كتاب أذكار الأكل والشّرب
١٩٢ ـ بابُ ما يقولُ إذا قُرِّب إليه طعامُه
[١/ ٥٥٦] روينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄،
عن النبيّ ﷺ أنه كان يقول في الطعام إذا قُرِّبَ إليه: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيما رَزَقْتَنا، وَقِنا عَذَابَ النَّارِ، باسم اللَّهِ".
١٩٣ ـ بابُ استحباب قول صاحب الطعام لِضِيْفَانِه عندَ تقديم الطَّعام: كُلوا، أو ما في مَعناه
اعلم أنه يُستحبّ لصاحِب الطعام أن يقولَ لضيفه عند تقديم الطعام: باسم الله، أو كُلوا، أو الصَّلاة، أو نحو ذلك من العبارات المصرِّحة بالإِذن في الشروع في الأكل، ولا يجب هذا القول، بل يكفي تقديمُ الطعام إليهم، ولهم الأكل بمجرّد ذلك من غير اشتراط لفظ، وقال بعض أصحابنا: لا بدّ من لفظ، والصوابُ الأوّل، وما ورد في الأحاديث الصحيحة من لفظ الإِذن في ذلك: محمول على الاستحباب.
стр. 352
١٩٤ ـ باب التسمية عند الأكلِ والشُّربِ
[١/ ٥٥٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال:
قال لي رسول الله ﷺ : "سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ".
[٢/ ٥٥٨] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن عائشة ﵂ قالت:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُر اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: باسم اللَّهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[٣/ ٥٥٩] وروينا في صحيح مسلم، عن جابر ﵁ قال:
سمعتُ رسولُ الله ﷺ يقول: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِهِ وَعنْدَ طَعامِهِ، قالَ الشَّيْطانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِهِ قالَ الشَّيْطانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ طَعامِهِ قالَ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشاءَ".
[٤/ ٥٦٠] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، في حديث أنس المشتمل على معجزةٍ ظاهرةٍ من معجزاتِ رسولِ الله ﷺ لمَّا دعاهُ أبو طلحةَ وأُمُّ سُليم للطعام، قال: ثم قال النبيّ ﷺ "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فأذن لهم، فدخلُوا
стр. 353
فقال النبيّ ﷺ : كُلُوا وسَمُّوا اللَّهَ تَعالى" فأكلُوا حتى فعلَ ذلك بثمانين رجلًا.
[٥/ ٥٦١] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن حذيفة ﵁ قال:
كنّا إذا حضرْنَا مع رسولِ الله ﷺ طعامًا لم نضعْ أيدينا حتى يبدأ رسولُ الله ﷺ فيضعُ يدَه، وإنّا حضرنا معه مرّة طعامًا فجاءت جارية كأنها تدفعُ، فذهبتْ لتضعَ يدَها في الطعام فأخذَ رسولُ الله ﷺ بيدها، ثم جاءَ أعرابيٌّ كأنما يَدْفَعُ، فأخذَ بيدِه، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الشَّيْطانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ الله عَلَيْه، وأنَّهُ جاءَ بهَذِهِ الجارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فأخَذْتُ بِيَدِها، فَجاءَ الأعْرابِيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فأخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِه إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدِهِما" ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل.
[٦/ ٥٦٢] وروينا في سنن أبي داود والنسائي، عن أميّة بن مَخْشِيٍّ الصحابي ﵁ قال:
كان رسولُ الله ﷺ جالسًا ورجلٌ يأكلُ، فلم يُسمّ حتى لم يبقَ من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فِيه قال: باسم الله أوّله وآخرُه، فضحكَ النبيّ ﷺ ثم قال: "ما زَالَ الشَّيْطانُ يأكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ ما في بَطْنِهِ" قلتُ مَخْشِيّ، بفتح الميم وإسكان الخاء وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء؛ وهذا الحديث محمول على أن النبيّ ﷺ لم يعلمْ تركَه التسمية إلا في آخر أمره، إذ لو علم ذلك لم يسكتْ عن أمره بالتسمية.
[٧/ ٥٦٣] وروينا في كتاب الترمذي، عن عائشةَ ﵂
стр. 354
قالت:
كان رسولُ الله ﷺ يأكلُ طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابيٌّ فأكلَه بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفاكُمْ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[٨/ ٥٦٤] وروينا، عن جابر ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ على طَعامِهِ، فَلْيَقْرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ إذَا فَرَغَ".
قلت: أجمع العلماءُ على استحباب التسمية على الطعام في أوّلِه، فإن تركَ في أوله عامدًا أو ناسيًا أو مُكرهًا أو عاجزًا لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكلِه، استحبّ أن يسمّي للحديث المتقدم ويقول: باسم الله أوله وآخره، كما جاء في الحديث. والتسميةُ في شرب الماء واللبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتسمية في الطعام في جميع ما ذكرناه. قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ويُستحبُّ أن يجهرَ بالتسمية ليكونَ فيه تنبيهٌ لغيره على التسمية وليُقتدى به في ذلك، والله أعلم.
[فصل]: من أهمّ ما ينبغي أن يُعرف صفةُ التسمية وقدرُ المجزىء منها، فاعلم أنَّ الأفضلَ أن يقولَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فإن قال: بِسْمِ اللهِ، كفاهُ وحصلَتِ السُّنّة، وسواء في هذا الجنب والحائض وغيرهما، وينبغي أن يُسمِّيَ كل واحد من الآكلين، فلو سمَّى واحدٌ منهم أجزأ عن الباقين، نصّ عليه الشافعي ﵁، وقد ذكرتُه عن جماعة في كتاب الطبقات في ترجمة الشافعي، وهو شبيه بردّ السلام وتشميت العاطس، فإنه يُجزىء فيه قولُ أحدِ الجماعة.
стр. 355
١٩٥ ـ بابُ لا يعيبُ الطعامَ والشرابَ
[١/ ٥٦٥] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
ما عابَ رسولُ الله ﷺ طعامًا قطّ، إن اشتهاه أكلَه، وإن كرهَه تركَه. وفي رواية لمسلم: وإن لم يشتهه سكت.
[٢/ ٥٦٦] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن هُلْب (١) الصحابي ﵁ قال:
سمعتُ رسولَ الله ﷺ وسأله رجلٌ: إن من الطعام طعامًا أتحرّجُ منه؟ فقال: "لا يَتَحَلَّجَنَّ في صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ بِهِ النَّصْرانِيَّةَ".
قلتُ: هُلْب بضمّ الهاء وإسكان اللام وبالباء الموحدة. وقوله يَتَحَلَّجَنَّ، هو بالحاء المهملة قبل اللام والجيم بعدها، هكذا ضبطه الهروي والخطابي والجماهير من الأئمة، وكذا ضبطناه في أصول سماعنا سنن أبي داود وغيره بالحاء المهملة، وذكره أبو السعادات ابن الأثير بالمهملة أيضًا، ثم قال: ويُروى بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد. قال الخطابي: معناه لا يقع في ريبة منه. قال: وأصله من الحلج: هو الحركة والاضطراب، ومنه حَلَجَ القطن. قال: ومعنى ضارعتَ النصرانية: أي قاربتها في الشبه، فالمضارعة: المقاربة في الشبه.
стр. 356
١٩٦ ـ بابُ جواز قوله: لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدتُ أكله ونحو ذلك إذا دعت إليه حاجةٌ
[١/ ٥٦٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن خالد بن الوليد ﵁ في حديث الضَّبِّ لما قدَّموه مشويًا إلى رسول الله ﷺ ، فأهوى رسولُ الله ﷺ بيده إليه، فقالوا: هو الضَّبُّ يا رسولَ الله! فرفعَ رسولُ الله ﷺ يدَه، فقال خالد: أحرام الضَّبُّ يا رسول الله؟! قال: "لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمي فأجِدُنِي أعافُهُ".
١٩٧ ـ بابُ مَدحِ الآكلِ الطعامَ الذي يأكلُ منه
[١/ ٥٦٨] روينا في صحيح مسلم، عن جابر ﵁؛
أن النبيّ ﷺ سألَ أهلَه الأُدْمَ، فقالوا: ما عندنا إلَاّ خَلّ، فدعا به فجعلَ يأكلُ منه ويقول: "نِعْمَ الأدْمُ الخَلُّ، نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ".
١٩٨ ـ بابُ ما يقولُه من حَضَرَ الطعامُ وهو صائمٌ إذا لم يُفطر
[١/ ٥٦٩] روينا في صحيح مسلم، عن أبي هُريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ صَائِمًا
стр. 357
فلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ" قال العلماء: معنى فليصل: أي فليدع.
[٢/ ٥٧٠] وروينا في كتاب ابن السني وغيره، قال فيه: "فإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَأكُلْ، وَإنْ كَانَ صَائِمًا دَعا لَهُ بالبَرَكَةِ".
١٩٩ ـ بابُ ما يقولُه مَن دُعِي لطعامٍ إذا تَبِعَه غيرُه
[١/ ٥٧١] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي مسعودٍ الأنصاري قال:
دعا رجلٌ النبيَّ ﷺ لطعامٍ صنعَه له خامسَ خمسةٍ، فتبعهُم رجلٌ، فلما بلغَ البابَ قال النبيّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنا فإنْ شِئْتَ أَنْ تأذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ" قال: بل آذنُ له يا رسولَ الله!
٢٠٠ ـ بابُ وَعْظِهِ وتأديبِهِ مَنْ يُسيءُ في أكلِه
[١/ ٥٧٢] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عمر بن أبي سلمةَ ﵄ قال:
كنتُ غلامًا في حِجْر رسولِ الله ﷺ فكانتْ يدي تطيشُ في الصحفة، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "يا غُلامُ! سَمّ الله تعالى، وكُلْ بِيَمينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" وفي رِوَاية في الصحيح قال: أكلتُ يومًا مع رسول الله ﷺ فجعلتُ آكلُ من نواحي الصحفة، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "كُلْ مِمَّا يَلِيكَ". قُلت: قولُه تطِيشُ، بكسر الطاء وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة، ومعناه: تتحرّك وتمتدّ إلى نواحي الصحفة ولا تقتصرُ على موضع واحد.
стр. 358
[٢/ ٥٧٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن جبلةَ بن سحيم قال:
أصابَنَا عامُ سَنةٍ مع ابن الزبير، فرزقنا، فكان عبد الله بن عمر ﵄ يمرّ بنا ونحن نأكلُ، ويقولُ: لا تقارِنُوا، فإن النبيَّ ﷺ نهى عن الإِقران، ثم يقول: إلَاّ أنْ يَسْتأذِنَ الرَّجُلُ أخاهُ.
قلت: قوله لا تقارنوا: أي لا يأكل الرجل تمرتين في لقمة واحد.
[٣/ ٥٧٤] وروينا في صحيح مسلم، عن سلمة بن الأكوع ﵁؛
أن رجلًا أكل عندَ النبيّ ﷺ بشماله، فقال: "كُلْ بِيَمِيْنِكَ" (١)، قال: لا أستطيعُ، قال: "لا اسْتَطَعْتَ" (٢)، ما منعه إلا الكِبْر (٣)، فما رفعها إلى فِيْه.
قلتُ: هذا الرجل هو بُسر بضم الموحدة وبالسين المهملة: ابن راعي العَير بالمثناة وفتح العين، وهو صحابي، وقد أوضحتُ حالَه، وشرح صحيح مسلم" والله أعلم.
٢٠١ ـ بابُ استحباب الكَلامِ على الطَّعام
فيه حديث جابر (٤) الذي قدَّمناه في باب مدح الطعام. قال الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإِحياء": من آداب الطعام أن يتحدَّثوا في حال أكله
стр. 359
بالمعروف، ويتحدّثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها.
٢٠٢ ـ بابُ ما يقولُهُ ويفعلُه من يأكلُ ولا يَشبعُ
[١/ ٥٧٥] روينا في سنن أبي داود وابن ماجه، عن وحشيِّ بن حرب ﵁؛
أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسولَ الله! إنّا نأكلُ ولا نشبعُ، قال: "فَلَعَلَّكُم تَفْتَرِقُونَ، قالوا: نعم، قال: فاجْتَمِعُوا على طَعامِكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فيه".
٢٠٣ ـ بابُ ما يقولُ إذا أكلَ مع صَاحبِ عَاهَةٍ
[٢/ ٥٧٦] روينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن جابر ﵁؛
أن رسولَ الله ﷺ أخذَ بيدِ مجذومٍ فوضعَها معه في القَصعةِ، فقال: "كُلْ باسم اللَّهِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ".
٢٠٤ ـ بابُ استحباب قولِ صاحبِ الطَّعام لضيفهِ ومَنْ في معناهُ إذا رفع يده من الطعام "كُلْ" وتكريرُه ذلك عليه ما لم يتحقّقْ أنه اكتفى منه وكذلك يفعلُ في الشرابِ والطِّيبِ ونحو ذلك
اعلم أن هذا مُستحبّ، حتى يُستحبّ ذلك للرجل مع زوجته وغيرها من
стр. 360
عيالِه، الذين يُتوهم منهم أنهم رفعوا أيديهم ولهم حاجةٌ إلى الطعام وإن قلَّت.
ومما يُستدّل به في ذلك:
[١/ ٥٧٧] ما رويناهُ في صحيح البخاري،
عن أبي هريرة ﵁ في حديثه الطويل المشتمل على معجزاتٍ ظاهرةٍ لرسول الله ﷺ ، لما اشتدّ جوعُ أبي هريرة وقعدَ على الطريق يستقرىءُ مَن مَرَّ به القرآن معرّضًا بأن يُضيفه، ثم بعثه رسولُ الله ﷺ إلى أهل الصفّةِ فجاءَ بهم فأرْواهم أجمعينَ من قدحِ لبنٍ، وذكر الحديث إلى أن قال: قال لي رسول الله ﷺ "بَقِيتُ أنا وَأنْتَ" قلتُ: صَدقتَ يا رسولَ الله! قال: "اقْعُدْ فاشْرَبْ" فقعدتُ فشربتُ، فقال: "اشْرَبْ" فَشَرِبْتُ، فَمَا يَقُولُ اشْرَبْ، حتى قلتُ: لا، والذي بعثك بالحقّ لا أجد له مَسْلَكًا، قال: فأرِني، فأعطيته القدحَ فحمد الله تعالى وسمَّى وشربَ الفضلةَ.
٢٠٥ ـ بابُ ما يقولُ إذا فَرَغَ من الطَّعامِ
[١/ ٥٧٨] روينا في صحيح البخاري، عن أبي أُمامةَ ﵁
أن النبيّ ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفيٍّ وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنىً عَنْهُ رَبَّنا" وفي رواية "كان إذا فَرَغَ من طعامِه" وقال مرّة: إذا رفع مائدته قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفانا وأرْوَانا غَيْرَ مَكْفِيّ ولا مَكْفُورٍ".
قلتُ: مكفيّ بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواه أكثر الرواة بالهمز وهو فاسد من حيث العربية، سواء كان
стр. 361
من الكفاية أو من كفأت الإِناء، كما لا يقال في مقروء من القراءة: مقرىء، ولا في مرمىْ بالهمز. قال صاحب مطالع الأنوار في تفسير هذا الحديث: المراد بهذا المذكور كله الطعام، وإليه يعود الضمير. قال الحربيّ: فالمكفيّ: الإِناء المقلوب للاستغاء عنه كما قال "غير مستغنى عنه" أو لعدمه، وقوله غير مكفور: أي غير مجحود نِعمَ الله فيه، بل مشكورة، غير مستور الاعتراف بها والحمد عليها.
وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا الدعاء كله البارىء ، وأن الضمير يعود إليه، وأن معنى قوله غير مكفيّ: أنه يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ كأنه على هذا من الكفاية، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث: أي إن الله تعالى مستغنٍ عن معين وظهير، قال: وقوله لا مودّع: أي غير متروك الطلب منه والرغبة إليه، وهو بمعنى المستغنى عنه، وينتصب ربنا على هذا بالاختصاص أو المدح أو بالنداء كأنه قال: يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا، ومن رفعه قطعه وجعله خبرًا، وكذا قيده الأصيلي كأنه قال: ذلك ربّنا: أي أنت ربنا، ويصحّ فيه الكسر على البدل من الاسم في قوله الحمد لله.
وذكر أبو السعادات ابن الأثير في نهاية الغريب نحو هذا الخلاف مختصرًا. وقال ومن رفع ربّنا فعلى الابتداء المؤخر: أي ربنا غير مكفيّ ولا مودع، وعلى هذا يرفع غير. قال: ويجوز أن يكون الكلام راجعًا إلى الحمد كأنه قال: حمدًا كثيرًا غير مكفي ولا مودّع ولا مستغنى عن هذا الحمد. وقال في قوله ولا مودّع: أي غير متروك الطاعة، وقيل هو من الوداع وإليه يرجع، والله أعلم.
[٢/ ٥٧٩] وروينا في صحيح مسلم، عن أنس ﵁، قال:
стр. 362
قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله تعالى لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ يأكُلُ الأكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْها، ويَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْها".
[٣/ ٥٨٠] وروينا في سنن أبي داود وكتابي "الجامع" و"الشمائل" للترمذي، عن أبي سعيد الخدري ﵁؛
أن النبيَّ ﷺ كان إذا فَرَغ من طعامه قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَنَا وَسَقانا وَجَعَلَنا مُسْلِمِينَ".
[٤/ ٥٨١] وروينا في سنن أبي داود والنسائي، بالإِسناد الصحيح، عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا أكَلَ أو شَرِبَ قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا".
[٥/ ٥٨٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن معاذ بن أنس ﵁ قال:
قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أكَلَ طَعامًا فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" قال الترمذي: حديث حسن. قال الترمذي: وفي الاب ـ يعني باب الحمد على الطعام إذا فرغَ منه ـ عن عقبةَ بن عامر وأبي سعيد وعائشة وأبي أيوب وأبي هريرة.
[٦/ ٥٨٣] وروينا في سنن النسائي وكتاب ابن السني، بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن جُبير التابعي؛
بأنه حدَّثه رجلٌ خدمَ النبيَّ ﷺ ثماني
стр. 363
سنين أنه كان يسمعُ النبيَّ ﷺ إذا قَرَّبَ إليه طعامًا يقول: "باسم اللَّهِ" فإذا فَرغَ من طعامه قال: "اللَّهُمَّ أطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأغْنَيْتَ وأقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وأحْسَنْتَ، فَلَكَ الحَمْدُ على ما أعْطَيْتَ".
[٧/ ٥٨٤] وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄،
عن النبيّ ﷺ ؛ أنه كان يقول في الطعام إذا فرغَ: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي مَنَّ عَلَيْنا وَهَدَانا، وَالَّذي أشْبَعَنا وَأرْوَانا، وكُلَّ الإِحْسانِ آتانا".
[٨/ ٥٨٥] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وكتاب ابن السني، عن ابن عباس ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ طَعامًا" وفي رواية ابن السني "مَنْ أطْعَمَهُ اللَّهُ طَعامًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وأطْعِمْنا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقاهُ اللَّهُ تعالى لَبَنًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وَزِدْنا مِنْهُ، فإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ منَ الطَّعامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٩/ ٥٨٦] وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
كان رسولُ الله ﷺ إذا شرب في الإِناء تنفَّسَ ثلاثة أنفاسٍ يحمد الله تعالى في كل نفس، ويشكرُه في آخره.
стр. 364
٢٠٦ ـ بابُ دعاءِ المدعوّ والضيفَ لأهلِ الطَّعامِ إذا فَرَغَ من أكلهِ
[١/ ٥٨٧] روينا في صحيح مسلم، عن عبد الله بن بُسْرٍ ـ بضمّ الباء وإسكان السين المهملة ـ الصحابيّ، قال:
نزل رسول الله ﷺ على أبي: فقرّبنا إليه طعامًا ووَطْبَةً فأكل منها، ثم أُتيَ بتمر فكان يأكلُه ويُلقي النَّوَى بين أصبعيه ويجمعُ السبَّابَةَ والوُسطى ـ قال شعبة: هو ظني وهو فيه إن شاء الله تعالى إلقاءُ النَّوى بين الأصبعين ـ ثم أُتي بشرابٍ فشربَه، ثم ناولَه الذي عن يمينه، فقال أبي، وأخذَ بلجامِ دابّته: ادعُ اللَّهَ لنا، فقال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِيما رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ".
قلتُ: الوطبة بفتح الواو وإسكان الطاء المهملة بعدها باء موحدة: وهي قربة لطيفة يكون فيها اللبن.
[١/ ٥٨٨] وروينا في سنن أبي داود وغيره، بالإِسناد الصحيح، عن أنس ﵁؛
أن النبيّ ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة ﵁، فجاء بخبزٍ وزيْتٍ فأكل، ثم قال النبيّ ﷺ : "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ".
[٣/ ٥٨٩] وروينا في سنن ابن ماجه، عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال:
أفطرَ رسولُ الله ﵌ عند سعد بن معاذ، فقال: "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ" الحديث.
стр. 365
قلتُ: فهما قضيتان جرتا لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ.
[٤/ ٥٩٠] وروينا في سنن أبي داود، عن رجل عن جابر ﵁ قال:
صنعَ أبو الهيثم بن التَّيِّهَان للنبيّ ﷺ طعامًا، فدعا النبيَّ ﷺ وأصحابَه، فلما فرغوا، قال: "أثِيبُوا أخاكُمْ" قالوا: يا رسول الله! وما إثابته؟ قال: "إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخلَ بَيْتُهُ فأُكِلَ طَعامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إثابَتُهُ".
٢٠٧ ـ بابُ دُعاءِ الإِنسانَ لمن سَقَاهُ ماءً أو لبنًا ونحوهما
[١/ ٥٩١] روينا في صحيح مسلم، عن المقداد ﵁ في حديثه الطويل المشهور قال:
فرفع النبيُّ ﷺ رأسَه إلى السماء، فقال: "اللَّهُمَّ أطْعِمْ مَنْ أطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقانِي".
[٢/ ٥٩٢] وروينا في كتاب ابن السني، عن عمرو بن الحَمِقِ ﵁؛
أنه سقى رسولَ الله ﷺ لَبَنًا فقال:" اللَّهُمَّ أمْتِعْهُ بِشَبابِه" فمرّتْ عليه ثمانون سنةً لم يرَ شعرةً بيضاء. قلت: الحَمِق بفتح الحاء المهملة وكسر الميم.
[٣/ ٥٩٣] وروينا فيه، عن عمرو بن أخطب، بالخاء المعجمة وفتح الطاء ﵁ قال:
اسْتَسْقَى رسولُ الله ﷺ فأتيتُه بماء في جمجمة
стр. 366
وفيها شعرة فأخرجتُها، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ" قال الراوي: فرأيته ابن ثلاث وتسعين أسود الرأس واللحية.
قلت: الجُمْجُمة بجيمين مضمومتين بينهما ميم ساكنة، وهي قدح من خشب وجمعها جماجم، وبه سمي دير الجماجم، وهو الذي كانت به وقعة ابن الأشعث مع الحجاج بالعراق، لأنه كان يُعمل فيه أقداح من خشب، وقيل: سمي به لأنه بُنِي من جماجم القتلى لكثرة من قُتل.
٢٠٨ ـ بابُ دعاءِ الإِنسان وتحريضِه لمن يُضيِّفُ ضَيْفًا
[١/ ٥٩٤] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ليضيفَه فلم يكنْ عندَه ما يضيفُه، فقال: "ألا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا ﵀" فقام رجل من الأنصار فانطلق به. وذكر الحديث.
٢٠٩ ـ بابُ الثناءِ على مَنْ أكرمَ ضيفَه
[١/ ٥٩٥] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: إني مجهودٌ، فأرسلَ إلى بعض نسائِه فقالتْ: والذي بعثكَ بالحقّ ما عندي إلا ماءٌ، ثم أرسلَ إلى أخرى فقالت مثلَ ذلك، حتى قلنَ كلهنّ مثلَ ذلك، فقال: "مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀" فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسولَ الله! فانطلقَ به إلى رحلِه فقال لامرأته: هل عندكِ شيءٌ؟ قالت: لا، إلا قوتُ صبياني، قال: فعلِّليهم بشيء، فإذا دخلَ ضيفُنا فأطفئي السراجَ وأريه أنَّا نأكلُ، فإذا أهوى
стр. 367
ليأكلَ فقومي إلى السِّراجِ حتى تطفئيه، فقعدُوا وأكلَ الضيفُ، فلما أصبحَ غدا على رسول الله ﷺ ، فقال: "قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صُنْعِكُما بِضَيْفِكُما اللَّيْلَةَ" فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
قلتُ: وهذا محمولٌ على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورية، لأن العادةَ أن الصبيّ وإن كان شبعانًا يطلبُ الطعامَ إذا رأى مَن يأكلُه، ويُحمل فعلُ الرجل والمرأة على أنهما آثرا بنصيبهما ضيفهما، والله أعلم.
٢١٠ ـ بابُ استحباب ترحيب الإِنسان بضيفه وحمده الله تعالى على حصوله ضيفًا عنده وسروره بذلك وثنائه عليه لكونه جعلَه أهلًا لذلك
[١/ ٥٩٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، من طرق كثيرة، عن أبي هريرة وعن أبي شُرَيْحٍ الخزاعيّ ﵄؛
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ".
[٢/ ٥٩٧] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
خرجَ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ ـ أو ليلةٍ ـ فإذا هو بأبي بكر وعمر ﵄، قال: "ما أخْرَجَكُما مِنْ بُيُوتِكُما هَذِهِ السَّاعَةَ؟ " قالا: الجوع يا رسول الله! قال: "وأنا وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرَجَني الَّذي أخْرَجَكُما، قُومُوا" فقاموا معه، فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا ليس هو في
стр. 368
بيته، فلما رأتْهُ المرأةُ قالتْ: مرحبًا وأهلًا، فقالَ لها رسول الله ﷺ : "أيْنَ فُلانٌ؟ " قالت: ذهبَ يستعذبُ لنا من الماء، إذ جاء الأنصاريّ فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحدٌ اليوم أكرمُ أضيافًا منّي. وذكر تمام الحديث.
٢١١ ـ بابُ ما يقولُه بعدَ انصرافِه عن الطَّعام
[١/ ٥٩٨] روينا في كتاب ابن السني، عن عائشةَ ﵂ قالت:
قالَ رسولُ الله ﷺ : "أذِيبُوا طَعامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاةِ، وَلا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ لَهُ قُلُوبُكُمْ".
стр. 369
كتاب السلام والاستئذان وتشميت العاطس وما يتعلق بها
قال الله : ﴿فإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا على أنْفُسِكُم تحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وقال تعالى: ﴿وَإذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء:٨٦] وقال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتَّى تَسْتأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا على أهْلِها﴾ [النور:٢٧] وقال تعالى: ﴿وَإذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كما اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩] وقال تعالى: ﴿وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا، قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات:٢٤].
واعلم أن أصلَ السَّلامِ ثابتٌ بالكتاب والسُّنّة والإِجماع. وأما أفراد مسائله وفروعه فأكثرُ من أن تُحصر، وأنا أختصرُ مقاصدَه في أبواب يسيرة إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق والهداية والإِصابة والرعاية.
٢١٢ ـ بابُ فضلِ السَّلامِ والأمرِ بإفشائه
[١/ ٥٩٩] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛
أنَّ رجلًا سأل رسولَ الله ﷺ : أيُّ
стр. 370
الإِسلام خَيْرٌ؟ قال: "تُطْعِمُ الطَّعامَ، وَتَقْرأُ السَّلام على مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
[٢/ ٦٠٠] وروينا في صحيحيهما، عن أبي هريرة ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قال: اذْهَبْ فَسَلِّمْ على أُولَئِكَ: نَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٍ فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ فإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرّيَّتِكَ، فقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهُ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ".
[٣/ ٦٠١] وروينا في صحيحيهما، عن البراء بن عازب ﵄ قال:
أمرنا رسولُ الله ﷺ بسبع: بعيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنائز، وتشميتِ العاطسِ، ونصرِ الضعيفِ، وعوْنِ المظلومِ، وإفشاءِ السَّلامِ، وإبرارِ القَسَم. هذا لفظ إحدى روايات البخاري.
[٤/ ٦٠٢] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حتَّى تحابُّوا، أوْلا أدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ".
[٥/ ٦٠٣] وروينا في مسند الدارمي وكتابي الترمذي وابن ماجه، وغيرها بالأسانيد الجيدة، عن عبد الله بن سلام ﵁ قال:
стр. 371
سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يا أيُّهَا النَّاسُ أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ" قال الترمذي: حديث صحيح.
[٦/ ٦٠٤] وروينا في كتابي ابن ماجه وابن السني، عن أبي أُمامةَ ﵁ قال:
أمَرَنَا نبيُّنا ﷺ أن نُفشيَ السَّلامَ.
[٧/ ٦٠٥] وروينا في موطأ الإِمام مالك ﵁، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
أن الطُّفيلَ بن أُبيّ بن كعب أخبرَه أنه كان يأتي عبدَ الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذَا غدوْنا إلى السوق لم يمرّ بنا عبدُ الله على سَقَّاطٍ ولا صاحبِ بَيْعَةٍ ولا مِسكين ولا أحدٍ إلَاّ سلَّم عليه؛ قال الطُّفيلُ: فجئتُ عبدَ الله بن عمر يومًا، فاستتبعني إلى السوق، فقلتُ له: ما تصنعُ بالسوق وأنتَ لا تقفُ على البيْعِ ولا تسألُ عن السِّلعِ ولا تسومُ ولا تجلسُ في مجالس السوق؟ قال: وأقولُ اجلسْ بنا هاهنا نتحدّثْ، فقال لي ابن عمر: يا أبا بطن ـ وكان الطفيلُ ذا بطن ـ إنما نغدو من أجل السلام نُسَلِّم على مَن لقيناه.
[٨/ ٦٠٦] وروينا في صحيح البخاري عنه، قال:
وقال عمّار رضي
стр. 372
الله عنه: ثلاثٌ من جَمعهنّ فقد جمعَ الإِيمانَ؛ الإِنصافُ من نفسك، وبذلُ السَّلام للعالم، والإِنفاقُ من الإِقتار.
وروينا هذا في غير البخاري مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ .
قلت: قد جمعَ في هذه الكلمات الثلاث خيراتِ الآخرة والدنيا، فإنَّ الإِنصافَ يقتضي أن يؤدّي إلى الله تعالى جميع حقوقه وما أمره به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدّي إلى الناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضًا نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلًا. وأما بذلُ السلام للعالم فمعناه لجميع الناس، فيتضمن أن لا يتكبر على أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع من السلام عليه بسببه. وأما الإِنفاق من الإقتار فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى والتوكل عليه والشفقة على المسلمين إلى غير ذلك، نسأل الله تعالى الكريم التوفيق لجميعه.
٢١٣ ـ بابُ كيفيّة السَّلام
اعلم أن الأفضل أن يقول المسلم: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدًا، ويقولُ المجيب: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَركاتُه، ويأتي بواو العطف في قوله: وعليكم.
وممّن نصّ على أن الأفضل في المبتدىء أن يقول "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماورديّ في كتابه "الحاوي" في كتاب السِّيَر، والإِمام أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتاب "صلاة الجمعة" وغيرها.
стр. 373
[١/ ٦٠٧] ودليله ما رويناه في مسند الدارمي وسنن أبي داود والترمذي، عن عمران بن الحصين ﵄ قال:
"جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: السلام عليكم، فردّ عليه ثم جلس، فقال النبيّ ﷺ : عَشْرٌ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردّ عليه ثم جلس، فقال: عِشْرُونَ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه، فردّ عليه فجلس، فقال: "ثلاثُونَ". فقال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لأبي داود، من رواية معاذ بن أنس ﵁، زيادة على هذا، قال: "ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: أرْبَعُونَ، وقال: هَكَذَا تَكُونُ الفَضَائِلُ".
[٢/ ٦٠٨] وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف، عن أنس ﵁ قال:
كان رجلٌ يمرّ بالنبيّ ﷺ يَرعى دوابّ أصحابه فيقول: السلام عليك يا رسول الله! فيقول له النبيّ ﷺ : "وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ"، فقيل: يا رسول الله! تُسَلِّم على هذا سلامًا ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ قال: "وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذلكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بأجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا؟ ".
قال أصحابنا: فإن قال المبتدىء: السلام عليكم، حصل السَّلامُ، وإن قال: السلام عليكَ، أو سلام عليكَ، حصل أيضًا. وأما الجواب فأقلّه: وعليكَ السلام، أو وعليكم السلام، فإن حذف الواو فقال: عليكم
стр. 374
السَّلام أجزأه ذلك وكان جوابًا، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نصّ عليه إمامنا الشافعي ﵀ في "الأُم" وقال به جمهور من أصحابنا. وجزم أبو سعد المتولّي من أصحابنا في كتابه "التتمة" بأنه لا يجزئه ولا يكون جوابًا، وهذا ضعيف أو غلط، وهو مخالفٌ للكتاب والسنّة ونصّ إمامنا الشافعي.
أما الكتاب فقال الله تعالى: ﴿قالُوا سَلامًا، قالَ سَلامٌ﴾ [هود:٦٩] وهذا وإن كان شرعًا لِما قَبْلنا فقد جاء شرعنا بتقريره، وهو حديث أبي هريرة الذي قدَّمناه (١) في جواب الملائكة آدم ﷺ ، فإن النبيّ ﷺ أخبرنا "أن الله تعالى قال: هي تحيتك وتحية ذرّيتك" وهذه الأمة داخلة في ذرّيته، والله أعلم.
واتفق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب: عليكم لم يكن جوابًا، فلو قال: وعليكم بالواو فهل يكون جوابًا؟ فيه وجهان لأصحابنا؛ ولو قال المبتدىء: سلام عليكم، أو قال: السلام عليكم، فللمُجيب أن يقول في الصورتين: سلام عليكم، وله أن يقول: السلام عليكم، قال الله تعالى: ﴿قالُوا سَلامًا، قالَ سَلامٌ﴾ قال الإِمام أبو الحسن الواحديّ من أصحابنا: أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار؛ قلت: ولكن الألف واللام أولى.
[فصل]:
[٣/ ٦٠٩] روينا في صحيح البخاري، عن أنس ﵁،
عن النبيّ ﷺ ؛ أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم سلَّمَ عليهم ثلاثًا.
стр. 375
قلت: وهذا الحديث محمولٌ على ما إذا كان الجمعُ كثيرًا، وسيأتي بيان هذه المسألة وكلام الماوردي صاحب الحاوي فيها إن شاء الله تعالى.
[فصل]: وأقل السَّلام الذي يصير به مؤدّيًا سنّة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يُسْمعه لم يكن آتيًا بالسلام، فلا يجب الردّ عليه. وأقلّ ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفع صوتَه بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الردّ، ذكرهما المتولي وغيره.
قلت: والمستحبّ أن يرفع صوته رفعًا يسمعه به المسلَّم عليه أو عليهم سماعًا محققًا، وإذا تشكك في أنه يسمعهم زاد في رفعه، واحتاط واستظهر، أما إذا سلَّم على أيقاظ عندهم نيام، فالسنّة أن يخفضَ صوتَه بحيث يَحصل سماعُ الأيقاظ ولا يستيقظ النيام.
[٤/ ٦١٠] روينا في صحيح مسلم، في حديث المقداد ﵁ الطويل، قال:
كنّا نرفع للنبيّ ﷺ نَصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلّم تسليمًا لا يُوقظ نائمًا ويُسمِع اليقظانَ، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، فجاء النبيّ ﷺ فسلَّم كما كان يُسلِّم. والله أعلم.
[فصل]: قال الإِمام أبو محمد القاضي حسين، والإِمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا: ويُشترط أن يكون الجواب على الفور، فإن أخَّرَه ثم ردّ لم يعدّ جوابًا، وكان آثمًا بترك الردّ.
٢١٤ ـ بابُ ما جاء في كَراهةِ الإِشارة بالسَّلام باليد ونحوها بلا لفظ
[١/ ٦١١] روينا في كتاب الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
стр. 376
عن جدّه،
عن النبيّ ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لا تَشَبَّهُوا باليَهُودِ وَلا بالنَّصَارَى، فإنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشارَةُ بالأصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشارَةُ بالكَفّ" قال الترمذي: إسناده ضعيف.
[٢/ ٦١٢] قلت: وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي عن أسماءَ بنت يزيد:
أن رسول الله ﷺ مرّ في المسجد يومًا، وعُصبَة من النساء قُعود، فأشار بيده بالتسليم. قال الترمذي: حديث حسن، فهذا محمول على أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإِشارة، يدلّ على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته: فسلَّمَ علينا.
٢١٥ ـ بابُ حُكْمِ السَّلَام
اعلم أن ابتداء السَّلامِ سنَّةٌ مستحبّة ليس بواجب، وهو سنّةٌ على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة كفى عنهم تسليمُ واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل. قال الإِمام القاضي حسين من أئمة أصحابنا في كتاب "السير" من تعليقه: ليس لنا سنّة على الكفاية إلا هذا. قلت: وهذا الذي قاله القاضي من الحصر يُنكر عليه، فإن أصحابنا ﵏ قالوا: تشميتُ العاطسِ سنّةٌ على الكفاية كما سيأتي بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى. وقال جماعة من أصحابنا بل كلهم: الأُضحية سنّةٌ على الكفاية في حقّ كل أهل بيت، فإذا ضحَّى واحد منهم حصل الشِّعار والسنّة لجميعهم. وأما ردّ السلام، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعيَّنَ عليه الردّ، وإن كانوا جماعةً كان ردّ السلام فرضُ كفايةٍ عليهم، فإن ردّ واحد منهم سقطَ الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم، وإن ردّوا كلُّهم فهو النهاية في
стр. 377
الكمال والفضيلة، وكذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن. واتفق أصحابنا على أنه لو ردّ غيرُهم لم يسقط الردّ عنهم، بل يجب عليهم أن يردّوا، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبيّ أثموا.
[١/ ٦١٣] روينا في سنن أبي داود، عن عليّ ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "يُجْزِىءُ عَنِ الجَماعَةِ إذَا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، ويُجْزِىءُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهُمْ".
[٢/ ٦١٤] وروينا في الموطأ، عن زيد بن أسلم
أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنَ القَوْمِ أَجْزَأ عَنْهُمْ" قلت: هذا مرسل صحيح الإِسناد.
[فصل]: قال الإِمام أبو سعد المتولي وغيره: إذا نادى إنسان إنسانًا من خلف ستر أو حائط فقال: السلام عليك يا فلان! أو كتب كتابًا فيه: السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان، أو أرسل رسولًا وقال: سلّم على فلان، فبلغه الكتاب أو الرسول، وجب عليه أن يردّ السلام؛ وكذا ذكر الواحدي وغيره أيضًا أنه يجب على المكتوب إليه ردّ السلام إذا بلغه السلام.
[٣/ ٦١٥] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ قالت:
قال لي رسولُ الله ﷺ "هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرأُ عَلَيْكِ السَّلامَ" قالت: قلتُ: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. هكذا وقع في بعض روايات
стр. 378
الصحيحين "وبركاته" ولم يقع في بعضها، وزيادة الثقة مقبولة، ووقع في كتاب الترمذي "وبركاته" وقال: حديث حسن صحيح، ويُستحبّ أن يرسلَ بالسلام إلى مَن غاب عنه.
[فصل]: إذا بعث إنسان مع إنسان سلامًا، فقال الرسول: فلان يسلّم عليك، فقد قدّمنا أنه يجب عليه أن يردّ على الفور، ويستحبّ أن يردّ على المبلِّغ أيضًا، فيقول: وعليك وعليه السلام.
[٤/ ٦١٦] وروينا في سنن أبي داود، عن غالب القطان، عن رجل قال: حدّثني أبي عن جدي قال:
بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: ائته فأقرئه السلام، فأتيته فقلت: إن أبي يُقرئك السلام، فقال: "عَلَيْكَ السَّلامُ وَعلى أبِيكَ السَّلامُ" قلت: وهذا وإن كان رواية عن مجهول، فقد قدّمنا أن أحاديثَ الفضائل يُتسامح فيها عند أهل العلم كلهم.
[فصل]: قال المتولي: إذا سلم على أصمّ لا يسمع فينبغي أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته عليه، ويشير باليد حتى يحصل الإِفهام ويستحقّ الجواب، فلو لم يجمع بينهما لا يستحقّ الجواب. قال: وكذا لو سلّم عليه أصمّ وأراد فيتلفظ باللسان ويشير بالجواب ليحصل به الإِفهام ويسقط عنه فرض الجواب. قال: ولو سلّم على أخرس فأشار الأخرس باليد سقط عنه الفرض لأن إشارته قائمة مقام العبارة، وكذا لو سلَّم عليه أخرسُ بالإِشارة يستحقّ الجواب كما ذكرنا.
[فصل]: قال المتولي: لو سلَّم على صبيّ لا يجب عليه الجواب، لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض، وهذا الذي قاله صحيح، لكن الأدب
стр. 379
والمستحبّ له الجواب. قال القاضي حسين وصاحبه المتولّي: ولو سلَّم الصبي على بالغ، فهل يجب عليه الرد؟ فيه وجهان ينبنيان على صحة إسلامه، إن قلنا يصحّ إسلامُه كان سلامُه كسلام البالغ فيجب جوابُه. وإن قلنا لا يصحّ إسلامه لم يجب ردّ السلام لكن يُستحبّ. قلت: الصحيح منن الوجهين وجوب ردّ السلام لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء ٨٦] وأما قولهما إنه مبنيّ على إسلامه، فقال الشاشي: هذا بناء فاسد، وهو كما قال والله أعلم. ولو سلم بالغ على جماعة فيهم صبيّ فردّ الصبيّ ولم يردّ منهم غيرُه، فهل يسقط عنهم؟ فيه وجهان: أصحُّهما ـ وبه قال القاضي حسين وصاحبه المتولي ـ لا يسقط لأنه ليس أهلًا للفرض، والردّ فرض فلم يسقط به كما لا يسقط به الفرض في الصلاة على الجنازة. والثاني هو قول أبي بكر الشاشي، صاحب المستظهري، من أصحابنا أنه يسقط، كما يصحّ أذانه للرجال ويسقط عنه طلب الأذان. قلت: وأما الصلاة على الجنازة فقد اختلف أصحابُنا في سقوط فرضها بصلاة الصبيّ على وجهين مشهورين: الصحيحُ منهما عند الأصحاب أنه يسقط، ونصّ عليه الشافعي، والله أعلم.
[فصل]: إذا سلّم عليه إنسان ثم لقيه على قرب يُسنّ له أن يُسلِّم عليه ثانيًا وثالثًا وأكثر، اتفق عليه صحابنا، ويدل عليه:
[٥/ ٦١٧] ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم،
عن أبي هُريرة ﵁ في حديث المسيء صلاته؛ إنه جاء فصلَّى، ثم جاء إلى النبيّ ﷺ فسلَّم عليه، فردّ ﵇، وقال: "ارْجِعْ فَصَلّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلّ" فرجعَ فَصلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبيّ ﷺ ، حتى فعلَ ذلك ثلاثَ مرّاتٍ.
стр. 380
[٦/ ٦١٨] وروينا في سنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁،
عن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا لَقِيَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فإنْ حالَتْ بَيْنَهُما شَجَرَة أوْ جِدَارٌ أوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ".
[٧/ ٦١٩] وروينا في كتاب ابن السنيّ، عن أنس ﵁ قال:
كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتماشَون، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكَمة فتفرّقوا يمينًا وشمالًا ثم التقوا من ورائها، سلَّم بعضُهم على بعضٍ.
[فصل]: إذا تلاقى رجلان فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه دفعة واحدة أو أحدهما بعد الآخر، فقال القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولّي: يَصير كلُّ واحد منهما مبتدئًا بالسلام فيجب على كلِّ واحد منهما أن يردَّ على صاحبهِ. وقال الشاشي: هذا فيه نظر. فإن هذا اللفظ يَصلح للجواب، فإذا كان أحدهما بعد الآخر كان جوابًا، وإن كان دفعة لم يكن جوابًا، وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب.
[فصل]: إذا لقي إنسانٌ إنسانًا فقال المبتدىء "وعليكم السلام" قال المتولي: لا يكون ذلك سلامًا، فلا يستحقّ جوابًا، لأنّ هذه الصيغة لا تصلح للابتداء. قلت: أما إذا قال: عليك، أو عليكم السلام، بغير واو، فقطع الإِمام أبو الحسن الواحدي بأنه سلام يتحتم على المخاطَب به الجواب، وإن كان قد قلب اللفظ المعتاد، وهذا الذي قاله الواحدي هو الظاهر. وقد جزم أيضًا إمام الحرمين به فيجب فيه الجواب لأنه يُسمَّى سلامًا، ويحتمل أن يُقال في كونه سلامًا وجهان كالوجهين لأصحابنا فيما إذا
стр. 381
قال في تحلّله من الصلاة "عليكم السلام" هل يحصل به التحلّل أم لا؟ الأصحّ أنه يحصل، ويحتمل أن يُقال: إن هذا لا يستحق فيه جوابًا بكل حال.
[٨/ ٦٢٠] لما رويناه في سنن أبي داود والترمذي، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن أبي جزي الهجيميّ الصحابي ﵁، واسمه جابر بن سليم (١)؛ وقيل سليم بن جابر، قال:
أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: "لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ، فإنَّ عَلَيْك السَّلامُ تحِيَّةُ المَوْتَى" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: ويحتمل أن يكون هذا الحديث ورد في بيان الأحسن والأكمل، ولا يكون المراد أن هذا ليس بسلام، والله أعلم. وقد قال الإِمام أبو حامد الغزالي في الإِحياء: يكره أن يقول ابتداء "عليكم السلام" لهذا الحديث، والمختار أنه يُكره الابتداء بهذه الصيغة، فإن ابتدأ وجب الجواب لأنه سلام.
[فصل]: السنّة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث
стр. 382
الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في دليل الفصل.
[٩/ ٦٢١] وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي، عن جابر ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ" فهو حديث ضعيف، قال الترمذي: هذا حديث منكر.
[فصل]: الابتداء بالسلام أفضل لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "وَخَيْرُهُما الَّذي يَبْدأُ بالسَّلامِ" (١). فينبغي لكل واحد من المتلاقين أن يحرص على أن يبتدىء بالسلام.
[١٠/ ٦٢٢] وروينا في سنن أبي داود، بإسناد جيد، عن أبي أُمامة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أوْلَى النَّاسِ باللَّهِ مَنْ بَدأَهُمْ بالسَّلامِ" وفي رواية الترمذي عن أبي أُمامة: قيل: يا رسول الله! الرجلان يلتقيان أيّهما يبدأ بالسلام؟ قال: "أوْلاهُما بالله تعالى" قال الترمذي: حديث حسن.
٢١٦ ـ بابُ الأحوالِ التي يُستَحَبُّ فيها السَّلامُ، والتي يُكرهُ فيها، والتي يُباح
اعلم أنّا مأمورون بإفشاء السلام كما قدّمناه، لكنه يتأكد في بعض الأحوال ويخفّ في بعضها. ونُهي عنه في بعضها، فأما أحوال تأكده
стр. 383
واستحبابه فلا تنحصر، فإنها الأصل فلا نتكلف التعرّض لأفرادها.
واعلم أنه يدخل في ذلك السلام على الأحياء والموتى، وقد قدّمنا في كتاب أذكار الجنائز كيفية السلام على الموتى. وأما الأحوال التي يُكره فيها أو يخفّ أو يُباح فهي مستثناة من ذلك فيحتاج إلى بيانها، فمن ذلك إذا كان المسلَّم عليه مشتغلًا بالبول أو الجماع أو نحوهما فيُكره أن يُسلَّم عليه، ولو سلَّم لا يستحقّ جوابًا، ومن ذلك من كان نائمًا أو ناعسًا، ومن ذلك من كان مُصليًا أو مؤذنًا في حال أذانه أو إقامته الصلاةَ، أو كان في حمام أو نحو ذلك من الأمور التي لا يُؤثر السلام عليه فيها، ومن ذلك إذا كان يأكلُ واللقمة في فمه، فإن سلَّم عليه في هذه الأحوال لم يستحقّ جوابًا. أما إذا كان على الأكل وليست اللقمةُ في فمه فلا بأسَ بالسلام، ويجبُ الجواب. وكذلك في حال المبايعة وسائر المعاملات يُسلّم ويجب الجواب. وأما السلام في حال خطبة الجمعة فقال أصحابنا: يُكره الابتداء به لأنهم مأمورون بالإِنصات للخطبة، فإن خالفَ وسلَّم فهل يُرَدّ عليه؟ فيه خلاف لأصحابنا، منهم مَن قال: لا يُرَدّ عليه لتقصيره، ومنهم مَن قال: إن قلنا إن الإِنصاتَ واجبٌ لا يردّ عليه، وإن قلنا إن الإِنصاتَ سنّة رَدَّ عليه واحد من الحاضرين، ولا يردّ عليه أكثر من واحد على كل وجه.
وأما السَّلامُ على المشتغل بقراءة القرآن، فقال الإِمام أبو الحسن الواحدي: الأولى ترك السلام عليه لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه كفاه الردّ بالإِشارة، وإن ردّ باللفظ استأنف الاستعاذة ثم عاد إلى التلاوة، هذا كلام الواحدي، وفيه نظر؛ والظاهر أن يُسلّم عليه ويجب الردّ باللفظ. أما إذا كان مشتغلًا بالدعاء مستغرقًا فيه مجمع القلب عليه، فيحتمل أن يُقال هو كالمشتغل بالقراءة على ما ذكرناه، والأظهر عندي في هذا أنه يُكره السلام عليه، لأنه يتنكد به ويشقّ عليه أكثر من مشقة الأكل. وأما الملبِّي
стр. 384
في الإِحرام فيُكره أن يُسلَّم عليه، لأنه يُكره له قطعُ التلبية، فإن سلَّم عليه ردَّ السلامَ باللفظ، نصّ عليه الشافعي وأصحابنا ﵏.
[فصل]: قد تقدمت الأحوالُ التي يُكره فيها السلام، وذكرنا أنه لا يستحقّ فيها جوابًا فلو أراد المسلَّم عليه أن يتبرع بردّ السلام هل يشرع له، أو يُستحبّ؟ فيه تفصيل؛ فأما المشتغل بالبول ونحوه فيُكره له ردُّ السلام، وقد قدَّمنا هذا في أول الكتاب؛ وأما الأكل ونحوه فيُستحبّ له الجواب في الموضع الذي لا يجب؛ وأما المصلِّي فيحرم عليه أن يقول: وعليكم السلام، فإن فعلَ ذلك بطلتْ صلاتُه إن كان عالمًا بتحريمه، وإن كان جاهلًا لم تبطل على أصحّ الوجهين عندنا، وإن قال ﵇ بلفظ الغَيبة لم تبطل صلاتُه لأنه دعاءٌ ليس بخطاب. والمستحبُّ أن يردّ عليه في الصلاة بالإِشارة ولا يتلفظ بشيء، وإن ردّ بعد الفراغ من الصلاة باللفظ فلا بأس. وأما المؤذّن فلا يُكره له ردُّ الجواب بلفظه المعتاد، لأن ذلك يسير لا يُبطلُ الأذانَ ولا يُخلّ به.
٢١٧ ـ بابُ مَن يُسلَّمُ عليه ومن لا يُسلَّمُ عليه ومَنْ يُردّ عليه ومن لا يُرَدّ عليه
اعلم أنَّ الرجلَ المسلمَ الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يُسَلِّم ويُسَلَّم عليه، فيُسنّ له السلام، ويجب الردّ عليه. قال أصحابنا: والمرأةُ مع المرأة كالرجل مع الرجل. وأما المرأة مع الرجل؛ فقال الإِمام أبو سعد المتوليّ: إن كانت زوجته أو جاريتَه أو محرَمًا منن محارمه، فهي معه كالرجل، فيستحبّ لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر ردّ السلام عليه؛ وإن كانت أجنبيةً، فإن كانت جميلةً يُخاف الافتتان بها لم يُسَلِّم الرجل عليها، ولو سلَّمَ لم يجز لها ردّ الجواب، ولم تسلّم هي
стр. 385
عليه ابتداءً، فإن سلَّمتْ لم تستحق جوابًا فإن أجابها كُره له، وإن كانت عجوزًا لا يفتتن بها جاز أن تسلِّم على الرجل، وعلى الرجل ردّ السلام عليها؛ وإذا كانت النساء جمعًا فيُسلِّم عليهنَّ الرجل، أو كان الرجالُ جمعًا كثيرًا فسلَّموا على المرأة الواحدة جاز، إذا لم يخف عليه ولا عليهنّ ولا عليها أو عليهم فتنة.
[١/ ٦٢٣] روينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها، عن أسماءَ بنت يزيدَ ﵂ قالت:
مرَّ علينا رسولُ الله ﷺ في نسوة فسلَّم علينا. قال الترمذي: حديث حسن. وهذا الذي ذكرته لفظ رواية أبي داود. وأما رواية الترمذي ففيها عن أسماء: أن رسول الله ﷺ مرّ في المسجد يومًا وعصبةٌ من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم.
[٢/ ٦٢٤] وروينا في كتاب ابن السنيّ، عن جرير بن عبد الله ﵁:
أن رسول الله ﷺ مرّ على نسوة فسلّم عليهنّ.
[٣/ ٦٢٥] وروينا في صحيح البخاري
عن سهل بن سعدٍ ﵁، قال: كانتْ فينا امرأةٌ. وفي رواية: كانتْ لنا عجوزٌ تأخذُ من أصول السِّلق فتطرحُه في القِدْر وتكركرُ حَبَّاتٍ من شعير، فإذا صلّينا الجمعة انصرفنا نُسلِّم عليها فتقدمه إلينا. قلت: تكركر معناه: تطحن.
[٤/ ٦٢٦] وروينا في صحيح مسلم، عن أُمّ هانىء بنت أبي طالب
стр. 386
رضي الله عنها قالت:
أتيتُ النبيّ ﷺ يومَ الفتح وهو يغتسلُ، وفاطمة تسترُه، فسلَّمتُ. وذكرت الحديث.
[فصل]: وأما أهل الذمّة فاختلف أصحابُنا فيهم، فقطعَ الأكثرون بأننه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام. وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، فإن سلَّمُوا هم على مسلم قال في الردّ: وعليكم، ولا يزيدُ على هذا.
وحكى أقضى القضاة الماورديّ وجهًا لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، لكنْ يقتصرُ المسلِّم على قوله: السلام عليك، ولا يذكرُه بلفظ الجمع.
وحكى الماوردي وجهًا أنه يقول في الردّ عليهم إذا ابتدؤوا: وعليكم السلام، ولكن لا يقول ورحمة الله، وهذان الوجهان شاذان ومردودان.
[٥/ ٦٢٧] روينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁
أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لاتَبْدؤوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ، فإذَا لقيتُمْ أحَدَهُمْ في طَريقٍ فاضْطَرُوهُ إلى أضْيَقِهِ".
[٦/ ٦٢٨] وروينا في صحيح البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ".
[٧/ ٦٢٩] وروينا في صحيح البخاري، عن ابن عمرَ ﵄؛
أن رسول ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ فإنَّمَا يَقُولُ أحَدُهُم:
стр. 387
السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ" وفي المسألة أحاديث كثيرة بنحو ما ذكرنا، والله أعلم.
قال أبو سعد المتولي: ولو سلَّم على رجل ظنَّه مسلمًا فبان كافرًا يستحَبّ أن يستردّ سلامَه فيقول له: رُدّ عليّ سلامي؛ والغرض من ذلك أن يوحشه ويظهرَ له أنه ليس بينهما ألفة. ورُوي أن ابن عمر ﵄ سلَّم على رجلٍ، فقيل إنه يهودي، فتبعه وقال له: ردّ عليّ سلامي (١).
قلت: وقد روينا في موطأ مالك (٢) ﵀ أن مالكًا سُئل عمّن سلَّم على اليهوديّ أو النصراني هل يستقيله ذلك؟ فقال: لا، فهذا مذهبُه. واختاره ابن العربي المالكي.
قال أبو سعد: لو أراد تحية ذميّ فعلَها بغير السلام بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك. قلت: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه فيقول: صُبِّحْتَ بالخير أو بالسعادة أو بالعافية، أو صبَّحَك الله بالسرور أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرّة أو ما أشبه ذلك. وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار أن لا يقول شيئًا، فإن ذلك بسطٌ له وإيناس وإظهار صورة ودّ، ونحن مأمورون بالإِغلاظ عليهم ومنهيّون عن ودّهم فلا نظهره، والله أعلم.
فرع: إذا مرّ واحدٌ على جماعة فيهم مسلمون أو مسلم وكفّار، فالسنّة أن يُسلِّم عليهم يقصد المسلمين أو المسلم.
[٨/ ٦٣٠] روينا في صحيح البخاري ومسلم، عن أُسامةَ بن زيد رضي
стр. 388
الله عنهما؛
أن النبيَّ ﷺ مرَّ على مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عَبَدة الأوثان واليهود، فسلَّم عليهم النبيّ ﷺ .
فرع: إذا كتب كتابًا إلى مشرك وكتبَ فيه سلامًا أو نحوَه فينبغي أن يكتب:
[٩/ ٦٣١] ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم، في حديث أبي سفيان ﵁ في قصة هرقل:
أن رسول الله ﷺ كتبَ: "من محمدٍ عبدِ الله ورسولِه، إلى هرقلَ عظيمِ الرومِ، سلامٌ على مَن اتَّبعَ الهُدى".
فرع: فيما يقولُ إذا عَادَ ذَميًّا. اعلم أن أصحابنا اختلفوا في عيادة الذميّ، فاستحبَّها جماعة ومنها جماعة؛ وذكر الشاشي الاختلاف ثم قال: الصوابُ عندي أن يُقال: عيادة الكافر في الجملة جائزة، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة، قلت: هذا الذي ذكره الشاشيُّ حسن.
[١٠/ ٦٣٢] فقد روينا في صحيح البخاري، عن أنس ﵁ قال:
كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبيَّ ﷺ فمرضَ، فأتاه النبيُّ ﷺ يعودُه، فقعدَ عند رأسه، فقال له: "أسْلِمْ" فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطعْ أبا القاسم، فأسلم، فخرجَ النبيُّ ﷺ وهو يقول: "الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ".
[١١/ ٦٣٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن المسيِّب بن حَزْن والد سعيد بن المسيِّب ﵁ قال:
لما حضرتْ أبا طالب
стр. 389
الوفاةُ، جاءه رسولُ الله ﷺ ، فقال: يا عَمّ! قُلْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ" وذكر الحديث بطوله.
قلتُ: فينبغي لعائد الذميّ أن يرغّبه في الإِسلام، ويبيِّن له محاسنَه، ويحثَّه عليه، ويحرّضه على معاجلته قبل أن يصيرَ إلى حال لا ينفعه فيها توبته، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها.
[فصل]: وأما المبتدعُ وَمَنْ اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يَتُبْ منه، فينبغي أن لا يسلِّم عليهم ولا يردّ ﵈، كذا قاله البخاري وغيره من العلماء. واحتجّ الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه في هذه المسألة:
[١٢/ ٦٣٤] بما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم،
في قصة كعب بن مالك ﵁ حين تخلَّف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له، فقال: ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلامنا، قال: وكنتُ آتي رسولَ الله ﷺ فأُسلِّم عليه فأقولُ: هل حرّكَ شَفتيه بردّ السلام أم لا؟.
قال البخاري: وقال عبدُ الله بن عمرو: لا تسلِّموا على شَرَبَة الخمر. قلتُ: فإن اضّطُر إلى السلام على الظلمة، بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلّم، سلّم عليهم. قال الإِمام أبو بكر بن العربي: قال العلماء: يسلِّم، وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، المعنى: الله عليكم رقيب.
[فصل]: وأما الصبيان فالسنّة أن يسلِّم عليهم.
[١٣/ ٦٣٥] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله
стр. 390
عنه؛
أنه مرّ على صبيانٍ فسَّمَ عليهم وقال: كان النبيّ ﷺ يفعله. وفي رواية لمسلم عنه: أن رسولَ الله ﷺ مرّ على غِلمانٍ فسلَّم عليهم.
[١٤/ ٦٣٦] وروينا في سنن أبي داود وغيره، بإسناد الصحيحين، عن أنس،
أن النبيَّ ﷺ مرّ على غلمانٍ يَلعبون فسلَّم عليهم ورويناهُ في كتاب ابن السنيّ وغيره، قال فيه فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا صِبْيانُ".
٢١٨ ـ بابٌ في آدابٍ ومسائلَ من السَّلام
[١/ ٦٣٧] روينا في صحيح البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسولُ الله ﷺ : "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ على المَاشِي، وَالمَاشِي على القاعِدِ، وَالقَلِيلُ على الكثير" وفي رواية للبخاري: "يُسَلِّمُ الصَّغيرُ على الكَبيرِ، وَالمَاشِي على القاعِدِ، وَالقَلِيلُ على الكَثِيرِ".
قال أصحابُنا وغيرُهم من العلماء: هذا المذكور هو السنّة، فلو خالفوا فسلَّم الماشي على الراكب، أو الجالس عليهما لم يُكره، صرّح به الإِمام أبو سعد المتولي وغيره، وعلى مقتضى هذا لا يُكره. ابتداء الكثيرين بالسلام على القليل، والكبير على الصغير، ويكونُ هذا تركًا لما يستحقّه من سلام غيره عليه، وهذا الأدبُ هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا وَرَدَ على قعود أو قاعد؛ فإن الواردَ يبدأُ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا، وسمَّى أقضى القضاة هذا الثاني سنّة، وسمّى الأوّل أدبًا وجعلَه دون السنّة في الفضيلة.