← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13566

الأذكار للنووي ت مستو

النووي

Полный текст (619 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

جدار القبر، وسلَّم مقتصدًا لا يرفع صوته، فيقول: "السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ الله! السَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيرَةَ الله مِنْ خَلْقِهِ! السَّلامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ! السَّلامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ! السَّلامُ عَلَيْكَ وَعلى آلِكَ وأصْحابِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وَعَلى النَّبيِّينَ وَسائِرِ الصَّالِحِينَ؛ أشْهَدُ أنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ، وأدَّيْتَ الأمانَةَ، وَنَصَحْتَ الأُمَّةَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أفْضَلَ مَا جَزَى رَسُولًا عَنْ أُمَّتِهِ" (١). وإن كان قد أوصاه أحدٌ بالسَّلام على رسول الله ﷺ قال: السَّلام عليك يا رسولَ الله من فلان بن فلان! ثم يتأخرَ قدر ذراع إلى جهة يمينه فيُسلِّم على أبي بكر، ثم يتأخرُ ذراعًا آخرَ للسلام على عُمر ﵄، ثم يرجعُ إلى موقفه الأوّل قُبالة وجهِ رسول الله ﷺ فيتوسلُ به في حقّ نفسه، ويتشفعُ به إلى ربه ، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومَن أحسنَ إليه وسائر المسلمين، وأن يَجتهدَ في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف ويحمد الله تعالى ويُسبِّحه ويكبِّره ويُهلِّله ويُصلِّي على رسول الله ﷺ ويُكثر من كل ذلك، ثم يأتي الروضةَ بين القبر والمنبر، فيُكثر من الدعاء فيها. [٥/ ٤٩٢] فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي

стр. 317

الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: "ما بَيْنَ قبري وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ". وإذا أراد الخروج من المدينة والسفرَ استحبّ أن يُودِّع المسجد بركعتين، ويدعو بما أحبّ، ثم يأتي القبر فيُسلّم كما سلَّم أوّلًا، ويُعيد الدعاء، ويُودّع النبيّ ﷺ ويقول: "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ العَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولِكَ، وَيَسِّرْ لي العَوْدَ إِلى الحَرَمَيْنِ سَبِيلًا سَهْلَةً بِمَنِّكَ وَفَضْلِكَ، وَارْزقْنِي العَفْوَ والعَافِيةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَرُدَّنا سالِمِينَ غانِمِينَ إلى أوْطانِنا آمِنِينَ. فهذا آخرُ ما وفّقني الله بجمعه من أذكار الحجّ. وهي وإن كان فيها بعض الطول بالنسبة إلى هذا الكتاب فهي مختصرة بالنسبة إلى ما نحفظه فيه، والله الكريم نسأل أن يوفِّقنا لطاعته، وأن يجمعَ بيننا وبين إخواننا في دار كرامته. وقد أوضحت في كتاب المناسك ما يتعلَّق بهذه الأذكار من التتمّات والفروع الزائدات، والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة والتوفيق والعصمة. وعن العُتْبيّ (١) قال: كنتُ جالسًا عند قبر النبيّ ﷺ فجاء أعرابيٌّ فقال: السلام عليك يا رسول الله! سمعتُ الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أنَّهُمْ إذ

стр. 318

ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] وقد جئتُك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خيرَ مَنْ دُفنتْ بالقاع أعظُمُه ... فطابَ من طيبهنَّ القاع والأكمُ نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ ... فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَمُ قال: ثم انصرفَ، فحملتني عيناي فرأيت النبيَّ ﷺ في النوم فقال لي: يا عُتْبيّ، الحقِ الأعرابيَّ فبشِّره بأن الله تعالى قد غفر له.

стр. 319

كتاب أذكار الجهاد أما أذكار سفره ورجوعه فسيأتي في كتاب أذكار السفر إن شاء الله تعالى. وأما ما يختصّ به فنذكرُ مننه ما حضرَ الآن مختصرًا. ١٥٤ ـ بابُ استحباب سؤال الشهادة [١/ ٤٩٣] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁؛ أن رسول اللَّه ﷺ دخل على أُمّ حَرَام (١)، فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: وما يُضحكك يا رسول الله؟! قال: "ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَليَّ غُزَاةً في سَبيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكًا على الأسِرَّةِ أوْ مِثْلَ المُلُوك" فقالت: يا رسولَ الله! ادْعُ الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسولُ الله ﷺ . قلت: ثبج البحر بفتح الثاء المثلثة وبعدها باء موحدة مفتوحة أيضًا ثم جيم: أي ظهره؛ وأُمّ حَرَامٍ بالراء.

стр. 320

[٢/ ٤٩٤] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن معاذ ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سألَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا، ثمَّ ماتَ أوْ قُتِلَ فإنَّ لَهُ أجْرَ شَهِيدٍ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [٣/ ٤٩٥] وروينا في صحيح مسلم، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الشَّهادَةَ صَادِقًا أُعْطِيها وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ". [٤/ ٤٩٦] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن سهل بن حُنيف ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سألَ اللَّهَ تَعالى الشَّهادَة بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ تَعالى مَنازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإنْ ماتَ على فِرَاشِهِ". ١٥٥ ـ باب حثّ الإِمام أمير السرية على تقوى الله تعالى، وتعليمه إيّاه ما يحتاج إليه من أمر قتال عدوّه ومصالحتهم وغير ذلك [١/ ٤٩٧] روينا في صحيح مسلم، عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّرَ أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ، أوصاه في خاصّتِه بتقوى الله تعالى ومَنْ معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسْمِ الله في

стр. 321

سَبِيلِ اللَّهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله، اغْزُوا وَلا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا وَلا تُمَثِّلوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإذا لقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خِصالٍ" وذكر الحديث بطوله. ١٥٦ ـ باب بيان أن السنّة للإِمام وأمير السرية إذا أراد غزوة أن يورّي بغيرها [١/ ٤٩٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن كعب بن مالك ﵁ قال: لم يكن رسولُ الله ﷺ يُريد سفرة إلاّ ورّى بغيرها. ١٥٧ ـ بابُ الدعاء لمن يُقاتلُ أو يعملُ على ما يُعين على القتال في وجهه وذكر ما يُنَشِّطُهم ويحرِّضُهم على القتال قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرّضِ المُؤْمِنِينَ على القِتالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وحَرّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٨٤]. [١/ ٤٩٩] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال: "اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، فاغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَالمُهاجِرَةِ". ١٥٨ ـ بابُ الدعاء والتضرّع والتكبير عند القتال واستنجاز الله ما وعد من نصر المؤمنين قال الله : ﴿يا أيُّها الَّذين آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا

стр. 322

الله كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وأطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلا تَكُونُوا كالَّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاء النَّاسِ وَيَصُدُونَ عَنْ سَبِيلِ الله﴾ [الأنفال: ٤٥ـ٤٧] قال بعض العلماء هذه الآية الكريمة أجمع شيء جاء في آداب القتال. [١/ ٥٠٠] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عباس قال: قال النبيّ ﷺ وهو في قُبّته: "اللَّهُمَّ إني أنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ، فأخذ أبو بكر ﵁ بيده فقال: حَسْبُكَ يا رسول الله! فقد أَلْحَحْتَ على ربِّك، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأمَرُّ﴾ [القمر:٤٥ـ٤٦] " وفي رواية "كان ذلك يوم بدر" هذا لفظ رواية البخاري. وأما لفظ مسلم فقال: "استقبل نبيّ الله ﷺ القبلة ثم مَدَّ يديه فجعل يهتفُ بربه يقول: "اللَّهُمَّ أنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِنْ أهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأرْضِ، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه حتى سقطَ رداؤُه". قلتُ: يَهتف بفتح أوله كسر ثالثه ومعناه: يرفع صوته بالدعاء. [٢/ ٥٠١] وروينا في صحيحيهما، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄؛ أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ـ انتظر حتى مالتِ الشمسُ ثم قامَ في الناس فقال: "أيُّها النَّاسُ لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوّ (١) وَسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فإذَا لَقيتُموهُم فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ

стр. 323

تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، ثم قال: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، ومُجْرِيَ السَّحابِ، وَهازِم الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ" وفي رواية: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكتابِ، سَرِيعَ الحِسابِ، اهْزِمِ الأحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ". [٣/ ٥٠٢] وروينا في صحيحيهما، عن أنس ﵁ قال: صبَّحَ النبيُّ ﷺ خيبرَ، فلما رأوْه قالوا: محمد والخميس، فلجؤوا إلى الحصن، فرفعَ النبيُّ ﷺ يديه فقال: "اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ". [٤/ ٥٠٣] وروينا بالإِسناد الصحيح، في سنن أبي داود، عن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ ـ أوْ قَلَّما تُرَدَّانِ ـ الدُعاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ البأسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا". قلت: في بعض النسخ المعتمدة "يُلْحِمُ" بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر. [٥/ ٥٠٤] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: "اللَّهُمَّ أنْتَ عَضُدِي وَنَصيرِي، بِكَ أحُولُ وَبِكَ أصُولُ، وَبِكَ أُقاتِلُ". قال الترمذي: حديث حسن. قُلْتُ: معنى عَضُدِي: عوني. قال الخطابي: معنى أحول: أحتال. قال: وفيه وجه آخر، وهو أن يكون معناه: المنع والدفع، من قولك: حال بين الشيئين: إذا منع أحدهما من الآخر، فمعناه: لا أمنعُ ولا أدفعُ إلا بك.

стр. 324

[٦/ ٥٠٥] وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود والنسائي، عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبيّ ﷺ كان إذا خافَ قومًا قال: "اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ". [٧/ ٥٠٦] وروينا في كتاب الترمذي، عن عمارة بن زَعْكَرَةَ ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي، الَّذي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلاقٍ قِرْنَهُ" يعني عند القتال. قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ. قلت: زَعْكَرة بفتح الزاي والكاف وإسكان العين المهملة بينهما. [٨/ ٥٠٧] وروينا في كتاب ابن السني، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم خيبَر "لا تَتَمَّنَّوْا لِقَاءَ العَدُوّ، فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ ما تُبْتَلوْ بِهِ مِنْهُمْ، فإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّنا وَرَبُّهُمْ، وَقُلُوبُنا وَقُلُوبُهُمْ بِيَدِكَ، وإنَّمَا يَغْلِبُهُمْ أنْتَ". [٩/ ٥٠٨] وروينا في الحديث الذي قدّمناه عن كتاب ابن السني، عن أنس ﵁ قال: كنّا مع النبيِّ ﷺ في غزوةٍ فلقيَ العَدُوَّ، فسمعتُه يقول: "يا مالكَ يَوْمِ الدّينِ، إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ" فلقد رأيتُ الرِّجالَ تُصرَع تضربُها الملائكةُ من بين أيديها ومن خلفها. وروى الإِمام الشافعي ﵀ في "الأمّ" (١) بإسناد مُرسل، عن

стр. 325

النبيّ ﷺ قال: "اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدُّعاءِ عِنْدَ الْتِقاءِ الجُيُوشِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، وَنُزُولِ الغَيْثِ". قلت: ويستحبّ استحبابًا متأكدًا أن يقرأ ما تيسر له من القرآن، وأن يقول دعاء الكرب الذي قدَّمنا ذكره، وأنه في الصحيحين (١) "لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ العَظيمُ الحَليمُ، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظيمِ، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ". ويقول ما قدَّمناه هناك في الحديث الآخَر "لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ الحَلِيمُ الكَريمُ، سُبْحان اللَّهِ رَبّ السَّمَوَاتِ السَّبْع وَرَبّ العَرْشِ العَظيم، لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ عَزَّ جارُكَ وَجَلَّ ثَناؤُكَ". ويقول: ما قدَّمناه في الحديث الآخر "حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ". ويقول: "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ بالله العَزيزِ الحَكيم، ما شاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَاّ بالله، اعْتَصَمْنا بالله، اسْتَعَنَّا بالله، تَوَكَّلْنا على الله". ويقول: "حَصَّنْتَنا كُلَّنا أجْمَعِينَ بالحَيّ القَيُّومِ الَّذي لا يَمُوتُ أَبَدًا، وَدَفَعْتَ عَنَّا السُّوءَ بلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ العَليّ العَظيمِ". ويقول: "يا قَدِيمَ الإِحْسانِ! يا مَنْ إحْسانُهُ فَوْقَ كُلّ إِحْسان! يا مالِكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ! يا حَيّ يا قَيُّومَ! يا ذَا الجَلالِ والإِكْرَامِ! يا مَنْ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلا يَتَعاظَمُهُ! انْصُرْنا على أعْدَائنا هَؤُلاءِ وَغَيْرِهِمْ، وأظْهِرْنا عَلَيْهِمْ فِي عافِيَةٍ وَسلامَةٍ عامَّة عاجلًا" فكلُّ هذه المذكورات جاء فيها حثٌّ أكيد، وهي مجرّبة.

стр. 326

١٥٩ ـ بابُ النّهي عن رفعِ الصَّوْتِ عِندَ القِتال لغير حَاجة [١/ ٥٠٩] روينا في سنن أبي داود، عن قيس بن عُبادٍ التابعي ﵀ وهو بضم العين وتخفيف الباء ـ قال: كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَكرهون الصوْتَ عندَ القتال. ١٦٠ ـ بابُ قولِ الرجلِ في حَال القتالِ أنا فلانٌ لإِرعابِ عدّوه [١/ ٥١٠] روينا في صحيحي البخاري ومسلم؛ أن رسول الله ﷺ قال يَوْمَ حُنين: "أنا النَّبيُّ لا كَذِب، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلب". [٢/ ٥١١] وروينا في صحيحيهما، عن سلمة بن الأكوع: أن عليًّا ﵄ لما بارز مرحبًا الخيبري قال عليّ ﵁: أنا الَّذي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَه. [٣/ ٥١٢] وروينا في صحيحيهما، عن سلمة أيضًا أنه قال في حال قتاله الذين أغاروا على اللقاح: أنا ابن الأكوع، واليومُ يومُ الرُّضَّع.

стр. 327

١٦١ ـ بابُ استحبابِ الرَّجَزِ حالَ المبارزة فيه الأحاديث المتقدمة في الباب الذي قبل هذا. [١/ ٥١٣] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن البراء بن عازب ﵄ أنه قال له رجل: أفررتم يوم حُنين عن رسول الله ﷺ ؟ فقال البراء: لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ، لقد رأيته وهو على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والنبيّ ﷺ يقول: "أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أنا ابْنُ عَبْد المُطَّلِبْ" وفي رواية "فنزلَ ودعا واستنصرَ". [٢/ ٥١٤] وروينا في صحيحيهما، عن البراء أيضًا قال: رأيتُ النبيّ ﷺ ينقلُ معنا التراب يومَ الأحزاب، وقد وارى الترابُ بياضَ بطنه وهو يقول: "اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا ... وَلا تَصَدَّقْنا وَلا صَلَّيْنا فأنْزِلَننْ سَكِينَةً عَلَيْنا ... وَثَبِّتِ الأقْدَام إنْ لاقَيْنا إنَّ الأُلى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا ... إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنا" [٣/ ٥١٥] وروينا في صحيح البخاري، عن أنس ﵁ قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب على مُتُونهم ـ أي ظهورهم ـ ويقولون: نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدًا، على الإِسْلام، وفي رواية: على الجِهادِ ما بَقِينا أبَدًا، والنبيّ ﷺ يجيبهم "اللَّهُمَّ إنَّهُ لا خَيْرَ إِلَاّ خَيْرُ الآخِرَةِ، فَبارِكْ في الأنْصَارِ والمُهاجِرَة".

стр. 328

١٦٢ ـ باب استحباب إظهار الصَّبرِ والقوّة لمن جُرِحَ واستبشاره بما حصل له من الجرح في سبيل الله وبما يصير إليه من الشهادة، وإظهار السرور بذلك وأنَّه لا ضير علينا في ذلك بل هذا مطلوبُنا وهو نهايةُ أملِنا وغايةُ سؤلِنا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالَّذِين لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لايُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ. الَّذينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أصَابَهُمْ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنْهُم وَاتَّقَوْا أجْرٌ عظِيمٌ. الَّذِين قالَ لَهُم النَّاسُ إنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُم فاخشَوْهُم فَزَادَهُمْ إيمَانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكِيلُ. فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ، واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٦٩ ـ١٧٢]. [١/ ٥١٦] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ في حديث القرّاء أهل بئر مَعُونة الذين غدرتِ الكفّارُ بهم فقتلوهم: أن رجلًا من الكفار طعنَ خالَ أنس وهو حَرَام بن مِلحان، فأنفذه، فقال حَرام: الله أكبر فُزْتُ وربّ الكعبة. وسقط في رواية مسلم "الله أكبر" قلتُ: حَرَام بفتح الحاء والراء. ١٦٣ ـ بابُ ما يقولُ إذا ظَهَر المسلمون وغلبُوا عدوَّهم ينبغي أن يُكثرَ عند ذلك من شكر الله تعالى، والثناء عليه،

стр. 329

والاعتراف بأن ذلك من فضله لا بحولنا وقوتنا، وأن النصرَ من عند الله، وليحذروا من الإِعجاب بالكثرة فإِنه يُخاف منها التعجيز؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]. ١٦٤ ـ باب ما يقول إذا رأى هزيمةً في المسلمين والعياذُ بالله الكريم يُستحبّ إذا رأى ذلك أن يفزعَ إلى ذكر الله تعالى واستغفاره ودعائه، واستنجار ما وعدَ المؤمنين من نصرهم وإظهار دينه، وأن يدعوَ بدعاء الكرْب المتقدم: "لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ". ويُستحبّ أن يدعو بغيره من الدعوات المذكورة المتقدمة والتي ستأتي في مواطن الخوف والهلكة. وقد قدّمنا في باب الرجز الذي قبل هذا؛ أن رسول الله ﷺ لما رأى هزيمة المسلمين، نزل واستنصر ودعا. وكان عاقبة ذلك النصر ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [١/ ٥١٧] وروينا في صحيح البخاري، عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أُحُد وانكشف المسلمون، قال عمِّي أنس بن النضر: اللَّهُمّ إني أعتذرُ إليكَ مما صَنَعَ هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدَّم فقاتلَ حتى استُشهد، فوجدنَا به بضعًا وثمانينَ ضربةً بالسيف أو طعنةً برمح أو رميةً بسهم.

стр. 330

١٦٥ ـ بابُ ثناءِ الإِمام على من ظَهَرَتْ منه براعةٌ في القتال [١/ ٥١٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن سلمةَ بن الأكوع ﵁ في حديثه الطويل في قصة إغارة الكفار على سرح المدية وأخذهم اللقاح وذهاب سلمة وأبي قتادة في أثرهم، فذكرَ الحديثَ إلى أن قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كانَ خَيْرَ فُرْسانِنا اليَوْمَ أبُو قَتادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنا سَلَمَةُ". ١٦٦ ـ بابُ ما يقولُه إذا رجع مِن الغَزْو فيه أحاديثُ ستأتي إن شاء الله تعالى في كتابِ أذْكَارِ المُسَافر، وبالله التوفيق.

стр. 331

كتاب أذكار المسافر اعلم أن الأذكار التي تُستحبُّ للحاضر في الليل والنهار واختلاف الأحوال وغير ذلك مما تقدم تُستحبّ للمسافر أيضًا، ويَزيدُ المسافرُ بأذكار فهي المقصودةُ بهذا الباب، وهي كثيرةٌ منتشرة جدًا، وأنا أختصرُ مقاصدها إن شاء الله تعالى، وأُبوِّبُ لها أبوابًا تناسبها، مستعينًا بالله، متوكلًا عليه. ١٦٧ ـ بابُ الاستخارة والاستشارة اعلم أنه يُستحبّ لمن خطرَ بباله السفرُ أن يُشاورَ فيه مَن يعلمُ من حاله النصيحة والشفقة والخبرة ويثقُ بدينه ومعرفته، قال الله تعالى: ﴿وشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ودلائلُه كثيرة، وإذا شاورَ وظهرَ أنه مصلحةٌ استخارَ الله في ذلك، فصلَّى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة الذي قدَّمناه في بابه. ودليلُ الاستخارة الحديث المتقدِّم عن صحيح البخاري (١)، وقد قدَّمنا هناك آداب هذا الدعاء وصفة هذه الصلاة، والله أعلم. ١٦٨ ـ بابُ أذكارِه بعدَ استقرارِ عزمِه على السَّفر فإذا استقرَّ عزمُه على السفر فليجتهدْ في تحصيل أمور منها: أن

стр. 332

يوصي بما يحتاج إلى الوصية به، وليُشهدْ على وصيته، ويستحلّ كلَّ من بينه وبينه معاملة في شيء، أو مصاحبة، ويسترضي والديه وشيوخه ومن يُندب إلى برّه واستعطافه، ويتوبُ إلى الله ويستغفره من جميع الذنوب والمخالفات، وليطلبْ من الله تعالى المعونةَ على سفره، وليجتهدْ على تعلّم ما يحتاج إليه في سفره. فإن كان غازيًا تَعَلَّمَ ما يَحتاج إليه الغازي من أمور القتال والدعوات وأمور الغنائم، وتعظيم تحريم الهزيمة في القتال وغير ذلك. وإن كان حاجًّا أو معتمرًا تعلَّمَ مناسكَ الحجّ أو استصحبَ معه كتابًا بذلك، ولو تعلَّمها واستصحبَ كتابًا كان أفضل. وكذلك الغازي وغيره، ويُستحبّ أن يستصحبَ كتابًا فيه ما يحتاج إليه. وإن كان تاجرًا تعلَّم ما يحتاج إليه من أمور البيوع ما يصحّ منها وما يَبطل، وما يحلّ وما يَحرم، ويُستحبّ ويكره ويباح، وما يَرجحُ على غيره. وإن كان متعبِّدًا سائحًا معتزلًا للناس، تعلَّم ما يحتاج إليه في أمور دينه، فهذا أهمّ ما ينبغي له أن يطلبه. وإن كان ممّن يصيدُ تعلَّم ما يحتاج إليه أهلُ الصيد، وما يحلّ من الحيوان وما يَحرمُ، وما يحلُّ به الصيد وما يَحرم، وما يشترط ذكاتُه، وما يكفي فيه قتل الكلب أو السهم وغير ذلك. وإن كان راعيًا تعلَّم ما يحتاج إليه مما قدَّمناه في حقّ غيره ممّن يعتزل الناس، وتعلَّم ما يحتاج إليه من الرفقِ بالدّوابّ وطلب النصيحة لها ولأهلها، والاعتناء بحفظها والتيقّظِ لذلك، واستأذنَ أهلَها في ذبح ما يحتاجُ إلى ذبحه في بعض الأوقات لعارض وغير ذلك. وإن كان رسولًا من سلطان إلى سلطان أو نحوه اهتمَّ بتعلّم ما يحتاج إليه من آداب مخاطبات الكبار، وجوابات ما يَعرض في المحاورات وما

стр. 333

يحلُّ له من الضيافات والهدايا وما لا يَحلّ، وما يَجب عليه من مراعاة النصيحة وإظهار ما يُبطنه وعدم الغشّ والخِداع والنفاق، والحذر من التسبّب إلى مقدمات الغدر أو غيره مما يحرم وغير ذلك. وإن كان وكيلًا أو عاملًا في قراض أو نحوه تعلَّم ما يَحتاج إليه مما يَجوز أن يشتريه وما لا يجوز، وما يَجوز أن يبيعَ به وما لا يجوز، وما يجوز التصرّف فيه وما لا يجوز، وما يُشترط الإِشهاد فيه وما يجب وما يشترط فيه ولا يجب، وما يجوز له من الأسفار وما لا يجوز. وعلى جميع المذكورين أن يتعلَّم مَن أراد منهم ركوبَ البحر الحالَ التي يجوز فيها ركوبَ البحر، والحال التي لا يجوز، وهذا كلُّه مذكور في كتب الفقه لا يليق بهذا الكتاب استقصاؤه، وإنما غرضي هنا بيانُ الأذكار خاصة، وهذا التعلّم المذكور من جملة الأذكار كما قدَّمْته في أول هذا الكتاب، وأسألُ الله التوفيقَ وخاتمة الخير لي ولأحبائي والمسلمين أجمعين. ١٦٩ ـ بابُ أذكارِه عندَ إرادتِه الخروجَ من بيتِه يُستحبّ له عند إرادتِه الخروجَ أن يصلِّي ركعتين: [١/ ٥١٩] لحديث المُطْعِم (١) بن المقدام الصنعاني (٢) ﵁ أن

стр. 334

رسول الله ﷺ قال: "ما خَلَّفَ أحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أفْضَلَ منْ رَكْعَتَيْ يَرْكَعُهُما عنْدَهُمْ حينَ يُرِيدُ سَفَرًا" رواه الطبراني. قال بعض أصحابا: يُستحبّ أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة ﴿قُلْ يا أيُّهَا الكافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾. وقال بعضهم: يَقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ﴾. فإذَا سلَّم قرأ آيةَ الكرسي، فقد جاء: أن من قرأ آية الكرسي قبلَ خروجهِ من منزلِه لم يصبْه شيءٌ يكرهُه حتى يَرجع (١). ويُستحبّ أن يقرأ سورة ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ فقد قال الإِمام السيد الجليل أبو الحسن القزويني، الفقيه الشافعي، صاحب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، والمعارف المتظاهرة: إنه أمان من كل سوء. قال أبو طاهر بن جحشويه: أردتُ سفرًا وكنتُ خائفًا منه فدخلتُ إلى القزويني أسألُه الدعاءَ، فقال لي ابتداءً من قِبَل نفسه: مَن أرادَ سفرًا ففزِعَ من عدوّ أو وحش فليقرأ ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ فإنها أمانٌ من كلّ سوء، فقرأتُها فلم يعرض لي عارض حتى الآن؛ ويستحبّ إذا فرغ من هذه القراءة أن يدعو بإِخلاص ورقّة. ومن أحسن ما يقول: اللَّهُمَّ بِكَ أسْتَعِينُ

стр. 335

وَعَلَيْكَ أتَوَكَّلُ؛ اللَّهُمَّ ذَلِّلْ لي صعُوبَةَ أمْرِي، وَسَهِّلْ عَليَّ مَشَقَّةَ سَفَرِي، وَارْزُقْنِي مِنَ الخَيْرِ أكْثَرَ مِمَّا أطْلُبُ، وَاصْرِفْ عَنِّي كُلَّ شَرٍّ. رَبّ اشْرَحْ لي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أمْرِي، اللَّهُمَّ إني أسْتَحْفِظُكَ وأسْتَوْدِعُكَ نَفْسِي وَدِينِي وأهْلِي وأقارِبي وكُلَّ ما أنْعَمْتَ عَليَّ وَعَليْهِمْ بِهِ مِنْ آخِرَةٍ وَدُنْيا، فاحْفَظْنَا أجمعَينَ مِنْ كُلّ سُوءٍ يا كَرِيمُ. ويفتتح دعاءَه ويختمه بالتحميد لله تعالى، والصَّلاة والسلام على رسول الله ﷺ ؛ وإذا نهضَ من جلوسه فليقلْ: [٢/ ٥٢٠] ما رويناه عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ لم يرد سفرًا إلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَبِكَ اعْتَصَمْتُ؛ اللَّهُمَّ اكْفني ما هَمَّني وَمَا لا أَهْتَمُّ لَهُ، اللَّهُمَّ زَوِّدْنِي التَّقْوَى، وَاغْفِرْ لي ذَنْبِي وَوَجِّهْنِي لِلْخَيْرِ أيْنَمَا تَوَجَّهْتُ". ١٧٠ ـ بابُ أذْكَارِه إذا خَرَجَ قد تقدَّمَ في أول الكتاب ما يقولُه الخارجُ من بيته، وهو مُستحبٌّ للمسافر، ويُستحبُّ له الإِكثار منه، ويُستحبّ أن يودّع أهله وأقاربَه وأصحابَه وجيرانه، ويسألهم الدعاء له ويدعو لهم. [١/ ٥٢١] وروينا في مسند الإِمام أحمد بن حنبل وغيره، عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ الله تَعالى إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ".

стр. 336

[٢/ ٥٢٢] وروينا في كتاب ابن السني وغيره، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَرَادَ أنْ يُسافِرَ فَلْيَقُلْ لِمَنْ يُخَلِّفُ: أسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذي لا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ". [٣/ ٥٢٣] وروينا عن أبي هريرة أيضًا، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أرَاد أحَدُكُم سَفَرًا فَلْيُوَدّعْ إخْوَانَهُ، فإنَّ اللَّهَ تَعالى جاعِلٌ فِي دُعائِهِمْ خَيْرًا". والسنَّة أن يقول له مَن يودّعه: [٤/ ٥٢٤] ما رويناه في سنن أبي داود، عن قزعة قال: قال لي ابن عمرَ ﵄: تعالى أُودّعك كما ودّعني رسولُ الله ﷺ : "أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ". قال الإِمام الخطابي: الأمانة هنا: أهله ومن يخلفه ومالُه الذي عند أمينه. قال: وذكر الدِّين هنا لأن السفر مظنّة المشقة، فربما كان سببًا لإِهمال بعض أمور الدين. قلتُ: قَزعة بفتح الزاي وإسكانها. [٥/ ٥٢٥] ورويناه في كتاب الترمذي أيضًا عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبيّ ﷺ إذا ودّع رجلًا أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدعُ رسول الله ﷺ ، ويقولُ: "أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وآخِرَ عَمَلِكَ".

стр. 337

[٦/ ٥٢٦] ورويناه أيضًا في كتاب الترمذي عن سالم؛ أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفرًا: ادْنُ منّي أُودّعك كما كان رسول الله ﷺ يودّعنا، فيقول: "أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٧/ ٥٢٧] وروينا في سنن أبي داود وغيره، بالإِسناد الصحيح، عن عبد الله بن زيد الخَطْمِيّ الصحابي ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ إذا أراد أن يودّع الجيش قال: "أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وأمانَتَكُمْ وَخَوَاتِيمَ أعْمالِكُمْ". [٨/ ٥٢٨] وروينا في كتاب الترمذي، عن أنس رضي الله قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يارسول الله إني أُريد سفرًا فزوّدني، فقال: "زَوّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى" قال: زِدني، قال: "وَغَفَرَ ذَنْبَكَ" قال: زدني، قال: "وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُما كُنْتَ" قال الترمذي: حديث حسن. ١٧١ ـ بابُ اسْتحبابِ طَلبهِ الوصيّةَ من أهلِ الخَيْرِ [١/ ٥٢٩] روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: يا رسولَ الله! إني أُريد أنْ أسافرَ فأوصني، قال:

стр. 338

"عَلَيْكَ بتَقْوَى اللَّهِ تَعالى، وَالتَّكْبِيرِ على كُلّ شَرَفٍ، فلما ولَّى الرجلُ قال: اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ البَعِيدَ، وهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ" قال الترمذي: حديث حسن. ١٧٢ ـ بابُ استحباب وصيّة المُقيم المسافر بالدعاء له في مواطن الخير ولو كان المقيم أفضل من المسافر [١/ ٥٣٠] روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: استأذنتُ النبيّ ﷺ في العمرة، فأذِنَ وقال: "لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ مِن دُعائِكَ" فقال كلمةً ما يسرُّني أنَّ لي بها الدنيا. وفي رواية قال: "أشْرِكْنا يا أخِي في دُعائِكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ١٧٣ ـ بابُ ما يقولُه إذا ركبَ دابّتَه قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَووا على ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١)، وَإنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٢ـ١٤]. [١/ ٥٣١] وروينا في كتب أبي داود والترمذي والنسائي، بالأسانيد الصحيحة، عن عليّ بن ربيعة قال: شهدتُ عليّ بن أبي طالب رضي الله

стр. 339

عنه أُتي بدابّة ليركَبها، فلما وضعَ رجلَه في الرِّكاب قال: بِاسْمِ الله، فلما استوى على ظهرها قال ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ثم قال: الحَمْدُ لِلَّهِ ثلاث مرات، ثم قال: اللَّهُ أكْبَرُ ثلاث مرات، ثم قال: سُبْحانَك إني ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أنْتَ، ثم ضَحِكَ، فقيل: يا أمير المؤمنين! من أيّ شيء ضحكت؟ قال: رأيتُ النبيّ ﷺ فعل مثلَ ما فعلتُ ثم ضَحِكَ، فقلتُ: يا رسولَ الله! من أيّ شيء ضحكت؟ قال: "إنَّ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذَا قالَ: اغْفِرْ لي ذُنُوبي، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي" هذا لفظ رواية أبي داود. قال الترمذي: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسن صحيح. [٢/ ٥٣٢] وروينا في صحيح مسلم في كتاب المناسك، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبَّر ثلاثًا، ثم قال: "سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ، وَإِنَّا إلى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ فِي سفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ العَمَلِ ما تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوّْ عَلَيْنا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنّا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ في الأهْلِ. اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ وكآبَةِ المَنْظَرِ وَسُوءِ المُنْقَلَبِ في المَالِ والأهْلِ. وإذا رَجع قالهنّ وزاد فيهنّ: آيِبُونَ تائبُونَ عابدُونَ لرَبِّنَا حامِدُون" هذا لفظ رواية مسلم. زاد أبو داود (١) في روايته "وكان النبيّ ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا

стр. 340

كبّروا وإذا هبطوا سبَّحوا" وروينا معناه من رواية جماعة من الصحابة أيضًا مرفوعًا. [٣/ ٥٣٣] وروينا في صحيح مسلم، عن عبد الله بن سَرْجِسَ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوّذ من وَعْثَاءِ السفر، وكآبة المنقلب، والحَوْرِ بعد الكَوْن، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال. [٤/ ٥٣٤] وروينا في كتاب الترمذي وكتاب النسائي وكتاب ابن ماجه، بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الله بن سَرْجِس ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ إذا سافر يقول: "اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأهْلِ؛ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ وكآبَةِ المُنْقَلَبِ، وَمِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ، وَمِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ، وَمِنْ سُوءِ المَنْظَرِ فِي الأهْلِ وَالمَالِ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: ويروى: الحور بعد الكوْر أيضًا: يعني يُروى الكون بالنون، والكور بالراء. قال الترمذي: وكلاهما له وجه، قال: يقال هو الرجوع من الإِيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشرّ، هذا كلام الترمذي، وكذا قال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعًا: الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص. قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفّها وجمعها، ورواية النون، مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونًا: إذا وجد واستقرّ.

стр. 341

قلت: ورواية النون أكثر، وهي التي في أكثر أصول صحيح مسلم، بل هي المشهورة فيها. والوَعْثاء بفتح الواو وإسكان العين وبالثاء المثلثة وبالمدّ: هي الشدّة. والكآبة بفتح الكاف وبالمدّ: هو تغيُّر النفس من حزن ونحوه. المنقلب: المرجع. ١٧٤ ـ بابُ ما يَقولُ إذا رَكِبَ سفينةً قال الله تعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْساها (١)﴾ [هود:٤١] وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢] الآيتين. [١/ ٥٣٥] وروينا في كتاب ابن السني، عن الحسين بن عليّ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمانٌ لأُمَّتِي مِنَ الغَرَقِ إذَا رَكِبُوا أنْ يَقُولُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا ومُرْسَاها، إنَّ ربّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١] ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] الآية" هكذا هو في النسخ "إذا ركبوا" لم يقل السفينة. ١٧٥ ـ بابُ استحبابَ الدعاء في السفر [١/ ٥٣٦] روينا في كتب أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن أبي

стр. 342

هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجاباتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ على وَلَدِهِ" قال الترمذي: حديث حسن، وليس في رواية أبي داود "على ولده". ١٧٦ ـ باب تكبير المسافر إذا صعد الثَّنايا وشبهها وتسبيحه إذا هَبَطَ الأودية ونحوها [١/ ٥٣٧] روينا في صحيح البخاري، عن جابر ﵁ قال: كنّا إذا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وإذا نزلنا سبَّحنا. [٢/ ٥٣٨] وروينا في سنن أبي داود في الحديث الصحيح الذي قدَّمناه في باب ما يقولُ إذا ركبَ دابّته، عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبيّ ﷺ وجيوشُه إذا عَلَوا الثنايا كبَّروا، وإذا هَبَطوا سبَّحُوا. [٣/ ٥٣٩] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا قَفَل من الحجّ أو العمرة ـ قال الراوي: ولا أعلمه إلا قال: الغزو ـ كلما أوفى على ثنية أو فَدْفَدٍ كبَّرَ ثلاثًا ثم قال: "لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ عابِدُونَ، ساجِدُونَ لِرَبِّنا حامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ" هذا لفظ رواية البخاري، ورواية مسلم مثله إلا أننه ليس فيها "ولا أعلمه إلا قال الغزو" وفيها "إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحجّ أو العمرة".

стр. 343

قلت: قوله: أوفى: أي ارتفع؛ وقوله: فَدْفَد، هو بفتح الفاءين بينهما دال مهملة ساكة وآخره دال أخرى: وهو الغليظ المرتفع من الأرض؛ وقيل الفلاة التي لا شيء فيها؛ وقيل غليظ الأرض ذات الحصى؛ وقيل الجلد من الأرض في ارتفاع. [٤/ ٥٤٠] وروينا في صحيحيهما، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنّا مع النبيّ ﷺ ، فكنّا إذا أشرفنا على وادٍ هلَّلنا وكبَّرْنا وارتفعتْ أصواتُنا، فقال النبيُّ ﷺ : "يا أيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا على أنْفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غائِبًا، إنَّهُ مَعَكُمْ إنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ". قلتُ: اربَعُوا بفتح الباء الموحدة، معناه: ارفقوا بأنفسكم. وروينا في كتاب الترمذي الحديث المتقدم (١) في باب استحباب طلبه الوصية أن رسول الله ﷺ قال: "عَلَيْكَ بِتَقْوَى الله تَعالى، وَالتَّكْبِيرِ على كُلِّ شَرَفٍ". [٥/ ٥٤١] وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ إذا علا شرفًا من الأرض قال: "اللَّهُمَّ لكَ الشَّرَفُ على كُلِّ شَرَفٍ، وَلَكَ الحَمْد على كُلّ حالٍ". ١٧٧ ـ بابُ النّهي عن المبالغةِ في رَفْعِ الصَّوْتِ بالتكبير ونحوه فيه حديث أبي موسى في الباب المتقدم.

стр. 344

١٧٨ ـ باب استحباب الحُدَاء للسرعة في السَّير وتنشيط النفوس وترويحها وتسهيل السَّير عليها فيه أحاديث كثيرة مشهورة. ١٧٩ ـ باب ما يقول إذا انفلتت دابّتُهُ [١/ ٥٤٢] روينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إذَا انْفَلَتَتْ دابَّةُ أحَدِكُمْ بأرْضِ فَلاةٍ فَلْيُنادِ: يا عِبادَ الله! احْبِسُوا، يا عِبادَ اللَّهِ! احْبِسُوا، فإنَّ لِلَّهِ في الأرْضِ حاصِرًا سَيَحْبِسُهُ". قلت: حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه افلتت له دابّة أظنُّها بغلة، وكان يَعرفُ هذا الحديث، فقاله؛ فحبسَها الله عليهم في الحال. وكنتُ أنا مرّةً مع جماعة، فانفلتت منها بهيمةٌ وعجزوا عنها، فقلته، فوقفت في الحال بغيرِ سببٍ سوى هذا الكلام. ١٨٠ ـ بابُ ما يقولُهُ على الدَّابّةِ الصَّعْبَةِ [١/ ٥٤٣] روينا في كتاب ابن السني، عن السيد الجليل المجمع على جلالته وحفظه وديانته وورعه ونزاهته وبراعته؛ أبي عبد الله يُونس بن عُبيد بن دينار البصري التابعي المشهور، ﵀ قال: ليس رجل يكونُ على دابةٍ صعبةٍ فيقولُ في أُذُنِها ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] إلا وقفت بإذن الله تعالى.

стр. 345

١٨١ ـ بابُ ما يقولُه إذا رأَى قريةً يُريدُ دخولَها أولا يريده [١/ ٥٤٤] روينا في سنن النسائي وكتاب ابن السني، عن صُهيب ﵁: أن النبيّ ﷺ لم يرَ قريةً يُريد دخولَها إلا قال حين يَراهَا: "اللَّهُمَّ رَبَّ السمَوَاتِ السَّبْعِ وَما أظْلَلْنَ، وَالأَرْضيِن السَّبْعِ وَما أقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّياطينِ وَمَا أضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرّياحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أسألُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أهْلِها وَخَيْرَ ما فيها، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ أهْلها وَشَرّ ما فِيها". [٢/ ٥٤٥] وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا أشرفَ على أرضٍ يُريد دخولَها قال: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ وَخَيْرِ ما جَمَعْتَ فِيها، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما جَمَعْتَ فِيها، اللَّهُمَّ ارْزُقْنا حَيَاها، وَأَعِذْنا مِنْ وَباهَا، وَحَبِّبْنا إلى أهْلِهَا، وَحَبِّبْ صَالِحي أهْلِها إِلَيْنا". ١٨٢ ـ بابُ ما يَدعُو به إذا خافَ ناسًا أو غيرَهم [١/ ٥٤٦] روينا في سنن أبي داود والنسائي، بالإِسناد الصحيح، ما قدَّمناه من حديث أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ كان إذا خافَ قومًا قال:"اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُك في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ" ويُستحبّ أن يدعوَ معه بدعاء الكرب وغيره مما ذكرناه معه.

стр. 346

١٨٣ ـ بابُ ما يقولُ المسافرُ إذا تَغَوَّلَت الغِيلان [١/ ٥٤٧] روينا في كتاب ابن السني، عن جابر ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: "إذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الغِيلان فَنادُوا بالأذَانِ". قلت: والغِيْلَانُ جنسٌ من الجنّ والشياطين وهم سحرتُهم؛ ومعنى تغوّلت: تلوّنت في صور؛ والمراد ادفعوا شرّها بالأذان، فإن الشيطانَ إذا سمع الأذان أدبرَ. وقد قدَّمنا ما يشبُه هذا في باب ما يقولُ إذا عرضَ له شيطان، في أوّل كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات، وذكرنا أنه ينبغي أنه يشتغلَ بقراءة القرآن للآيات المذكورة في ذلك. ١٨٤ ـ بابُ ما يَقولُ إذا نزلَ مَنزلًا [١/ ٥٤٨] روينا في صحيح مسلم وموطأ مالك وكتاب الترمذي، وغيرها، عن خولةَ بنتِ حكيم ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ نَزَلَ مَنْزلًا ثُمَّ قالَ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ، لَم يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذلكَ". [٢/ ٥٤٩] وروينا في سنن أبي داود وغيره، عن عبد الله بن عمر الخطاب ﵄ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا سافَرَ فأقبلَ الليلُ

стр. 347

قال: "يَا أرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أعُوذُ باللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرّ ما فِيكِ، وَشَرّ ما خُلِقِ فِيكِ، وَشَرّ ما يَدبُّ عَلَيْكِ؛ أعُوذُ بِكَ مِنْ أسَدٍ وأسْوَدَ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ ساكِنِ البَلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَما وَلَدَ" قال الخطابي: قوله "ساكن البلد" هم الجنّ الذين هم سكان الأرض؛ والبلد من الأرض: ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء ومنازل. قال: ويُحتمل أن يكون المراد بالوالد: إبليس، وما ولد: الشياطين، هذا كلام الخطابي، والأسود: الشخص، فكل شخص يُسمى أسود. ١٨٥ ـ بابُ ما يقولُ إذا رَجَعَ مِن سَفرِهِ السنّة أن يقول ما قدّمناه في حديث ابن عمر المذكور قريبًا في باب تكبير المسافر إذا صَعِدَ الثنايا. [١/ ٥٥٠] وروينا في صحيح مسلم، عن أنس ﵁، قال: أقبلنا مع النبيّ ﷺ أنا وأبو طلحة، وصفيّة رديفته على ناقته، حتى إذا كنّا بظهر المدينة قال: "آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُون لِرَبِّنا حامِدُونَ" فلم يزلْ يقولُ ذلك حتى قَدِمْنَا المدينةَ. ١٨٦ ـ بابُ ما يقولُه المسافرُ بعدَ صلاةِ الصُّبْح اعلم أن المسافر يستحبّ له أن يقول ما يقوله غيره بعد الصبح، وقد تقدم بيانه (١).

стр. 348

[١/ ٥٥١] ويُستحب له مع ما رويناه في كتاب ابن السني، عن أبي برزة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى الصبح ـ قال الراوي: لا أعلم إلاّ قال في سفر ـ رفع صوته حتى يسمع أصحابه: "اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي ديني الَّذي جَعَلْتَهُ عِصْمَةَ أمْرِي، اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتِي جَعَلْتَ فِيها مَعاشِي ـ ثلاثَ مرّات ـ اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي آخِرَتِي التي جَعَلْتَ إِلَيْها مَرْجِعي ـ ثلاث مرات ـ اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ؛ اللَّهُمَّ أعُوذُ بِكَ ـ ثلاثَ مرّات ـ لا مانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنكَ الجَدُّ". ١٨٧ ـ باب ما يقول إذا رَأَى بلدتَه المستحبُّ أن يقولَ ما قدَّمناه في حديث أنس في الباب الذي قبل هذا، وأن يقولَ ما قدَّمناهُ في باب ما يقولُ إذا رأى قرية، وأن يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنا بِهَا قَرَارًا وَرِزْقًا حَسَنًا". (١). ١٨٨ ـ بابُ ما يقولُ إذا قَدِمَ من سفرهِ فدخل بيتَه [١/ ٥٥٢] روينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄

стр. 349

قال: كان رسول الله ﷺ إذا رجع من سفره، فدخلَ على أهله قال: "تَوْبًا تَوْبًا لِرَبِّنا أوْبًا، لا يُغادِرُ حَوْبًا". قلت: توبًا توبًا: سؤال للتوبة، وهو منصوب إما على تقدير: تب علينا، وإما على تقدير نسألك توبًا توبًا؛ وأوبًا بمعناه من آب إذا رجع. ومعنى لا يغادر: لا يترك؛ وحَوْبًا معناه: إثمًا، وهو بفتح الحاء وضمّها لغتان. ١٨٩ ـ بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من سفر يستحبّ أن يُقال: الحَمْد لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَكَ، أوِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَمَعَ الشَّمْلَ بِكَ، أو نحو ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] وفيه أيضًا حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب بعده. ١٩٠ ـ بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من غزو [١/ ٥٥٣] روينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ في غزو، فلما دخل استقبلتُه فأخذتُ بيده، فقلت: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي نَصَرَكَ وأعَزَّكَ وأكْرَمَكَ. ١٩١ ـ بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من حَجّ وما يقولُه [١/ ٥٥٤] روينا في كتاب ابن السني، عن ابن عمر رضي الله

стр. 350

عنهما قال: جاءَ غلامٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: إني أُريدُ الحجّ، فمشى معه رسولُ الله ﷺ فقال: "يا غُلامُ! زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ في الخَيْرِ، وَكَفَاكَ الهَمَّ" فلما رجع الغلام سلَّم على النبيّ ﷺ فقال: "يا غُلامُ! قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وأخْلَفَ نَفَقَتَكَ". [٢/ ٥٥٥] وروينا في سنن البيهقي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحاجّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الحاج" قال الحاكم: هو صحيحٌ على شرط مسلم.

стр. 351

كتاب أذكار الأكل والشّرب ١٩٢ ـ بابُ ما يقولُ إذا قُرِّب إليه طعامُه [١/ ٥٥٦] روينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه كان يقول في الطعام إذا قُرِّبَ إليه: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيما رَزَقْتَنا، وَقِنا عَذَابَ النَّارِ، باسم اللَّهِ". ١٩٣ ـ بابُ استحباب قول صاحب الطعام لِضِيْفَانِه عندَ تقديم الطَّعام: كُلوا، أو ما في مَعناه اعلم أنه يُستحبّ لصاحِب الطعام أن يقولَ لضيفه عند تقديم الطعام: باسم الله، أو كُلوا، أو الصَّلاة، أو نحو ذلك من العبارات المصرِّحة بالإِذن في الشروع في الأكل، ولا يجب هذا القول، بل يكفي تقديمُ الطعام إليهم، ولهم الأكل بمجرّد ذلك من غير اشتراط لفظ، وقال بعض أصحابنا: لا بدّ من لفظ، والصوابُ الأوّل، وما ورد في الأحاديث الصحيحة من لفظ الإِذن في ذلك: محمول على الاستحباب.

стр. 352

١٩٤ ـ باب التسمية عند الأكلِ والشُّربِ [١/ ٥٥٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ". [٢/ ٥٥٨] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُر اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: باسم اللَّهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [٣/ ٥٥٩] وروينا في صحيح مسلم، عن جابر ﵁ قال: سمعتُ رسولُ الله ﷺ يقول: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِهِ وَعنْدَ طَعامِهِ، قالَ الشَّيْطانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِهِ قالَ الشَّيْطانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ طَعامِهِ قالَ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشاءَ". [٤/ ٥٦٠] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، في حديث أنس المشتمل على معجزةٍ ظاهرةٍ من معجزاتِ رسولِ الله ﷺ لمَّا دعاهُ أبو طلحةَ وأُمُّ سُليم للطعام، قال: ثم قال النبيّ ﷺ "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فأذن لهم، فدخلُوا

стр. 353

فقال النبيّ ﷺ : كُلُوا وسَمُّوا اللَّهَ تَعالى" فأكلُوا حتى فعلَ ذلك بثمانين رجلًا. [٥/ ٥٦١] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن حذيفة ﵁ قال: كنّا إذا حضرْنَا مع رسولِ الله ﷺ طعامًا لم نضعْ أيدينا حتى يبدأ رسولُ الله ﷺ فيضعُ يدَه، وإنّا حضرنا معه مرّة طعامًا فجاءت جارية كأنها تدفعُ، فذهبتْ لتضعَ يدَها في الطعام فأخذَ رسولُ الله ﷺ بيدها، ثم جاءَ أعرابيٌّ كأنما يَدْفَعُ، فأخذَ بيدِه، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الشَّيْطانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ الله عَلَيْه، وأنَّهُ جاءَ بهَذِهِ الجارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فأخَذْتُ بِيَدِها، فَجاءَ الأعْرابِيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فأخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِه إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدِهِما" ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل. [٦/ ٥٦٢] وروينا في سنن أبي داود والنسائي، عن أميّة بن مَخْشِيٍّ الصحابي ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ جالسًا ورجلٌ يأكلُ، فلم يُسمّ حتى لم يبقَ من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فِيه قال: باسم الله أوّله وآخرُه، فضحكَ النبيّ ﷺ ثم قال: "ما زَالَ الشَّيْطانُ يأكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ ما في بَطْنِهِ" قلتُ مَخْشِيّ، بفتح الميم وإسكان الخاء وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء؛ وهذا الحديث محمول على أن النبيّ ﷺ لم يعلمْ تركَه التسمية إلا في آخر أمره، إذ لو علم ذلك لم يسكتْ عن أمره بالتسمية. [٧/ ٥٦٣] وروينا في كتاب الترمذي، عن عائشةَ ﵂

стр. 354

قالت: كان رسولُ الله ﷺ يأكلُ طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابيٌّ فأكلَه بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفاكُمْ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [٨/ ٥٦٤] وروينا، عن جابر ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ على طَعامِهِ، فَلْيَقْرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ إذَا فَرَغَ". قلت: أجمع العلماءُ على استحباب التسمية على الطعام في أوّلِه، فإن تركَ في أوله عامدًا أو ناسيًا أو مُكرهًا أو عاجزًا لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكلِه، استحبّ أن يسمّي للحديث المتقدم ويقول: باسم الله أوله وآخره، كما جاء في الحديث. والتسميةُ في شرب الماء واللبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتسمية في الطعام في جميع ما ذكرناه. قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ويُستحبُّ أن يجهرَ بالتسمية ليكونَ فيه تنبيهٌ لغيره على التسمية وليُقتدى به في ذلك، والله أعلم. [فصل]: من أهمّ ما ينبغي أن يُعرف صفةُ التسمية وقدرُ المجزىء منها، فاعلم أنَّ الأفضلَ أن يقولَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فإن قال: بِسْمِ اللهِ، كفاهُ وحصلَتِ السُّنّة، وسواء في هذا الجنب والحائض وغيرهما، وينبغي أن يُسمِّيَ كل واحد من الآكلين، فلو سمَّى واحدٌ منهم أجزأ عن الباقين، نصّ عليه الشافعي ﵁، وقد ذكرتُه عن جماعة في كتاب الطبقات في ترجمة الشافعي، وهو شبيه بردّ السلام وتشميت العاطس، فإنه يُجزىء فيه قولُ أحدِ الجماعة.

стр. 355

١٩٥ ـ بابُ لا يعيبُ الطعامَ والشرابَ [١/ ٥٦٥] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: ما عابَ رسولُ الله ﷺ طعامًا قطّ، إن اشتهاه أكلَه، وإن كرهَه تركَه. وفي رواية لمسلم: وإن لم يشتهه سكت. [٢/ ٥٦٦] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن هُلْب (١) الصحابي ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ وسأله رجلٌ: إن من الطعام طعامًا أتحرّجُ منه؟ فقال: "لا يَتَحَلَّجَنَّ في صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ بِهِ النَّصْرانِيَّةَ". قلتُ: هُلْب بضمّ الهاء وإسكان اللام وبالباء الموحدة. وقوله يَتَحَلَّجَنَّ، هو بالحاء المهملة قبل اللام والجيم بعدها، هكذا ضبطه الهروي والخطابي والجماهير من الأئمة، وكذا ضبطناه في أصول سماعنا سنن أبي داود وغيره بالحاء المهملة، وذكره أبو السعادات ابن الأثير بالمهملة أيضًا، ثم قال: ويُروى بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد. قال الخطابي: معناه لا يقع في ريبة منه. قال: وأصله من الحلج: هو الحركة والاضطراب، ومنه حَلَجَ القطن. قال: ومعنى ضارعتَ النصرانية: أي قاربتها في الشبه، فالمضارعة: المقاربة في الشبه.
следующие страницы →