لأبي داود، قال فيها عن خارجة عن عمّه قال: أقبلنا من عند النبيّ فأتينا على حيّ من العرب، فقالوا: عندكم دواءٌ، فإن عندنا معتوهًا في القيود، فجاؤوا بالمعتوه في القيود، فقرأتُ عليه فاتحةَ الكتاب ثلاثةَ أيامٍ غدْوةً وعشيّةً أجمع بزاقي ثم أتفلُ، فكأنما نَشِطَ من عِقال، فأعطوني جُعْلًا، فقلتُ: لا، فقالوا: سلِ النبيَّ ﷺ ، فسألته فقال: "كُلْ (١) فَلَعَمْرِي مَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ" قلت: هذا العمّ اسمه عِلاقة بن صُحَار (٢)، وقيل اسمه عبد الله.
[٥/ ٣٤١] وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن مسعود ﵁
أنه قرأ في أُذن مبتلى فأفاق، فقال له رسول الله ﷺ : "مَا قَرأتَ في أُذُنِهِ؟ " قال: قرأت ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أنّمَا خَلَقْناكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] حتى فرغ من آخر السورة، فقال رسول الله ﷺ : "لَوْ أنَّ رَجُلًا مُوقِنًا قَرأ بِها على جَبَلٍ لَزَالَ".
٩٥ ـ بابُ ما يُعَوَّذُ به الصِّبْيَانُ وغيرُهم
[١/ ٣٤٢] روينا في صحيح البخاري ﵀ عن ابن عباس رضي
стр. 212
الله عنهما قال:
"كان رسولُ اللَّه ﷺ يعوّذ الحسن والحسين: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ وَهامَّةِ، وَمِنْ كُلّ عَيْنٍ لامَّةٍ ويقول: إنَّ أباكُما كان يُعَوِّذُ بِها إسْماعِيلَ وَإسْحاقَ" صلى الله عليهم أجمعين وسلم.
قلتُ: قال العلماء: الهامَّة بتشديد الميم: وهي كلّ ذات سمّ يقتل كالحيّة وغيرها، والجمع الهوامّ، قالوا: وقد يقع الهوامّ على ما يدبّ من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات. ومنه حديث كعب بن عجرة ﵁ "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ؟ " أي القمل. وأما العين اللامّة بتشديد الميم: وهي التي تُصيب ما نظرت إليه بسوء.
٩٦ ـ بابُ ما يُقالُ على الخُرَّاجِ والبَثَرَةِ ونحوهما
في الباب حديث عائشة الآتي (١) قريبًا في باب ما يقوله المريض ويُقرأ عليه.
[١/ ٣٤٣] روينا في كتاب ابن السني، عن بعض أزواج النبيّ ﷺ قالت:
دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وقد خرجَ في أصبعي بثرة، فقال: "عِنْدَكِ ذَرِيرَةٌ؟ " فوضعها عليها وقال: "قُولي اللَّهُم مُصَغِّرَ الكَبِيرِ وَمُكَبِّرَ الصَّغِيرِ صَغِّرْ ما بِي. فطفئت".
стр. 213
قلتُ: البثرة بفتح الباء الموحدة وإسكان الثاء المثلثة، وبفتحها أيضًا لغتان: وهو خُرَّاجٌ صِغار، ويقال بَثِر وجهه وبثر بكسر الثاء وفتحها وضمّها ثلاث لغات. وأما الذَّريرة: فهي فتات قَصَبٍ من قصبِ الطيب يُجاء به من الهند.
стр. 214
كتاب أذكار المرض والموت وما يتعلق بهما
٩٧ ـ بابُ اسْتحبابِ الإِكْثارِ من ذِكْرِ الموْت
[١/ ٣٤٤] روينا بالأسانيد الصحيحة في كتاب الترمذي وكتاب النسائي وكتاب ابن ماجه وغيرها، عن أبي هريرة ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "أكْثِرُوا ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ" يعني الموت، قال الترمذي: حديث حسن.
٩٨ ـ بابُ اسْتحبابِ سؤالِ أهلِ المريضِ وأقَاربهِ عنه وجوابُ المَسْؤُول
[١/ ٣٤٥] روينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄؛
أن عليّ بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن! كيف أصبحَ رسولُ الله ﷺ ؟ قال: أصبحَ بحمد الله بَارئًا.
стр. 215
٩٩ ـ بابُ ما يَقولُه المريضُ ويُقالُ عندَه ويُقرأ عليه وسؤالُه عن حالِه
[١/ ٣٤٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂؛
أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفّيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاس﴾ ثم يمسحُ بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعلُ ذلك ثلاثَ مرات، قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به. وفي رواية في الصحيح:
أن النبيّ ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي توفي فيه بالمعوّذات، قالت عائشة: فلما ثَقُلَ كنتُ أنفثُ عليه بهنّ وأمسحُ بيد نفسه لبركتها، وفي رواية: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفثُ. قيل للزهري أحد رواة هذا الحديث: كيف ينفث؟ فقال: كان ينفثُ على يديه ثم يمسحُ بهما وجهه.
قلت: وفي الباب الأحاديث التي تقدمت في باب ما يُقرأ على المعتوه، وهو قراءة الفاتحة وغيرها.
[٢/ ٣٤٧] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود وغيرها، عن عائشة ﵂؛
أن النبيّ ﷺ كان إذا اشتكى الإِنسان الشيء منه، أو كانت قرحة أو جرح قال النبيّ ﷺ بإصبعه هكذا ـ ووضع سفيان بن عيينة الراوي سبّابته بالأرض ثم رفعها ـ وقال: "بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ
стр. 216
أرْضِنا بِرِيقَةِ بَعْضِنا يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنا بإذْنِ رَبِّنا". وفي رواية: "تُرْبَةُ أرْضِنا وَرِيقَةُ بَعْضِنا".
قلت: قال العلماء: معنى بريقة بعضنا: أي ببُصاقه، والمراد بُصاق بني آدم. قال ابن فارس: الريق ريق الإِنسان وغيره، وقد يؤنث فيقال ريقة. وقال الجوهري في صحاحه: الريقة أخصّ من الريق.
[٣/ ٣٤٨] وروينا في صحيحيهما، عن عائشة ﵂؛
أن النبيّ ﷺ كان يُعَوِّذُ بعضَ أهله يمسَحُ بيده اليمنى ويقول: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أذْهِبِ البأسَ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لا شِفاءَ إِلَاّ شِفاؤُكَ شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَمًا" وفي رواية: كان يرقي، يقول: "امْسَحِ الباسَ رَبَّ النَّاسِ، بِيَدِكَ الشِّفاءُ، لا كاشِفَ لَهُ إِلَاّ أَنْتَ".
[٤/ ٣٤٩] وروينا في صحيح البخاري عن أنس ﵁
أنه قال لثابت ﵀: ألا أرقيك برُقْيَة رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البأسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِي، لا شافِيَ إِلَاّ أَنْتَ شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَمًا" قلت: معنى لا يغادر: أي لا يترك، والبأس: الشدّة والمرض.
[٥/ ٣٥٠] وروينا في صحيح مسلم ﵀، عن عثمان بن أبي العاصي ﵁
أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده، فقال له رسول الله ﷺ "ضَعْ يَدَكَ على الَّذِي يألمُ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ ثَلاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرّ ما أجِدُ وأُحاذِرُ".
стр. 217
[٦/ ٣٥١] وروينا في صحيح مسلم، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:
عادني النبيّ ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا".
[٧/ ٣٥٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي بالإِسناد الصحيح، عن ابن عباس ﵄
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ عادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أجَلُهُ فَقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أسألُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ أنْ يَشْفِيكَ، إلَاّ عافاهُ اللَّهُ مِن ذلِك المَرَضِ" قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم أبو عبد الله في كتابه المستدرك على الصحيحين: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. قلت: يَشفيك بفتح أوله.
[٨/ ٣٥٣] وروينا في سنن أبي داود، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال:
قال النبيّ ﷺ : "إذَا جاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكأ لَكَ عَدُوًّا، أوْ يَمْشي لَكَ إلى صَلاةٍ" لم يضعفه أبو داود، قلت: يَنكأ بفتح أوله وهمز آخره، ومعناه: يؤلمه ويوجعه.
[٩/ ٣٥٤] وروينا في كتاب الترمذي: عن عليّ ﵁ قال:
стр. 218
كنتُ شاكيًا فمرَّ بي رسولُ الله ﷺ وأنا أقول: اللَّهمّ إن كان أجلي قد حضرَ فأرحني، وإنْ كانَ متأخرًا فارفعني، وإن كان بلاءً فصبِّرني، فقال رسول الله ﷺ : "كَيْفَ قُلْتَ؟ " فأعاد عليه ما قاله، فضربه برجله وقال: "اللَّهُمَّ عافِهِ ـ أو اشْفِهِ ـ" شك شعبة ـ قال: فما اشتكيتُ وجعي بعدُ. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[١٠/ ٣٥٥] وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة ﵄
أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاللَّهُ أكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ، فَقالَ: لا إِلهَ إِلَاّ أنا وأنا أكْبَرُ؛ وَإذَا قالَ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ قالَ: يَقُولُ: لا إِلهَ إِلَاّ أنا وَحْدِي لا شَرِيكَ لي؛ وَإذَا قالَ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، قال: لا إلهَ إِلَاّ أنا لي المُلْكُ ولِي الحَمْدُ؛ وَإِذَا قالَ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ، قالَ: لا إِلهَ إِلَاّ أنا وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ بِي" وكان يقول "مَنْ قالَهَا في مَرَضِهِ ثُمَّ مَات لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ" قال الترمذي: حديث حسن.
[١١/ ٣٥٦] وروينا في صحيح مسلم وكتب الترمذي والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁؛
أن جبريل أتى النبيّ ﷺ فقال: "يا مُحَمَّدُ! اشْتَكَيْتَ؟ قال: نَعَمْ، قال: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أو عَيْنٍ حاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 219
[١٢/ ٣٥٧] وروينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄؛
أن النبيّ دخل على أعرابيّ يعوده قال: وكان النبيّ إذا دخل على مَن يعُودُه قال: "لا بأسَ طَهُورٌ إنْ شاءَ اللَّهُ".
[١٣/ ٣٥٨] وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁؛
أن رسول الله ﷺ دخل على أعرابيّ يعودُه وهو محموم فقال: "كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ".
[١٤/ ٣٥٩] وروينا في كتاب الترمذي وابن السني، عن أبي أُمامة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "تمَامُ عِيادَةِ المَرِيضِ أنْ يَضَعَ أحَدُكُمْ يَدَهُ على جَبْهَتِهِ أوْ على يَدِهِ فَيَسألَهُ كَيْفَ هُوَ" هذا لفظ الترمذي. وفي رواية ابن السني "مِنْ تَمَامِ العِيادَة أنْ تَضَعَ يَدَكَ على المَرِيضِ فَتَقُولَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ أوْ كَيْفَ أَمْسَيْتَ" قال الترمذي: ليس إسناده بذاك.
[١٥/ ٣٦٠] وروينا في كتاب ابن السني، عن سلمان ﵁ قال:
عادني رسولُ الله ﷺ وأنا مريض، فقال: "يا سَلْمانُ! شَفَى اللَّهُ سَقَمَكَ، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وَعافاكَ فِي دِيْنِكَ وَجِسْمِكَ إلى مُدَّةِ أجَلِكَ".
[١٦/ ٣٦١] وروينا فيه، عن عثمان بن عفان ﵁ قال:
مرضت فكان رسول الله ﷺ يعوّذني، فعّوذني يومًا، فقال: "بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أُعِيذُكَ بالله الأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلمْ يُولَدْ ولَمْ
стр. 220
يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ مِنْ شَرّ ما تَجِدُ. فلما استقلَّ رسول الله ﷺ قائمًا قال: يا عُثْمَانُ تَعَوَّذْ بِها فَمَا تَعَوَّذْتُمْ بِمِثْلِها".
١٠٠ ـ بابُ استحباب وصيّة أهلِ المريضِ وَمَنْ يَخدمه بالإِحسانِ إِليه واحتمالِه والصبرِ على ما يَشُقُّ من أمْرِه
وكذلك الوصيّة بمن قَرُبَ سببُ موته بحدٍّ أو قَصَاصٍ أو غيرهما.
[١/ ٣٦٢] روينا في صحيح مسلم، عن عمران بن الحصين ﵄،
أن امرأةً من جهينة أتت النبيّ ﷺ وهي حُبلى من الزنى، فقالت: يا رسول الله! أصبتُ حَدًّا فأقمْه عليَّ، فدعا نبيُّ الله ﷺ وليَّها فقال: "أحْسِنْ إِلَيْها فإذَا وَضَعَتْ فائتني بِهَا" ففعلَ، فأمرَ بها النبيُّ ﷺ فشُدَّتْ عليها ثيابُها، ثم أمرَ بها فرُجمتْ ثم صلَّى عليها.
١٠١ ـ بابُ ما يقولُه مَنْ به صُداعٌ أو حُمَّى أو غيرهِما (١) من الأَوْجَاع
[١/ ٣٦٣] روينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄؛
أن رسول الله ﷺ كان يعلِّمهم من الأوجاع كلِّها ومن الحمّى أن يقول: "بِسْمِ اللَّهِ الكَبِيرِ، نَعُوذُ باللَّهِ العَظِيمِ منْ شَرّ عِرْقٍ نَعَّارٍ، وَمنْ شَرّ حَرّ النَّارِ".
стр. 221
وينبغي أن يَقرأ على نفسه الفاتحة، وقل هو الله أحد، والمعوّذتين وينفث في يديه كما سبق بيانه، وأن يدعو بدعاء الكرب الذي قدّمناه.
١٠٢ باب جواز قَوْل المريض: أنا شديدُ الوجَع، أو مَوْعوكٌ، أو وَارأسَاهُ ونحو ذلك، وبيانُ أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن شيءٌ من ذلك على سبيل التَّسَخُّطِ وإظهارِ الجَزَعِ
[١/ ٣٦٤] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
دخلتُ على النبيّ وهو يُوعَكُ، فمسسْتُه فقلت: إنك لتُوعك وعكًا شديدًا، قال: "أجَلْ كما يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ".
[٢/ ٣٦٥] روينا في صحيحيهما، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:
جاءني رسول الله ﷺ يعودُني من وَجَعٍ اشتدّ بي، فقلتُ: بلغ بي ما ترى وأنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنتي. وذكرَ الحديث.
[٣/ ٣٦٦] وروينا في صحيح البخاري، عن القاسم بن محمد قال:
قالت عائشة ﵂: وارأساه فقال فقال النبيُّ ﷺ : "بَلْ أنا وَارأساهُ" وذكر الحديث. هذا الحديث بهذا اللفظ مرسل. (١)
стр. 222
١٠٣ بابُ كراهية تمنِّي الموت لضُرٍّ نزلَ بالإِنسان وجوازُه إذا خاف فتنةً في دينهِ
[١/ ٣٦٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال:
قال النبيُّ ﷺ : "لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرّ أصَابَهُ، فإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيِني ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي".
قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: هذا إذا تمنى لضرّ ونحوه، فإن تمنى الموت خوفًا على دينه لفسادِ الزمان ونحو ذلك: لم يكره.
١٠٤ ـ بابُ استحبابِ دُعاءِ الإِنسانِ بأنْ يكونَ موتُه في البلدِ الشريف
[١/ ٣٦٨] روينا في صحيح البخاري، عَنْ أمِّ المؤمنين حفصة بنت عمر ﵄ قالت:
قال عمر ﵁: اللَّهمّ ارزقني شهادة في سبيلك، واجعلْ موتي في بلدِ رسولِك ﷺ ، فقلتُ: أنَّى يكونُ هذا؟ قال: يأتيني الله به إذا شاء.
١٠٥ ـ بابُ استحباب تَطْييبِ نفس (١) المريضِ
[١/ ٣٦٩] روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه بإسناد ضعيف، عن أبي
стр. 223
سعيد الخدريّ ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا دَخَلْتُمْ على مَرِيضٍ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ، فإنَّ ذلكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ" ويغني عنه حديث ابن عباس السابق (١) في باب ما يُقال للمريض "لا بأسَ طَهُورٌ إنْ شاءَ اللَّهُ".
١٠٦ ـ بابُ الثَّناءِ على المريضِ بمحَاسِن أعمالِه ونحوها إذا رأى منه خوفًا ليذهبَ خوفُه ويُحَسِّن ظنَّه بربهِ
[١/ ٣٧٠] روينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄؛
أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁ حين طُعِنَ وكان يُجزِّعه: يا أميرَ المؤمنين! ولا كلّ ذلك، قد صحبتَ رسول الله فأحسنتَ صحبتَه، ثم فارقَكَ وهو عنك راضٍ، ثم صحبتَ أبا بكر فأحسنتَ صحبتَه، ثم فارقَكَ وهو عنك راضٍ، ثم صحبتَ المسلمين فأحسنتَ صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنَّهم وهم عنك راضون .. وذكر تمام الحديث. وقال عمر ﵁: ذلك مِنْ مَنِّ الله تعالى.
[٢/ ٣٧١] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن شُماسة ـ بضم الشين وفتحها ـ قال:
حضرنا عمرو بن العاص ﵁، وهو في سِياقة الموت يَبكي طويلًا، وحوّل وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بَشَّرَكَ رسولُ الله ﷺ بكذا، أما بشِّرك رسولُ الله ﷺ بكذا، فأقبلَ
стр. 224
بوجهه فقال: إنَّ أفضلَ ما نُعِدُّ شهادةَ أن لا إِلهَ إِلَاّ الله وأن محمدًا رسولُ الله، ثم ذكرَ تمامَ الحديث.
[٣/ ٣٧٢] وروينا في صحيح البخاري، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵃؛
أن عائشة ﵂ اشتكت، فجاء ابن عباس ﵄ فقال: يا أمّ المؤمنين! تقدَمين على فَرْطِ صدق: رسول الله ﷺ ، وأبي بكر ﵁. ورواه البخاري أيضًا من رواية ابن أبي مُليكة أن ابن عباس استأذن على عائشة قبل موتها وهي مغلوبة، قالت: أخشى أن يثني عليّ، فقيل: ابن عمّ رسول الله ﷺ من وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، قال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيتُ، قال: فأنت بخير إن شاء الله: زوجة رسول الله ﷺ ، ولم ينكح بِكرًا غيرك ونزلَ عذرُك من السماء.
١٠٧ ـ بابُ ما جَاءَ في تَشْهيةِ المريضِ
[١/ ٣٧٣] روينا في كتابي ابن ماجه وابن السني بإسناد ضعيف، عن أنس ﵁ قال:
دخل النبيّ ﷺ على رجلٍ يعودُه فقال "هَلْ تَشْتَهِي شيئًا؟ تشتهي كَعْكًا؟ " قال: نعم، فطلبه له.
[٢/ ٣٧٤] وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن عقبة بن عامر ﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ على
стр. 225
الطَّعامِ والشَّرابِ، فإنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ" قال الترمذي: حديث حسن.
١٠٨ ـ بابُ طلبِ العوَّادِ الدُّعاء من المريضِ
[١/ ٣٧٥] روينا في سنن ابن ماجه وكتاب ابن السني بإسناد صحيح أو حسن، عن ميمون بن مهران، عن عمر ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا دَخَلْتَ على مَرِيضٍ فَمُرْهُ فَلْيَدْعُ لَكَ، فإنَّ دُعَاءَهُ كَدُعاءِ المَلائِكَةِ". لكن ميمون بن مهران لم يدرك عمر.
١٠٩ ـ بابُ وَعْظِ المريضِ بعدَ عافيتِه وتذكيره الوفاءَ بما عاهدَ الله تعالى عليه من التوبة وغيرِها
قال الله تعالى: ﴿وَأوْفُوا بالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإِسراء:٣٤] وقال تعالى: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عاهَدُوا﴾ [البقرة:١٧٧] الآية، والآيات في الباب كثيرة معروفة.
[١/ ٣٧٦] وروينا في كتاب ابن السني، عن خوّات بن جُبير ﵁، قال:
مرضتُ فعادَني رسولُ الله ﷺ فقال: "صَحَّ الجِسْمُ يا خَوَّاتُ، قلت: وجسمُك يا رسول الله! قال: فَفِ الله بِمَا وَعَدْتَهُ، فقلت: ما وعدتُ الله شيئًا، قال: بَلى إنَّهُ ما منْ عَبْدٍ يَمْرَضُ إِلَاّ أحْدَثَ اللَّهَ خَيْرًا، فَفِ الله بِمَا وَعَدْتَهُ".
стр. 226
١١٠ ـ بابُ ما يقولُه من أَيِسَ من حَياتِه
[١/ ٣٧٧] روينا في كتاب الترمذي وسنن ابن ماجه، عن عائشة ﵂ قالت:
رأيتُ رسولَ الله ﷺ وهو بالموت وعنده قدحٌ فيه ماء، وهو يُدْخِلُ يدَه في القدح ثم يمسحُ وجهَه بالماء، ثم يقولُ: "اللَّهُمَّ أعِنِّي على غَمَرَاتِ المَوْتِ وَسَكَرَاتِ المَوْتِ".
[٣/ ٣٧٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ قالت:
سمعتُ النبيَّ ﷺ وهو مستندٌ إليّ يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَارْحَمْنِي وألحِقْني بالرَّفِيقِ الأعْلَى".
ويستحبّ أن يكثرَ من القرآن والأذكار، ويُكره له الجزع (١)، وسوء
стр. 227
الخلق، والشتم، والمخاصمة، والمنازعة في غير الأمور الدينية، ويُستحبّ أن يكونَ شاكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه، ويستحضر في ذهنه أن هذا آخرُ أوقاتِه من الدنيا فيجتهدُ على ختمها بخير، ويبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها، من ردّ المظالم والودائع والعواري، واستحلال أهله: من زوجته، ووالديه، وأولاده، وغلمانه، وجيرانه، وأصدقائه، وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة، أو تعلّق في شيء. وينبغي أن يوصيَ بأمورِ أولادِه إن لم يكن لهم جدٌّ يَصلحُ للولاية، ويُوصي بما لا يتمكن من فعله في الحال: من قضاء بعض الديون ونحو ذلك. وأن يكون حسنَ الظنّ بالله أنه يرحمَه، ويستحضر في ذهنه أنه حقير في مخلوقات الله تعالى، وأن الله تعالى غنّي عن عذابه وعن طاعته، وأنه عبدُه، ولا يطلبُ العفوَ والإِحسان والصفح (١) والامتنان إلا منه. ويستحبّ أن يكون مُتعاهدًا نفسه بقراءة آياتٍ من القرآن العزيز في الرجاء، ويقرؤُها بصوت رقيق، أو يقرؤُها له غيره وهو يستمع. وكذلك يستقرىءُ أحاديثَ الرجال وحكاياتِ الصالحين وآثارَهم عند الموت. وأن يكونَ خيرُه مُتزايدًا، ويحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسات، وغير ذلك من وظائف الدين، ويصبر على مشقة ذلك؛ وليحذرْ من التساهل في ذلك، فإن من أقبح القبائح أن يكونَ آخِرُ عهده من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة التفريط فيما وجب عليه أو ندب إليه. وينبغي له أن لا يقبل قول من يخذله عن شيء مما ذكرناه، فإن هذا مما يُبتلى به، وفاعل ذلك هو الصديق الجاهل العدوّ الخفيّ فلا يقبل تخذيله، وليجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال.
ويستحبّ أن يوصي أهله وأصحابه بالصبر عليه في مرضه، واحتمال ما يصدر منه، ويوصيهم أيضًا بالصبر على مصيبتهم به، ويجتهد في وصيتهم بترك البكاء عليه، ويقول لهم: صحَّ عن رسول
стр. 228
الله ﷺ أنه قال: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ " (١) فإيَّاكم ـ يا أحبائي ـ وَالسَّعيَ في أسباب عذابي، ويُوصيهم بالرفق بمن يخلفه من طفل وغلام وجارية ونحوهم، ويوصيهم بالإِحسان إلى أصدقائه، ويعلّمهم أنه صحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إِنَّ مِنْ أبَرّ البِرّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ" (٢) وصحّ أن رسول الله ﷺ كان يكرم صواحبات خديجة ﵂ بعد وفاتها (٣) ويستحبّ استحبابًا مؤكدًا أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويؤكد (عليهم) (٤) العهد بذلك. ويُوصيهم بتعاهده بالدعاء وأن لا ينسوه بطول الأمد. ويُستحبّ له أن يقول لهم في وقت بعد وقت: متى رأيتم مني تقصيرًا في شيء فنبّهوني عليه برفق، وأدّوا إليّ النصيحة في ذاك، فإني معرّض للغفلة والكسل والإِهمال. فإذا قصَّرْتُ فنشِّطوني وعاونوني على أُهبة سفري هذا البعيد.
ودلائل ما ذكرته في هذا الباب معروفة مشهورة حذفتها اختصارًا فإنها تحتمل كراريس. وإذا حضره النزعُ فليكثرْ من قول: لا إِلهَ إِلَاّ الله. لتكون آخرَ كلامِه.
[٣/ ٣٧٩] فقد روينا في الحديث المشهور في سنن أبي داود وغيره، عن معاذ بن جبل ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : " مَنْ كَان آخِرَ
стр. 229
كَلامِه لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ" قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه المستدرك على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإِسناد.
[٤/ ٣٨٠] وروينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتاكُمْ لا إِلهَ إِلَاّ الله" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورويناه في صحيح مسلم أيضًا من رواية أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ .
قال العلماء: فإن لم يقل هو "لا إِله إِلَاّ الله" لقَّنه مَنْ حضرَه، ويلقنه برفق مخافةَ أن يضجرَ فيردّها (١)، وإذا قالها مرّة لا يُعيدها عليه إلا أن يتكلم بكلام آخر. قال أصحابنا: ويستحبّ أن يكون الملقن غير وارثٍ متّهم، لئلا يُحْرِجَ الميتَ ويتَّهمه.
واعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا: نُلَقِّنُ ونقولُ (٢):
لا إِله إلَاّ الله محمد رسول الله، واقتصر الجمهور على قول لا إِله إِلَاّ الله، وقد بسطتُ ذلك بدلائله وبيان قائليه في كتاب الجنائز من شرح المهذّب.
١١١ ـ بابُ ما يقولُه بعد تَغميضِ الميّت
[١/ ٣٨١] روينا في صحيح مسلم، عن أُمّ سلمة، واسمها هند رضي
стр. 230
الله عنها، قالت: دخلَ رسولُ الله ﵌ على أبي سلمة وقد شَقَّ بصرُه، فأغمضَه ثم قال: "إن الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبعَهُ البَصَرُ، فَضجّ ناسٌ من أهلِه، فقال: لا تَدْعُوا على أنْفُسكُمْ إِلَاّ بِخَيْرٍ، فإنَّ المَلائِكَةَ يُؤمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ، ثم قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَة، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيَّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنا وَلَهُ يا رَبَّ العالَمِينَ، وَافْسحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" قلت: قولها "شقَّ بصرُه" هو بفتح الشين، وبصرُه برفع الراء فاعل شقّ، هكذا الرواية فيه باتفاق الحفاظ وأهل الضبط. قال صاحب الأفعال: يُقال شقّ بصرُ الميت، شقّ الميتُ بصرَه: إذا شخص.
[٢/ ٣٨٢] وروينا في سنن البيهقي بإسناد صحيح، عن بكر بن عبد الله التابعي الجليل قال:
إذا أغمضتَ الميّتَ فقل: بسمِ الله، وعلى ملّةِ رسولِ الله ﷺ ؛ وإذا حملته فقل: بسم الله، ثم سبِّحْ ما دمتَ تحملُه.
١١٢ ـ بابُ ما يُقالُ عندَ الميّت
[١/ ٣٨٣] روينا في صحيح مسلم، عن أُمّ سلمة ﵂ قالت:
قال رسولُ الله ﷺ : "إذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ أَوِ المَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا، فإنَّ المَلائكَةَ يُؤَمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ" قالت: فلما مات أبو سلمة أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله! إن أبا سلمةَ قد ماتَ، قال: قُولي: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَلَهُ، وَأعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً" فقلتُ، فأعقبني الله مَن هو خيرٌ لي منه: محمدًا ﷺ . قلتُ: هكذا وقع في صحيح مسلم، وفي الترمذي.
стр. 231
"إذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ" أوِ "المَيِّتَ" على الشكّ. وروينا في سنن أبي داود وغيره "الميّتَ" من غير شك.
[٢/ ٣٨٤] وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه، عن معقل بن يسار الصحابي ﵁؛
أن النبي ﷺ قال: "اقْرَؤُوا يس على مَوْتاكُمْ" قلت: إسناده ضعيف، فيه مجهولان، لكن لم يضعفه أبو داود.
وروى ابن أبي داود، عن مُجالد، عن الشعبيّ قال: كانت الأنصارُ إذا حَضَرُوا قرؤوا عند الميت سورة البقرة. مُجالد ضعيف.
١١٣ ـ بابُ ما يقولُه مَنْ مَاتَ له ميّت
[١/ ٣٨٥] روينا في صحيح مسلم، عن أُمّ سلمة ﵂ قالت:
سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما مِنْ عَبْدٍ تُصيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ؛ اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتي وأخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها إلَاّ أَجَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مُصِيبَتِهِ وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْها"، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله تعالى لي خيرًا منه: رسولَ الله ﷺ .
[٢/ ٣٨٦] وروينا في سنن أبي داود، عن أُم سلمة ﵂
стр. 232
قالت:
قال رسول الله ﷺ :"إِذَا أصَابَ أحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ: إِنَّا لِلَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فأْجُرْنِي فِيها وأبْدِلْنِي بِها خَيْرًا مِنها".
[٣/ ٣٨٧] وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أبي موسى الأشعري ﵁
أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا ماتَ وَلَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى لِمَلائكَتهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقولونَ: نَعَمْ: فَيَقولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ؟ فيقولونَ: نَعَمْ، فَيَقولُ: فَماذا قالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ابْنُوا لِعَبْدي بَيْتًا في الجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٤/ ٣٨٨] وفي معنى هذا ما رويناه في صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁
أن رسول الله ﷺ قال: "يَقُولُ اللَّهُ تَعالى، ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَاّ الجَنَّةُ".
١١٤ ـ بابُ ما يقولُه مَنْ بَلَغَهُ مَوْتُ صَاحِبِهِ
[١/ ٣٨٩] روينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : "المَوْتُ فَزَعٌ، فإذَا بَلَغَ أحَدَكُمْ وَفاةُ أخِيهِ فَلْيَقُلْ: (إِنَّا لِلَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَإِنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبونَ) اللَّهُمَّ اكْتُبْهُ عِنْدَكَ فِي الْمُحْسِنِينَ، وَاجْعَلْ كِتابَهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي أَهْلِهِ فِي الغابِرِينَ، وَلا تَحْرِمْنا أجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ".
стр. 233
١١٥ ـ بابُ ما يقولُه إذا بلَغه موتُ عدوِّ الإِسلام
[١/ ٣٩٠] روينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود ﵁ قال:
أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله! قد قتلَ الله أبا جهلٍ، فقال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَ عَبْدَهُ وَأعَزَّ دِينَهُ".
١١٦ ـ بابُ تحريمِ النياحَةِ على الميِّتِ والدُّعَاءِ بدعوَى الجاهليّة
أجمعت الأمّةُ على تحريم النياحة، والدعاء بدعوى الجاهلية، والدعاء بالويل والثبور عند المصيبة.
[١/ ٣٩١] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ" وفي رواية لمسلم "أوْ دَعا أوْ شَقَّ" بأو.
[٢/ ٣٩٢] وروينا في صحيحيهما، عن أبي موسى الأشعري ﵁؛
أن رسول الله ﷺ برىء من الصالقة والحالقة والشاقة.
قلت: الصالقة: التي ترفع صوتها بالنياحة؛ والحالقة: التي تحلق
стр. 234
شعرها عند المصيبة؛ والشاقة: التي تشقّ ثيابها عند المصيبة، وكل هذا حرام باتفاق العلماء، وكذلك يحرم نشر الشعر ولطم الخدود وخمش الوجه والدعاء بالويل.
[٣/ ٣٩٣] وروينا في صحيحيهما، عن أُمّ عطيةَ ﵂ قالت:
أخذَ علينا رسولُ الله ﷺ في البيعة أن لا ننوح.
[٤/ ٣٩٤] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "اثْنَتانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ وَالنِّياحَةُ على المَيِّتِ".
[٥/ ٣٩٥] وروينا في سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة.
واعلم أن النياحة: رفع الصوت بالندب، والندب: تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت، وقيل: هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه. قال أصحابنا: ويحرم رفع الصوت بإفراط في البكاء.
وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة فليس بحرام.
[٦/ ٣٩٦] فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عمر ﵄؛
أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فبكى رسولُ الله ﷺ ، فلما رأى القومُ بكاءَ رسول الله ﷺ بكَوْا، فقال: "ألا تَسْمَعُونَ إنَّ
стр. 235
اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ ولا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذّبُ بِهَذَا أَوْ يَرْحَمُ، وأشار إلى لسانه ﷺ ".
[٧/ ٣٩٧] وروينا في صحيحيهما، عن أُسامة بن زيد ﵄؛
أن رسول الله ﷺ رُفِعَ إليه ابنُ ابنته وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟! قال: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في قُلوبِ عِبَادِهِ، وإنمَا يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ".
قلت: الرحماء: رُوي بالنصب والرفع، فالنصبُ على أنه مفعول يرحم، والرفع على أنه خبر إنّ، وتكون ما بمعنى الذي.
[٨/ ٣٩٨] وروينا في صحيح البخاري، عن أنس ﵁؛
أن رسول الله ﷺ دخل على ابنه إبراهيم ﵁ وهو يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسولَ الله؟! فقال: "يا بْنَ عَوْفٍ! إِنَها رَحْمَةٌ" ثم أتبعها بأخرى فقال: "إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَاّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة مشهورة.
وأما الأحاديث الصحيحة: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فليست على ظاهرها وإطلاقها، بل هي مؤوّلة واختلف العلماء في تأويلها على أقوال: أظهرها ـ والله أعلم ـ أنها محمولة على أن يكون له سبب في البكاء إما بأن يكون أوصاهم به، أو غير ذلك، وقد جمعت كل ذلك أو معظمه في كتاب الجنائز من شرح المهذب، والله أعلم.
стр. 236
قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى للحديث الصحيح، "فإذَا وَجَبَتْ فَلا تَبْكِيَنَّ باكِيَةٌ" (١) " وقد نصّ الشافعي ﵀ والأصحاب على أنه يُكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم، وتأوّلوا حديث "فَلَا تَبْكينَّ بَاكِيَةٌ" على الكراهة.
١١٧ ـ بابُ التَّعْزِيَة
[١/ ٣٩٩] روينا في كتاب الترمذي والسنن الكبرى للبيهقي، عن عبد الله بن مسعود ﵁
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" وإسناده ضعيف.
[٢/ ٤٠٠] وروينا في كتاب الترمذي أيضًا، عن أبي برزة الأسلمي ﵁
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا في الجَنَّةِ" قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ.
[٣/ ٤٠١] وروينا في سنن أبي داود والنسائي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ حديثًا طويلًا فيه
أن النبيّ ﷺ قال لفاطمة ﵂: "ما أخْرَجَكِ يَا فاطِمَةُ مِنْ بَيْتكِ؟ " قالَت: أتيتُ أهلَ هذا الميت فترحمتُ إليهم ميّتهم أو عزَّيْتُهم به.
стр. 237
[٤/ ٤٠٢] وروينا في سنن ابن ماجه والبيهقي، بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم ﵁
عن النبيّ ﷺ قال: "ما مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أخاهُ بِمُصِيْبَتِهِ إِلَاّ كَساهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ".
واعلم أن التعزية هي التصبير وذكر ما يسلّي صاحب الميت ويخفّف حزنه ويهوّن مصيبته وهي مستحبة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضًا في قول الله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا على البِرّ والتَّقْوَى﴾ وهذا من أحسن ما يُستدلّ به في التعزية. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه" (١).
واعلم أن التعزية مستحبّة قبل الدفن وبعده. قال أصحابنا: يدخل وقت التعزية من حين يموت ويبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن. والثلاثة على التقريب لا على التحديد، كذا قاله الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا. قال أصحابنا: وتُكره التعزية بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المُصاب، والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هكذا قاله الجماهير من أصحابنا. وقال أبو العباس بن القاص من أصحابنا: لا بأس بالتعزية بعد الثلاثة، بل يبقى أبدًا وإن طال الزمان؛ وحكى هذا أيضًا إمام الحرمين عن بعض أصحابنا، والمختار أنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين استثناهما أصحابنا أو جماعة منهم، وهما إذا كان المعزِّي أو صاحب المصيبة غائبًا حال الدفن واتفق رجوعه بعد الثلاثة. قال أصحابنا: التعزية بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه،
стр. 238
ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم يرَ منهم جزعًا شديدًا، فإن رآه قدّم التعزية ليسكِّنهم، والله تعالى أعلم.
[فصل]: ويستحبّ أن يعمَّ بالتعزية جميعَ أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء، إلا أن تكون امرأةً شابّةً فلا يعزّيها إلا محارمُها. وقال أصحابنا: وتعزيةُ الصلحاء والضعفاء على احتمال المصيبة والصبيان آكد.
[فصل]: قال الشافعي وأصحابنا ﵏: يُكره الجلوس للتعزية. قالوا: ويعني بالجلوس أن يجتمعَ أهلُ الميت في بيت ليقصدَهم مَن أراد التعزية، بل ينبغي أن يَتَصرَّفوا في حوائجهم ولا فرقَ بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرَّحَ به المحاملي، ونقله عن نصّ الشافعي ﵁، وهذه كراهةُ تنزيه إذا لم يكن معها مُحدَثٌ آخر، فإن ضُمَّ إليها أمرٌ آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حرامًا من قبائح المحرمات فإنه مُحَدَث، وثبت في الحديث الصحيح: "إنَّ كلَّ مُحدَثٍ بِدْعة، وكلّ بدعةٍ ضَلالة" (١).
[فصل]: وأما لفظةُ التعزية فلا حجرَ فيه، فبأيّ لفظ عزَّاه حصلت. واستحبَّ أصحابُنا أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعْظَمَ اللَّهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لمَيِّتِكَ. وفي المسلم بالكافر: أعظم الله أجرَك. وأحسن عزاءَك. وفي الكافر بالمسلم: أَحسن الله عزاءك، وغفر لميّتك. وفي الكافر بالكافر: أخلف الله عليك. (٢).
وأحسن ما يُعزَّى به:
стр. 239
[٥/ ٤٠٣] ما روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أُسامة بن زيد ﵄ قال:
أرسلتْ إحدى بنات النبيِّ ﷺ إليه تدعوه وتخبره أنّ صبيًا لها أو ابنًا في الموت، فقال للرسول: "ارْجعْ إلَيْها فأخْبرْها أنَّ لِلَّهِ تَعالى ما أخَذَ وَلَهُ ما أعْطَى، وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمَّى، فمُرْها فَلْتَصْبرْ وَلْتَحْتَسبْ" وذكر تمام الحديث.
قلت: فهذا الحديث من أعظم قواعد الإِسلام، المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه، والآداب، والصبر على النوازل كلِّها، والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض. ومعنى "أن لله تعالى ما أخذ" أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية؛ ومعنى "وله ما أعطى" أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه مايشاء، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمّى فلا تجزعوا، فإن من قبضه قد انقضى أجَله المسمى، فمُحال تأخره أو تقدّمخ عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم.
[٦/ ٤٠٤] وروينا في كتاب النسائي بإسناد حسن، عن معاوية بن قرّة بن إياس، عن أبيه ﵁؛
أن النبيّ ﷺ فقدَ بعضَ أصحابه فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! بُنَيُّهُ الذي رأيته هلك، فلقيه النبيّ ﷺ ، فسأله عن بنيّه فأخبره بأنه هلك، فعزّاه عليه ثم قال: "يا فُلانُ! أيُّمَا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ: أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ، أوْ لا تَأتِي غَدًا بابًا مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ إِلَاّ وَجَدْتَهُ قَدْ
стр. 240
سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ، قال: يا نبيّ الله! بل يسبقني إلى الجنة فيفتحها لي لهو أحبّ إليّ، قال: فَذَلِكَ لَكَ".
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي (١) رحمهما الله؛ أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي ﵀ مات له ابن فجَزعَ عليه عبد الرحمن جزعًا شديدًا، فبعثَ إليه الشافعي ﵀: يا أخي عزِّ نفسك بما تَعَزَّى به غيرُك، واستقبحْ من فعلك ما تستقبحُه من فعل غيرك. واعلم أن أمضَّ المصائب فقدُ سرورٍ وحرمانُ أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتِساب وزر؟ فتناول حظَّكَ يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبَه وقد نأى عنك، ألهمك اللَّهُ عند المصائب صبرًا، وأحرزَ لنا ولك بالصبر أجرًا، وكتب إليه:
إنّي مُعَزِّيكَ لا أني على ثِقَةٍ ... مِنَ الخُلُودِ وَلَكِنْ سُنَّةُ الدّينِ
فَمَا المُعَزَّى بِباقٍ بَعْدَ مَيِّتِهِ ... وَلا المُعَزِّي وَلَوْ عاشا إلى حِينِ
وكتبَ رجلٌ إلى بعض إخوانه يعزُّيه بابنه: أما بعد، فإنَّ الولدَ على والده ما عاش حُزْنٌ وفتنة، فإذا قدّمه فصلاة ورحمة، فلا تجزعْ على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيّع ما عوّضك الله عزّوجلّ من صلاته ورحمته.
وقال موسى بن المهدي لإِبراهيم بن سالم وعزَّاه بابنه: أسَرَّك وهو بليّة وفتنة، وأحزنَك وهو صلوات ورحمة؟!
وعزَّى رجلٌ فقال: عليك بتقوى الله والصبر، فبه يأخذ المحتسب، وإليه (٢) يرجع الجازع. وعزّى رجل رجلًا فقال: إن من كان
стр. 241
لك في الآخرة أجرًا؛ خير ممّن كان لك في الدنيا سرورًا. وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه دفن ابنًا له وضحك عند قبره، فقيل له: أتضحك عند القبر؟ قال: أردت أنْ أُرْغِمَ أنف الشيطان (١).
وعن ابن جُرَيْجٍ ﵀ قال: من لم يتعزّ عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سَلَا كما تَسْلُو البهائم.
وعن حُميد الأعرج قال: رأيت سعيدَ بن جُبير ﵀ يقول في ابنه ونظر إليه: إني لأعلم خير خلّة فيه، قيل: ما هي؟ قال: يموت فأحتسبه.
وعن الحسن البصري ﵀ أن رجلًا جَزِع على ولده وشكا ذلك إليه، فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائبًا فإنه لم يغبْ عنك غيبة الأجْرُ لك فيها أعظم من هذه، فقال: يا أبا سعيد! هوَّنت عنّي وجْدي على ابني.
وعن ميمون بن مهران قال: عزَّى رجل عمرَ بن عبد العزيز ﵁ على ابنه عبد الملك ﵁، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمرٌ كنّا نعرفه، فلما وقع لم ننكره. وعن بشر بن عبد الله قال: قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك فقال: رحمك الله يا بنيّ! فقد كنت سارًّا مولودًا، وبارًّا اشئًا، وما أحبّ أني دعوتك فأجبتني. وعن مسلمة قال: لما ماتَ عبدُ الملك بن عمر كشفَ أبوه عن وجهه وقال: رحمك الله يا بني! فقد سررت بك يوم بُشِّرْتُ بك، ولقد عمرتَ مسرورًا بك، وما أنت عليّ ساعة أنا فيها أسرّ من ساعتي هذه، أما والله إن كنتَ لتدعو أباك إلى الجنة. قال أبو الحسن المدائني: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في
стр. 242
وجعه فقال: يا بني! كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحقّ، قال: يا بنيّ! لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك، فقال: يا أبتِ! لأن يكون ما تُحبُّ أحبّ إليّ من أن يكون ما أحب.
وعن جُويرية بن أسماء، عن عمّه، أن إخوة ثلاثة شهدوا يوم تُسْتَرَ فاسْتشهدوا، فخرجتْ أُمُّهم إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجلٌ حضرَ تُسْتَرَ، فعرفتْه، فسألته عن أمور بَنِيها، فقال: اسْتُشهدوا، فقالت: مُقبلين أو مُدبرين؟ قال: مُقبلين، قالت: الحمد لله، نالوا الفوزَ وحاطوا الذِّمار، بنفسي هم وأبي وأمي. قلت: الذِّمار بكسر الذال المعجمة، وهم أهل الرجل وغيرهم مما يحقّ عليه أن يحميه، وقولها حاطوا: أي حفِظوا ورعوا.
ومات ابن الإِمام الشافعي ﵁ فأنشدَ:
وما الدّهرُ إِلاّ هكذا فاصْطبرْ لهُ ... رزِيَّةُ مالٍ أو فِراقُ حَبِيب
قال أبو الحسن المدائني: مات الحسنُ والدُ عبيد الله بن الحسن، وعبيدُ الله يومئذ قاضي البصرة وأميرُها، فكثر من يعزّيه، فذكروا ما يتبيّنُ به جزعُ الرجل من صبره، فأجمعوا على أنه إذا ترك شيئًا كان يصنعه فقد جزع.
قلت: والآثار في هذا الباب كثيرة، وإنما ذكرت هذه الأحرف لئلا يخلو هذا الكتاب من الإِشارة إلى طرف من ذلك والله أعلم.
[فصل]: في الإِشارة إلى بعض ما جرى من الطاعون في الإِسلام. والمقصود بذكره هنا التصبّر والحمل على التأسّي، وأن مصيبة الإِنسان قليلة بالنسبة إلى ما جرى قبله.
قال أبو الحسن المدائني: كانت الطواعين المشهورة العظام في
стр. 243
الإِسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله ﷺ سنة ستّ من الهجرة، ثم طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفًا، ثم طاعون في زمن ابن الزبير في شوّال سنة تسع وستين، مات في ثلاثة أيام في كلّ يوم سبعون ألفًا، مات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابنًا، وقيل ثلاثة وسبعون ابنًا، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابنًا، ثم طاعون الفتيات في شوّال سنة سبع وثمانين، ثم طاعون سنة إحدى وثلاثين ومئة في رجب، واشتدّ في رمضان، وكان يُحصى في سكة المِربد في كل يوم ألف جنازة، ثم خفّ في شوّال. وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين، وفيه: توفي المغيرة بن شعبة، هذا آخر كلام المدائني.
وذكر ابن قُتيبة في كتابه "المعارف" عن الأصمعي في عدد الطواعين نحو هذا، وفيه زيادة ونقص. قال: وسمي طاعون الفتيات لأنه بدأ في العذارى بالبصرة وواسط والشام والكوفة، ويقال له: طاعون الأشراف لِما مات فيه من الأشراف. قال: ولم يقع بالمدينة ولا مكة طاعون قطّ.
وهذا الباب واسع، وفيما ذكرته تنبيهٌ على ما تركته، وقد ذكرتُ هذا الفصل أبسط من هذا في أوّل شرح صحيح مسلم ﵀، وبالله التوفيق.
١١٨ ـ بابُ جَواز إعلامِ أصحاب الميّتِ وقرابتِه (١) بموتِه وكراهةِ النَّعي
[١/ ٤٠٥] روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن حذيفة رضي الله
стр. 244
عنه قال:
إذا مِتُّ فلا تُؤذنوا بي أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي. قال الترمذي: حديث حسن.
[٢/ ٤٠٦] وروينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن مسعود ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فإنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ" وفي رواية عن عبد الله ولم يرفعه. قال الترمذي: هذا أصحّ من المرفوع، وضعَّف الترمذي الروايتين.
[٣/ ٤٠٧] وروينا في الصحيحين؛
أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي إلى أصحابه.
وروينا في الصحيحين (١)، أن النبيّ ﷺ قال في ميت دفنوه بالليل ولم يعلم به: "أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ ".
قال العلماء المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم: يُستحبّ إعلامُ أهل الميت وقرابته وأصدقائه لهذين الحديثين. قالوا: النعيُ المنهي عنه إنما هو نعي الجاهلية، وكانت عادتهم إذا مات منهم شريفٌ بعثوا راكبًا إلى القبائل يقول: نعايا فلان، أو يا نعايا العرب: أي هلكت العرب بمهلك فلان، ويكون مع النعي ضجيج وبكاء.
وذكر صاحب الحاوي من أصحابنا وجهين لأصحابنا في استحباب
стр. 245
الإِيذان بالميت وإشاعة موته بالنداء والإِعلام، فاستحبّ ذلك بعضهُم للميت الغريب والقريب، لما فيه من كثرة المصلّين عليه والدّاعين له. وقال بعضُهم: يُستحبّ ذلك للغريب ولا يُستحبّ لغيره. قلت: والمختار استحبابه مطلقًا إذا كان مجرّد إعلام (١).
١١٩ ـ بابُ ما يُقالُ في حَالِ غَسْلِ الميّتِ وتَكفِينه
يُستحبّ الإِكثار من ذكر الله تعالى والدعاء للميت في حال غسله وتكفينه. قال أصحابنا: وإذا رأى الغاسلُ من الميّت ما يُعجبه من استنارة وجهه وطيب ريحه ونحو ذلك استُحبَّ له أن يحدّثَ الناس بذلك، وإذا رأى ما يَكره من سوادِ وجه، ونتْنِ رائحة، وتغيّر عضو، وانقلاب صورة، ونحو ذلك حرّم عليه أن يحدّث أحدًا به، واحتجوا:
[١/ ٤٠٨] بما رويناه في سنن أبي داود والترمذي، عن ابن عمر ﵄
أن رسول الله ﷺ قال: "اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتاكُمْ وكُفُّوا عَنْ مَساوِيهِمْ" ضعفه الترمذي.
[٢/ ٤٠٩] وروينا في "السنن الكبرى" للبيهقي، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أرْبَعِينَ مَرَّةً". ورواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.
стр. 246
ثم إن جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرته. وقال أبو الخير اليمني صاحب "البيان" منهم: لو كان الميت مبتدعًا مظهرًا للبدعة، ورأى الغاسلُ منه ما يكره، فالذي يقتضيه القياس أن يتحدّث به في الناس ليكونَ ذلك زجرًا للناس عن البدعة.
١٢٠ ـ بابُ أَذْكَارِ الصَّلاة على الميّت
اعلم أن الصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك غسله وتكفينه ودفنه، وهذا كلُّه مجمع عليه. وفيما يسقط به فرض الصلاة أربعة أوجه: أصحّها عند أكثر أصحابنا يسقط بصلاة رجل واحد. والثاني: يُشترط اثنان. والثالث: ثلاثة. والرابع: أربعة؛ سواء صلُّوا جماعة أو فُرادى. وأما كيفية هذه الصلاة فهي أن يكبرَ أربعَ تكبيرات ولا بُدَّ منها، فإن أخلَّ بواحدة لم تصحّ صلاته، وإن زاد خامسة ففي بطلان صلاته وجهان لأصحابنا: الأصحّ لا تبطل، ولو كان مأمومًا فكبَّر إمامُه خامسة، فإن قلنا إن الخامسة تبطل الصلاة فارقه المأموم كما لو قام إلى ركعة خامسة. وإن قلنا بالأصحّ أنها لا تبطل لم يفارقه ولم يتابعه على الصحيح المشهور، وفيه وجه ضعيف لبعض أصحابنا أنه يتابعه، فإذا قلنا بالمذهب الصحيح أنه لا يتابعه فهل ينتظره ليسلّم معه، أم يسلّم في الحال؟ فيه وجهان: الأصحّ ينتظره، وقد أوضحتُ هذا كلَّه بشرحه ودلائله في شرح المهذّب. ويستحبّ أن يرفعَ اليد مع كل تكبيرة. وأما صفة التكبير وما يستحبّ فيه وما يبطله وغير ذلك من فروعه فعلى ما قدمته في باب صفة الصلاة وأذكارها.
وأما الأذكارُ التي تُقال في صلاة الجنازة بين التكبيرات، فيقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، وبعد الثانية يُصلِّي على النبيّ ﷺ ، وبعد الثالثة يدعو للميت، والواجب منه ما يقع عليه اسم الدعاء، وأما الرابعة فلا يجب
стр. 247
بعدها ذكر أصلًا، ولكن يُستحبّ ما سأذكره إن شاء الله تعالى.
واختلف أصحابنا في استحباب التعوّذ ودعاء الافتتاح عُقيب التكبيرة الأولى قبل الفاتحة وفي قراءة السورة بعد الفاتحة على ثلاثة أوجه: أحدُها يستحبّ الجميع، والثاني لا يُستحبّ، والثالث وهو الأصحّ أنه يُستحبّ التعوّذ دون الافتتاح والسورة. واتفقوا على أنه يستحبّ التأمين عقيب الفاتحة.
[١/ ٤١٠] وروينا في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄؛
أنه صلى على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنّة.
وقوله سنّة في معنى قول الصحابي: من السّة كذا، وكذا جاء في سنن أبي داود قال: إنها من السنّة. فيكون مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ على ما تقرّر وعُرف في كتب الحديث والأصول.
قال أصحابنا: والسنّة في قراءتها الإِسرار دون الجهر، سواء صُلِّيت ليلًا أو نهارًا، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي قاله جماهير أصحابنا. وقال جماعة منهم: إن كانت الصلاة في النهار أسرّ، وإن كانت في الليل جهر. وأما التكبيرة الثانية فأقلّ الواجب عقيبها أن يقول: اللَّهُمَّ صَلّ على مُحَمَّدٍ، ويُستحبّ أن يقول: وعلى آلِ مُحَمَّدٍ. ولا يجب ذلك عند جماهير أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يجب وهو شاذّ ضعيف.
ويستحبّ أن يدعو فيها للمؤمنين والمؤمنات إن اتسع الوقت له، نصّ عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، ونقل المزني (١) عن الشافعي يُستحبّ أيضًا أن
стр. 248
يحمد الله ، فقال باستحبابه جماعات من الأصحاب وأنكره جمهورهم، فإذا قلنا باستحبابه بدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبيّ ﷺ ، ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، فلو خالف هذا الترتيب جاز وكان تاركًا للأفضل.
وجاءت أحاديث بالصلاة على رسول الله ﷺ (١) رويناها في سنن البيهقي، ولكني قصدتُ اختصار هذا الباب، إذ موضعُ بسطه كتب الفقه، وقد أوضحته في شرح المهذب.
وأما التكبيرة الثالثة فيجب فيها الدعاء للميت، وأقلُّه ما ينطلق عليه الاسم كقوله: ﵀، أو غفر الله له، أو اللهمَّ اغفرْ له، أو ارحمه، أو الطفْ به ونحو ذلك.
وأما المستحبّ فجاءت فيه أحاديث وآثار؛ فأما الأحاديث فأصحّها:
[٢/ ٤١١] ما رويناه في صحيح مسلم، عن عوف بن مالك ﵁ قال:
صلّى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بالمَاءِ والثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ منَ الخَطايا كما نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ
стр. 249
مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأهْلًا خَيْرًا مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وأدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ أو مِنْ عَذَابِ النَّارِ" حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وفي رواية لمسلم "وَقِهِ فتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ".
[٣/ ٤١٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والبيهقي، عن أبي هريرة ﵁
عن النبيّ ﷺ أنه صلّى على جنازة فقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرنا، وَذَكَرِنا وأُنْثانا، وشَاهِدِنا وغائِبِنا؛ اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ على الإِيمان؛ اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ" قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. ورويناه في سنن البيهقي وغيره من رواية أبي قتادة. ورويناه في كتاب الترمذي من رواية أبي إبراهيم الأشهليّ (١) عن أبيه، وأبوه صحابي، عن النبيّ ﷺ ، قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل، يعني البخاري: أصحُّ الروايات في حديث "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا" رواية أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه. قال البخاري: وأصحُّ شيء في الباب حديث عوف بن مالك. ووقع من رواية أبي داود "فأحْيِهِ على الإِيمَانِ، وَتَفَّهُ على الإِسْلامِ" والمشهور في معظم كتب الحديث "فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَتَوَفَّهُ على الإِيمَانِ" كما قدّمناه.
[٤/ ٤١٣] وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "إذا صَلَّيْتُمْ على المَيِّتِ فأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاءَ".
стр. 250
[٥/ ٤١٤] وروينا في سنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁،
عن النبيّ ﷺ في الصلاة على الجنازة "اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا وأنْتَ خَلَقْتَها وأنْتَ هَدَيْتَهَا للإِسْلام وأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَها وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرّها وَعَلانِيَتِهَا، جِئْنا شُفَعاءَ فاغْفِرْ لَهُ".
[٦/ ٤١٥] وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه، عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال:
صلّى بنا رسولُ الله ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: "اللَّهُمَّ إنَّ فُلانَ ابْنَ فُلانَة فِي ذِمَّتِكَ (١) وَحَبْلِ جوَارِكَ (٢)، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْر وَعَذَاب النَّارِ، وأنْتَ أهْلُ الوَفاءِ وَالحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ".
واختار الإِمام الشافعي ﵀ دعاءً التقطه من مجموع هذه الأحاديث وغيرها فقال: يقول: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ، خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيا وَسَعَتِها، ومَحْبُوبُهُ وأحِبَّاؤُهُ فيها، إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ ومَا هُوَ لاقيهِ، كانَ