الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الرّيحَ، فإنْ رأيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرّيحِ وخَيْرِ ما فِيها، وَخَيْرِ ما أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرّيحِ وَشَرّ ما فِيها وَشَرّ ما أُمِرَتْ بِهِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص وأنس وابن عباس وجابر.
[٥/ ٤٥٨] وروينا بالإِسناد الصحيح في كتاب ابن السني، عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال:
كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتدّتِ الريحُ يقول: "اللَّهُمَّ لَقْحًا لا عَقِيمًا".
قلت: لَقْحًا: أي حاملًا للماء كاللقحة من الإِبل. والعقيم: التي لا ماء فيها كالعقيم من الحيوان: لا ولد فيها.
[٦/ ٤٥٩] وروينا فيه، عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله ﵃،
عن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقعتْ كبيرةٌ أو هاجتْ ريحٌ عظيمةٌ، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلو العَجَاجَ الأسْوَدَ".
[٧/ ٤٦٠] وروى الإِمام الشافعيُّ ﵀ في كتابه "الأُمّ" بإسناده عن ابن عباس ﵄،
قال: ما هبَّت الريح إلاّ جثا النبيّ ﷺ على
стр. 282
ركبتيه وقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْها عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا وَلا تَجْعَلْها رِيحًا".
قال ابن عباس: في كتاب الله تعالى: ﴿إنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر:١٩] و ﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِم الرّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات:٤١] وقال تعالى: ﴿وَأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال سبحاننه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦].
[٨/ ٤٦١] وذكر الشافعي ﵀ حديثًا منقطعًا، عن رجل؛ أنه شكا إلى النبيّ ﷺ الفقرَ، فقال رسول الله ﷺ : "لَعَلَّكَ تَسُبُّ الرّيحَ".
قال الشافعي ﵀: لا ينبغي لأحدٍ أن يسبَّ الرياحَ، فإنها خلقٌ لله تعالى مطيع، وجندٌ من أجناده، يجعلُها رحمةً ونقمةً إذا شاء.
١٣٧ ـ بابُ ما يقولُ إذا انقضّ الكَوْكَب
[١/ ٤٦٢] روينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود ﵁ قال: أُمِرْنا أن لا نُتبع أبصارَنا الكوكبَ إذا انقضّ؛ وأن نقولَ عند ذلك: ما شاء الله لا قوَّة إلاّ بالله.
١٣٨ ـ بابُ تركِ الإِشارةِ والنَّظرِ إلى الكَوْكَبِ والبَرْق
فيه الحديث المتقدم في الباب قبله. وروى الشافعي ﵀ في
стр. 283
"الأُم" (١) بإسناده عمّن لا يتّهم عن عروة بن الزبير ﵄ قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يُشِرْ إليه. وليصفْ ولينعتْ. قال الشافعي: ولم تزل العرب تكرهه.
١٣٩ ـ بابُ ما يقولُ إذا سمعَ الرَّعْدَ
[١/ ٤٦٣] روينا في كتاب الترمذي، بإسناد ضعيف، عن ابن عمر ﵄؛
أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع صوتَ الرعد والصَّواعق قال: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بِعَذَابِكَ، وَعافِنا قَبْلَ ذلكَ".
[٢/ ٤٦٤] وروينا بالإِسناد الصحيح في الموطأ، عن عبد الله بن الزبير ﵄،
أنه كان إذا سمع الرعدَ تركَ الحديثَ وقال: سُبْحانَ الَّذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ.
وروى الإِمام الشافعي ﵀ في "الأم" (٢) " بإسناده الصحيح عن طاووس الإِمام التابعي الجليل ﵁ أنه كان يقول إذا سمع الرعد:
стр. 284
سبحانَ مَنْ سَبَّحَتْ له. قال الشافعي: كأنه يذهب إلى قول الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣].
وذكروا (١)، عن ابن عباس ﵄ قال: كنّا مع عمر ﵁ في سفر، فأصابنا رعدٌ وبرقٌ وبَرَدٌ، فقال لنا كعب: مَن قال حين يسمع الرعد: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثلاثًا، عُوفي من ذلك الرعد، فقلنا، فعوفينا.
١٤٠ ـ بابُ ما يقولُ إذا نزلَ المطرُ
[١/ ٤٦٥] روينا في صحيح البخاري، عن عائشة ﵂؛
أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا"، وروينا في سنن ابن ماجه، وفيه:" اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا" مرّتين أو ثلاثًا.
[٢/ ٤٦٦] وروى الشافعي ﵀ في "الأُمّ" بإسناده حديثًا مرسلًا،
عن النبيّ ﷺ قال: "اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدّعاءِ عِنْدَ التِقاءِ الجُيُوشِ، وَإقَامَةِ الصَّلاةِ، وَنُزُولِ الغَيْثِ" قال الشافعي: وقد حفظتُ عن غير واحدٍ طَلبَ الإِجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة.
١٤١ ـ بابُ ما يقولُه بعدَ نزولِ المطر
[١/ ٤٦٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن زيد بن خالد
стр. 285
الجهني ﵁ قال:
صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصبح بالحديبية في إثر سماءٍ كانتْ من الليل، فلما انصرفَ أقبلَ على الناس فقال: "هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: قالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافرٌ بالكَوْكَبِ؛ وأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْننا بِنَوءِ كَذَا وكَذّا فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ".
قلت: الحديبية معروفة، وهي بئر قريبة من مكة دون مرحلة، ويجوز فيها تخفيف الياء الثانية وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي وأهل اللغة، والتشديد قول ابن وهب وأكثر المحدّثين. والسماء هنا المطر. وإثر بكسر الهمزة وإسكان الثاء، ويقال بفتحهما لغتان.
قال العلماء: إن قال مسلم: مُطرنا بنوْء كذا مريدًا أن النَّوْءَ هو الموجد والفاعل المحدِثُ للمطر، صارَ كافرًا مرتدًّا بلا شكّ؛ وإن قاله مُريدًا أنه علامة لنزول المطر فينزل المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله تعالى وخلقه سبحانه، لم يكفر. واختلفوا في كراهته، والمختار أنه مكروه؛ ولأنه من ألفاظ الكفّار، وهذا ظاهر الحديث، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في الأمّ وغيره، والله أعلم. ويُستحبّ أن يشكر الله على هذه النعمة أعني نزول المطر.
١٤٢ ـ بابُ ما يقولُه إذا نزلَ المطرُ وخِيفَ منه الضَّرَر
[١/ ٤٦٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله
стр. 286
عنه قال:
دخل رجلٌ المسجدَ يوم جمعة، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يخطب، فقال: يارسولَ الله! هلكتِ الأموالُ وانقطعت السُّبُل، فادعُ الله يُغثنا، فرفعَ رسولُ الله ﷺ يديْهِ ثم قال: "اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا" قال أنس: والله ما نرى في السماء من سَحاب ولا قَزْعَةٍ، وما بينا وبين سلع ـ يعني الجبل المعروف بقرب المدينة ـ من بيت ولا دار، فطلعتْ من ورائه سحابةٌ مثل الترس، فلما توسطت السماءَ انتشرتْ ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سَبْتًا، ثم دخلَ رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يخطبُ، فقال: يا رسول الله! هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبلُ، فادع الله يُمسكها عنّا، فرفعَ رسولُ الله ﷺ يديه ثم قال: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولَا عَلَيْنا، اللَّهُمَّ على الآكام (١) وَالظِّرَابِ (٢) وَبُطُونِ الأوْدِيَةِ (٣) ومَنَابِتِ الشَجَرِ" فانقلعتْ وخرجنا نمشي في الشمس. هذا حديث لفظه فيهما، إلا أن في رواية البخاري "اللَّهُمَّ اسْقِنا" بدل "أغِثْنا" وما أكثر فوائده، وبالله التوفيق.
١٤٣ ـ بابُ أذكارِ صَلاة التَّراويْح
اعلم أن صلاة التراويح سُنّة باتفاق العلماء، وهي عشرون ركعة يُسَلِّم من كل ركعتين، وصفةُ نفس الصلاة كصفة باقي الصلوات على ما تقدم بيانه، ويَجيء فيها جميعُ الأذكار المتقدمة كدعاء الافتتاح، واستكمال
стр. 287
الأذكار الباقية، واستيفاء التشهد، والدعاء بعده، وغير ذلك مما تقدم، وهذا وإن كان ظاهرًا معروفًا فإنما نبَّهتُ عليه لتساهل أكثر الناس فيه، وحذفهم أكثر الأذكار، والصواب ما سبق. وأما القراءة فالمختار الذي قاله الأكثرون وأطبقَ الناسُ على العمل به أن تقرأ الختمةُ بكمالها في التراويح جميع الشهر، فيقرأ في كل ليلة نحو جزء من ثلاثين جزءًا. ويُستحبّ أن يرتل القراءة ويبيِّنها، وليحذرْ من التطويل عليهم بقراءة أكثر من جزء، وليحذرْ كل الحذر مما اعتاده جهلةُ أئمة كثير من المساجد من قراءة سورة الأنعام بكمالها في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة من شهر رمضان، زاعمين أنها نزلتْ جملةً، وهذه بدعة قبيحة وجهالة ظاهرة مشتملة على مفاسد كثيرة، سبق بيانها في كتاب تلاوة القرآن.
١٤٤ ـ بابُ أذكارِ صَلاةِ الحَاجة
[١/ ٤٦٩] روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى أحدٍ مِن بَني آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأ وَلْيُحْسِنِ الوُضُوءِ، ثُمَّ ليُصَلّ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ لِيُثْنِ على الله وَلْيُصَلّ على النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ ليَقُلْ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ، أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلّ بِرّ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلّ إثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَاّ غَفَرْتَهُ، وَلا هَمًّا إِلَاّ فَرَّجْتَهُ، وَلا حاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَاّ قَضَيْتَها يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ" قال الترمذي: في إسناده مقال.
قلتُ: ويُستحبّ أن يدعوَ بدعاء الكرب، وهو: "اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا
стр. 288
حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ" لما قدّمناه عن الصحيحين فيهما.
[٢/ ٤٧٠] وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن عثمان بن حُنَيْف ﵁،
أن رجلًا ضريرَ البصر أتى النبيّ ﷺ فقال: ادعُ اللَّهَ تعالى أن يعافيني، قال: "إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" قال: فادعُه، فأمره أن يتوضأَ فيُحسنَ وضوءَه ويدعوَ بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ وأتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيّ الرَّحْمَةِ ﷺ ، يا مُحَمَّدُ! إني تَوَجَّهْتُ بكَ إلى رَبّي في حاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فيّ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
١٤٥ ـ بابُ أَذْكَار صَلاةِ التَّسبيحِ
روينا في كتاب الترمذي (١) عنه قال: قد روي عن النبيّ ﷺ غير حديث في صلاة التسبيح ومنه شيء كبير لا يصحّ. قال: وقد رأى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه.
قال الترمذي (٢): حدّثنا أحمد بن عبدة، قال: حدّثنا أبو وهب، قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبّح فيها قال: يكبّر ثم يقول: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ وَتَعالى جَدُّكَ وَلا إِلهَ غَيْرُكَ، ثم
стр. 289
يقول خمس عشرة مرّة: سُبحانَ الله والحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلهَ إِلَاّ الله واللَّهُ أَكْبَرُ، ثم يتعوّذ ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وفاتحة الكتاب، وسورة، ثم يقول عشر مرات: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاللَّهُ أكْبَرُ، ثم يركع فيقولها عشرًا، ثم يرفع رأسه فيقولها عشرًا، ثم يسجد فيقولها عشرًا، ثم يرفع رأسه فيقولها عشرًا، ثم يسجد الثانية فيقولها عشرًا، يصلي أربع ركعات على هذا، فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة يبدأ بخمس عشرة تسبيحة، ثم يقرأ، ثم يسبّح عشرًا؛ فإن صلى ليلًا فأحبّ إليّ أن يسلّم في ركعتين؛ وإن صلّى نهارًا، فإن شاء سلّم، وإن شاء لم يسلّم.
وفي رواية عن عبد الله بن المبارك أنه قال: يبدأ في الركوع، سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، ثم يُسبِّح التسبيحات، وقيل لابن المبارك: إن سها في هذه الصلاة هل يُسبِّح في سجدتي السهو عشرًا عشرًا؟ قال: لا، إنما هي ثلاثمائة تسبيحة.
[١/ ٤٧١] وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أبي رافع ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ للعباس: "يا عَمُّ! ألا أصِلُكَ؟ ألا أحْبُوكَ؟ ألا أنْفَعُكَ؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: يا عَمّ، صَلّ أرْبَعَ رَكعَاتٍ تَقْرأُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ بِفاتِحَةِ القُرآنِ وَسُورَةٍ، فإذَا انْقَضَتِ القِرَاءةُ فَقُلِ اللَّهُ أكْبَرُ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أنْ تَرْكَعَ، ثُمَّ ارْكَعْ فَقُلْها عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رأسَكَ فَقُلْها عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ فَقلْها عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رأسَكَ
стр. 290
فَقُلْها عَشْرًا قَبْلَ أنْ تَقُومَ، فَتِلْكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلّ رِكْعَةٍ، وَهِيَ ثَلَاثمِئَةٍ في أرْبَعِ رَكَعاتٍ، فَلَوْ كانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ غَفَرَهَا اللَّهُ تَعالى لَكَ، قال: يا رَسولَ الله! مَن يستطيع أن يقولها في يوم؟ قال: إنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَقُولَهَا فِي يَوْمٍ فَقُلْها فِي جُمُعَةٍ، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَقُولَهَا في جُمُعَةٍ فَقُلْها فِي شَهْرٍ، فلم يزل يقول له حتى قال: قُلْها في سَنَةٍ" قال الترمذي: هذا حديث غريب.
قلت: قال الإِمام أبو بكر بن العربي في كتابه "الأحوذيّ في شرح الترمذي": حديث أبي رافع هذا ضعيف ليس له أصل في الصحة ولا في الحسن، قال: وإنما ذكره الترمذي لينبّه عليه لئلا يغترّ به، قال: وقول ابِن المبارك ليس بحجة، هذا كلام أبي بكر بن العربي. وقال العُقَيْلي: ليس في صلاة التسبيح حديث ثبتَ، وذكر أبو الفرج بن الجوزي أحاديثَ صلاة التسبيح وطرقها، ثم ضعَّفها كلَّها وبيّن ضعفَها، ذكره في كتابه في الموضوعات.
وبلغنا عن الإِمام الحافظ أبي الحسن الدارقطني ﵀ أنه قال: أصحُّ شيء في فضائل السوَر فضل قل هو الله أحد، وأصحّ شيء في فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح، وقد ذكرتُ هذا الكلامَ مسندًا في كتاب "طبقات الفقهاء" في ترجمة أبي الحسن عليّ بن عمر الدارقطني، ولا يلزم من هذه العبارة أن يكون حديثُ صلاة التسبيح صحيحًا، فإنهم يقولون: هذا أصحُّ ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفًا، ومرادُهم أرجحُه وأقلُّه ضعفًا.
قلت: وقد نصَّ جماعةٌ من أئمة أصحابنا على استحباب صلاة التسبيح هذه، منهم أبو محمد البغوي، وأبو المحاسن الروياني.
стр. 291
قال الروياني في كتابه البحر في آخر كتاب الجنائز منه: اعلم أن صلاة التسبيح مُرَغَّب فيها، يُستحبّ أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها، قال: هكذا قال عبد الله بن المبارك وجماعة من العلماء. قال: وقيل لعبد الله بن المبارك: إن سهَا في صلاة التسبيح أيُسبِّح في سجدتي السهو، عشرًا عشرًا؟ قال: لا، وإنما هي ثلاثمئة تسبيحة.
وإنما ذكرتُ هذا الكلام في سجود السهو، وإن كان قد تقدم لفائدة لطيفة، وهي أن مثل هذا الإِمام إذا حكى هذا ولم ينكره أشعر بذلك بأنه يوافقه، فيكثر القائل بهذا الحكم، وهذا الروياني من فضلاء أصحابنا المطّلعين، والله أعلم.
١٤٦ ـ بابُ الأذكارِ المتعلّقةِ بالزَّكَاة
قال الله تعالى: ﴿خُذْ منْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣].
[١/ ٤٧٢] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال:
كان رسولُ الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: "اللَّهُمَّ صَلّ عَلَيْهِمْ" فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: "اللَّهُمَّ صَلّ على آلِ أبي أوْفَى".
قال الشافعي والأصحاب ﵏: الاختيار أن يقول آخذ الزكاة لدافعها: آجَرَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا، وَبَارَكَ لَكَ فِيما أَبْقَيْتَ. وهذا الدعاء مستحبّ لقابض الزكاة، سواءٌ كان الساعي أو الفقراء،
стр. 292
وليس الدعاء بواجب على المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا. وقال بعض أصحابنا: إنه واجب لقول الشافعي: فحقّ على الوالي أن يدعوَ له، ودليلُه ظاهر الأمر في الآية. قال العلماء: ولا يستحبُّ أن يقولَ في الدعاء: اللَّهُمّ صلِّ على فلان، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادْع لهم. وأما قول النبيّ ﷺ : "اللَّهُمَّ صَلّ عَلْيهِم" فقال لكون لفظ الصلاة مختصًّا به، فله أن يُخاطب به مَنْ يَشاءُ، بخلافنا نحن. قالوا: وكما لا يُقال محمد وإن كان عزيزًا جليلًا؛ فكذا لا يُقال أبو بكر أو عليّ ﷺ ، بل يُقال عليّ ﵁، أو رضوان الله عليه وشبه ذلك، فلو قال ﷺ ، فالصحيح الذي عليه جمهور أصحابنا أنه مكروه كراهة تنزيه. وقال بعضهم: هو خلاف الأولى ولا يُقال مكروه. وقال بعضهم: لا يجوز، وظاهره التحريم، ولا ينبغي أيضًا في غير الأنبياء أن يُقال ﵇ أو نحو ذلك إلا إذا كان خطابًا أو جوابًا، فإن الابتداء بالسلام سنّة وردُّه واجب، ثم هذا كلُّه في الصلاة والسلام على غير الأنبياء مقصودًا. أما إذا جُعل تبعًا فإنه جائز بلا خلاف، فيُقال: اللَّهمّ صلّ على محمدٍ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرّيته وأتباعه، لأن السَّلفَ لم يمتنعوا من هذا، بل قد أُمرنا به في التشهد وغيره، بخلاف الصلاة عليه منفردًا، وقد قدَّمْتُ ذكرَ هذا الفصل مبسوطًا في كتاب الصلاة على النبي ﷺ .
[فصل]: اعلم أن نيّة الزكاة واجبة، ونيّتها تكون بالقلب كغيرها من العبادات، ويستحبّ أن يضمّ إليه التلفظ باللسان كما في غيرها من العبادات، فإن اقتصر على لفظ اللسان دون النيّة بالقلب ففي صحته خلاف. الأصحّ أنه لا يصحّ، ولا يجب على دافع الزكاة إذا نوى أن يقول مع ذلك: هذه زكاة، بل يكفيه الدفع إلى مَن كان من أهلها، ولو تلفظ بذلك لم يضرّه، والله أعلم.
стр. 293
[فصل]: يُستحبّ لمن دفع زكاةً أو صدقةً أو نذرًا أو كفّارةً ونحو ذلك أن يقول: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] فقد أخبر الله بذلك عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم، وعن امرأة عمران.
стр. 294
كتاب أذكار الصّيام
١٤٧ ـ بابُ ما يقوله إذا رأى الهلالَ، وما يقولُ إذا رأى القمرَ
[١/ ٤٧٣] روينا في مسند الدارمي وكتاب الترمذي، عن طلحة بن عبيد الله ﵁؛
أن النبيّ ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنا باليُمْنِ وَالإِيمانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٢/ ٤٧٤] وروينا في مسند الدارمي، عن ابن عمر ﵄ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: "اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنا بالأمْنِ والإِيْمَانِ والسَّلامَةِ والإِسلامِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبُّنا وَرَبُّكَ اللَّهُ".
[٣/ ٤٧٥] وروينا في سنن أبي داود في كتاب الأدب، عن قتادة أنه
стр. 295
بلغه؛
أن نبيّ الله ﷺ كان إذا رأى الهلالَ قال:"هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بالله الَّذي خَلَقَكَ، ثَلاث مراتٍ، ثم يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا".
وفي رواية (١) عن قتادة "أن النبيّ ﷺ كان إذا رأى الهلال صرف وجهَه عنه" هكذا رواهما أبو داود مُرسَلَين. وفي بعض نسخ أبي داود، قال أبو داود: ليس في هذا الباب عن النبيّ ﷺ حديث مُسند صحيح.
ورويناه في كتاب ابن السني (٢)، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ .
وأما رؤية القمر:
[٤/ ٤٧٦] فروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂ قالت:
أخذ رسولُ الله ﷺ بيدي، فإذا القمر حين طلع فقال: "تَعَوَّذِي بالله مِنْ شَرّ هَذَا الغاسقِ إذَا وَقَبَ" (٣).
[٥/ ٤٧٧] وروينا في حلية الأولياء بإسناد فيه ضعف، عن زياد
стр. 296
النميري، عن أنس ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا دخل رجب قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في رَجَبَ وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنا رَمَضَانَ".
ورويناه أيضًا في كتاب ابن السني بزيادة.
١٤٨ ـ بابُ الأذكارِ المستحبّة في الصَّوْم
يُستحبُّ أن يجمعَ في نيّة الصوم بين القلب واللسان كما قلنا في غيره من العبادات، فإن اقتصر على القلب كفاه، وإن اقتصرَ على اللسان لم يجزئه بلا خلاف، والسُّنّة إذا شتمَه غيرُه أو تَسَافَه عليه في حال صومه أن يقول: إني صائم إني صائم، مرتين أو أكثر.
[١/ ٤٧٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هُريرة ﵁؛
أن رسول الله ﷺ قال: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإذَا صامَ أحَدُكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ (١)، وَإِنِ امْرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إني صَائِمٌ إني صَائِمٌ مَرَّتَيْن".
قلت: قيل إنه يقول بلسانه ويُسمع الذي شاتمه لعلّه ينزجر، وقيل يقوله بقلبه لينكفّ عن المسافهة ويحافظ على صيانة صومه، والأوّل أظهر. ومعنى شاتمه: شتمه متعرضًا لمشاتمته، والله أعلم.
[٢/ ٤٧٩] وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي
стр. 297
الله عنه قال:
قال رسولُ الله ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمامُ العادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ" قال الترمذي: حديث حسن. قلت: هكذا الرواية "حتى" بالتاء المثناة فوق.
١٤٩ ـ بابُ ما يقولُ عندَ الإِفْطَار
[١/ ٤٨٠] روينا في سنن أبي داود والنسائي، عن ابن عمر ﵄ قال:
كان النبيّ ﷺ إذا أفطر قال: "ذَهَبَ الظَّمأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى".
قلت: الظمأ مهموز الآخر مقصور: وهو العطش. قال الله تعالى: ﴿ذلكَ بأنهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمأُ﴾ [التوبة:١٢٠] وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا لأني رأيتُ مَن اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا.
[٢/ ٤٨١] وروينا في سنن أبي داود، عن معاذ بن زهرة أنه بلغه؛
أن النبيّ ﷺ كان إذا أفطر قال:"اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ" هكذا رواه مرسَلًا.
[٣/ ٤٨٢] وروينا في كتاب ابن السني، عن معاذ بن زهرة قال:
كان رسولُ الله ﷺ إذا أفطر قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أعانَنِي فَصَمْتُ، وَرَزَقَنِي فأفْطَرْتُ".
[٤/ ٤٨٣] وروينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄
стр. 298
قال:
كان النبيّ ﷺ إذا أفطر قال: "اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنا، وَعلى رِزْقِكَ أَفْطَرْنا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ".
[٥/ ٤٨٤] وروينا في كتابي ابن ماجه وابن السني، عن عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ للصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً ما تُرَدُّ" قال ابن أبي مُليكة: سمعتُ عبد الله بن عمرو إذا أفطرَ يقول:"اللَّهُمَّ إني أسألُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء أنْ تَغْفِرَ لي".
١٥٠ ـ بابُ ما يَقُولُ إذا أفطرَ عندَ قوم
[١/ ٤٨٥] روينا في سنن أبي داود وغيره، بالإِسناد الصحيح، عن أنس ﵁؛
أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبيُّ ﷺ : "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلَائِكَةُ".
[٢/ ٤٨٦] وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس قال:
كان النبيّ ﷺ إذا أفطر عند قوم دعا لهم فقال: "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ" إلى آخره.
١٥١ ـ بابُ ما يَدعُو به إذا صَادَفَ ليلةَ القَدْر
[١/ ٤٨٧] روينا بالأسانيد الصحيحة في كتب الترمذي والنسائي وابن
стр. 299
ماجه وغيرها، عن عائشة ﵂ قالت:
قلتُ يارسول اللَّه! إن علمتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قُولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال أصحابَنا ﵏: يُستحبّ أن يُكثِر فيها من هذا الدعاء، ويُستحبّ قراءةُ القرآن وسائر الأذكار والدعوات المستحبة في المواطن الشريفة، وقد سبقَ بيانها مجموعةً ومفرّقةً. قال الشافعي ﵀: أستحبّ أن يكون اجتهادُه في يومها كاجتهاده في ليلتها، هذا نصّه: ويستحبّ أن يُكثرَ فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين وعباد الله العارفين، وبالله التوفيق.
١٥٢ ـ باب الأَذْكَارِ في الاعْتِكَاف
يُستحبّ أن يُكثر فيه من تلاوة القرآن وغيرِه من الأذكار.
стр. 300
كتاب أذكار الحج
١٥٣ ـ (بابُ أذكارِ الحجّ)
اعلم أن أذكار الحجّ ودعواته كثيرة لا تنحصر، ولكن نُشير إلى المهمّ من مقاصدها. والأذكار التي فيها على ضربين: أذكار في سفره، وأذكار في نفس الحجّ. فأما التي في سفره فنؤخرها لنذكرَها في أذكار الأسفار إن شاء الله تعالى. وأما التي في نفس الحج فنذكرُها على ترتيب عمل الحجّ إن شاء الله تعالى، وأحذفُ الأدلة والأحاديث في أكثرها خوفًا من طول الكتاب، وحصول السآمة على مُطالِعِهِ، فإن هذا البابَ طويلٌ جدًا، فلهذا أسلُك فيه الاختصار إن شاء الله تعالى.
فأول ذلك: إذا أراد الإِحرام اغتسل وتوضأ ولبس إزاره ورداءه (١)، وقد قدَّمنا ما يقوله المتوضىء والمغتسل، وما يقول إذا لبس الثوب ثم يُصلِّي ركعتين، وتقدمت أذكار الصلاة، ويُستحبّ أن يقرأ في الركعة الأولى
стр. 301
بعد الفاتحة ﴿قُلْ يا أيُّهَا الكافِرُونَ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ فإذا فرغ من الصلاة استحبّ أن يدعوَ بما شاء، وتقدَّم ذكرُ جُملٍ من الدعواتِ والأذكار خلفَ الصلاة، فإذا أراد الإِحرام نواه بقلبه. ويُستحبُّ أن يساعدَ بلسانه قلبه، فيقول: نويتُ الحجَّ وأحرمتُ به لله عزّوجلّ، لبّيك اللَّهمَّ لبّيك إلى آخر التلبية. والواجب نيّة القلب واللفظ سنّة، فلو اقتصر على القلب أجزأه، ولو اقتصر على اللسان لم يجزئه.
قال الإِمام أبو الفتح سُليم بن أيوب الرازي: لو قال يعني بعد هذا: اللَّهمّ لك أحرم نفسي وشعري وبشري ولحمي ودمي كان حسنًا. وقال غيره: يقول أيضًا: اللهمّ إني نويت الحجّ فأعنّي عليه وتقبله مني، ويلبّي فيقول: لبيكَ اللَّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك لا شريك لك. هذه تلبية رسول الله ﷺ ، ويُستحبّ أن يقولَ في أوّل تلبية يلبّيها: لبّيك اللَّهمّ بحجة إن كان أحرم بحجة، أو لبّيك بعمرة إن كان أحرم بها، ولا يُعيد ذكرَ الحجّ والعمرة فيما يأتي بعد ذلك من التلبية على المذهب الصحيح المختار.
واعلم أن التلبيةَ سنّةٌ لو تركها صحّ حجّه وعمرتُه ولا شيء عليه، لكن فاتته الفضيلةُ العظيمة والاقتداء برسول الله صلى الله ﷺ ، هذا هو الصحيح من مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، وقد أوجبها بعضُ أصحابنا، واشترطَها لصحة الحجّ بعضُهم، والصوابُ الأوّل، لكنْ تُستحبّ المحافظة عليها للاقتداء برسول الله ﷺ ، وللخروج من الخلاف، واللَّهُ أعلم.
وإذا أحرم عن غيره قال: نويتُ الحجَّ وأحرمتُ به لله تعالى عن فلان، لبّيك اللَّهمّ عن فلان إلى آخر ما يقوله مَن يُحرم عن نفسه.
[فصل]: ويُستحبّ أن يصلِّي على رسول الله ﷺ بعد التلبية، وأن
стр. 302
يدعوَ لنفسه ولمن أراد بأمور الآخرة والدنيا، ويسألُ الله تعالى رضوانَه والجنّة، ويستعيذُ به من النار، ويُستحبّ الإِكثار من التلبية، ويستحبّ ذلك في كلّ حال: قائِمًا، وقاعدًا، وماشيًا، وراكبًا، ومضطجعًا، ونازلًا، وسائرًا، ومُحْدِثًا، وجُنبًا، وحائضًا، وعند تجدّد الأحوال وتغايرها زمانًا ومكانًا وغير ذلك، كإقبال الليل والنهار، وعند الأسحار، واجتماع الرِّفاق، وعند القيام والقعود، والصعود والهبوط، والركوب والنزول، وأدبار الصَّلواتِ، وفي المساجد كلِّها، والأصحُّ أنه لا يُلبّي في حال الطواف والسعي، لأن لهما أذكارًا مخصوصة.
ويُستحبّ أن يرفعَ صوتَه بالتلبية بحيث لا يشقّ عليه، وليس للمرأة رفع الصوت، لأن صوتَها يُخاف الافتتان به. ويُستحبّ أن يُكرِّر التلبية كل مرّة ثلاث مرات فأكثر، ويأتي بها متوالية لا يقطعها بكلام ولا غيره. وإن سلَّم عليه إنسانٌ ردّ السلام، ويُكره السلام عليه في هذه الحالة، وإذا رأى شيئًا فأعجبه قال: لبّيك إن العيشَ عيشُ الآخرة. اقتداءً برسول الله ﷺ .
واعلم أن التلبية لا تزالُ مستحبةً حتى يرميَ جمرة العقبة يومَ النحر أو يطوفَ طوافَ الإِفاضة إن قدّمه عليها، فإذا بدأ بواحد منهما قطعَ التلبية مع أول شروعه فيه واشتغلَ بالتكبير. قال الإِمام الشافعي ﵀: ويُلبّي المعتمرُ حتى يَستلم الركن.
[فصل]: إذا وصل المحرمُ إلى حرم مكة زاده الله شرفًا أستحبَّ له أن يقولَ: اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُكَ وأمْنُكَ فَحَرِّمنِي على النارِ، وأمِّنّي مِن عَذَابِكَ يَومَ تَبْعَثُ عِبادَكَ، وَاجْعَلْنِي مِن أولِيائِك وَأهْلِ طَاعَتِكَ، ويدعو بما أحبّ.
[فصل]: فإذا دخل مكة ووقع بصرُه على الكعبة ووصلَ المسجدَ استحبّ له أن يرفع يديه ويدعو؛ فقد جاء أنه يُستجاب دعاءُ المسلم عند
стр. 303
رؤيته الكعبة ويقول: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَشْريفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مِن شَرَّفَهُ وكَرمَهُ مِمَّنْ حَجَّه أو اعْتَمَرَه تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا، ويقول: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنا بالسَّلامِ، ثم يدعو بما شاء من خيرات الآخرة والدنيا، ويقول عند دخول المسجد ما قدّمناه في أوّل الكتاب في جميع المساجد.
[فصل]: في أذكار الطواف: يُستحبّ أن يقول عند استلام الحجر الأسود أولًا، وعند ابتداء الطواف أيضًا: بِسمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ إيمَانًا بِكَ وَتَصدِيقًا بِكِتابِكَ، وَوَفاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّباعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ . ويُستحبّ أن يكرِّر هذا الذكر عند محاذاة الحجر الأسود في كل طوفة، ويقولُ في رمله في الأشواط الثلاثة "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا (١)، وذنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا". ويقول في الأربعة الباقية: "اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ وَأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَم، اللَّهُمَّ رَبَّنا آتنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرة حَسَنةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ".
قال الشافعي ﵀: أحبُّ ما يُقال في الطواف: اللَّهُمَّ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً إلى آخره، قال: وأُحِبُّ أن يُقال في كله، ويُستحبّ أن يدعوَ فيما بين طوافه بما أحبّ من دين ودنيا، ولو دعا واحد وأمَّن جماعةٌ فحسن.
وحُكي عن الحسن ﵀ أن الدعاء يُستجاب هنالك في خمسة عشر موضعًا: في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، وفي المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات الثلاث، فمحروم مَن لا يَجتهد في الدعاء فيها.
стр. 304
ومذهب الشافعي وجماهيرُ أصحابه أنه يُستحبّ قراءةُ القرآن في الطواف لأنه موضعُ ذكر. وأفضلُ الذكر قراءةُ القرآن. واختار أبو عبد الله الحليمي من كبار أصحاب الشافعي أنه لا يُستحبّ قراءة القرآن فيه، والصحيحُ هو الأول. قال أصحابُنا: والقراءةُ أفضلُ من الدعوات غير المأثورة، وأما المأثورةُ فهي أفضل من القراءة على الصحيح.
وقيل: القراءة أفضل منها. قال الشيخ أبو محمد الجويني ﵀: يُستحبّ أن يقرأ في أيام الموسم ختمةً في طوافه فيعظُم أجرُها (١)، والله أعلم.
ويُستحبّ إذا فرغَ من الطواف ومن صلاة ركعتي الطواف أن يدعوَ بما أحبّ، ومن الدعاء المنقول فيه: "اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكِ أتَيْتُكَ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ (٢) وأعْمالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَقَامُ العائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ، فاغْفِرْ لي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ".
[فصل]: في الدعاء في الملتزم، وهو ما بين الكعبة والحجر الأسود. وقد قدَّمْنَا أنه يُستجاب فيه الدعاء.
ومن الدعوات المأثورة: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَكَ، وَيُكافِىءُ مَزِيدَكَ، أحْمَدُكَ بِجَمِيعِ مَحَامِدِكَ ما عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ على جَمِيعِ نِعَمِكَ ما عَلِمْتُ مِنْها وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَعَلى كُلّ حالٍ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ على مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ؛ اللَّهُمَّ أعِذنِي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وأَعِذْني مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَقَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ
стр. 305
أَكْرَمِ وَفْدِكَ عَلَيْكَ، وألْزِمْنِي سَبِيلَ الاسْتِقَامَةِ حتَّى ألْقاكَ يا رَبَّ العالَمِينَ! " (١) ثمّ يدعو بما أحب.
[فصل]: في الدعاء في الحِجْر، بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو محسوب من البيت. وقد قدّمنا أنه يُستجاب الدعاءُ فيه.
ومن الدعاء المأثور (٢) فيه: "يا رَبّ أتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤَمِّلًا مَعْرُوفَكَ فَأنِلْنِي مَعْرُوفًا مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِينِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ يا مَعْرُوفًا بالمَعْرُوفِ".
[فصل]: في الدعاء في البيت، وقد قدَّمْنا أنه يُستجاب الدعاءُ فيه.
[١/ ٤٨٨] وروينا في كتاب النسائي، عن أُسامةَ بن زيد ﵄؛
أنَّ رسولَ الله ﷺ لما دخلَ البيتَ أتى ما استقبلَ من دُبر الكعبة فوضعَ وجهَه وخدّه عليه، وحمِدَ الله تعالى وأثنى عليه وسألَه واستغفرَه، ثم انصرفَ إلى كلِّ ركنٍ من أركانِ الكعبةِ، فاستقبلَه بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله عزّوجلّ والمسألة والاستغفار، ثم خرجَ.
[فصل]: في أذكار السعي، وقد تقدَّم أنه يُستجاب الدعاءُ فيه، والسُّنّة أن يُطيل القيام على الصفا ويستقبل الكعبة فيُكبّر ويدعو فيقول: "اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ، اللَّهُ أكْبَرُ على ما هَدَانا، والحَمْدُ لِلَّه على ما أولانا، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ
стр. 306
يُحْيِي ويُمِيتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ أنجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلَاّ إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون؛ اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، وإنِّي أسألُكَ كما هَدَيْتِني لِلإِسْلامِ أنْ لا تَنْزِعَهُ مِنِّي حتَّى تَتَوَفَّاني وأنَا مُسْلِمٌ".
ثم يدعو بخيرات الدنيا والآخرة، ويكرّر هذا الذكر والدعاء ثلاثَ مرّات، ولا يُلبّي؛ وإذا وصل إلى المروة رَقَى عليها وقال الأذكار والدعواتِ التي قالها على الصفا.
وروينا (١)، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول على الصفا: اللَّهُمَّ اجْعَلْنا نُحِبُّكَ، ونُحِبُّ مَلائِكَتَكَ وأنْبِياءَكَ وَرُسُلَكَ، وَنُحِبُّ عِبادَكَ الصَّالِحِينَ؛ اللَّهُمَّ حَبِّبْنا إلَيْكَ وَإلى مَلائِكَتِكَ وإلَى أنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ وإلى عِبادِكَ الصَّالِحِينَ؛ اللَّهُمَّ يَسِّرْنا لليُسْرَى، وَجَنِّبْنا العُسْرَى، واغْفِرْ لَنا في الآخِرَةِ والأولى، وَاجْعَلْنا مِنْ أئمَّةِ المُتَّقِينَ".
ويقول في ذهابه ورجوعه بين الصفا والمروة: رَبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتجاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّكَ أنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ؛ اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
ومن الأدعية المختارة في السعي وفي كل مكان: اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ (٢)
ثَبِّتْ قَلْبِي على دينِكَ (٣)، اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ،
стр. 307
وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، وَالفَوْزَ بالجَنَّةِ، وَالنَّجاةَ مِنَ النَّارِ؛ اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى والعَفَافَ وَالغِنَى؛ اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِك؛ اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ أَعْلَمْ وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرّ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أعْلَمْ، وأسألُكَ الجَنَّةَ وَما قرَّب (١) إِلَيْها مِنْ قَوْل أوْ عَمَلٍ (٢)، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْها مِننْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ. ولو قرأ القرآن كان أفضل. وينبغي أن يجمع بين هذه الأذكار والدعوات والقرآن، فإن أراد الاقتصار أتى بالمهمّ.
[فصل]: في الأذكار التي يقولها في خروجه من مكة إلى عرفات. يُستحبّ إذا خرجَ من مكة متوجهًا إلى مِنىً أن يقول: اللَّهُمَّ إيَّاكَ أرْجُو، وَلَكَ أدْعُو، فَبَلِّغْنِي صَالِحَ أمَلِي، واغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَامْنُنْ عَليَّ بِما مَنَنْتَ بِهِ على أهْلِ طاعَتِكَ إنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣). وإذا سار من مِنىً إلى عَرَفَةَ استُحِبَّ أن يقول: اللَّهُمَّ إلَيْكَ تَوَجَّهتُ، وَوَجْهَكَ الكَرِيمَ أرَدْتُ، فاجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورًا، وَحَجِّي مَبْرُورًا، وارْحَمْنِي وَلَا تُخَيِّبْني إنَّكَ على كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤). ويُلَبِّي ويقرأ القرآن، ويُكثر من سائر الأذكار والدعوات، ومن قوله: اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ.
[فصل]: في الأذكار والدعوات المستحبّات بعرفات.
قد قدَّمنا في أذكار العيد حديث (٥) النبيّ ﷺ "خَيْرُ الدُّعاءِ يَوْمَ عَرَفَة،
стр. 308
وَخَيْرُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
فيُستحبّ الإِكثارُ من هذا الذكر والدعاء، ويَجتهدُ في ذلك، فهذا اليوم أفضلُ أيام السنة للدعاء، وهو مُعظم الحج (١)، ومقصودُه والمعوّل عليه، فينبغي أن يستفرغَ الإِنسانُ وُسعَه في الذكر والدعاء وفي قراءة القرآن، وأن يدعوَ بأنواع الأدعية، ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه ويذكر في كلّ مكان، ويدعو منفردًا ومع جماعة، ويدعو لنفسه ووالديه وأقاربه ومشايخه وأصحابه وأصدقائه وأحبابه، وسائر مَن أحسن إليه وجميع المسلمين. وليحذر كلَّ الحذرِ من التقصير في ذلك كله، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه، بخلاف غيره. ولا يتكلَّفُ السجعَ في الدعاء، فإنّه يُشغل القلبَ ويُذهبُ الانكسار والخضوعَ والافتقار والمسكنة والذلّة والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعواتٍ محفوظة معه له أو غيره مسجوعة إذا لم يشتغل بتكلّف ترتيبها ومراعاة إعرابها.
والسُّنّة أن يخفضَ صوته بالدعاء، ويكثر من الاستغفار والتلفّظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الاعتقاد بالقلب ويلحّ في الدعاء ويكرّره، ولا يستبطىء الإِجابة، ويفتح دعاءه ويختمه بالحمد لله تعالى والثناء عليه ، والصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، وليختمه بذلك وليحرص على أن يكون مستقبلَ الكعبة وعلى طهارة.
[٢/ ٤٨٩] وروينا في كتاب الترمذي، عن عليّ ﵁ قال:
стр. 309
أكثرُ دعاءِ النبيّ ﷺ يوم عَرَفة في الموقف: "اللَّهُمَّ لَكَ الحمدُ كالذي نقولُ، وخيرًا مما نقولُ؛ اللَّهُمَّ لَكَ صَلاتِي وَنُسُكِي، وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي، وإلَيْكَ مآلِي، وَلَكَ رَبِّ تُرَاثي؛ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتاتِ الأمْرِ؛ اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما تجيءُ بهِ الرّيحُ".
ويُستحبّ الإِكثار من التلبية فيما بين ذلك، ومن الصَّلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأن يُكثِرَ من الباء مع الذكر والدعاء، فهنالك تُسكبُ العَبَرات، وتُستقال العثرات، وترتجى الطلبات، وإنه لموقفٌ عظيم ومَجمع جليل، يجتمعُ فيه خيار عباد الله المخلصين، وهو أعظم مجامع الدنيا.
ومن الأدعية المختارة (١): "اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ".
"اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أنْتَ، فاغْفرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عندِكَ، وَارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ".
"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَغْفِرَةً تُصْلِحْ بِها شأني فِي الدَّارَيْنِ، وارْحَمْنِي أسْعَدُ بِهَا في الدَّارَيْنِ، وَتُبْ عليَّ تَوْبَةً نَصُوحًا لا أنْكُثها أبَدًا، وألْزِمْنِي الاسْتِقَامَةِ لا أَزيغُ عَنْها أبَدًا".
"اللَّهُمَّ انْقُلْنِي مِنْ ذُلِّ المَعْصِيَةِ إلى عِزَّ الطَّاعَةِ، وأغْنِنِي بحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِطاعَتِكَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّن سِوَاكَ".
"وَنَوِّرْ قَلْبِي وَقَبْرِي وأعِذْنِي مِنَ الشَّرَّ كُلِّهِ، واجْمَعْ لي الخَيْرَ كُلَّهُ".
стр. 310
[فصل]: في الأذكار المستحبّة في الإِفاضة من عَرَفَة إلى مزدلفة. قد تقدم أنه يُستحبّ الإِكثارُ من التلبية في كل موطن، وهذا من آكدها. ويُكثر من قراءة القرآن ومن الدعاء، ويُستحبّ أن يقول (١): لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ويُكرِّر ذلك.
ويقول (٢): إِلَيْكَ اللَّهُمَّ أرْغَبُ، وإيَّاكَ أرْجُو، فَتَقَبَّلْ نُسُكِي وَوَفِّقْنِي وارْزُقْنِي فيهِ مِنَ الخَيْرِ أكْثَرَ ما أطْلُبُ، وَلا تُخَيِّبْني إنَّكَ أنْتَ اللَّهُ الجَوَادُ الكَرِيمُ.
وهذه الليلة هي ليلة العيد، وقد تقدَّمَ في أذكار العيد بيان فضل إحيائها بالذكر والصلاة، وقد انضمّ إلى شرف الليلة شرفُ المكان، وكونُه في الحرم والإِحرام، ومَجمعُ الحجيج، وعقيب هذه العبادة العظيمة، وتلك الدعوات الكريمة في ذلك الموطن الشريف.
[فصل]: في الأذكار المستحبة في المزدلفة والمشعر الحرام. قال الله تعالى: ﴿فإذَا أفَضْتُمْ (٣) مِنْ عَرَفَاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ (٤) عنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ (٥) واذْكُرُوهُ كما هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين﴾ [البقرة:١٩٨] فيُستحبّ الإِكثارُ من الدعاء في المزدلفة في ليلته، ومن الأذكار
стр. 311
والتلبية وقراءة القرآن فإنها ليلة عظيمة. كما قدَّمناه في الفصل الذي قبل هذا.
ومن الدعاء المذكور فيها: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ أنْ تَرْزُقَنِي في هَذَا المَكانِ جَوامِعَ الخَيْرِ كُلِّهِ، وأنْ تُصْلِحَ شأنِي كُلَّهُ، وأنْ تَصْرِفَ عَنِّي الشَّرَّ كُلَّهُ، فإنَّه لَا يَفْعَلُ ذلكَ غَيْرُكَ، وَلَا يَجُودُ بِهِ إِلَاّ أنْتَ (١).
وإذا صلَّى الصبحَ في هذا اليوم صلَاّها في أوّل وقتها، وبالغَ في تبكيرها، ثم يسيرُ إلى المشعر الحرام، وهو جبل صغير في آخر المزدلفة يُسمَّى "قُزَح" بضم القاف وفتح الزاي، فإن أمكنه صعودُه صَعَدَه، وإلا وقف تحتَه مستقبلَ الكعبة، فيَحمد الله تعالى ويُكبِّره ويُهلِّله ويُوحِّده ويُسبِّحه ويُكثر من التلبية والدعاء، ويُستحبّ أن يقولَ: اللَّهُمَّ كما وَقَفْتَنا فِيهِ وأرَيْتَنا إيّاه، فَوَفِّقْنا لذِكْرِكَ كما هَدَيْتَنا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمنَا كما وَعَدْتَنا بِقَوْلِكَ وَقَوْلُكَ الحَقّ: ﴿فإذا أفضْتُمْ مِنْ عَرفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّه عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ واذْكُرُوهُ كما هَداكُمْ وإنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلهِ لَمِنَ الضَّالِّين، ثمَّ أفيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاضَ النَّاسُ واسْتَغْفِرُوا الله إنَّ الله غَفُورٌ رَحيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ ـ ١٩٩] ويُكثر من قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذاب النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
ويُستحبّ أن يقول: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْد كُلُّهُ، وَلَكَ الكَمالُ كُلُّهُ، ولك الجَلالُ كُلُّهُ، ولك التقديس كُلُّهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي جَميعَ ما أسْلَفْتُهُ، وَاعْصِمْنِي فِيما بَقِيَ، وَارْزُقْني عَمَلًا صَالِحًا تَرْضَى بِهِ عنِّي يا ذَا الفَضْلِ العَظِيمِ" (٢).
стр. 312
"اللَّهُمَّ إني أسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بخَوَاصّ عِبَادِكَ، وأتَوَسَّلُ بِكَ إِلَيْكَ، أسألُكَ أنْ تَرْزُقَنِي جَوَامِعَ الخَيْرِ كُلِّهِ، وأن تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلى أوْلِيائِكَ، وأنْ تُصْلحَ حالي في الآخِرَةِ وَالدُّنْيا يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! " (١).
[فصل]: في الأذكار المستحبّة في الدفع من المشعر الحرام إلى مِننىً. إذا أسفر الفجرُ انصرفَ من المشعر الحرام متوجهًا إلى مِنىً، وشعارهُ التلبيةُ والأذكارُ والدعاءُ والإِكثارُ من ذلك كلّه، وليحرصْ على التلبية فهذا آخر زمنها، وربما لا يُقدَّر له في عمره تلبية بعدها.
[فصل]: في الأذكار المستحبة بمِنى يَوْمَ النحر. إذا انصرفَ من المشعر الحرام ووصلَ مِنىً يُستحبّ أن يقول: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بَلَّغَنِيها سالِمًا مُعافَىً، اللَّهُمَّ هَذِهِ مِنَى قَدْ أتَيْتُها وأنا عَبْدُكَ وفي قَبْضَتِكَ أسألُكَ أنْ تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ به على أوليائِكَ؛ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ الحِرْمانِ وَالمُصِيبَةِ في دِينِي يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! " (٢).
فإذا شرعَ في رمي جمرة العَقَبة قطعَ التلبية مع أوّل حصاة واشتغلَ بالتكبير فيُكبِّر مع كل حصاة، ولا يُسنُّ الوقوف عندها للدعاء، وإذا كان معه هَدْي فنحرَه أو ذبحه، استحبّ أن يقول عند الذبح أو النحر: "بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِه وسَلّم، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ، تَقَبَّلْ مِنِّي" أو تَقَبَّلْ مِنْ فُلانٍ إن كان يذبحه عن غيره.
وإذا حلَقَ رأسه بعد الذبح فقد استحبّ بعض علمائنا أن يُمسك ناصيته (٢) بيده حالة الحلق ويُكبِّر ثلاثًا ثم يقول: الحَمْدُ لله على ما هَدَانا، والحَمْدُ لِلَّهِ على ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْنا؛ اللَّهُمَّ هَذِهِ نَاصِيَتي فَتَقَبَّلْ مِنِّي وَاغْفِرْ لي
стр. 313
ذُنُوبي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وللْمُحَلِّقِينَ والمُقَصِّرِينَ، يا وَاسِعَ المَغْفِرَةِ! آمِين. وإذا فرغ من الحلق كبَّر وقال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَضَى عَنَّا نُسُكَنا؛ اللَّهُمَّ زِدْنا إيمَانًا وَيَقِينًا وَتَوْفِيقًا وَعَونًا، وَاغْفِرْ لَنَا ولآبائِنا وأُمَّهاتِنا والمُسْلِمينَ أجْمَعِينَ.
[فصل]: في الأذكار المستحبة بمِنىً في أيام التشريق.
[٣/ ٤٩٠] روينا في صحيح مسلم، عن نُبَيْشَةَ الخير (١) الهذليِّ الصحابي ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "أيَّامُ التَّشْرِيقِ (٢) أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ وَذْكْرِ اللَّهِ تَعالى". فيُستحبّ الإِكثار من الأذكار، وأفضلُها قراءة القرآن. والسنّة أن يقف في أيام الرمي كل يوم عند الجمرة الأولى إذا رماها، ويستقبل الكعبة، ويحمَد الله تعالى، ويُكبِّر، ويُهلِّلُ، ويُسبِّح، ويدعو مع حضور القلب وخشوع الجوارح، ويَمكثُ كذلك قدرَ قراءة سورة البقرة، ويفعلُ في الجمرة الثانية وهي الوسطى كذلك، ولا يقفُ عند الثالثة، وهي جمرة العقبة.
[فصل]: وإذا نفرَ من مِنىً فقد انقضى حجُّه ولم يبقَ ذكرٌ يتعلَّق
стр. 314
بالحجّ لكنه مسافر، فيُستحبّ له التكبير والتهليل والتحميد والتمجيد وغير ذلك من الأذكار المستحبة للمسافرين. وسيأتي بيانُها إن شاء الله تعالى.
وإذا دخل مكة وأراد الاعتمار فعل في عمرته من الأذكار ما يأتي به في الحجّ في الأمور المشتركة بين الحجّ والعمرة، وهي: الإحرام والطواف والسعي والذبح والحلق، والله أعلم.
[فصل]: فيما يقوله إذا شرب ماء زمزم.
[٤/ ٤٩١] روينا عن جابر ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَاءُ زمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ". وهذا مما عَمِلَ العلماءُ والأخيارُ به، فشربُوه لمطالبَ لهم جليلةٍ فنالوها. قال العلماء: فيُستحبّ لمن شربَه للمغفرة أو للشفاء من مرضٍ ونحو ذلك أن يقول عند شربه: اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ" اللَّهُمَّ وإني أشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لي وَلِتَفْعَلَ بي كَذَا وكَذَا، فاغْفِرْ لي أوِ افْعَلْ. أو: اللَّهُمَّ إني أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِيًا بِهِ فَاشْفِني، ونحو هذا، والله أعلم.
[فصل]: وإذا أراد الخروج من مكة إلى وطنه طافَ للوَدَاع، ثم أتى الملتَزَم فالتزمه، ثم قال: "اللَّهُمَّ، البَيْتُ بَيْتُك، وَالعَبْدُ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبدِكَ وابْنُ أمَتِكَ، حَمَلْتَنِي على ما سَخَّرْتَ لي مِنْ خَلْقِكَ، حتَّى سَيَّرْتَني فِي بِلادِكَ، وَبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ حتَّى أعَنْتَنِي على قَضَاءِ مَناسِكِكَ، فإنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فازْدَدْ عني رِضًا وَإِلَاّ فَمِنَ الآنَ قَبْلَ أنْ يَنأى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أوَانُ انْصِرَافي، إنْ أذِنْتَ لي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلا بِبَيْتِكَ، وَلا رَاغِبٍ
стр. 315
عَنْكَ وَلا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فأصْحِبْنِي العافِيَةَ في بَدَنِي وَالعِصْمَةَ في دِينِي، وأحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طاعَتَكَ ما أبْقَيْتَنِي، واجْمَعْ لي خَيْرَي الآخِرةِ والدُّنْيا، إنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قدِيرٌ" (١).
ويفتتحُ هذا الدعاءَ ويختمه بالثناء على الله ، والصلاة على رسول الله ﷺ كما تقدم في غيره من الدعوات. وإن كانت امرأة حائضًا استحبّ لها أن تقف على باب المسجد وتدعو بهذا الدعاء ثم تنصرف، والله أعلم.
[فصل]: في زيارة قبر رسول الله ﷺ وأذكارها.
اعلم أنه ينبغي لكل من حجّ أن يتوجه إلى زيارة رسول الله ﷺ ، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته ﷺ من أهمّ القربات وأربح المساعي (٢) وأفضل الطلبات، فإذا توجَّه للزيارة أكثرَ من الصلاة عليه ﷺ في طريقه، فإذا وقعَ بصرُه على أشجار المدينة وحَرمِها وما يَعرفُ بها زاد من الصلاة والتسليم عليه ﷺ ، وسألَ الله تعالى أن ينفعَه بزيارته ﷺ ، وأن يُسعدَه بها في الدارين، وليقلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَليَّ أبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَارْزُقْنِي في زِيارَةِ قَبْرِ نَبِيِّكَ ﷺ ما رزقْتَهُ أوْلِياءَكَ وأهْلَ طَاعَتِكَ واغْفِرْ لي وارْحمنِي يا خَيْرَ مَسْؤُول.
وإذا أراد دخول المسجد استحبّ أن يقولَ ما يقوله عند دخول باقي المساجد، وقد قدّمناه في أول الكتاب، فإذا صلّى تحية المسجد أتى القبر الكريم فاستقبله واستدبر القبلة على نحو أربع أذرع من
стр. 316
جدار القبر، وسلَّم مقتصدًا لا يرفع صوته، فيقول: "السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ الله! السَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيرَةَ الله مِنْ خَلْقِهِ! السَّلامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ! السَّلامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ! السَّلامُ عَلَيْكَ وَعلى آلِكَ وأصْحابِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وَعَلى النَّبيِّينَ وَسائِرِ الصَّالِحِينَ؛ أشْهَدُ أنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ، وأدَّيْتَ الأمانَةَ، وَنَصَحْتَ الأُمَّةَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أفْضَلَ مَا جَزَى رَسُولًا عَنْ أُمَّتِهِ" (١).
وإن كان قد أوصاه أحدٌ بالسَّلام على رسول الله ﷺ قال: السَّلام عليك يا رسولَ الله من فلان بن فلان! ثم يتأخرَ قدر ذراع إلى جهة يمينه فيُسلِّم على أبي بكر، ثم يتأخرُ ذراعًا آخرَ للسلام على عُمر ﵄، ثم يرجعُ إلى موقفه الأوّل قُبالة وجهِ رسول الله ﷺ فيتوسلُ به في حقّ نفسه، ويتشفعُ به إلى ربه ، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومَن أحسنَ إليه وسائر المسلمين، وأن يَجتهدَ في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف ويحمد الله تعالى ويُسبِّحه ويكبِّره ويُهلِّله ويُصلِّي على رسول الله ﷺ ويُكثر من كل ذلك، ثم يأتي الروضةَ بين القبر والمنبر، فيُكثر من الدعاء فيها.
[٥/ ٤٩٢] فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي
стр. 317
الله عنه،
عن رسول الله ﷺ قال: "ما بَيْنَ قبري وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ".
وإذا أراد الخروج من المدينة والسفرَ استحبّ أن يُودِّع المسجد بركعتين، ويدعو بما أحبّ، ثم يأتي القبر فيُسلّم كما سلَّم أوّلًا، ويُعيد الدعاء، ويُودّع النبيّ ﷺ ويقول: "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ العَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولِكَ، وَيَسِّرْ لي العَوْدَ إِلى الحَرَمَيْنِ سَبِيلًا سَهْلَةً بِمَنِّكَ وَفَضْلِكَ، وَارْزقْنِي العَفْوَ والعَافِيةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَرُدَّنا سالِمِينَ غانِمِينَ إلى أوْطانِنا آمِنِينَ.
فهذا آخرُ ما وفّقني الله بجمعه من أذكار الحجّ. وهي وإن كان فيها بعض الطول بالنسبة إلى هذا الكتاب فهي مختصرة بالنسبة إلى ما نحفظه فيه، والله الكريم نسأل أن يوفِّقنا لطاعته، وأن يجمعَ بيننا وبين إخواننا في دار كرامته.
وقد أوضحت في كتاب المناسك ما يتعلَّق بهذه الأذكار من التتمّات والفروع الزائدات، والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة والتوفيق والعصمة.
وعن العُتْبيّ (١) قال: كنتُ جالسًا عند قبر النبيّ ﷺ فجاء أعرابيٌّ فقال: السلام عليك يا رسول الله! سمعتُ الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أنَّهُمْ إذ
стр. 318
ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] وقد جئتُك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خيرَ مَنْ دُفنتْ بالقاع أعظُمُه ... فطابَ من طيبهنَّ القاع والأكمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ ... فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَمُ
قال: ثم انصرفَ، فحملتني عيناي فرأيت النبيَّ ﷺ في النوم فقال لي: يا عُتْبيّ، الحقِ الأعرابيَّ فبشِّره بأن الله تعالى قد غفر له.
стр. 319
كتاب أذكار الجهاد
أما أذكار سفره ورجوعه فسيأتي في كتاب أذكار السفر إن شاء الله تعالى. وأما ما يختصّ به فنذكرُ مننه ما حضرَ الآن مختصرًا.
١٥٤ ـ بابُ استحباب سؤال الشهادة
[١/ ٤٩٣] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁؛
أن رسول اللَّه ﷺ دخل على أُمّ حَرَام (١)، فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: وما يُضحكك يا رسول الله؟! قال: "ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَليَّ غُزَاةً في سَبيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكًا على الأسِرَّةِ أوْ مِثْلَ المُلُوك" فقالت: يا رسولَ الله! ادْعُ الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسولُ الله ﷺ .
قلت: ثبج البحر بفتح الثاء المثلثة وبعدها باء موحدة مفتوحة أيضًا ثم جيم: أي ظهره؛ وأُمّ حَرَامٍ بالراء.
стр. 320
[٢/ ٤٩٤] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن معاذ ﵁؛
أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سألَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا، ثمَّ ماتَ أوْ قُتِلَ فإنَّ لَهُ أجْرَ شَهِيدٍ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[٣/ ٤٩٥] وروينا في صحيح مسلم، عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الشَّهادَةَ صَادِقًا أُعْطِيها وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ".
[٤/ ٤٩٦] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن سهل بن حُنيف ﵁،
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سألَ اللَّهَ تَعالى الشَّهادَة بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ تَعالى مَنازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإنْ ماتَ على فِرَاشِهِ".
١٥٥ ـ باب حثّ الإِمام أمير السرية على تقوى الله تعالى، وتعليمه إيّاه ما يحتاج إليه من أمر قتال عدوّه ومصالحتهم وغير ذلك
[١/ ٤٩٧] روينا في صحيح مسلم، عن بريدة ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا أمّرَ أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ، أوصاه في خاصّتِه بتقوى الله تعالى ومَنْ معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسْمِ الله في