قال:"مَنْ قالَ فِي كُلّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبحُ وَحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفَاهُ اللَّهُ تَعالى ما أهمَّهُ مِنْ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ".
[٣٥/ ٢٠٤] وروينا في كتابي الترمذي وابن السني، بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرأ ﴿حَم﴾ المُؤْمِن إلى: ﴿إِلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ١ـ٣] وآيةَ الكُرْسِيّ حِينَ يُصْبحُ حُفِظَ بِهِمَا حتَّى يُمْسِي، وَمَنْ قَرأهُما حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتَّى يُصْبحَ".
فهذه جملةٌ من الأحاديث التي قصدنا ذكرَها، وفيها كفايةٌ لمن وفّقه الله تعالى، نسألُ اللَّه العظيم التوفيقَ للعمل بها وسائر وجوه الخير.
[٣٦/ ٢٠٥] وروينا في كتاب ابن السني، عن طلق بن حبيب، قال:
جاء رجلٌ إلى أبي الدرداء فقال: يا أبا الدرداء قد احترق بيتُك، فقال: ما احترق، لم يكن الله ليفعلَ ذلك بكلمات سمعتهنّ من رسول الله ﷺ ، من قالها أوّل نهاره لم تصبْه مصيبةٌ حتى يُمسي، ومَنْ قالها آخرَ النهار لم تصبْه مصيبةٌ حتى يُصبحَ: "اللَّهُمَّ أنتَ رَبي، لا إِلهَ إِلَاّ أَنْتَ عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وأنْتَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ العَلِيّ العَظِيمِ، أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرّ كُلّ دَابَّةٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتها، إنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".
ورواه من طريق آخر، من أصحاب النبيّ ﷺ ، لم يقل عن
стр. 142
أبي الدرداء، وفيه: أنه تكرّر مجيء الرجل إليه يقول: أدرِك دارَك فقد احترقتْ وهو يقول: ما احترقتْ لأني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "مَن قال حين يُصبح هذه الكلمات ـ وذكر هذه الكلمات ـ لم يُصبه في نفسه ولا أهله ولا ماله شيء يكرهه" وقد قلتها اليوم، ثم قال: انهضوا بنا، فقام وقاموا معه، فانتهوا إلى داره وقد احترق ما حولها ولم يصبها شيء.
٥٢ ـ بابُ ما يُقالُ في صَبيحةِ الجمعة
اعلم أن كلَّ ما يُقال في غير يوم الجمعة يُقال فيه، ويُزاد (١) استحبابُ كثرة الذكر فيه على غيره، ويُزادُ كثرةُ الصلاة على رسول الله ﷺ .
[١/ ٢٠٦] وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ قالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ".
ويُستحبّ الإِكثارُ من الدعاء في جميع يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رَجاءَ مصادفة ساعة الإِجابة، فقد اختُلف فيها على أقوال كثيرة، فقيل: هي بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وقيل: بعد طلوع الشمس، وقيل: بعد الزوال، وقيل: بعد العصر، وقيل غير ذلك.
стр. 143
والصحيحُ، بل الصوابُ الذي لا يجوز غيرُه ما ثبت في صحيح مسلم (١): عن أبي موسى الأشعريّ، عن رسول الله ﷺ ؛ أنها ما بينَ جلوس الإِمام على المنبر إلى أن يُسَلِّم من الصلاة.
٥٣ ـ بابُ ما يَقولُ إذا طلعتِ الشَّمس
[١/ ٢٠٧] روينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال:
كان رسول الله ﷺ إذا طلعت الشمس قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي جَلَّلَنا اليَوْمَ عافِيَتَهُ، وَجاءَ بالشَمْسِ، مِنْ مَطْلَعِها، اللَّهُمَّ أصْبَحْتُ أشْهَدُ لَكَ بِما شَهِدْتَ بِهِ لِنَفْسِكَ، وَشَهِدَتْ بِهِ مَلائِكَتُكَ وحَمَلَةُ عَرْشِكَ وَجَمِيعُ خَلْقِكَ إنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ القائِمُ بالقِسْطِ، لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، اكْتُبْ شَهادَتي بَعْدَ شَهادَةِ مَلائِكَتِكَ وأُولِي العِلْمِ، اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ وَإِلَيْكَ السَّلامُ، أسألُكَ يا ذَا الجَلالِ والإِكْرَامِ أنْ تَسْتَجِيبَ لَنا دَعْوَتَنَا، وأنْ تُعْطِيَنَا رَغْبَتَنا، وأنْ تُغْنِينَا عَمَّنْ أغْنَيْتَهُ عَنَّا مِنْ خَلْقِكَ، اللَّهُمَّ أصْلحْ لي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي، وأصْلِحْ لي دُنْيايَ الَّتِي فِيها مَعِيشَتِي، وأصْلِحْ لي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْها مُنْقَلَبِي".
[٢/ ٢٠٨] وروينا فيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه أنه جعلَ من يَرْقبُ له طلوع الشمس، فلما أخبره بطلوعها قال: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لَنَا هَذَا اليَوْمَ وأقالَنا فِيهِ من عَثَرَاتِنَا.
стр. 144
٥٤ ـ بابُ ما يقولُ إذا استقلَّتِ (١) الشَّمس
[١/ ٢٠٩] روينا في كتاب ابن السني، عن عمرو بن عبسة ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "ما تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالى إِلَاّ سَبَّحَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ إِلَاّ ما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ وأعْتَاءِ بَنِي آدَمَ" فَسألْتُ عَنْ أعْتاء بَنِي آدَمَ؟ فَقالَ: "شِرَارُ الخَلْقِ".
٥٥ ـ بابُ ما يقولُ بعدَ زَوَال الشَّمسِ إلى العصر
قد تقدم إذا لَبِسَ ثوبَه، وإذا خرجَ من بيته، وإذا دخلَ الخلاءَ، وإذا خرج منه، وإذا توضَّأَ، وإذا قصدَ المسجدَ، وإذا وصلَ بابَه، وإذا صارَ فيه، وإذا سمع المؤذِّن والمقيمَ، وما بين الأذان والإِقامة، وما يقولُه إذا أرادَ القيام للصلاة، وما يقولُه في الصلاة من أوّلها إلى آخرها، وما يقولُه بعدها، وهذا كلُّه يشتركُ فيه جميعُ الصلوات.
ويستحبّ الإِكثار من الأذكار وغيرها من العبادات عقبَ الزوال.
[١/ ٢١٠] لما روينا في كتاب الترمذي عن عبد الله بن السائب ﵁
أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: "إنَّها ساعةٌ تُفْتَحُ فِيها أبْوَابُ السَّماءِ، فأُحِبُّ أنْ يَصْعَدَ لي فِيها عَمَلٌ صَالِحٌ" قال الترمذي: حديث حسن.
ويُستحبّ كثرةُ الأذكار بعد وظيفة الظهر؛ لعموم قول الله تعالى:
стр. 145
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْد رَبِّكَ بالعَشِيّ وَالإِبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] قال أهل اللغة: العشيُّ من زوال الشمس إلى غروبها. قال الإِمام أبو منصور الأزهري (١): العشيّ عند العرب: ما بين أن تزولَ الشمس إلى أن تغرب.
٥٦ ـ بابُ ما يقولُه بعدَ العصرِ إلى غُروبِ الشَّمس
قد تقدم ما يقولُه بعد الظهر والعصر كذلك، ويُستحبُّ الإِكثارُ من الأذكار في العصر استحبابًا متأكدًا فإنها الصلاة الوسطى على قول جماعات من السلف والخلف، وكذلك تُستحبُّ زيادةُ الاعتناء بالأذكار في الصبح، فهاتان الصلاتان أصحُّ ما قيل في الصلاة الوسطى، ويُستحبُّ الإِكثارُ من الأذكار بعد العصر وآخر النهار أكثر، قال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠] وقال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعَشِيِّ والإِبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] وقال الله تعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بالغُدُوِّ والآصَال﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والآصَالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٦] وقد تقدم أن الآصال ما بين العصر والمغرب.
[١/ ٢١١] وروينا في كتاب ابن السني بإسناد ضعيف، عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أعْتِقَ ثَمَانِيَةً مِنْ وَلَدِ إسْماعِيلَ".
стр. 146
٥٧ ـ بابُ ما يقولُه إذا سمعَ أذانَ المغرب
[١/ ٢١٢] روينا في سنن أبي داود والترمذي، عن أُمّ سلمة ﵂ قالت:
علَّمني رسولُ اللَّه ﷺ أن أقول عند أذان المغرب: "اللَّهُمَّ هَذَا إقْبالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهارِكَ وأصْوَاتُ دُعاتِكَ فاغْفِرْ لي".
٥٨ ـ بابُ ما يقولُه بعدَ صَلاةِ المغرب
قد تقدم قريبًا أنه يقول عقيب كل الصلوات الأذكارَ المتقدمة، ويُستحبّ أن يزيدَ فيقول بعد أن يصلّي سنّة المغرب:
[١/ ٢١٣] ما رويناه في كتاب ابن السني عن أُمّ سلمة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اصرف من صلاة المغرب يدخل فيصلي ركعتين ثم يقول فيما يدعو: "يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا على دِينِكَ".
[٢/ ٢١٤] وروينا في كتاب الترمذي عن عمارة بن شبيب قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قالَ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ
стр. 147
يُحْيِي ويُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ على أثَرِ المَغْرِبِ، بَعَثَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مَسْلَحَةً يَتَكَفَّلُونَهِ (١) مِنَ الشَّيْطانِ حَتَّى يُصْبحَ، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِها عَشْرَ حَسَناتٍ مُوجِبات، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئاتٍ مُوبِقاتٍ، وكانَتْ لَهُ بِعِدْلِ عَشْرِ رِقابٍ مُؤْمناتٍ" قال الترمذي: لا نعرفُ لعمارة بن شبيب سماعًا من النبي ﷺ .
قلت: وقد رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة من طريقين: أحدهما هكذا، والثاني عن عمارة عن رجل من الأننصار. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هذا الثاني هو الصواب.
قلتُ: قوله: "مَسلحة" بفتح الميم وإسكان السين المهملة وفتح اللام وبالحاء المهملة: وهم الحرس.
٥٩ ـ بابُ ما يقرؤُه في صَلاةِ الوترِ وما يقولُه بعدَها
السنّة لمن أوترَ بثلاث ركعات أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ والمُعَوَّذَتَيْنِ. فإن نسي ﴿سَبِّح﴾ في الأولى﴾، أتى بها مع ﴿قل يا أيُّها الكافرون﴾ في الثانية، وكذا إن نسيَ في الثانية ﴿قل يا أيّها الكافرون﴾ أتى بها في الثالثة مع ﴿قل هو اللَّه أحد﴾ والمعوّذتين.
[١/ ٢١٥] وروينا في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما بالإِسناد الصحيح، عن أُبيّ بن كعب ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 148
سلَّم في الوتر قال: "سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ" وفي رواية النسائي وابن السني "سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ".
[٢/ ٢١٦] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن عليّ ﵁؛
أن النبيّ ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أَنْتَ كما أثْنَيْتَ على نَفْسِك" قال الترمذي: حديث حسن.
٦٠ ـ بابُ ما يقولُ إذا أرادَ النومَ واضطجعَ على فراشِه
قال الله تعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأُولي الألْبابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٠ـ١٩١] الآيات.
[١/ ٢١٧] وروينا في صحيح البخاري ﵀، من رواية حذيفة وأبي ذرّ ﵄:
أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: " باسْمِكَ اللَّهُمَّ أحْيا وأمُوت" ورويناهُ في صحيح مسلم، من رواية البراء بن عازب ﵄.
[٢/ ٢١٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عليّ ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال له ولفاطمة ﵄: "إذَا أوَيْتُما
стр. 149
إلى فِرَاشِكُما، أوْ إذَا أخَذْتُما مَضَاجِعَكُما فَكَبِّرَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَسَبِّحا ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ".
وفي رواية: "التَّسْبِيحُ أرْبَعًا وَثِلاثِينَ".
وَفي رواية: "التَّكْبيرُ أرْبعًا وَثَلاثِينَ". قالَ عليّ: فما تركته منذ سمعتُه من رسول الله ﷺ ، قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفّين.
[٣/ ٢١٩] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا أوَى أحَدُكُمْ إلى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخلَةِ إِزَارِهِ، فإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: باسْمِكَ رَبي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحينَ" وفي رواية "يَنْفُضُهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ".
[٤/ ٢٢٠] وروينا في الصحيحين عن عائشة ﵂
أن رسول الله ﷺ : كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوّذات ومسح بهما جسده.
[٥/ ٢٢١] وفي الصحيحين عنها
أن النبيّ ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفّيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبّ الناس﴾ ثُم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث
стр. 150
مرّات، قال أهل اللغة: النفث: نفخ لطيف بلا ريق.
[٦/ ٢٢٢] وروينا في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري البدري عقبة بن عمرو ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "الآيَتانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرأ بِهِما في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ".
اختلف العلماء في معنى كفتاه؛ فقيل: من الآفات في ليلته وقيل: كفتاه من قيام ليلته. قلت: ويجوز أن يُراد الأمران.
[٧/ ٢٢٣] وروينا في الصحيحين عن البَراء بن عازب ﵄، قال:
قال لي رسول الله ﷺ :"إذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ على شِقِكَ الأيْمَنِ وَقُلِ: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، وَألجأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةَ وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا ملجأ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلَاّ إِليْكَ، آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذي أنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذي أَرْسَلْتَ. فإنْ مِتَّ مِتَّ على الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ" هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وباقي رواياته وروايات مسلم مقاربة لها.
[٨/ ٢٢٤] وروينا في صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁ قال:
وكَّلني رسولُ الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام .. وذكر الحديث، وقال في آخره: إذا أويتَ إلى فراشِكَ فاقرأ آيةَ الكرسي، فإنه لن يزالَ معكَ من الله تعالى حافظ، ولا يقربَك شيطانٌ حتى تُصْبِحَ. فقال النبيّ ﷺ :"صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيطانٌ" أخرجهُ البُخاري
стр. 151
في صحيحه فقال: وقال عثمان بن الهيثم: حدّثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة وهذا متصل، فإن عثمان بن الهيثم أحد شيوخ البخاري الذين روى عنهم في صحيحه، وأما قول أبي عبد الله الحميدي في الجمع بين الصحيحين: إن البخاري أخرجه تعليقًا، فغير مقبول؛ فإن المذهب الصحيح المختار عند العلماء والذي عليه المحقّقون أن قول البخاري وغيره: "وقال فلان" محمولٌ على سماعه منه واتصاله إذا لم يكن مدلِّسًا وكان قد لقيَه، وهذا من ذلك. وإنما المعلَّقُ ما أسقط البخاري منه شيخه أو أكثر بأن يقول في مثل هذا الحديث: وقال عوف، أو قال محمد بن سيرين، وأبو هريرة، والله أعلم.
[٩/ ٢٢٥] وروينا في سنن أبي داود عن حفصة أُمّ المؤمني ﵂؛
أن رسول الله ﷺ كان إذا أرادَ أن يرقدَ وضعَ يدَه اليمنى تحتَ خدّه ثم يقول: اللَّهُمَّ قِني عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبادَكَ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ" ورواه الترمذي من رواية حذيفة، عن النبيّ ﷺ وقال: حديث صحيح حسن. ورواه أيضًا من رواية البراء بن عازب ولم يذكر فيها ثلاث مرات.
[١٠/ ٢٢٦] وروينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁،
عن النبيّ ﷺ أنه كان يقولُ إذا أوى إلى فراشه: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فالِقَ الحَبّ وَالنَّوَى، مُنَزِّل التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالقُرآنِ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ كُلّ ذِي شَرٍّ أنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ؛ أنْتَ
стр. 152
الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وأغْنِنا مِنَ الفَقْرِ" وفي رواية أبي داود "اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وأغْنِني مِنَ الفَقرِ".
[١١/ ٢٢٧] وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود والنسائي، عن عليٍّ ﵁،
عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول عند مضجعه: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، وَكَلِماتِكَ التَّامَّة، مِنْ شَرّ ما أنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أنْتَ تَكْشِفُ المَغْرَمَ والمأثمَ، اللَّهُمَّ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، وَلا يُخْلَفُ وَعْدُكَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدُّ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ".
[١٢/ ٢٢٨] وروينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي عن أنس ﵁؛
أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَنا وَسَقَانا، وكَفانا وآوَانا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كافِيَ لَهُ وَلا مُؤْوِيَ" قال الترمذي: حديث حس صحيح.
[١٣/ ٢٢٩] وروينا بالإِسناد الحسن في سنن أبي داود، عن أبي الأزهريّ، ويقال: أبو زهير الأنماري ﵁؛
أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: "باسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبِي، وأخْسِىءْ شَيْطانِي، وَفُكَّ رِهانِي، وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيّ الأعْلَى" النديّ: بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء.
وروينا عن الإِمام أبي سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن
стр. 153
الخطاب الخطابي ﵀ في تفسير هذا الحديث قال: النديّ: القوم المجتمعون في مجلس، ومثله النادي، وجمعه أندية. قال: يريد بالنديّ الأعلى: الملأ الأعلى من الملائكة.
[١٤/ ٢٣٠] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن نوفل الأشجعي ﵁ قال:
قال لي رسول الله ﷺ : "اقْرأ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، ثُمَّ نَمْ على خاتِمَتِها فإنَّها بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ".
وفي مسند أبي يعلى الموصلي، عن ابن عباس ﵄،
عن النبيّ ﷺ قال: "ألا أدُلُّكُمْ على كَلِمَةٍ تُنَجِّيكُمْ مِنَ الإِشْرَاكِ باللَّهِ ، تَقْرَؤونَ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ عِنْدَ مَنَامِكُمْ" (١).
[١٥/ ٢٣١] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن عرباض بن سارية ﵁؛
أن النبيّ ﷺ كان يقرأ المسبِّحات (٢) قبل أن يرقد. قال الترمذي: حديث حسن.
[١٦/ ٢٣٢] وروينا عن عائشة ﵂ قالت:
كان النبيّ ﷺ لا
стр. 154
ينامُ حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر. قال الترمذي: حديث حسن.
[١٧/ ٢٣٣] وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود عن ابن عمر ﵄؛
أن النبيَّ ﷺ كان يقول إذا أخذ مضجعه: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي كفاني وآوَانِي، وأطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَليَّ فأفْضَلَ، وَالَّذي أعطانِي فأجْزَل، الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ؛ اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلهَ كُلِّ شَيْءٍ، أعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ".
[١٨/ ٢٣٤] وروينا في كتاب الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عه،
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلى فِرَاشِهِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتُوب إِلَيْهِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ النُّجُومِ، وَإِنْ كانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عالجٍ، وَإنْ كانَتْ عَدَدَ أيَّامِ الدُّنْيَا".
[١٩/ ٢٣٥] وروينا في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح، عن رجل من أسلم من أصحاب النبيّ ﷺ قال:
كنتُ جالسًا عند رسول الله ﷺ فجاء رجلٌ من أصحابه فقال: يا رسول اللَّهِ! لُدِغْتُ الليلةَ فلم أنم حتى أصبحتُ، قال: "مَاذَا؟ " قال: عقربٌ، قال: " أما إنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ
стр. 155
بكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرّ ما خَلَقَ لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى".
ورويناه أيضًا في سنن أبي داود وغيره من رواية أبي هريرة، وقد تقدّم (١) روايتنا له عن صحيح مسلم في باب: ما يقال عند الصباح والمساء.
[٢٠/ ٢٣٦] وروينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁؛
أن النبيّ ﷺ أوصى رجلًا إذا أخذ مضجعه أن يقرأ سورة الحشر وقال:" إنْ مِتَّ مِتَّ شَهِيدًا" أو قال: "مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ".
[٢١/ ٢٣٧] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عمر ﵄؛ أنه أمر رجلًا إذا أخذ مضجعه أن يقول: "اللَّهُمَّ أنْتَ خَلَقْتَ نَفْسِي وأنْتَ تَتَوَفَّاها، لَكَ مَمَاتُها وَمَحْياها، إنْ أحْيَيْتَها فاحْفَظْها، وَإنْ أمَتَّها فاغْفِرْ لَهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ العافِيَةَ" قال ابن عمر: سمعته من رسول الله ﷺ .
[٢٢/ ٢٣٨] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، حديث أبي هريرة ﵁ الذي قدّمناه في باب: ما يقول عند الصباح والمساء في قصة أبي بكر الصديق ﵁:
"اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفِسِي وَشَرّ الشَّيْطانِ وَشِرْكِهِ. قُلْها إذَا أَصْبَحْتَ وَإذَا أَمْسَيْتَ وَإذَا اضْطَجَعْتَ".
стр. 156
[٢٣/ ٢٣٩] وروينا في كتاب الترمذي، وابن السنني، عن شداد بن أوس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مُسْلِمٍ يأوي إلى فِرَاشِهِ فَيَقْرأُ سُورَةً مِنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى حِينَ يأخُذُ مَضْجَعَهُ إِلَاّ وَكَّلَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَ بِهِ مَلَكًا لا يَدَعُ شَيْئًا يَقْرَبُهُ يُؤْذِيهِ حتَّى يَهُبَّ مَتَى هَبَّ" إسناده ضعيف، ومعنى هبّ: انتبه وقام.
[٢٤/ ٢٤٠] وروينا في كتاب ابن السني، عن جابر ﵁،
أن رسول الله ﷺ قال:"إنَّ الرَّجُلَ إذَا أوَى إلى فِرَاشِهِ ابْتَدَرَهُ مَلَكٌ وَشَيْطانٌ، فَقَالَ المَلَكُ: اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِخَيْرٍ، فَقالَ الشَّيْطانُ: اخْتِمْ بِشَرّ، فإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ثُمَّ نامَ باتَ المَلَكُ يَكْلَؤهُ".
[٢٥/ ٢٤١] وروينا فيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄،
عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا اضطجع للنوم: "اللَّهُمَّ! باسْمِكَ رَبي وَضَعْتُ جَنْبِي فاغْفِرْ لي ذَنْبِي".
[٢٦/ ٢٤٢] وروينا فيه عن أبي أُمامة ﵁ قال:
سمعتُ النبيّ ﷺ يقولُ: "مَنْ أوَى إلى فِرَاشِهِ طاهِرًا، وَذَكَرَ اللَّهَ حَتَّى
стр. 157
يُدْرِكَهُ النُّعاسُ لَمْ يَتَقَلَّبْ ساعَةً مِنَ اللَّيْلِ يَسألُ اللَّهَ فِيها خَيْرًا مِنْ خَيْر الدُّنْيا والآخرَةِ إِلَاّ أعْطاهُ إيَّاهُ".
[٢٧/ ٢٤٣] وروينا فيه عن عائشة ﵂ قالت:
كان رسولُ الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: "اللَّهُمَّ أمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُما الوَارِثَ مِنِّي، وَانْصُرْنِي على عَدُوِّي وَأرِنِي ثَأْرِي، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَمِنَ الجُوعِ فإنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ".
قال العلماء: معنى اجعلهما الوارث مني: أي أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت؛ وقيل المراد بقاؤهما وقوتهما عند الكِبَر وضعف الأعضاء وباقي الحواس: أي اجعلهما وارثيْ قوّة باقي الأعضاء والباقِيَيْن بعدها؛ وقيل المراد بالسمع: وعي ما يسمع والعمل به، وبالبصر: الاعتبار بما يرى، وروي "واجعله الوارث مني" فَرَدَّ الهاء إلى الإِمتاع فوحَّدَه.
[٢٨/ ٢٤٤] وروينا فيه عن عائشة ﵂ أيضًا، قالت:
ما كان رسول الله ﷺ منذ صحبته ـ ينامُ حتى فارقَ الدنيا حتى يتعوّذ من الجبن والكسل، والسآمة والبخل، وسوءِ الكِبَر، وسوء المنظر في الأهل والمال، وعذاب القبر، ومن الشيطان وشركه.
[٢٩/ ٢٤٥] وروينا فيه عن عائشة أيضًا،
أنها كانتْ إذا أرادتْ النومَ
стр. 158
تقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ رُؤْيا صَالِحَةً، صَادِقَة غَيْرَ كاذِبَةً، نافِعَةً غَيْرَ ضَارَّةٍ. وكانتْ إذا قالت هذا قد عرفوا أنها غير متكلمة بشيء حتى تصبحَ أو تستيقظَ من الليل.
[٣٠/ ٢٤٦] وروى الإِمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود بإسناده، عن عليّ ﵁ قال:
ما كنتُ أرى أحدًا يعقل ينام قبل أن يقرأ الآيات الثلاث الأواخر من سورة البقرة. إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
[٣١/ ٢٤٧] وروي أيضًا عن عليّ: ما أرى أحدًا يعقلُ دخلَ في الإِسلام ينامُ حتى يقرأ آيةَ الكرسي.
[٣٢/ ٢٤٨] وعن إبراهيم النخعي قال:
كانوا يُعلّمونهم إذا أووا إلى فراشهم أن يقرؤوا المعوّذتين. وفي رواية: كانوا يستحبّون أن يقرؤوا هؤلاء السور في كلّ ليلة ثلاثَ مرات: قل هو الله أحد والمعوّذتين. إسناده صحيح على شرط مسلم.
واعلم أن الأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية لمن وُفِّق للعمل به، وإنما حذفنا ما زاد عليه خوفًا من الملل على طالبه والله أعلم؛ ثم الأولى أن يأتيَ الإِنسانُ بجميع المذكور في هذا الباب، فإن لم يتمكن اقتصرَ على ما يقدرُ عليه من أهمّه.
стр. 159
٦١ ـ بابُ كراهةِ النوْم مِن غيرِ ذِكْرِ اللَّه تَعالى
[١/ ٢٤٩] روينا في سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُر اللَّهَ تَعَالى فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِيهِ كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى تِرَةٌ" قلت: الترة (١) بكسر التاء المثناة فوق وتخفيف الراء، ومعناه: نقص، وقيل تبعة.
٦٢ ـ بابُ ما يقول إذا استيقظَ في الليل وأرادَ النَّومَ بعدَه
اعلم أن المستيقظ بالليل على ضربين: أحدهُما: من لا ينام بعدَه، وقد قدَّمنا في أوّل الكتاب أذكارَه. والثاني: من يُريد النوم بعدَه، فهذا يُستحبّ له أن يذكرَ الله تعالى إلى أن يغلبه النوم، وجاء فيه أذكار كثيرة، فمن ذلك ما تقدم في الضرب الأوّل. ومن ذلك:
[١/ ٢٥٠] ما رويناه في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁،
عن النبيّ ﷺ ، قال: "مَنْ تَعارَّ من اللَّيلِ فَقالَ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، والحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحانَ اللَّهِ، وَلا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أكْبَرُ، وَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلإِلَاّ باللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفرْ لي ـ أوْ دَعا ـ اسْتُجِيبَ لَهُ، فإنْ تَوَضَّأ قُبِلَتْ صَلاتُهُ" هكذا ضبطته في أصل سماعنا المحقق، وفي النسخ المعتمدة من البخاري،
стр. 160
وسقط قول "ولا إِله إلاّ الله" قبل "والله أكبر" في كثير من النسخ، ولم يذكره الحميدي أيضًا في الجمع بين الصحيحين، وثبت هذا اللفظ في رواية الترمذي وغيره، وسقط في رواية أبي داود، وقوله "اغفر لي أو دعا" هو شك من الوليد بن مسلم أحد الرواة، وهو شيخ البخاري وأبي داود والترمذي وغيرهم في هذا الحديث.
وقوله ﷺ "تعارّ" هو بتشديد الراء ومعناه: استيقظ.
[٢/ ٢٥١] وروينا في سنن أبي داود بإسناد لم يضعفه، عن عائشة ﵂،
أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قال: "لا إلهَ إِلَاّ أنْتَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، أسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وأسألُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بعد إذْ هَدَيْتَني وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ".
[٣/ ٢٥٢] وروينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت
كان ـ تعني رسول الله ﷺ إذا تعارّ من الليل قال: "لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفَّارُ".
[٤/ ٢٥٣] وروينا فيه بإسناد ضعيف عن أبي هريرة ﵁
أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:"إذَا رَدَّ اللَّهُ إلى العَبْدِ المُسْلِمِ نَفْسَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبَّحَهُ وَاسْتَغْفَرَهُ وَدَعاهُ تَقَبَّلَ مِنْهُ".
стр. 161
[٥/ ٢٥٤] وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه وابن السني بإسناد جيد، عن أبي هريرة ﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ :"إذَا قامَ أحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ مِنَ اللَّيْلِ ثم عادَ إِلَيْهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ ثَلاث مَرَّاتٍ، فإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، فإذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ: باسْمِكَ اللَّهُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أرْفَعُهُ، إِنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ رَدَدْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحين" قال الترمذي: حديث حسن. قال أهل اللغة: صَنِفة الإِزار: بكسر النون، جانبه الذي لا هدب فيه، وقيل جانبه؛ أيّ جانب كان.
[٦/ ٢٥٥] وروينا في موطأ الإِمام مالك ﵀ في باب الدعاء آخر كتاب الصلاة، عن مالك أنه بلغه عن أبي الدرداء ﵁؛
أنه كان يقوم من جوف الليل فيقول: نامَتِ العُيُونُ وَغارَتِ النُّجُومُ وأنْتَ حَيٌّ قَيُوم. قلت: معنى غارت: غربت.
٦٣ ـ بابُ ما يَقولُ إذا قلقَ في فراشِه فلم ينمْ
[١/ ٢٥٦] روينا في كتاب ابن السني، عن زيد بن ثابت رضي الله
стр. 162
عنه، قال:
شكوتُ إلى رسول الله ﷺ أرَقًا أصابني فقال:"قُلِ اللَّهُمَّ غارَتِ النُّجُومُ وَهَدأتِ العُيُونُ وأنْتَ حَيُّ قَيُّومٌ لا تَأخُذُكَ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، يا حيُّ يا قَيُّومُ أَهْدِىءْ لَيْلي، وأنِمْ عَيْنِي" فقلتُها، فأذهب اللَّه عني ما كنتُ أجد.
[٢/ ٢٥٧] وروينا فيه عن محمد بن يحيى بن حَبَّان ـ بفتح الحاء والباء الموحدة،
ـ أن خالد بن الوليد ﵁ أصابَه أرقٌ، فشكا ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فأمره أن يتعوّذ عند منامه بكلماتِ اللَّه التَّامَّات من غضبه، ومن شرّ عباده، ومن همزات الشياطين وأنْ يَحضرون. هذا حديث مرسل، محمد بن يحيى تابعي. قال أهل اللغة: الأرق هو السهر.
[٣/ ٢٥٨] وروينا في كتاب الترمذي بإسناد ضعيف، وضعَّفه الترمذي عن بُريدة ﵁، قال:
شكا خالد بن الوليد ﵁ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! ما أنام الليل من الأرق، فقال النبيّ ﷺ : "إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَما أظَلَّتْ، وَرَبَّ الأَرضينَ وَمَا أقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّياطِينِ وَمَا أضَلَّتْ، كُنْ لي جارًا مِنْ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا أنْ يَفْرطَ عليّ أحَدٌ مِنْهُمْ أو أنْ يَبْغي عليَّ، عَزَّ جارُكَ، وَجَلَّ ثَناؤُكَ وَلا إِلهَ غَيْرُكَ، وَلا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ".
стр. 163
٦٤ ـ بابُ ما يقولُ إذا كانَ يفزعُ في منامه
[١/ ٢٥٩] روينا في سنن أبي داود والترمذي وابن السني وغيرها، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه؛
أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات: "أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبهِ وَشَرِّ عِبادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونِ" قال: وكان عبد الله بن عمرو يعلمهنّ مَنْ عقل من بنيه، ومَنْ لم يعقل كتبه فعلقه عليه. قال الترمذي: حديث حسن. وفي رواية ابن السني: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فشكا أنه يفزعُ في منامه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِماتِ الله التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَمنْ شَرّ عِبادِهِ، وَمِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضرُونِ" فقالها، فذهب عنه.
٦٥ ـ بابُ ما يقولُ إذا رَأى في منامِه ما يُحِبُّ أو يَكرهُ
[١/ ٢٦٠] روينا في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁؛
أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "إذَا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يُحِبُّها، فإنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلْيَحْمَدِ اللَّه تَعالى عَلَيْها وَلْيُحَدّثْ بِها" وفي رواية "فَلا يُحَدِّثْ بِها إِلَاّ مَنْ يُحِبُّ، وَإذَا رأى غَيْرَ ذلكَ مِمَّا يَكْرَهُ فإنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها وَلا يَذْكُرْها لأحَدٍ فإنها لا تَضُّرُّهُ".
[٢/ ٢٦١] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي قَتادة رضي
стр. 164
الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ : "الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ" وفي رواية "الرُّؤْيا الحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَمَنْ رأى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمالِهِ ثَلاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطان، فإنهَا لا تَضُرُّهُ" وفي رواية "فَلْيَبْصُقْ" بدل: فلينفثْ، والظاهر أن المراد النفث، وهو نفخ لطيف لا ريق معه.
[٣/ ٢٦٢] وروينا في صحيح مسلم عن جابر ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا رأى أحَدُكُمُ الرُّؤيا يَكْرَهُها فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ باللَّه مِنَ الشَّيْطانِ ثَلاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ".
[٤/ ٢٦٣] وروى الترمذي من رواية أبي هريرة مرفوعًا:
"إذَا رأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يَكْرهَها فَلا يُحَدِّثْ بها أحَدًا وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ".
[٥/ ٢٦٤] وروينا في كتاب ابن السني وقال فيه: "إذَا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يَكْرَهُها فَلْيَتْفُلْ عن يَسَارِهِ ثَلاث مَرَّاتٍ، ثُمَّ ليَقُلِ: اللَّهمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَمَل الشَّيْطانِ وَسَيِّئاتِ الأحْلامِ؛ فإنَّهَا لَا تَكُونُ شَيْئًا".
٦٦ ـ بابُ ما يقولُ إذا قُصَّتْ عليه رُؤيا
[١/ ٢٦٥] روينا في كتاب ابن السني؛
أن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ قال له
стр. 165
رأيت رؤيا، قال: خَيْرًا رَأيْتَ وخَيْرًا يَكُونُ" وفي رواية "خَيْرًا تَلْقاهُ، وَشَرًّا تَوَقَّاهُ، خَيْرًا لَنا، وَشَرًّا على أعْدَائِنا، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ".
٦٧ ـ بابُ الحَثّ على الدًّعاء والاستغفارِ في النصفِ الثاني من كلِّ ليلة
[١/ ٢٦٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁
عن رسول الله ﷺ قال: "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الآخِر فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألُني فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِر لَهُ؟ " وفي رواية لمسلم "يَنزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ أنا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذي يَسألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ". وفي رواية"إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أوْ ثُلُثَاهُ".
стр. 166
[٢/ ٢٦٧] وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن عمرو بن عبسة ﵁
أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "أقْرَبُ ما يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخر، فإن اسْتَطَعْتَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٦٨ ـ بابُ الدُّعاءِ في جَميع ساعاتِ الليل كلِّه رجاءَ أن يُصادِفَ ساعةَ الإِجابة
[١/ ٢٦٨] روينا في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:
سمعت النبيّ ﷺ يقول: "إِنَّ في اللَّيْلِ لَساعَةً لا يُوافِقُها رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسألُ اللَّهَ تَعالى خَيْرًا مِنْ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلَاّ أعْطاهُ اللَّهُ إيَّاهُ، وَذلكَ كُلَّ لَيْلَةِ".
٦٩ ـ بابُ أسماء الله الحسنى
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنَى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف:١٨٠].
[١/ ٢٦٩] وعن أبي هريرة ﵁
أن رسول الله ﷺ قال:"إنَّ
بالقاف والمثناة، وروي "القريب" بدل "الرقيب"، وروي "المبين" بالموحدة بدل "المتين" بالمثناة فوق، والمشهور المثناة، ومعنى أحصاها: حفظها، هكذا فسره البخاري والأكثرون، ويؤيده أن في رواية في الصحيح "مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ" وقيل معناه من عرف معانيها وآمن بها، وقيل معناه: من أطاقها بحسن الرعاية لها وتخلَّق بما يمكنه من العمل بمعانيها، والله أعلم.
стр. 169
كتاب تلاوة القرآن
٧٠ ـ بابُ تلاوة القرآن
اعلم أن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار، والمطلوب القراءة بالتدبر، وللقراءة آدابٌ ومقاصد، وقد جمعت قبل هذا فيها كتاباُ مختصرًا (١) مشتملًا على نفائس من آداب القرّاء والقراءة وصفاتها وما يتعلق بها، لا ينبغي لحامل القرآن أن يخفى عليه مثله، وأنا أُشِيرُ في هذا الكتاب إلى مقاصدَ من ذلك مختصرة، وقد دللتُ من أراد ذلك وإيضاحه على مظنته، وبالله التوفيق.
[فصل]: ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، وقد كانت للسلف ﵃ عادات مختلفة في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعةٌ منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليالٍ ختمة، وآخرون في كل سبع ليالٍ ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف، وآخرون في كل ستّ ليال، وآخرون في خمس، وآخرون في أربع، وكثيرون في كل ثلاث، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، وختم
стр. 170
جماعة في كل يوم وليلة ختمتين. وآخرون في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وختم بعضهم في اليوم والليلة ثماني ختمات: أربعًا في الليل، وأربعًا في النهار: وممّن ختم أربعًا في الليل وأربعًا في النهار السيد الجليل ابن الكاتب الصوفي (١) ﵁، وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة.
وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور بن زاذان بن عباد التابعي ﵁ أنه كان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر، ويختمه أيضًا فيما بين المغرب والعشاء، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين وشيئًا، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل.
وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أنّ مجاهدًا ﵀ كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء.
وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يُحصون لكثرتهم، فمنهم عثمان بن عفان، وتميم الدّاري، وسعيد بن جبير.
والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له فهم ما يقرأ، وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم أو فصل الحكومات بين المسلمين أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامَّة للمسلمين، فليقتصر على قدر لا يحصل له بسببه إخلال بما هو مرصد له ولا فوت كماله، ومن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثْر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملل أو الهذرمة في القراءة.
стр. 171
وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدلّ عليه:
[١/ ٢٧٠] ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرها، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرأ القُرآنَ فِي أقَلّ مِنْ ثَلاثٍ".
وأما وقت الابتداء والختم فهو إلى خيرة القارىء، فإن كان ممّن يختم في الأسبوع مرّة، فقد كان عثمان ﵁ يبتدىء ليلة الجمعة ويختم ليلة الخميس، وقال الإِمام أبو حامد الغزالي في الإِحياء: الأفضل أن يختم ختمة بالليل، وأخرى بالنهار، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما، ليستقبل أوّل النهار وآخره.
وروى ابن أبي داود عن عمرو بن مرّة التابعي الجليل ﵁ قال: كانوا يحبّون أن يختم القرآن من أوّل الليل أو من أوّل النهار. وعن طلحة بن مصرف التابعي الجليل الإِمام قال: من ختم القرآن أية ساعة كانت من النهار صلّتْ عليه الملائكةُ حتى يمسي، وأية ساعة كانت من الليل صلَّت عليه الملائكةُ حتى يُصبح. وعن مجاهد نحوه.
[٢/ ٢٧١] وروينا في مسند الإِمام المجمع على حفظه وجلالته وإتقانه
стр. 172
وبراعته أبي محمد الدارمي ﵀، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلّت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلّت عليه الملائكة حتى يُمسي. قال الدارمي: هذا حسن عن سعد.
[فصل]: في الأوقات المختارة للقراءة، اعلم أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، ومذهب الشافعي وآخرين ﵏: أن تطويلَ القيام في الصلاة بالقراءة أفضلُ من تطويل السجود وغيره. وأما القراءةُ في غير الصلاة فأفضلُها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأوّل، والقراءةُ بين المغرب والعشاء محبوبة. وأما قراءةُ النهار فأفضلُها ما بعد صلاة الصبح، ولا كراهة في القراءة في وقت من الأوقات، ولا في أوقات النهي عن الصلاة. وأما ما حكاه ابن أبي داود ﵀ عن مُعان بن رفاعة ﵀ عن مشيخته (١) أنهم كرهوا القراءة بعدَ العصر وقالوا: إنها دراسة يهود، فغير مقبول ولا أصل له، ويختار من الأيام: الجمعة، والاثنين، والخميس، ويوم عَرَفَة؛ ومن الأعشار: العشر الأوّل من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان؛ ومن الشهور: رمضان.
[فصل]: في آداب الختم وما يتعلق به، قد تقدم أن الختم للقارىء وحدَه يُستحب أن يكون في صلاة. وأما من يختم في غير صلاة، والجماعة الذين يختمون مجتمعين، فيُستحبّ أن يكون ختمُهم في أوّل الليل أو في أوّل النهار كما تقدم. ويُستحبّ صيام يوم الختم إلا أن يُصادف يومًا نهى الشرعُ عن صيامه. وقد صحّ عن طلحة بن مصرّف والمسيّب بن رافع وحبيب بن أبي ثابت التابعيّينَ الكوفيّينَ ﵏ أجمعين؛ أنهم كانوا
стр. 173
يُصبحون صيامًا اليوم الذي يختمون فيه. ويُستحبّ حضورُ مجلس الختم لمن يقرأ ولمن لا يُحسن القراءة.
[٣/ ٢٧٢] روينا في الصحيحين:
أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمر الحُيَّضَ بالخروج يومَ العيد فيشهدْنَ الخيرَ ودعوةَ المسلمين.
[٤/ ٢٧٣] وروينا في مسند الدارمي عن ابن عباس ﵄
أنه كان يجعل رجلًا يُراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختمَ أعلم ابنَ عباس ﵄، فيشهد ذلك.
[٥/ ٢٧٤] وروى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين، عن قَتادَة التابعيّ الجليل الإِمام صاحب أنس ﵁ قال:
كان أنسُ بن مالك ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. وروَى بأسانيد صحيحة عن الحكم بن عُتَيْبَةَ ـ بالتاء المثناة فوق والمثناة تحت ثم الباء الموحدة ـ التابعي الجليل الإِمام قال: أرسل إليّ مجاهد وعَبْدَةُ بن أبي لُبابة فقالا: إنّا أرسلا إليك لأنّا أردنا أن نختم القرآن، والدعاء يُستجاب عند ختم القرآن.
وروى بإسناده الصحيح عن مُجاهد قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن يقولون: تنزلُ الرحمةُ.
[فصل]: ويُستحبّ الدعاء عند الختم استحبابًا متأكدًا شديدًا لما قدّمناه.
стр. 174
[٦/ ٢٧٥] وروينا في مسند الدارمي عن حُميد الأعرج ﵀، قال:
مَن قرأ القرآن ثم دعا أمَّنَ على دعائه أربعةُ آلاف مَلَك.
وينبغي أن يُلحّ في الدعاء، وأن يدعوَ بالأمور المهمة والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك أو كله، في أمور الآخرة وأمور المسلمين وصلاح سلطانهم وسائر ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات، وعِصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البرّ والتقوى، وقيامهم بالحقّ واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين وسائر المخالفين، وقد أشرت إلى أحرف من ذلك في كتاب آداب القرّاء، وذكرتُ فيه دعوات وجيزة من أراد نقلَهَا منه. وإذا فرغ من الختمة فالمستحبّ أن يشرع في أخرى متصلًا بالختم فقد استحبّه السَّلفُ واحتجّوا فيه بحديث:
[٧/ ٢٧٦] عن أنس ﵁
أن رسول الله ﷺ قال: "خَيْرُ الأعْمالِ الحَلُّ وَالرِّحْلَةُ" قيل: وما هما؟ قال: "افْتِتاحُ القُرآنِ وَخَتْمُهُ".
[فصل]: فيمن نام عن حزبه ووظيفته المعتادة.
[٨/ ٢٧٧] روينا في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁
стр. 175
قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرأهُ ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وَصلاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كأنَما قَرأهُ مِنَ اللَّيْلِ".
[فصل]: في الأمر بتعهد القرآن، والتحذير من تعريضه للنسيان.
[٩/ ٢٧٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعريّ ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ، فَوَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ في عُقُلها".
[١٠/ ٢٧٩] وروينا في صحيحيهما، عن ابن عمر ﵄؛
أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا مَثَلُ صاحِبِ القُرآنِ كَمَثَلِ الإِبلِ المُعقَّلَةِ إِنْ عاهَدَ عَلَيْها أمْسَكَها، وَإِنْ أطْلَقَها ذَهَبَتْ".
[١١/ ٢٨٠] وروينا في كتاب أبي داود والترمذي، عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُها الرَّجُلُ مِن المَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنبًا أعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرآنِ أوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَها" تكلم الترمذي فيه.
стр. 176
[١٢/ ٢٨١] وروينا في سنن أبي داود ومسند الدارمي، عن سعد بن عبادة ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ قَرأ القُرآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالى يَوْمَ القِيامَةِ أجْذَمَ".
[فصل]: في مسائل وآداب ينبغي للقارىء الاعتناء بها، وهي كثيرة جدًا، نذكرُ منها أطرافًا محذوفة الأدلة لشهرتها، وخوف الإِطالة المملّة بسببها. فأوّل ما يُؤمر به: الإِخلاص في قراءته، وأن يُريدَ بها اللَّهَ ، وأن لا يقصدَ بها توصلًا إلى شيء سوى ذلك، وأن يتأدَّبَ مع القرآن ويستحضرَ في ذهنه أنه يناجي اللَّهَ ويتلو كتابه، فيقرأ على حالِ مَن يرى الله، فإنه إن لم يره فإن اللَّه تعالى يراه.
[فصل]: وينبغي أنه إذا أراد القراءة أن ينظّفَ فَمَهُ بالسِّواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكونَ بعود الأراك، ويجوز بغيره من العيدان، وبالسعد والأشنان، والخرقة الخشنة، وغير ذلك مما ينظف. وفي حصوله بالأصبع الخشنة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي: أشهرُها عندهم لا يحصل، والثاني: يحصل، والثالث: يحصل إن لم يجد غيرها، ولا يحصل إن وجد. ويستاك عرضًا مبتدئًا بالجانب الأيمن من فمه، وينوي به الإِتيان بالسنّة. وقال بعض أصحابنا: يقول عند السواك: اللهمَّ بارك لي فيه يا أرحم الراحمين! ويَستاك في ظاهر الأسنان وباطنها، ويمرّ بالسواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمرارًا لطيفًا، ويستاك بعود متوسط، لا شديد اليبوسة، ولا شديد اللين، فإن اشتدّ يبسه ليَّنه بالماء. أما إذا كان فمه نجسًا بدم أو غيره، فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله، وهل
стр. 177
يحرم؟ فيه وجهان: أصحُّهما لا يحرمُ، وسبقت المسألة أوّل الكتاب، وفي هذا الفصل بقايا تقدّم ذكرها في الفصول التي قدمتها في أوّل الكتاب.
[فصل]: ينبغي للقارىء أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر. وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة أو معظم ليلة يتدبرها عند القراءة. وصعق جماعة منهم، ومات جماعات منهم.
ويستحبّ البكاء والتباكي لمن لا يقدر على البكاء، فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]. وقد ذكرتُ آثارًا كثيرة وردت في ذلك في (التبيان في آداب حملة القرآن).
قال السيد الجليل صاحب الكرامات والمعارف والمواهب واللطائف إبراهيم الخوَّاص ﵁: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
[فصل]: قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه، هكذا قاله أصحابنا، وهو مشهور عن السلف ﵃، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارىء من حفظه يحصل له من التدبر والتفكّر وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف.
[فصل]: جاءت آثار بفضيلة رفع الصوت بالقراءة وآثار بفضيلة الإِسرار. قال العلماء: والجمع بينهما أن الإِسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل
стр. 178
في حقّ مَن يخاف ذلك، فإن لم يَخَفِ الرياءَ فالجهر أفضل، بشرط أن لا يؤذي غيره من مصلٍّ أو نائم أو غيرهما. ودليل فضيلة الجَهْر أن العمل فيه أكثر، لأنه يتعدى نفعه إلى غيره، ولأنه يُوقظ قلب القارىء ويجمع همَّه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه، ولأنه يطردُ النومَ ويزيد في النشاط ويُوقظ غيره من نائم وغافل ويُنشِّطه، فمتى حضره شيء من هذه النيّات فالجهرُ أفضل.
[فصل]: ويستحبّ تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها (١) ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن أفرط (٢) حتى زاد حرفًا أو أخفى حرفًا هو حرام. وأما القراءة بالألحان فهي على ما ذكرناه إن أفر فحرام، وإلا فلا، والأحاديث بما ذكرناه في تحسين الصوت كثيرة مشهورة في الصحيح وغيره؛ وقد ذكرتُ في آداب القُرَّاءِ قطعة منها.
[فصل]: ويُستحبّ للقارىء إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدىء من أوّل الكلام المرتبط بعضه ببعض، وكذلك إذا وقفَ يقفَ على المرتبط وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيّدُ في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كثيرًا منها في وسط الكلام المرتبط بالكلام، ولا يغترُّ الإِنسانُ بكثرة الفاعلين لهذا الذي نهينا عنه ممّن لا يُراعِي هذه الآداب، وامتثِلْ ما قاله السيد الجليل أبو علي الفُضَيْل بن عِياض ﵁: لا تستوحشْ طرقَ الهدى لقلّة أهلها، ولا تغترّ بكثرة الهالكين، ولهذا المعنى
стр. 179
قال العلماء: قراءة سورة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من سورة طويلة، لأنه قد يخفى الارتباط على كثير من الناس أو أكثرهم في بعض الأحوال والمواطن.
[فصل]: ومن البدع المنكرة ما يفعلُه كثيرون من جهلة المصلّين بالناس التراويحَ من قراءة سورة (الأنعام) بكمالها في الركعة الأخيرة منها في الليلة السابعة، معتقدين أنها مستحبة، زاعمين أنها نزلت جملة واحدة، فيجمعون في فعلهم هذا أنواعًا من المنكرات: منها اعتقادها مستحبة، ومنها إيهام العوّام ذلك، ومنها تطويل الركعة الثانية على الأولى، ومنها التطويل على المأمومين، ومنها هذرمة القراءة، ومنها المبالغة في تخفيف الركعات قبلها.
[فصل]: يجوز أن يقولَ: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهة في ذلك؛ وقال بعض السلف: يُكره ذلك، وإنما يقال السورة التي تُذكر فيها البقرة، والتي يُذكر فيها النساء، وكذلك الباقي، والصواب الأوّل، وهو قولُ جماهير علماء المسلمين من سلف الأمة وخلفها، والأحاديثُ فيه عن رسول الله ﷺ أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم؛ وكذلك لا يُكره أن يُقال: هذه قراءة أبي عمرو، وقراءةُ ابن كثير وغيرهما، هذا هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه عمل السلف والخلف من غير إنكار، وجاء عن إبراهيم النخعي ﵀ أنه قال: كانوا يكرهون سنّة فلان، وقراءة فلان، والصواب ما قدّمناه.
[فصل]: يُكره أن يقول نسيتُ آية كذا أو سورة كذا، بل يقول أُنسيتها أو أسقطتها.
стр. 180
[١٣/ ٢٨٢] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن مسعود ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، بَلْ هُوَ نُسِّيَ" وفي رواية الصحيحين أيضًا "بِئْسمَا لأحَدِهِمْ أنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ".
[١٤/ ٢٨٣] وروينا في صحيحيهما، عن عائشة ﵂؛
أن النبيّ ﷺ سمع رجلًا يقرأ فقال: "﵀ لَقَدْ أذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أسْقَطْتُهَا" وفي رواية في الصحيح "كُنْتُ أُنْسِيتُها".
[فصل]: اعلم أن آداب القارىء والقراءة لا يمكن استقصاؤها في أقلّ من مجلدات، ولكنا أردنا الإِشارة إلى بعض مقاصدها المهمات بما ذكرناه من هذه الفصول المختصرات، وقد تقدم في الفصول السابقة في أوّل الكتاب شيء من آداب الذاكر والقارىء، وتقدم أيضًا في أذكار الصلاة جمل من الآداب المتعلقة بالقراءة، وقد قدّمنا الحوالة على كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" لمن أراد مزيدًا، وبالله التوفيق، وهو حسبي ونِعمَ الوكيل.
[فصل]: اعلم أن قراءة القرآن آكد الأذكار كما قدّمنا، فينبغي المداومة عليها، فلا يُخلي عنها يومًا وليلة، ويحصل له أصلُ القراءة بقراءة الآيات القليلة.
[١٥/ ٢٨٤] وقد روينا في كتاب ابن السني عن أنس ﵁،