← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13566

الأذكار للنووي ت مستو

النووي

Полный текст (619 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

رضي الله عنها قالت: أتيتُ النبيّ ﷺ يومَ الفتح وهو يغتسلُ، وفاطمة تسترُه، فسلَّمتُ. وذكرت الحديث. [فصل]: وأما أهل الذمّة فاختلف أصحابُنا فيهم، فقطعَ الأكثرون بأننه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام. وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، فإن سلَّمُوا هم على مسلم قال في الردّ: وعليكم، ولا يزيدُ على هذا. وحكى أقضى القضاة الماورديّ وجهًا لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، لكنْ يقتصرُ المسلِّم على قوله: السلام عليك، ولا يذكرُه بلفظ الجمع. وحكى الماوردي وجهًا أنه يقول في الردّ عليهم إذا ابتدؤوا: وعليكم السلام، ولكن لا يقول ورحمة الله، وهذان الوجهان شاذان ومردودان. [٥/ ٦٢٧] روينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لاتَبْدؤوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ، فإذَا لقيتُمْ أحَدَهُمْ في طَريقٍ فاضْطَرُوهُ إلى أضْيَقِهِ". [٦/ ٦٢٨] وروينا في صحيح البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ". [٧/ ٦٢٩] وروينا في صحيح البخاري، عن ابن عمرَ ﵄؛ أن رسول ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ فإنَّمَا يَقُولُ أحَدُهُم:

стр. 387

السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ" وفي المسألة أحاديث كثيرة بنحو ما ذكرنا، والله أعلم. قال أبو سعد المتولي: ولو سلَّم على رجل ظنَّه مسلمًا فبان كافرًا يستحَبّ أن يستردّ سلامَه فيقول له: رُدّ عليّ سلامي؛ والغرض من ذلك أن يوحشه ويظهرَ له أنه ليس بينهما ألفة. ورُوي أن ابن عمر ﵄ سلَّم على رجلٍ، فقيل إنه يهودي، فتبعه وقال له: ردّ عليّ سلامي (١). قلت: وقد روينا في موطأ مالك (٢) ﵀ أن مالكًا سُئل عمّن سلَّم على اليهوديّ أو النصراني هل يستقيله ذلك؟ فقال: لا، فهذا مذهبُه. واختاره ابن العربي المالكي. قال أبو سعد: لو أراد تحية ذميّ فعلَها بغير السلام بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك. قلت: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه فيقول: صُبِّحْتَ بالخير أو بالسعادة أو بالعافية، أو صبَّحَك الله بالسرور أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرّة أو ما أشبه ذلك. وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار أن لا يقول شيئًا، فإن ذلك بسطٌ له وإيناس وإظهار صورة ودّ، ونحن مأمورون بالإِغلاظ عليهم ومنهيّون عن ودّهم فلا نظهره، والله أعلم. فرع: إذا مرّ واحدٌ على جماعة فيهم مسلمون أو مسلم وكفّار، فالسنّة أن يُسلِّم عليهم يقصد المسلمين أو المسلم. [٨/ ٦٣٠] روينا في صحيح البخاري ومسلم، عن أُسامةَ بن زيد رضي

стр. 388

الله عنهما؛ أن النبيَّ ﷺ مرَّ على مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عَبَدة الأوثان واليهود، فسلَّم عليهم النبيّ ﷺ . فرع: إذا كتب كتابًا إلى مشرك وكتبَ فيه سلامًا أو نحوَه فينبغي أن يكتب: [٩/ ٦٣١] ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم، في حديث أبي سفيان ﵁ في قصة هرقل: أن رسول الله ﷺ كتبَ: "من محمدٍ عبدِ الله ورسولِه، إلى هرقلَ عظيمِ الرومِ، سلامٌ على مَن اتَّبعَ الهُدى". فرع: فيما يقولُ إذا عَادَ ذَميًّا. اعلم أن أصحابنا اختلفوا في عيادة الذميّ، فاستحبَّها جماعة ومنها جماعة؛ وذكر الشاشي الاختلاف ثم قال: الصوابُ عندي أن يُقال: عيادة الكافر في الجملة جائزة، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة، قلت: هذا الذي ذكره الشاشيُّ حسن. [١٠/ ٦٣٢] فقد روينا في صحيح البخاري، عن أنس ﵁ قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبيَّ ﷺ فمرضَ، فأتاه النبيُّ ﷺ يعودُه، فقعدَ عند رأسه، فقال له: "أسْلِمْ" فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطعْ أبا القاسم، فأسلم، فخرجَ النبيُّ ﷺ وهو يقول: "الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ". [١١/ ٦٣٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن المسيِّب بن حَزْن والد سعيد بن المسيِّب ﵁ قال: لما حضرتْ أبا طالب

стр. 389

الوفاةُ، جاءه رسولُ الله ﷺ ، فقال: يا عَمّ! قُلْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ" وذكر الحديث بطوله. قلتُ: فينبغي لعائد الذميّ أن يرغّبه في الإِسلام، ويبيِّن له محاسنَه، ويحثَّه عليه، ويحرّضه على معاجلته قبل أن يصيرَ إلى حال لا ينفعه فيها توبته، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها. [فصل]: وأما المبتدعُ وَمَنْ اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يَتُبْ منه، فينبغي أن لا يسلِّم عليهم ولا يردّ ﵈، كذا قاله البخاري وغيره من العلماء. واحتجّ الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه في هذه المسألة: [١٢/ ٦٣٤] بما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم، في قصة كعب بن مالك ﵁ حين تخلَّف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له، فقال: ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلامنا، قال: وكنتُ آتي رسولَ الله ﷺ فأُسلِّم عليه فأقولُ: هل حرّكَ شَفتيه بردّ السلام أم لا؟. قال البخاري: وقال عبدُ الله بن عمرو: لا تسلِّموا على شَرَبَة الخمر. قلتُ: فإن اضّطُر إلى السلام على الظلمة، بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلّم، سلّم عليهم. قال الإِمام أبو بكر بن العربي: قال العلماء: يسلِّم، وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، المعنى: الله عليكم رقيب. [فصل]: وأما الصبيان فالسنّة أن يسلِّم عليهم. [١٣/ ٦٣٥] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله

стр. 390

عنه؛ أنه مرّ على صبيانٍ فسَّمَ عليهم وقال: كان النبيّ ﷺ يفعله. وفي رواية لمسلم عنه: أن رسولَ الله ﷺ مرّ على غِلمانٍ فسلَّم عليهم. [١٤/ ٦٣٦] وروينا في سنن أبي داود وغيره، بإسناد الصحيحين، عن أنس، أن النبيَّ ﷺ مرّ على غلمانٍ يَلعبون فسلَّم عليهم ورويناهُ في كتاب ابن السنيّ وغيره، قال فيه فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا صِبْيانُ". ٢١٨ ـ بابٌ في آدابٍ ومسائلَ من السَّلام [١/ ٦٣٧] روينا في صحيح البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ على المَاشِي، وَالمَاشِي على القاعِدِ، وَالقَلِيلُ على الكثير" وفي رواية للبخاري: "يُسَلِّمُ الصَّغيرُ على الكَبيرِ، وَالمَاشِي على القاعِدِ، وَالقَلِيلُ على الكَثِيرِ". قال أصحابُنا وغيرُهم من العلماء: هذا المذكور هو السنّة، فلو خالفوا فسلَّم الماشي على الراكب، أو الجالس عليهما لم يُكره، صرّح به الإِمام أبو سعد المتولي وغيره، وعلى مقتضى هذا لا يُكره. ابتداء الكثيرين بالسلام على القليل، والكبير على الصغير، ويكونُ هذا تركًا لما يستحقّه من سلام غيره عليه، وهذا الأدبُ هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا وَرَدَ على قعود أو قاعد؛ فإن الواردَ يبدأُ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا، وسمَّى أقضى القضاة هذا الثاني سنّة، وسمّى الأوّل أدبًا وجعلَه دون السنّة في الفضيلة.

стр. 391

[فصل]: قال المتولي: إذا لقي رجلٌ جماعةً فأراد أن يخصّ طائفة منهم بالسلام كره، لأن القصد من السلام المؤانسة والألفة، وفي تخصيص البعض إيحاش للباقين، وربما صار سببًا للعداوة. [فصل]: إذا مشى في السوق أو الشوارع المطروقة كثيرًا ونحو ذلك مما يكثر فيه المتلاقون، فقد ذكرَ أقضى القضاة الماورديّ أن السلام هنا إنما يكونُ لبعض الناس دون بعض. قال: لأنه لو سلَّم على كلّ مَن لقي لتشاغل به عن كل مهمّ، ولخرج به عن العُرْف. قال: وإنما يُقصد بهذا السلام أحدُ أمرين: إما اكتساب ودّ، وإما استدفاع مكروه. [فصل]: قال المتولّي: إذا سلَّمتْ جماعةٌ على رجل فقال: وعليكم السلام، وقصد الردّ على جميعهم سقط عنه فرضُ الردّ في حقّ جميعهم، كما لو صلَّى على جنائزَ دفعةً واحدةً فإنه يُسقط فرضَ الصلاة على الجميع. [فصل]: قال الماوردي: إذا دخل إنسانٌ على جماعة قليلة يعمُّهم سلامٌ واحد، اقتصر على سلام واحد على جميعهم، وما زاد من تخصيص بعضهم فهو أدب، ويكفي أن يردّ منهم واحدٌ، فمن زاد منهم فهو أدب. قال: فإن كان جمعًا لا ينتشرُ فيهم السلام الواحد كالجامع والمجلس الحفل؛ فسنّة السلام أن يبتدىء به الداخل في أوّل دخوله إذا شاهدَ القومَ ويكون مؤديًا سنّة السلام في حقّ جميع مَن سمعه، ويدخلُ في فرض كفاية الردّ جميعُ مَن سمعه، فإن أرادَ الجلوس فيهم سقط عنه سنّة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين، وإن أراد أن يجلس فيمن بعدَهم ممّن لم يسمع سلامه المتقدّم ففيه وجهان لأصحابنا: أحدُهما أن سنّة السلام عليهم قد حصلت بالسلام على أوائلهم لأنهم جمع واحد، فلو أعاد السلام عليهم كان أدَبًا، وعلى هذا أيُّ أهل المسجد ردّ عليه سقط به فرض الكفاية عن

стр. 392

جميعهم. والوجه الثاني أن سنّة السلام باقية لمن لم يبلغهم سلامه المتقدم إذا أراد الجلوس فيهم، فعلى هذا لا يسقط فرض ردّ السلام المتقدم عن الأوائل بردّ الأواخر. [فصل]: ويستحبّ إذا دخل بيته أن يُسلِّم وإن لم يكن فيه أحد، وليقل: السَّلامُ عَلَيْنا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. وقد قدَّمنا (١) في أول الكتاب بيان ما يقوله إذا دخل بيته. وكذا إذا دخل مسجدًا أو بيتًا لغيره ليس فيه أحد يُستحبّ أن يُسلِّم وأن يقول: السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. [فصل]: إذا كان جالسًا مع قوم ثم قام ليفارقهم، فالسنّة أن يُسلِّم عليهم. [٢/ ٦٣٨] فقد روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، بالأسانيد الجيدة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا انْتَهَى أحَدُكُمْ إلى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ فإذَا أَرَادَ أنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولى بأحَقّ مِنَ الآخِرَةِ" قال الترمذي: حديث حسن. قلت: ظاهر هذا الحديث أنه يجب على الجماعة ردّ السلام على هذا الذي سلَّم عليهم وفارقهم، وقد قال الإِمامان: القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولّي: جرتْ عادةُ بعض الناس بالسلام عند مفارقة القوم، وذلك دعاءٌ يُستحبّ جوابه ولا يجب؛ لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا

стр. 393

عند الانصراف، وهذا كلامُهما، وقد أنكره الإِمام أبو بكر الشاشي الأخير من أصحابنا، وقال: هذا فاسد، لأن السَّلامَ سنّةٌ عند الانصراف كما هو سنّة عند الجلوس، وفيه هذا الحديث، وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب. [فصل]: إذا مرّ على واحد أو أكثر وغلبَ على ظنه أنه إذا سلَّم لا يردّ عليه، إما لتكبّر الممرور عليه، وإما لإِهماله المارّ أو السلام، وإما لغير ذلك، فينبغي أن يُسلِّم ولا يتركه لهذا الظنّ، فإنّ السلامَ مأمورٌ به، والذي أُمِرَ به المارّ أن يُسلّم ولم يؤمر بأن يحصل الردّ مع أن الممرور عليه قد يُخطىء الظنّ فيه ويردّ. وأما قول مَن لا تحقيق عنده: إن سلامَ المارّ سبب لحصول الإِثم في حقّ الممرور عليه فهو جهالة ظاهرة وغباوة بيِّنة، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات، ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على مَن فعله جاهلًا كونه منكرًا، وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بقولنا، فإن إنكارنا عليه وتعريفنا له قبحه يكون سببًا لإِثمه إذا لم يقلع عنه، ولا شكّ في أنُّا لا نترك الإِنكار بمثل هذا، ونظائر هذا كثيرة معروفة، والله أعلم. ويُستحبّ لمن سلّم على إنسان وأسمعه سلامه وتوجّه عليه الردّ بشروطه فلم يرد؛ أن يحلِّله من ذلك فيقول؟ أبرأته من حقّي في ردّ السلام، أو جعلتُه في حِلٍّ منه ونحو ذلك، ويلفظ بهذا، فإنه يسقط به حقّ هذا الآدمي، والله أعلم. [٣/ ٦٣٩] وقد روينا في كتاب ابن السني عن عبد الرحمن بن شبل

стр. 394

الصحابي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أجَابَ السَّلامَ فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَلَيْسَ مِنَّا". ويُستحبّ لمن سلَّم على إنسان فلم يرد عليه أن يقول له بعبارة لطيفة: ردُّ السلام واجبٌ، فينبغي لك أن تردّ عليّ ليسقطَ عنك الفرضُ، والله أعلم. ٢١٩ـ باب الاستئذان قال الله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا على أهْلها﴾ [النور:٢٧] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كما اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩]. [١/ ٦٤٠] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فإنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَاّ فَارْجِعْ". ورويناه في الصحيحين أيضًا، عن أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره، عن النبيّ ﷺ . [٢/ ٦٤١] وروينا في صحيحيهما، عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ".

стр. 395

وروينا الاستئذان ثلاثًا من جهات كثيرة. والسنّة أن يُسلِّم ثم يستأذن فيقوم عند الباب بحيث لا ينظرُ إلى مَن في داخله، ثم يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن لم يجبْه أحدٌ قال ذلك ثانيًا وثالثًا، فإن لم يجبْه أحدٌ انصرف. [٣/ ٦٤٢] وروينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن ربعيّ بن حِراش، بكسر الحاء المهملة وآخره شين معجمة، التابعي الجليل، قال: حدّثنا رجل من بني عامر استأذن على النبيّ ﷺ وهو في بيت، فقال: أألجُ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ لخادمه: "اخْرُجْ إلى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ؟ " فسمعه الرجلُ فقال: السلام عليكم، أأدخلُ؟ فأذنَ له النبيُّ ﷺ فدخلَ. [٤/ ٦٤٣] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن كَلَدَة بن الحَنْبل الصحابي ﵁، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فدخلتُ عليه ولم أسلِّم، فقالَ النبيُّ: "ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ " قال الترمذي: حديث حسن. قلت: كَلَدة بفتح الكاف واللام. والحَنْبل بفتح الحاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم باء موحدة ثم لام. وهذا الذي ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح. وذكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه: أحدها هذا. والثاني تقديم الاستئذان على السلام، والثالث وهو اختياره، إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدَّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه قدَّم الاستئذان. وإذا استأذن ثلاثًا فلم يُؤذن له وظنَّ أنه لم يسمع فهل يزيدُ عليها؟ حكى الإِمام

стр. 396

أبو بكر بن العربيّ المالكي فيه ثلاثة مذاهب: أحدُها يعيده. والثاني لا يعيده. والثالث إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعدْه، وإن كان بغيره أعاده؛ قال: والأصحُّ أنه لا يعيدُه بحال، وهذا الذي صحَّحه هو الذي تقتضيه السنّة، والله أعلم. [فصل]: وينبغي إذا استأذن على إنسان بالسلام أو بدقّ الباب فقيل له: مَنْ أنتَ؟ أن يقول: فلانُ بن فلان، أو فلانٌ الفلاني، أو فلانٌ المعروف بكذا، أو ما أشبه ذلك، بحيث يحصل التعريف التامّ به، ويُكره أن يقتصر على قوله أنا، أو الخادم، أو بعض الغلمان، أو بعض المحبّين، وما أشبه ذلك. [٥/ ٦٤٤] روينا في صحيحي البخاري ومسلم في حديث الإِسراء المشهور، قال رسول الله ﷺ : "ثُمَّ صَعِدَ بي جِبْرِيلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ وَسائِرِهنَّ، وَيُقالُ في بابِ كُلِّ سمَاءٍ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: جبْرِيلُ". [٦/ ٦٤٥] وروينا في صحيحيهما، حديثَ أبي موسى لما جلسَ النبيُّ ﷺ على بئر البستان؛ جاء أبو بكر فاستأذن، فقال: مَنْ؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: مَن؟ قال: عمر، ثم عثمان كذلك.

стр. 397

[٧/ ٦٤٦] وروينا في صحيحيهما أيضًا، عن جابر ﵁ قال: أتيتُ النبيّ ﷺ فدققتُ البابَ، فقال: "مَنْ ذَا؟ فَقلتُ: أنا، فقال: أنَا أنَا" كأنه كرهها. [فصل]: ولا بأس أن يصف نفسه بما يعرف إذا لم يعرفه المخاطب بغيره، وإن كان فيه صورة تبجيل له بأن يكنّي نفسه، أو يقول أنا المفتي فلان، أو القاضي، أو الشيخ فلان، أو ما أشبه ذلك. [٨/ ٦٤٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أمّ هانىء بنت أبي طالب ﵂، واسمها فاختة على المشهور، وقيل فاطمة، وقيل هند، قالت: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو يغتسل وفاطمةُ تستُره، فقال: "مَنْ هَذِهِ؟ " فقلتُ: أنا أُمّ هانىء. [٩/ ٦٤٨] وروينا في صحيحيهما، عن أبي ذرّ ﵁، واسمه جُندب، وقيل بُرَيْرٌ بضمّ الباء تصغير برّ، قال: خرجتُ ليلةً من الليالي فإذا رسولُ الله ﷺ يمشي وحدَه، فجعلتُ أمشي في ظلّ القمر، فالتفتَ فرآني فقال: "مَنْ هَذَا؟ " فقلت: أبو ذرّ. [١٠/ ٦٤٩] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي قتادة الحارث بن رِبعي ﵁ في حديث الميضأة المشتمل على معجزات كثيرة لرسول الله ﷺ وعلى جمل من فنون العلوم، قال فيه أبو قتادة: فرفع النبيّ ﷺ

стр. 398

رأسه فقال: "مَنْ هَذَا؟ " قلت: أبو قتادة. قلت: ونظائر هذا كثيرة، وسببه الحاجة، وعدم إرادة الافتخار. ويقرب من هذا: [١١/ ٦٥٠] ما رويناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة، واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصحّ، قال: قلتُ: يا رسول الله! ادعُ الله أن يهديَ أُمّ أبي هريرة ... وذكر الحديثَ إلى أن قال فرجعتُ فقلت: يا رسول الله! قد استجاب الله دعوتك وهدى أُمّ أبي هريرة. ٢٢٠ ـ بابُ في مسائل تتفرّعُ على السَّلام مسألة: قال أبو سعد المتولّي: التحيّة عند الخروج من الحمّام بأن يُقال له: طابَ حمّامُك، لا أصل لها؛ ولكن روي أن عليّ ﵁ قال لرجل خرج من الحمّام: طَهَرْتَ فلا نَجِسْتَ. قلت: هذا المحلّ لم يصحُّ فيه شيء، ولو قال إنسان لصاحبه على سبيل المودة والمؤالفة واستجلاب الودّ: أدام الله لك النعيم ونحو ذلك من الدعاء فلا بأس به. مسألة: إذا ابتدأ المارُّ الممرور عليه فقال: صبَّحكَ الله بالخير، أو بالسعادة، أو قوّاك الله، ولا أوحشَ الله منك، أو غير ذلك من الألفاظ التي يستعملها الناسُ في العادة، لم يستحقّ جوابًا؛ لكن لو دعا له قباله ذلك كان حسنًا، إلا أنْ يَتْرُكَ جوابَه بالكلية زجرًا في تخلّفه وإهماله السلام، وتأديبًا له ولغيره في الاعتناء بالابتداء بالسلام. [فصل]: إذا أراد تقبيل يد غيره، إن كان ذلك لزهده وصلاحه أو

стр. 399

علمه أو شرفه وصيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لم يُكره بل يُستحبّ؛ وإن كان لغناه ودنياه وثروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك فهو مكروه شديد الكراهة. وقال المتولّي من أصحابنا: لا يجوز، فأشار إلى أنه حرام. [١/ ٦٥١] روينا في سنن أبي داود، عن زارع ﵁، وكان في وفد عبد القيس قال: فجعلْنا نتبادرُ من رواحلنا فنقبِّلُ يدَ النبيّ ﷺ ورجلَه. قلتُ: زارع بزاي في أوّله وراء بعد الألف، على لفظ زَارع الحنطة وغيرها. [٢/ ٦٥٢] وروينا في سنن أبي داود أيضًا، عن ابن عمر ﵄ قصةً قال فيها: فدنونا ـ يعني من النبيّ ﷺ فقَبَّلنا يده. وأما تقبيل الرجُل خدَّ ولده الصغير، وأخيه، وقُبلة غير خدّه من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فسُنّةٌ. والأحاديث فيه كثيرة صحيحة مشهورة وسواء الولد الذكر والأنثى. وكذلك قبلته ولد صديقه وغيره من صغار الأطفال على هذا الوجه. وأما التقبيلُ بالشهوة فحرام بالاتفاق. وسواء في ذلك الوالد وغيره، بل النظر إليه بالشهوة حرام بالاتفاق على القريب والأجنبي. [٣/ ٦٥٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي

стр. 400

الله عنه قال: قَبَّلَ النبيّ ﷺ الحسنَ بن عليّ ﵄ وعنده الأقرعُ بن حابس التميمي. فقال الأقرعُ: إن ليس عشرةً من الولد ما قبّلتُ منهم أحدًا، فنظرَ إليه رسولُ الله ﷺ ثم قال: "مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ". [٤/ ٦٥٤] وروينا في صحيحيهما، عن عائشة ﵂ قالت: قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله ﷺ ، فقالوا: تُقَبِّلُونَ صبيانَكم؟ فقالوا: نعم، قالوا: لكنَّا والله ما نُقَبِّلُ، فقال رسول الله ﷺ : "أوَ أمْلِكُ أنْ كانَ اللَّهُ تَعالى نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟ " هذا لفظ إحدى الروايات، وهو مروي بألفاظ. [٥/ ٦٥٥] وروينا في صحيح البخاري وغيره، عن أنس ﵁ قال: أخذَ رسولُ الله ﷺ ابنَه إبراهيم فقَبّله وشمّه. [٦/ ٦٥٦] وروينا في سنن أبي داود، عن البراء بن عازب ﵄ قال: دخلتُ مع أبي بكر ﵁ أوّلَ ما قَدِمَ المدينةَ، فإذا عائشةُ ابنته ﵂ مضطجعةٌ قد أصابَها حُمَّى، فأتاها أبو بكر فقال: كيف أنتِ يا بنيّة؟! وقبَّلَ خدَّها. [٧/ ٦٥٧] وروينا في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه، بالأسانيد الصحيحة، عن صفوان بن عَسَّال الصحابيّ ﵁، وعَسَّال بفتح العين وتشديد السين المهملتين، قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى

стр. 401

هذا النبيّ، فأتيا رسولَ الله ﷺ فسألاه عن تسعِ آياتٍ بيِّناتٍ، فذكرَ الحديثَ إلى قوله: فقبّلوا يدَه ورجلَه وقالا: نشهدُ أنك نبيٌّ. [٨/ ٦٥٨] وروينا في سنن أبي داود، بالإِسناد الصحيح المليح، عن إِياس بن دَغْفَل قال: رأيتُ أبا نضرة قَبّل خدّ الحسن بن عليّ ﵄. قلت: أبو نَضْرَةَ بالنون والضاد المعجمة: اسمه المنذر بن مالك بن قطعة، تابعي ثقة. ودَغْفَل بدال مهملة مفتوحة ثم غير معجمة ساكنة ثم فاء مفتوحة ثم لام. وعن ابن عمر (١) ﵄ أنه كان يقبّل ابنه سالمًا ويقول: اعجبوا من شيخ يُقَبِّلُ شيخًا. وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل أحد أفراد زهّاد الأمة وعبّادها ﵁ أنه كان يأتي أبا داود السجستاني ويقول: أخرج لي لسانكَ الذي تُحدِّثُ به حديثَ رسول الله ﷺ لأُقَبِّله فيقبِّلُه. وأفعالُ السلف في هذا الباب أكثر من أن تُحصر، والله أعلم. [فصل]: ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرّك، ولا بأس بتقبيل الرجُل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه. [٩/ ٦٥٩] روينا في صحيح البخاري، عن عائشة ﵂ في

стр. 402

الحديث الطويل في وفاة رسول الله ﷺ قالت: دخلَ أبو بكر ﵁ فكشفَ عن وجه رسول الله ﷺ ثم أكبَّ عليه فقَبّله، ثم بكى. [١٠/ ٦٦٠] وروينا في كتاب الترمذي، عن عائشة ﵂ قالت: قدِمَ زيدُ بنُ حارثةَ المدينةَ ورسولُ الله ﷺ في بيتي، فأتاه فقرعَ البابَ، فقامَ إليه النبيّ ﷺ يجرّ ثوبَه، فاعتنقه وقبَّله. قال الترمذي: حديث حسن. وأما المعانقةُ وتقبيلُ الوجه لغير الطفل ولغير القادم من سفر ونحوه فمكروهان، نصَّ على كراهتهما أبو محمد البغويّ وغيره من أصحابنا. ويدلّ على الكراهة: [١١/ ٦٦١] ما رويناه في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله! الرجل منّا يَلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: "لا" قال: أفيلتزمه ويقبّله؟ قال: "لا" قال: فيأخذه بيده ويصافحُه؟ قال: "نَعَمْ" قال الترمذي: حديث حسن. قلت: وهذا الذي ذكرناه في التقبيل والمعانقة، وأنه لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، وهو في غير الأمرد الحسن الوجه؛ فأما الأمردُ الحسنُ فيحرم بكلّ حال تقبيله، سواء قدم مَن سفر أم لا. والظاهر أن معانقته كتقبيله، أو قريبة من تقبيله، ولا فرق في هذا بين أن يكون المقبِّل والمقبَّل رجلين صالحين أو فاسقين، أو أحجُهما صالحًا، فالجميعُ سواء. والمذهبُ الصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد

стр. 403

الحسن ولو كان بغير شهوة، وقد أمن الفتنة، فهو حرام كالمرأة لكونه في معناها (١). [فصل]: في المصافحة: اعلم أنها سنّة مجمعٌ عليها عند التلاقي. [١٢/ ٦٦٢] روينا في صحيح البخاري، عن قتادة قال: قلتُ لأنس ﵁ أكانتِ المصافحةُ في أصحاب النبيّ ﷺ ؟ قال: نعم. [١٣/ ٦٦٣] وروينا في صحيح البخاري ومسلم في حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته قال: فقام إليّ طلحة بن عبيد الله ﵁ يُهرول، حتى صافحني وهنّأني. [١٤/ ٦٦٤] وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود، عن أنس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِ فَيتَصافَحانِ إِلَاّ غُفرَ لَهُما قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا". [١٥/ ٦٦٥] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن البراء ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ "ما مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِ إلَاّ غُفرَ لَهُما قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقا". [١٦/ ٦٦٦] وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أنس ﵁ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! الرجلُ منّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟، قال: "لا" قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: "لا" قال: فيأخذ بيده

стр. 404

ويصافحه؟ قال: "نَعَمْ" قال الترمذي: حديث حسن. وفي الباب أحاديث كثيرة. [١٧/ ٦٦٧] وروينا في موطأ الإِمام مالك ﵀، عن عطاء بن عبد الله الخراسانيّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْناءُ" قلت: هذا حديث مرسل. واعلم أن هذه المصافحة مستحبّة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناسُ من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصلَ له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنّة، وكونهم حافَظوا عليها في بعض الأحوال، وفرّطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها، لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها. وقد ذكر الشيخ الإِمام أبو محمد عبد السلام ﵀ في كتابه "القواعد" أن البدع على خمسة أقسام: واجبة، ومحرّمة، ومكروهة، ومستحبّة، ومباحة. قال: ومن أمثلة البدع المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر، والله أعلم. قلت: وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه، فإن النظرَ إليه حرام كما قدَّمنا في الفصل الذي قبل هذا، وقد قال أصحابنا: كلّ مَن حَرُمَ النظرُ إليه حَرُمَ مسُّه، بل المسّ أشدّ، فإنه يحلّ النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوّجها، وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسُّها في شيء من ذلك، والله أعلم. [فصل]: ويُستحبّ مع المصافحة، البشاشة بالوجه، والدعاء بالمغفرة وغيرها.

стр. 405

[١٨/ ٦٦٨] روينا في صحيح مسلم، عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أنْ تَلْقَى أخاكَ بِوَجْهِ طَلِيقٍ". [١٩/ ٦٦٩] وروينا في كتاب ابن السني، عن البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ المُسْلِمَيْنِ إذَا الْتَقَيا فَتَصَافَحَا وَتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ تَنَاثَرَتْ خَطاياهُما بَينَهُما" وفي رواية "إذَا الْتَقَى المُسْلِمانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللَّهَ تَعالى وَاسْتَغْفَرَا، غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا". [٢٠/ ٦٧٠] وروينا فيه، عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحابَّيْنِ في اللَّهِ يَسْتَقْبِلُ أحَدُهُما صَاحِبَهُ فَيُصَافِحَهُ فَيُصَلِّيانِ على النَّبِيّ ﷺ إِلَاّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتَّى تُغْفَرَ ذُنُوبهُمَا ما تَقَدَّمَ منْها وَما تَأخَّرَ". [٢١/ ٦٧١] وروينا فيه، عن أنس أيضًا، قال: ما أخذ رسول الله ﷺ بيدِ رجلٍ ففارقه حتى قال: "اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنيا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ". [فصل]: ويُكره حنْيُ الظهر في كل حال لكل أحد، ويدلّ عليه ما قدَّمنا في الفصلين المتقدمين من حديث أنس، وقوله: أينحني له؟ قال: "لا" وهو حديث حسن كما ذكرناه ولم يأت له معارض فلا مصيرَ إلى مخالفته، ولا يغترّ بكثرة مَن يفعله ممّن ينسب إلى علم أو صلاح وغيرهما من خصال الفضل، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَما

стр. 406

آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. وقد قدَّمنا في كتاب الجنائز (١)، عن الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: اتّبعْ طُرُقَ الهدى، ولا يضرّك قلّة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغترّ بكثرة الهالكين، وبالله التوفيق. [فصل]: وأما إكرام الداخل بالقيام، فالذي نختاره أنه مستحبّ لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة، أو له ولادة أو رحم مع سنّ ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبِرّ والإِكرام والاحترام لا للرياء والإِعظام، وعلى هذا الذي اخترناه استمرّ عمل السلف والخلف، وقد جمعت في ذلك جزءًا جمعت فيه الأحاديث والآثار وأقوال السلف وأفعالهم الدّالة على ما ذكرته، ذكرت فيه ما خالفها وأوضحت الجواب عنه، فمن أشكل عليه من ذلك شيء ورغب في مطالعة ذلك الجزء رجوت أن يزول إشكاله إن شاء الله تعالى، والله أعلم. [فصل]: يستحبّ استحبابًا متأكدًا زيارة الصالحين والإِخوان والجيران والأصدقاء والأقارب وإكرامهم وبرّهم وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحواله ومراتبهم وفراغهم. وينبغي أن تكون زيارته لهم على وجه لا يكرهونه وفي وقت يرتضونه. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة، ومن أحسنها: [٢٢/ ٦٧٢] ما رويناه في صحيح مسلم، عن أبي هريرة

стр. 407

رضي الله عنه، عن النبيّ ﷺ : "أن رجلًا زارَ أخًا له في قرية أخرى، فأرصدَ الله تعالى على مَدْرَجته مَلَكًا، فلما أتى عليه قال: أين تُريد؟ قال: أُريدُ أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لكَ عليه من نعمة ترُبُّها؟ قال: لا، غيرَ أني أحببتُه في الله تعالى، قال: فإني رسولُ الله إليك بأن الله تعالى قد أحبَّكَ كما أحببتَه فيه". قلت: مدرجتُه بفتح الميم والراء: طريقه. ومعنى تَرُبُّها: أي تحفظها وتراعيها وتربيها كما يُربِّي الرجلُ ولدَه. [٢٣/ ٦٧٣] وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عادَ مَرِيضًا، أوْ زَارَ أخًا لَهُ في اللَّهِ تَعالى، نادَاهُ مُنادٍ بأنْ طِبْتَ وَطابَ مَمْشاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنزِلًا". [فصل]: في استحباب طلب الإِنسان من صاحبه الصالح أن يزورَه، وأن يكثرَ من زيارته. [٢٤/ ٦٧٤] روينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبيّ ﷺ لجبريل ﷺ : "ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنا؟ فنزلتْ ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلَاّ بِأمْرِ رَبِّكَ، لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ [مريم:٦٤]. ٢٢١ ـ بابُ تَشْمِيتِ العَاطسِ وحُكم التَّثَاؤُب [١/ ٦٧٥] روينا في صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁،

стр. 408

عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ العُطاسَ، وَيَكْرَهُ التَثاؤُبَ، فإذا عَطَسَ أحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى كان حَقًّا على كُلّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وأمَّا التَّثاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِنَ الشَّيْطان، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ ما اسْتَطاعَ، فَإن أحدَكم إذا تَثاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطانُ" قلتُ: قال العلماء: معناه أن العطاسَ سببه محمود، وهو خفّة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه لأنه يُضعف الشهوة ويُسَهِّلُ الطاعة، والتثاؤب بضدّ ذلك، والله أعلم. [٢/ ٦٧٦] وروينا في صحيح البخاري، عن أبي هريرة أيضًا، عن النبيّ ﷺ قال: "إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُل: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أخُوهُ أوْ صَاحبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فإذَا قالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بالَكُمْ" قال العلماء: بالكم: أي شأنكم. [٣/ ٦٧٧] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال: عَطَسَ رجلان عند النبيّ ﷺ ، فشمّت أحدَهما ولم يشمّت الآخر، فقال الذي لم يشمّته: عَطَسَ فلان فشمّته، وعطستُ فلم تشمّتني، فقال: "هَذَا حَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وَإنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى". [٤/ ٦٧٨] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى فَشَمِّتُوهُ، فإنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلا تُشَمِّتُوهُ". [٥/ ٦٧٩] وروينا في صحيحيهما، عن البراء ﵁ قال: أمَرَنا

стр. 409

رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمَرَنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وردّ السلام، ونصر المظلوم، وإبرار القسم. [٦/ ٦٨٠] وروينا في صحيحيهما، عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "حَقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيادَةُ المَرِيض، وَاتِّباعُ الجَنائِز، وإجابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العاطِس" وفي رواية لمسلم "حَقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ سِتٌّ: إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّه تَعالى فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ". [فصل]: اتفق العلماء على أنه يُستحبّ للعاطس أن يقولَ عقب عطاسه: الحمد لله، فلو قال: الحمد لله ربّ العالمين كان أحسن، ولو قال: الحمد لله على كل حال كان أفضل. [٧/ ٦٨١] روينا في سنن أبي داود وغيره، بإسناد صحيح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إِذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ، وَلْيَقُلْ أخُوهُ أوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّه، وَيَقُولُ هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ". [٨/ ٦٨٢] وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن عمر ﵄؛ أن رجلًا عَطَسَ إلى جنبه فقال: الحمدُ لله والسَّلام على رسول الله، فقال

стр. 410

ابن عمر: وأنا أقول: الحمدُ لله والسلامُ على رسول الله ﷺ ، وليس هكذا علّمنا رسولُ الله ﷺ ، علّمنا أن نقول: "الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ". قلت: ويُستحبّ لكل مَن سمعه أن يقول لَه: يرحمك الله، أو يرحمكم الله، أو رحمكم الله، ويُستحبّ للعاطس بعد ذلك أن يقول: يهديكم الله ويُصلح بالكم، أو يغفر الله لنا ولكم (١). [٩/ ٦٨٣] وروينا في موطأ مالك، عنه، عن نافع، عن ابن عمر ﵄؛ أنه قال: إذا عَطَسَ أحدُكم فقيل له: يرحمُك الله، يقول: يرحمنا الله وإياكم، ويغفرُ الله لنا ولكم. وكل هذا سنّة ليس فيه شيء واجب، قال أصحابنا: والتشميتُ وهو قوله يرحمك الله سنّة على الكفاية لو قاله بعضُ الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن الأفضل أن يقوله كلُّ واحد منهم؛ لظاهر قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي قدّمناه "كانَ حَقًّا على كُلّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُوْلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ" هذا الذي ذكرناه من استحباب التشميت هو مذهبنا: واختلف أصحابُ مالك في وجوبه، فقال القاضي عبد الوهاب: هو سنّة، ويُجزىء تشميتُ واحد من الجماعة كمذهبنا، وقال ابن مُزَيْنٍ: يَلزم كلَّ واحد منهم، واختاره ابن العربي المالكي. [فصل]: إذا لم يحمد العاطس لا يُشَمَّتُ؛ للحديث المتقدم. وأقلُّ الحمد والتشميت وجوابِه أن يرفعَ صوتَه بحيث يُسمِعُ صاحبَه. [فصل]: إذا قال العاطسُ لفظًا آخرَ غير الحمد لله لم يستحقّ التشميت.

стр. 411

[١٠/ ٦٨٤] روينا في سنن أبي داود والترمذي، عن سالم بن عبيد الأشجعي الصحابي رضي الله تعالى عنه قال: بينا نحنُ عند رسول الله ﷺ إذ عَطَسَ رجلٌ من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ : "وَعَلَيْكَ وَعَلى أُمِّكَ، ثم قال: إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ـ فذكر بعض المحامد ـ وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَرُدَّ ـ يعني عليهم ـ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنا وَلَكُمْ". [فصل]: إذا عَطَسَ في صلاته يُستحبّ أن يقول: الحمد لله، ويُسمع نفسَه، هذا مذهبنا. ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال: أحدُها هذا، واختاره ابن العربي. والثاني يحمد في نفسه، والثالث قاله سحنون: لا يحمَد جهرًا ولا في نفسه. [فصل]: السنّة إذا جاءَه العطاسُ أن يضعَ يدَه أو ثوبَه أو نحو ذلك على فمه وأن يخفضَ صوتَه. [١١/ ٦٨٥] روينا في سنن أبي داود والترمذي، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا عطَس وضعَ يدَه أو ثوبَه على فِيه، وخفضّ أو غضّ بها صوتَه. ـ شكّ الراوي أيّ اللفظين قال ـ قال الترمذي: حديث صحيح. [١٢/ ٦٨٦] وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد الله بن الزبير رضي

стр. 412

الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بالتَّثاؤُبِ والعُطاسِ". [١٣/ ٦٨٧] وروينا فيه، عن أُمّ سلمة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "التَّثاؤُبُ الرَّفِيعُ وَالعَطْسَةُ الشَّدِيدَةُ مِنَ الشَّيْطانِ". [فصل]: إذا تَكرّرَ العطاسُ من إنسان متتابعًا، فالسنّة أن يشمِّته لكل مرّة إلى أن يبلغ ثلاث مرّات. [١٤/ ٦٨٨] روينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي، عن سلمة بن الأكوع ﵁؛ أنه سمعَ النبيّ ﷺ ، وَعَطَسَ عندَه رجلٌ، فقال له: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، ثم عَطَسَ أخرى فقال له رسولُ الله ﷺ : "الرَّجُلُ مَزْكُومٌ" هذا لفظ رواية مسلم. وأما رواية أبي داود والترمذي فقالا: قال سلمة: عَطَسَ رجل عندَ رسول الله ﷺ وأنا شاهدٌ، فقال رسول الله ﷺ : "يَرْحَمُكَ اللَّهُ" ثم عَطَسَ الثانية أو الثالثة، فقال رسول الله ﷺ : "يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [١٥/ ٦٨٩] وأما الذي رويناه في سنن أبي داود والترمذي، عن

стр. 413

عبيد الله بن رفاعة الصحابيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُشَمَّتُ العاطِسُ ثَلاثًا، فإنْ زَادَ فإنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ وَإنْ شِئْتَ فَلا" فهو حديث ضعيف، قال فيه الترمذي: حديث غريب وإسناده مجهول. [١٦/ ٦٩٠] وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد فيه رجل لم أتحقق حاله، وباقي إسناده صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتهُ جَلِيسُهُ، وَإِنْ زَاد على ثَلاثَة فَهُوَ مَزْكُومٌ، وَلا يُشَمَّتُ بَعْدَ ثَلاثٍ". واختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي: قيل يقال له في الثانية: إنك مزكوم، وقيل يقال له في الثالثة، وقيل في الرابعة، والأصحّ أنه في الثالثة. قال: والمعنى فيه أنك لست ممّن يُشمَّت بعد هذا، لأن هذا الذي بك زكامٌ ومرض لا خفّة العطاس. فإن قيل: فإذا كان مرضًا فكان ينبغي أن يُدعى له ويُشمّت، لأنه أحقّ بالدعاء من غيره؟ فالجواب أنه يُستحبّ أن يُدعى له لكن غير دعاء العطاس المشروع، بل دعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ونحو ذلك، ولا يكون من باب التشميت. [فصل]: إذا عَطَسَ ولم يحمد الله تعالى فقد قدَّمنا أنه لا يُشمّت، وكذا لو حمد الله تعالى ولم يسمعه الإِنسان لا يشمّته، فإن كانوا جماعة فسمعه بعضُهم دون بعض فالمختار أنه يُشمّته من سمعه دون غيره.

стр. 414

وحكى ابن العربي خلافًا في تشميت الذين لم يسمعوا الحمد إذا سمعوا تشميتَ صاحبهم، فقيل يشمّته لأنه عرف عطاسه وحمده بتشميت غيره، وقيل لا، لأنه لم يسمعه. واعلم أنه إذا لم يحمد أصلًا يُستحبّ لمن عنده أن يذكِّره الحمد، هذا هو المختار. وقد روينا في معالم السنن للخطابي نحوه عن الإِمام الجليل إبراهيم النخعي، وهو باب النصيحة والأمر بالمعروف، والتعاون على البرّ والتقوى، وقال ابن العربي: لا يفعل هذا وزعم أنه جَهْلٌ من فاعله. وأخطأ في زعمه، بل الصواب استحبابه لما ذكرناه، وبالله التوفيق. [فصل]: فيما إذا عَطَسَ يهوديٌّ. [١٧/ ٦٩١] روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، بالأسانيد الصحيحة، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان اليهودُ يتعاطسُونَ عندَ رسول الله ﷺ يَرْجُون أن يقولَ لهم: يرحمُكُم اللَّهُ فيقولُ: "يَهديكُم اللَّهُ وَيُصْلِحُ بالَكُمْ": قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [فصل]: روينا في مسند أبي يعلى الموصلي (١)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ حَدِيثًا فَعَطَسَ عِنْدَهُ فَهُوَ حَقُّ" كل إسناده ثقات مُتقنون إلا بقية بن الوليد فمختلف فيه، وأكثرُ

стр. 415

الحفاظ والأئمة يحتجّون بروايته عن الشاميين، وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن يحيى الشامي. [فصل]: إذا تثاءب فالسنّة أن يردّ ما استطاع للحديث الصحيح الذي قدّمناه. والسنّة أن يضع يده على فيه. [١٨/ ٦٩٢] لما رويناه في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ على فَمِهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ". قلتُ: وسواء كان التثاؤب في الصلاة أو خارجها، يستحبّ وضعُ اليد على الفم، وإنما يكره للمصلّي وضعُ يده على فمه في الصلاة إذا لم تكن حاجة كالتثاؤب وشبهه، والله أعلم. ٢٢٢ ـ بابُ المَدْحِ اعلم أنَّ مدح الإِنسان والثناءَ عليه بجميل صفاته قد يكون في وجه الممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضورِه فلا منعَ منه إلا أن يُجازف المادحُ ويدخل في الكذب فيحرُم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحًا، ويُستحبُّ هذا المدح الذي لا كذبَ فيه إذا ترتب عليه مصلحةٌ ولم يجرّ إلى مفسدة بأن يبلغَ الممدوحَ فيفتتن به، أو غير ذلك. وأما المدحُ في وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديث تقتضي إباحتَه أو استحبابه، وأحاديث تقتضي المنع منه. قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يُقال: إن كان الممدوحُ عنده كمالُ إيمان وحسنُ يقين ورياضةُ نفس ومعرفةٌ تامة بحيث لا يفتتن ولا يغترّ بذلك ولا تلعبُ به نفسُه فليس

стр. 416

بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شيءٌ من هذه الأمور كُرِهَ مدحُه كراهةً شديدة. فمن أحاديث المنع: [١/ ٦٩٣] ما رويناه في صحيح مسلم عن المقداد ﵁؛ أن رجلًا جعلَ يمدحُ عثمانَ ﵁، فعمدَ المقدادُ فجثا على ركبتيه، فجعلَ يحثو في وجهه الحصباءَ، فقال له عثمانُ: ما شأنُك؟ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا رأيْتُم المَدَّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمْ التُّرابَ". [٢/ ٦٩٤] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سمع النبيُّ ﷺ رجلًا يُثني على رجل ويُطريه في المِدْحَةِ، فقال: "أَهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ". قلتُ: قوله يُطريه: بضم الياء وإسكان الطاء المهملة وكسر الراء وبعدها ياء مثناة تحت. والإِطراء: المبالغة في المدح ومجاوزة الحدّ، وقيل: هو المدح. [٣/ ٦٩٥] وروينا في صحيحيهما، عن أبي بكرة ﵁؛ أن رجلًا ذُكِرَ عندَ النبيّ ﷺ ، فأثى عليه رجلٌ خيرًا، فقال النبيّ ﷺ : "وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ـ يقوله مرارًا ـ إنْ كانَ أحَدُكُمْ مادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ كَذَا وكَذَا إنْ كانَ يَرَى أنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلا يُزَكِّي على اللَّهِ أحَدًا".

стр. 417

وأما أحاديث الإِباحة فكثيرةٌ لا تنحصر، ولكن نُشير إلى أطراف منها: فمنها قوله ﷺ في الحديث الصحيح لأبي بكر ﵁ "ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما؟ " (١) وفي الحديث الآخر "لَسْتَ مِنْهُم (٢) " أي لستَ من الذين يُسبلون أُزرَهم خيلاء. وفي الحديث الآخر "يا أبا بَكْرٍ! لا تَبْكِ، إنَّ أمَنَّ النَّاسِ عَليَّ في صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا" (٣) " وفي الحديث الآخر "أرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُم" (٤) " أي من الذين يُدْعون من جميع أبواب الجنة لدخولها. وفي الحديث الآخر "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ" (٥) وفي الحديث الآخر "اثْبُتْ أُحُدُ فإنَّمَا عَلَيْكَ نَبيٌّ وَصِدّيقٌ وَشَهِيدَانِ " (٦) ". وقال رسول الله ﷺ : "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرأيْتُ قَصْرًا، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ قالُوا: لِعُمَرَ، فأرَدْتُ أنْ أدْخُلَهُ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ" (٧) فقال عمر ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله! أعليك أغار؟. وفي الحديث الآخر "ياعُمَرُ! ما لَقِيَكَ الشَّيْطانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَاّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ" (٨). وفي الحديث الآخر "افْتَحْ لِعُثْمانَ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ" (٩). وفي الحديث الآخر قال لعليّ: "أنْتَ مِنِّي وأنا مِنْكَ" (١٠) وفي الحديث

стр. 418

الآخر قال لعليّ: "أما تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ " (١). وفي الحديث الآخر قال لبلال "سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ في الجَنَّةِ" (٢). وفي الحديث الآخر قال لأُبيّ بن كعب "لِيَهْنَأْكَ العِلْمُ أبا المنْذِرِ" (٣). وفي الحديث الآخر قال لعبد الله بن سَلَام "أنْتَ على الإِسْلامِ حتَّى تَمُوتَ" (٤). وفي الحديث الآخر قال للأنصاري "ضَحِكَ اللَّهُ ، أوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُما" (٥). وفي الحديث الآخر قال للأنصار "أنْتُمْ مِنْ أحَبّ النَّاس إِليَّ" (٦). وفي الحديث الآخر قال لأشجّ عبد القيس: "إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ تَعالى وَرَسُولُهُ: الحِلْمَ وَالأناة" (٧). وكلّ هذه الأحاديث التي أشرت إليها في الصحيح مشهورة، فلهذا لم أضفها، ونظائر ما ذكرناه من مدحه ﷺ في الوجه كثيرة. وأما مدح الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يُقتدى بهم ﵃ أجمعين فأكثر من أن تُحصر، والله أعلم. قال أبو حامد الغزالي في آخر كتاب الزكاة من الإِحياء: إذا تصدق

стр. 419

إنسان بصدقة فينبغي للآخذ منه أن يَنظر، فإن كان الدافعُ ممّن يُحِبّ الشكر عليها ونشرها فينبغي للآخذ أن يخفيَها لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم وطلبه الشكر ظلم، وإن علم من حاله أنه لا يُحِبّ الشكر ولا يقصده فينبغي أن يشكرَه ويظهر صدقته. وقال سفيان الثوري ﵀: مَن عرف نفسه لم يضرّه مدح الناس. قال أبو حامد الغزالي بعد أن ذكر ما سبق في أول الباب: فدقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يُراعي قلبَه، فإن أعمالَ الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان وشماتة له، لكثرة التعب وقلة النفع، ومثل هذا العلم هو الذي يقال فيه: إن تعلم مسألة منه أفضل مِنْ عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر، وبالجهال به تموت عبادة العمر، وبالجهل به تموت عبادة العمر كله وتتعطل، وبالله التوفيق. ٢٢٣ ـ بابُ مدح الإِنسان نفسه وذكر محاسنه قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] اعلم أن ذكرَ محاسن نفسه ضربان: مذموم، ومحبوب، فالمذمومُ أن يذكرَه للافتخار وإظهار الارتفاع والتميّز على الأقران وشبه ذلك؛ والمحبوبُ أن يكونَ فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمرًا بمعروف أو ناهيًا عن منكر أو ناصحًا أو مشيرًا بمصلحة أو معلمًا أو مؤدبًا أو واعظًا أو مذكِّرًا أو مُصلحًا بين اثنين أو يَدفعُ عن نفسه شرًّا أو نحو ذلك، فيذكر محاسنَه ناويًا بذلك أن يكون هذا أقربَ إلى قَبول قوله واعتماد ما يذكُره، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به أو نحو ذلك، وقد جاء في هذا لهذا المعنى ما لا يحصى من النصوص كقول النبيّ ﷺ "أنا النَّبِي لا كَذِبْ" "أنا سَيِّدُ وَلَد آدَم" "أنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ":أنا أعْلَمُكُمْ باللَّهِ وأتْقاكُمْ" "إني أبِيتُ عنْدَ ربي" وأشباهه كثيرة، وقال يوسف ﷺ : " ﴿اجْعَلْني على خَزَائِنِ الأرْضِ

стр. 420

إني حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] وقال شعيب ﷺ : ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧]. [١/ ٦٩٦] وقال عثمان ﵁ حين حُصر ما رويناه في صحيح البخاري أنه قال: ألستم تعلمون أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ جَهّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ؟ " فجهّزتهم، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ حَفَرَ بِئرَ رُومَة فَلَهُ الجَنَّةُ" فحفرتها؟ فصدّقوه بما قاله. [٢/ ٦٩٧] وروينا في صحيحيهما، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقالوا: لا يُحسن يصلي، فقال سعد: والله إنّي لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله تعالى، ولقد كنّا نغزو مع رسول الله ﷺ ، وذكر تمام الحديث. [٣/ ٦٩٨] وروينا في صحيح مسلم، عن عليّ ﵁ قال: والذي فلق الحبَّة وبرأَ النسمةَ، إنه لعهدُ النبيّ ﷺ إليّ "أنه لا يحبني إلا مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق". قلتُ: بَرَأَ مهموز معناه خلق؛ والنسمة: النفس.

стр. 421

[٤/ ٦٩٩] وروينا في صحيحيهما، عن أبي وائل قال: خطبنا ابنُ مسعود ﵁ فقال: والله لقد أخذتُ من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، ولقد علمَ أصحابُ رسول الله ﷺ أني مِنْ أعلمهم بكتاب الله تعالى وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدًا أعلمُ منّي لرحلتُ إليه. [٥/ ٧٠٠] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن البدنة إذا أزحفت، فقال: على الخبير سقطتَ ـ يعني نفسَه ـ وذكر تمام الحديث. ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر، وكلُّها محمولة على ما ذكرنا، وبالله التوفيق. ٢٢٤ ـ بابٌ في مسائل تتعلَّق بما تقدَّم [مسألة]: يُستحبّ إجابةُ مَن ناداك بلبّيك وسعديك أو لبّيك وحدها، ويُستحبّ أنْ يقول لمن ورد عليه مرحِّبًا، وأن يقول لمن أحسن إليه أو رأى منه فعلًا جميلًا: حفظك الله وجزاك الله خيرًا، وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة. [مسألة]: ولا بأس بقوله للرجل الجليل في علمه أو صلاحه أو نحو ذلك: جعلني الله فداكَ، أو فِداكَ أبي وأُمي وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة حذفتها اختصارًا. [مسألة]: إذا احتاجتْ المرأة إلى كلام غير المحارم في بيع أو شراء

стр. 422

أو غير ذلك من المواضع التي يجوز لها كلامه فيها فينبغي أن تفخِّمَ عبارتَها وتغلظها (١) ولا تليِّنها مخافةَ من طمعه فيها. قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا في كتابه "البسيط": قال أصحابنا: المرأة مندوبة إذا خاطبتِ الأجانبَ إلى الغِلْظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة، وكذلك إذا خاطبتْ مَحرمًا عليها بالمصاهرة، ألا ترى أن الله تعالى أوصى أُمّهات المؤمنين وهنّ محرّمات على التأبيد بهذه الوصية، فقال تعالى: ﴿يا نساءَ النَّبيّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] قلتُ: هذا الذي ذكره الواحدي من تغليظ صوتها، كذا قاله أصحابنا. قال الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا: طريقُها في تغليظه أن تأخذ ظهرَ كفّها بفيها وتُجيب كذلك، والله أعلم. وهذا الذي ذكره الواحديُّ من أن المحرّم بالمصاهرة كالأجنبي في هذا ضعيف وخلاف المشهور عند أصحابنا؛ لأنه كالمَحرم بالقرابة في جواز النظر والخلوة. وأما أُمَّهاتُ المؤمنين فإنهنّ أُمّهاتٌ في تحريم نكاحهنّ ووجوب احترامهنّ فقط، ولهذا يحلّ نكاح بناتهنّ، والله أعلم.

стр. 423

كتاب أذكار النّكاح وما يتعلّق به ٢٢٥ ـ باب ما يقوله من جاء يخطب امرأةً من أهلها لنفسه أو لغيره يُستحبّ أن يبدأ الخاطبُ بالحمد لله والثناء عليه والصَّلاة على رسول الله ﷺ ويقول: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه جئتكم راغبًا في فتاتِكم فُلانة أو في كريمتِكم فُلانة بنت فلان أو نحو ذلك. [١/ ٧٠١] روينا في سنن أبي داود وابن ماجه وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ كَلامٍ" وفي بعض الروايات "كُلُّ أمْرٍ لا يُبْدأُ فِيه بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أجْذَمُ" وروي "أقْطَعُ" وهما بمعنى. هذا حديث حسن. وأجذم بالجيم والذال المعجمة ومعناه: قليل البركة. [٢/ ٧٠٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، عن

стр. 424

النبيّ ﷺ قال: "كُلُّ خطْبَةٍ لَيْسَ فِيها تَشَهُّدٌ فَهِيَ كاليَدِ الجَذْماءِ" قال الترمذي: حديث حسن. ٢٢٦ ـ باب عرض الرجل بنته وغيرها ممن إليه تزويجها على أهلِ الفضلِ والخير ليتزوجُوها [١/ ٧٠٣] روينا في صحيح البخاري؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ لما تُوفي زَوْجُ بنته حفصة ﵄ قال: لقيتُ عثمان فعرضتُ عليه حفصةَ فقلتُ: إن شئتَ أنكحتُك حفصة بنتَ عمر، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوّج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصديق ﵁ فقلتُ: إن شئتَ أنكحْتُك حفصةَ بنتَ عمر، فصمتَ أبو بكر ﵁، وذكر تمام الحديث. ٢٢٧ ـ بابُ ما يقولُه عند عَقْدِ النِّكَاح يُستحبُّ أن يخطبَ بين يدي العقد خطبةً تشتملُ على ما ذكرناهُ في الباب الذي قبلَ هذا وتكونُ أطولَ من تلك، وسواء خطبَ العاقدُ أو غيرُه. وأفضلُها: [١/ ٧٠٤] ما روينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وغيرها، بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علَّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: "الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

стр. 425

﴿يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١] ". هذا لفظ إحدى روايات أبي داود. وفي رواية له أخرى (١) بعد قوله ورسوله "أرْسَلَهُ بالحَقّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِما فإنَّهُ لا يَضُرُّ إِلَاّ نَفْسَهُ وَلا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا" قال الترمذي: حديث حسن. قال أصحابنا: ويُستحبُّ أن يقول مع هذا: أُزوِّجك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وأقلّ هذه الخطبة: الحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلاةُ على رَسُولِ الله ﷺ أُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ، والله أعلم. واعلم أن هذه الخطبة سنّة، لو لم يأتِ بشيء منها صحَّ النكاح باتفاق العلماء. وحكي عن داود الظاهري ﵀ أنه قال: لا يصحّ، ولكن العلماء المحققون: لا يعدّون خلافَ داود خلافًا معتبرًا، ولا ينخرقُ الإِجماعُ بمخالفته، والله أعلم. وأما الزوجُ فالمذهب المختار أنه لا يخطب بشيء، بل إذا قال له الوليّ: زوّجتك فلانة. يقول متصلًا به: قبلتُ تزويجها؛ وإن شاء قال: قبلتُ نكاحَها، فلو قال: الحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ قبلتُ، صحَّ النكاحُ، ولم يضرّ هذا الكلام بين الإِيجاب والقبول؛ لأنه فصل يسير
следующие страницы →