[٢/ ٨١] وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أدْبَرَ الشَّيْطانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حتَّى لا يَسْمَعَ التَّأذِينَ" رواه البخاري ومسلم.
[٣/ ٨٢] وعن معاوية ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المُؤَذّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعناقًا يَوْمَ القِيامَةِ" رواه مسلم.
[٤/ ٨٣] وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذّنِ جنّ ولا شيءٌ إِلَاّ شَهدَ لَهُ يَوْمَ القِيامة" رواه البخاري، والأحاديث في فضله كثيرة.
واختلف أصحابنا في الأذان والإِقامة أيّهما أفضل على أربعة أوجه: الأصحّ أن الأذان أفضل، والثاني: الإِمامة أفضل، والثالث: هما سواء، والرابع: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإِمامة واستجمع (١) خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان أفضل.
٢٥ ـ بابُ صِفَةِ الأَذان
اعلم أن ألفاظه مشهورة، والترجيعُ عندنا سنّة، وهو أنه إذا قال بعالي (٢) صوته: اللَّهُ أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، قال سرًّا بحيث يُسمع نفسَه ومَن بقربه: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله،
стр. 72
أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمدًا رسول الله. ثم يعودُ إلى الجهر وإعلاء الصوت، فيقول: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله، أشهدُ أنْ لا إله إلاّ الله، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمدًا رسول الله، والتثويبُ أيضًا مسنون عندنا، وهو أن يقول في أذان الصبح خاصة بعد فراغه من حيّ على الفلاح: الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم، وقد جاءت الأحاديث بالترجيع والتثويب، وهي مشهورة.
واعلم أنه لو تَرَكَ الترجيعَ والتثويبَ صحّ أذانه وكان تاركًا للأفضل. ولا يصحّ أذان مَن لا يُميِّزُ، ولا المرأة، ولا الكافر. ويصحّ أذان الصبيّ المميز، وإذا أذّن الكافر وأتى بالشهادتين كان ذلك إسلامًا على المذهب الصحيح المختار. وقال بعض أصحابنا: لا يكون إسلامًا، ولا خلاف أنه لا يصحّ أذانه، لأن أوّله كان قبل الحكم بإسلامه. وفي الباب فروع كثيرة مقرّرة في كتب الفقه ليس هذا موضع إيرادها.
٢٦ ـ بابُ صِفَةِ الإِقامة
المذهب الصحيح المختار الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة أن الإِقامة إحدى عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر، أشهدُ أن لا إله إلَاّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاّ الله.
[فصل]: واعلم أن الأذانَ والإِقامةَ سنّتان عندنا على المذهب الصحيح المختار، سواء في ذلك أذان الجمعة وغيرها. وقال بعض أصحابنا: هما فرض كفاية. وقال بعضهم: هما فرض كفاية في الجمعة دون غيرها. فإن قلنا فرض كفاية، فلو تركه أهلُ بلدٍ أو مَحَلَّةٍ قُوتلوا على
стр. 73
تركه. وإن قلنا سنّة لم يُقاتلوا على المذهب الصحيح المختار، كما لا يُقاتَلون على سنّة الظهر وشبهها. وقال بعض أصحابنا: يُقاتَلون لأنه شعار ظاهر.
[فصل]: ويُستحبُّ ترتيل الأذان ورفع الصوت به، ويستحبّ إدراج الإقامة (١)، ويكون صوتها أخفض من الأذان، ويستحبّ أن يكون المؤذنُ حسن الصوت ثقةً مأمونًا خبيرًا بالوقت متبرعًا؛ ويستحبّ أن يؤذّن ويقيم قائمًا على طهارة وموضع عال، مستقبل القبلة، فلو أذّن أو أقام مستدبر القبلة أو قاعدًا أو مضطجعًا أو مُحدثًا أو جُنبًا صحّ أذانه وكان مكروهًا، والكراهية في الجُنب أشدّ من المحدث، وكراهة الإِقامة أشد.
[فصل]: لا يُشرع الأذان إلا للصلوات (٢) الخمس: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وسواء فيها الحاضرة والفائتة، وسواء الحاضر والمسافر، وسواء من صلَّى وحده أو في جماعة. وإذا أذّن واحدٌ كفى عن الباقين. وإذا قضى فوائت في وقت واحد أذّن للأولى وحدها، وأقام لكلّ صلاة. وإذا جمع بين الصلاتين أذّن للأولى وحدها وأقام لكل واحدة. وأما غير الصلوات الخمس فلا يؤذّن لشيء منها بلا خلاف. ثم منها ما يستحبّ أن يقال عند إرادة صلاتها في جماعة: الصلاة جامعة، مثل العيد والكسوف والاستسقاء، ومنها ما اختلف فيه كصلاة التراويح والجنازة، والأصحّ أنه يأتي به في التراويح دون الجنازة.
стр. 74
[فصل]: ولا تصحّ الإِقامة إلا في الوقت وعند إرادة الدخول في الصلاة، ولا يصحّ الأذان إلا بعد دخول وقت الصلاة إلا الصبح، فإنه يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت. واختُلف في الوقت الذي يجوز فيه، والأصحّ أنه يجوز بعد نصف الليل، وقيل: عند السَّحَر، وقيل: في جميع الليل، وليس بشيء، وقيل: بعد ثلثي الليل، والمختار الأوّل.
[فصل]: وتقيم المرأة والخنثى المشكل، ولا يؤذّنان لأنهما منهيّان عن رفع الصوت.
٢٧ ـ بابُ ما يقولُ مَنْ سمعَ المؤذّنَ والمقيمَ
يُستحبّ أن يقول من سمع المؤذّن والمقيم: مثل قوله، إلا في قوله حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فإنه يقول في دُبُر كل لفظة: لا حول ولا قوّة إلا بالله. ويقول في قوله: الصلاة خير من النوم: صدقتَ وبررتَ، وقيل يقول: صدق رسول الله ﷺ : الصلاةُ خيرٌ من النوم. ويقول في كلمتي الإِقامة: أقامها الله وأدامها، ويقول عقيب قوله: أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله؛ ثم يقول: رضيتُ بالله ربًّا (١)، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، وبالإِسلام دينًا. فإذا فرغَ من المتبعة في جميع الأذان صلَّى وسلَّم على النبي ﷺ ، ثم قال: اللهمّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمّدًا الوسيلةَ والفضيلة، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته، ثم يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا.
[١/ ٨٤] روينا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
قال رسول
стр. 75
الله ﷺ : "إذا سَمِعْتُمُ النِّداءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذّنُ" رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
[٢/ ٨٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄،
أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "إذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا علَبَّ، فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلَاّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ الله وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ" رواه مسلم في صحيحه.
[٣/ ٨٦] وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا قالَ المُؤَذّنُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ أحَدُكُمْ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، قالَ: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بالله؛ ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الفَلاح، قالَ: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ؛ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبرُ؛ ثمَّ قالَ: لا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ، قالَ: لا إلهَ إِلَاّ الله مِنْ قَلْبه دَخَلَ الجنَّة". رواه مسلم في صحيحه.
[٤/ ٨٧] وعن سعد بن أبي وقاص ﵁
عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذّنَ: أشْهَدُ أنْ لا إله إلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللَّهِ رَبًّا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا،
стр. 76
وبالإِسْلامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ" وفي رواية "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذّنَ: وأنا أشْهَدُ" رواه مسلم في صحيحه.
[٥/ ٨٨] وروينا في سنن أبي داود، عن عائشة ﵂ بإسناد صحيح:
أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذّن يتشهد، قال: "وأنا وأنا".
[٦/ ٨٩] وعن جابر بن عبد الله ﵄:
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قال حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبِّ هَذهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ القائِمةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ" رواه البخاري في صحيحه.
[٧/ ٩٠] وروينا في كتاب ابن السني عن معاوية:
كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذّن يقول: حيّ على الفلاح، قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مُفْلِحِين".
[٨/ ٩١] وروينا في سنن أبي داود، عن رجل، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي أمامة ـ أو عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ
أنَّ بلالًا أخذ في الإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبيّ ﷺ :"أقامَها اللَّهُ وأدَامَها"، وقال في سائر ألفاظ الإِقامة كنحو حديث عمر في الأذان.
[٩/ ٩٢] وروينا في كتاب ابن السني، عن أبي هريرة:
أنه كان إذا
стр. 77
سمع المؤذّن يُقيم يقول: اللهمّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمَّد وآته سؤلَه يومَ القيامة.
[فصل]: إذا سمع المؤذنَ أو المقيم وهو يصلي لم يجبه في الصلاة، فإذا سلَّم منها أجابه كما يجيبه مَن لا يُصلي، فلو أجابه في الصلاة كُرِه ولم تبطلْ صلاتُه، وهكذا إذا سمعه وهو على الخلاء لا يُجيبه في الحال، فإذا خرج أجابه، فأما إذا كان يقرأ القرآن أو يسبّح أو يقرأ حديثًا أو عِلْمًا آخر أو غير ذلك، فإنه يقطع جميع هذا ويجيب المؤذِّنَ ثم يعود إلى ما كان فيه، لأن الإِجابة تفوت، وما هو (١) فيه لا يفوت غالبًا، وحيث لم يتابعه حتى فرغ المؤذّن يستحبّ أن يتدارك المتابعة ما لم يطل الفصل.
٢٨ ـ بابُ الدُّعاء بعد الأذان
[١/ ٩٣] روينا عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بَينَ الأذَانِ والإِقامَةِ" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن السني وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وزاد الترمذي (٢) في روايته في كتاب الدعوات من جامعه، قالوا: فماذا نقول يارسول الله؟! قال: "سَلُوا الله العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ".
стр. 78
[٢/ ٩٤] وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄:
أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن المؤذّنين يفضُلُوننا، فقال رسول الله ﷺ : "قُلْ كما يَقُولونَ فإذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَه" رواه أبو داود ولم يضعفه.
[٣/ ٩٥] وروينا في سنن أبي داود أيضًا، في كتاب الجهاد بإسناد صحيح، عن سهل بن سعد ﵁ قال:
قال رسولُ الله ﷺ : "ثِنْتانِ لا تُرَدَّانِ ـ أوْ قالَ: ما تُرَدَّانِ ـ الدُّعاءُ عِنْدَ الندَاءِ، وَعِنْدَ البأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا" قلت: في بعض النسخ المعتمدة يلحم بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر.
٢٩ ـ باب ما يقولُ بعدَ ركعتي سنّة الصُّبح
[١/ ٩٦] روينا في كتاب ابن السني عن أبي المُلَيْح، واسمه عامر بن أُسامة، عن أبيه ﵁
أنه صلّى ركعتيّ الفجر، وأن رسول الله صلَّى قريبًا منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعه يقول وهو جالس:" اللَّهُمَّ رَبّ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكائِيلَ ومُحَمَّدٍ النَّبي ﷺ ، أعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ".
стр. 79
[٢/ ٩٧] وروينا فيه عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال:"مَنْ قَالَ صَبيحَةَ يَوْمِ الجُمعَة قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إلهَ إِلَاّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتُوبُ إلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ".
٣٠ ـ بابُ ما يقولُ إذا انتهى إلى الصَّفّ
[١/ ٩٨] روَينا عن سعد بن أبي وقاص ﵁
أن رجلًا جاء إلى الصلاة ورسول الله ﷺ يُصَلِّي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهمّ آتني أفضل ما تُؤتي عبادك الصالحين؛ فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "مَنِ المُتَكَلِّمُ آنِفًا؟ قَالَ: أنا يا رَسُولَ الله! قال: إذَنْ يُعْقَر جَوَادُكَ وَتَسْتَشْهِد في سَبِيلِ الله تَعَالى" رواه النسائي وابن السني، ورواه البخاري في تاريخه في ترجمة محمد بن مسلم بن عائذ.
٣١ ـ بابث ما يقولُ عند إرادته القيامَ إلى الصَّلاة
[١/ ٩٩] روينا في كتاب ابن السني عن أُمّ رافعٍ ﵂، أنها قالت:
يا رسول الله! دُلَّني على عملٍ يأجرني الله عليه؟ قال: "يا أُمَّ رَافِعٍ إذَا قُمْتِ إلى الصَّلاةِ فَسَبِّحِي اللَّهَ تَعَالى عَشْرًا، وَهَلِّلِيهِ عَشْرًا،
стр. 80
واحْمَدِيهِ عَشْرًا، وكَبِّرِيهِ عَشْرًا، وَاسْتَغْفِرِيهِ عَشْرًا؛ فإنَّكِ إذَا سَبَّحْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا هَلَّلْتِ قالَ: هَذَا لِي، وَإذَا حَمِدْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا كَبَّرْتِ قالَ: هَذَا لي، وَإذَا اسْتَغْفَرْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ".
٣٢ ـ بابُ الدُّعاء عند الإِقامة
[١/ ١٠٠] روى الإِمام الشافعي بإسناده في الأُمّ حديثًا مرسلًا:
أنَّ رسول الله ﷺ قال:"اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدُّعاءِ عِنْدَ التقاءِ الجُيُوشِ، وَإقامَةِ الصَّلاةِ، وَنُزُولِ الغَيْثِ" وقال الشافعي: وقد حفظت عن غير واحد طلب الإِجابة (١) عند نزول الغيث وإقامة الصلاة.
стр. 81
(كتاب ما يقوله إذا دخل في الصّلاة) (١)
٣٣ ـ بابُ ما يقولُه إذا دخلَ في الصَّلاة
اعلم أن هذا الباب واسع جدًا، وجاءت فيه أحاديث صحيحة كثيرة من أنواع عديدة، وفيه فروع كثيرة في كتب الفقه ننبّه هنا منها على أصولها ومقاصدِها دون دقائقها ونوادرها، وأحذفُ أدلّة معظمها إيثارًا للاختصار، إذ ليس هذا الكتاب موضوعًا لبيان الأدلة، إنما هو لبيان ما يُعمل به، والله سبحانه الموفّق.
٣٤ ـ بابُ تكبيرةِ الإِحْرام
اعلم أن الصلاةَ لا تصحّ إلا بتكبيرة الإِحرام فريضة كانت أو نافلة. والتكبيرةُ عند الشافعي والأكثرين جزء من الصلاة وركن من أركانها. وعند أبي حنيفة هي شرطٌ ليست من نفس الصلاة.
واعلم أن لفظ التكبير أن يقول: الله أكبر، أو يقول: الله الأكبر، فهذان جائزان عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، ومنع مالك الثاني، فالاحتياط أن يأتي الإِنسان بالأوّل ليخرج من الخلاف، ولا يجوز التكبير
стр. 82
بغير هذين اللفظين. فلو قال: الله العظيم، أو الله المتعال، أو الله أعظم، أو أعزّ، أو أجلّ، وما أشبه هذا، لم تصحّ صلاته عند الشافعي والأكثرين، وقال أبو حنيفة: تصحّ. ولو قال: أكبرُ الله، لم تصحّ على الصحيح عندنا، وقال بعض أصحابنا: تصح كما لو قال في آخر الصلاة: عليكم السلام، فإنه يصحّ على الصحيح.
واعلم أنه لا يصحّ التكبير ولا غيره من الأذكار حتى يتلفظ بلسانه بحيث يسمع نفسه إذا لم يكن له عارض، وقد قدّمنا بيان هذا في الفصول التي في أوّل الكتاب، فإن كان بلسانه خرسٌ أو عيبُ حرَّكَه بقدر ما يقدرُ عليه وتصحُّ صلاته.
واعلم أنه لا يصحُّ التكبير بالعجمية لمن قدر عليه بالعربية، وأما من لا يقدر فيصحّ ويجب عليه تعلّم العربية، فإن قصَّرَ في التعلم لم تصحّ صلاته وتجب إعادة ما صلَاّه في المدة التي قصَّرَ فيها عن التعلم.
واعلم أن المذهب الصحيح المختار أن تكبيرة الإِحرام لا تمدّ ولا تمطّط، بل يقولها مدرجة مسرعة، وقيل تمدّ، والصواب الأوّل. وأما باقي التكبيرات فالمذهب الصحيح المختار استحباب مدّها إلى أن يصل إلى الركن الذي بعدها، وقيل لا تمدّ، فلو مدّ ما لا يمدّ أو ترك مدّ ما يمدّ لم تبطل صلاته، لكن فاتته الفضيلة.
واعلم أن محلّ المدّ بعد اللام من الله ولا يمدّ في غيره.
[فصل]: والسنّة أنَّ يجهر الإِمام بتكبيرة الإِحرام وغيرها ليسمعَه المأمومُ، ويسرّ المأموم بها بحيث يُسْمِعُ نفسه، فإن جهر المأموم أو أسرّ الإِمام لم تفسد صلاته، وليحرص على تصحيح التكبير، فلا يمدّ في غير
стр. 83
موضعه، فإن مدّ الهمزة من الله، أو أشبع فتحة الباء من أكبر بحيث صارت على لفظ أكبار لم تصحّ صلاته.
[فصل]: اعلم أن الصلاة التي هي ركعتان شُرِع فيها إحدى عشرة تكبيرة، والتي هي ثلاث ركعات سبع عشرة تكبيرة، والتي هي أربع ركعات اثنتان وعشرون تكبيرة، فإن في كل ركعة خمس تكبيرات: تكبيرة للركوع، وأربعًا للسجدتين والرفع منهما. وتكبيرة الإِحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأوّل.
ثم اعلم أن جميع هذه التكبيرات سنّة لو تركها عمدًا أو سهوًا لا تبطلُ صلاتُه ولا تحرم عليه ولا يسجد للسهو، إلا تكبيرة الإِحرام فإنها لا تنعقد الصلاة إلا بها بلا خلاف، والله أعلم.
٣٥ ـ بابُ ما يقوله بعد تكبيرة الإِحرام
اعلم أنه قد جاءت فيه أحاديث كثيرة يقتضي مجموعها أن يقول: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ الله بُكْرَةً وَأصِيلًا، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما أنا من المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنَا مِنَ المُسْلِمينَ، اللَّهُمَّ أنْتَ المَلكُ لا إلهَ إِلَاّ أنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وأنا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جَمِيعًا، فإنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أنْتَ، وَاهْدِني لأحْسَنِ الأخْلاقِ لا يَهْدِي لأحْسَنها إلَاّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها لا يَصْرِفُ سَيِّئَها إِلَاّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ والخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أنا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبارَكْتَ وَتعالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ. ويقول: اللَّهُمَّ باعِد بَيْني وبَيْنَ خَطايايَ كما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطايايَ كما يُنَقّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطايايَ بالثَّلْجِ وَالمَاءِ وَالبَرَدِ.
стр. 84
فكل هذا المذكور ثابت في الصحيح عن رسول الله ﷺ .
وجاء في الباب أحاديث أُخَر منها:
[١/ ١٠١] حديث عائشة ﵂:
كان النبيّ ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعالى جَدُّكَ، وَلَا إلهَ غَيْرُكَ". رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بأسانيد ضعيفة، وضعّفه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري وضعفوه.
قال البيهقي: وروي الاستفتاح بـ "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" عن ابن مسعود مرفوعًا، وعن أنس مرفوعًا، وكلها ضعيفة. قال: وأصحُّ ما روي فيه عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم رواه بإسناده عنه؛ أنه كبر ثم قال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وتَعَالى جَدُّكَ، وَلا إلهَ غَيْرُك. (١). والله أعلم.
[٢/ ١٠٢] وروينا في سنن البيهقي، عن الحارث، عن عليّ رضي الله
стр. 85
عنه قال:
كان النبيُّ ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: "لا إلهَ إِلَاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَعَمِلْتُ سُوءًا فاغْفِرْ لي إنَّهُ لا يَغْفرُ الذنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، وَجَّهْتُ وَجْهيَ. إلى آخِرِه" وهو حديث ضعيف، قال: الحارث الأعور: متفق على ضعفه، وكان الشعبيّ يقول: الحارث كذّاب، والله أعلم.
وأما قوله ﷺ : "وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ" فاعلم أن مذهب أهل الحق من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين أن جميع الكائنات خيرها وشرَّها، نفعَها وضَرّها كلها من الله ، وبإرادته وتقديره، وإذا ثبت هذا فلا بدّ من تأويل هذا الحديث، فذكر العلماء فيه أجوبة: أحدها: وهو أشهرها قاله النضر بن شُمَيْلِ والأئمة بعده، معناه: والشرّ لا يتقرّب به إليك، والثاني: لا يصعد إليك، إنما يصعد الكَلِم الطيب، والثالث: لا يضاف إليك أدبًا، فلا يقال: (يا خالق الشَّرِّ وإن كان خالقه، كما لا يقال) (١) يا خالق الخنازير وإن كان خالقها، والرابع: ليس شرًّا بالنسبة إلى حكمتك، فإنك لا تخلق شيئًا عبثًا، والله أعلم.
[فصل]: هذا ما ورد من الأذكار في دعاء التوجه، فيستحبّ الجمع بينها كلها لمن صلى منفردًا، وللإِمام إذا أذن له المأمومون. فأما إذا لم يأذنوا له فلا يطوِّل عليهم بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُنَ اقتصارُه على: وجّهت وجهي إلى قوله: من المسلمين، وكذلك المنفرد الذي يُؤثر التخفيف.
واعلم أن هذه الأذكار مستحبّة في الفريضة والنافلة، فلو تركه في
стр. 86
الركعة الأولى عامدًا أو ساهيًا لم يفعله بعدَها لفوات محله، ولو فعله كان مكروهًا ولا تبطل صلاته، ولو تركه عقيب التكبيرة حتى شرع في القراءة أو التعوّذ فقد فات محله فلا يأتي به، فلو أتى به لم تبطل صلاتُه، ولو كان مسبوقًا أدرك الإِمام في إحدى الركعات أتى به إلا أن يخاف من اشتغاله به فوات الفاتحة، فيشتغل بالفاتحة فإنها آكد لأنها واجبة، وهذا سنّة. ولو أدرك المسبوقُ الإِمامَ في غير القيام إما في الركوع وإما في السجود وإما في التشهد أحرم معه وأتى بالذكر الذي يأتي به الإِمام، ولا يأتي بدعاء الاستفتاح في الحال ولا فيما بعد.
واختلف أصحابنا (١) في استحباب دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة، والأصحّ أنه لا يستحبّ لأنها مبنية على التخفيف. واعلم أن دعاء الاستفتاح سنّة ليس بواجب، ولو تركه لم يسجدْ للسهو، والسنّة فيه الإِسرار، فلو جهر به كان مكروهًا ولا تبطل صلاته.
٣٦ ـ بابُ التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح
اعلم أن التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح سنّة بالاتفاق، وهو مقدمة للقراءة، قال الله تعالى: ﴿فإذا قَرأت القرآنَ فَاسْتَعِذْ بالله من الشَّيْطانِ الرَّجِيم﴾ [النحل:٩٨] معناه عند جماهير العلماء (٢): إذا أردت القراءة فاستعذ بالله. واعلم أن اللفظ المختار في التعوّذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وجاء: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا بأس به، ولكن المشهور المختار هو الأوّل.
стр. 87
[١/ ١٠٣] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرها:
أن النبيّ ﷺ قال قبل القراءة في الصلاة: "أعُوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وهَمْزِهِ" وفي رواية: "أعُوذُ بالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ" وجاء في تفسيره في الحديث، أن همزه: المؤْتةُ، وهي الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعرُ، والله أعلم.
[فصل]: اعلم أن التعوّذ مستحبّ ليس بواجب، لو تركه لم يأثم ولا تبطلُ صلاته سواء تركه عمدًا أو سهوًا، ولا يسجد للسهو، وهو مستحبّ في جميع الصلوات الفرائض والنوافل كلها، ويستحبّ في صلاة الجنازة على الأصحّ، ويستحبّ للقارىء خارج الصلاة بإجماع أيضًا.
[فصل]: واعلم أن التعوّذ مستحبّ في الركعة الأولى بالاتفاق، فإن لم يتعوّذ في الأولى أتى به في الثانية، فإن لم يفعل ففيما بعدها، فلو تعوّذ في الأولى هل يستحبّ في الثانية؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما أنه يستحبّ لكنه في الأولى آكد. وإذا تعوّذ في الصلاة التي يُسِرُّ فيها بالقراءة أسرّ بالتعوّذ، فإن تعوّذ في التي يُجْهَر فيها بالقراءة فهل يجهر؟ فيه خلاف؛ من أصحابنا من قال: يُسرّ، وقال الجمهور: للشافعي في المسألة قولان: أحدهما يستوي الجهر والإِسرار، وهو نصُّه في الأم. والثاني يُسنّ الجهر وهو نصُّه في الإِملاء. ومنهم من قال فيه قولان: أحدهما: يجهر، (والثاني: يُسِرُّ، والصحيح من حيث الجملة أنه يُستحبُّ الجهرُ) (١)؛ صححه الشيخ أبو
стр. 88
حامد الإِسفرايني إمام أصحابنا العراقيين وصاحبه المحاملي وغيرهما، وهو الذي كان يفعله أبو هريرة ﵁، وكان ابن عمر ﵄ يُسِرّ، وهو الأصحّ عند جمهور أصحابنا، وهو المختار، والله أعلم.
٣٧ ـ بابُ القراءةِ بعدَ التَّعوُّذ
اعلم أن القراءة واجبة في الصلاة بالإِجماع مع النصوص المتظاهرة، ومذهبنا ومذهب الجمهور، أن قراءة الفاتحة واجبة لا يُجزىء غيرها لمن قدر عليها، للحديث الصحيحح
أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُجْزِىءُ صَلاةٌ لا يُقْرأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ" رواه ابن خزيمة وأبو حاتم ابن حِبّان ـ بكسر الحاء ـ في صحيحيهما بالإِسناد الصحيح وحَكما بصحته. وفي الصحيحين
عن رسول الله ﷺ "لا صَلَاة إِلَاّ بِفَاتِحَة الكِتابِ" ويجب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وهي آية كاملة من أوّل الفاتحة. وتجب قراءة الفاحة بجميع تشديداتها وهي أربع عشرة تشديدة: ثلاث في البسملة، والباقي بعدها، فإن أخلّ بتشديدة واحدة بطلت قراءته. ويجب أن يقرأها مرتبة متوالية، فإن ترك ترتيبها أو موالاتها لم تصحُّ قراءته، ويعذر في السكوت بقدر التنفس. ولو سجد المأموم مع الإِمام للتلاوة، أو سمع تأمين الإِمام فأمَّن لتأمينه، أو سأل الرحمة، أو استعاذ من النار لقراءة الإِمام ما يقتضي ذلك، والمأموم في أثناء الفاتحة لم تنقطع قراءته على أصحّ الوجهين لأنه معذور.
[فصل]: فإن لحن في الفاتحة لحنًا يخلّ المعنى بطلت صلاته، وإن لم يخلّ المعنى صحّت قراءته، فالذي يخلّه مثل أن يقول: أنعمت، بضم التاء أو كسرها، أو يقول: إياك نعبد، بكسر الكاف، والذي لا يخلّ مثل أن يقول: ربّ العالمين، بضم الباء أو فتحها، أو يقول نستعين، بفتح النون
стр. 89
الثانية أو كسرها، ولو قال: ولا الضّالّين بالظاء بطلت صلاته على أرجح الوجهين إلا أن يعجزَ عن الضاد بعد التعلم فيُعذر.
[فصل]: فإن لم يُحسن الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها، فإن لم يُحسن شيئًا من القرآن أتى من الأذكار كالتسبيح والتهليل ونحوهما بقدر آيات الفاتحة، فإن لم يحسن شيئًا من الأذكار وضاق الوقتُ عن التعلّم وقف بقدر القراءة ثم يركع وتُجزئه صلاتُه إن لم يكن فرّط في التعلم، فإن كان فرّط في التعلم وجبت الإِعادة؛ وعلى كلّ تقدير متى تمكَّن من التعلم وجب عليه تعلّم الفاتحة، أما إذا كان يُحسنُ الفاتحة بالعجمية ولا يُحسنها بالعربية لا يجوز له قراءتها بالعجمية بل هو عاجز، فيأتي بالبدل على ما ذكرناه.
[فصل]: ثم بعد الفاتحة يقرأ سورة أو بعض سورة، وذلك سنّة لو تركه صحَّتْ صلاتُه ولا يسجد للسهو، وسواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، ولا يستحبّ قراءة السورة في صلاة الجنازة على أصحّ الوجهين، لأنها مبنية على التخفيف، ثم هو بالخيار إن شاء قرأ سورة، وإن شاء قرأ بعض سورة، والسورة القصيرة أفضلُ من قدرها من الطويلة. ويستحبّ أن يقرأ السورة على ترتيب المصحف، فيقرأ في الثانية سورة بعد السورة الأولى، وتكون تليها، فلو خالف هذا جاز. والسنّة أن تكون السورة بعد الفاتحة، فلو قرأها قبل الفاتحة لم تحسب له قراءة السورة.
واعلم أن ما ذكرناه من استحباب السورة هو للإِمام والمنفرد وللمأموم فيما يسرّ به الإِمام، أما ما يجهر به الإِمام فلا يزيد المأموم فيه على الفاتحة إن سمع قراءة الإِمام، فإن لم يسمعها أو سمع همهمة لا يفهمها استحبّت له السورة على الأصحّ بحيث لا يشوِّشُ على غيره.
[فصل]: والسنَةَ أن تكونَ السورة في الصبح والظهر من طوال
стр. 90
المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل، فإن كان إمامًا خفَّف عن ذلك إلا أن يعلم أن المأمومين يُؤثرون التطويل. والسنّة أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة سورة ـ آلم تنزيل ـ السجدة، وفي الثانية: هل أتى على الإِنسان، ويقرأهما بكمالهما؛ وأما ما يفعله بعض الناس من الاقتصار على بعضهما فخلاف السنّة. والسنّة أن يقرأ في صلاة العيد والاستسقاء في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ق، وفي الثانية: اقتربت الساعة؛ وإن شاء قرأ في الأولى: سبّح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: هل أتاك حديث الغاشية، فكلاهما سنّة؛ والسنة أن يقرأ في الأولى من صلاة الجمعة: سورة الجمعة، وفي الثانية المنافقون، وإن شاء في الأولى: سبّح، وفي الثانية: هل أتاك، فكلاهما سنّة، وليحذر الاقتصار على بعض السورة في هذه المواضع، فإن أراد التخفيف أدرج قراءته من غير هذرمة. والسنّة أن يقرأ في ركعتي سنّة الفجر في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قولوا آمنّا بالله وما أنزل إلينا﴾، وفي الثانية: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالى إلى كلمة سواء﴾ الآية، وإن شاء في الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾ فكلاهما صحّ في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ فعله، ويقرأ في ركعتي سنّة المغرب وركعتي الطواف والاستخارة في الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾. وأما الوتر فإذا أوتر بثلاث ركعات قرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿سبّح اسم ربك﴾ وفي الثانية: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثالثة: ﴿قل هو الله أحد﴾ مع المعوّذتين، وكل هذا الذي ذكرناه جاءت به أحاديث في الصحيح وغيره مشهورة استغنينا بشُهرتها عن ذكرها، والله أعلم.
[فصل]: لو تركَ سورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة
стр. 91
قرأ في الثانية سورة الجمعة مع سورة المنافقين، وكذا صلاةُ العيد والاستسقاء والوتر وسنّة الفجر وغيرها مما ذكرناه مما هو في معناه، إذا ترك في الأولى ما هو مسنون أتى في الثانية بالأوّل والثاني، لئلا تخلو صلاته من هاتين السورتين، ولو قرأ في صلاة الجمعة في الأولى: سورة المنافقين، قرأ في الثانية: سورة الجمعة، ولا يُعيد المنافقين، وقد استقصيتُ دلائلَ هذا في شرح المهذّب.
[فصل]: ثبتَ في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يطوِّل في الركعة الأولى من الصبح وغيرها ما لا يطوّل في الثانية، فذهب أكثر أصحابنا إلى تأويل هذا، وقال: لا يطوّل الأولى على الثانية؛ وذهب المحققون منهم إلى استحباب تطويل الأولى لهذا الحديث الصحيح، واتفقوا على أن الثالثة والرابعة يكونان (سواء على أنهما) (١) أقصرُ من الأولى والثانية، والأصحّ أنه لا تستحبّ السورة فيهما، فإن قلنا باستحبابها فالأصحّ أن الثالثة كالرابعة، وقيل بتطويلها عليها.
[فصل]: أجمع العلماء على الجهر بالقراءة في صلاة الصبح والأوليين من المغرب والعشاء. وعلى الإِسرار في الظهر والعصر والثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء، وعلى الجهر في صلاة الجمعة والعيدين والتراويح والوتر عقبها، وهذا مستحبّ للإِمام والمنفرد فيما ينفرد به منها؛ وأما المأموم فلا يجهر في شيء من هذا بالإِجماع؛ ويسنّ الجهر في صلاة كسوف القمر والإِسرار في صلاة كسوف الشمس، ويجهر في صلاة الاستسقاء، ويُسرّ في الجنازة إذا صلاّها في النهار، وكذا إذا صلاّها بالليل على الصحيح المختار، ولا يجهر في نوافل النهار غير ما ذكرناه من العيد والاستسقاء.
стр. 92
واختلف أصحابنا في نوافل الليل فقيل لا يجهر، وقيل يجهر. والثالث وهو الأصح ـ وبه قطع القاضي حسين والبغوي ـ يقرأ بين الجهر والإِسرار، ولو فاتته صلاة بالليل فقضاها في النهار، أو بالنهار فقضاها بالليل فهل يعتبر في الجهر والإِسرار وقت الفوات أم وقت القضاء؟ فيه وجهان: أظهرهما يعتبر وقت القضاء. وقيل: يُسِرُّ مطلقًا. واعلم أن الجهر في مواضعه والإِسرار في مواضعه سنّة ليس بواجب، فلو جهر موضع الإِسرار، أو أسرّ موضع الجهر فصلاته صحيحة، ولكنه ارتكب المكروه كراهة تنزيه ولا يسجد للسهو؛ وقد قدّمنا أن الإِسرار في القراءة والأذكار المشروعة في الصلاة لابدّ فيه من أن يسمع نفسه، فإن لم يسمعها من غير عارض لم تصحّ قراءته ولا ذكره.
[فصل]: قال أصحابنا: يستحبّ للإِمام في الصلاة الجهرية أن يسكت أربع سكتات: إحداهنّ عقيب تكبيرة الإِحرام، ليأتي بدعاء الاستفتاح، والثانية بعد فراغه من الفاتحة سكتة لطيفة جدًا بين آخر الفاتحة وبين آمين، ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة، والثالثة بعد آمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة، والرابعة بعد الفراغ من السورة يفصل بها بين القراءة وتكبيرة الهوي إلى الركوع.
[فصل]: فإذا فرغ من الفاتحة اسْتُحِبَّ له أن يقول آمين، والأحاديث الصحيحة كثيرة مشهورة في كثرة فضله (١) وعظيم أجره، وهذا التأمين مستحبّ لكل قارىء، سواء كان في الصلاة أم خارجًا منها؛ وفيه أربع
стр. 93
لغات: أصحهنّ (١) وأشهرهنّ "آمين" بالمدّ والتخفيف، والثانية بالقصر والتخفيف، والثالثة بالإِمالة، والرابعة بالمدّ والتشديد. فالأوليان مشهورتان، والثالثة والرابعة حكاهما الواحدي في أوّل البسيط، والمختار الأولى، وقد بسطت القول في بيان هذه اللغات وشرحها وبيان معناها ودلائلها وما يتعلق بها في كتاب "تهذيب الأسماء واللغات" (٢). ويستحبّ التأمين في الصلاة للإِمام والمأموم والمنفرد، ويجهر به الإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية، والصحيح أيضًا أن المأموم يجهر به، سواء كان الجمع قليلًا أو كثيرًا. ويستحبّ أَنْ يكون تأمين المأموم مع تأمين الإِمام، لا قبله ولا بعده، وليس في الصلاة موضع يستحب أن يقترن فيه قول المأموم بقول الإِمام إلا في قوله: آمين، وأما باقي الأقوال فيتأخر قول المأموم.
[فصل]: يسنّ لكل مَن قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مرّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مرّ بآية عذاب أن يستعيذ به من النار أو من العذاب أو من الشرّ أو من المكروه، أو يقول: اللهمّ إني أسألك العافية أو نحو ذلك؛ وإذا مرّ بآية تنزيه لله نزَّهَ فقال: ، أو: تبارك الله ربّ العالمين، أو: جلَّت عظمة ربنا، أو نحو ذلك.
[١/ ١٠٤] روينا عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال:
صَلَّيْتُ مع النبيّ ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح آل
стр. 94
عمران فقرأها، ثم افتتح النساء فقرأها، يقرأ مترسّلًا إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبَّحَ، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ". رواه مسلم في صحيحه.
قال أصحابنا: يستحبّ هذا التسبيح والسؤال والاستعاذة للقارىء في الصلاة وغيرها وللإِمام والمأموم والمنفرد، لأنه دعاء فاستووا فيه كالتأمين. ويستحبّ لكل من قرأ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين:٨] أن يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين؛ وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذلكَ بِقادِرٍ على أنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] قال: بلى أشهد؛ وإذا قرأ: ﴿فَبِأيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٥] قال: آمنت بالله؛ وإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: سبحان ربي الأعلى، ويقول هذا كله في الصلاة وغيرها، وقد بينت أدلته في كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن".
٣٨ ـ بابُ أذكار الركوع
قد تظاهرت الأخبارُ الصحيحةُ عن رسول الله ﷺ أنه كان يُكَبِّر للركوع وهو سنّة، ولو تركه كان مكروهًا كراهة تنزيه، ولا تبطلُ صلاتُه ولا يسجدُ للسهو، وكذلك جميع التكبيرات التي في الصلاة هذا حكمها إلا تكبيرة الإِحرام، فإنها ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها؛ وقد قدّمنا عَدَّ تكبيرات الصلاة في أوّل أبواب الدخول في الصلاة.
وعن الإِمام أحمد رواية: أن جميع هذه التكبيرات واجبة. وهل يستحبّ مدُّ هذا التكبير؟ فيه قولان للشافعي ﵀: أصحُّهما وهو الجديد يستحبّ مدّه إلى أن يصل إلى حدّ الراكعين فيشتغل بتسبيح الركوع لئلا يخلو جزء من صلاته عن ذكر، بخلاف تكبيرة الإِحرام، فإن الصحيح استحباب ترك المدّ فيها، لأنه يحتاج إلى بسط النيّة عليها، فإذا مدّها شقّ
стр. 95
عليه، وإذا اختصرها سهل عليه، وهكذا حكم باقي التكبيرات، وقد تقدم إيضاحُ هذا في باب تكبيرة الإِحرام، والله أعلم.
[فصل]: فإذا وصل إلى حدّ الراكعين اشتغل بأذكار الركوع فيقول: سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ، سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ.
[١/ ١٠٥] فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة
أن رسول الله ﷺ قال في ركوعه الطويل الذي كان قريبًا من قراءة البقرة والنساء وآل عمران "سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ" ومعناه: كرّر سبحان ربي العظيم فيه، كما جاء مبيِّنًا في سنن أبي داود وغيره.
وجاء في كتب السنن أنه ﷺ قال: "إذَا قالَ أحَدُكُمْ سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ ثَلاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ" (١).
[٢/ ١٠٦] وثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂
أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي" يتأوَّلُ القرآنَ.
[٣/ ١٠٧] وثبت في صحيح مسلم عن عليّ ﵁:
أن النبيّ ﷺ كان إذا ركع يقول: "اللهمَّ لكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ
стр. 96
أسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي ومُخِّي وَعَظْمِي وَعَصبِي". وجاء في كتاب السنن "خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي ومُخِّي وَعَظْمِي، ومَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ".
[٤/ ١٠٨] وثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂:
أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ" قال أهل اللغة: سبوح قدوس: بضم أولهما وفتحهِ أيضًا لغتان: أجودهما وأشهرهما وأكثرهما الضمُّ.
[٥/ ١٠٩] وروينا عن عوف بن مالك رضي الله عننه قال:
قمتُ مع رسول الله ﷺ فقام فقرأ سورة البقرة لا يمرّ بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب إلا وقف وتعوّذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: "سُبْحانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكوتِ والكِبرِياءِ وَالعَظَمَةِ" ثم قال في سجوده مثل ذلك. هذا حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي في سننهما، والترمذي في كتاب الشمائل بأسانيد صحيحة.
[٦/ ١١٠] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : "فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ".
واعلم أن هذا الحديث الأخير هو مقصودُ الفصل، وهو تعظيم الربّ في الركوع بأيّ لفظ كان، ولكن الأفضل أن يجمعَ بين هذه الأذكار كلها إن تمكن من ذلك بحيث لا يشقّ على غيره، ويقدم التسبيح منها، فإن أراد الاقتصارَ فيستحبُّ التسبيح، وأدنى الكمال منه ثلاث تسبيحات، ولو اقتصر على مرّة كان فاعلًا لأصل التسبيح. ويُستحبّ إذا
стр. 97
اقتصر على البعض أن يفعل في بعض الأوقات بعضها، وفي وقت آخر بعضًا آخر، وهكذا يفعل في الأوقات حتى يكون فاعلًا لجميعها، وكذا ينبغي أن يفعل في أذكار جميع الأبواب.
واعلم أن الذكرَ في الركوع سنّةٌ عندنا وعند جماهير العلماء، فلو تركه عمدًا أو سهوًا لا تبطلُ صلاته ولا يأثمُ ولا يسجد للسهو. وذهب الإِمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب، فينبغي للمصلي المحافظة عليه، للأحاديث الصريحة الصحيحة في الأمر به، كحديث: "أما الركوع فعظموا فيه الربّ" وغيره مما سبق، وليخرج عن خلاف العلماء ﵏، والله أعلم.
[فصل]: يُكره قراءة القرآن في الركوع والسجود، فإن قرأ غير الفاتحة لم تبطل صلاتُه، وكذا لو قرأ الفاتحة لا تبطل صلاته على الأصحّ، وقال بعض أصحابنا: تبطل.
[٧/ ١١١] روينا في صحيح مسلم عن عليٍّ ﵁ قال:
"نهاني رسولُ الله ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا".
[٨/ ١١٢] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن ابن عباس ﵄،
عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا وَإني نُهِيتُ أنْ أقْرأ القُرآنَ رَاكِعًا أوْ ساجِدًا".
٣٩ ـ بابُ ما يقولُه في رفعِ رأسِه من الركوع وفي اعتدالِه
السنّة أن يقول حال رفع رأسه: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ولو قال: من
стр. 98
حمد الله سمع له، جاز، نصَّ عليه الشافعي في الأمّ، فإذا استوى قائمًا قالَ: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ حمْدًا طَيِّبًا مُبارَكًا فِيهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَمِلْءَ ما بَيْنَهُما وَمِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ، أحَقُّ ما قَالَ العَبْدُ، وكلنا لَكَ عَبْدٌ، لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدُّ.
[١/ ١١٣] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:
كان رسول الله ﷺ يقول: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: "رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ" وفي روايات "ولَكَ الحَمْدُ" بالواو، وكلاهما حسن.
وروينا مثله في الصحيحين عن جماعة من الصحابة.
[٢/ ١١٤] وروينا في صحيح مسلم، عن عليٍّ، وابن أبي أوفى ﵃:
أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه (١) قال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنا لكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَواتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَمِلْءَ ما شِئْتَ منْ شَيْءٍ بَعْدُ".
[٣/ ١١٥]ـ وروينا في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁:
أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَمِلْءَ ما شِئْتَ منْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ وَالمَجْدِ، أحَقُّ ما قالَ العَبْدُ وكُلُّنا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا
стр. 99
أعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلايَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدُّ".
[٤/ ١١٦] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، من رواية ابن عباس:
"رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَواتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَما بَيْنَهُما، وَمِلْءَ ما شَئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ".
[٥/ ١١٧] وروينا في صحيح البخاري، عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال:
كنا يومًا نصلي وراء النبيّ ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" فقال رجل وراءه: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فِيهِ، فلما انصرف قال: "مَن المُتَكَلِّمُ؟ " قال: أنا، قال: "رأيتُ بِضْعَةً وثَلاثِينَ يَبْتَدِرُونَها أيُّهُمْ يَكْتُبُها أوَّلُ".
[فصل]: اعلم أنه يُستحبّ أن يجمع بين هذه الأذكار كلها على ما قدّمناه في أذكار الركوع، فإن اقتصر على بعضها فليقتصرْ على "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات ومَلْء الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد" فإن بالغَ في الاقتصار اقتصر على "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد" فلا أقلّ من ذلك.
واعلم أن هذه الأذكار كلها مستحبة للإِمام والمأموم والمنفرد، إلا أن الإِمام لا يأتي بجميعها إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يُؤثرون التطويل. واعلم أن هذا الذكر سنّة ليس بواجب، فلو تركه كُرِهَ له كراهةَ تنزيه ولا يسجدُ للسهو، ويُكره قراءةُ القرآن في هذا الاعتدال كما يُكره في الركوع والسجود، والله أعلم.
стр. 100
٤٠ ـ بابُ أَذْكَارِ السُّجودِ
فإذا فرغ من أذكار الاعتدال كبَّرَ وهوى ساجدًا ومدّ التكبير إلى أن يضع جبهته على الأرض. وقد قدَّمنا حكمّ هذه التكبيرة وأنها سنّة لو تركها لم تبطلْ صلاتُه ولا يسجد للسهو، فإذا سجد أتى بأذكار السجود، وهي كثيرة:
فمنها ما رويناه في صحيح مسلم من رواية حذيفة المتقدمة في الركوع في صفة صلاة النبي ﷺ ، حين قرأ البقرة وآل عمران والنساء في الركعة الواحدة، لا يمرّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استعاذ، قال: ثم سجد فقال: "سُبحان ربي الأعلى" فكان سجوده قريبًا من قيامه (١).
[١/ ١١٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ قالت:
كان النبيّ ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي".
[٢/ ١١٩] وروينا في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ ما قدّمناه في الركوع:
أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدُّوس، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ".
[٣/ ١٢٠] وروينا في صحيح مسلم أيضًا عن عليّ ﵁:
أن رسول الله كان إذا سجد قال: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ
стр. 101
أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقين".
[٤/ ١٢١] وروينا في الحديث الصحيح في كتب السنن، عن عوف بن مالك ما قدّمناه في فصل الركوع:
أن رسول الله ﷺ ركعَ ركوعَه الطويل يقول فيه: "سُبْحانَ ذِي الجَبُروتِ والمَلَكُوتِ وَالكِبْرِياء والعظمة" ثم قال في سجوده مثل ذلك.
[٥/ ١٢٢] وروينا في كتب السنن
أن النبيَّ ﷺ قال: "وَإذا سَجَدَ ـ أي أحدكم ـ فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبيَ الأعْلى ثلاثًا، وذلك أدْناهُ".
[٦/ ١٢٣] وروينا في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂ قالت:
تفقدت النبيّ ﷺ ذات ليلة فتجسست، فإذا هو راكع أو ساجد يقول:" سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ لا إلهَ إِلَاّ أنْتَ"، وفي رواية في مسلم: فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: "اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخطِكَ، وبِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ".
[٧/ ١٢٤] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄،
أن رسول الله ﷺ قال: "فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمَّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُم".
стр. 102
يُقال: قمن بفتح الميم وكسرها، ويجوز في اللغة قمين، ومعناه: حقيق وجدير.
[٨/ ١٢٥] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁
أن رسول الله ﷺ قال:"أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجِدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاء".
[٩/ ١٢٦] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة أيضًا،
أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ وأوّلَهُ وآخِرَهُ وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّه". دِقه وجِلّه: بكسر أولهما، ومعناه: قليله وكثيره.
واعلم أنه يستحبّ أن يجمع في سجوده جميع ما ذكرناه، فإن لم يتمكن منه في وقت أتى به في أوقات، كما قدّمناه في الأبواب السابقة، وإذا اقتصر يقتصر على التسبيح مع قليل من الدعاء، ويُقدِّمُ التسبيحَ، وحكمه ما ذكرناه في أذكار الركوع من كراهة قراءة القرآن فيه، وباقي الفروع.
[فصل]: اختلف العلماء في السجود في الصلاة والقيام أيُّهما أفضل؟ فمذهب الشافعي ومن وافقه: القيام أفضل، لقول النبيّ ﷺ في الحديث في صحيح مسلم "أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ" (١) " ومعناه القيام، ولأن ذكر القيام هو القرآن، وذكر السجود هو التسبيح، والقرآن أفضل، فكان ما طوّلَ به أفضل. وذهب بعض العلماء إلى أن السجود أفضل، لقوله ﷺ في الحديث المتقدّم: "أقْرَبُ ما يَكُونَ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ
стр. 103
ساجدٌ" (١). قال الإِمام أبو عيسى الترمذي في كتابه: اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: طولُ القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود. وقال بعضهم: كثرةُ الركوع والسجود أفضلُ من طول القيام. وقال أحمد بن حنبل: روي فيه حديثان عن النبيّ ﷺ ، ولم يقضِ فيه أحمدُ بشيء. وقال إسحاق: أما بالنهار فكثرةُ الركوع والسجود، وأما بالليل فطولُ القيام، إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحبُّ إليّ لأنه يأتي على حزبه، وقد ربح كثرة الركوع والسجود. قال الترمذي: وإنما قال إسحاق هذا لأنه وصفَ صلاة النبيّ ﷺ بالليل ووصفَ طول القيام. وأما بالنهار فلم يُوصف من صلاته ﷺ من طول القيام ما وُصف بالليل.
[فصل]: إذا سجد للتلاوة استُحبّ أن يقول في سجوده ما ذكرناه في سجود الصلاة، ويستحبّ أن يقول معه: اللَّهُمَّ اجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وأعْظِمْ لي بِهَا أجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْرًا، وَتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلْتَها مِنْ دَاوُدَ ﵇. ويُستَحبّ أن يقول أيضًا: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإِسراء: ١٠٨] نصَّ الشافعي على هذا الأخير.
[١٠/ ١٢٧] روينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن عائشة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: "سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ". قال الترمذي: حديث صحيح، زاد الحاكم: " فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ" قال: وهذه الزيادة صحيحة على شرط الصحيحين. وأما قوله "اللَّهمّ اجعلها لي عندك
стр. 104
ذخرًا .. الخ" فرواه الترمذي مرفوعًا من رواية ابن عباس ﵄ بإسناد حسن. وقال الحاكم: حديث صحيح.
٤١ ـ باب ما يقولُ في رفعِ رأسه من السجود وفي الجلوس بين السجدتين
السنّة أن يُكَبِّرَ من حين يبتدىء بالرفع، ويمدّ التكبير إلى أن يستويَ جالسًا، وقد قدَّمنا بيانَ عدد التكبيرات، والخلاف في مدّها، والمدّ المبطل لها؛ فإذا فرغ من التكبير واستوى جالسًا، فالسنّة أن يدعو:
[١/ ١٢٨] بما رويناه في سنن أبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرها، عن حذيفة ﵁ في حديثه المتقدم في صلاة النبي ﷺ في الليل، وقيامه الطويل بالبقرة والنساء وآل عمران، وركوعه نحو قيامه، وسجوده نحو ذلك، قال: وكان يقول بين السجدتين: "رَبّ اغْفِرْ لي، رَبّ اغْفِرْ لي"، وجلس بقدر سجوده.
[٢/ ١٢٩] وبما رويناه في سنن البيهقي، عن ابن عباس في حديث مبيته عند خالته ميمونة ﵂، وصلاة النبيّ ﷺ في الليل فذكره قال: وكان إذا رفع رأسه من السجدة قال: "رَبّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي واجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِني" وفي رواية أبي داود "وَعَافِني" وإسناد حسن، والله أعلم.
[فصل]: فإذا سجد السجدة الثانية قال فيه ما ذكرناه في الأولى
стр. 105
سواء، فإذا رفعَ رأسه منه رفع مكبّرًا وجلس للاستراحة جلسة لطيفة بحيث تسكنُ حركتُه سكونًا بيِّنًا، ثم يقوم في الركعة الثانية ويمدّ التكبيرة التي رفع بها من السجود إلى أن ينتصب قائمًا، ويكون المدّ بعد اللام من الله، هذا أصحّ الأوجه لأصحابنا، ولهم وجه أن يرفع بغير تكبير ويجلس للاستراحة فإذا نهض كبَّر؛ ووجه ثالث أن يرفع من السجود مكبّرًا، فإذا جلس قطع التكبير ثم يقومُ بغير تكبير. ولا خلاف أنه لا يأتي بتكبيرين في هذا الموضع، وإنما قال أصحابنا: الوجه الأوّل أصحّ لئلا يخلو جزء من الصلاة عن ذكر.
واعلم أن جلسة الاستراحة سنّة صحيحة ثابتة في صحيح البخاري وغيره من فعل رسول الله ﷺ ، ومذهبنا استحبابُها لهذه السنّة الصحيحة، ثم هي مستحبّة عقيب السجدة الثانية من كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحبّ في سجود التلاوة في الصلاة (١)، والله أعلم.
٤٢ ـ بابُ أذكارِ الرَّكْعةِ الثانية
اعلم أن الأذكار التي ذكرناها في الركعة الأولى يفعلها كلَّهَا في الثانية على ما ذكرناه في الأولى من الفرض والنفل، وغير ذلك من الفروع المذكورة، إلا في أشياء: أحدُها: أن الركعة الأولى فيها تكبيرة الإِحرام وهي ركن، وليس كذلك الثانية فإنه لا يكبِّر في أوَّلها، وإنما التكبيرة التي قبلها للرفع من السجود مع أنها سنّة. الثاني: لا يُشرع دعاء الاستفتاح في الثانية بخلاف الأولى. الثالث: قدّمنا أنه يتعوّذ في الأولى بلا خلاف، وفي الثانية
стр. 106
خلاف، الأصحُّ أنه يتعوذ. الرابع: المختار أن القراءة في الثانية تكون أقلّ من الأولى، وفيه الخلاف الذي قدَّمناه، والله أعلم.
٤٣ ـ بابُ القُنوتِ في الصُّبح
اعلم أن القنوتَ في صلاة الصبح سنّة للحديث الصحيح فيه:
[١/ ١٣٠] عن أنس ﵁:
أن رسول الله ﷺ لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا. رواه الحاكم أبو عبد الله في كتاب الأربعين، وقال: حديث صحيح.
واعلم أن القنوت مشروع عندنا في الصبح وهو سنّة متأكدة، لو تركه لم تبطل صلاته لكن يسجد للسهو سواء تركه عمدًا أو سهوًا. وأما غير الصبح من الصلوات الخمس فهل يقنت فيها؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي رحمه الله تعالى: الأصحُّ المشهورُ منها أنه إن نزل بالمسلمين نازلة قنتوا، وإلا فلا. والثاني: يقنتون مطلقًا. والثالث: لا يقنتو مطلقًا، والله أعلم.
ويستحبُّ القنوت عندنا في النصف الأخير من شهر رمضان في الركعة الأخيرة من الوتر، ولنا وجه أن يقنت فيها في جميع شهر رمضان، ووجه ثالث في جميع السنة وهو مذهبُ أبي حنيفة، والمعروف من مذهبنا هو الأوّل، والله أعلم.
[فصل]: اعلم أن محل القنوت عندنا في الصبح بعد الرفع من
стр. 107
الركوع في الركعة الثانية. وقال مالك ﵀: يقنت قبل الركوع. قال أصحابنا: فلو قنت شافعي قبل الركوع لم يُحسبْ له على الأصحّ، ولنا وجه أن يحسب، وعلى الأصحّ يعيده بعد الركوع ويسجد للسهو، وقيل لا يسجد، وأما لفظه فالاختيار أن يقول فيه:
[٢/ ١٣١] ما رويناه في الحديث الصحيح في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرها بالإِسناد الصحيح، عن الحسن بن عليّ ﵄ قال:
علّمني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوتر: "اللَّهُمَّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وعَافِني فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلّني فِيمَن تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ ما قَضَيْتَ، فإنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنا وَتَعالَيْتَ". قال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: ولا نعرف عن النبيّ ﷺ في القنوت شيئًا أحسن من هذا. وفي رواية ذكرها البيهقي أن محمد بن الحنفية، وهو ابن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن هذا الدعاء هو الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته. ويستحبُّ أن يقولَ عقيب هذا الدعاء: اللَّهُمَّ صَلّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ وَسَلِّم، فقد جاء في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد حسن (١) "وَصَلَى اللَّهُ على النَّبِيّ".
قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁
стр. 108
كان حسنًا، وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: " اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُد، ولَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّارِ مُلْحِقٌ. اللَّهُمَّ عَذّبِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، ويُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقاتِلُونَ أوْلِيَاءَكَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ للْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ والمُسْلِمِيَ والمُسْلِماتِ، وأصْلِح ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِم الإِيمَانَ وَالحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ على مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَوْزِعْهُمْ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ على عَدُّوَكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الحَقّ وَاجْعَلْنا مِنْهُمْ (١)
واعلم أن المنقول عن عمر ﵁: عذِّب الكفرة أهل الكتاب؛ لأن قتالهم ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب؛ وأما اليوم فالاختيار أن يقول: "عذّب الكفرة" فإنه أعمّ. وقوله نخلع: أي: نترك، وقوله يفجر: أي: يلحد في صفاتك، وقوله نحفِد بكسر الفاء: أي: نُسارع، وقوله الجِدّ بكسر الجيم: أي: الحق، وقوله مُلْحِق بكسر الحاء على المشهور ويقال بفتحها، ذكره ابن قتيبة وغيره، وقوله: ذات بينهم، أي: أمورهم ومواصلاتهم، وقوله الحكمة: هي كل ما منع من القبيح، وقوله وأوزعهم: أي: ألهمهم، وقوله واجعلنا منهم: أي: ممّن هذه صفته. قال أصحابنا: يستحبّ الجمع بين قنوت عمر وما سبق، فإن جمع بينهما فالأصحّ تأخير قنوت عمر، وإن اقتصر فليقتصر على الأوّل، وإنما يُستحبّ الجمع بينهما إذا كان منفردًا أو إمامَ محصورين يرضون بالتطويل، والله أعلم.
стр. 109
واعلم أن القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار، فأيّ دعاء دعا به حصل القنوت ولو قَنَتَ بآيةٍ أو آياتٍ من القرآن العزيز وهي مشتملة على الدعاء حصل القنوت، ولكن الأفضل ما جاءت به السنّة. وقد ذهب جماعة من أصحابنا إلى أنه يتعين ولا يجزىء غيره.
واعلم أنه يستحبّ إذا كان المصلِّي إمامًا أن يقول: اللَّهمّ اهدِنا بلفظ الجمع وكذلك الباقي، ولو قال اهدني حصل القنوت وكان مكروهًا، لأنه يكره للإِمام تخصيص نفسه بالدعاء.
[٣/ ١٣٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن ثوبان ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فإنْ فَعَلَ فَقَدْ خانَهُمْ" قال الترمذي: حديث حسن.
[فصل]: اختلف أصحابنا في رفع اليدين في دعاء القنوت ومسح الوجه بهما على ثلاثة أوجه: أصحّها أنه يستحبّ رفعهما ولا يمسح الوجه. والثاني: يرفع ويمسحه. والثالث: لا يمسحُ ولا يرفع. واتفقوا على أنه لا يمسح غير الوجه من الصدر ونحوه، بل قالوا: ذلك مكروه.
وأما الجهر بالقنوت والإِسرار به فقال أصحابنا: إن كان المصلي منفردًا أسرّ به، وإن كان إمامًا جهر على المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الأكثرون. والثاني أنه يسرّ كسائر الدعوات في الصلاة. وأما المأموم فإن لم يجهر الإِمام قنت سرًّا كسائر الدعوات، فإنه يوافق فيها الإمام سرًّا. وإن جهر الإِمام بالقنوت فإن كان المأموم يسمعه أمَّن على دعائه وشاركه في الثناء في آخره، وإن كان لا يسمعه قنت سرًّا، وقيل
стр. 110
يؤمِّن، وقيل له أن يشاركه مع سماعه، والمختار الأوّل.
وأما غير الصبح إذا قنت فيها حيث نقول به، فإن كانت جهريّة وهي المغرب والعشاء فهي كالصبح على ما تقدّم، وإن كانت ظهرًا أو عصرًا فقيل يُسرّ فيها بالقنوت، وقيل إنها كالصبح. والحديث الصحيح في قنوت رسول الله ﷺ على الذين قتلوا القرَّاء ببئر معونة يقتضي ظاهرُه الجهرَ بالقنوت في جميع الصلوات، ففي صحيح البخاري في باب تفسير قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] عن أبي هريرة: أن النبيَّ ﷺ جَهَرَ بالقنوت في قنوت النازلة (١).
٤٤ ـ بابُ التشهّدِ في الصَّلاة
اعلم أن الصلاة إن كانت ركعتين فحسب كالصبح والنوافل فليس فيها إلا تشهّدٌ واحد، وإن كانت ثلاث ركعات أو أربعًا ففيها تشهّدان: أوّل، وثاننٍ. ويتصوّر في حقّ المسبوق ثلاثة تشهّدات، ويتصور في حقه في صلاة المغرب أربعة تشهّدات، مثل أن يُدركَ الإِمام بعد الركوع في الثانية فيتابعه في التشهّد الأوّل والثاني ولم يحصل له من الصلاة إلا ركعة، فإذا سلَّم الإِمام قام المسبوق ليأتي بالركعتين الباقيتين عليه، فيصلي ركعة ويتشهّد عقبها لأنها ثانيته، ثم يصلِّي الثالثة ويتشهد عقيبها. أما إذا صلَّى نافلة فنوى أكثر من أربع ركعات ولو نوى (٢) مئة ركعة، فالاختيار أن يقتصر فيها على تشهّدين، فيصلِّي ما نواه إلا ركعتين ويتشهد، ثم يأتي بالركعتين ويتشهد التشهد الثاني ويسلِّم. قال جماعة من أصحابنا: لا يجوز أن يزيد على تشهدين، ولا يجوز أن يكون بين التشهد الأوّل والثاني أكثر من