رضيَ الله عنه
أنَّ رسولَ الله ﷺ أخذ بيده وقال: "يا مُعاذُ! وَاللَّهِ إني لأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يا مُعاذُ! لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ".
[٤/ ٧٧٧] وروينا في كتاب الترمذي، عن يزيدَ بن نعامة الضبيّ قال:
قالَ رسولُ الله ﷺ : "إذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أبيه وَممّنْ هُوَ، فإنَّه أوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ".
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال: ولا نعلم ليزيدَ بن نعامة سماعًا من النبيّ ﷺ ، قال: ويُروى عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ نحو هذا، ولا يصحّ إسناده.
قلتُ: وقد اخْتُلف في صحبة (١) يزيدَ بن نعامة فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لا صحبةَ له، قال: وحكى البخاري أن له صحبة، قال: وغَلِطَ.
٢٦٦ ـ بابُ ما يقولُ إذا رَأى مُبتلى بمرضٍ أو غيرِه
[١/ ٧٧٨] روينا في كتاب الترمذي، عن أبي هريرة ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ رأى مُبْتَلىً فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي عافاني مِمَّا ابْتلاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذلكَ البَلاءُ" قال الترمذي: حديث حسن.
стр. 457
[٢/ ٧٧٩] وروينا في كتاب الترمذي، عن عمرَ بن الخطاب ﵁؛
أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ رأى صَاحِبَ بَلاءٍ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي عافانِي مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفضِيلًا إِلَاّ عُوفِيَ مِنْ ذلكَ البَلاءِ كائِنًا ما كانَ ما عاش" ضعَّفَ الترمذي إسنادَه.
قلتُ: قال العلماءُ من أصحابنا وغيرهم: ينبغي أن يقوَ هذا الذكرَ سِرًّا بحيثُ يُسمعُ نفسَه ولا يُسمعُه المبتلى لئلا يتألَّمَ قلبُه بذلك، إلا أن تكون بليّتُه معصيةً فلا بأس أن يُسمعَه ذلك إن لم يخفْ من ذلك مفسدة، والله أعلم.
٢٦٧ ـ بابُ استحباب حمدِ الله تعالى للمسؤول عن حاله أو حال محبُوبه مع جوابه إذا كان في جوابه إخبارٌ بطيبِ حالِه
[١/ ٧٨٠] روينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄؛
أن عليًّا ﵁ خرجَ من عند رسول الله ﷺ في وجعهِ الذي تُوفي فيه، فقال الناسُ: يا أبا حسنٍ! كيف أصبحَ رسولُ الله ﷺ ؟ فقال: "أصْبَحَ بِحَمْدِ الله تَعالى بارئًا".
٢٦٨ ـ بابُ ما يقولُ إذا دخلَ السُّوقَ
[١/ ٧٨١] روينا في كتاب الترمذي وغيره، عن عمرَ بن الخطاب ﵁؛
أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فقالَ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ
стр. 458
وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: كَتبَ اللَّهُ لَهُ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ ألْفَ ألْفِ سَيِّئْةٍ، وَرَفَعَ لَهُ ألْفَ ألْفِ دَرَجَة" رواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين من طرق كثيرة، وزاد فيه في بعض طرقه "وَبَنى لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ" وفيه من الزيادة: قال الراوي: فقدمتُ خراسان، فأتيتُ قُتَيبةَ بن مسلم فقلتُ: أتيتكَ بهدية فحدّثته بالحديث، فكان قتيبةُ بن مُسلم يركبُ في موكبه حتى يأتيَ السوقَ فيقولُها ثم ينصرف. ورواه الحاكم أيضًا من رواية ابن عمر عن النبيّ ﷺ ، قال الحاكم: وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وبُريدة الأسلمي وأنس، قال: وأقربُها من شرائط هذا الكتاب حديث بُريدة (١) بغير هذا اللفظ، فرواه بإسناده عن بُريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل السوق قال: "باسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ خَيْرَ هَذِهِ السّوقِ وَخَيْرَ ما فِيها، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما فِيهَا؛ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ أنْ أُصِيبَ فِيها يَمِينًا فاجِرَةً، أوْ صَفْقَةً خاسِرَةً".
٢٦٩ ـ بابُ استحباب قولِ الإِنسانِ لمن تزوَّجَ تزوّجًا مُستحبًا، أو اشترى أو فعل فِعْلًا يَستحسنُه الشرعُ: أصبتَ أو أحسنتَ ونحوه
[١/ ٧٨٢] روينا في صحيح مسلم، عن جابر ﵁ قال:
قال لي رسول الله ﷺ : "تَزَوَّجْتَ يا جابِرُ؟! قلت: نَعم، قال: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قلتُ: ثيّبًا يا رسول الله! قال: فهَلاّ جارِيَةً تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ؟ " أو قال: "تُضَاحِكُهَا
стр. 459
وتُضَاحِكُكَ". قلت: إن عبد الله ـ يعني أباه ـ تُوفي وتركَ تسعَ بناتٍ أو سبعًا، وإني كرهتُ أن أجيئهنّ بمثلهنّ، فأحببتُ أنْ أجيءَ بامرأةٍ تقومُ عليهنّ وتُصْلِحُهنّ، قال: "أصَبْتَ" وذكر الحديث.
٢٧٠ ـ بابُ ما يقولُ إذا نظرَ في المِرْآة
[١/ ٧٨٣] روينا في كتاب ابن السني، عن عليّ ﵁؛
أن النبيّ ﷺ كان إذا نظر في المرآة قال: "الحَمْد لِلَّهِ، اللَّهُمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي".
ورويناه فيه، من رواية ابن عباس بزيادة.
[٢/ ٧٨٤] ورويناه فيه، من رواية أنس قال:
كان رسولُ الله ﷺ إذا نظرَ وجهَه في المرآةِ قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي سَوَّى خَلْقي فَعَدَّلَهُ، وَكَرَّمَ صُورَةَ وَجْهِي فَحَسَّنَها، وَجَعَلَني مِنَ المُسْلِمينَ".
٢٧١ ـ بابُ ما يَقولُ عندَ الحِجَامَة
[١/ ٧٨٥] روينا في كتاب ابن السني، عن عليّ ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرأ آيَة الكُرْسِيِّ عِنْدَ الحِجامَةِ كانَتْ مَنْفَعَةَ حِجامَتِهِ".
стр. 460
٢٧٢ ـ بابُ ما يَقولُ إذا طَنَّتْ أُذُنه
[١/ ٧٨٦] روينا في كتاب ابن السني، عن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا طَنَّتْ أُذُنُ أحَدِكُمْ فَلْيَذْكُرْنِي وَليُصَلّ عَليَّ ولْيَقُلْ: ذَكَرَ اللَّهُ بِخَيْرٍ مَنْ ذَكَرَنِي".
٢٧٣ ـ بابُ ما يقولُه إذا خَدِرَتْ رِجْلُه
[١/ ٧٨٧] روينا في كتاب ابن السني عن الهيثم بن حنش قال:
كنَّا عندَ عبد الله بن عمر ﵄ فخدِرَتْ رجلُه، فقال له رجل: اذكر أحبَّ الناس إليك، فقال: يا محمّدُ ﷺ ، فكأنما نُشِطَ من عِقَال.
[٢/ ٧٨٨] وروينا فيه، عن مُجاهد قال: خَدِرَتْ رِجلُ رجلٍ عند ابن عباس، فقال ابنُ عباس ﵄: اذكر أحبَّ الناس إليك، فقال: محمّدٌ ﷺ فذهبَ خَدَرُه.
وروينا فيه (١)، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي أحدِ شيوخ البخاري الذين روى عنهم في صحيحه قال: أهلُ المدينة يَعجبون من حُسن بيت أبي العتاهية:
وتَخْدَرُ في بعضِ الأحايينِ رِجْلُهُ ... فإنْ لم يَقلْ يا عُتْب لم يذهبِ الخَدَرْ
стр. 461
٢٧٤ ـ بابُ جَواز دُعاء الإِنسان على مَنْ ظَلَمَ المسلمين أو ظلَمه وحدَه
اعلم أن هذا الباب واسعٌ جدًا، وقد تظاهرَ على جوازه نصوصُ الكتاب والسنّة، وأفعالُ سلف الأمة وخلفها، وقد أخبرَ الله في مواضع كثيرة معلومة من القرآن عن الأنبياء صلواتُ الله وسلامُه عليهم بدعائهم على الكفّار.
[١/ ٧٨٩] روينا في صحيح البخاري ومسلم، عن عليّ ﵁:
أن النبيّ ﷺ قال يوم الأحزاب: "مَلأَ اللَّه قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نارًا كما شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى".
[٢/ ٧٩٠] وروينا في الصحيحين، من طرق:
أنه ﷺ دعا على الذين قَتلوا القرَّاءَ ﵃، وأدامَ الدعاءَ عليهم شهرًا يقولُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ".
[٣/ ٧٩١] وروينا في صحيحيهما، عن ابن مسعود ﵁ في حديثه الطويل،
في قصة أبي جهلٍ وأصحابه من قريش حين وَضَعُوا سَلَا الجزور على ظهر النبيّ ﷺ ، فدعا عليهم وكان إذا دعا، دعا ثلاثًا ثم قال: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثلاثَ مرّاتٍ، ثم قال: "اللَّهُمَّ عليكَ بأبي جَهْلٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبيعَةَ" وذكر تمام السبعة، وتمام الحديث.
[٤/ ٧٩٢] وروينا في صحيحيهما، عن أبي هريرة ﵁
أنَّ
стр. 462
رسولَ الله ﷺ كان يدعو: "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطأتَكَ على مُضَرَ؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنيِّ يُوسُفَ".
[٥/ ٧٩٣] وروينا في صحيح مسلم، عن سلمةَ بن الأكوع ﵁:
أن رجلًا أكل بشماله عند رسول الله ﷺ فقال: "كُلْ بِيَمِينِكَ" قال: لا أستطيع، قال: "لا اسْتَطَعْتَ" ما منَعه إلا الكبرُ، قال: فما رفعَها إلى فِيْه.
قلتُ: هذا الرجل هو بُسر ـ بضم الباء وبالسين المهملة ـ ابن راعي العير الأشجعي، صحابي، ففيه جواز الدعاء على مَن خالف الحكم الشرعي.
[٦/ ٧٩٤] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن جابر بن سمرة قال:
شكا أهلُ الكوفة سعدَ بن أبي وقاص ﵁ إلى عمر ﵁، فعزلَه واستعملَ عليهم .. وذكرَ الحديثَ إلى أن قال: أرسل معه عمر رجالًا أو رجلًا إلى الكوفة يسألُ عنه، فلم يدعْ مسجدًا إلا سألَ عنه ويُثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عَبْسٍ، فقامَ رجلٌ منهم يُقال له أُسامة بن قتادة، يُكَنَّى أبا سعدة فقال: أما إذا نشدتنا فإن سعدًا لا يسيرُ بالسريّة، ولا يَقسِمُ بالسويّة، ولا يَعدِلُ في القضية. قال سعد: أما والله لأدعونّ بثلاث: اللهمّ إن كان عبدُك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعةً فأطلْ عمرَه، وأطلْ فقرَه، وعرّضْه للفتن. فكانَ بعد ذلك يقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك بن عُمير الراوي، عن جابر بن سمرة: فأنا رأيتُه بعدُ قد سقطَ حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليتعرّضُ للجواري في الطرق فيغمزُهنّ.
стр. 463
[٧/ ٧٩٥] وروينا في صحيحيهما، عن عروة بن الزبير؛
أن سعيدَ بن زيد ﵄ خاصمْتُه أروى بنتُ أوْس ـ وقيل: أُويس ـ إلى مروان بن الحكم، وادّعتْ أنه أخذ شيئًا من أرضها، فقال سعيد ﵁: أنا كنتُ آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعتُ من رسول الله ﷺ ؟ قال: ما سمعتَ من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ أخَذَ شبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إلى سَبْعِ أرَضِينَ" قال مروان: لا أسألُك بيِّنةً بعد هذا، فقال سعيد: اللهمّ إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلْها في أرضها، قال: فما ماتتْ حتى ذهبَ بصرُها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعتْ في حفرة فماتت.
٢٧٥ ـ بابُ التبرّي مِنْ أَهلِ البدعِ والمَعاصي
[١/ ٧٩٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي بُردة بن أبي موسى قال:
وجع أبو موسى ﵁ وجعًا، فغُشي عليه ورأسُه في حِجر امرأة من أهله، فصاحت امرأةٌ من أهله فلم يستطعْ أن يردَّ شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريءٌ ممّن برىء منه رسولُ الله ﷺ ، فإن رسولَ الله ﷺ برىءَ من الصَّالقةِ والحَالقةِ والشَّاقةِ. قلت: الصَّالقةُ: الصائحة بصوت شديد؛ والحالقةُ: التي تحلق رأسَها عند المصيبة؛ والشَّاقةُ: التي تشقُّ ثيابَها عند المصيبة.
[٢/ ٧٩٧] وروينا في صحيح مسلم، عن يحيى بن يَعمر قال:
قلتُ
стр. 464
لابن عمر ﵄: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويزعمون أن لا قَدَر، وأنّ الأمرَ أُنُفٌ، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أنّي بريءٌ منهم وأنهم بُرآءُ مني.
قلت: أُنُف بضمّ الهمزة والنون: أي مُستأنف لم يتقدّم به علم ولا قدر، وكذب أهل الضلالة، بل سبق علم الله تعالى بجميع المخلوقات.
٢٧٦ ـ بابُ ما يقولُه إذا شرعَ في إزالةِ مُنكر
[١/ ٧٩٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم،
عن ابن مسعود ﵁ قال: دخل النبيّ ﷺ مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمئةٍ وستون نُصُبًا، فجعلَ يطعنُها بعود كان في يده، ويقول: "جاءَ الحَقُّ، وَزَهَقَ الباطلُ، إنّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا جاءَ الحَقُّ وَما يُبْدِىءُ الباطِلُ وما يُعِيدُ".
٢٧٧ ـ بابُ ما يَقولُ مَنْ كانَ في لسانِه فُحْشٌ
[١/ ٧٩٩] روينا في كتابي ابن ماجه وابن السني، عن حُذيفةَ ﵁ قال:
شكوتُ إلى رسول الله ﷺ ذَرْبَ لساني، فقال: "أيْنَ أنْتَ مِنَ الاسْتِغْفارِ؟ إني لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةِ".
стр. 465
قلتُ: الذَرْب بفتح الذال المعجمة والراء، قال أبو زيد وغيره من أهل اللغة: هو فُحش اللسان.
٢٧٨ ـ بابُ ما يَقولُه إذا عَثَرَتْ دَابّتُه
[١/ ٨٠٠] روينا في سنن أبي داود، عن أبي المليح التابعي المشهور عن رجل قال:
كنتُ رديفَ النبيّ ﷺ ، فعثرت دابّته فقلتُ: تَعِسَ الشيطان، فقال: "لا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطانُ، فإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذلكَ تَعاظَمَ حتَّى يَكُونَ مِثْلَ البَيْتِ، وَيَقُولُ: بِقُوَّتِي، وَلَكِنْ قُلْ: باسْمِ اللَّهِ، فإنَّكَ إذَا قُلْتَ ذلك تَصَاغَرَ حتى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبابِ" قلتُ: هكذا رواه أبو داود عن أبي المليح عن رجل هو رَديف النبيّ ﷺ .
[٢/ ٨٠١] ورويناه في كتاب ابن السني، عن أبي المليح عن أبيه، وأبوه صحابي اسمه أُسامة على الصحيح المشهور، وقيل فيه أقوال أُخَر.
وكِلا الروايتين صحيحة متصلة، فإن الرجل المجهول في رواية أبي داود صحابي، والصحابة ﵃ كلُّهم عدولٌ لا تضرُّ الجَهَالةُ بأعيانهم. وأما قوله تَعَس، فقيل معناه: هلك، وقيل سقط، وقيل عثر، وقيل لزمه الشرّ، وهو بكسر العين وفتحها، والفتح أشهر، ولم يذكر الجوهري في صِحاحه غيره.
стр. 466
٢٧٩ ـ بابُ بيانِ أنه يُستحبُّ لكبير البلد إذا مات الوالي أن يخطب الناس يُسكِّنهم ويعظُهم ويأمُرهم بالصبرِ والثباتِ على ما كاننُوا عليه
[١/ ٨٠٢] روينا في الحديث المشهور في خطبة أبي بكر الصديق ﵁ يوم وفاة النبيّ ﷺ وقوله ﵁: مَنْ كان يعبدُ محمّدًا، فإنَّ محمّدًا قد ماتَ، ومَنْ كانَ يعبدُ الله، فإنَّ اللَّه حيٌّ لا يموت.
[٢/ ٨٠٣] وروينا في الصحيحين، عن جرير بن عبد الله أنه يوم ماتَ المغيرةُ بن شعبة وكان أميرًا على البصرة والكوفة، قام جريرٌ فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وقال: عليك باتقاء الله وحدَه لا شريكَ له، والوقارَ والسكينةَ حتى يأتيَكم أميرٌ فإنما يأتيكم الآن.
٢٨٠ ـ بابُ دُعاءِ الإِنسانِ لمن صَنَعَ معروفًا إليه أو إلى النَّاسِ كلِّهم أو بعضِهم، والثناءِ عليه وتحريضه على ذلك
[١/ ٨٠٤] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال:
أتى النبيُّ ﷺ الخلاءَ، فوضعتُ له وَضوءًا، فلما خرج قال: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ " فأُخبر، قال: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ" زاد البخاري "فَقِّهْهُ في الدِّينِ".
стр. 467
[٢/ ٨٠٥] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي قتادة ﵁ في حديثه الطويل العظيم المشتمل على معجزاتٍ متعدّداتٍ لرسول الله ﷺ قال:
فبينا رسولُ الله ﷺ يسيرُ حتى ابهارّ الليل وأنا إلى جنبه، فنَعَس رسولُ الله ﷺ فمالَ عن راحلته فأتيتُه فدعَّمتُه من غير أن أُوقظَه حتى اعتدل على راحلته، ثم سارَ حتى تهوَّر الليلُ مال عن راحلته، فدعَّمتُه من غير أن أوقظَة حتى اعتدل على راحلته، ثم سارَ حتى إذا كان من آخر السَّحَر مالَ ميلة هي أشدّ من الميلتين الأُولَيَيْن حتى كاد ينجفلُ، فأتيتُه فدعَّمته، فرفعَ رأسَه فقال: "مَنْ هَذَا؟ " قلتُ: أبو قتادة، قال: "مَتَى كان هَذَا مَسِيركَ مِنِّي؟ " قلتُ: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال: "حَفِظَكَ الله بِما حَفِظْتَ بِهِ نَبِيّهُ" وذكر الحديث.
قلت: ابهارَّ بوصل الهمزة وإسكان الباء الموحدة وتشديد الراء ومعناه: انتصف؛ وقوله تهوّرَ: أي ذهب معظمه؛ وانجفل بالجيم: سقط؛ ودعَّمته: أسندته.
[٣/ ٨٠٦] وروينا في كتاب الترمذي، عن أُسامةَ بن زيد ﵄،
عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ صُنِعَ إِلَيْه مَعْرُوفٌ فَقالَ لِفاعِلِهِ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أبْلَغَ في الثَّناء" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[٤/ ٨٠٧] وروينا في سنن النسائي وابن ماجه وكتاب ابن السني، عن عبد الله بن أبي ربيعة الصحابي ﵁ قال:
استقرضَ النبيُّ ﷺ
стр. 468
منِّيَ أربعين ألفًا، فجاءَه مال فدفعَه إليَّ وقال: "بارَكَ اللَّهُ لَكَ في أهْلِكَ ومَالِكَ، إنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الحَمْدُ والأداءُ".
[٥/ ٨٠٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن جرير بن عبد الله البَجَليّ ﵁ قال:
كان في الجاهلية بيتٌ لخثعمَ يُقال له الكعبة اليمانية، ويُقال له ذو الخَلَصة، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "هَلْ أنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟ " فنفرتُ إليه في مئة وخمسين فارسًا من أحمسَ فكسَّرْنَا وقتلنَا مَن وجدنا عنده، فأتيناه فأخبرناه، فدعا لنا ولأحمس. وفي رواية: فبرَّك رسُول الله ﷺ على خيلِ أحمسَ ورجالها خمسَ مرّات.
[٦/ ٨٠٩] وروينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄؛
أن رسولَ الله ﷺ أتى زمزمَ وهم يَسقون ويَعملون فيها، فقال: "اعْمَلُوا فإنَّكُمْ على عَمَلٍ صَالِحٍ".
٢٨١ ـ بابُ استحبابِ مُكافأةِ المُهْدي بالدعاءِ للمُهْدَى له إذا دَعا له عندَ الهدية
[١/ ٨١٠] روينا في كتاب ابن السني،
عن عائشة ﵂ قالتْ: أَهديتُ لرسول الله ﷺ شاةٌ قال: "اقْسِمِيها" فكانت عائشةُ إذا رجعتِ الخادمُ تقولُ: ما قالُوا؟ تقولُ الخادمُ: قالوا: باركَ الله فيكم، فتقول عائشة: وفيهم بارك الله، نردُّ عليهم مثلَ ما قالوا، ويَبقى أجرُنا لنا.
стр. 469
٢٨٢ ـ بابُ اسْتحبابِ اعتذارِ مَن أُهديتْ إليه هديّةٌ فردَّها لمعنى شرعي بأن يكون قاضيًا أو واليًا أو كان فيها شُبهة أو كان له عذرٌ غير ذلك
[١/ ٨١١] روينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄؛
أن الصَّعْبَ بن جَثَّامةَ ﵁ أهدى إلى النبيّ ﷺ حمارَ وحْشٍ وهو مُحْرِمٌ، فردَّه عليه وقال: "لَوْلا أنّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنا مِنْكَ" قلت: جَثّامة بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة.
٢٨٣ ـ بابُ ما يقولُ لمن أزالَ عنه أذىً
[١/ ٨١٢] روينا في كتاب ابن السني، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي أيَوبَ الأنصاري ﵁؛ أنه تناول من لحيةِ رسولِ الله ﷺ أذىً، فقال رسول الله ﷺ : "مَسَحَ اللَّهُ عَنْكَ يا أبا أَيوبَ! ما تَكْرَهُ" وفي رواية عن سعد؛ أنَّ أبا أيوب أخذ عن رسول الله ﷺ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "لا يَكُنْ بِكَ السُّوءُ يا أبا أَيُّوبَ، لا يَكُنْ بِكَ السُّوءُ".
[٢/ ٨١٣] وروينا فيه، عن عبد الله بن بكر الباهلي قال:
أخذَ عمرُ ﵁ من لحية رجلٍ أو رأسه شيئًا، فقال الرجلُ: صرفَ الله عنك
стр. 470
السوء، فقال عمر ﵁: صُرفَ عنّا السوءُ منذ أسلمنا، ولكن إذا أُخذ عنك شيء فقل: أخذتْ يداك خيرًا.
٢٨٤ ـ بابُ ما يقولُ إذا رَأى البَاكُورة مِن الثمر
[١/ ٨١٤] روينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
كانَ النَّاسُ إذا رأوْا أوّل الثمر جاؤوا به إلى رسولِ الله ﷺ ، فإذا أخذَه رسولُ الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في ثَمَرِنا، وبَارِكْ لَنا في مَدِينَتِنا، وبَارِكْ لَنا في صَاعِنا، وبَارِكْ لَنا في مُدّنا، ثم يدعُو أصغرَ وليدٍ له فيُعطيه ذلك الثمرَ" وفي رواية لمسلم أيضًا "بَرَكَةً مع بركة، ثُم يعطيه أصغر من يَحضُره من الولدان" وفي رواية الترمذي "أصغرَ وليدٍ يراهُ" وفي رواية لابن السني، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: رأيتُ رسولَ الله ﷺ ، إذا أُتي بباكورةٍ وضعَها على عينيه ثم على شفتيه وقال: "اللَّهُمَّ كمَا أريْتَنا أوّلَهُ فأرِنا آخِرَهُ" ثم يُعطيه مَنْ يكونُ عندَه من الصبيان.
٢٨٥ ـ بابُ استحبابِ الاقتصَادِ في الموعظة والعلم
اعلم أنه يُستحبّ لمن وعظَ جماعةً أو ألقى عليهم عِلْمًا أن يقتصدَ في ذلك ولا يُطوِّل تطويلًا يُمِلُّهم، لئلا يَضجروا وتذهبَ حلاوتُه وجلالتُه من قلوبهم، ولئلا يَكْرَهُوا العلمَ وسماعَ الخير فيقعُوا في المحذور.
[١/ ٨١٥] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن شقيق بن سلمة
стр. 471
قال:
كان ابنُ مسعودٍ يُذكِّرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددتُ أنك ذكّرتَنا كل يوم، فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أنّي أكره أنْ أُمِلَّكم، وإني أتخوَّلكم بالموعظة كما كان رسولُ الله ﷺ يتخوّلنا بها مخافةَ السآمة علينا.
[٢/ ٨١٦] وروينا في صحيح مسلم، عن عمّار بن ياسر ﵄ قال:
سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فأطِيلوا الصَّلاةَ واقْصِرُوا الخُطْبَةَ".
قلتُ: مئنّة، بميم مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة: أي علامة دالّة على فقهه.
وروينا عن ابن شهابٍ الزهريّ ﵀ قال: إذا طالَ المَجلسُ كانَ للشيطان فيه نصيب.
٢٨٦ ـ بابُ فَضْل الدِّلَالةِ على الخير والحَثِّ عليها
قال الله تعالى: ﴿وَتَعاونُوا على البِرّ والتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢].
[١/ ٨١٧] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁؛
أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن دَعا إلى هُدىً كانَ لهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعا إلى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثامِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ آثامِهِمْ شَيْئًا".
[٢/ ٨١٨] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن أبي مسعود الأنصاري
стр. 472
البدريّ ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَلَّ على خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فاعِلِهِ".
[٣/ ٨١٩] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن سهل بن سعدٍ ﵁؛
أن رسولَ الله ﷺ قال لعليّ ﵁: "فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ".
وروينا في الصحيح قوله ﷺ : "واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ" (١) والأحاديث في هذا الباب كثيرة في الصحيح مشهورة.
٢٨٧ ـ بابُ حثِّ مَنْ سُئلَ علمًا لا يعلمُه ويعلمُ أنَّ غيرَه يعرفُه على أن يَدُلَّ عليه
فيه الأحاديث الصحيحة المتقدمةُ في الباب قبلَه، وفيه حديث "الدين النصيحة" (٢) وهذا من النصيحة.
[١/ ٨٢٠] روينا في صحيح مسلم،
عن شُريحِ بن هانىءٍ قال: أتيتُ عائشةَ ﵂ أسألُها عن المسح على الخفّين، فقالتْ: عليكَ
стр. 473
بعليّ بن أبي طالب ﵁ فاسألْه، فإنه كان يُسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه. وذكر الحديث.
[٢/ ٨٢١] وروينا في صحيح مسلم، الحديث الطويل في قصة سعد بن هشام بن عامر لما أرادَ أن يسأل عن وترِ رسولِ الله ﷺ فأتى ابنَ عباس يسألُه عن ذلك، فقال ابن عباس: ألا أدلُّكَ على أعلمِ أهلِ الأرض بوتر رسول الله عليه وسلم؟ قال: مَن؟ قال: عائشة فأْتِها فاسألها. وذكر الحديث.
[٣/ ٨٢٢] وروينا في صحيح البخاري، عن عمران بن حِطَّانَ، قال:
سألتُ عائشةَ ﵂ عن الحرير فقالتْ: ائتِ ابنَ عباسٍ فاسألْه، فسألتُه، فقال: سلِ ابنَ عمر، فسألتُ ابنَ عمر، فقال: أخبرني أبو حفص: يعني عمرَ بن الخطاب ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ في الدُّنْيا مَنْ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ".
قلتُ: لا خلاق: أي لا نصيبَ. والأحاديث الصحيحة بنحو هذا كثيرة مشهورة.
٢٨٨ ـ بابُ ما يَقولُ مَن دُعي إلى حُكْمِ اللَّهِ تعالى
ينبغي لمن قال له غيرُه: بيني وبينَك كتاب الله أو سنّة رسولِ الله ﷺ ، أو أقوال علماء المسلمين، أو نحو ذلك، أو قال: اذهبْ معي إلى حاكم المسلمين، أو المفتي لفصلِ الخصومةِ التي بيننا، وما أشبَه ذلك، أن يقولَ: سمعنا وأطعنا، أو سمعًا وطاعةً، أو نعم وكرامة، أو شبه ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كانَ قَوْلَ المُؤْمِنينَ إذَا دُعُوا إلى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
стр. 474
بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
[فصل]: ينبغي لمن خاصمَه غيرُه أو نازعَه في أمر فقال له: اتّقِ اللَّهَ تعالى، أو خَفِ اللَّهَ تعالى، أو راقبِ اللَّهَ، أو اعلم أنَّ الله تعالى مطّلعٌ عليك، أو اعلم أنَّ ما تقوله يُكتب عليك وتُحاسبُ عليه، أو قال له: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] أو ﴿اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى الله﴾ [البقرة:٢٨١] أو نحو ذلك من الآيات، وما أشبه ذلك من الألفاظ؛ أن يتأدَّبَ ويقول: سمعًا وطاعةً، أو أسأل الله التوفيقَ لذلك، أو أسألُ الله الكريمَ لطفه، ثم يتلطَّفُ في مخاطبة مَن قال له ذلك، وليحذرْ كلَّ الحذرِ من تساهلهِ عند ذلك في عبارته، فإن كثيرًا من الناس يتكلمون عند ذلك بما لا يَليق، وربما تكلَّم بعضُهم بما يكون كفرًا، وكذلك ينبغي إذا قال له صاحبه: هذا الذي فعلتَه خلاف حديث رسول الله ﷺ أو نحو ذلك، أن لا يقول: لا ألتزمُ الحديثَ، أو لا أعملُ بالحديث، أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة؛ وإن كان الحديثُ متروكَ الظاهر لتخصيص أو تأويلٍ أو نحو ذلك، بل يقول عند ذلك: هذا الحديثُ مخصوصٌ أو متأوّلٌ أو متروكُ الظاهر بالإِجماع، وشبه ذلك.
٢٨٩ ـ بابُ الإِعراض عن الجاهلين
قال الله : ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بالعُرْفِ وَأعْرضْ عَنِ الجاهلينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا وَلَكُمْ أعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الجاهِلِين﴾ [القصص:٥٥] وقال تعالى: ﴿فأعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلى عَنْ ذِكْرِنا﴾ [النجم:٢٩] وقال تعالى: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥].
стр. 475
[١/ ٨٢٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
لما كان يومُ حُنين آثرَ رسولُ الله ﷺ ناسًا من أشرافِ العربِ في القسمة، فقال رجلٌ: والله إن هذه قسمةٌ ما عُدلَ فيها، وما أُريدَ فيها وجهُ الله، فقلت: والله لأخبرنّ رسول الله ﷺ ، فأتيتُه فأخبرتُه بما قال، فتغيَّرَ وجهُه حتى كان كالصرف، ثم قال: فَمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، ثم قال: يَرْحَمُ الله مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ" قلت: الصرف بكسر الصاد المهملة وإسكان الراء، وهو صبغ أحمر.
[٢/ ٨٢٤] وروينا في صحيح البخاري،
عن ابن عباس ﵄ قال: قَدِمَ عُيينة بنُ حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكانَ من النفرِ الذين يُدنيهم عمرُ ﵁، وكان القرّاءُ أصحابُ مجلسِ عمرَ ﵁ ومشاورته كُهُولًا كانوا أو شبّانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي، لك وجهٌ عندَ هذا الأمير فاستأذنْ لي عليه، فاستأذنَ فأذنَ له عمر، فلما دخلَ قال: هِيْ يا بن الخطاب، فو الله ما تُعطينا الجزل ولا تحكمُ فينا بالعدل، فغضبَ عمرُ ﵁ حتى همّ أن يُوقع به، فقال له الحرّ: يا أميرَ المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيّه ﷺ : " ﴿خُذِ العَفْوَ وأمُرْ بالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزَها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله تعالى.
стр. 476
٢٩٠ ـ بابُ وَعظِ الإِنسانِ مَنْ هُو أجلّ منه
فيه حديثُ ابن عباس في قصة عمر ﵁ في الباب قبلَه.
اعلم أن هذا البابَ مما تتأكدُ العنايةُ به، فيجبُ على الإِنسان النصيحةُ والوعظُ والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر لكل صغير وكبير إذا لم يغلبْ على ظنه ترتُّبُ مفسدةٍ على وعظه، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وأما الأحاديثُ بنحو ما ذكرنا فأكثرُ من أن تُحصر.
وأما ما يفعله كثيرٌ من الناس من إهمال ذلك في حقّ كبار المراتب وتوهمهم أنَّ ذلك حياء، فخطأٌ صريحٌ وجهلٌ قبيحٌ، فإن ذلك ليس بحياء، وإنما هو خَوَرٌ ومهانةٌ وضعفٌ وعجزٌ، فإن الحياءَ خيرٌ كلُّه، والحياءُ لا يأتي إلا بخير، وهذا يأتي بشرٌ، فليس بحياء، وإنما الحياءُ عند العلماء الربانيين والأئمة المحققين: خُلُق يبعثُ على ترك القبيح، ويمنعُ من التقصير في حقّ ذي الحقّ، وهذا معنى ما رويناه عن الجُنيد ﵁ في رسالة القشيري قال: الحياءُ رؤيةُ الآلاء، ورؤيةُ التقصير، فيتولد بينهما حالة تُسمَّى حياء. وقد أوضحتُ هذا مبسوطًا في أوّل شرح صحيح مسلم، ولله الحمد، والله أعلم.
٢٩١ ـ بابُ الأمر بالوفاءِ بالعهدِ والوَعْدِ
قال الله تعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عاهَدْتُم﴾ [النحل:٩١] وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذينَ أمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وقال تعالى: ﴿وأوْفُوا بالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء:٣٤]. والآيات في ذلك كثيرة، ومن أشدّها قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذينَ أمَنوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].
стр. 477
[١/ ٨٢٥] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرةَ ﵁؛
أن رسول الله ﷺ قال: "آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خانَ" زاد في رواية "وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ" والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
وقد أجمعَ العلماءُ على أن مَن وعد إنسانًا شيئًا ليس بمنهيّ عنه فينبغي أن يفي بوعده، وهل ذلك واجبٌ أو مستحبّ؟ فيه خلاف بينهم؛ ذهب الشافعيُّ وأبو حنيفة والجمهورُ إلى أنه مستحبّ، فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة، ولكن لا يأثم؛ وذهبَ جماعةٌ إلى أنه واجب، قال الإِمامُ أبو بكر بن العربي المالكي: أجلُّ مَن ذهبَ إلى هذا المذهب عمرُ بن عبد العزيز، قال: وذهبتِ المالكية مذهبًا ثالثًا أنه إن ارتبط الوعدُ بسبب كقوله: تزوّج ولك كذا، أو احلف أنك لا تشتمني ولك كذا، أو نحو ذلك، وجب الوفاء، وإن كان وعدًا مُطلقًا لم يجب. واستدلّ مَن لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور، وعند المالكية: تلزم قبل القبض.
٢٩٢ ـ بابُ استحباب دُعاء الإِنسان لمن عَرَضَ عليه مالَه أو غيرَه
[١/ ٨٢٦] روينا في صحيح البخاري وغيره،
عن أنس ﵁ قال: لما قدموا المدينة نزل عبدُ الرحمن بن عوف على سعد بن الربيع فقال: أُقاسمك مالي وأنزل لك عن إحدى امرأتيّ، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك.
стр. 478
٢٩٣ ـ بابُ ما يقولُه المسلمُ للذميّ إذا فعلَ به مَعْرُوفًا
اعلم أنه لا يجوز أن يُدعى له بالمغفرة وما أشبهها مما لا يُقال للكفار، لكن يجوزُ أن يُدعى بالهداية وصحةِ البدن والعافية وشبهِ ذلك.
[١/ ٨٢٧] روينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁ قال:
استسقى النبيُّ ﷺ فسقاه يهوديٌّ، فقال له النبيّ ﷺ : "جَمَّلَكَ اللَّهُ" فما رأى الشيب حتى ماتَ.
٢٩٤ ـ بابُ ما يقولُه إذا رَأى مِن نفسِه أو ولده أو مالِه أو غير ذلكَ شيئًا فأعجبَهُ وخاف أن يصيبه بعينه وأنْ يتضرّرَ بذلك
[١/ ٨٢٨] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هُريرة ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "العَيْنُ حَقٌّ".
[٢/ ٨٢٩] وروينا في صحيحيهما، عن أُمّ سلمة ﵂:
أن النبيَّ ﷺ رأى في بيتها جاريةً في وجهها سفعة فقال: "اسْتَرْقُوا لَهَا، فإنَّ بِهَا النَّظْرَةَ".
قلتُ: السَّفعة بفتح السين المهملة وإسكان الفاء: هي تغيّر وصفرة. وأما النظرة فهي العين، يُقال صبيّ منظور: أي أصابته العين.
[٣/ ٨٣٠] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس رضي الله
стр. 479
عنهما؛
أن النبيّ ﷺ قال: "العَيْنُ حَقٌ، وَلَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسلْتم فاغْسِلُوا".
قلتُ: قال العلماء: الاستغسال أن يُقال للعائن، وهو الصائب بعينه الناظر بها بالاستحسان: اغسلْ داخلَ إِزارك مما يلي الجلد بماء، ثم يُصبّ على العين، وهو المنظور إليه. وثبت عن عائشة ﵂ قالت: كان يُؤمر العائن أن يَتوضأ ثم يغتسل منه المعين. رواه أبو داود (١) بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.
[٤/ ٨٣١] وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه،
عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ يتعوّذُ من الجانّ وعين الإِنسان حتى نزلت المعوّذتان، فلما نزلتا أخذَ بهما وتركَ ما سواهما. قال الترمذي: حديث حسن.
[٥/ ٨٣٢] وروينا في صحيح البخاري حديث ابن عباس؛
أن النبيّ ﷺ كان يُعوِّذ الحسن والحسين: "أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلّ شَيْطانٍ وَهامَّةٍ وَمنْ كُلّ عَيْنٍ لَامَّةٍ، ويقول: إن أباكما كانَ يعوّذ بهما إسماعيلَ وإسحاقَ".
[٦/ ٨٣٣] وروينا في كتاب ابن السني، عن سعيد بن حكيم رضي الله
стр. 480
عنه قال:
كان النبيُّ ﷺ إذا خافَ أن يُصيبَ شيئًا بعينه قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ فِيهِ وَلا تَضُرّهُ".
[٧/ ٨٣٤] وروينا فيه، عن أنس ﵁
أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ رأى شَيْئًا فَأعْجَبَهُ فَقالَ: ما شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ، لَمْ يَضُرَّهُ".
[٨/ ٨٣٥] وروينا فيه، عن سهل بن حنيف ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذَا رأى أحَدُكُمْ ما يُعْجِبُهُ في نَفْسِهِ أوْ مَالِهِ فَلْيُبَرّكْ عَلَيْهِ، فإنَّ العَيْنَ حَقُّ".
[٩/ ٨٣٦] وروينا فيه، عن عامر بن ربيعة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إِذَا رأى أحدُكم من نفسِه ومالِه وأعْجَبَهُ ما يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بالبَرَكَةِ".
وذكر الإِمامُ أبو محمد القاضي حسين من أصحابنا ﵏ في كتابه التعليق في المذهب قال: نظرَ بعضُ الأنبياء ـ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين ـ إلى قومه يومًا فاستكثَرهم وأعجبُوه، فماتَ منهم في ساعة سبعون ألفًا، فأوحى الله إليه: أنَّكَ عِنْتَهُمْ، وَلَوْ أنَّكَ إذْ عِنْتَهُمْ حَصَّنْتَهُمْ لَمْ يَهْلِكُوا، قال: وَبأيّ شَيْءٍ أُحَصّنُهُمْ؟ فأوحى الله تعالى إليه: تقولُ: حَصَّنْتُكُمْ بالحَيِّ القَيُّومِ الَّذي لا يَمُوتُ أبَدًا، وَدَفَعْتُ عَنْكُمُ
стр. 481
السُّوءَ بِلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ العَلِيّ العَظيمِ. قال المعلّق عن القاضي حسين: وكان عادة القاضي ﵀ إذا نظرَ إلى أصحابه فأعجبَه سَمْتُهم وحسنُ حالهم، حصَّنهم بهذا المذكور، والله أعلم.
٢٩٥ ـ بابُ ما يقول إذا رأى ما يُحِبّ وما يَكره
[١/ ٨٣٧] روينا في كتاب ابن ماجه وابن السني، بإسناد جيد، عن عائشة ﵂ قالت:
كان رسولُ الله ﷺ إذا رأى ما يُحِبّ قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحاتُ" وإذا ما يكره قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ على كلّ حالٍ" قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإِسناد.
٢٩٦ ـ بابُ ما يقولُ إذا نظَرَ إلى السَّماء
يُستحبّ أن يقول: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذَابَ النَّار﴾ [آل عمران:١٩١] إلى آخر الآيات، لحديث ابن عباسٍ ﵄ المخرّج في صحيحيهما أنَّ رسول الله ﷺ قال ذلك، وقد سبقَ بيانُه (١)، والله أعلم.
٢٩٧ ـ بابُ ما يَقول إذا تطيَّرَ بشيء
[١/ ٨٣٨] روينا في صحيح مسلم، عن معاوية بن الحكم السلميّ
стр. 482
الصحابي ﵁ قال:
قلت: يارسول الله! منَّا رجال يتطيرون، قال: "ذلكَ شَيْءٌ يَجِدُونَه في صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدَّنّهُمْ".
[٢/ ٨٣٩] وروينا في كتاب ابن السني وغيره،
عن عروة (١) بن عامر الجهنيّ ﵁ قال سُئل النبيّ ﷺ عن الطِّيَرة فقال: "أصْدَقُها الفأَلُ، وَلا يَرُدُّ مُسْلِمًا، وَإِذَا رأيتُمْ مِنَ الطِّيَرَةِ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَقولُوا: اللَّهُم لا يأتِي بالحَسَناتِ إِلَاّ أَنْتَ، وَلا يَذْهَبُ بالسَّيِّئاتِ إِلَاّ أنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ باللهِ".
٢٩٨ ـ بابُ ما يَقولُ عندَ دُخول الحمَّام
قيل: يستحبّ أن يُسمِّيَ الله تعالى، وأنْ يسألَه الجنّةَ، ويستعيذَه من النار.
[١/ ٨٤٠] روينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ البَيْتُ الحَمَّامُ يَدْخُلُهُ المُسْلِمُ، إذَا دَخَلَهُ سألَ اللَّهَ الجَنَّةَ وَاسْتَعاذَهُ مِنَ النَّارِ".
٢٩٩ ـ بابُ ما يَقولُ إذا اشترى غُلامًا أو جَاريةً أو دابّةً، وما يقولُه إذا قَضى دَيْنًا
يُستحبّ في الأوّل أن يأخذَ بناصيته ويقول: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما جُبِلَ عَلَيْهِ.
стр. 483
وقد سبق في كتاب أذكار النكاح الحديث الوارد في نحو ذلك في سنن أبي داود وغيره، ويقول في قضاء الدَّين "بارَكَ اللَّهُ لَكَ في أهْلِكَ وَمالِكَ" و"جَزَاكَ خَيْرًا" (١).
٣٠٠ ـ بابُ ما يقولُ مَن لا يَثبتُ على الخَيْلِ ويُدعى لهُ به
[١/ ٨٤١] روينا في صحيحي البخاري ومسلم،
عن جرير بن عبد الله البجليّ ﵁ قال: شكوتُ إلى النبيّ ﷺ أني لا أثبتُ على الخيل، فضربَ بيده في صدري وقال: "اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هادِيًا مَهْدِيًّا".
٣٠١ ـ بابُ نهيِ العالم وغيرِه أن يُحدِّثَ الناسَ بما لا يَفهمونه، أو يُخافُ عليهم من تحريف معناه وحملِهِ على خلاف المراد منه
قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤].
[١/ ٨٤٢] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم؛
أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ ﵁ حين طوَّل الصلاة بالجماعة: "أفتَّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ؟! ".
стр. 484
[٢/ ٨٤٣] وروينا في صحيح البخاري،
عن عليّ ﵁ قال: حدّثوا الناسَ بما يَعرفون، أتحِبُّون أن يُكذَّب اللَّهُ ورسولُه ﷺ ؟
٣٠٢ ـ بابُ استنصات العالم والواعظِ حاضري مجلسِه ليتوَفَّروا على استماعِه
[١/ ٨٤٤] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن جرير بن عبد الله ﵁ قال:
قال لي النبيّ ﷺ في حجة الوداع: "اسْتَنْصِتِ الناسَ، ثم قال: لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ".
٣٠٣ ـ بابُ ما يقولُه الرجلُ المُقتدى به إذا فعل شيئًا في ظاهره مخالفةٌ للصوابِ مع أنه صَوَابٌ
اعلم أنه يُستحبُّ للعالم والمعلّم والقاضي والمفتي والشيخ المربّي وغيرهم ممّن يقتدى به ويؤخذ عنه: أن يجتنب الأفعالَ والأقوالَ والتصرّفات التي ظاهرها خلاف الصواب وإن كان محقًّا فيها، لأنه إذا فعلَ ذلك ترتَّبَ عليه مفاسد من جملتها: توهم كثير ممّن يعلم ذلك منه أن هذا جائز على ظاهره بكل حال، وأن يبقى ذلك شرعًا وأمرًا معمولًا به أبدًا، ومنها وقوع الناس فيه بالتنقص، واعتقادهم نقصه وإطلاق ألسنتهم بذلك؛ ومنها أن الناس يُسيئون الظنّ به فينفرون عنه، ويُنَفِّرون غيرهم عن أخذ العلم عنه وتَسقط رواياته وشهادته، ويبطلُ العمل بفتواه، ويذهبُ ركون النفوس إلى ما يقولُه من العلوم، وهذه مفاسد ظاهرة؛ فينبغي له اجتناب أفرادها، فكيف
стр. 485
بمجموعها؟ فإن احتاج إلى شيء من ذلك وكان محقًّا في نفس الأمر لم يظهره، فإن أظهرَه أو ظهرَ أو رأى المصلحةَ في إظهاره ليعلم جوازه وحكمُ الشرع فيه، فينبغي أن يقولَ: هذا الذي فعلتُه ليس بحرام، أو إنما فعلتُه لتعلموا أنه ليس بحرام إذا كان على هذا الوجه الذي فعلتُه، وهو كذا وكذا، ودليلُه كذا وكذا.
[١/ ٨٤٥] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن سهل بن سعدٍ الساعديّ ﵁ قال:
رأيتُ رسولَ الله ﷺ قامَ على المِنبر، فكبَّر على الأرض، ثم عادَ إلى المنبر حتى فرغَ من صلاتِه، ثم أقبلَ على الناس فقال: "أيُّها النَّاسُ! إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتي" والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ كحديث "إنَّهَا صَفِيَّةُ" (١).
وفي البخاري (٢): أن عليًّا شربَ قائمًا وقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ فعلَ كما رأيتموني فعلتُ. والأحاديثُ والآثارُ في هذا المعنى في الصحيح مشهورة.
٣٠٤ ـ بابُ ما يقولُه التابعُ للمتبوعِ إذا فعلَ ذلك أو نحوه
اعلم أنه يُستحبّ للتابع إذا رأى من شيخه وغيره ممّن يُقتدى به شيئًا في ظاهره مخالفة للمعروف أن يسأله عنه بنيّة الاسترشاد، فإن كان قد فعلَه ناسيًا تداركَه، وإن كان فعلَه عامِدًا وهو صحيحٌ في نفس الأمر، بَيّنه له:
стр. 486
[١/ ٨٤٦] فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أُسامة بن زيد ﵄ قال:
دفعَ رسولُ الله ﷺ من عَرَفَةَ حتى إذا كان بالشِّعب نزلَ، فَبالَ ثم توضأ، فقلتُ: الصلاةَ يا رسول الله؟! فقال: "الصَّلاةُ أمامَكَ" قلتُ: إنما قال أُسامة ذلك، لأنه ظنّ أن النبيّ ﷺ نسي صلاة المغرب، وكان قد دخل وقتها قربَ خروجه.
[٢/ ٨٤٧] وروينا في صحيحيهما،
قولَ سعد بن أبي وقاص: يا رسولَ الله! ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا.
[٣/ ٨٤٨] وفي صحيح مسلم، عن بريدة؛
أن النبيَّ ﷺ صلَّى الصلواتِ يومَ الفتح بوُضوء واحد، فقال عمر: لقد صنعتَ اليومَ شيئًا لم تكنْ تصنعه، فقال: "عَمْدًا صَنَعْتُهُ يا عُمَرُ! " ونظائر هذا كثيرة في الصحيح مشهورة.
٣٠٥ ـ بابُ الحَثّ على المُشَاورة
قال الله تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ مشهورة.
وتُغني هذه الآية الكريمة عن كلّ شيء، فإنه إذا أمرَ الله في كتابه نصًّا جليًّا، نبّه نبيّه ﷺ بالمشاورة مع أنه أكمل الخلق، فما الظن بغيره؟.
واعلم أنه يُستحبّ لمن همّ بأمر أن يُشاور فيه مَن يَثقُ بدينه وخبرته
стр. 487
وحذقه ونصيحته ووَرَعه وشفقته. ويُستحبّ أن يُشاور جماعة بالصفة المذكورة ويستكثر منهم، ويعرّفهم مقصودَه من ذلك الأمر، ويُبيِّن لهم ما فيه من مصلحة ومفسدة إن علم شيئًا من ذلك، ويتأكّدُ الأمرُ بالمشاورة في حقّ ولاة الأمور العامة كالسلطان والقاضي ونحوهما، والأحاديث الصحيحة في مشاورة عمر بن الخطاب ﵁ أصحابَه ورجوعِه إلى أقوالهم كثيرة مشهورة، ثم فائدة المشاورة القَول من المستشار إذا كان بالصفة المذكورة، ولم تظهر المفسدة فيما أشار به، وعلى المستشار بذل الوسع في النصيحة وإعمال الفكر في ذلك.
[١/ ٨٤٩] فقد روينا في صحيح مسلم، عن تميم الداريّ ﵁،
عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الدّينُ النَّصِيحَةُ، قالوا: لمن يا رسول الله؟! قال: لِلَّهِ وكِتابِهِ وَرَسُولِهِ وأئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ".
[٢/ ٨٥٠] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ".
٣٠٦ ـ بابُ الحَثِّ على طِيْبِ الكَلَام
قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].
[١/ ٨٥١] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عديّ بن حاتم
стр. 488
رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ : "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
[٢/ ٨٥٢] وروينا في صحيحيهما، عن أبي هريرة ﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْها أوْ تَرْفَعُ لَهُ عَليْها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، قال: وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلّ خُطْوَةٍ تَمشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُميطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ".
قلتُ: السُّلَامَى بضم السين وتخفيف اللام: أحدُ مفاصل أعضاء الإِنسان، وجمعه: سلاميات بضم السين وفتح الميم وتخفيف الياء، وتقدم ضبطها في أوائل الكتاب.
[٣/ ٨٥٣] وروينا في صحيح مسلم عن أبي ذرّ ﵁ قال:
قال لي النبيّ ﷺ : "لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ".
٣٠٧ ـ بابُ استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب
[١/ ٨٥٤] روينا في سنن أبي داود، عن عائشة ﵂ قالت:
كان كلام رسول الله ﷺ كلامًا فصلًا يفهمه كلُّ مَن يسمعُه.
[٢/ ٨٥٥] وروينا في صحيح البخاري، عن أنس ﵁،
عن
стр. 489
النبيّ ﷺ ، أنه كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا.
٣٠٨ ـ بابُ المزاح
[١/ ٨٥٦] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس ﵁،
أن رسولَ الله ﷺ كان يقولُ لأخيه الصغير: "يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ".
[٢/ ٨٥٧] وروينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن أنس أيضًا؛
أن النبيَّ ﷺ قال له: "يا ذَا الأُذُنَيْنِ" قال الترمذي: حديث صحيح.
[٣/ ٨٥٨] وروينا في كتابيهما أيضًا؛
أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! احملني، فقال: "إني حامِلُكَ على وَلَدِ النَّاقَةِ" فقال: يا رسولَ الله! وما أصنعُ بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "وَهَلْ تَلدُ الإِبلَ إِلَاّ النُّوقُ؟ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[٤/ ٨٥٩] وروينا في كتاب الترمذي، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قالوا: يا رسولَ الله! إنك تداعبنا. قال: "إني لا أقُولُ إِلَاّ حَقًّا" قال الترمذي: حديث حسن.
[٥/ ٨٦٠] وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن عباس رضي الله
стр. 490
عنهما،
عن النبي ﷺ قال: "لا تُمَارِ أخاكَ وَلا تُمازِحْهُ وَلا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ".
قال العلماء: المزاحُ المنهيُّ عنه، هو الذي فيه إفراط ويُداوم عليه، فإنه يُورث الضحك وقسوةَ القلب، ويُشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين، ويؤولُ في كثير من الأوقات إلى الإِيذاء، ويُورث الأحقاد، ويُسقطُ المهابةَ والوقارَ. فأما ما سَلِمَ من هذه الأمور فهو المباحُ الذي كان رسولُ الله ﷺ يفعله، فإنه ﷺ إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا منعَ قطعًا، بل هو سنّةٌ مستحبةٌ إذا كان بهذه الصفة، فاعتمدْ ما نقلناه عن العلماء وحقَّقناه في هذه الأحاديث وبيان أحكامها، فإنه مما يَعظمُ الاحتياجُ إليه، وبالله التوفيق.
٣٠٩ ـ بابُ الشَّفاعَة
اعلم أنه تُستحبّ الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها ما لم تكن شفاعةً في حدٍّ أو شفاعةً في أمر لا يجوز تركهُ؛ كالشفاعة إلى ناظرٍ على طفل أو مجنون أو وقف، أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلُّها شفاعة محرّمة تحرم على الشافع، ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها؛ ودلائلُ جميع ما ذكرته ظاهرة في الكتاب والسنّة وأقوال علماء الأمة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها، وكانَ اللَّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء:٨٥] المقيت: المقتدر والمقدّر، هذا قول أهل اللغة، وهو محكيٌّ عن ابن عباس وآخرين من المفسرين. وقال آخرون منهم المقيت: الحفيظ، وقيل المقيت: الذي عليه قوت كل دابة ورزقها. وقال الكلبي:
стр. 491
المقيت المجازي بالحسنة والسيئة، وقيل المقيت الشهيد، وهو راجع إلى معنى الحفيظ. وأما الكِفْل فهو الحظ والنصيب، وأما الشفاعة المذكورة في الآية: فالجمهور على أنها هذه الشفاعة المعروفة، وهي شفاعة الناس بعضهم في بعض؛ وقيل الشفاعة الحسنة أن يشفع إيمانه بأنه يقاتل الكفار، والله أعلم.
[١/ ٨٦١] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال:
كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّه على لسانِ نَبِيِّهِ ما أحَبَّ" وفي رواية "ما شاءَ" وفي رواية أبي داود "اشْفَعُوا إِليَّ لِتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ على لِسانِ نَبِيِّهِ ما شاءَ" وهذه الرواية توضّح معنى رواية الصحيحين.
[٢/ ٨٦٢] وروينا في صحيح البخاري،
عن ابن عباس ﵄ في قصة بريرة وزوجها، قال: قال لها النبيّ ﷺ : "لَوْ رَاجعتِيهِ؟ قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أشْفَعُ، قالتْ: لا حاجةَ لي فيه".
[٣/ ٨٦٣] وروينا في صحيح البخاري،
عن ابن عباس، قال: لما قَدِمَ عيينةُ بن حصن بن حذيفة بن بدر نزلَ على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكانَ من النفر الذين يُدنيهم عمرُ ﵁، فقال عيينة: يا بن أخي! لك وجهٌ عند هذا الأمير فاستأذنْ لي عليه، فاستأذنَ له عمرَ، فلما دخل قال: هي يا بن الخطاب! فو الله ما تُعطينا الجزلَ ولا تحكمُ بيننا بالعدل،
стр. 492
فغضبَ عمر حتى همّ أن يُوقع به، فقال الحرّ: يا أميرَ المؤمنين! إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بالعُرْفِ، وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، فو الله ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله تعالى.
٣١٠ ـ بابُ استحباب التَّبْشيرِ والتَّهنئةِ
قال الله تعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهُو قائِمٌ يُصلّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩] وقال تعالى: ﴿ولمَّا جاءتْ رُسُلُنا إبرَاهِيمَ بالبُشْرَى﴾ [العنكبوت:٣١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْرَاهِيمَ بالبُشْرَى﴾ [هود:٦٩] وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلام حَلِيمٍ﴾ [الصَّافات:١٠١] وقال تعالى: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] وقال تعالى: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنَّا نُبشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر:٥٣] وقال تعالى: ﴿وَامْرأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بإسْحَقَ وَمنْ وَرَاءِ إسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] وقال تعالى: ﴿إِذ قَالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران:٤٥]، وقال تعالى: ﴿ذلكَ الَّذي يُبَشِّرُ اللَّهُ عبادَهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحات﴾ [الشورى:٢٣] وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذينَ يَسْتَمِعونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ـ١٨] وقال تعالى: ﴿وَأبْشِرُوا بالجَنَّةِ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصّلت:٣٠] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهَارُ﴾ [الحديد:١٢] وقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَننَاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٢١].
وأما الأحاديث الواردة في البشارة فكثيرة جدًا في الصحيح مشهورة،
стр. 493
فمنها حديث تبشير خديجة ﵂ ببيت في الجنة من قصب لا نصبَ فيه ولا صخب (١). ومنها حديث كعب بن مالك ﵁ المخرّج في الصحيحين (٢) في قصة توبته قال: سمعت صوت صارخ يقولُ بأعلى صوته: يا كعبَ بن مالك أبشر، فذهبَ الناسُ يبشروننا، وانطلقتُ أتأمّم رسولَ الله ﷺ يتلقاني الناسُ فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون: ليهنئك توبةُ الله تعالى عليك حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ الله ﷺ حولَه الناس، فقام طلحةُ بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنّأني، وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة؛ قال كعبُ: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يُبْرقُ وجهُه من السرور: "أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدتْكَ أُمُّكَ".
٣١١ ـ بابُ جَواز التعجّب بلفظ التَّسبيحِ والتَّهليلِ ونحوهما
[١/ ٨٦٤] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁؛
أن النبيّ ﷺ لقيه وهو جُنُب، فانسلَّ فذهبَ فاغتسلَ، فتفقَّده النبيّ ﷺ ، فلما جاء قال: "أيْنَ كُنْتَ يا أبا هُرَيْرَةَ؟! " قال: يا رسول الله! لقيتني وأنا جُنُب فكرهتُ أن أُجالسَك حتى أغتسل، فقال: "سُبْحانَ اللَّه! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ".
[٢/ ٨٦٥] وروينا في صحيحيهما عن عائشة ﵂:
أن امرأة سألتِ النبيَّ ﷺ عن غسلها من الحيض، فأمرَها كيف تغتسلُ قال: "خُذِي
стр. 494
فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّري بِهَا، قالت: كيف أتطهرُ بها؟ قال: تَطَهرِي بِهَا، قالت: كَيْفَ؟ قال: سبْحانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي، فاجتذبتُها إليّ فقلتُ: تتبعي أثرَ الدم".
قلتُ: هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وباقيها روايات مسلم بمعناه، والفِرصة بكسر الفاء وبالصاد المهملة: القطعة. والمسك بكسر الميم: وهو الطيب المعروف، وقيل الميم مفتوحة، والمراد الجلد، وقيل أقوال كثيرة: والمختار أنها تأخذ قليلًا من مسك فتجعله في قطنة أو صوفة أو خرقة أو نحوها فتجعله في الفرج لتُطيِّبَ المحلّ وتزيلَ الرائحةَ الكريهة؛ وقيل: إن المطلوب منه إسراع علوق الولد، وهو ضعيف، والله أعلم.
[٣/ ٨٦٦] وروينا في صحيح مسلم عن أنس ﵁:
أن أُختَ الرُّبَيِّع أُمّ حارثة جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبيَّ ﷺ ، فقال: "القِصَاصَ القِصَاصَ". فقالت أُمّ الربيع. يا رسول الله! أتقتصّ من فلانة والله لا يُقتصُّ منها؟ فقال النبيُّ ﷺ : "سُبْحانَ اللَّهِ يا أُمَّ الرَبيعِ! القِصَاصُ كتابُ الله" قلتُ: أصل الحديث في الصحيحين، ولكن هذا المذكور لفظ مسلم وهو غرضنا هنا، والرُبَيِّع
بضم الراء وفتح الباء الموحدة وكسر الياء المشددة.
[٤/ ٨٦٧] وروينا في صحيح مسلم،
عن عِمرانَ بن الحُصين ﵄ في حديثه الطويل: في قصة المرأة التي أُسرت، فانفلتتْ وركبتْ ناقةَ النبيّ ﷺ ، ونذرتْ إن نجّاها الله تعالى لتنحرنّها، فجاءت فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "سُبْحانَ الله! بِئْسَ ما جَزَتْها".
стр. 495
[٥/ ٨٦٨] وروينا في صحيح مسلم،
عن أبي موسى الأشعري ﵁، في حديث الاستئذان أنه قال
لعمر ﵁ ... الحديث، وفي آخره: يا ابْنَ الخَطابِ! لا تَكُونَنَّ عَذَابًا على أصْحابِ رَسُول الله ﷺ ، قال: سبحانَ الله! إنما سمعتُ شيئًا فأحببتُ أن أثَّبَّتَ.
[٦/ ٨٦٩] وروينا في الصحيحين في حديث عبد الله بن سلام الطويل لما قيل:
إنك من أهل الجنة، قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يقول ما لم يعلم، وذكر الحديث.
٣١٢ ـ بابُ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ
هذا الباب أهمُّ الأبواب، أو من أهمِّها لكثرة النصوص الواردة فيه، لعظم موقعه وشدّة الاهتمام به، وكثرة تساهل أكثر الناس فيه، ولا يمكن استقصاء ما فيه هنا لكن لا نخلّ بشيء من أصوله، وقد صنَّفَ العلماء فيه متفرّقات، وقد جمعتُ قطعةً منه في أوائل شرح صحيح مسلم، ونبّهت فيه على مهمات لا يُستغنى عن معرفتها، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ؛ ويأْمرونَ بالمَعْروفِ وَيَنْهَوْنَ عَن المنكَر وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وقال تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩] وقال تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ والمُؤْمناتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ، يأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] وقال تعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٩] والآيات بمعنى ما ذكرته مشهورة.