِمٍ" قوله ﷺ "وشركه" روي على وجهين: أظهرهما وأشهرهما بكسر الشين مع إسكان الراء من الإِشراك: أي ما يدعو إليه ويوسوس به من الإِشراك بالله تعالى، والثاني شَرَكه بفتح الشين والراء: حبائله ومصايده، واحدها شَرَكة بفتح الشين والراء وآخره هاء.
[١٠/ ١٧٩] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن عثمان بن عفان ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ في صَباحِ كُلّ يَوْمٍ وَمَساءِ كُلّ لَيْلَةٍ، باسْمِ اللَّهِ الَّذي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا في السَّماءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيم، ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّه شَيْءٌ" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، هذا لفظ الترمذي. وفي رواية أبي داود: "لَم تُصِبْهُ فَجْأةُ بَلاءٍ".
[١١/ ١٨٠] وروينا في كتاب الترمذي، عن ثوبان ﵁ قال:
стр. 133
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قالَ حِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بالله رَبًّا، وَبالإِسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، كانَ حَقًّا على الله تعالى أنْ يُرْضِيَهُ" في إسناده سعد بن المرزبان أبو سعد البقال بالباء، الكوفيّ مولى حذيفة بن اليمان، وهو ضعيف باتفاق الحفّاظ (١)، وقد قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، فلعله صحّ عنده من طريق آخر. وقد رواه أبو داود والنسائي بأسانيد جيدة عن رجل خدم النبيّ ﷺ عن النبيّ ﷺ بلفظه، فثبت أصل الحديث، وللَّه الحمد. وقد رواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين؛ وقال: حديث صحيح الإسناد، ووقع في رواية أبي داود وغيره: "وبمحمدٍ رسولًا" وفي رواية الترمذي: "نبيًّا" فيستحبُّ أن يجمع الإِسان بينهما فيقول "نبيًّا ورسولًا" ولو اقتصر على أحدهما كان عاملًا بالحديث.
[١٢/ ١٨١] وروينا في سنن أبي داود بإسناد جيد لم يضعفه، عن أنس ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قالَ حينَ يُصْبحُ أوْ يُمْسِي: اللَّهُمَّ إِنِّي أصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أنَّكَ أنْتَ لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ. أعْتَقَ اللَّهُ رُبُعَهُ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أعْتَقَ اللَّهُ نصْفَهُ مِنَ النَّار، وَمَنْ قَالَها ثَلاثًا أَعْتَقَ اللَّهُ تعالى ثَلاثَةَ أرْبَاعِهِ، فإنْ قالَهَا أَرْبَعًا أعْتَقَه اللَّهُ تَعالى مِنَ النَّارِ".
стр. 134
[١٣/ ١٨٢] وروينا في سنن أبي داود بإسناد لم يضعفه، عن عبد الله بن غنَّام بالغين المعجمة والنون المشددة البياضي الصحابي ﵁
أن رسول الله ﵌ قال: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ: اللَّهُمَّ ما أصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ؛ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذلكَ حِينَ يُمْسِي فَقَد أدَّى شُكْرَ لَيلَتِهِ".
[١٤/ ١٨٣] وروينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن ابن عمر ﵄ قال:
لم يكن النبيُّ ﷺ يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يُمسي وحين يُصبح: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ العافِيَةَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إني أسألُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في دِيني وَدُنْيَايَ وأهْلِي ومَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وآمِنْ رَوْعاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْن يَدَيَّ ومِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمالِي وَمِنْ فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتالَ مِنْ تَحْتِي" قال وكيع: يعني الخسف. قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإِسناد.
[١٥/ ١٨٤] وروينا في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما بالإِسناد الصحيح عن عليّ ﵁،
عن رسول الله ﷺ ، أنه كان يقول عند مضجعه: "اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِوَجْهِكَ الكَرِيمِ وَبِكَلِماتِكَ التَّامَّةِ مِنْ شَر ما أنْتَ
стр. 135
آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، اللَّهُمّ أنْتَ تَكْشِفُ المَغْرَمَ والمَأثمَ، اللَّهُمَّ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ وَلا يُخْلَفُ وَعْدُكَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدُّ، سُبْحانَكَ وَبِحَمْدِكَ".
[١٦/ ١٨٥] وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه بأسانيد جيدة عن أبي عياش ـ بالشين المعجمة ﵁
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قالَ إِذَا أصْبَحَ: لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. كانَ لَهُ عِدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ﷺ ، وكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وكانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطانِ حتى يُمْسِيَ، وَإنْ قَالَهَا إِذَا أمْسَى كانَ له مِثْلُ ذلكَ حتَّى يُصْبحَ".
[١٧/ ١٨٦] وروينا في سنن أبي داود، بإسناد لم يضعفه، عن أبي مالك الأشعري ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا أصْبَحَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وأصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أسألُكَ خَيْرَ هَذَا اليَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَر ما فِيهِ وَشَرِّ ما بَعْدَهُ. ثُمَّ إذا أمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذلكَ".
[١٨/ ١٨٧] وروينا في سنن أبي داود، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قال لأبيه: يا أبتِ! إني أسمعك تدعو كلّ غداة: "اللَّهُمَّ عافِني فِي بَدَني،
стр. 136
اللَّهُمَّ عافِنِي في سَمْعِي، اللَّهُمَّ عافِني في بَصَري، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ، اللَّهُمَّ إني أعُوذَ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبرِ، لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ" تعيدها حين تصبح ثلاثًا، وثلاثًا حين تُمسي، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهنّ، فأنا أُحبّ أن أستن بسنّته.
[١٩/ ١٨٨] وروينا في سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄
عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ ﴿فَسُبْحان اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحونَ. وَلَهُ الحَمْدُ في السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ. يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيّ، ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرجُونَ﴾ [الروم: ١٧ـ١٩] أدرك ما فاتَهُ فِي يَوْمِهِ ذلكَ، وَمَنْ قالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ ما فَاتَهُ في لَيْلَتِهِ" لم يضعفه أبو داود، وقد ضعفه البخاري في تاريخه الكبير، وفي كتابه كتاب الضعفاء.
[٢٠/ ١٨٩] وروينا في سنن أبي داود عن بعض بنات النبيّ ﷺ ورضي عنهنّ،
أن النبيّ ﷺ كان يُعلّمها فيقول: "قُولي حينَ تُصْبحينَ: سُبْحانَ اللَّه وبِحَمْدِهِ، لا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ، ما شاءَ اللَّه كَانَ، ومَا لَمْ يَشأ لَمْ يَكُن، أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فإنَّهُ مَنْ قالَهُنَّ حِينَ يُصْبحُ حُفِظَ حتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حتَّ يُصْبحَ".
стр. 137
[٢١/ ١٩٠] وروينا في سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
دخلَ رسولُ اللَّه ﷺ ذاتَ يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يُقال له أبو أمامة، فقال: "يا أبا أُمامَةَ! ما لي أرَاكَ جالِسًا في المَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلاةٍ؟ " قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: "أفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إذَا قُلْتَهُ أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ وقضى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ " قلت: بلى يا رسول الله! قال:"قُلْ إذَا أصْبَحْتَ وَإذَا أمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمّ والحُزن، وأعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ والبُخلِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرّجالِ". قال: ففعلتُ ذلك، فأذهبَ الله تعالى همّي وغمّي وقضى عني ديني.
[٢٢/ ١٩١] وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن أبزى ﵁ قال:
كان رسولُ الله ﷺ إذا أصبح قال: "أصْبَحْنَا على فِطْرَةِ الإِسْلامِ، وكَلِمَةِ الإِخْلاصِ، وَدِيْنِ نبِيِّا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ حَنِيفًا مُسْلِمًا ومَا أنا مِنَ المُشْرِكِينَ".
قلتُ: كذا وقع في كتابه: "ودين نبيّنا محمد" وهو غير ممتنع، ولعلَّه ﷺ قال ذلك جهرًا ليسمعَه غيره فيتعلمه، والله أعلم.
[٢٣/ ١٩٢] وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن أوفى ﵄ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: أصْبَحْنا وأصْبَحَ المُلْكُ
стр. 138
لِلَّهِ ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالكِبْرِياءُ وَالعَظَمَةُ لِلَّهِ، وَالخَلْقُ وَالأمْرُ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَما سَكَنَ فِيهما لِلَّهِ تَعالى، اللَّهُمَّ! اجْعَلْ أَوَّلَ هَذَا النَّهارِ صَلاحًا، وَأَوْسَطَهُ نَجاحًا وآخِرَهُ فَلاحًا، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! ".
[٢٤/ ١٩٣] وروينا في كتابي الترمذي وابن السني، بإسناد فيه ضعف، عن مَعقل بن يسار ﵁
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: أعُوذُ باللَّهِ السَّمِيع العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلاثَ آياتٍ مِنْ سُورَةِ الحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإنْ ماتَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ ماتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كانَ بِتلْكَ المَنْزِلَةِ".
[٢٥/ ١٩٤] وروينا في كتاب ابن السنيّ، عن محمد بن إبراهيم، عن أبيه ﵁ قال:
وجّهَنَا رسولُ الله ﷺ في سرية، فأمَرَنَا أن نقرأ إذا أمسينا وأصبحنا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أنَما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] فقرأنا، فغنمنا وسلمنا.
[٢٦/ ١٩٥] وروينا فيه عن أنس ﵁:
أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهذه الدعوة إذا أصبح وإذا أمسى: "اللَّهُمَّ أسألُكَ منْ فَجْأةِ الخَيْرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فَجأةِ الشَّرّ".
стр. 139
[٢٧/ ١٩٦] وروينا فيه عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ لفاطمة ﵂: "ما يَمْنَعُكِ أنْ تَسْمَعِي ما أُوصِيكِ بِهِ؟ تَقُولِينَ إذَا أصْبَحْتِ وَإذَا أمْسَيْتِ: يا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِكَ أسْتَغِيثُ فأصْلِحْ لي شأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْني إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنِ".
[٢٨/ ١٩٧] وروينا فيه، بإسناد، ضعيف، عن ابن عباس ﵄:
أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ أنه تُصيبُه الآفاتُ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "قُلْ إذَا أصْبَحْتَ: باسمِ اللَّهِ على نَفْسِي وأهْلي ومَالي، فإنَّهُ لا يَذْهَبُ لَكَ شَيْءٌ" فقالهنّ الرجلُ، فذهبتْ عنه الآفاتُ.
[٢٩/ ١٩٨] وروينا في سنن ابن ماجه وكتاب ابن السني، عن أُمّ سلمة ﵂؛
أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا أصبح قال:"اللَّهُمَّ إني أسألُكَ عِلْمًا نافعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا".
[٢٠/ ١٩٩] وروينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄، قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قالَ إذَا أصْبَحَ: اللَّهُمَّ إني أصْبَحُتُ منْكَ في نِعْمَةٍ وَعافِيَةٍ وَسَتْرٍ، فأتِمَّ نِعْمَتَكَ عَليَّ وَعَافِيَتَكَ وَسَتْرَكَ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ إِذَا أصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى، كان حَقًّا على اللَّهِ تَعالى أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ".
стр. 140
[٣١/ ٢٠٠] وروينا في كتابي الترمذي وابن السني، عن الزبير بن العوّام ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ صَباحٍ يُصْبِحُ العِبادُ إِلَاّ مُنادٍ يُنادِي: سُبْحانَ المَلكِ القُدُّوس" وفي رواية ابن السني "إلَاّ صَرَخَ صَارِخٌ: أيُّها الخلائقُ! سَبِّحوا المَلكَ القُدُّوسَ".
[٣٢/ ٢٠١] وروينا في كتاب ابن السني، عن بُريدة ﵁، قال:
قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ قَالَ إذَا أصْبَحَ وَإِذَا أمْسَى: رَبِّيَ اللَّهُ تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظيمِ، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ العَلِيُّ العَظِيمُ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ، ومَا لَمْ يَشاْ لَمْ يَكُنْ، أَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمًا، ثُمَّ مَاتَ دَخَلَ الجَنَّة".
[٣٣/ ٢٠٢] وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁؛
أن رسول الله ﷺ قال:"أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ كأبِي ضَمْضَمٍ؟ " قالُوا: وَمَنْ أبُو ضَمْضَمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قالَ: "كَانَ إِذَا أصْبَحَ قالَ: اللَّهُمَّ إِني قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي وَعِرْضِي لَكَ، فَلا يَشْتُمُ مَنْ شَتَمَهُ، وَلَا يَظْلِمُ مَنْ ظَلَمَهُ، وَلا يَضْرِبُ مَنْ ضَرَبَهُ".
[٣٤/ ٢٠٣] وروينا فيه، عن أبي الدرداء ﵁،
عن النبيّ ﷺ
стр. 141
قال:"مَنْ قالَ فِي كُلّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبحُ وَحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفَاهُ اللَّهُ تَعالى ما أهمَّهُ مِنْ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ".
[٣٥/ ٢٠٤] وروينا في كتابي الترمذي وابن السني، بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرأ ﴿حَم﴾ المُؤْمِن إلى: ﴿إِلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ١ـ٣] وآيةَ الكُرْسِيّ حِينَ يُصْبحُ حُفِظَ بِهِمَا حتَّى يُمْسِي، وَمَنْ قَرأهُما حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتَّى يُصْبحَ".
فهذه جملةٌ من الأحاديث التي قصدنا ذكرَها، وفيها كفايةٌ لمن وفّقه الله تعالى، نسألُ اللَّه العظيم التوفيقَ للعمل بها وسائر وجوه الخير.
[٣٦/ ٢٠٥] وروينا في كتاب ابن السني، عن طلق بن حبيب، قال:
جاء رجلٌ إلى أبي الدرداء فقال: يا أبا الدرداء قد احترق بيتُك، فقال: ما احترق، لم يكن الله ليفعلَ ذلك بكلمات سمعتهنّ من رسول الله ﷺ ، من قالها أوّل نهاره لم تصبْه مصيبةٌ حتى يُمسي، ومَنْ قالها آخرَ النهار لم تصبْه مصيبةٌ حتى يُصبحَ: "اللَّهُمَّ أنتَ رَبي، لا إِلهَ إِلَاّ أَنْتَ عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وأنْتَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ العَلِيّ العَظِيمِ، أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرّ كُلّ دَابَّةٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتها، إنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".
ورواه من طريق آخر، من أصحاب النبيّ ﷺ ، لم يقل عن
стр. 142
أبي الدرداء، وفيه: أنه تكرّر مجيء الرجل إليه يقول: أدرِك دارَك فقد احترقتْ وهو يقول: ما احترقتْ لأني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "مَن قال حين يُصبح هذه الكلمات ـ وذكر هذه الكلمات ـ لم يُصبه في نفسه ولا أهله ولا ماله شيء يكرهه" وقد قلتها اليوم، ثم قال: انهضوا بنا، فقام وقاموا معه، فانتهوا إلى داره وقد احترق ما حولها ولم يصبها شيء.
٥٢ ـ بابُ ما يُقالُ في صَبيحةِ الجمعة
اعلم أن كلَّ ما يُقال في غير يوم الجمعة يُقال فيه، ويُزاد (١) استحبابُ كثرة الذكر فيه على غيره، ويُزادُ كثرةُ الصلاة على رسول الله ﷺ .
[١/ ٢٠٦] وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ قالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ".
ويُستحبّ الإِكثارُ من الدعاء في جميع يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رَجاءَ مصادفة ساعة الإِجابة، فقد اختُلف فيها على أقوال كثيرة، فقيل: هي بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وقيل: بعد طلوع الشمس، وقيل: بعد الزوال، وقيل: بعد العصر، وقيل غير ذلك.
стр. 143
والصحيحُ، بل الصوابُ الذي لا يجوز غيرُه ما ثبت في صحيح مسلم (١): عن أبي موسى الأشعريّ، عن رسول الله ﷺ ؛ أنها ما بينَ جلوس الإِمام على المنبر إلى أن يُسَلِّم من الصلاة.
٥٣ ـ بابُ ما يَقولُ إذا طلعتِ الشَّمس
[١/ ٢٠٧] روينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال:
كان رسول الله ﷺ إذا طلعت الشمس قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي جَلَّلَنا اليَوْمَ عافِيَتَهُ، وَجاءَ بالشَمْسِ، مِنْ مَطْلَعِها، اللَّهُمَّ أصْبَحْتُ أشْهَدُ لَكَ بِما شَهِدْتَ بِهِ لِنَفْسِكَ، وَشَهِدَتْ بِهِ مَلائِكَتُكَ وحَمَلَةُ عَرْشِكَ وَجَمِيعُ خَلْقِكَ إنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ القائِمُ بالقِسْطِ، لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، اكْتُبْ شَهادَتي بَعْدَ شَهادَةِ مَلائِكَتِكَ وأُولِي العِلْمِ، اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ وَإِلَيْكَ السَّلامُ، أسألُكَ يا ذَا الجَلالِ والإِكْرَامِ أنْ تَسْتَجِيبَ لَنا دَعْوَتَنَا، وأنْ تُعْطِيَنَا رَغْبَتَنا، وأنْ تُغْنِينَا عَمَّنْ أغْنَيْتَهُ عَنَّا مِنْ خَلْقِكَ، اللَّهُمَّ أصْلحْ لي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي، وأصْلِحْ لي دُنْيايَ الَّتِي فِيها مَعِيشَتِي، وأصْلِحْ لي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْها مُنْقَلَبِي".
[٢/ ٢٠٨] وروينا فيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه أنه جعلَ من يَرْقبُ له طلوع الشمس، فلما أخبره بطلوعها قال: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لَنَا هَذَا اليَوْمَ وأقالَنا فِيهِ من عَثَرَاتِنَا.
стр. 144
٥٤ ـ بابُ ما يقولُ إذا استقلَّتِ (١) الشَّمس
[١/ ٢٠٩] روينا في كتاب ابن السني، عن عمرو بن عبسة ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "ما تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالى إِلَاّ سَبَّحَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ إِلَاّ ما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ وأعْتَاءِ بَنِي آدَمَ" فَسألْتُ عَنْ أعْتاء بَنِي آدَمَ؟ فَقالَ: "شِرَارُ الخَلْقِ".
٥٥ ـ بابُ ما يقولُ بعدَ زَوَال الشَّمسِ إلى العصر
قد تقدم إذا لَبِسَ ثوبَه، وإذا خرجَ من بيته، وإذا دخلَ الخلاءَ، وإذا خرج منه، وإذا توضَّأَ، وإذا قصدَ المسجدَ، وإذا وصلَ بابَه، وإذا صارَ فيه، وإذا سمع المؤذِّن والمقيمَ، وما بين الأذان والإِقامة، وما يقولُه إذا أرادَ القيام للصلاة، وما يقولُه في الصلاة من أوّلها إلى آخرها، وما يقولُه بعدها، وهذا كلُّه يشتركُ فيه جميعُ الصلوات.
ويستحبّ الإِكثار من الأذكار وغيرها من العبادات عقبَ الزوال.
[١/ ٢١٠] لما روينا في كتاب الترمذي عن عبد الله بن السائب ﵁
أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: "إنَّها ساعةٌ تُفْتَحُ فِيها أبْوَابُ السَّماءِ، فأُحِبُّ أنْ يَصْعَدَ لي فِيها عَمَلٌ صَالِحٌ" قال الترمذي: حديث حسن.
ويُستحبّ كثرةُ الأذكار بعد وظيفة الظهر؛ لعموم قول الله تعالى:
стр. 145
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْد رَبِّكَ بالعَشِيّ وَالإِبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] قال أهل اللغة: العشيُّ من زوال الشمس إلى غروبها. قال الإِمام أبو منصور الأزهري (١): العشيّ عند العرب: ما بين أن تزولَ الشمس إلى أن تغرب.
٥٦ ـ بابُ ما يقولُه بعدَ العصرِ إلى غُروبِ الشَّمس
قد تقدم ما يقولُه بعد الظهر والعصر كذلك، ويُستحبُّ الإِكثارُ من الأذكار في العصر استحبابًا متأكدًا فإنها الصلاة الوسطى على قول جماعات من السلف والخلف، وكذلك تُستحبُّ زيادةُ الاعتناء بالأذكار في الصبح، فهاتان الصلاتان أصحُّ ما قيل في الصلاة الوسطى، ويُستحبُّ الإِكثارُ من الأذكار بعد العصر وآخر النهار أكثر، قال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠] وقال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعَشِيِّ والإِبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] وقال الله تعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بالغُدُوِّ والآصَال﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والآصَالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٦] وقد تقدم أن الآصال ما بين العصر والمغرب.
[١/ ٢١١] وروينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف، عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أعْتِقَ ثَمَانِيَةً مِنْ وَلَدِ إسْماعِيلَ".