← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13566

الأذكار للنووي ت مستو

النووي

Полный текст (619 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثم إن جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرته. وقال أبو الخير اليمني صاحب "البيان" منهم: لو كان الميت مبتدعًا مظهرًا للبدعة، ورأى الغاسلُ منه ما يكره، فالذي يقتضيه القياس أن يتحدّث به في الناس ليكونَ ذلك زجرًا للناس عن البدعة. ١٢٠ ـ بابُ أَذْكَارِ الصَّلاة على الميّت اعلم أن الصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك غسله وتكفينه ودفنه، وهذا كلُّه مجمع عليه. وفيما يسقط به فرض الصلاة أربعة أوجه: أصحّها عند أكثر أصحابنا يسقط بصلاة رجل واحد. والثاني: يُشترط اثنان. والثالث: ثلاثة. والرابع: أربعة؛ سواء صلُّوا جماعة أو فُرادى. وأما كيفية هذه الصلاة فهي أن يكبرَ أربعَ تكبيرات ولا بُدَّ منها، فإن أخلَّ بواحدة لم تصحّ صلاته، وإن زاد خامسة ففي بطلان صلاته وجهان لأصحابنا: الأصحّ لا تبطل، ولو كان مأمومًا فكبَّر إمامُه خامسة، فإن قلنا إن الخامسة تبطل الصلاة فارقه المأموم كما لو قام إلى ركعة خامسة. وإن قلنا بالأصحّ أنها لا تبطل لم يفارقه ولم يتابعه على الصحيح المشهور، وفيه وجه ضعيف لبعض أصحابنا أنه يتابعه، فإذا قلنا بالمذهب الصحيح أنه لا يتابعه فهل ينتظره ليسلّم معه، أم يسلّم في الحال؟ فيه وجهان: الأصحّ ينتظره، وقد أوضحتُ هذا كلَّه بشرحه ودلائله في شرح المهذّب. ويستحبّ أن يرفعَ اليد مع كل تكبيرة. وأما صفة التكبير وما يستحبّ فيه وما يبطله وغير ذلك من فروعه فعلى ما قدمته في باب صفة الصلاة وأذكارها. وأما الأذكارُ التي تُقال في صلاة الجنازة بين التكبيرات، فيقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، وبعد الثانية يُصلِّي على النبيّ ﷺ ، وبعد الثالثة يدعو للميت، والواجب منه ما يقع عليه اسم الدعاء، وأما الرابعة فلا يجب

стр. 247

بعدها ذكر أصلًا، ولكن يُستحبّ ما سأذكره إن شاء الله تعالى. واختلف أصحابنا في استحباب التعوّذ ودعاء الافتتاح عُقيب التكبيرة الأولى قبل الفاتحة وفي قراءة السورة بعد الفاتحة على ثلاثة أوجه: أحدُها يستحبّ الجميع، والثاني لا يُستحبّ، والثالث وهو الأصحّ أنه يُستحبّ التعوّذ دون الافتتاح والسورة. واتفقوا على أنه يستحبّ التأمين عقيب الفاتحة. [١/ ٤١٠] وروينا في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄؛ أنه صلى على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنّة. وقوله سنّة في معنى قول الصحابي: من السّة كذا، وكذا جاء في سنن أبي داود قال: إنها من السنّة. فيكون مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ على ما تقرّر وعُرف في كتب الحديث والأصول. قال أصحابنا: والسنّة في قراءتها الإِسرار دون الجهر، سواء صُلِّيت ليلًا أو نهارًا، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي قاله جماهير أصحابنا. وقال جماعة منهم: إن كانت الصلاة في النهار أسرّ، وإن كانت في الليل جهر. وأما التكبيرة الثانية فأقلّ الواجب عقيبها أن يقول: اللَّهُمَّ صَلّ على مُحَمَّدٍ، ويُستحبّ أن يقول: وعلى آلِ مُحَمَّدٍ. ولا يجب ذلك عند جماهير أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يجب وهو شاذّ ضعيف. ويستحبّ أن يدعو فيها للمؤمنين والمؤمنات إن اتسع الوقت له، نصّ عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، ونقل المزني (١) عن الشافعي يُستحبّ أيضًا أن

стр. 248

يحمد الله ، فقال باستحبابه جماعات من الأصحاب وأنكره جمهورهم، فإذا قلنا باستحبابه بدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبيّ ﷺ ، ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، فلو خالف هذا الترتيب جاز وكان تاركًا للأفضل. وجاءت أحاديث بالصلاة على رسول الله ﷺ (١) رويناها في سنن البيهقي، ولكني قصدتُ اختصار هذا الباب، إذ موضعُ بسطه كتب الفقه، وقد أوضحته في شرح المهذب. وأما التكبيرة الثالثة فيجب فيها الدعاء للميت، وأقلُّه ما ينطلق عليه الاسم كقوله: ﵀، أو غفر الله له، أو اللهمَّ اغفرْ له، أو ارحمه، أو الطفْ به ونحو ذلك. وأما المستحبّ فجاءت فيه أحاديث وآثار؛ فأما الأحاديث فأصحّها: [٢/ ٤١١] ما رويناه في صحيح مسلم، عن عوف بن مالك ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بالمَاءِ والثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ منَ الخَطايا كما نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ

стр. 249

مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأهْلًا خَيْرًا مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وأدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ أو مِنْ عَذَابِ النَّارِ" حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وفي رواية لمسلم "وَقِهِ فتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ". [٣/ ٤١٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والبيهقي، عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه صلّى على جنازة فقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرنا، وَذَكَرِنا وأُنْثانا، وشَاهِدِنا وغائِبِنا؛ اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ على الإِيمان؛ اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ" قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. ورويناه في سنن البيهقي وغيره من رواية أبي قتادة. ورويناه في كتاب الترمذي من رواية أبي إبراهيم الأشهليّ (١) عن أبيه، وأبوه صحابي، عن النبيّ ﷺ ، قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل، يعني البخاري: أصحُّ الروايات في حديث "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا" رواية أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه. قال البخاري: وأصحُّ شيء في الباب حديث عوف بن مالك. ووقع من رواية أبي داود "فأحْيِهِ على الإِيمَانِ، وَتَفَّهُ على الإِسْلامِ" والمشهور في معظم كتب الحديث "فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَتَوَفَّهُ على الإِيمَانِ" كما قدّمناه. [٤/ ٤١٣] وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "إذا صَلَّيْتُمْ على المَيِّتِ فأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاءَ".

стр. 250

[٥/ ٤١٤] وروينا في سنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ في الصلاة على الجنازة "اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا وأنْتَ خَلَقْتَها وأنْتَ هَدَيْتَهَا للإِسْلام وأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَها وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرّها وَعَلانِيَتِهَا، جِئْنا شُفَعاءَ فاغْفِرْ لَهُ". [٦/ ٤١٥] وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه، عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: "اللَّهُمَّ إنَّ فُلانَ ابْنَ فُلانَة فِي ذِمَّتِكَ (١) وَحَبْلِ جوَارِكَ (٢)، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْر وَعَذَاب النَّارِ، وأنْتَ أهْلُ الوَفاءِ وَالحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ". واختار الإِمام الشافعي ﵀ دعاءً التقطه من مجموع هذه الأحاديث وغيرها فقال: يقول: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ، خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيا وَسَعَتِها، ومَحْبُوبُهُ وأحِبَّاؤُهُ فيها، إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ ومَا هُوَ لاقيهِ، كانَ

стр. 251

يَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وأنْتَ أعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِكَ وأنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ به، وأصْبَحَ فَقيرًا إلى رَحْمَتِكَ وأنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إليك شُفَعَاءَ لَهُ؛ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ في إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجاوَزْ عَنْهُ وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَافْسحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَجافِ الأرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ الأمْنَ مِنْ عَذَابِكَ حتَّى تَبْعَثَهُ إلى جَنَّتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! هذا نصّ الشافعي في مختصر المزني رحمهما الله. قال أصحابنا: فإن كان الميت طفلًا دعا لأبويه فقال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَهُما فَرَطًا، واجْعَلْهُ لَهُما سَلَفًا، واجْعَلْهُ لَهُما ذُخْرًا، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُما، وأفرغ الصَّبْرَ على قُلوبِهِما، وَلا تَفْتِنْهُما بَعْدَهُ وَلا تَحْرِمْهُما أجْرَهُ. هذا لفظ ما ذكره أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا في كتابه الكافي، وقاله الباقون بمعناه، وبنحوه قالوا. ويقول معه: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، إلى آخره. قال الزبيري: فإن كانتْ امرأةً قال: "اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُكَ، ثم يُنَسِّقُ الكلام، والله أعلم. وأما التكبيرة الرابعة فلا يجبُ بعدها ذكْرٌ بالاتفاق، ولكن يستحبّ أن يقول ما نصّ عليه الشافعي رحمهلا الله في كتاب البويطي قال: يقول في الرابعة: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنا أجْرَهُ، وَلا تَفْتِنّا بَعْدَهُ. قال أبو عليّ بن أبي هريرة من أصحابنا: كان المتقدمون يقولون في الرابعة ﴿رَبَّنا آتنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّار﴾ [البقرة: ٢٠١]. قال: وليس ذلك بمحكيّ عن الشافعي فإن فعله كان حسنًا، قلت: يكفي في حسنه ما قد قدّمناه في حديث أنس في باب دعاء الكرب، والله أعلم. قلتُ: ويُحتجّ للدعاء في الرابعة:

стр. 252

بما رويناه في السنن الكبرى للبيهقي (١)، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄؛ أنه كبّر على جنازة ابنه أربع تكبيرات، فقام بعد الرابعة كقدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا. وفي رواية: كبَّرَ أربعًا فمكثَ ساعةً حتى ظننا أنه سيكبّر خمسًا، ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصنعُ، أو هكذا صنعَ رسولُ الله ﷺ . قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح. [فصل]: وإذا فرغَ من التكبيرات وأذكارها سلَّمَ تسليمتين كسائر الصلوات، لما ذكرناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وحكم السلام على ما ذكرناه في التسليم في سائر الصلوات، هذا هو المذهب الصحيح المختار، ولنا فيه هنا خلاف ضعيف تركته لعدم الحاجة إليه في هذا الكتاب، ولو جاء مسبوقٌ فأدرك الإِمامَ في بعض الصلاة أحرمَ معه في الحال وقرأ الفاتحة ثم ما بعدها على ترتيب نفسه، ولا يُوافق الإِمام فيما يقرؤه، فإن كبَّرَ ثم كبَّرَ الإِمامُ التكبيرة الأخرى قبل أن يتمكن المأموم من الذكر سقطَ عنه كما تسقط القراءةُ عن المسبوق في سائر الصلوات وإذا سلَّمَ الإِمامُ وقد بقي على المسبوق في الجنازة بعضُ التكبيرات لزمه أن يأتي بها مع أذكارها على الترتيب، هذا هو المذهبُ الصحيح المشهور عندنا. ولنا قول ضعيف إنه يأتي بالتكبيرات الباقيات متواليات بغير ذكر الله، والله أعلم.

стр. 253

١٢١ ـ بابُ ما يقولُه الماشي مع الجَنَازة يُستحبّ له أن يكون مشتغلًا بذكر الله تعالى، والفكر فيما يلقاه الميت وما يكون مصيرُه وحاصلُ ما كان فيه، وأن هذا آخرُ الدنيا ومصيرُ أهلها؛ وليحذرْ كلَّ الحذر من الحديث بما لا فائدةَ فيه، فإن هذا وقتُ فِكر وذكر تقبحُ فيه الغفلةُ واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلامَ بما لا فائدة فيه منهيٌّ عنه في جميع الأحوال، فكيف في هذا الحال. واعلم أن الصوابَ المختارَ ما كان عليه السلفُ ﵃ السكوتُ (١) في حال السير مع الجنازة فلا يُرفع صوتٌ بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكنُ لخاطره وأجمعُ لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوبُ في هذا الحال، فهذا هو الحقّ، ولا تغترّنّ بكثرة من يُخالفه، فقد قال أبو عليّ الفُضيل بن عِياض ﵁ ما معناه: الزمْ طرقَ الهدَى، ولا يضرُّكَ قلّةُ السالكين، وإياك وطرقَ الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين. وقد روينا في سنن البيهقي (٢) ما يقتضي ما قلته. وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكّن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القرّاء، والله المستعان. ١٢٢ ـ بابُ ما يقولُه مَنْ مرَّتْ به جنازة أو رآها يستحبّ أن يقول: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذي لا يَمُوتُ. وقال القاضي

стр. 254

الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه البحر: يُستحبّ أن يدعوَ ويقول: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ الحَيّ الَّذي لا يَمُوتُ، فيستحبّ أن يدعوَ لها ويثني عليها بالخير إن كانت أهلًا للثناء، ولا يُجازف في ثنائه. ١٢٣ ـ بابُ ما يقولُه مَن يُدْخِلْ الميّتَ قبرَه [١/ ٤١٦] روينا في سنن أبي داود والترمذي والبيهقي وغيرها، عن ابن عمر ﵄؛ أن النبيّ ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلى سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ " قال الترمذي: حديث حسن. قال الشافعي والأصحاب ﵏: يُستحبّ أن يدعو للميت مع هذا. ومن حسن الدعاء ما نصّ عليه الشافعي ﵀ في مختصر المزني قال: يقول الذين يدخلونه القبر (١): اللَّهُمَّ أسْلَمَهُ إلَيْكَ الأشِحَّاءُ (٢) مِنْ أهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَقَرابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيا وَالحَياةِ إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ وأنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، إنْ عاقَبْتَهُ فَبِذَنْبٍ، وإنْ عَفَوتَ عَنْهُ فأنْتَ أهْلُ العَفْوِ، أنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ وَهُوَ فَقِيرٌ إلى رَحْمَتِكَ؛ اللَّهُمَّ اشْكُرْ حَسَنَتَهُ، وَاغْفِرْ سَيِّئَتَهُ، وأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأمْنَ منْ عَذَابِكَ، واكْفِهِ كل هَوْلٍ دُونَ الجَنَّةِ؛

стр. 255

اللَّهُمَّ اخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الغابِرِينَ، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعْدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! ". ١٢٤ ـ بابُ ما يقولُه بعدَ الدَّفْن السنّة لمن كان على القبر أن يحثي في القبر ثلاث حثيات بيديه جميعًا من قِبل رأسه. قال جماعة من أصحابنا: يُستحبّ أن يقول في الحثية الأولى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُم﴾ وفي الثانية: ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ وفي الثالثة: ﴿وَمِنْها نُخرِجُكُمْ تارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٦]. ويُستحبّ أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما يُنحر جزور ويُقسم لحمُها، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأحوال الصالحين. [١/ ٤١٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عليّ ﵁ قال: كنّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسولُ الله ﷺ ، فقعدَ وقعدنا حولَه ومعه مِخصَرَة، فنكسَ وجعلَ ينكتُ بمخصرته، ثم قال: "ما مِنْكُمْ مِنْ

стр. 256

أحَدٍ إِلَاّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، فقالوا: يارسول الله! أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" وذكر تمام الحديث. [٢/ ٤١٨] وروينا في صحيح مسلم، عن عمرو بن العاص ﵁ قال: إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما يُنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنسَ بكم وأنظرَ ماذا أراجعُ به رسلَ ربي. [٣/ ٤١٩] وروينا في سنن أبي داود والبيهقي، بإسناد حسن، عن عثمان ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا فرغَ من دفن الميت وقفَ عليه فقال: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فإنَّهُ الآنَ يُسْألُ" قال الشافعي والأصحاب: يُستحبّ أن يقرؤوا عنده شيئًا من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسنًا. [٤/ ٤٢٠] وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن؛ أن ابن عمر استحبَّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها. [فصل]: وأما تلقينُ الميّت بعد الدفن فقد قال جماعة كثيرون من أصحابنا باستحبابه، وممّن نصَّ على استحبابه: القاضي حسين في تعليقه، وصاحبه أبو سعد المتولي في كتابه "التتمة"، والشيخ الإِمام الزاهد أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، والإِمام أبو القاسم الرافعي وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن الأصحاب. وأما لفظه فقال الشيخ نصر: إذا فرغ من دفنه يقف عند رأسه ويقول: يا فلان بن فلان! ذكر العهد الذي خرجتَ عليه من الدنيا: شهادة أن لا إِلهَ إِلَاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا

стр. 257

عبده ورسوله، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، قل رضيت بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إمامًا، وبالمسلمين إخوانًا، ربّي الله لا إِلهَ إِلا هو، وهو ربّ العرش العظيم، هذا لفظ الشيخ نصر المقدسي في كتابه "التهذيب"، ولفظ الباقين بنحوه، وفي لفظ بعضهم نقص عنه، ثم منهم مَن يقول: يا عبد الله ابن أمة الله! ومنهم مَن يقول: يا عبد الله بن حوّاء، ومنهم من يقول: يا فلان ـ باسمه ـ ابن أمة الله، أو يا فلان بن حوّاء، وكله بمعنى. وسُئل الشيخ الإِمام أبو عمر بن الصلاح ﵀ عن هذا التلقين فقال في فتاويه: التلقين هو الذي نختاره ونعمل به، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين قال: وقد روينا فيه حديثًا من حديث أبي أمامة ليس بالقائم إسناده (١)، ولكن اعتضد بشواهد وبعمل أهل الشام به قديمًا. قال: وأما تلقين الطفل الرضيع فما له مُستند يُعتمد ولا نراه، والله أعلم. قلتُ: الصواب أنه لا يلقن الصغير مطلقًا، سواء كان رضيعًا أو أكبر منه ما لم يبلغ ويصير مكلفًا، والله أعلم. ١٢٥ ـ بابُ وصيّةِ الميّتِ أنّ يُصلِّيَ عليه إنسانٌ بعينه، أو أن يُدفن على صفةٍ مخصوصةٍ وفي مَوْضعٍ مَخصوص، وكذلك الكفنُ وغيرُه من أمورِه التي تُفعل والتي لا تُفعل [١/ ٤٢١] روينا في صحيح البخاري، عن عائشة ﵂

стр. 258

قالت: دخلت على أبي بكر ﵁: يعني وهو مريض، فقال: في كم كفّنتم النبيّ ﷺ ؟ فقلت: في ثلاثة أثواب، قال: في أيّ يوم تُوفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الاثنين، قال: فأيّ يوم هذا؟ قالت يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه به رَدْع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفِّنوني فيها. قلت: إن هذا خَلَق، قال: إن الحيّ أحقُّ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة، فلم يتوفّ حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودُفن قبل أن يُصبحَ. قلت: قولها رَدْع، بفتح الراء وإسكان الدال وبالعين المهملات: وهو الأثر. وقوله للمهلة، روي بضم الميم وفتحها وكسرها ثلاث لغات والهاء ساكنة: وهو الصديد الذي يتحلّل من بدن الميت. [٢/ ٤٢٢] وروينا في صحيح البخاري؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لما جُرِحَ: إذا أنا قُبِضتُ فاحملوني، ثم سلِّم وقلْ يستأذنُ عمر، فإن أذنتْ لي ـ يعني عائشةَ ـ فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المسلمين. [٣/ ٤٢٣]ـ وروينا في صحيح مسلم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: قال سعد: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللبنَ نصبًا كما صُنع برسول الله ﷺ . [٤/ ٤٢٤] وروينا في صحيح مسلم، عن عمرو بن العاص رضي الله

стр. 259

عنه؛ أنه قال وهو في سياقة الموت: إذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنّوا عليَّ التراب شنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما يُنحر جزور ويقسم لحمها أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. قلت: قوله شنوا، روي بالسين المهملة وبالمعجمة، ومعناه: صبّوه قليلًا قليلًا. وروينا في هذا المعنى حديث حذيفة المتقدم في باب إعلام أصحاب الميت بموته، وغير ذلك من الأحاديث، وفيما ذكرناه كفاية وبالله التوفيق. قلت: وينبغي أن لا يقلد الميتُ ويتابع في كلّ ما وصَّى به، بل يُعرض ذلك على أهل العلم، فما أباحوه فعل ما لا فلا. وأنا أذكر من ذلك أمثلة، فإذا أوصى بأن يدفن في موضع من مقابر بلدته، وذلك الموضع معدن الأخيار فينبغي أن يُحافظ على وصيته، وإذا أوصى بأن يُصلِّي عليه أجنبي فهل يُقَدَّم في الصلاة على أقارب الميت؟ فيه خلاف للعلماء، والصحيح في مذهبنا أن القريب أولى، لكن إن كان الموصَى له ممّن يُنسب إلى الصلاح أو البراعة في العلم مع الصيانة والذكر الحسن، استحبّ للقريب الذي ليس هو في مثل حاله إيثاره رعاية لحقّ الميت، وإذا أوصى بأن يُدفن في تابوت لم تنفذ وصيته، إلا أن تكون الأرض رخوة، أو نديّة يحتاج فيها إليه، فتُنفذ وصيّته فيه ويكون من رأس المال كالكفن. وإذا أوصى بأن يُنقل إلى بلد آخر لا تنفّذ وصيّته، فإن النقلّ حرامٌ على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرن وصرّح به المحققون، وقيل: مكروه. قال الشافعي ﵀: إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيُنقل إليها لبركتها. وإذا أوصى بأن يُدفَن تحته مِضربة أو مخدة تحتَ رأسه أو نحو ذلك لم تُنفذ وصيّته. وكذا إذا أوصى بأن يُكفَّن في

стр. 260

حرير، فإن تكفينَ الرجال في الحرير حرام، وتكفينُ النساء فيه مكروه وليس بحرام، والخنثى في هذا كالرجل. ولو أوصى بأن يُكَفَّن فيما زاد على عدد الكفن المشروع أو في ثوب لا يَستر البدن لا تنفذ وصيّته. ولو أوصى بأن يُقرأ عند قبره أو يُتصدّق عنه وغير ذلك من أنواع القرب، نُفِّذَتْ إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه. ولو أوصى بأن تُؤَخَّرَ جنازته زائدًا على المشروع لم تنفذ. ولو أوصى بأن يُبنى عليه في مقبرة مسبَّلة للمسلمين لم تنفّذ وصيته، بل ذلك حرام. ١٢٦ ـ بابُ ما ينفعُ الميّتَ من قَوْل غيره أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويَصلُهم (١). واحتجّوا بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوَانِنا الَّذين سَبَقُونا بالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها، وفي الأحاديث المشهورة كقوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ" (٢) وكقوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنَا" (٣) وغير ذلك. واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يَصل. وذهب أحمدُ بن حنبل وجماعةٌ من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يَصل، والاختيار أن يقولَ القارىءُ بعد فراغه: "اللهمّ أوصلْ ثوابَ ما قرأته إلى فلان، والله أعلم. ويُستحبّ الثناء على الميت وذكر محاسنه.

стр. 261

[١/ ٤٢٥]ـ وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبيّ ﷺ : "وَجَبَتْ" ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وَجَبَتْ" فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: "هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّه في الأرْضِ". [٢/ ٤٢٦] وروينا في صحيح البخاري، عن أبي الأسود قال: قدمتُ المدينةَ فجلستُ إلى عمرَ بن الخطاب ﵁، فمرّتْ بهم جنازة، فأُثني على صاحبها خيرٌ، فقال عمر: وجبتْ، ثم مُرّ بأخرى فأُثني على صاحبها خيرٌ، فقال عمر: وجبتْ، ثم مُرّ بالثالثة فأُثني على صاحبها شرٌّ فقالَ عمرُ: وجبتْ؛ قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟! قال: قلتُ كما قال النبيّ ﷺ :"أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ" فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وَثَلَاثَةٌ" فقلنا: واثنان، قال: "وَاثْنانِ"، ثم لم نسأله عن الواحد. والأحاديث بنحو ما ذكرنا كثيرة، والله أعلم. ١٢٧ ـ بابُ النّهي عن سبِّ الأمْوَات [١/ ٤٢٧] روينا في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا". [٢/ ٤٢٨] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، بإسناد ضعيف ضعَّفه

стр. 262

الترمذي، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اذْكُرُوا مَحاسنَ مَوْتاكُمْ، وكُفُّوا عَنْ مَساوِيهمْ". قلت: قال العلماء: يَحرم سبُّ الميت المسلم الذي ليس معلنًا بفسقه. وأما الكافرُ والمُعلِنُ بفسقه من المسلمين ففيه خلاف للسلف وجاءت فيه نصوص متقابلة، وحاصلُه أنه ثبت في النهي عن سبّ الأموات ما ذكرناه في هذا الباب. وجاء في الترخيص في سبّ الأشرار أشياء كثيرة، منها ما قصَّه اللَّهُ علينا في كتابه العزيز وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته؛ ومنها أحاديثُ كثيرة في الصحيح، كالحديث الذي ذكر فيه ﷺ عمروَ بن لحيّ، وقصة أبي رِغال (١)، والذي كان يسرقُ الحاجَّ بمحجنه (٢)، وقصة ابن جُدْعان (٣) وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح الذي قدّمناه لما مرّت جنازة فأثنوا عليها شرًّا فلم ينكر عليهم النبيّ ﷺ بل قال: "وجبتْ".

стр. 263

واختلف العلماءُ في الجمع بين هذه النصوص على أقوال أصحُّها وأظهرُها أن أمواتَ الكفار يجوز ذكر مساويهم. وأما أمواتُ المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما، فيجوز ذكرُهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم، والتنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما فعلوه، وإن لم تكن حاجة لم يجزْ؛ وعلى هذا التفصيل تُنَزَّلُ هذه النصوص، وقد أجمعَ العلماءُ على جرح المجروح من الرواة، والله أعلم. ١٢٨ ـ بابُ ما يقولُه زائرُ القبور [١/ ٤٢٩] روينا في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ كلّمَا كان ليلتُها من رسول الله ﷺ يخرجُ من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَأتاكُمْ ما تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحقُونَ؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ". [٢/ ٤٣٠] وروينا في صحيح مسلم، عن عائشة أيضًا أنها قالت: كيف أقولُ يا رسولَ الله؟! ـ تعني في زيارة القبور ـ قال: "قُولي: السَّلامُ على أهْلِ الدّيارِ مِنَ المُؤْمنينَ وَالمُسْلمينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَمِنَّا وَالمُسْتأخِرِين، وَإنَّا إنْ شاءَ اللَّه بِكُمْ لاحِقُونَ". [٣/ ٤٣١] ورَوينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والنسائي وابن

стр. 264

ماجه، عن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى المقبرة فقال: "السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ". [٤/ ٤٣٢] وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن عباس ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ بقبور أهل المدينة، فأقبلَ عليهم بوجهه فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أهْلَ القُبُورِ! يَغْفِرُ اللَّهُ لَنا وَلَكُمْ، أنْتُمْ سَلَفُنا وَنَحْنُ بالأثَرِ" قال الترمذي: حديث حسن. [٥/ ٤٣٣] وروينا في صحيح مسلم، عن بريدة ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدّيارِ مِنَ المؤْمِنِينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ، أسألُ اللَّهُ لَنَا ولَكُمُ العافيَةَ". ورويناه في كتاب النسائي وابن ماجه هكذا، وزاد بعد قوله: للاحقون: "أنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ". [٦/ ٤٣٤] وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂؛ أن النبيّ ﷺ أتى البقيعَ فقال:"السَّلامُ عَلَيْكُمْ دار قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أنْتُمْ لَنا فَرَطٌ، وإنَّا بِكُمْ لاحِقُونَ؛ اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهُمْ وَلا تُضِلَّنا بَعْدَهُمْ". ويُستحب للزائر الإِكثار من قراءة القرآن والذكر، والدعاء لأهل تلك المقبرة وسائر الموتى والمسلمين أجمعين. ويُستحبّ الإِكثار من الزيارة، وأن يكثرَ الوقوفَ عند قبور أهل الخير والفضل.

стр. 265

١٢٩ ـ بابُ نهي الزائر مَنْ رآه يبكي جزعًا عند قبر، وأمرِه إِيَّاه بالصبرِ ونهيِهِ أيضًا عن غير ذلك مما نهى الشرعُ عنه [١/ ٤٣٥] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال: مرّ النبيُّ ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتَّقي اللَّهَ وَاصْبِرِي". [٢/ ٤٣٦] وروينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، بإسناد حسن، عن بشير بن معبد ـ المعروف بابن الخصاصية ﵁ قال: بينما أنا أُماشي النبيّ ﷺ نظر فإذا رجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: "يا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ ألْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ" وذكر تمام الحديث. قلت: السِّبتية: النعل الذي لا شعر عليها، وهي بكسر السين المهملة وإسكان الباء الموحدة. وقد أجمعت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودلائله في الكتاب والسنّة مشهورة، والله أعلم.

стр. 266

١٣٠ ـ بابُ البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين وبمصارعهم وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك [١/ ٤٣٧] روينا في صحيح البخاري، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه ـ يعني لما وصلوا الحِجْرَ ديارَ ثمود ـ: "لا تَدْخُلُوا على هَؤُلاءِ المُعَذَّبينَ إِلَاّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فإنْ لَمْ تَكُونُوا باكينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لا يُصيبُكُم ما أصَابَهُمْ".

стр. 267

كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة ١٣١ ـ بابُ الأذكارِ المستحبّةِ يومَ الجمعة وليلتها والدُّعاء يُستحبّ أن يُكْثرَ في يومها وليلتها من قراءة القرآن والأذكار والدعوات، والصلاة على رسول الله ﷺ ، ويقرأ سورة الكهف في يومها. قال الشافعي ﵀ في كتاب "الأمّ": وأستحبُّ قراءتَها أيضًا في ليلة الجمعة. [١/ ٤٣٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﵌ ذكرَ يومَ الجمعة فقال:"فيهِ ساعَةٌ لا يُوَافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسألُ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا إِلَاّ أعْطاهُ إيَّاهُ" وأشار بيده يقللها. قلت: اختلفَ العلماءُ من السلف والخلف في هذه الساعة على أقوال كثيرة منتشرة غاية الانتشار، وقد جمعتُ الأقوالَ المذكورةَ فيها كلها في شرح المهذّب وبيّنتُ قائلها، وأن كثيرًا من الصحابة على أنها بعد العصر. والمراد بقائم يُصَلِّي: من ينتظرُ الصلاة فإنه في صلاة. وأصحّ ما جاء فيها:

стр. 268

[٢/ ٤٣٩] ما رويناه في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "هيَ ما بَيْنَ أنْ يَجْلِس الإِمامُ إلى أنْ يَقْضِيَ الصَّلاةَ" يعني يجلس على المنبر. أما قراءةُ سورة الكهف، والصَّلاةُ على رسول الله ﷺ فجاءتْ فيهما أحاديث مشهورة تركتُ نقلَها لطول الكتاب؛ لكونها مشهورة، وقد سبق جملة منها في بابها. [٣/ ٤٤٠] وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ قالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". [٤/ ٤٤١] وروينا فيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا دخل المسجد يومَ الجمعة أخذ بعضادتي الباب ثم قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْني أوْجَهَ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وأقْرَبَ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ، وأفْضَلَ مَنْ سألَكَ وَرَغِبَ إِلَيْكَ". قلت: يُستحبّ لنا نحن أن نقول: اجْعَلْني مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ وَمِنْ أقْرَبِ وَمِنْ أَفْضَلِ. فنزيد لفظة "مِن". وأما القراءة المستحبة في صلاة الجمعة وفي صلاة الصبح يوم الجمعة فتقدّم بيانها في باب أذكار الصلاة.

стр. 269

[٥/ ٤٤٢] وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ، وَقُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ أعاذَهُ اللَّهُ بِها مِنَ السُّوءِ إلى الجُمُعَةِ الأُخْرَى". [فصل]: يُسْتَحَبُّ الإِكثار من ذكر الله تعالى بعد صلاة الجمعة، قال الله تعالى: ﴿فإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠]. ١٣٢ ـ بابُ الأذْكَارِ المشروعةِ في العِيدين اعلم أنه يُستحبّ إحياء ليلتي العيدين بذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك: "مَنْ أَحْيا لَيْلَتي العِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ" ورُوي "مَنْ قَامَ لَيْلَتي العِيدَيْنِ لِلَّهِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حينَ تَمُوتُ القُلُوبُ" هكذا جاء في رواية الشافعي وابن ماجه (١)، وهو حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامة مرفوعًا وموقوفًا، وكلاهما ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يُتسامح فيها كما قدّمناه في أوّل الكتاب. واختلف العلماءُ في القدر الذي يَحصل به الإِحياءُ، فالأظهرُ أنه لا يحصل إلا بمعظم الليل، وقيل: يَحصل بساعة.

стр. 270

[فصل]: ويستحبّ التكبير ليلتي العيدين، ويُستحبّ في عيد الفطر من غروب الشمس إلى أن يُحرم الإِمام بصلاة العيد، ويُستحبّ ذلك خلفَ الصلواتِ وغيرها من الأحوال. ويُكثر منه عند ازدحام الناس، ويُكَبِّر ماشيًا وجالسًا ومضطجعًا، وفي طريقه، وفي المسجد، وعلى فراشه، وأما عيدُ الأضحى فيُكَبِّر فيه من بعد صلاة الصبح من يوم عَرَفة إلى أن يصليَ العصر من آخر أيام التشريق، وَيُكَبِّر خلفَ هذه العَصْرِ ثم يقطع، هذا هو الأصحّ الذي عليه العمل، وفيه خلاف مشهور في مذهبنا ولغيرنا، ولكن الصحيح ما ذكرناه، وقد جاء فيه أحاديث رويناها في سنن البيهقي، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه من حيث الحديث ونقل المذهب في شرح المهذّب وذكرتُ جميعَ الفروع المتعلقة به، وأنا أُشيرُ هنا إلى مقاصده مختصرة. قال أصحابنا: لفظ التكبير أن يقول: "اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ" هكذا ثلاثًا متواليات، ويكرّر هذا على حسب إرادته. قال الشافعي والأصحاب: فإن زادَ فقال: "الله أكْبَرُ كَبيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثيرًا، وَسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إِلهَ إِلَاّ الله واللَّهُ أكْبَرُ" كانَ حَسَنًا. وقال جماعة من أصحابنا: لا بأسَ أن يقول ما اعتاده الناسُ، وهو "اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ". [فصل]: اعلم أن التكبير مشروعٌ بعد كلّ صلاة تُصلَّى في أيام التكبير، سواء كانت فريضة أو نافلة أو صلاة جنازة، وسواءٌ كانت الفريضة مؤدّاة أو مقضية أو منذروة، وفي بعض هذا خلاف ليس هذا موضع بسطه، ولكن الصحيح ما ذكرته وعليه الفتوى وبه العمل، ولو كبَّرَ الإِمامُ على

стр. 271

خلاف اعتقاد المأموم بأن كان يَرى الإِمامُ التكبيرَ يوم عرفة أو أيام التشريق، والمأموم لا يَراه، أو عكسَه، فهل يتابعه، أم يعمل باعتقاد نفسه؟ فيه وجهان لأصحابنا: الأصحُّ يَعمل باعتقاد نفسه، لأن القدوة انقطعتْ بالسلام من الصلاة بخلاف ما إذا كبَّر في صلاة العيد زيادة على ما يراه المأموم، فإنه يُتابعه من أجل القُدوة. [فصل]: والسُّنّة أن يُكبر في صلاة العيد قبل القراءة تكبيراتٍ زوائد، فيُكَبِّر في الركعة الأولى سبعَ تكبيرات سوى الافتتاح، وفي الثانية خمسَ تكبيرات سوى تكبيرة الرفع من السجود، ويكونُ التكبيرُ في الأولى بعد دعاء الاستفتاح وقبل التعوّذ، وفي الثانية قبل التعوّذ. ويستحبّ أن يقولَ بين كل تكبيرتين: سبحان الله والحمد لله ولا إِله إِلَاّ الله والله أكبر، هكذا قاله جمهور أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يقول: "لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ". وقال أبو نصر بن الصباغ وغيره من أصحابنا: إن قال ما اعتاده الناس فحَسَن، وهو "اللَّهُ أكْبَرُ كَبيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا" وكل هذا على التوسعة، ولا حَجْرَ في شيء منه، ولو ترك جميع هذا الذكر وترك التكبيرات السبع والخمس، صحَّتْ صلاته ولا يسجد للسهو، ولكن فاتته الفضيلة؛ ولو نسي التكبيرات حتى افتتح القراءة لم يرجع إلى التكبيرات على القول الصحيح. وللشافعي قول ضعيف أنه يرجع إليها. وأما الخطبتان في صلاة العيد فيُستحبّ أن يُكَبِّرَ في افتتاح الأولى تسعًا، وفي الثانية سبعًا. وأما القراءة في صلاة العيد فقد تقدَّم بيان ما يُستحبّ أن يقرأ فيها في باب صفة أذكار الصلاة، وهو أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة ق، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وإن شاء في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْم رَبِّكَ الأعْلَى﴾ وفي الثانية ﴿هَل أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾.

стр. 272

١٣٣ ـ بابُ الأَذْكارِ في العَشْر الأوّلِ من ذي الحِجّة قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُروا اسْمَ اللَّهِ فِي أيَّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحج:٢٨] الآية. قال ابن عباس والشافعي والجمهور: هي أيامُ العشر. واعلم أنه يُستحبُّ الإِكثار من الأذكار في هذا العشر زيادةً على غيره، ويُستحب من ذلك في يوم عَرَفة أكثر من باقي العشر. [١/ ٤٤٣] روينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ مِنْها في هَذِهِ قالوا: وَلا الجهادُ فِي سَبيل الله؟ قال: وَلا الجِهادُ، إِلَاّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفْسِهِ وَمالِه فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ" هذا لفظ رواية البخاري وهو صحيح. وفي رواية الترمذي: "ما مِنْ أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهنَّ أحَبُّ إلى الله تعالى مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ" وفي رواية أبي داود مثل هذه، إلا أنه قال: "مِنْ هَذِهِ الأيَّام" يعني العشر. [٢/ ٤٤٤] ورويناه في مسند الإِمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، بإسناد الصحيحين، قال فيه: "ما العَمَلُ فِي أيَّامٍ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ فِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، قيل: ولا الجهاد؟ " وذكر تمامه، وفي رواية "عَشْرِ الأضْحَى". [٣/ ٤٤٥] وروينا في كتاب الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ الدُّعاءِ دعاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ ما قُلْتُ

стр. 273

أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ضعَّفَ الترمذي إسناده. [٤/ ٤٤٦] ورويناه في موطأ الإِمام مالك، بإسناد مرسل وبنقصان في لفظه، ولفظه: "أفْضَلُ الدُّعاءِ دعاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ". وبلغنا عن سالم (١) بن عبد الله بن عمر ﵃؛ أنه رأى سائلًا يسألُ الناسَ يوم عَرَفَةَ، فقال: يا عاجزُ! في هذا اليوم يُسألُ غيرُ الله عزّوجلّ؟ وقال البخاري في صحيحه (٢): كان عمر ﵁ يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ بمنى فيسمعه أهلُ المسجد فيُكبِّرون ويُكَبِّر أهلُ الأسواق حتى ترتجّ مِنىً تكبيرًا. قال البخاري (٣): وكان ابن عمر وأبو هريرة ﵄ يَخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكَبِّران ويُكَبِّر الناسُ بتكبيرهما. ١٣٤ ـ بابُ الأَذْكارِ المشروعةِ في الكُسُوف اعلم أنه يُسنُّ في كسوف القمر والإِكثارُ من ذكر الله تعالى

стр. 274

ومن الدعاء، وتُسَنّ الصلاة له بإجماع المسلمين. [١/ ٤٤٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحياتِهِ، فإذَا رأيْتُمْ ذلكَ فادْعُوا اللَّهَ تَعالى وكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا" وفي بعض الروايات في صحيحيهما "فإذَا رأيْتُم ذلكَ فاذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى". وكذلك رويناه من رواية ابن عباس. وروياه في صحيحيهما من رواية أبي موسى الأشعري عن النبيّ ﷺ "فإذّا رأيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذلك فافْزَعُوا إلى ذِكْرِهِ وَدُعائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ". وروياه في صحيحيهما من رواية المغيرة بن شعبة "فإذَا رأيْتُموها فادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا" وكذلك رواه البخاري من رواية أبي بكرة أيضًا، والله أعلم. [٢/ ٤٤٨] وفي صحيح مسلم، من رواية عبد الرحمن بن سمرة قال: أتيتُ النبيّ ﷺ وقد كُسفت الشمسُ وهو قائمٌ في الصلاة رافعٌ يديه، فجعلَ يُسَبِّحُ ويُهَلِّلُ ويُكَبِّر ويحمَد ويدعو حتى حُسِرَ عنها، فلما حُسِرَ عنها قرأ سورتين وصلَّى ركعتين. قلت: حُسِر بضم الحاء وكسر السين المهملتين: أي كشف وجْلِّي. [فصل]: ويُستحبّ إطالة القراءة في صلاة الكسوف، فيقرأ في القومة

стр. 275

الأولى نحو سورة البقرة، وفي الثانية نحو مئتي آية، وفي الثالثة نحو مئة وخمسين آية، وفي الرابعة نحو مئة آية. ويُسبِّحُ في الركوع الأوّل بقدر مئة آية، وفي الثاني سبعين، وفي الثالث كذلك، وفي الرابع خمسين؛ ويُطوِّل السجود كنحو الركوع، والسجدة الأولى نحو الركوع الأول، والثانية نحو الركوع الثاني، هذا هو الصحيح. وفيه خلاف معروف للعلماء، ولا تشكّنَّ فيما ذكرته من استحباب تطويل السجود، لكن المشهور في أكثر كتب أصحابنا أنه لا يُطوَّل فإن ذلك غلط أو ضعيف، بل الصواب تطويله، وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ من طرق كثيرة، وقد أوضحته بدلائله وشواهده في شرح المهذب. وأشرت هنا إلى ما ذكرت لئلا تغترّ بخلافه. وقد نصّ الشافعي ﵀ في مواضع على استحباب تطويله، والله أعلم. قال أصحابنا: ولا يُطَوِّلُ الجلوسَ بين السجدتين بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظر، فقد ثبت في حديث صحيح إطالته، وقد ذكرت ذلك واضحًا في شرح المهذب، فالاختيار استحباب إطالته. ولا يُطَوِّلُ الاعتدالَ عن الركوع الثاني، ولا التشهّد وجلوسه، والله أعلم. ولو ترك هذا التطويل كلَّه واقتصر على الفاتحة صحَّت صلاتُه. ويُستحبّ أن يقول في كل رفع من الركوع: سمع الله لمن حمده ربّنا لك الحمد، فقد روينا ذلك في الصحيح. ويُسنّ الجهر بالقراءة في خسوف القمر، ويُستحبّ الإِسرار في كسوف الشمس، ثم بعد الصلاة يخطب خطبتين يُخوِّفهم فيهما بالله تعالى ويَحثّهم على طاعة الله تعالى، وعلى الصدقة والإِعتاق، فقد صحّ ذلك في الأحاديث المشهورة، ويَحثّهم أيضًا على شكر نِعَم الله تعالى، ويحذّرهم الغفلة والاغترار، والله أعلم.

стр. 276

[٣/ ٤٤٩] روينا في صحيح البخاري وغيره عن أسماء ﵂ قالت: لقد أمرَ رسولُ الله ﷺ بالعَتَاقة في كسوف الشمس. والله أعلم. ١٣٥ ـ بابُ الأذْكَار في الاسْتسقَاءِ يستحبّ الإِكثار فيه من الدعاء والذكر والاستغفار بخضوع وتذلل، والدعوات المذكورة فيه مشهورة: منها "اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا غَدَقًا (١) مُجَلِّلًا (٢) سَحًّا (٣) عامًّا طَبَقًا دَائِمًا؛ اللَّهُمَّ على الظِّرَابِ وَمَنابِتِ الشَّجَرِ، وَبُطُونِ الأوْدِيَةِ؛ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفّارًا، فأرْسلِ السَّماءَ عَلَيْنا مِدْرَارًا؛ اللَّهُمَّ اسْقِنا الغَيْثَ وَلاتَجْعَلْنا مِنَ القَانِطِينَ. اللَّهُمَّ أنْبِتْ لَنا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنا الضَّرْعَ، وَاسْقِنا مِنْ بَرَكاتِ السَّماءِ، وأنْبِتْ لَنا مِنْ بَرَكاتِ الأرْضِ؛ اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الجَهْدَ وَالجُوعَ والعُرْيَ، واكْشِفْ عَنَّا مِنَ البَلاءِ ما لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ" ويُستحبّ إذا كان فيهم رجلٌ مشهورٌ بالصلاح أن يستسقوا به فيقولوا: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي وَنَتَشَفَّعُ إِلَيْكَ بِعَبْدِكَ فُلانٍ".

стр. 277

[١/ ٤٥٠] روينا في صحيح البخاري، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللَّهمّ إنّا كنّا نتوسلُ إليك بنبيّنا ﷺ فتسقينا، وإنّا نتوسلُ إليك بعمّ نبيّنا ﷺ فاسقنا، فيُسقون. وجاء الاستسقاء بأهل الصلاح عن معاوية وغيره، والمستحبّ أن يقرأُ في صلاة الاستسقاء ما يقرأ في صلاة العيد، وقد بيّناه، ويُكَبِّر في افتتاح الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسَ تكبيرات كصلاة العيد، وكل الفروع والمسائل التي ذكرتها في تكبيرات العيد السبع والخمس يجيءُ مثلها هنا، ثم يخطب خطبتين يُكثر فيهما من الاستغفار والدعاء. [٢/ ٤٥١] روينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أَتَتِ النبيّ ﷺ بَوَاكٍ فقال: "اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيًّا سَرِيعًا نافعًا غَيْرَ ضَارّ، عاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ"، فأطْبَقَتْ علَيْهِمُ السَّماءُ. [٣/ ٤٥٢] وروينا فيه بإسناد صحيح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا استسقى قال: "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ". [٤/ ٤٥٣] وروينا فيه بإسناد صحيح، قال أبو داود في آخره: هذا إسناد جيد عن عائشة ﵂ قالت: شكا الناسُ إلى رسول الله ﷺ

стр. 278

قحوطَ المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناسَ يومًا يخرجون فيه، فخرجَ رسولُ الله ﵌ حين بَدَا حاجبُ الشمس، فقعدَ على المنبر فكبَّرَ وحَمِد الله عزّوجلّ، ثم قال: "إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيارِكُمْ، وَاسْتِئْخارَ المَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمانِه عَنْكُمْ، وَقَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثم قال: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدَّينِ، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لَا إِلهَ أَنْت الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَراءُ، أنْزِلْ عَلَيْنا الغَيْثَ، وَاجْعَلْ ما أنْزَلْتَ لَنا قُوَّةً وَبَلاغًا إلى حِينٍ" ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياضُ إبطيه، ثم حوّل إلى الناس ظهرَه وقَلبَ، أو حَوّل رداءَه وهو رافع يديه، ثم أقبلَ على الناس ونزلَ فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه سحابة، فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأتِ مسجدَه حتى سالت السيولُ، فلما رأى سرعتَهم إلى الكِنّ (١) ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: "أشْهَدُ أنَّ اللَّهَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". قلت: إبّان الشيء وقته، وهو بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة. وقحوط المطر، بضم القاف والحاء: احتباسه، والجدب، بإسكان الدال المهملة: ضد الخصب. وقوله ثم أمطرت، هكذا هو بالألف، وهما لغتان: مطرت، وأمطرت، ولا التفات إلى مَن قال: لا يُقال أمطر بالألف إلا في العذاب. وقوله: بدتْ نواجذه: أي ظهرت أنيابه، وهي بالذال المعجمة. واعلم أن في هذا الحديث التصريح بأن الخطبة قبل الصلاة، وكذلك هو مصرّح به في صحيحي البخاري ومسلم، وهذا محمول على

стр. 279

الجواز، والمشهور في كتب الفقه لأصحابنا وغيرهم أنه يُستحبّ تقديمُ الصلاة على الخطبة لأحاديث أُخر، أن رسول الله ﷺ قدَّمَ الصلاةَ على الخطبة، والله أعلم. ويُستحبّ الجمع في الدعاء بين الجهر والإِسرار ورفع الأيدي فيه رفعًا بليغًا. قال الشافعي ﵀: وليكن من دعائهم: اللَّهُمَّ أمَرْتَنا بِدُعائِكَ، وَوَعَدْتَنا إِجابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْناكَ كما أمَرْتَنا، فأجِبْنا كما وَعَدْتَنا؛ اللَّهُمَّ امْنُنْ عَلَيْنا بِمَغْفِرَةِ ما قارَفْنا، وإِجابَتِكَ في سُقْيانا وَسَعَةِ رِزْقِنا، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ويقرأ آيةً أو آيتين، ويقول الإِمام: أستغفرُ الله لي ولكم. وينبغي أن يدعوَ بدعاء الكرب وبالدعاء الآخر: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيا حَسَنَةً، وغير ذلك من الدعوات التي ذكرناها في الأحاديث الصحيحة. قال الشافعي ﵀ في "الأم": يخطب الإِمامُ في الاستسقاء خطبتين كما يخطب في صلاة العيد، يُكَبِّر الله تعالى فيهما، ويحمَده، ويصلي على النبيّ ﷺ ، ويُكثر فيهما الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه، ويقول كثيرًا ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:١٠ـ١١] ثم رُوي عن عمرَ ﵁ أنه استسقى وكان أكثر دعائه الاستغفار. قال الشافعي: ويكون أكثر دعائه الاستغفار، يبدأ به دعاءَه، ويفصلُ به بين كلامه، ويختم به، ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام، ويحثّ الناس على التوبة والطاعة والتقرّب إلى الله تعالى. ١٣٦ ـ بابُ ما يقولُه إذا هَاجَتِ الرِّيح [١/ ٤٥٤] روينا في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂ قالت:

стр. 280

كان النبيُّ ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ ما فِيها، وَخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما فيها وَشَرّ ما أُرسِلَتْ بِهِ". [٢/ ٤٥٥] وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه، بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللِّهِ تَعالى، تأتي بالرَّحْمَةِ وَتأتِي بالعَذَابِ، فإذا رأيْتُمُوها فَلا تَسُبُّوها، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَها وَاسْتَعِيذُوا باللَّهِ مِنْ شَرّها". قلتُ: قوله ﷺ "مِنْ رَوْحِ الله" هو بفتح الراء، قال العلماء: أي من رحمة الله بعباده. [٣/ ٤٥٦] وروينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن عائشة ﵂؛ أن النبيّ ﷺ كان إذا رأى ناشئًا في أفق السماء، تركَ العملَ وإن كان في الصلاة، ثم يقول: اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها" فإن مُطِرَ قال: "اللَّهُمَّ صَبِّبًا هَنِيئًا". قلت: ناشئًا بهمز آخره: أي سحابًا، لم يتكامل اجتماعه. والصيِّب بكسر الياء المثناة تحت المشددة: وهو المطرُ الكثيرُ، وقيل المطر الذي يجري ماؤه، وهو منصوب بفعل محذوف: أي أسألك صيّبًا، أو اجعله صيّبًا. [٤/ ٤٥٧] وروينا في كتاب الترمذي وغيره، عن أُبيّ بن كعب رضي

стр. 281

الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الرّيحَ، فإنْ رأيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرّيحِ وخَيْرِ ما فِيها، وَخَيْرِ ما أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرّيحِ وَشَرّ ما فِيها وَشَرّ ما أُمِرَتْ بِهِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص وأنس وابن عباس وجابر. [٥/ ٤٥٨] وروينا بالإِسناد الصحيح في كتاب ابن السني، عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتدّتِ الريحُ يقول: "اللَّهُمَّ لَقْحًا لا عَقِيمًا". قلت: لَقْحًا: أي حاملًا للماء كاللقحة من الإِبل. والعقيم: التي لا ماء فيها كالعقيم من الحيوان: لا ولد فيها. [٦/ ٤٥٩] وروينا فيه، عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله ﵃، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقعتْ كبيرةٌ أو هاجتْ ريحٌ عظيمةٌ، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلو العَجَاجَ الأسْوَدَ". [٧/ ٤٦٠] وروى الإِمام الشافعيُّ ﵀ في كتابه "الأُمّ" بإسناده عن ابن عباس ﵄، قال: ما هبَّت الريح إلاّ جثا النبيّ ﷺ على

стр. 282

ركبتيه وقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْها عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا وَلا تَجْعَلْها رِيحًا". قال ابن عباس: في كتاب الله تعالى: ﴿إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر:١٩] و ﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِم الرّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات:٤١] وقال تعالى: ﴿وَأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال سبحاننه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. [٨/ ٤٦١] وذكر الشافعي ﵀ حديثًا منقطعًا، عن رجل؛ أنه شكا إلى النبيّ ﷺ الفقرَ، فقال رسول الله ﷺ : "لَعَلَّكَ تَسُبُّ الرّيحَ". قال الشافعي ﵀: لا ينبغي لأحدٍ أن يسبَّ الرياحَ، فإنها خلقٌ لله تعالى مطيع، وجندٌ من أجناده، يجعلُها رحمةً ونقمةً إذا شاء. ١٣٧ ـ بابُ ما يقولُ إذا انقضّ الكَوْكَب [١/ ٤٦٢] روينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود ﵁ قال: أُمِرْنا أن لا نُتبع أبصارَنا الكوكبَ إذا انقضّ؛ وأن نقولَ عند ذلك: ما شاء الله لا قوَّة إلاّ بالله. ١٣٨ ـ بابُ تركِ الإِشارةِ والنَّظرِ إلى الكَوْكَبِ والبَرْق فيه الحديث المتقدم في الباب قبله. وروى الشافعي ﵀ في

стр. 283

"الأُم" (١) بإسناده عمّن لا يتّهم عن عروة بن الزبير ﵄ قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يُشِرْ إليه. وليصفْ ولينعتْ. قال الشافعي: ولم تزل العرب تكرهه. ١٣٩ ـ بابُ ما يقولُ إذا سمعَ الرَّعْدَ [١/ ٤٦٣] روينا في كتاب الترمذي، بإسناد ضعيف، عن ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع صوتَ الرعد والصَّواعق قال: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بِعَذَابِكَ، وَعافِنا قَبْلَ ذلكَ". [٢/ ٤٦٤] وروينا بالإِسناد الصحيح في الموطأ، عن عبد الله بن الزبير ﵄، أنه كان إذا سمع الرعدَ تركَ الحديثَ وقال: سُبْحانَ الَّذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ. وروى الإِمام الشافعي ﵀ في "الأم" (٢) " بإسناده الصحيح عن طاووس الإِمام التابعي الجليل ﵁ أنه كان يقول إذا سمع الرعد:

стр. 284

سبحانَ مَنْ سَبَّحَتْ له. قال الشافعي: كأنه يذهب إلى قول الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣]. وذكروا (١)، عن ابن عباس ﵄ قال: كنّا مع عمر ﵁ في سفر، فأصابنا رعدٌ وبرقٌ وبَرَدٌ، فقال لنا كعب: مَن قال حين يسمع الرعد: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثلاثًا، عُوفي من ذلك الرعد، فقلنا، فعوفينا. ١٤٠ ـ بابُ ما يقولُ إذا نزلَ المطرُ [١/ ٤٦٥] روينا في صحيح البخاري، عن عائشة ﵂؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا"، وروينا في سنن ابن ماجه، وفيه:" اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا" مرّتين أو ثلاثًا. [٢/ ٤٦٦] وروى الشافعي ﵀ في "الأُمّ" بإسناده حديثًا مرسلًا، عن النبيّ ﷺ قال: "اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدّعاءِ عِنْدَ التِقاءِ الجُيُوشِ، وَإقَامَةِ الصَّلاةِ، وَنُزُولِ الغَيْثِ" قال الشافعي: وقد حفظتُ عن غير واحدٍ طَلبَ الإِجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة. ١٤١ ـ بابُ ما يقولُه بعدَ نزولِ المطر [١/ ٤٦٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن زيد بن خالد

стр. 285

الجهني ﵁ قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصبح بالحديبية في إثر سماءٍ كانتْ من الليل، فلما انصرفَ أقبلَ على الناس فقال: "هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: قالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافرٌ بالكَوْكَبِ؛ وأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْننا بِنَوءِ كَذَا وكَذّا فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ". قلت: الحديبية معروفة، وهي بئر قريبة من مكة دون مرحلة، ويجوز فيها تخفيف الياء الثانية وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي وأهل اللغة، والتشديد قول ابن وهب وأكثر المحدّثين. والسماء هنا المطر. وإثر بكسر الهمزة وإسكان الثاء، ويقال بفتحهما لغتان. قال العلماء: إن قال مسلم: مُطرنا بنوْء كذا مريدًا أن النَّوْءَ هو الموجد والفاعل المحدِثُ للمطر، صارَ كافرًا مرتدًّا بلا شكّ؛ وإن قاله مُريدًا أنه علامة لنزول المطر فينزل المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله تعالى وخلقه سبحانه، لم يكفر. واختلفوا في كراهته، والمختار أنه مكروه؛ ولأنه من ألفاظ الكفّار، وهذا ظاهر الحديث، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في الأمّ وغيره، والله أعلم. ويُستحبّ أن يشكر الله على هذه النعمة أعني نزول المطر. ١٤٢ ـ بابُ ما يقولُه إذا نزلَ المطرُ وخِيفَ منه الضَّرَر [١/ ٤٦٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله
следующие страницы →